إسرائيل والتغيّرات الجيوستراتيجية في الوطن العربيّ
Israel and the Geostrategic Changes in the Arab World
الملخّص
تتابع إسرائيل التغيّرات الإستراتيجية في الوطن العربيّ الناجمة عن الثورات العربيّة بقلقٍ بالغ، فهي تدرك أنّ فرصها في التحكّم في عملية التغيير التي تجري، وفي مجمل التطوّرات الناجمة عنها محدودة للغاية. ولكن، على الرغم من ذلك، تسعى إسرائيل بقدر استطاعتها إلى التقليل من الآثار السلبيّة لتلك التغيّرات عليها وعلى مكانتها ودورها في يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع المنطقة. تعالج هذه الدراسة المواقف الإسرائيليّة من هذه التغيّرات الجيوستراتيجية الجارية من جهة، والمجتمع والفرد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار الآن في الوطن العربيّ نتيجة لثورات الربيع العربيّ، والتي يأتي في مقدّمتها سقوط تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله العديد من أنظمة الاستبداد التي اعتمدت إسرائيل على بعضها في ضمان أمنها. فقيام عنها فشل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيّة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ في العديد من الدول العربيّة جعل صوت الشعوب العربية يطفو على السطح مما أخذ يهدّد بالإخلال بالميزان الذي كانت كفّته راجحةً لصالح أمن إسرائيل. في العالم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شيعيّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن وتناقش الدراسة أيضًا تراجع نفوذ الولايات المتّحدة في المنطقة العربيّة، واحتمالات تغيّر أمانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُنيَّة لا تزال فكرة الحكم السلطانيّ- الذي يغلّب ثقافةً العلاقات الإسرائيليّة - الأميركية. كما تناقش قضيّة الأسلحة غير التقليدية، واحتمال فقدان على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. إسرائيل احتكارها بسبب الربيع العربيّ. وتعْ رض الموقف الإسرائيليّ من الثورة في سورية.
Abstract
Israel is following the strategic changes in the region arising from the Arab revolutions with great anxiety. It is aware that its chances to control the process of change underway, and all the changes arising from it, are limited. Despite this, it is trying its utmost to minimize the negative effects of these changes on its standing in the region. This article deals with Israeli positions towards these geostrategic changes, foremost among them the fall of a number of dictatorial regimes, some of which Israel relied upon to guarantee its security. The establishment of democratic regimes in a number of Arab states threatens to disrupt the balance that was tipped in favor of Israel's security. Examined in this study is the decline of American influence in the Arab region, the prospect of change in Israeli-American relations, as well as the possibility of Israel losing its monopoly over non-conventional weapons because of the Arab Spring. To conclude, a review of the Israeli position on the revolution in Syria is also offered.
- الثورات العربية
- إسرائيل
- التغيرات الجيوستراتيجية
- Arab Revolutions
- Israel
- Geostrategic Changes
تتابع إسرائيل التغيّرات الإستراتيجية في الوطن العربيّ الناجمة عن الثورات العربيّة بقلقٍ بالغ، فهي تدرك أنّ فرصها في التحكّم في عملية التغيير التي تجري، وفي مجمل التطوّرات الناجمة عنها محدودة للغاية. ولكن، على الرغم من ذلك، تسعى إسرائيل بقدر استطاعتها إلى التقليل من الآثار السلبيّة لتلك التغيّرات عليها وعلى مكانتها ودورها في يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع
المنطقة. تعالج هذه الدراسة المواقف الإسرائيليّة من هذه التغيّرات الجيوستراتيجية الجارية من جهة، والمجتمع والفرد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار
الآن في الوطن العربيّ نتيجة لثورات الربيع العربيّ، والتي يأتي في مقدّمتها سقوط تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله
العديد من أنظمة الاستبداد التي اعتمدت إسرائيل على بعضها في ضمان أمنها. فقيام عنها فشل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيّة
أنظمةٍ ديمقراطيةٍ في العديد من الدول العربيّة جعل صوت الشعوب العربية يطفو على السطح مما أخذ يهدّد بالإخلال بالميزان الذي كانت كفّته راجحةً لصالح أمن إسرائيل.
في العالم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شيعيّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن
وتناقش الدراسة أيضًا تراجع نفوذ الولايات المتّحدة في المنطقة العربيّة، واحتمالات تغيّر أمانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُنيَّة لا تزال فكرة الحكم السلطانيّ- الذي يغلّب ثقافةً
العلاقات الإسرائيليّة - الأميركية. كما تناقش قضيّة الأسلحة غير التقليدية، واحتمال فقدان على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين.
إسرائيل احتكارها بسبب الربيع العربيّ. وتعْ رض الموقف الإسرائيليّ من الثورة في سورية.
عوامل الاهتمام الإسرائيلي بالربيع العربيّ ومنطلقاته
منذ انطلاق الربيع العربيّ، ما انفكّت إسرائيل تنظر بقلقٍ شديدٍ إليه وإلى الواقع السياسيّ الجديد الذي تشكّل ولا يزال يتشكّل، من جرّاء
المنطقة.
الثورات العربيّة. فإسرائيل تهتّم اهتمامًا كبيرًا بما يجري في الوطن العربيّ ولا سيمّا في الدول المجاورة لها، لاعتقادها أنّ ما يجري في الدول العربيّة يؤثّر بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ في مكانتها ودورها في المنطقة وأمنها القوميّ وسياساتها العدوانية تجاه العرب وقضاياهم بصورةٍ عامّةٍ والشعب الفلسطينيّ بصورةٍ خاصّة. فإسرائيل التي أقامت وجودها في عام 948 1 على حساب الشعب الفلسطينيّ، ثمّ استكملت احتلال باقي الأراضي الفلسطينية وأراضٍ عربية أخرى في عام 967 1، لا تعدّ نفسها دولةً عاديّةً مثل باقي الدول في المنطقة من حيث الدور والمكانة. وفي سياق توسّعها الإقليميّ وتعزيزها مكانتها ودورها دولةً مهيمنةً ومهابةً، وذات نفوذٍ واسعٍ في المنطقة، خاضت إسرائيل حروبًا منذ عام 948 1 وحتّى اليوم أكرَ من أيّ دولةٍ أخرى في العالم، ولم تعتدِ فقط على الدول العربيّة المجاورة لها، وإمنّ ا اعتدت أيضًا على عددٍ كبير من الدول العربيّة الأخرى التي تبعد عنها مئات الأميال. وهي الدولة الوحيدة في العالم التي دمّرت مفاعلاتٍ نوويةً، إذ دمّرت مفاعلينْنووييّن؛ أحدها في العراق في عام 981 1، والآخر في سورية في عام 007 2، وذلك في سياق إصرارها على الاستمرار في احتكار السلاح النوويّ في المنطقة؛ فإستراتيجية إسرائيلَ تجاه الدول العربيّة تعتمد على منطلقات القوّة والحرب والردع وموازين القوى. واستندت إسرائيل في إدارة صراعها مع الدول العربيّة إلى عوامل قوّتها الأساسية وضعف الدول العربيّة. وهناك قلقٌ في إسرائيلَ من أنْتمسّ الثورات العربيّة، على المديين المتوسط والبعيد بجوانب من عوامل قوّتها من ناحيةٍ، وتنهي عوامل ضعف الدول العربيّة أو تقلّصها من ناحيةٍ أخرى. وتكمن أهمّ العوامل الأساسية لقوّة إسرائيل في: علاقاتها الخاصّة مع الولايات المتّحدة الأميركية، وتفوّقها العسكريّ في الأسلحة التقليدية على جميع الدول العربيّة، واحتكارها السالح النوويّ في المنطقة، ووضعها الاقتصاديّ المتطوّر، وامتلاكها إرادة سياسية موحّدة في قضايا الأمن القوميّ في ظلّ نظامٍ ديمقراطيّ قائمٍ على مسلمّاتٍ أمنيّةٍ وأيديولوجيةٍ عنصريّةٍ معاديةٍ للعرب. ومنْناحيةٍ أخرى، ساهمت عوامل ضعف الدول العربيّة - وفي مقدّمتها وجود أنظمةٍ
1 للمزيد عن تدمير إسرائيل لهذين المفاعلين راجع: يوسي ملمان ودان رفيف، حروب الظلال - ملحموت هاتسلليم - (تل أبيب: ميسكال ويديعوت أحرونوت، 012451)2، ص -.473
عربيةٍ حاكمةٍ مستبدّةٍ وفاسدةٍ، تحتدم الصراعات بينها، وتفتقر شعوبها إلى إرادتها الوطنية، فتقمع مواطنيها وتحرمهم من أبسط حقوقهم وتحرم مجتمعاتها من التطوّر - في المزيد من تعزيز مكانة إسرائيل وسطوتها في المنطقة، ولا سيمّا أنّ الغالبية العظمى من هذه الأنظمة المستبدّة كانت خاضعةً للأجندة الإسرائيليّة - الأميركية في
وعىل الرغم من الصدمة المفاجئة الأوّلية من اندلاع الثورات العربيّة، فإنّه سرعان ما احتلّت هذه الثورات وتطوّراتها والتغيرات الإستراتيجية التي أحدثتها مكانةً مهمّةً عند صانعي القرار الإسرائيليّ في المؤسّستينْ السياسية والعسكرية ولدى مراكز الأبحاث والمؤسّسات الأكاديمية ووسائل الإعلام الإسرائيليّة. وانطلاقًا من المفاهيم والفرضيات المتأصّلة في الثقافة السياسية الإسرائيليّة، وفي مقدّمتها العداء للديمقراطية في الدول العربيّة والعداء للوحدة العربيّة والعمل العربيّ المشَترَك، ناصبت إسرائيل الثوراتِالعربيّةَ العداءَ منذ بدايتها واتّخذت ضدّها موقفًا واضحًا وضدّ أهدافها المطالِبة بإسقاط أنظمة الاستبداد والفساد وإقامة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ تحترم حقوق المواطن وتُقيم العدالة الاجتماعية. وعّبرّ ت إسرائيل عن مواقفها هذه علنًا عبر تصريحات رئيس الحكومة والوزراء وقادة المؤسّسة الأمنيّة، ومن خلال تحليلات المؤسّسات الأكاديمية ومراكز الأبحاثووسائل الإعلام الإسرائيليّة. وشكّكت إسرائيل في قوى التغيير في الوطن العربيّ وفي أصالتها وفي
2 لمزيد من التفصيلات بشأن الموقف الإسرائيلي المعادي للوحدة وللثورات وللديمقراطية في الوطن العربي، انظر دراسة: محمود محارب، "إسرائيل والثورة المصرية"، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، 21 / 4 /.2011 http://dohainstitute.org/release/0e05903f-117f-4759-b44a-a4b287223c13 وانظر كذلك: عوفر شيلح، "الديمقراطية ليست للعرب"، معاريف، 1 / 2 / 2011، http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/206/733.html و: حجاي العاد، "هؤلاء ليسوا ناضجين بعد للديمقراطية"، معاريف، 30 / 1 /.2011 http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/206/220.html
قناعاتها وفي الأهداف التي تناضل من أجلها، ودافعت في الوقت نفسه عن أنظمة الفساد والاستبداد العربيّة، ولا سيمّا تلك التي صنّفتها في خانة "الدول المعتدلة"، وتمسّكت بأفكارٍ عنصرية مدّعيةً أنّ نظام الحكم الديمقراطيّ لا يلائم العرب وأنّ أنظمة الحكم المطلق هي الملائمة لهم. وانسجامًا مع هذه القيم والأحكام، أعربت إسرائيل من خلال قادتها ومؤسّ ساتها المختلفة، عن إعجابها بإتقان أنظمة الاستبداد والفساد العربيّة قمع الشعوب العربيّة ونجاحها في فرض أنظمة حكمٍ قويّةٍ ومستقرّةٍ، إدراكًا منها أنّ أنظمة الاستبداد القويّة في قمعها لشعوبها تنتج دوالضعيفةً، خاصّة في مواجهة العدوّ الخارجي.
إنّ التغريات الإسرتاتيجية في الوطن العربيّ الناجمة عن الثورات العربيّة، لا تزال تجري وتتفاعل، ولم تكتملْمعالمها بعد. وتتابع إسرائيل هذه التغيرات بقلقٍ كبيرٍ، وهي تدرك محدودية تأثيرها في عملية التغيير التي تجري وفي التطوّرات الناجمة عنها. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ إسرائيل تسعى بقدر استطاعتها إلى التقليل من آثارها السلبية عليها وعىلمكانتها ودورها في المنطقة. وسنعالج في هذه الدراسة المواقف الإسرائيليّة من هذه التغيرات الجيوسرتاتيجية في الوطن العربيّ المرتبطة بالربيع العربيّ، والتي يأتي في مقدّمتها سقوط العديد من أنظمة الاستبداد، وإقامة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ في العديد من الدول العربيّة، وتراجع نفوذ الولايات المتّحدة في المنطقة العربيّة، والعلاقات الإسرائيليّة - الأميركية، والأسلحة غريالتقليدية، والعزلة الإسرائيليّة في ضوء الربيع العربيّ، والعلاقات الإسرائيليّة - المصريّة بعد ثورة 25 يناير والموقف الإسرائيلي من سيناريوهات الثورة في سورية.
3 انظر مثلا إلى آشر ساسر، "التقليد والحداثة في الربيع العربي"، عدكان إسرتاتيجي، المجلد 15، العدد 1، (نيسان / أبريل.)2012
سقوط العديد من أنظمة الاستبداد
مثّل سقوط العديد من أنظمة الاستبداد والفساد، وفي مقدّمتها نظام مبارك، خسارةً إستراتيجيةً لإسرائيل. فقد كانت هذه الأنظمة خاضعةً بصورةٍ عامّةٍ للأجندة الإسرائيليّة - الأميركية في المنطقة، وتساهم بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ في تعزيز عوامل قوّة إسرائيل من ناحيةٍ، وفي إضعاف عوامل قوّة الدول العربيّة من ناحيةٍ أخرى. وسنتطرّق إلى نظام مبارك بتفصيلٍ أكرَ بهذا الشأن لاحقًا.
إقامة أنظمة ديمقراطية في العديد من الدول العربيّة
تقف إسرائيل منذ إنشائها وحتّى اليوم ضدّ إقامة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ في الدول العربيّة، فهي ترى في ذلك تهديدًا لها ولسياساتها تجاه العرب؛ إذ يساهم مساهمةً أساسيةً في فتح المجال أمام الشعوب العربيّة للتطوّر والتقدّم بحرّيةٍ في مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية، ويقود إلى تقليص الفجوة بين الشعب وقيادته المنتخبة ديمقراطيًّا بخصوص المواقف من إسرائيل وسياساتها العدوانية ضدّ الشعوب العربيّة، اّ يؤدّي إلى تغيير الإسرتاتيجية العربيّة تجاه إسرائيل من سياسة الخنوع والخضوع لها إلى سياسة مواجهتها ومقاومتها. كما أنّ إقامة أنظمةٍ ديمقراطيةٍ في الدول العربيّة تحمل بين ثناياها تعزيز العمل العربيّ المشرتكَ أيضًا، قد تقود إلى تحقيق الوحدة العربيّة التي تقف إسرائيل ضدّها وترى فيها خطرًا عليها وعلى سياساتها العدوانيّة تجاه العرب. والعداء للديمقراطية والوحدة العربيّتينْقديمٌ وعميقٌ ومتجذّرٌ في الفكر والثقافة السياسية الأمنية الإسرائيليّة، ولا يزال سائدًا في إسرائيل حتّى اليوم. وقد أعرب دافيد بن غوريون مؤسّس إسرائيل وواضع نظريتها الأمنيّة عن خشيته من إمكانيّة أنْيؤسّس العرب أنظمةً ديمقراطيةً ويحقّقوا وحدتهم السياسية، واعتقد أنّ ذلك يهدّد وجود إسرائيل؛ فقد كتب بن غوريون في يومياته في عام 949 1 أنّ العرب يسعوْن إلى تحقيق الديمقراطية والوحدة السياسية، مشريًا إلى أنّهم يتجاهلون المعوقات الداخلية والخارجية والزمن المطلوب لوحدتهم، واستخلص مدى خطر ذلك على إسرائيل قائالً: "يا ويلنا يا ويلنا إذا لم نعرف استغلال هذا الزمن لنَكربُ ولنحتلّ مكانةً في العالم قبل أنْ يحقّق العرب هدفيْها".
4 دافيد بن غوريون، يوميات حرب - يومان ملحماه -، الطبعة الثالثة (تل -أبيب: وزارة الدفاع، 9821)، ص.964
تصاعد قوّة الإسلام السياسي ووصوله إلى الحكم
هناك اتّفاق في إسرائيل على أنّ ازدياد قوّة الإسالم السياسيّ وتضاعف شعبيته وصعوده إلى سدّة الحكم في العديد من الدول العربيّة من جرّاء الثورات العربيّة، يمثّل تهديدًا لإسرائيل ولسياساتها تجاه القضيّة الفلسطينية والصراع العربيّ- الإسرائيليّ. ومما يزيد القلق الإسرائيلي من هذا التهديد هو وصول أحزاب الإسالم السياسيّ إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع وفي سياق عملية البناء الديمقراطيّ الناجمة عن الثورات العربيّة. وتعود الخشية من ازدياد قوّة الإسلام السياسي ووصوله إلى الحكم إلى الأسباب التالية: إنّ تحوّل المنطقة العربيّة والشرق الأوسط أيضًا، إلى معقلٍ للإسلام السياسي الراديكاليّ المستند إلى تأييدٍ شعبيّ متينٍ في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، يضع حدًّا لأطماع إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع الدول العربيّة، وفي إقامة علاقاتٍ إسرتاتيجيةٍ قويّةٍ مع دولٍ محوريةٍ في المنطقة كالعلاقات التي أقامتها إسرائيل مع مصر مبارك ومع تركيا في العقد الذي سبق وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم فيها في عام 002 2. إقامة الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبييّن علاقاتٍ إيجابية مع أحزاب الإسالم السياسيّ وخاصّةً مع الإخوان المسلمين، وهو ما قد تكون له آثارٌ سلبيةٌ على سياسات أمريكا في المنطقة وعلى علاقاتها مع إسرائيل. احتفاظالأحزاب الإسالمية السياسية بعد وصولها إلى الحكم، بمشروعها المعادي لإسرائيل ولسياساتها في المنطقة، حتّى وإن اتّبعت هذه الأحزاب سياسةً براغماتية. وصول الإسالم السياسيّ إلى الحكم في مصر، يحدّ من "الحرية" التي كانت تتمتّع بها إسرائيل في الاعتداء على الفلسطينييّن في قطاع غزّة. فمن أجل الحفاظعلى العلاقات مع مصر ولو في حدّها الأدنى، فإنّ إسرائيل مرغمةٌ على اتّباع سياسة "ضبط النفس" وعدم شنّ حربٍ أو عدوانٍ كبيرٍ ولفرتةٍ زمنية طويلة. فأيّ حرب أو عدوان واسع على غزّة، ولفترة طويلة، قد يؤدّي إلى
5 تحدث الكثير من المختصيّن والمسؤولين الإسرائيلييّن عن خطر وصول الإسالم السياسي إلى سدّة الحكم بعد الثورات العربية، انظر مثالً: داني روتشيلد، "تقييم هرتسليا 012:2 إسرائيل في عين العواصف"، مؤتمر هرتسليا الثاني عشر، شباط / فبراير 012 2. وانظر كذلك إلى: أفرايم عنبار، "التقلبات في العالم العربي وأمن إسرائيل القومي"، مركز بيغن - السادات للأبحاث الإستراتيجية في جامعة بار إيلان، نيسان / أبريل 012 2.
تدهور علاقات إسرائيل مع مصر وتركيا ويسيء إلى علاقاتها مع الولايات المتّحدة.
تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة العربيّة
هناك شبه إجماع بين الباحثين المختصيّن والقادة الإسرائيلييّن على أنّ النفوذ الأمريكيّ في المنطقة العربيّة قد تراجع بصورةٍ ملحوظةٍ بعد انطلاق الثورات العربيّة. ويعيدون سبب هذا التراجع إلى جملة أسباب تتصدّرها الثورات العربيّة وموقف الولايات المتّحدة منها وتعاملها مع تطوّر أحداثها. وينتقد المختصّون والقادة الإسرائيليّون الإدارة الأميركية بشدّةٍ لأنّها تخلّت عن نظامَي الاستبداد والفساد في تونس ومصر بسرعة، ولم تسمح لهما باستعمال القوّة الملائمة للبطش بالمتظاهرين لإنهاء هذين الثورتين، ولأنّها أيّدت تأسيس نظامنيديموقراطيين فيهما، وأقامت علاقاتٍ مع حركات الإسالم السياسيّ؛ وهو ما ألحق ضررًا إستراتيجيًّا بالمصالح الأميركية بحسب المحلّلين الإسرائيلييّن. ومن الملاحظ أنّ المختصيّن والمسؤولين الإسرائيليين يربطون ربطًا وثيقًا بين المصالح الأميركية والإسرائيلية واستمرار أنظمة حكم الاستبداد والفساد في الدول العربيّة، ليس مع تلك الأنظمة التي سقطت فقط، وإمنّ ا مع تلك التي لا تزال تحكم أيضًا؛ إذ يؤكّد ميخائيل ميلشتاين أنّ تخّليّالولايات المتحدة عن نظامَي بن علي ومبارك "أثّر في ثقة حلفاء أميركا في المنطقة، بأنفسهم وفي ثقتهم بالولايات المتّحدة كركيزةٍ إسرتاتيجية لهم ليس فقط ضدّ تهديداتٍ خارجية كالتهديد الإيرانيّ، وإمنّ ا أيضًا ضدّ التحدّيات والتهديدات الداخلية".
6 رون طيره، "اهتزاز احتياط إسرائيل الإستراتيجي"، عدكان إسرتاتيجي، معهد دراسات الأمن القومي، المجلد 14، العدد 3، (تشرين الأول / أكتوبر.)2011 7 ميخائيل ميلشتاين، "شرق أوسط جديد قديم: الهزة في الشرق الأوسط وانعكاساتها على إسرائيل"، عدكان إسرتاتيجي، المجلد 14، العدد 1، (نيسان / أبريل.)2011
ويثريتراجع نفوذ الولايات المتّحدة في المنطقة قلق إسرائيل، لأنّ الولايات المتّحدة هي الحليف والداعم الأساسيّ لها، والتي لا يزال مصيرها ودورها ومكانتها في المنطقة يرتبط ارتباطًا وطيدًا بمكانة الولايات المتّحدة ونفوذها في المنطقة والعالم، وبعلاقتها بها.
الربيع العربيّ والعلاقات الإسرائيلية الأميركية
اهتمّ الباحثون والمسؤولون الإسرائيليّون بموضوع أثر الربيع العربيّ في طبيعة العلاقات الإسرائيليّة - الأميركية. ويظهر من كتابات الباحثين المختصيّن الإسرائيلييّن وجود قلقٍ وخشيةٍ في إسرائيل من إمكانية تأثير الثورات العربيّة ونتائجها في طبيعة العلاقات الإسرائيليّة - الأميركية، وفي الموقف والفعل الأميركييّن تجاه سياسات إسرائيل وخطواتها في المنطقة، والتي تخالف السياسة الأميركيّة أو لا تتماشىمعها. أكّد أفرايم عنبار مدير مركز بيغن - السادات للأبحاث الإستراتيجية في جامعة بار إيلان في دراسةٍ له، أنّ الأمن والردع الإسرائيلييّن يعتمدان عىلعواملَ مهمّةٍ يتصدّرها التزام أميركا بأمن إسرائيل وسالمتها واستعدادها لأنْتهُبّ لتقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية عندما تقتضيالضرورة. وأضاف أنّ هناك قلقًا في إسرائيل بشأن عدم التزام أميركا في تقديم هذه المساعدات الضرورية للردع الإسرائيليّ ومكانتها ودورها في المنطقة دون شروط. إذ إنّ التجربة أظهرت أنّ الإدارة الأميركية خيّبت آمال العديد من حلفائها وتخلّت عنهم عندما كانوا في أمسّ الحاجة إلى مساعدتها. إلى جانب ذلك هناك خشيةٌ منْ أنْتحدّ الإدارة الأميركية من "حرية" إسرائيل في القيام بحربٍ أو بعملياتٍ عسكريةٍ كبيرة في المنطقة، أو بخطواتٍ لا تتماشىمع السياسة الأميركية، وأنّها إذا قامت بذلك دون الموافقة الأميركية فإنّها ستلحق ضررًا كبيرًا بعلاقات إسرائيل مع أميركا. وذكّر عنبار بأنّ هذه الحسابات ليست جديدةً ولكنّها تحتلّ أهميةً كبيرةً في هذه المرحلة بالذات التي تشهد تغّيرّ اتٍ مهمّةً في المنطقة من جرّاء الثورات العربيّة. واستخلص أنّ عىلإسرائيل أخذَ الحيطة الشديدة في علاقاتها مع أميركا في السنوات القادمة وعليها أالّتأخذ طبيعة هذه العلاقات معطى ثابتًا ودائمًا في هذه الظروف المتغيرة، وتحرص بشدّةٍ على الحفاظعلى طبيعة هذه العلاقات ونوعيتها مع أميركا التي لا بديلَ لها.
8 أفرايم عنبار، "التقلبات في العالم العربي وأمن إسرائيل القومي"، المرجع نفسه.
وقد كان داني روتشيلد أكرَ وضوحًا في رؤية المخاطر التي تهدّد العلاقات الأميركية- الإسرائيليّة في أعقاب الربيع العربيّ. وأشار داني روتشيلد إلى أنّه كان من المفترض أنْتظهر إسرائيل بعد الثورات العربيّة بوصفها ذخرًا إسرتاتيجيًّا لأمريكا لأنّها حليفٌ مستقرّ ودائمٌ، ولكن حدث عكس ذلك تمامًا؛ إذ باتت الإدارة الأميركية ترى أنّ إسرائيلَ وسياساتها وممارستها في المنطقة، في ضوء الربيع العربيّ، تمثّل عبئًا على السياسة الأميركية في المنطقة. وأكّد روتشيلد أنّ هناك حوارًا إستراتيجيًا نقديًا يدور في مراكز الأبحاثالأميركية المحسوبة على المعسكر الديمقراطيّ، وفي الصحافة الليبرالية إثر الثورات العربيّة، ضدّ السياسات والممارسات الإسرائيليّة في المنطقة، يشبه الحوار النقدي الذي تتبنّاه النخب في أوروبا تجاه إسرائيل، والذي يؤكّد على أنّ القضية الفلسطينية هي لبّ الصراع في الشرق الأوسط، وأنّ المواقف الإسرائيليّة هي السبب في عدم التوصل إلى حلّ لهذه القضية المركزية.
الربيع العربيّ والأسلحة غير التقليدية
أثارت الثورات العربيّة اهتمامًا ملحوظًا في إسرائيل بمدى تأثير هذه الثورات في وضع الأسلحة غير التقليدية في الدول العربيّة، ولا سيمّا في الدول التي حدثت فيها ثوراتٌ، وفي السياسة النووية التي ستتبعها مصر ما بعد الثورة. كانت إسرائيل مرتاحةً جدًّا لسياسة مصر النووية في ظلّ حكم مبارك، نتيجة يقينها أنّه قد أخذ قرارًا صارمًا بأالّتطوّر مصرُ مشروعًا نوويًّا عسكريًّا. ولكن الخشية في إسرائيل أنْتتّجه مصر بعد سقوط نظامه، وبعد أنْتستقرّ الأوضاع فيها نحو تطوير مشروع نوويّ. أمّا في ما يخصّ الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، فقد ظهر قلقٌ في إسرائيل من إمكانية عدم تمكّن أجهزة الدولة في سورية من الحفاظ
9 داني روتشيلد، "تقييم هرتسليا 012:2 إسرائيل في عين العواصف"، المرجع نفسه.
عىلسيطرتها الكاملة على هذه الأسلحة التي تعتقد إسرائيل أنّ سورية تمتلك كميّاتٍ كبيرةً جدًّا منها. وتخشى إسرائيل من أنْيتسرّب جزءٌ من الأسلحة الكيماوية في ظل استمرار الصراع في سورية إلى حزب الله، أو بعض المجموعات المسلّحة التي تقاتل النظام. وترى إسرائيل أنّ ذلك يهدّدها تهديدًا خطريا؛ إذ تعتقد أنّ بإمكانها ردع النظام السوريّ عنْاستعمال هذه الأسلحة ضدّ إسرائيلَ، ولكنّها تجد صعوبةً كبرية في ردع حزب الله والمجموعات المسلّحة. وقد يؤدّي حصول حزب الله على هذه الأسلحة الكيماوية إلى تأسيس الردع المتبادل بينه وبين إسرائيلَ، وهذا ما لا تريد إسرائيل حدوثه بتاتًا.
إسرائيل والتغيير في مصر
اهتمّت إسرائيل منذ نشوئها وحتّى اليوم اهتمامًا كبيرًا بمصرَ وبدورها المهم في معادلة الصراع العربيّ- الإسرائييلّ وبقدرتها على التأثير في مجمل العلاقات العربيّة - الإسرائيليّة، سواء في مرحلة الحرب بين الدولتنيأو في مرحلة ما بعد توقيع اتّفاقية السالم مع مصر في عام 979 1. ويرجع هذا الاهتمام إلى عاملينْأساسيّينْ، أوّلهما قوّة مصر الذاتية بوصفها دولةً كبيرةً ومتماسكةً وذات طاقاتٍ عظيمةٍ كامنة،ٍ تجعلها الدولة العربيّة الأقدر على الصمود أمام إسرائيل والتصدّي لها. وثانيهما، دور مصر العربيّ والإقليميّ المهمّ، الذي مكّنها من تبوّؤ صدارة العمل العربيّ المشترَك وقيادته فترةً طويلةً. وانطلاقًا من هاتين الحقيقتني، وإدراكًا منها أنّ مرصتمتلك "مفتاح" المنطقة العربيّة إلى حدّ بعيدٍ، لم تكن إسرائيل ترى أنّ اتّفاقية كامب ديفيد أنهت الرصاع بينها وبين مصر، وإمنّ ا اعتقدت أنّه دخل طورًا جديدًا واتّخذ صورةً جديدةً مغايرةً لما كان عليه. فبعد توقيع اتّفاقية كامب ديفيد تمسّ كت إسرائيل بمنطلقاتها الأساسية بشأن الصراع العربي - الإسرائيليّ واستمرّت في صراعها مع مصرَ على جملةٍ واسعةٍ من القضايا التي أحرزت فيها إنجازاتٍ مهمّةً لمصلحتها، وفي مقدّمتها التقليل من مكانة مرصَ وتهميش دورها العربيّ والإقليميّ، وتقليص تأثيرها في تطوّر الأحداثفي المنطقة، وفرض الأجندة الإسرائيليّة - الأميركية عليها في ما يخصّ قضايا الصراع الأساسية في المنطقة بصورةٍ عامّةٍ، والقضية الفلسطينية بصورةٍ خاصّةٍ، ولا سيما في النصف الثاني من فترة حكم
10 انظر: دافيد فريدمان وأفرايم أسكولاي، "انعكاسات أحداث الربيع العربي في مجال السلاح غير التقليدي"، في كتاب: يوئيل جوجانسكي ومارك هلر (محرران)، سنة للربيع العربي: انعكاسات إقليمية ودولية، (تل أبيب: معهد أبحاث الأمن القومي، 012.)2
مبارك. و اّ ساعد إسرائيلَ في تحقيق أهدافها وجود نظام حكمٍ في مصرَ قائمٍ على الاستبداد والفساد ويسعى إلى توريث السلطة لابنه كغيره من أنظمة الحكم في الدول العربيّة. لقد أثّر انتصار ثورة 25 يناير 011 2، وإسقاط نظام الاستبداد والفساد في وضع إسرائيلَ الجيوستراتيجيّ في المنطقة؛ ووضع أمام إستراتيجيتها المعادية لمصرَ والدول العربيّة تحدّياتٍ ومخاطرَ جديدةً. فقد فقدت إسرائيل أهمّ حلفائها في المنطقة في العقود الأخرية، والذي قدّم لها خدماتٍ جمّةً وصفها المسؤولون الإسرائيليّون بأنّها لا تقدّر بثمنٍ. وحدث تطوران مهامّ ن للغاية كانت إسرائيل تخشىحدوثهما لما لهما من تأثيراتٍ إسرتاتيجيةٍ على مصير مرصوالمنطقة: الأوّل، الشروع في إقامة وتأسيس نظامٍ ديمقراطيّ في مصرَ، والمضيقدمًا في تعزيزه على الرغم من الصعوبات التي تواجهها عملية تأسيس النظام الديمقراطيّ. والثاني، وصول الإسلام السياسيّ الذي يحمل مشروعًا معاديًا لإسرائيلَ، إلى سدّة الحكم في مصرَ عن طريق صناديق الاقتراع. لقد غّيرّ ت ثورة 25 يناير المصرية، ولا سيمّا بعد انتخاب محمد مرسي رئيسًا لمصر، طبيعة العلاقات بين مصر وإسرائيل ونوعيتها. ووضعت حدًّا للشراكة الإسرتاتيجية بين الدولتين وحرّرت الإرادة الوطنية المصريّة من تبعيتها للأجندة الإسرائيليّة - الأميركية في المنطقة بصورةٍ عامّةٍ وفي القضية الفلسطينية بصورةٍ خاصّةٍ. وعلى الرغم من صعوبة أوضاعها الاقتصادية، وصعوبة مرحلة عملية التأسيس لنظامٍ ديمقراطيّ وما يرافقها من صراعاتٍ داخليةٍ شديدةٍ، بدأت مصر في استعادة مكانتها ودورها في المنطقة المتعارض والمتناقض مع دور إسرائيل وسياستها العدوانية في المنطقة. ومن الواضح أنّ أشدّ ما يقلق إسرائيل هو الاتّجاه الإسرتاتيجي الذي اتّخذته وتتّخذه مصر ما بعد الثورة في علاقاتها مع إسرائيل، ولكن دون التقليل من قلق إسرائيل بشأن تأثير الثورة في نوعية العلاقات بنيالدولتين في الوقت الحالي وعىلالمدى القريب. فإسرائيل تدرك أنّ الدور المصريّ ما بعد الثورة، ومدى تأثيره وفعاليته في قضايا الصراع والخلاف مع إسرائيل، مرتبطٌ بعواملَ كثيرةٍ تأتي في مقدمتها قوة مصر الذاتية في مختلف المجالات ونوعية علاقاتها العربيّة والإقليمية والدولية وموازين القوى بينها وبين إسرائيل.
11 للمزيد حول أهمية نظام مبارك لإسرائيل وانفراد إسرائيل في الدفاع عنه، انظر: محارب، "إسرائيل والثورة المصرية".
وانطلاقًا من هذا الإدراك، أولت إسرائيل اهتمامًا كبيرًا بمصرَ ما بعد الثورة وبتأثير سياساتها في إسرائيل في المديين القريب والبعيد في جملةٍ من القضايا، وفي مقدّمتها: طبيعة العلاقات الثنائية بين الدولتين ومستقبل اتّفاقية السلام وتأثير التغيرات في مصر على سياسة إسرائيل تجاه القضية الفلسطينية بملفّاتها المختلفة، وفي ميزان القوى في المنطقة وفي الأمن القوميّ الإسرائيليّ، ووضع إسرائيل العسكريّ وفي حجم الجيش الإسرائيليّ ومدى استعداده لإمكانية المواجهة العسكرية مع مصر في حال تدهور العلاقات بين الدولتين.
العلاقات الثنائية ومصير اتفاقية السلامّ
هناك إجماعٌ في إسرائيل على الأهمية القصوى لاتفاقية السلام مع مصر بالنسبة إلى أمن إسرائيل القوميّ ووضعها الإستراتيجي في المنطقة، وأنّ عليها بذل أقصى الجهد من أجل الحفاظ على هذه الاتفاقية. وهناك أيضًا إجماعٌ على أنّ مرصما بعد الثورة، وخاصّةً بعد انتخاب محمد مرسي رئيسًا لها، قد وضعت حدًّا لطبيعة العلاقات السابقة التي كانت قائمة بين إسرائيل ونظام مبارك، وغريّ ت نوعية هذه العلاقات وطبيعتها تغييرًا كبيرًا. وتحاول إسرائيل استقراءَ مدى تأثير إقامة نظامٍ ديمقراطيّ في مصر ووصول "الإخوان المسلمين" إلى سدّة الحكم فيها، بواسطة صناديق الاقتراع في مستقبل العلاقات المصرية - الإسرائيليّة على المدى القريب والمتوسط والبعيد. وتحاول أيضًا استقراء إذا ما كان التغيير في السياسة المصرية سيقتصر على تغيير نوعية العلاقات في ظلّ الالتزام باتّفاقية كامب ديفيد، أم أنه سيشمل المطالبة بإجراء تعديلاتٍ فيها، أم أنّ مصر ستعمل على إلغاء اتفاقية كامب ديفيد على المديين المتوسط والبعيد.
يستبعد معظم الباحثين والمختصيّن الإسرائيلييّن إقدام مصر في المدى القريب عىلإلغاء اتّفاقية كامب ديفيد، لأسبابٍ براغماتيةٍ تعود إلى حسابات موازين القوى والعلاقات مع الولايات المتّحدة والدول الغربية، وإلى انعكاسات مثل هذا القرار على وضع مصر الاقتصاديّ. وقد أشار أكرُ من باحثٍ ومختصٍّ إسرائيليٍّ إلى أنّ الحفاظعلى علاقاتٍ مستقرّةٍ بين مصرَ وإسرائيلَ هو أمرٌ حيويّ لمصرَ، ولا سيما بالنسبة إلى اقتصادها؛ فهناك أربعة قطاعاتٍ مهمة وواسعة في الاقتصاد المصريّ لها علاقةٌ مباشرةٌ وغير مباشرةٍ باستقرار العلاقات مع إسرائيل وبعدم حدوثمواجهةٍ عسكريةٍ، وهي: السياحة، والنفط والغاز، وقناة السويس، والمساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية. ولكنْ، من الملاحظ أنّ هناك قلقًا إسرائيليًّا على مصير اتّفاقية كامب ديفيد على المدى البعيد. فقد هزّ الربيع العربيّ الكثير من المسلمّات التي كانت سائدةً لدى الإسرائيلييّن بشأن مرصوالمنطقة العربيّة. وضاعف قلق الإسرائيلييّن على مصرياتّفاقية كامب ديفيد أنّ ارتبط في الماضي مصير اتّفاقيات السالم بين إسرائيل وجيرانها بإرادة الحاكم فقط، كما يؤكّد المختصّون الإسرائيليّون، لكن، بعد الربيع العربيّ ظهر عاملٌ جديدٌ ذو تأثيرٍ كبير في هذه الاتّفاقيات وهو الشارع العربيّ أو الرأي العامّ العربيّ الذي تحرّر من نظام الاستبداد. وهناك خشيةٌ في إسرائيل من أنْ يقود تأثير الرأي العامّ المصريّ المرافِق لوصول الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم في مرص، وهم الذين يحملون مشروعًا معاديًا في الأصل لإسرائيل، إلى المطالبة الجدية بتعديل اتّفاقيّة كامب ديفيد أو إلغائها كليةً على المدى البعيد، عندما تصبح مصر في وضعٍ قويٍّ يسمح لها بذلك. لقد كان الأمر الأهمّ بالنسبة إلى إسرائيل بشأن اتفاقية كامب ديفيد أنّها أخرجت مصر من حلبة الصراع العسكريّ معها، ومكّنتها طوال العقود الماضية من افتراض أنّه لنْ تحدثأيّ مواجهةٍ عسكريةٍ مع مصرَ في أيّ حالٍ من الأحوال، حتّى وإنْشنّت إسرائيل حربًا وعملياتٍ عسكريةً واسعةً ضدّ أي طرف عربيّ. وبناءً على هذه الفرضية أكّدت المؤسّسة العسكرية الإسرائيليّة طوال العقود الماضية أنّه لنْتكون
12 انظر مثالً إلى: غيورا آيلاند، "الهزّة في الشرق الأوسط وأمن إسرائيل"، عدكان إسرتاتيجي، المجلد 14، العدد 2، (تموز / يوليو 011 2). وكذلك: يتسحاق غال، "المصلحة المصرية تتطلب استقرار العلاقات مع إسرائيل"، تسومت هامزراح هاتيخون، المجلد 1، العدد 2، (6 آذار / مارس 011 2)، موقع موشيديان لدراسات الشرق الأوسط: http://www.tau.ac.il/dayancenter/framepub.htm 13 للمزيد انظر: عوديد عيران، "مستقبل الاتفاقيات بنيإسرائيل وجاراتها"، عدكان إسرتاتيجي، المجلد 15، العدد 1، (نيسان / أبريل.)2012
هناك مواجهةٌ عسكريةٌ بين مرصَ وإسرائيلَ ما لم يحدث "تحوّلٌ إسرتاتيجي" في مصر. والسؤال الأهمّ الذي تحاول إسرائيل الإجابة عنه: هل حصل هذا "التحول الإسرتاتيجي" في مصر ما بعد الثورة؟ يتّفق المحلّلون الإسرائيليّون على أنّ "التغيير الإسرتاتيجي" في مصر تجاه إسرائيل عمليةٌ طويلةٌ تستغرق سنواتٍ، وليس حدثًا يأتي دفعةً واحدةً، وهو ما يعطي إسرائيل الوقت الملائم للاستعداد له. وهناك سؤال آخر تحاول إسرائيل الإجابة عنه، هل بدأ فعالً في مصر "التحول الإستراتيجي" الذي يملي عليها إجراء تغييرٍ في إستراتيجيتها العسكرية، وزيادة ميزانيتها الأمنية، وزيادة حجم الجيش الإسرائيليّ برًّا وجوًّا وبحرًا في الأفراد والعتاد والذخيرة؟ ويدعو العديد من المختصيّن الإسرائيلييّن إلى متابعة مسألة "التغيير الإستراتيجي" في مصر وفحصها بدقّةٍ كي تقوم إسرائيل بالاستعداد لمواجهته في الوقت الملائم.
الوضع في سيناء
يحتلّ الوضع في سيناء أهميةً كبيرةً لكلّ من مصر وإسرائيل، ولا سيمّا أنّه يشكّل خطّ الاحتكاكٍ المباشرٍ بين الدولتين، وتتأثّر به- في الوقت نفسه - العلاقات الثنائية بينهما وتؤثّر فيه، ويكشف أيضًا القيود التي فرضتها اتّفاقية كامب ديفيد على السيادة المصرية في سيناء. وتواجه مصرُ منذ سنواتٍ مشكلةً كبيرةً في بسط نفوذها على وسط سيناء وشاملها. وتعود هذه المشكلة جزئيًّا إلى سياسة الإهمال والتهميش التي مارستها الدولة تحت حكم نظام مبارك ضد مواطنيها في سيناء، ما أدّى بجزءٍ كبيرٍ منهم إلى إدارة ظهره للنظام المصريّ ومؤسّساته، وإلى ظهور مجموعاتٍ كثيرةٍ مسلّحةٍ وغير مسّلحةٍ، تعمل ضدّ النظام
14 آيلاند، "الهزة في الشرق الأوسط وأمن إسرائيل. " 15 المرجع السابق. 16 المرجع السابق.
المصريّ من ناحيةٍ، وضدّ إسرائيلَ من ناحيةٍ أخرى. فهي تقوم بتهريب السالح للمقاومة في قطاع غزّة، وتهريب المهاجرين السرّييّن الأفارقة إلى إسرائيلَ. أمّا الجزء الآخر من المشكلة، فيعود إلى الملحق العسكريّ لاتّفاقية كامب ديفيد الذي يمنع وجود الجيش المصريّ في وسط سيناء وشاملها، ويقصره على وجودٍ رمزيّ فقط، الأمر الذي حدّ من قدرة الدولة على استعمال الجيش المصريّ في مواجهة المجموعات المسلحة، ولا سيما أنّ نظام مبارك كان يركّز على أسلوب القمع في مواجهة المجموعات المسلّحة. تقلّص نفوذ الدولة في سيناء، أثناء ثورة 25 يناير وبعدها، وازداد نشاط المجموعات المسلّحة في مختلف المستويات. وقد عارضت إسرائيل إجراء تعديلاتٍ على الملحق العسكريّ لاتّفاقية كامب ديفيد، أو إدخال الجيش المصري ما يحتاج إليه من قوّاتٍ ومعدّاتٍ عسكريةٍ لمواجهة المجموعات المسلّحة، دون الموافقة الإسرائيلية الرسمية المسبقة. وقد بدا هذا الموقف الإسرائيليّ ضعيفًا ولا يتماشىمع التغريّ ات في مصر ولا مع المستجدّات في سيناء التي لم تتوقّع اتّفاقية كامب ديفيد حدوثها، ولا سيمّا أنّ إسرائيلَ دأبت على الشكوى من عدم قيام مصرَ بمواجهة المجموعات المسلّحة ومكافحة تهريب السلاح إلى قطاع غزّة. وترفض إسرائيل - في الوقت نفسه - إجراء تعديلاتٍ على الملحق العسكريّ لاتّفاقية كامب ديفيد بما يتلاءم مع المتطلّبات الأمنية المصرية الداخلية، وتتمسّك بأنْيكون دخول القوات المصرية إلى وسط سيناء وشاملها محدودًا من حيث الأفراد والعتاد والفترة الزمنية. ويبدو أنّ نوعية هذه العلاقة كانت تتلاءم مع نظام مبارك وليس مع النظام الجديد؛ إذ أدخلت مرصما تحتاج إليه من قوات الجيش المصريّ إلى سيناء لمكافحة المجموعات المسلّحة دون استئذان إسرائيل. وقد دعا الدبلوماسيّ الإسرائيليّ السابق والباحث في معهد دراسات الأمن القوميّ بجامعة تل أبيب عوديد عريان الحكومة الإسرائيليّة إلى الاستجابة إلى إجراء تعديلاتٍ على الملحق العسكريّ لاتّفاقية كامب ديفيد إذا طلبت مصرُ ذلك، وإذا "كانت التعديلات المطلوبة معقولةً". فوفقًا لعيران، إن هدف هذه التعديلات هو تمكين مصر من مواجهة المجموعات المسلّحة، ومكافحة تهريب السلاح إلى قطاع غزة، والحفاظعلى القانون والنظام، وليس محاربة إسرائيلَ. كما أنّ إعادة إقرار مصرَ اتّفاقية السالم، في ظل حكم الإخوان المسلمين، وبعد أن تستجيب إسرائيل للتعديلات المطلوبة، لها فوائد سياسية مهمّة.
17 عيران، "مستقبل الاتفاقيات بين إسرائيل وجاراتها."
إسرائيل والثورة السورية
كان الموقف الإسرائييلّ من النظام السوريّ، ومن الثورة السورية المطالبة بإسقاطه، مركّبًا ومعقّدًا، وتتنازعه عوامل عديدةٌ مختلفةٌ ومتضاربةٌ يدفع بعضها نحو إسقاط النظام، في حنيتدفع عوامل أخرى باتجاه معاكس، عىلخلاف الموقف الواضح والداعم لنظام مبارك والمعارض لإسقاطه بشدّةٍ. ومنْأهمّ العوامل التي تدفع الموقف الإسرائيليّ باتّجاه تفضيل إسقاط النظام السوري ما يلي: التحالف الذي أقامه النظام السوريّ مع إيران و"حزب الله" وبعض التنظيمات الفلسطينية، والذي أصبح محورًا مهامّفي مناهضة السياسة الإسرائيليّة - الأميركية في المنطقة في ما يخصّ الملفّات: السوريّ، واللبنانيّ، والفلسطينيّ، والملفّ النوويّ الإيرانيّ. وترى إسرائيل أنّ سقوط النظام السوريّ سينهي المحور الإيرانيّ - السوريّ المناهض لسياساتها في المنطقة، في مرحلةٍ مهمّةٍ وحسّاسةٍ في الصراع بشأن الملفّ النوويّ الإيرانيّ، ويغريّ طبيعة علاقات سورية مع حزب الله؛ ويفكّك التحالف القائم بينهما، وهو ما يقود إلى إضعاف حزب الله. تمسّك النظام السوريّ بموقفه المناهض لشروط السلام الإسرائيليّة - الأميركية، وإصراره على انسحاب إسرائيلَ من الجولان السوريّ المحتلّ إلى حدود الرابع من حزيران / يونيو 967 1. و على الرغم منْأنّ إسرائيل تتّخذ النظام السوريّ عدوًّا، فهناك عواملُ مهمّةٌ تدفع الموقف الإسرائيليّ باتّجاه تفضيل بقاء النظام السوريّ في الحكم واعتقاد أنّ هذا السيناريو يعد أقل سوءًا بالنسبة إليها. فمن خبرتها بالنظام السوريّ في العقود الماضية، تراه عدوًّا مريحًا يمكن ردعه من ناحيةٍ، والتوصّل إلى تفاهماتٍ مهمّةٍ معه من ناحيةٍ أخرى، وبخاصّة منذ توقيعه اتّفاقية فصل القوات ووقف إطلاق النار مع إسرائيل في عام 974 1، ومن هذه الأسباب: احترام النظام السوريّ منذ عام 9741 اتّفاقية وقف إطلاق النار على الجبهة السورية، وعدم سماحه للجيش السوري أو المقاومة بإطلاق رصاصة واحدة على قوات الاحتلال الإسرائيليّ في الجولان. اتّخاذ النظام السوري القرار التاريخيّ بأنّ السلام مع إسرائيل هو خياره الإستراتيجي، وأنّ مسألة استعادة الجولان السوريّ المحتلّ تعالَج بالطرق السلمية والمفاوضات غري المباشرة مع إسرائيل،
وذلك منذ نهاية البحث عن "التوازن الإسرتاتيجي" مع إسرائيل وبدء مفاوضات مدريد. إجراء النظام السوريّ مفاوضاتٍ جديةً وطويلةً مع إسرائيلَ في تسعينيات القرن الماضي بوساطةٍ أميركيةٍ وتركيةٍ، في عامَي و 0070082 2؛ وإبدائه استعداده لتوقيع اتّفاقية سالمٍ مع إسرائيلَ وإقامة علاقاتٍ طبيعيةٍ معها في مختلف المجالات مقابل استعادة الجولان المحتلّ. أثبتت التجربة في العقود الماضية أنّ بإمكان إسرائيل التوصّل إلى تفاهامتٍ مهمّةٍ مع النظام السوريّ، من خلال الاتّصال المباشر به، على أرضية المصالح المشرتكة بشأن القضايا العربيّة الأكر حساسيةً، حتّى إنْكانت تتناقض مع مواقف النظام السوريّ العلنية الرسمية. لقد أثّرت العوامل المذكورة في الموقف الإسرائيليّ تجاه الثورة في سورية. وقد بدا واضحًا، على الرغم من خطاب قادة إسرائيل اللفظيّ الذي يتّسم في كثيرٍ من الأحيان بالتخبّط، أنّ الموقف الإسرائييلّ فضّ ل عدم استجابة النظام السوري لمطالب الثورة السورية المنادية بالحرية والديمقراطية، واللجوء إلى الحلّ العسكريّ القمعيّ، لأنّ إسرائيل ترى أنّ إقامة نظامٍ ديمقراطيّ في سوريةَ تمثّل تغييرًا إستراتيجيا فيها له تأثيره المهمّ في المنطقة، ويحمل إمكانية النهوض بها وتعزيز قدراتها ومكانتها ودورها في المنطقة على المديين المتوسّط والبعيد، وهو ما يزيد من قدراتها في مواجهة إسرائيل. وقد تفضّ ل إسرائيل إدامة الصراع في سورية واستمراره أطولَ فترةٍ ممكنةٍ من أجل استنزاف الدولة والشعب وطرفي الصراع: النظام والثورة. ويطرح المختصّون الإسرائيليّون عدّة سيناريوهاتٍ لمستقبل سورية ومدى تأثير ذلك في إسرائيل والمنطقة. وأهمّ هذه السيناريوهات:
18 للمزيد انظر: أوري ساغي، اليد التي تجمدت - هياد شكفآه - (تل أبيب: مسكال ويديعوت أحرونوت،.)2011 19 للمزيد من التفصيلات حول هذا الموضوع وحول اجتماع رفعت الأسد (شقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد ورجل سورية القوي في عقد السبعينيات وبداية الثمانينيات) مع وزير الدفاع الإسرائيلي أريئيل شارون سرًا في كانون الأول / ديسمبر 9811، من أجل التفاهم بشأن أهداف الحرب على قوات منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية التي كان يخطّط لشنّها في عام 982 1، انظر: "الموقف الإسرائيلي من الثورة السورية ومستجداته"، تقدير موقف، (الدوحة: المركز العربي للأبحاثودراسة السياسات)، 26 حزيران / يونيو http://dohainstitute.org/release/79d8a65c-1c6a-4f6a-a547-daf42f0c1c71 20 آيلاند، "الهزة في الشرق الأوسط وأمن إسرائيل."
تمكّن نظام بشار الأسد بعد جهدٍ طويلٍ ومريرٍ من البطش والقمع، من البقاء في الحكم لسنواتٍ. ويؤكّد غيورا آيلاند أنّ هناك تأييدًا لهذا السيناريو في أروقة متّخذي القرار في إسرائيل، لأنّه أقلّ السيناريوهات سوءً كما يدّعي. وإذا بقي بشار الأسد في الحكم، فإنّه سيبذل كلّ جهده في محاولة توطيد حكمه في الداخل والحصول عىلالشرعية الدولية في الخارج. وفي هذه الظروف فإنّه سيكون ضعيفًا جدًّا ولن يفكّر في المواجهة مع إسرائيل، وقد يخفّف من دعمه لحزب الله. إسقاط النظام السوريّ ودخول سورية في حالة من الفوضى والصراع الداخليّ. وهذا السيناريو سيضعف سورية ويقلّل من خطرها العسكريّ على إسرائيل، ولكنّه في الوقت نفسه سيضع حدًا لوقف إطلاق النار بين سورية وإسرائيل. إذ من المرجح أنْ تقوم بعض المجموعات المسلّحة بهجماتٍ على الجيش الإسرائيلي في الجولان السوريّ المحتلّ وتفتح جبهةً مع إسرائيل تستقطب شيئًا فشيئًا المزيد من المجموعات المسلّحة مستغلّة الفوضى وعدم وجود حكمٍ مركزيّ قويّ في سورية. وصول الإسالمييّن إلى السلطة بواسطة صناديق الاقتراع بعد إسقاط النظام، وفي هذه الحالة ستتحالف سورية مع تركيا وستكون أكرَ عداءً لإسرائيل. إقامة نظامٍ ديمقراطيّ يتمخّض عنه انتخاب فئات وأحزاب ذات توجّه سياسيّ عامّ قريب من الغرب. وفي مثل هذه الحالة، فإنّه من المرجح أالّيتّخذ الحكم الجديد في البداية على الأقلّ، موقفًا عدائيًّا تجاه إسرائيل، من أجل تثبيت الحكم. ومن المرجّح أن يشجّع وجود هذا النظام الدول الغربية على ممارسة الضغط على إسرائيل لإعادة الجولان السوريّ المحتلّ إلى سورية في إطار اتّفاقية سلامٍ بين إسرائيل وسورية.
الخاتمة
هزّ الربيع العربيّ العديد من الفرضيات والمسلمّات الأساسية المخطئة التي كانت سائدةً في إسرائيل ولدى الكثيرين في المنطقة والعالم عن "طبيعة" الإنسان العربيّ، وتقبّله الخضوع للظلم والخنوع لأنظمة
21 المرجع نفسه.
الاستبداد، واستقرار حكم أنظمة الاستبداد والفساد واستمرارها في الدول العربيّة. وفي الوقت نفسه، أظهر الربيع العربيّ الطاقات الكبيرة الكامنة في الشعوب العربيّة وأعاد التقدير إلى الرأي العامّ العربيّ والجماهير العربية في قدرتها على التأثير في تطوّر الأحداثفي المنطقة. ومنذ انطلاقها، أثارت الثورات العربيّة قلقًا عميقًا في إسرائيل، لما تحمله من عواملَ مهمّةٍ مؤثّرة من شأنها - إذا تحقّقت أو تحقّق بعضها - أنْتُضعف عوامل قوّة إسرائيل من ناحيةٍ، وتعزّز عوامل قوّة الدول العربيّة من ناحيةٍ أخرى. فعلاوةً على إسقاط العديد من أنظمة الاستبداد والفساد، وفي مقدّمتها خسارة إسرائيل لنظام مبارك - حليفها الإستراتيجي الأفضل في العقدين الأخيرين - هناك قلقٌ حقيقيّ في إسرائيل من إمكانية نجاح الثورات العربيّة في تأسيس أنظمة حكمٍ ديمقراطيةٍ متينةٍ في السنوات القادمة في العديد من الدول العربيّة، ولا سيمّا في مصر؛ ووصول قوى وأحزابٍ سياسيّةٍ إلى سدّة الحكم في الدول العربيّة بواسطة صناديق الاقتراع، تحمل مشروعًا معاديًا لإسرائيل ولسياساتها في المنطقة وتسعى إلى تغيير طبيعة العلاقات معها والتصدّي لها ولسياساتها العدوانيّة في المنطقة تجاه الشعب الفلسطينيّ والدول العربيّة. وتخشى إسرائيل أنْيقود ذلك إلى تعزيز العمل العربيّ المشرتَك، ولا سيمّا في القضية الفلسطينيّة، ويساهم في تهيئة الظروف الملائمة لإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينيّة، وتبنّي الدول العربية إستراتيجية جديدة تجاه إسرائيل لعزلها إقليميًّا ودوليًّا، وهو ما قد يؤدّي إلى تراجع علاقات إسرائيل مع حلفائها، إذا استمرّت في سياسة الاستيطان في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة والبطش بالشعب الفلسطينيّ.