الرّئاسة المصريّة بعد مبارك
The Egyptian Presidency Post Mubarak
الملخّص
تعرض هذه الدراسة سمات وملامح البيئة التي يعمل في رحابها الرّئيس المصري الجديد ومعاونوه، وهي بيئةٌ تواجه مجموعةً من الأزمات والتحدّيات التي تتربص على الصعيدين الدّاخلي والخارجي بالرّئيس المنتخب، والقوى التي يمثلها. يحتل موقع الصّدارة في هذه الأزمات، التحدّي الاقتصادي، إلى جانب وراثة الحكم الجديد تركة ثقيلة من الأزمات السياسيّة والمشاكل الاجتماعيّة والأمنيّة. يُضاف إلى ذلك، حالة القلق الإقليمي والدولي من صعود تيّار الإسل م السياسي ومن فوز مرسي، المحسوب على جماعة الإخوان. تحاول الدراسة تقديم إعادة قراءة للتفاعلات بشأن الإطار القانوني والمؤسَّ سي والإداري الذي يحكم عمل مؤسّ سة الرّئاسة المصرية، وإلقاء الضوء على تعاطي الرئيس مرسي مع الجيش والمجلس الأعلى للقوّات المسلّحة خلال المرحلة الانتقاليّة، وكذلك تعاطيه مع قضايا السياسة الخارجية، من خلال تفحص الرسائل السياسية التي حاول الرّئيس مرسي أن يبعث بها في اتجاهاتٍ شتّى بالداخل والخارج، من خلال بعض المبادرات أو ردود الأفعال التي صاحبت أو نجمت عنها تحديات إقليميّة ودوليّة.
Abstract
The environment within which the new Egyptian president and his supporters are operating is facing a series of crises and challenges emerging on both domestic and foreign levels.
- محمد مرسي
- حسني مبارك
- مصر
- الإخوان المسلمين.
- Egyptian Presidency
- Mubarak
- Morsi
- Muslim Brotherhood
مقدمة
يمكن النّظر إلى الرّئاسة المصريّة بعد مبارك من زاويتين: تنصرف والقانوني والإداري، والذي يتعلّق بآليّات أولاهما إلى الشّق المؤسّس العمل فيها وطبيعته والإطار الدّستوري الذي ينظّم هذا العمل، وما طرأ على تلك المتغريّ ات مجتمعة من تطوّرات. أمّا ثانيتهما، فتتعلّق بأداء الرّئيس الجديد وكيفيّة تعاطيه مع بعض التحدّيات الداخليّة والخارجيّة التي تواجهه خلال وجوده في السلطة. ولكن قبل الخوض في ذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى الوقوف على سامت وملامح البيئة التي يعمل في رحابها الرّئيس الجديد ومعاونوه.
أولّا - البيئة المحيطة
ثمّة مستجدّات مهمّة دلفت إلى المعادلة السياسيّة في مصر عقب الإطاحة بمبارك، يتعنيّوضعها في الاعتبار عند التعرّض لوضع الرّئاسة المصريّة في عهد الرّئيس محمد مرسي، من أبرزها: أواّلً، تضاؤل المدى الزّمني الفاصل ما بين تنحّي مبارك في الحادي عشر من شباط / فبراير 0112 إثر ثورة شعبيّة، وتويلّ الرّئيس مرسي رئاسة البالد عقب أوّل انتخاباتٍ حرّة نزيهة في تاريخ مرصفي حزيران / يونيو 012 2، إذ يصعب تحليل وضع الرّئاسة المصريّة على نحوٍ دقيق ومفصّل، ومعالم مؤسّسة الرّئاسة لم تتّضح بعد بصورةٍ نهائيّة من النواحي كافّة. ثانيًا، ظلال مبارك: فوسط مساعيه الحثيثة وجهده المضني لكييبلي بلاءً حسنًا في مهمّته الشّاقة، سيجد الرّئيس مرسي نفسه محفوفًا بظلال مبارك وتجربته، سواء شاء أم أبى. ذلك أنّ حرصه الشّديد على الاستفادة من تجربة سلفه المريرة عبر تلافي أخطائه، سوف يدفعه للترصفّ بطريقةٍ ما تجنّبًا لذات المآل الذي آل إليه، في وقتٍ لا تزال جذوة الثّورة مشتعلةً ولم تنطفئ. بيد أنّ حرص الرّئيس المنتخب قد لا يستتبع بالضرورة أداءً معاكسًا تمامًا من جانب الرّئيس، أو حتّى مغايرًا له على الأقلّ1. ثالثًا، سيل الأزمات والتحدّيات الذي يتربّص بالرّئيس المنتخب، عىلالصعيدين الدّاخلي والخارجيّ، والذي يحتلُّموقع الصّدارة فيه التحدّي الاقتصاديّ. فإلى جانب وراثته تركة ثقيلة من الأزمات السياسيّة والمشاكل الاجتماعيّة والأمنيّة، يواجه الرّئيس مرسي تداعيات ما يُعرف بالاقتصاد السياسيّ للثورة، إذ أدّت أحداث الثّورة والمناخ الاحتجاجي والمطلبي الذي ولّدته، والانخفاض الحادّ في الاستثمارات الداخليّة والخارجيّة، إلى تراجعٍ ملموس في معدلّات النّموّ. فطبقًا لتقرير الآفاق الاقتصاديّة العالميّة الذي أصدره البنك الدولي في شباط / فبراير 0122، انخفض معدّل النّمو الاقتصادي المصريّ في عام 0112 إلى 1.3٪؛ وتوقَّع التقرير أن يبلغ معدّل النّمو ٪3.8 في عام 012 2، وأن يقفز إلى 5.5٪ في عام 013 2. وصاحب ذلك ارتفاع معدلّات الفقر والفقر المدقع، وتزايد نسبة البطالة، وتراجع الاحتياطي النّقديّ تراجعًا كبريا، إضافةً إلى عجز الميزانيّة، وتراجع ثقة المستثمرين، وأزمة السياحة، تمثِّل بمجملها تحدّيًا مفصليًّا وجوهريًّا بعد الثّورة، خاصّةً بعد غياب الاستقرار إثر انطلاقة الثّورة المصريّة. وفي هذا السّياق، تشريالمعطيات إلى تراجع احتياطيّ النّقد الأجنبيّ للبلاد، وعدم كفاءة السياسة الماليّة، ما أدّى إلى قيام مؤسّسات التّصنيف الدوليّة بخفض التّصنيف الائتماني لمصر نحو سبع مرّات متتالية. وفي السياق نفسه، تُعدّ معدلّات البطالة الآخذة في الارتفاع من أهمّ المشكلات التي تواجه العهد الجديد في مرص، نظرًا لتداعياتها الاجتماعيّة أيضًا. وتؤكِّد الدِّراسات أنّ نسبة البطالة قد وصلت في الرّيف المصريّ إلى نحو %60 خلال عامَي 010 2 و 0112، بينما انتشرت ظاهرة الفقر بين %75 من سكّان الرّيف خلال الفترة المذكورة2.
وصل الدين الخارجي إلى 38 مليار دولار. وفي المقابل، بلغ الدّين الداخيلتريليون ومئتي مليار جنيه مصريّ؛ ولأنّ سعر الفائدة على الجنية المصريّ مرتفع بصورةٍ استثنائيّة، فإنّ فائدة الدّين الداخلي
تتراوح بني%12 و%16. وطبقًا لتقديرات الحكومة المصريّة، سيبلغ عجز الميزانيّة العامّة هذا العام 138 مليار جنيه. ولكنّ الإعلان مؤخّرًا أنّ عجز الربع الأوّل من العام تجاوز الخمسنيمليارًا، يعني أنّ تقديرات الحكومة متفائلة إلى حدٍّ كبيرٍ، وأنّ العجز السنويّ قد يبلغ أكر من 70 1 مليارًا من الجنيهات3. ولا يبدو أنّ الأداء الاقتصاديّ سيصل حتّى إلى مستوى توقّعات البنك الدوليّ؛ فطبقًا لتصريحات وزير التّخطيط المصريّ، أشرف العربي، في 31 أيلول / سبتمبر 012 2، لم يتجاوز معدّل النّموّ في الرّبع الأخير من المركزيّ. السنة الماليّة 012-2011 2 نسبة %3.3. وتوقّع الوزير أن لا يتجاوز هذا المعدّل%4 في عام 013–2012 2، خصوصًا بعدما ارتفع العجز في ميزانيّة البلاد إلى %11 من الناتج المحيلّالإجمالي. وبمثل هذا الأداء الاقتصادي، يصعب على البلاد مواجهة التراجع الهائل في الخدمات الضروريّة كالتعليم، والصحّة، والإسكان، والمواصلات، والتعامل مع مستوى بطالةٍ يصل إلى %12.6، أو 3.4 مليون عاطل. ويضاعف وطأة التأزّم الاقتصادي، تراجع التّصنيف الائتماني للبنوك المصريّة عالميًّا واهتزاز ثقة المجتمع الدولي بالاقتصاد المصريّ، بالتزامن مع تنامي الآمال لدى عموم المصرييّن بفعل التوقّعات الهائلة التي حملتها الثّورة في نفوسهم ما يعني عمليًّا وجود فجوة هائلة بين الواقع والمأمول في ظلّ التراجع الاقتصادي، الأمر الذي سيولد بدوره إحباطًا سياسيًّا لدى الجماهير، وهو ما يشكِّل ضغطًا اجتماعيًّا وسياسيًّا هائالً على الرّئيس ونظامه ويزيد من أجواء الغضب والإحباط الشعبييّن4. وتظلُّفرص تعافي الاقتصاد المصريّ حاليًّا ضعيفة في ظلّ خضوعه لشبكة واسعة من الاقتصادييّن ورجال الأعمال الذين يرتبطون بنظام مبارك والدولة العميقة، إذ لن يقدم هؤلاء، أو قطاعٌ واسعٌ منهم عىلالأقلّ، خدمةً مجانيّةً لمرسي أو التعاون معه على طريق إنجاح مشروعه الذي يتناقض مع البناء المصلحي العميق الذي دشّنوه خلال العقود الماضية، وما نالوه من حظوةٍ وتسهيلات وامتيازات هائلة على حساب مبادئالعدالة والقانون وعلى حساب المواطن المصريّ البسيط الذي ازداد فقرًا وبؤسًا يومًا بعد يوم في ظلّ حكم النِّظام السابق وسياساته الاقتصاديّة الفاسدة. ومن جانبه، حاول الرّئيس المصريّ خلال الأشهر القليلة الماضية تحريك هذا الركود الاقتصادي من خلال السّعي للحصول على قرضٍ بفائدةٍ ضئيلةٍ من صندوق النّقد الدّولي بمقدار 4.5 مليار دولار، وودائع ماليّة من دولٍ شقيقة وصديقة، توفِّر للبنك المركزي مرونة في الحركة، بعد أن انخفض احتياطيّه من العملات الأجنبيّة، منذ سقوط النِّظام السابق، من 35 مليار دولار إلى 15 مليارًا فقط. وقد استجابت قطر بإيداع مليارَي دولار، وتركيا بإيداع مليار آخر. غير أنّ هذه الحلول مؤقّتة، ولا سيمّا أنّ الأزمة أعقد بكثير من توفير مرونة ماليّة للبنك
ولمّا كان النّموّ الاقتصادي يتطلَّب حدًّا أدنىمن الاستقرار السياسي، تظلّ إمكانات هذا النّمو مكبّلةً بحالة الانسداد السياسي، إذ لم تخرج البالد نهائيًّا من حالة الفوضى وعدم اليقين وغياب الثِّقة وافتقاد القوى السياسيّة القدرة على التوافق. فمعدّل الإضرابات العماليّة لم يزل عاليًا؛ ولم تصل القوى السياسيّة إلى توافقٍ على مجمل القضايا العالقة، كالإعلان الدّستوري الأخير أو مسوّدة الدّستور الجديد؛ وليس هناك برلمان بعد؛ كما أنّ كيفية تطوّر علاقة الدَّولة بالقطاع الخاصّ غير واضحة6. رابعًا، تحدِّي الثّورة المضادّة والدَّولة العميقة، إذ لا يملُّ فلول النِّظام السّابق وأتباعهم والمستفيدون منهم توخّي السّبل الكفيلة بإجهاض ثورة يناير والعودة بالبالد إلى ما قبلها. وقد حرص الرّئيس في خطبه عىللفت الانتباه لتأثير ذلك في مسرية الثّورة، مشريًا إلى أنّ دائرة الفساد أوسع اّ يظنّ كثيرون، فقد أثَّرت في السّلوك الاجتماعي، بحيث أصبحت بعض القيم السّلبيّة التي سادت في المجتمع في حاجة إلى مراجعة. ولقد حوَّلت جمهوريّة الفساد والاستبداد المجتمع والشّعب من شريكٍ أساسيّ في السلطة إلى طرفٍ تابعٍ وخاضع، وهو ما يحتاج وقتًا وجهدًا هائلين لمعالجته، وإبعاد من تبقّى من نظام مبارك داخل المؤسّسات المؤثِّرة للدولة كالقضاء والإعلام والمحليات7. خامسًا، حالة القلق الإقليمي والدولي من صعود تيّار الإسلام السياسي وفوز مرسي المحسوب على جماعة الإخوان، بالرّئاسة. فلا تزال قوى إقليميّة ودوليّة تتخوّف من تبعات هذا الفوز، وما من شكّ في أنّ هذا القلق سينعكس سلبيًّا على أداء الرّئيس في الداخل، ويمثّل تحدّيًا مه بالنسبة إليه. ورمبّ ا ينجح جزئيًّا إعمال سياسة التوازن واستدعاء
الحسابات الدقيقة في التّعاطي مع قضايا المنطقة والعالم، ولكنَّها ليست وصفةً مضمونةً في نهاية المطاف في ظلّ سعي مرسي لاستعادة دور مصر ومكانتها العربيّة والإسالميّة والأفريقيّة التي بدَّدها النِّظام السّابق، وفي ظلّ حالة العداء المعلنة التي تُظهرها بعض الدول العربيّة للإسالمييّن، وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي، والانعكاسات السلبيّة المتوقّعة لذلك على مسار العلاقة بين هذه الدول ومصر تحت حكم الرّئيس الجديد8. وأخيرًا، تشَي التفاعلات التي أعقبت الإطاحة بمبارك، وحالة الاستقطاب السياسي الحادّ بين تيّار الإسلام السياسي والقوى المدنيّة المعارضة، بأنّ مؤسّسة الرّئاسة ورئيس الدولة بعد مبارك تعرّضا لما يشبه الامتهان من جانب قوى المعارضة، بطريقة غير مسبوقة وغريمعهودة في مصر، وهو الأمر الذي ظهر جليًّا في أزمة الإعلان الدّستوريّ الذي أصدره الرّئيس في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 012 2، والذي استتبع استياءً لدى أوساطٍ عديدة تجىلّفي هجومٍ إعلاميّ حادّ على الرّئيس وجماعته بعباراتٍ بالغة الحدّة وصلت في أحيانٍ كثيرة إلى حدّ التطاول عليهما، كما تجلى أيضًا خلال التّظاهرات التي حاصرت القصر الرئاسيّ وسطّرت على جدرانه عباراتٍ مسيئة في حقّ الرّئيس، بينما كان يحظر على أيّ إنسان حتّى الاقتراب من أسواره فيما مض. وعديدة هي التفسريات والتأويلات التي ذهبت إلى تفسريهذا التطوّر الملفت؛ فثمّة من يرجعه إلى الثّورة وما أحدثته من تغيير في نظرة المصرييّن للحاكم بفعل سقوط الفرعونيّة السياسيّة، وهناك من يعزوه إلى حالة الانفلات الأمنيّ والانقسام الحزبيّ وعدم الاستقرار السياسيّ، ثمّ هناك من يفسرِّه باتّساع مساحة الديمقراطيّة وزوال القيود التي كانت تكبِّل حريّة الرأي والتعبير9.
الإطار الدّستوري
عىلالرّغم من الجدل الذي يدور حاليًّا بشأن صلاحيّات الرّئيس في مسودة الدّستور الجديد، ما بين من يرون أنّها تقلّصت ومن يدّعون أنها لا تزال عىلحالها إن لم تكن قد زادت، فقد جرت مياه كثيرة في مجرى صلاحيّات رئيس الجمهوريّة منذ تنحّي مبارك وإسقاط العمل بدستور عام 971 1، وحتّى طرح مسودة الدّستور الدائم الجديد للاستفتاء. لقد وردت صلاحيّات الرّئيس في دستور عام 9711 في 55 مادّة من إجمالي موادهّ، وهي 35 صلاحيّة بما يعادل %67 من إجمالي الاختصاصات التي تحدّثت عنها موادّ الدّستور، وهو ما كان يمثّل أكر من ضعف صلاحيّات السلطة التشريعيّة الممثّلة في البرلمان التي كانت 14 صلاحيّة بما يعادل نسبة %25 من مجمل الصلاحيّات. وكان لرئيس الجمهوريّة حقّ إصدار القوانين والاعتراض عليها (المادّة 211)، ولرئيس الجمهوريّة الحقّ في إصدار اللّوائح التنفيذيّة للقوانين، وله أن ينيب غيره في إصدارها (المادّة 144). كا كان له الحقّ في إصدار لوائح الضّ بط وإصدار القرارات ا الّ زمة لإنشاء وتنظيم المرافق والمصالح العامّة (المادّة.)146 ويمكن للرئيس اتّخاذ تدابير تكون لها قوّة القانون في حال تعطّل البرلمان، وإصدار التدابير التشريعيّة التي تتلاءم مع حالة الطوارئ. كما منحه الدّستور حقّ العفو عن العقوبة وتخفيفها (المادّة 9.)14 إضافةً إلى ذلك، هناك سلطات رئاسيّة مطلقة تتمثَّل في إبرام المعاهدات الدوليّة دون الرجوع إلى البرلمان. أمّا المادّة 9 81 من الدّستور، فكانت تمنح رئيس الجمهوريّة منفردًا الحقّ في تعديل أيّ مادّة من الدّستور. وكان يحقُّله كذلك حلّ مجلسي الشعب والشورى في أيّ وقتٍ شاء، كما أعطاه الدّستور رخصة إنشاء المحافظات وإلغائها وتحديد نطاقها. وكان الرّئيس - وفق دستور - 1971 يترأس السلطة التنفيذيّة، وهو القائد الأعىلللقوّات المسلّحة، ورئيس مجلس الدفاع الوطني، والرّئيس الأعلى لمجلس القضاء، والرّئيس الأعلى للشرطة، وهو أيضًا رئيس الهيئات الرقابيّة كافّة بما فيها الجهاز المركزيّ للمحاسبات، والجهاز المركزيّ للتنظيم والإدارة، وهيئة الرقابة الإداريّة وغيرها من الهيئات الرقابيّة. وكان للرئيس صلاحيّة تعيين رئيس مجلس الدولة وتعيين النائب العامّ، وتعينيرئيس مجلس الوزراء ونوّابه وعزلهم، وتعيين الوزراء ونوّابهم وعزلهم، وتعيين الموظّفنيالمدنييّن والعسكر نيّ وعزلهم، والممثِّلين السياس نيّ وعزلهم على الوجه المبنيّفي القانون، واعتماد ممثلّي الدول الأجنبيّة، والعفو عن العقوبة وتخفيفها، أمّا العفو الشامل فلا يكون إالّبإصدار قانون. وكان له كذلك حقّ تعيين عشرة أعضاء في مجلس الشَّعب وثلث أعضاء مجلس الشورى، ودعوة البرلمان للانعقاد وفضّ ه، وحلّ البرلمان أيضًا. كما كان للرئيس - وفق دستور 1971 - حقّ إصدار قراراتٍ لها قوّة القانون. ومن صلاحيّاته أيضًا إصدار لوائح الضّ بط، وحقّ إصدار القرارات ا الّ زمة لإنشاء وتنظيم المرافق والمصالح العامّة،
وله حقّ إعلان حالة الطوارئ وفق القانون، ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس الشعب الذي كان يسيطر عليه الحزب الذي يتزعَّمه الرّئيس. وجاءت ثورة 25 يناير لتطيح برأس النِّظام وتأتي بالمجلس العسكري الذي عطَّل العمل بدستور 971 1، وأصدر بعده إعلانًا دستوريًّا في آذار / مارس 011 2، بعد الاستفتاء الذي أجري على تعديل ثماني موادّ من دستور 971 1. ولم تختلف صلاحيّات المجلس العسكريّ التي حدَّدها الإعلان الدّستوري في مادّته رقم 56 عن صلاحيّات الرّئيس التي حدَّدها دستور 971 1، إالّ أنّه أضيفت إليها سلطة إصدار التشريعات التي كانت مخوّلة لمجلس الشعب المنحلّ قبل الثّورة وبعدها. ومن أبرز هذه الصلاحيّات: التشريع وإقرار السياسات العامّة للدولة والموازنة العامّة ومراقبة تنفيذها (نُقلت هذه الصلاحيّات لمجلس الشعب المنتخب في شباط / فبراير 012 2، ثمّ عادت إليه مرّةً أخرى بحلّ المجلس)، وحقّ تعيين عشرة أعضاء في مجلس الشعب وثلث أعضاء مجلس الشورى. وأعطى الإعالن للمجلس العسكري أيضًا حقّ إصدار القوانين أو الاعتراض عليها، وتمثيل الدولة في الداخل والخارج، وإبرام المعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة، وتعيين رئيس مجلس الوزراء والوزراء وعزلهم (لم يكن من حقّ البرلمان سحب الثِّقة من الحكومة وكان هذا محلّ خلافٍ كبيرٍ بينه وبين المجلس العسكري في الفترة الأخيرة). وللرئيس أو من يقوم مقامه - وفق الإعلان الدّستوري - حقّ إصدار القوانين أو الاعرتاض عليها دون إلزامه بمدى زمنيٍّمحدَّد لإعلان موقفه أو بردّ القانون الذي يعترض عليه إلى البرلمان لمراجعته وإعادة إقراره بأغلبيّة الثلثين. ثمّ جاء الإعلان الدّستوري المكمِّل ليحدّ من صلاحيّات الرّئيس بصورةٍ أكبر، وجعله أشبه بأداةٍ تنفيذيّةٍ لقرارات المجلس العسكريّ الذي احتفظ لنفسه بصلاحيّات تشريعيّة كاملة وتنفيذيّة مؤثِّرة للغاية. فوفقًا للإعلان المكمِّل يبقى المجلس العسكري هو المسؤول الأوحد عن شؤون القوّات المسلّحة وميزانيّتها وتعيين قادتها ولا علاقة لرئيس الجمهوريّة المنتخب بذلك. ومن ذلك أيضًا، إعلان الحرب أيضًا، وتكليف القوّات المسلّحة بمهامّ لتأمين البلاد وحماية المنشآت الحيويّة. ولا يمكن إنجاز ذلك إالّبإذنٍ من المجلس العسكريّ الحالي الذي حصَّن تشكيله الحالي، كما يحقّ له تشكيل جمعيّة تأسيسيّة لوضع الدّستور الجديد، في حال حُلّت الجمعيّة التي كانت موجودة حينئذ. أمّا في مسوّدة الدّستور الجديد، فقد جرى تقليص صلاحيّات الرّئيس بنسبة %40 عامّ كانت عليه في دستور 971 1 الذي منح الرّئيس سلطاتٍ واسعةً بلغت حدّ التعدّي على السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة. إذ انحرصت صلاحيّات الرّئيس في الدّستور الجديد في: "إعلان حالة الطوارئ، وحلّ البرلمان بعد أن يبلِّغه رئيس الوزراء بعدم إمكانيّة التعاون معه، ويجري ذلك دون استفتاء، ما يعني أنّه لم تعد له سلطة حلّ البرلمان بمفرده، إضافةً إلى سلطات الدِّفاع عن الوطن وحماية الدّستور والعلاقات الخارجيّة، وإعلان حالة الحرب، بعد موافقة مجلس الدِّفاع الوطني، وتعيين المحافظين وكبار الموظّفين وتسمية رئيس الوزراء وتعيين الوزراء واعتماد الدبلوماسيِيّن". وقد جرى سحب كثير من السلطات السّابقة للرئيس مثل "تعيين 01 أعضاء في مجلس الشعب، ورئاسة المجلس الأعلى للقضاء والمجلس الأعلى للشرطة والمجلس الأعلى للقوّات المسلّحة"10.
ثانيًا- السياسة الدّاخليّة
مأسَ سَ ة الرّئاسة
تتّسم رئاسة الدولة في البلدان الديمقراطيّة بنظامٍ مؤسَّس صارم ينصرف غالبًا إلى ثلاثمجموعات عمل: أوّلها، مجموعة إداريّة/ سياسيّة مهمّتها الرّئيسة تحقيق الاستخدام الأمثل لوقت الرّئيس وجهده بما يساعد على بلوغ الأهداف الكبرى التي يحدِّدها؛ وثانيها، مجلس اقتصادي واجتماعي مهمّته التّفكير للسلطة التنفيذيّة برمّتها ومتابعة تنفيذ ما يستقرّ عليه الرّأي بحيث لا تعمل الرّئاسة في وادٍ والحكومة في وادٍ آخر. ثمّ مجلس للأمن القومي يدرج على جدول
أعماله كلّ ما يخصّ السياسة الخارجيّة وما يهدِّد الأمن الوطني للدولة داخليًّا وخارجيًّا. وإلى جانب ضرورة حصول هذه المجموعات الثلّاث على ثقة الرّئيس، فإنّه لابدّ لها من أن تكون على أعلى درجة من الاحرتاف والمهنيّة والتناغم فيما بينها، وهي التي تقدِّم للرئيس كلّ صباحٍ تقريرًا شامالً عن أحوال البلاد والخيارات المطروحة أمامه وكلّ ما تنطوي عليه من تكلفة لكييتّخذ القرار، لأنَّه وحده الذي يتحمَّل المسؤوليّة في النهاية. وفي مصر، أعيدت هيكلة رئاسة الدولة التي وضع محمد علي باشُا لبناتها المؤسَّسيّة والإداريّة الأولى مطلع القرن التاسع عشر، وجرى تنظيمها في عهد الرّئيس السّابق مبارك مرّتين فقط طوال ثلاثة عقود من الحكم؛ كانت أولاهما في عام 983 1 بعد أن أصدر القرارين رقم 9 52 بتشكيل رئاسة الجمهوريّة، ورقم 0 نة 62 لس 983 1 بتحديد اختصاصات الأمين العام لرئاسة الجمهوريّة. أمّا ثانيتهما، فكانت في عام 9891 بإصداره القرار 73 المكوَّن من خمس موادّ نظَّمت العمل في رئاسة الجمهوريّة، وهو القرار الذي ظلّ ساريًا حتّى تنحّي مبارك في 11 شباط / فبراير 011 2. وقد كان اختيار العاملين في مؤسّسة الرّئاسة في عهد مبارك يخضع لمعايريَ مختلفة، منها الكفاءة في بعض الأحيان نظرًا للاتّصال الوثيق بدائرة الحكم الأهمّ، ولكن في أحيان كثيرة كان أهل الثقة وأصحاب الولاء يمثِّلون الأغلبيّة العظمى من العاملين في الرّئاسة. وقد عمل في مؤسّسة الرّئاسة عددٌ هائلٌ من الخرباء في كلّ التخصّصات تقريبًا، كرجال الأمن، ورجال المخابرات، والخبراء الاقتصاديّنيوالمؤرّخين، وخرباء في عددٍ من المجالات منها الإعالم والصحّة والبروتوكول والدبلوماسيّة والإحصاء والهندسة11. وفىمسعى منه لاتّخاذ خطواتٍ باتّجاه ما يُعرف ب"مأسسَة الرّئاسة" وتحريرها من الشَّخصنة، بما يتماشى والتّقاليد الديمقراطيّة التي طالبت بها ثورة الخامس والعشرين من يناير 0112، عمدَ الرّئيس مرسي بعد انتخابه في حزيران / يونيو 012 2 إلى اختيار عددٍ من الشخصيّات لشغل بعض المناصب داخل القصر الرئاسيّ، فعَّينَّنائبًا للرئيس هو المستشار محمود مكي، ورئيسًا للديوان هو السفير رفاعة الطهطاوي، إضافةً إلى 7 1 مستشارًا، من بينهم شخص قبطي هو الدكتور سمير مرقص الذي توىلّملفّ التحوّل الديمقراطيّ، كما استحدث منصب مساعد الرّئيس للعلاقات الخارجيّة الذي لم يكن موجودًا من قبل. وبذلك، يحتلّ الرّئيس مرسي المركز الأوّل، بلا منازع، من بين رؤساء الجمهوريّة الخمسة الذين تناوبوا على حكم مصر منذ ثورة تمّوز / يوليو عام 952 1، من حيث عدد المستشارين والمساعدين الرسمييّن. غير أنّه لم تمضِ أسابيع على تويلّ هؤلاء جميعًا تلك المناصب والمواقع، حتّى بدأت شكوى الكثريمنهم من عدم وضوح الاختصاصات والصلاحيّات إلى حدّ عدم معرفتهم بحدود الدّور الذي يمكن لكلٍّ منهم أن يؤدّيه. إضافةً إلى التضارب في المهامّ بين أدوارهم ومهامّ بعض المؤسّ سات والمناصب الأخرى في الدولة كوزارة الخارجيّة ومجلس الوزراء، أو حتّى مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين12. وكشفت مصادر قريبة من ملفّ الرّئاسة مجموعة من الأزمات داخل المؤسّسة الرئاسيّة، أطرافها نائب رئيس الجمهوريّة ومساعد الرّئيس للعلاقات الخارجيّة ورئيس ديوان رئيس الجمهوريّة إلى جانب رئيس الوزراء والمستشارين. فقد أخذ يشكو هؤلاء من أن تقلّدهم هذه المناصب هو أقرب إلى الوجود الصوريّ أو الشكليّ، ولا تجري استشارتهم أو الأخذ بآرائهم عند اتّخاذ قراراتٍ مصيريّة أو حاسمة فياميخصّ الكثير من القضايا والملفّات. فقد بدا خلال أزمة الإعلان الدّستوري الذي أصدره الرّئيس مرسي يوم 22 تشرين الثاني / نوفمبر 012 2 أنّ الرّئيس لا يرجع إلى مستشاريه إالّفي أضيق نطاقٍ، كما أنّه يختصّ بالمشورة المقرّبين منهم من التيّار الإسالمي وجماعة الإخوان بالأساس، كالدكتور سيف الدين عبد الفتاح أو الدكتورة باكينام الشرقاوى، بينما لا يركن إلى المستشارين المحايدين أو المحسوبين على تيّاراتٍ سياسيّة أو فكريّة أخرى. وظهر ذلك بوضوح في تقديم بعض المستشارين المقرّبين من الرّئيس وجماعة الإخوان مبادرات أو مقترحات للخروج من الأزمة، بينما كان البعض الآخر يقدِّم استقالته للرئيس احتجاجًا على تهميشه وعدم معرفته المسبقة بهذا الإعلان أو استشارته بشأنه كالدكتور سمير مرقص، والشَّاعر فاروق جويدة والكاتبة سكينة فؤاد، حتّى إنّ سمير مرقص المعنيّ بملفّ التحوّل الديمقراطي، أكَّد في حيثيّات استقالته أنَّه لم يُستشر ولم يكن لديه أيّ علمٍ مسبق بمحتويات القرارات التي أصدرها الرّئيس أو مضامينها، والتي عدّها البعض إعلانًا دستوريًّا.
ومع تفاقم أزمة الإعلان الدّستوري الأخير وتعقّدها، أقدم عددٌ آخر من مستشاري الرّئيس على الاستقالة كالسيّد أيمن الصياد والدكتور عمرو الليثي والدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة، وأحد أكر المستشارين قربًا من الرّئيس13. وبعد أن خرج نائب الرّئيس المستشار محمود مكي على الملأ بمفاجأة من العيار الثقيل، حينامأعلن في مؤتمر صحفي عقده يوم الرابع من كانون الأوّل / ديسمبر 012 2 أنّه لم يكن يعلم بتفاصيل الإعلان الدّستوري الذي أصدره الرّئيس مؤخّرًا، وأنَّ له تحفّظات عديدة عليه ولا يراه خطوةً إيجابيّة، يُطرح سؤالٌ آخر مهمّ في هذا المضمار، وهو: من يصنع قرارات رئيس الجمهوريّة؟ إذا كان مساعدوه ومستشاروه المتخصّصون وذوو الخربة مغيَّبين عن عمليّة صنع هذا النوع من القرارات المصيريّة؟! وفي حوارٍ له مع جريدة المصري اليوم، أكَّد الدكتور سامح السيد - أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة أسيوط - أنَّ ما يمارسه الرّئيس مرسي اليوم من تهميشٍ أو تغييبٍ لمستشاريه ومساعديه، إمنّ ا يتماشى مع النَّهج الثَّابت الذي انتهجه رؤساء الجمهوريّة السابقون في مصر، والمتمثِّل في تهميش دور المستشارين. فلقد درج هؤلاء الرؤساء على تعيين مستشارين وإسناد مهامّ شكليّة لهم مفرغة المضمون، بينما كانوا يستبدّون بآرائهم ويستمعون إلى المقرّبنيمنهم وأهل الثقة فقط دون أخذ آراء المستشارين من ذوي الخبرة في الاعتبار15. أثيرت تساؤلات بشأن الإطار القانوني والمؤسَّس والإداري الذي يحكم عمل مؤسّسة الرّئاسة، ولا سيمّا المساعدين والمستشارين، كما أثار البعض تساؤلات بشأن خبراتهم في العمل السياسي وخلفياتهم التعليميّة والثقافيّة خصوصًا وأنّ من بينهم عددًا لا بأس به من الأطبّاء الذين ليس لهم باعٌ في العمل السياسي. وكانت الشّائعات تسري بخصوص قيام بعض مستشاري الرّئيس من جماعة الإخوان بعزله عمّن حوله من بقيّة المستشارين والمساعدين الآخرين. وهو الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلاتٍ لم تهدأ بشأن علاقة الرّئيس المنتخب بمكتب الإرشاد وجماعة الإخوان، وتأثيرها في أسلوب إدارته للبلاد، وما إذا كان يضطلع بهذه المهمّة بوصفه رئيسًا لكلِّالمصرييّن أم لفئةٍ دون سواها16. ومن شأن هذا الوضع المربك أن يطرح تساؤلاتٍ خطرةً بشأن جدوى اختيار الرّئيس لعددٍ كبيرٍ من المستشارين لا يستعين بهم في الواقع، كما يثير الشكوك في مساعي الدكتور مرسي لمأسسَة رئاسة الجمهوريّة، وتوسيع دائرة اتّخاذ القرار بما يحول دون استئثار طرفٍ بذاته أو فئةٍ بعينها بهذه المهمّة. فمن شأن وضعٍ كهذا أن يضيّق من دائرة صنع القرارات واتّخاذها في الوقت الذي تشهد سلطات رئيس الجمهوريّة اتّساعًا ملحوظًا، الأمر الذي ينذر باستمرار الإشكاليّة المزمنة المتمثِّلة في تعاظم قوّة الشَّخص على حساب المؤسّسة، بحيث يكون لدينا رئيسٌ قويٌّومؤسّسة رئاسة ضعيفة لا تستطيع تقديم العون اللازم لرئيس الجمهوريّة سواء في وضع الأولويّات، أو قائم ة الاختيارات الخاصّة بالسياسات العامّة داخليًّا وخارجيًّا، بيناميحتاج الرّئيس ومؤسَّسته إلى قاعدةٍ بشريّةٍ وفكريّةٍ مساعدة، خصوصًا في ظلّ تواضع رصيده من الخبرة والتمرّس17. وبالتوازي مع ذلك، صرَّح مصدرٌ رئاسيّ رفض الكشف عن نفسه، بأنَّ حالةً من عدم الارتياح أصابت نائب رئيس الجمهوريّة المستشار محمود مكيالذي أشار إلى أنّه يشعر بالحرج جرّاء عدم مشاركته بصورة فعّالة في عمليّة اتّخاذ القرار إلى حدٍّ جعل قطاعًا واسعًا من الجماهير لا يشعر بوجود نائبٍ لرئيس الجمهوريّة، خصوصًا بعدما تردَّد أنَّ مسودة الدّستور الجديد عمدت إلى إلغاء منصب نائب الرّئيس. وصرَّح المصدر ذاته بأنَّ مكيطلب من الرّئيس إعفاءه من منصبه إن لم تكن هناك حاجة فعليّة إلى وجوده، وهو الأمر الذي رفضه مرسي مُرجِّعًا ما يبدو حاليًّا من تهميشٍ مرحلي لدور نائب الرّئيس إلى تعقّد المشاكل وتعدّد الأزمات على نحوٍ مربك. في غضون ذلك، استاءت بعض الدّوائر داخل وزارة الخارجيّة بسبب ما عدّته تدخاّلسًافرًا في أعمالها من جانب مساعد الرّئيس للعلاقات الخارجيّة عصام الحداد القيادي في جماعة الإخوان المسلمين. وبرَّرت تلك الدّوائر استياءها هذا باختصاص مساعد الرّئيس بملفّات بعينها كالعلاقة مع الولايات المتّحدة. يضاف إلى ذلك أنَّ مذكَّرات العرض على وزير الخارجيّة يُرسَل من أغلبها نسخٌ لمكتب عصام الحداد، وقيل إنَّه كان ينظر في أمر إرسال عددٍ من الدبلوماسييّن لمعاونة الحداد الذي يشارك في اجتماعات عديدة في وزارة الخارجيّة من دون إعلان، بوصفه مستشارًا سياسيًّا للرئيس محمد مرسي. وهي الصِّفة التي
يكلِّف بناءً عليها دبلوماسييّن للعمل معه كما كان يفعل جمال مبارك قبل تنحّي والده المخلوع، بحسب مصدرٍ مطّلع في الخارجيّة المصريّة رفض ذكر اسمه. وفي تصريحاتٍ لجريدة الشروقالمصريّة، أكَّد المصدر ذاته أنَّ عصام الحداد يدير السياسة الخارجيّة المصريّة بعيدًا عن وزارة الخارجيّة، لدرجة أنَّ الوزير محمد كامل عمرو يتلقّى أحيانًا معلومات من سفراء مصر في الخارج بشأن قضايا يثيرها الحداد مع مسؤولين أجانب دون إخطار الخارجيّة بها. وقد ظهر جليًّا التأزّم في العلاقة بين عصام الحداد ووزارة الخارجيّة إبان أزمة التدخّل العسكري في مالي دون علم الخارجيّة. إذ اتّفق الحداد مع فرنسا عىلالتنسيق بشأن التدخّل العسكري ضدَّ الجماعات المسلّحة في مالي من دون علم وزارة الخارجيّة المصريّة. كما بدأ الحداد قبيل الاستفتاء الدّستوري للمصرييّن في الخارج، إرسال مبعوثين إلى عواصمَ غربيّة للترويج للإعلان الدّستوريّ الملغى وتشجيع الاستفتاء على الدّستور الجديد دون علم وزارة الخارجيّة أيضًا18.
وفي حنيلا يبدي كثيرون داخل مؤسّسة الرّئاسة وأجهزة الدولة الرسميّة الأخرى مرونة بيروقراطيّة، بحسب ما أكّد المصدر ذاته، يبدو وزير الخارجيّة محمد كامل عمرو متعايشًا مع هذا الوضع الذي برَّره بأنّه ليس بالجديد عليه، إذ سبق وأن عايش وضعًا مماثالإبان حكم مبارك، فالخارجيّة لم تكن تعلم أحيانًا بما يقوم به معاونو الرّئيس السابق المباشرون بما في ذلك جمال مبارك نفسه. ومن أبرز الظّواهر التي اسرتعت انتباه الجميع، إصدار الرّئيس مرسي قراراتٍ ثمّ تراجعه عنها، كقرار عودة مجلس الشعب الذي أصدرت المحكمة الدّستوريّة العليا قرارًا بحلّه في تمّوز / يوليو 0122، ثمّ تعيين النّائب العامّ عبد المجيد محمود سفيرًا لمصر لدى الفاتيكان في تشرين الأوّل / أكتوبر 012 2، والإعلان الدّستوري بعدها بشهر، ثمّ القرارات الضريبيّة يوم 6 كانون الأوّل / ديسمبر 0122 على الدخل والدمغة والعقارات والمبيعات وتراجعه عنها قبل أربع وعشرين ساعة فقط. حتّى إنّ مصادرَ كشفت أنّه تراجع عنها بإيعازٍ من حزب الحرّية والعدالة الذي يريد تمرير الاستفتاء على الدّستور وتلافي الغضب الشعبيّ. ولا تكمن مخاطر هذا التخبّط الإداري في اهتزاز هيبة الرّئيس المنتخب فقط، وإمنّ ا تمتدّ لتؤثِّر سلبيًّا في ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد المصريّ الذي يعاني ارتباكًا واضحًا في الإدارة. وقد ظهرت بوادر ذلك في تراجع البورصة المصريّة، وتراجع التّصنيف الائتماني للبنوك المصريّة، وتلويح دوائر غربيّة بإمكانيّة تراجع صندوق النّقد الدولي عن منح مصر قرضًا19.
الرّئيس وأزمة قرارات 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012
يبدو أنَّ أسلوب إدارة الرّئيس مرسي للأزمات وطريقة تعاطيه مع مستشاريه ومساعديه، فضالعن سوء تقديراته للمواقف، قد حالا دون إدارته تلك الأزمات على نحو ناجز، خصوصًا ما يتّصل منها بالشّأن الداخلي. فخلال الأشهر الخمسة المنقضية، بدا جليًّا مدى تواضع خبرة النّخبة الحاكمة في قضايا شتّى لم يحسب الرّئيس خلالها حساباته جيّدًا قبل اتّخاذ قراراتٍ بشأنها، وعدم إشراكه جيش المستشارين والمساعدين الذي اختاره للعمل معه، واختصاصه ثلّة منهم دون سواهم بالتّشاور قبل الإقدام على أيّ خطوةٍ، تاركًا غالبيتهم يتلقّونها ويُفاجَؤون بها عبر وسائل الإعلام، شأنهم في ذلك شأن بقيّة المواطنين، وهو ما اضطرهّ للتراجع عن بعض هذه القرارات لاحقًا على نحوٍ وضعه في حرجٍ بالغ،ٍ كما اضطرّ العديد من مستشاريه لتقديم استقالاتهم احتجاجًا على التهميش الذي يخلو من المهنيّة كما تعوزه المؤسَّسيّة والثِّقة20. لقد جسَّدت أزمة قرارات 22 تشرين الثاني/ نوفمبر أو ما عُرف إعلاميًّا بالإعالن الدّستوري، نموذجًا واضحًا لسوء إدارة الرّئيس للأزمات
الداخليّة. ففي إصداره تلك القرارات المثيرة التي حصَّنت قراراته ضد الطعن أو المراجعة حتّى من جانب القضاء، كما أتاحت له الافتئات عىلعمل السّلطة القضائيّة، ارتكن الرّئيس إلى عددٍ من الأسباب، كان من أبرزها: كونه أوَّل رئيسٍ مدنيٍّمنتخب ديمقراطيًّا في تاريخ مصر الحديثة، وأنَّه الجهة الوحيدة المنتخبة شعبيًّا من بين مؤسّسات وأجهزة الدولة التي تعمل وسط أجواء من الفراغ المؤسَسّيوالدّستوري بعد حلِّأوَّل مجلس شعب منتخب عقب الثّورة. يُضاف إلى ذلك، رهانه على تشرذم القوى المدنيّة المعارضة وتواضع قدرتها على الحشد مقارنةً بقدرة جماعة الإخوان المسلمين أو التيّارات السلفيّة في هذا المضمار، ثمّ تلاقي بعض القرارات التي أصدرها مع إرادة قطاعٍ شعبيٍّ عريض كإعادة محاكمة رموز الفساد وقتلة الثوّار، وإقالة النائب العامّ، وزيادة معاشات ضحايا الثّورة من الشهداء والمصابين.
رمبّ ا اكتسب الرّئيس مرسي جرأةً وثقةً من نجاحه السَّلس وغير المكلف في إنهاء مشاركة المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة له في السّلطة بعد إصداره قرارات الثاني عشر من آب / أغسطس 012 2، علاوةً على أدائه المتوازن في إدارة أزمة العدوان الإسرائيليّ الأخير على قطاع غزّة، والذي أكسبه تقديرًا محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا هائل21. غريأنّ الرّئيس مرسي فاته شيءٌ في غاية الأهميّة، وهو أنَّه تجرَّأ على إصدار قراراتٍ بالغة الخطورة والإثارة كونها تتيح له التغوّل على السلطة القضائيّة إلى جانب هيمنته على السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة مع غياب مجلس الشعب، بينما لم يواكب ذلك إنجازات اقتصاديّة واجتماعيّة للرّئيس المنتخب على أرض الواقع خلال الأشهر الخمسة المنقضية من حكمه تعزِّز من رصيده الشعبي لدى الجماهير السَّاخطة والمستاءة من تأخّر ثمار الثّورة. وذلك على غرار ما فعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في بالده، والذي أفضت إنجازاته الاقتصاديّة والاجتماعيّة الهائلة ونجاحاته في إدارة السياسة الخارجيّة لبلاده، إلى تعاظم تأييده شعبيًّا إلى الحدّ الذي خوَّله اتّخاذ خطواتٍ إصلاحيّة جريئة غير مكرتثٍ بتحالف المعارضة التركيّة في مواجهته ومساعيها الحثيثة للإطاحة بحكومة "حزب العدالة والتنمية" ذي الجذور الإسلاميّة. ولعلَّ الرّئيس مرسي قد ظنَّ، نتيجةً لسوء تقدير، أنَّ تخلّصه السّلس والهادىء من مشاطرة العسكر له في الحكم وارتكانه إلى دعم جماعة الإخوان والتيّارات السلفيّة ذات القدرة الهائلة على الحشد الجماهيريّ، من شأنه أن يستتبع نجاحًا مماثاللأيّ محاولةٍ جديدةٍ من جانبه للإجهاز على خصومه سواء في داخل المؤسّسة القضائيّة أو الأجهزة الأمنيّة ومؤسّسات الدولة البيروقراطيّة. فقد بدا أنه غريمدركٍ لما يمكن أن تطويه المقارنة بين القوّات المسلّحة وتلك المؤسّسات من فوارقَ لا يُستهان بها، لعلّ أبرزها طبيعة التكوين وآليّات العمل الداخليّة والبنية التنظيميّة وإدراك المسؤوليّة الوطنيّة في وقت الأزمات، ومدى الارتباط بالنِّظام السابق وعناصر الثّورة المضادّة، فضالعن رؤية كلٍّمنها لما يجب أن تكون عليه علاقاتها بالشّعب والنِّظام22. واستنادًا إلى تلك الحسابات التي رمبّ ا أساء الرّئيس إجراءها، انشطرت البلاد إلى شطرين بعد أن ازدادت حدّةُ الاستقطاب السياسي بين القوى المدنيّة والتيّارات الإسالميّة، وباتت الثّورة المصريّة على المحكّ إثر التهديدات المتبادلة بالتصعيد واستخدام العنف، فقد تفاقمت الأزمة بين الرّئيس والقوى المدنيّة والثوريّة التي أبدت رفضها لقراراته وذهبت في التعبير عن هذا الرفض إلى مدى بعيد. فقد اشرتطت لتعليق تظاهراتها واعتصامها في ميدان التحرير ومحيط قصر الرّئاسة، إلغاء قرارات الرّئيس وعدم إجراء الاستفتاء على مسودة الدّستور الجديد واعتذار الرّئيس للشعب. وبالتزامن مع هذا التصعيد، اتّسعت الفجوة بنيالرّئيس وقطاعٍ كبيرٍ من القضاة رفض قرارات الرّئيس والإشراف على إجراء الاستفتاء على مسودة الدّستور الجديد. أصرّ الرّئيس بدوره على عدم التراجع عن قراراته حفاظًا على هيبته التي اهتزّت إثر تراجعه مرّتين سابقتين عن قرارين سبق وأن اتّخذهما؛ كان أوّلهما بشأن عودة مجلس الشعب الذي أصدرت المحكمة الدّستوريّة العليا حكامبحلّه في تمّوز/ يوليو، بينما تمثِّل ثانيهما في إقالة النائب
العامّ عبد المجيد محمود وتعيينه سفيرًا لمصر لدى الفاتيكان في نهاية تشرين الأوّل/ أكتوبر 012 2. وما بني تعنّت المعارضة وعناد الرّئيس ورفض كلّ منهامتقديم أيّ تنازلات أو اتّخاذ خطوة للوراء والوصول إلى حلّ وسط، ازدادت وتيرة التصعيد بين مؤيّدي الرّئيس ومعارضيه في ميدان التحرير ومحيط القصر الرئاسي على نحوٍ أسفر عن سقوط خمسة قتلى فضالً عن مئات الجرحى23. في مساء الثامن من كانون الأوّل / ديسمبر، طرح مرسي مبادرةً لحلحلة الأزمة، إذ أصدر إعلانًا دستوريًّا جديدًا أجرى بمقتضاه تعديلاتٍ على الإعلان السابق المثير للجدل وألغى المادّتين الثانية والسادسة التي كانت مبعث التوتّر كونها تحصِّن قرارات الرّئيس، فيما أبقى على إجراء الاستفتاء على مسودة الدّستور الجديد في موعده. وهي المبادرة التي قوبلت بردود فعل متباينة من جانب جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة، ولا سيمّا أنّها لم ترقَ إلى مستوى تطلّعاتها.
الرّئيس مرسي والجيش
يجوز الادّعاء أنَّ الرّئيس مرسي قد أجاد، إلى حدٍّ كبيرٍ، التعاطي مع الجيش والمجلس الأعلى للقوّات المسلّحة خلال المرحلة الانتقاليّة. فقد آثر تجنيب البلاد والعباد أيّ تداعياتٍ سلبيّة خطرة لأيّ صدامٍ معهما، وأنهى دورهما في الحياة السياسيّة بطريقةٍ ذكيّة وهادئة، ومن دون أيّ اضطرابات، وسط ظروفٍ صعبةٍ وبالغة الحساسيّة، بما يسدّ الباب أمام أيّ صداماتٍ يمكن أن تنال من استقرار البلاد وتقوِّض الثّورة أو تجهض عمليّة التحوّل الهادئوالسلميّ نحو الحكم المدنيّ الديمقراطيّ24. ففي خطوةٍ جريئةٍ وغير متوقّعة، أصدر الرّئيس مرسي يوم 12 آب / أغسطس من عام 012 2، حزمة قراراتٍ حاسمة أنهى من خلالها حالة الازدواجيّة في السلطة وإدارة البلاد، إذ انتزع سلطات رئيس الجمهوريّة كاملة، وقلَّص الدَّور السياسيّ للمجلس الأعلى للقوّات المسلّحة كمشرفٍ على العمليّة الانتقاليّة بعد ثورة ٥٢ يناير 011 2. فبإصداره الإعلان الدستوريّ الجديد يلغي الإعلان الدّستوري المكمِّل الصادر في ٧ ١ حزيران / يونيو ٢١٠ ٢، الذي انفرد الرّئيس المنتخب بالسلطة التنفيذيّة بغير منازع. كما آلت إليه السلطة التشريعيّة حتّى انتخاب برلمان جديد، واسرتدَّ سلطته كقائد أعلى للقوّات المسلّحة، واحتفظ بحقّ إعادة تشكيل الجمعيّة التأسيسيّة بالتشاور مع القوى الوطنيّة، إذا ما حالَ أيّ مانع دون استكمالها مهامّها. وقد ارتأى الرّئيس مرسي في هذه القرارات محاولةً لضخِّدماءٍ جديدةٍ في شراينيالقوّات المسلّحة، وفرصةً لرأب الصدع الذي بدأ يضرب صفوفها عبر إنهاء حالة عدم الرضا عن بعض القيادات العسكريّة العليا وسط صغار الضبّاط والجنود، فضالعن سدّ الفجوة الجيليّة بين أولئك الآخرين وقائدٍ عامٍّ كان يلامس الثمانين عامًا بعد أن بقي طوال 23 عامًا وزيرًا للدّفاع25. وقد لا نبالغإذا ما زعمنا أنَّ الدَّور الأمريكيّ في عمليّة تغيير قيادات القوّات المسلّحة المصريّة، لم يكن غائبًا. فعىلالرّغم من أنّ الإدارة الأميركيّة امتنعت، في بادئالأمر، عن إصدار أيّ ردّة فعلٍ رسميّة فوريّة على قرارات مرسي، لم تتورّع المتحدِّثة باسم الخارجيّة الأميركيّة، فيكتوريا نولاند، عن التأكيد على أنَّ بلادها كانت على علمٍ مسبق بوجود محادثاتٍ بخصوص تعيين طاقمٍ جديدٍ للدفاع في مصر، وإن كانت أقلَّ اطلّاعًا على توقيت اتّخاذ القرارات. وفي ردِّها على سؤالٍ عن إمكانيّة اعتبار ما حدثمن تغيير لفريق الدفاع المصريّ في منزلة "انقلاب ناعم" من الرّئيس مرسي على قيادات الجيش، نفت نولاند أن تكون بلادها قد استخدمت هذا التعبير في وصف ما جرى. وإبّان زياراتٍ قاموا بها للقاهرة خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت التغييرات، أكّد عددٌ من المسؤولين الأميركيّنيالذين كان من بينهم جون ماكني، أنّهم تلقَّوا تطميناتٍ من الرّئيس المصريّ بشأن الإبقاء عىلالعلاقات الراسخة والمتميِّزة بنيالجيش المصريّ وواشنطن، خصوصًا في مجالات التسليح والتدريب والمساعدات الاقتصاديّة، حالة حدوثأيّ تغييرات جوهريّة في قيادة ذلك الجيش. هذا فضالعن عدم المساس بالمصالح الأميركيّة في المنطقة كمعاهدة السلام الموقّعة بين القاهرة وتل أبيب، وتأمنيالقواعد الأميركيّة في المنطقة، وضمان المرور الآمن في قناة السويس، والإبقاء على التنسيق الأمني والتفاهم الإسرتاتيجيّ بين واشنطن والقاهرة، فضالعن الاستثمارات الأميركيّة بشتّى صورها. وتأسيسًا على ذلك، جاءت الضغوط المتنامية التي طفقت واشنطن تمارسها عىلالمجلس العسكري لحمله على تسليم السلطة غير
المنقوصة ومن دون إحداثتوتّرات للرئيس المدني المنتخب، وعدم التدخّل في العمليّة السياسيّة بعد ذلك. فإلى جانب التصريحات والانتقادات الحادّة التي لم تتوانَ الإدارة الأميركيّة عن إمطاره بها مؤخّرًا، جاء في صدارة شروط المساعدات العسكريّة المقدّمة لمصر سنويًّا والبالغة قيمتها 1.3 مليار دولار في العامين اللذين أعقبا تنحّي مبارك، ضرورة تسليم المجلس العسكري السلطة إلى المؤسّسات المدنيّة المنتخبة ديمقراطيًّا. يُضاف إلى ذلك علانيّة ميزانيّة الجيش والشرطة المصرييّن وتوفريرقابة مدنيّة عليهما، واحرتام القواعد الديمقراطيّة وسيادة القانون والانتخابات الحرّة والحريّات العامّة والفرديّة كافّة. وخالل زياراتها للقاهرة حينئذ، حرصت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة هيلاري كلينتون على توصيل رسائلَ واضحة ومباشرة للمشير طنطاوي في هذا الإطار، إلى الحدّ الذي دفع به إلى التصريح في كلمته خلال حفل تسليم وتسلّم قيادة الجيش الثاني الميدانيّ في الإسماعيليّة وبعيد ساعات من لقائه كلينتون، بأنَّ مدفوعني من الخارج يحاولون دائمًا الوقيعة بين الشّعب وقوّاته المسلّحة، وأنّ مصر ستظلُّ لكلِّالمصرييّن ولن تكون لمجموعةٍ واحدةٍ بعينها، لأنَّ القوّات المسلّحة لن تسمح بذلك26. وعىلالرّغم من الحفاوة التي قُوبل بها قرار الرّئيس مرسي بإقالة المشير ورئيس الأركان وإنهاء ازدواجيّة الحكم خلال المرحلة الانتقاليّة، تفاقمت مخاوف قوى ثوريّة ومدنيّة من أن يفض نجاح الرّئيس مرسي في إنهاء ازدواجيّة السلطة بينه وبين المجلس العسكريّ، إلى تغذية مشاعر الهيمنة والرَّغبة في الاستحواذ لدى الرّئيس وجماعته، خصوصًا بعد أن أمسى الرّئيس يمارس صلاحيّاتِه كاملةً بغير شريك وصار يجمع بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، في غياب الدّستور الدائم ووجود إعلانٍ دستوريٍّيسمح بذلك، في وقت استبدَّ الضعف والانقسام بسائر القوى المدنيّة والثوريّة. وفي المجرى ذاته، وردت اتّهامات فقهاء دستورييّن للرئيس بتجاوز حدود صلاحيّاته حينما أقدم، من دون أسانيد دستوريّة أو قانونيّة، على إلغاء وثيقة دستوريّة بعد أن أقسم بموجبها كرئيسٍ منتخبٍ اليمينَ الدّستوريّة عىلأن يحترم القانون والدّستور، ثمّ إصداره الإعلان الدستوريّ الجديد بينما هو لا يمثِّل أصالسلطةً تخوِّله هذا الأمر. يُضاف إلى ما سبق أنَّ قرارات مرسي المصيريّة في هذا الموضوع الحسَّاس جرت بغير تفاوض معلن وشفّاف بين جبهةٍ تضمُّ ممثِّلين لألوان الطّيف السياسي والوطني كافّة من جانب والمجلس الأعلى للقوّات المسلّحة من جانبٍ آخر، إذ استأثر الرّئيس بحسم الأمر على نحوٍ مفاجئ27. ولمَّا كانت الطريقة أو الآليّة التي من خلالها يجري دمقرطة الجيوش وإبعادها عن السياسة، من حيث امتلاك زمام المبادرة وأسلوب تنفيذ هذا الأمر وتوقيته، تسهم في توزيع الصلاحيّات والسلطات وتحديد موازين القوى وشكل العلاقات بين الفاعلين السياسييّن في النِّظام الذي يشهد هذه العمليّة لاحقًا، لم يفلح تبرير الرّئيس وجماعته لذلك الانفراد. وهو التبرير الذي يقول إنَّ القوى السياسيّة المدنيّة الأخرى تفتقد التجانس والقدرة على التوافق وبلورة تصوّر متوازن في هذا الصَّدد، وإنه لم يكن بمقدور بعضها التفاوض مع العسكرييّن للعودة إلى الثكنات بعد أن لاذت بهم للحيلولة دون صعود جماعة الإخوان، في تهدئة مخاوف القوى المدنيّة والثوريّة من تداعيات هذه الخطوة في الطريقة التي نفّذت من خلالها28. فإلى جانب هواجس الهيمنة الإخوانيّة واحتمالات الفرعونيّة السياسيّة للرئيس مرسي، استنكر اتّحاد شباب الثّورة في بيانٍ له حينئذ، قرار الرئيس منح المشريطنطاوي قلادة النيل، والفريق سامي عنان نوط الجمهوريّة وهما أرفع وساميَن في البلاد، ثمّ تعيينهما مستشارين للرئيس، الأمر الذي عزَّز مخاوف القوى الثوريّة من أن يؤمّن لهما ذلك التكريم حصانة ضدَّ المحاكمة عن أيّ أخطاء يمكن أن تنسب إليهما، سواء قبل تنحّي مبارك أو إبان المرحلة الانتقاليّة. وعلى الرّغم من أنَّ القانون رقم ٢١ لسنة ٢٧٩ ١ المنظّم لمنح الأوسمة والأنواط المدنيّة، لم يضمن أيّ حصانة قضائيّة لحامل تلك الأوسمة والأنواط الرفيعة، بل إنّ المادّة ٢٢ من القانون، تنصُّعلى أنَّه يجوز لرئيس الجمهوريّة تجريد حامل القلادة أو الوشاح أو الوسام أو النوط منه إذا ارتكب أمرًا يخلُّبالشرف أو لا يتّفق والإخلاص للوطن، طالب اتّحاد شباب الثّورة بضرورة محاكمة المشير وأعضاء المجلس العسكري، ومن بينهم وزير الدفاع الجديد المتّهم في قضيّة كشوف العذريّة العام الماضي، جرّاء قتل الثوّار وتعذيبهم. وهو ما عدّوه مسعى ضروريًّا
للحيلولة دون إتمام صفقة الإخوان والمجلس العسكريّ بشأن سيناريو خروجه الآمن وعدم المساس بوضع الجيش وامتيازاته في الدّستور الجديد، لقاء انفراد الطّرف الأوّل بالسلطة29. وبناءً عليه، رأت قوى ثوريّة ومدنيّة، خصوصًا تلك التي كانت تلوذ بالمجلس العسكري وتراهن عليه لإحداثالتوازن المطلوب في الساحة السياسيّة، مقابل صعود الإخوان وتنامي قوّتهم التنظيميّة والانتخابيّة، في قرارات الرّئيس مرسي دافعًا لتجاوز الخلاف والانقسام فيما بينها. فقد رأت قبول التعاون والعمل المشترك لتشكيل جبهة سياسيّة فاعلة ومعارضة لما يرونه انفرادًا إخوانيًّا بالسلطة وإعادة إنتاج الفرعونيّة السياسيّة التي أسقطتها ثورة يناير 011 2، من خلال الضغط الشعبيّ لإعادة تشكيل الهيئة التأسيسيّة التي كانت معنيّةً بكتابة الدّستور حينذاك بما يسمح بتمثيل القوى والتيّارات السياسيّة كافّة فيها وإسناد مهامّ التشريع لها. الأمر الذي سيحول دون أن يجمع الرّئيس بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، إضافةً إلى تنسيق الجهد لمواجهة ما يعدّونه زحفًا إخوانيًّا خلال الاستحقاقين الانتخابييّن المقبلين البرلمانيّ والبلديّ30. ومن زاوية أخرى، تبقى الإشارة إلى أنَّ نجاح الرّئيس مرسي في إنهاء ازدواجيّة السلطة بينه وبنيالمجلس الأعلى للقوّات المسلّحة، رمبّ ا يطوي بين ثناياه ضغوطًا إضافيّةً عليه من جهةٍ مغايرة. فاكتمال سيطرته على مفاصل السلطة كافّة بلا منازع وبغير شريك منذ 12 آب / أغسطس 012 2، من شأنه أن يفتح باب النّقد والاتّهام للرئيس المنتخب بالفشل أو التقصير على مصراعيه، وأن يحرمه من فرصة إرجاع فقدان الفعاليّة وبطء الإنجاز إلى نقص الصلاحيّات والسلطات جرّاء ازدواجيّة السلطة أو مشاركة أندادٍ وقوى أخرى له في الحكم31. وفي شهر كانون الأوّل / ديسمبر 012 2، ومع اشتداد وطأة حالة الاستقطاب السياسي الحادّ في البلاد بين التيّارين الإسلاميّ والمدني جرّاء الاستفتاء على مسودة الدّستور الجديد، لاحت في الأفق مؤشرِّات على رغبة الجيش المصريّ في العودة إلى الساحة السياسيّة للحيلولة دون تصاعد الأزمة وانفجار الموقف. فأصدر الجيش بيانين متتاليين أكَّد خلالهما حرصه على وحدة البلاد واستقرارها ودعمه للشرعيّة والديمقراطيّة، كما دعا الأطراف المتناحرة للاحتكام إلى الحوار الجادّ والبنَّاء. وبعد يومين من إصدار بيانيه، وجَّه وزير الدفاع الفريق أوّل عبد الفتاح السيسيدعوةً إلى رموز المعارضة وفنّاننيورياضيّنيوصحافييّن وإعلامييّن وممثّلين للأزهر والكنيسة بحضور الرّئيس مرسي، لحضور لقاءٍ أسماه "لمّ شمل الأسرة المصريّة". وعلى الرّغم من تأكيد وزير الدفاع أنَّ غرض الدعوة اجتماعيّ بحت ولا علاقة له بالسياسة أو الأزمة الدّستوريّة التي تعصف بالبلاد، فقد استتبعت تلك الدعوة تساؤلات وتكهّنات مثيرة بشأن الغرض منها وتأثيرها في علاقة الرّئيس بالقوّات المسلّحة، ودور الجيش في الأزمة الدّستوريّة بل وفي العمليّة السياسيّة برمّتها. وحملت دعوة وزير الدفاع في طيّاتها كذلك مؤشرِّاتٍ عىل أنَّ الجيش لم يختفِكليّةً عن المشهد السياسي ويسعى لأن يقوم بدور عنصر التوازن في المعادلة السياسيّة، في ظلّ تشرذم القوى السياسيّة وافتقادها القدرة على التوافق32. لقد تضافرت عوامل شتّى لنسج حالة الغموض والارتباك التي أحاطت بتلك الدعوة وما أفرزته من تداعيات. إذ أكَّد مراقبون على أنّ دعوة وزير الدفاع للحوار جاءت دون علم الرّئيس مرسي، وأنه لم يسبقها أيّ تنسيق بين مؤسّسة الرّئاسة ووزارة الدفاع. واستشهد المراقبون في ذلك، بحالة التخبّط التي خيَّمت على أسلوب تعاطي الرّئاسة مع الدعوة، سواء من خلال نفي رئاسة الجمهوريّة في بادئالأمر وجود هذه الدعوة من الأساس، أو عبر ادّعاء مدير مكتب الرّئيس الدكتور أحمد عبد العاطي أنّ الدعوة جرت بعلم الرّئيس وإذنه، والإعلان لاحقًا أنَّه سيحضر فعاليّات اللقاء المزمع. يُضاف إلى ذلك مساعي مسؤولي الرّئاسة والإخوان للتقليل من الأهميّة السياسيّة للدعوة مؤكّدين أنّ الدعوة إلى أيّ حوار وطني لا تأيتّإلا من الرّئاسة دون سواها. فقد أكَّد المتحدِّثباسم الرّئاسة الدكتور ياسر علي أنَّ الحوار الوطني مقرهُّقصر الاتحاديّة فقط وليس أيّ مكان آخر. وأكَّد محمود غزلان المتحدِّث باسم جماعة الإخوان أنَّ دعوة وزير الدفاع جاءت من أجل تناول الغداء في القرية الأولمبيّة للدفاع الجوّي وليس من أجل الحوار، فالرّئاسة وحدها هي من يحقّ لها الدعوة إلى حوار وطني وليس الجيش الذي لا يجوز له الانخراط في النشاط السياسيّ.
وفي السياق ذاته، جاءت حالة الاستياء البالغة التي أبدتها مؤسّسة الرّئاسة من دعوة وزير الدفاع، إلى حدٍّ دفع المتحدِّثباسم القوّات المسلّحة إلى إعلان إرجاء اللّقاء إلى أجل غير مسمّى. ولم يكن الرّئيس مرسي قد أكَّد حضوره هذا الحوار قبل إعلان إرجائه. الأمر الذي يشي بأنَّ البيانين والدَّعوة إلى الحوار لم يكونا نتيجة تنسيق مسبق بين وزارة الدفاع والرّئاسة، وإمنّ ا بمبادرة من الأولى وقوبلت باستياء من الرّئاسة وجماعة الإخوان. وهذا مّا دفع وزير الدفاع للتراجع عنها وإرجائها مبرّرًا ذلك بما عدهّ ضعف استجابة من القوى السياسيّة للدعوة على النّحو المطلوب. ولقد لوحظ ظهور الِّلواء محمد العصار مساعد وزير الدفاع، المتبقّي من زمرة المجلس العسكري القديمة، بصورةٍ مكثّفة في وسائل الإعلام بإيعازٍ من الرّئيس، وعكف الرجل على التأكيد أنّ الحوار لا يحمل أيّ صبغة سياسيّة وأنّه دعوة حوار للعائلة المصريّة فقط. وشدَّد العصار على أنَّ الجيش لم يعد له علاقة بالسياسة ولن يتدخَّل فيها. وعلى الرّغم من أنَّ التجربة المريرة التي خاضتها القوّات المسلّحة في إدارة البالد خلال المرحلة الانتقاليّة قد أسهمت بوضوح في تقليص شهيّتها للانخراط في العمل السياسي، فاستياء الرّئاسة من دعوة وزير الدفاع وتحرّكاته، يعود بالأساس إلى أنَّ الاستجابة الواسعة لتلك الدعوة قد تُظهر الرّئيس كما لو كان ضعيفًا ولا يملك السلطة الفعليّة، وأنَّ دور القوّات المسلّحة لم ينتهِ تمامًا33.
ثالث- السّ ياسة الخارجيّةًا
يصعب الحديث عن سياسة خارجيّة واضحة المعالم ومكتملة الأبعاد لمرصبينامهي لا تزال في مرحلة الثّورة ولم تنتقل بعد إلى حقبة الدولة. فالرئيس مرسي لم ميُ ضِفي الحكم سوى وقتٍ قصير. بيد أنَّه يمكن الوقوف عند بعض الرسائل التي حاول الرّئيس مرسي أن يبعث بها في اتّجاهاتٍ شتّى في الداخل والخارج من خلال بعض المبادرات أو ردود الأفعال التي صاحبت تحدّيات إقليميّة ودوليّة أو تبعتها، وكان من أبرز تلك الرسائل34: المشاركة في القمّة الطارئة لمؤتمر منظّمة التّعاون الإسالمي في السعوديّة في تمّوز/ يوليو 012 2، والتي جرى استغلالها في ترميم العلاقات المصريّة السعوديّة التي تأثَّرت كثيرًا مع اندلاع أزمة دبلوماسيّة بين البلدين عندما أغلقت السعوديّة في 28 نيسان / أبريل سفارتها في القاهرة وقنصليتيها في الإسكندريّة والسويس بعد تظاهراتٍ طالبت بالإفراج عن محامٍ وناشطٍ حقوقيٍّمصريّ اعتُقل في السعوديّة. لقد كانت زيارة الرئيس مرسي للسعودية أوَّل زيارة خارجيّة، منذ انتخابه رئيسًا للجمهوريّة. وقد ناقش خلالها برنامج الدَّعم الاقتصادي السعودي لمصر، فضالعن إذابة أيّ خلافات يمكن أن تعكِّر صفو العلاقات بين البلدين. أعادت الزيارة الدفء إلى علاقات مصر بأكبر شريكٍ تجاريٍّلها وصاحب أكبر حجم من الاستثمارات العربيّة، إذ يبلغحجم التبادل التجاري بين البلدين نحو خمسة مليارات دولار. وساعدت الزيارة أيضًا على تأكيد عودة مصر إلى دائرتها الإسالميّة، وطرح مبادرة لتسوية الأزمة السوريّة، تكون مصر أحد أطراف مربّعها الفاعل، إلى جانب السعوديّة، وإيران، وتركيا. وأكَّد الرّئيس محمد مرسي إبّان الزيارة، على أنّ المملكة العربيّة السعوديّة حاضنة الحرمين الشريفين وراعية مشروع "الإسلام الوسطي السنّي"، وأنَّ مصر هي حامية لهذا المشروع، وما بين الراعي والحامي أنساب وصهر. وقال مرسي خلال لقائه بالجالية المصريّة في السعوديّة، إنَّ مصر تحتاج إلى المملكة العربيّة السعوديّة وإنَّ السعوديّة تحتاج إلى مصر، وإذا اتّفق الشعبان والدولتان ستكون هناك نهضة حقيقيّة في العالم العربيّ والإسالميّ. وهي التصريحات التي أثارت حفيظة دوائر عديدة في المنطقة وخارجها كونها أضفت سمتًا طائفيًّا أو مذهبيًّا عىلخطاب الرّئيس مرسي، حمل في طيّاته إشاراتٍ لتعزيز حالة الاستقطاب المذهبيّ بين السنّة والشّيعة35. وفي الشهر نفسه، انتهز مرسي فرصة انعقاد قمّة منظّمة عدم الانحياز في العاصمة الإيرانيّة طهران، وكان استغلاله لها جيّدًا، على الرّغم من الجدل الواسع داخليًّا وخارجيًّا بشأنها، إذ كان حضور الرّئيس مرسي للقمّة وزيارته لطهران، بعد قطيعةٍ مصريّة استمرّت 33 عامًا، حتّى ولو كانت في إطار مراسم بروتوكوليّة، فرصةً سانحةً لفتح هذا الباب المغلق، ونقل عددٍ من الرسائل الرمزيّة للعديد من الأطراف الإقليميّة والدوليّة، في مقدِّمتها أنَّ مصر بسياستها الجديدة
تمدُّ يدها للجميع، وتحدِّد بإرادتها الحرّة كيفيّة صوغ هذه السياسة، وتحديد أطرافها دون توجيهٍ أو وصايةٍ من أحد. الموقف من الولايات المتّحدة: اقتصرت السياسة الخارجيّة المصريّة على توجيه عددٍ من الرسائل الرمزيّة للإدارة الأميركيّة مفادها أنَّ مصر ستسعى للحفاظعلى علاقاتها بواشنطن لكن من دون تبعيّة أو انبطاح، وهو ما بدا جليًّا سواء في زيارة الرّئيس مرسي إلى الصين، أو زيارته لإيران، أو زيارته لمقرّ الاتّحاد الأوروبيّ. وفي إطار هذه المستويات وما تقوم عليه من مؤشرِّات، يمكن القول إنَّ السياسة الخارجيّة للرئيس مرسي تشهد ما يمكن توصيفه بنقلةٍ نوعيّةٍ (مع التحفّظ على مستوى هذه النّقلة وحدودها حتّى الآن على الأقلّ) من شأنها أن تؤثِّر إيجابيًّا في طبيعة التوازنات الدوليّة والإقليميّة في المنطقة، من ناحية، وفي الدَّور المنشود لمرصفي التعاطي مع قضايا هذه المنطقة، من ناحيةٍ أخرى36. وفي تقريرٍ له في مجلّة "ذي أتلانتيك" الأميركيّة ترجمته ونشرته جريدة الشروقالمصريّة، أكَّد إيريك تريجر زميل الجيل الثاني في معهد واشنطن، أنَّ الإدارة الأميركيّة لا تنوي الضَّ غط على مرسي علنًا بخصوص قضايا تتعلّق بالشؤون الداخليّة، معتقدةً أنَّ عدم الضغط على الرّئيس المصريّ كفيلٌ بأن يحمله على التعاون مع واشنطن فيما يخصّ قضايا السياسة الخارجيّة، ولا سيمّا العلاقات مع إسرائيل وإيران وغيرها. ويستشهد الباحث الأميركيّ بالبيانات والتصريحات المحايدة التي صدرت عن المسؤولين الأميركييّن خلال أزمة الإعلان الدّستوري الذي أصدره الرّئيس مرسي يوم 22 تشرين الثاني / نوفمبر37.
الرّئيس مرسي والعدوان الإسرائيليّ الأخير على غزةّ
عكس خطاب القسَم الذي ألقاه الرّئيس مرسي عقب فوزه بالانتخابات الرّئاسيّة مقدار اهتمامه بالقضيّة الفلسطينيّة، فقد أكَّد على دعم مصر للحقوق الفلسطينيّة، وعلى أهميّة إتمام المصالحة الفلسطينيّة باعتبارها أولويّة لتعزيز القدرات الفلسطينيّة، وتوحيد جهد الشعب الفلسطينيّ لمواجهة التحدّيات التي تعصف بالقضيّة الفلسطينيّة. ورمبّ ا لا يختلف اثنان عىلأنَّ ردَّة الفعل الرسميّة المصريّة حيال العدوان الإسرائيليّ الأخريعلى قطاع غزّة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قد أتت مغايرة لتلك التي أعقبت أيّ عدوانٍ إسرائيليٍّسابق. فإضافةً إلى سرعة الاستجابة، تجلَّت تحرّكات النِّظام المصريّ الجديد في اتّجاهاتٍ ثلاثة متوازية: انصرف أوّلها إلى إزالة أيّ قيودٍ على العمل الإغاثيّ الرسمي وغير الرسميّ، إذ فُتحت المعابر على مدار الساعة أمام البضائع والأفراد ووُضعت المشافي المصريّة في رفح والعريش في حالة تأهّبٍ قصوى، وقدّمت التسهيلات كافّة للمعونات والمساعدات الغذائيّة والطبيّة المقدّمة لسكّان غزّة.
أمّا ثانيها، فتمثّل في المواقف العمليّة التي حرص الرّئيس مرسي من خلالها على تلافي مثالب سلفه المخلوع فيما يخصّ التعاطي مع العدوان الإسرائيليّ على قطاع غزّة. فقد وضع في حسبانه اعتباراتٍ شتّى، كونه أوّل رئيسٍ مدنيٍّمنتخب بعد ثورة شعبيّة كان من بين أهدافها إعادة الحيويّة للدور الإقليمي المصريّ وكبح جماح الغطرسة الإسرائيليّة وإحداث شيء من التوازن والندّية في العلاقة مع الولايات المتّحدة. هذا علاوةً على العلاقة العضويّة والتاريخيّة التي تربط جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرّئيس مرسي، بحركة "حماس"38. وقد تجلَّت مواقف مرسي العقابيّة التصعيديّة ضد إسرائيل في قراراتٍ ثلاثة، هي: أواّلً، تبليغالسفير الإسرائيلي إدانة مصر الشديدة ورفضها القاطع للعدوان على غزّة. ثانيًا، تكليف المندوب المصريّ في الأمم المتّحدة بالتحرّك ودعوة مجلس الأمن إلى جلسة تدين العدوان، وتطالب بوقف إطلاق النار في الحال، وذلك في موازاة الدّعوة إلى عقد مؤتمرٍ على مستوى وزراء الخارجيّة العرب في القاهرة للردّ
على العدوان. وثالثًا، استدعاء السفير المصريّ من تل أبيب اعتراضًا على العدوان وتنفيذًا لتهديده الذي أطلقه قبل ساعات من الهجوم الإسرائيليّ بسحب السفير المرصيّ من تل أبيب في حال تنفيذ تهديداتها بشنِّعدوانٍ على قطاع غزّة. وفي السياق ذاته، جاءت زيارة رئيس الوزراء المصريّ غير المسبوقة إلى قطاع غزّة في خضمّ العدوان الإسرائيليّ عىل رأس وفدٍ مصريٍّ رفيع المستوى، ومن بعدها زيارة الوفد الشعبي المرصيّ لتأكيد تضامن مصر حكومةً وشعبًا، مع الفلسطينييّن في محنتهم، وتوصيل رسالةٍ مهمّةٍ لإسرائيل والولايات المتّحدة مفادها أنَّ مصر اليوم ليست كمصر ما قبل ثورة يناير 011 2، وأنَّها لا يمكن أن تقبل بمثل هذا العدوان ولن تتردَّد في نصرة الشعب الفلسطيني39. وجاء ثالثها في تحرير الخطاب السياسي المصريّ الرسمي من قيود الماضي بإعلان دعم الدولة المصريّة الكامل لغزَّة وللمقاومة، وأنَّها لا يمكن أن تترك القطاع ساحةً للعربدة الإسرائيليّة، حتّى إنَّ سفير مصر لدى السلطة الفلسطينيّة ياسر عثمان أكَّد أنَّ مصر ليست وسيطًا محايدًا بين إسرائيل والفلسطينييّن، وإمنّ ا هي مؤيِّدة وداعمة للطرف الفلسطينيّ. وهو التصريح الذي رمبّ ا حمل ردودًا مصريّةً حاسمةً على مطالبة الرّئيس الأميركيّ نظيره المصريّ بالتوسّط والضّ غط على حركة حماس لمنع تفاقم الأزمة40. ويبدو أنَّ القاهرة قرّرت التخيلّ عن دور العرّاب الضعيف أو التابع، الذي ينحصر في تلقّي الإملاءات من واشنطن أو تل أبيب توطئةً لفرضها على الفلسطينييّن أو إقناعهم بها حتّى يجري إدراك اتّفاق مجحف أو تهدئة هشّة. وهو ما ظهر بجلاء عقب الإعلان عن التوصّل لاتّفاق الهدنة، إذ أثنى خالد مشعل على جهد القاهرة ودور الرّئيس مرسي في مساندة الموقف الفلسطينيّ في التوصّل إلى ذلك الاتّفاق، مؤكّدًا أنَّه لم يمارس أيّ ضغوطٍ على المفاوضين الفلسطينييّن ولم يسعَ لفرض أيّ حلولٍ أو مقترحاتٍ عليهم لإبرامها41. وعلى الرّغم اّ تروِّجه بعض المصادر الإسرائيليّة من معلومات غير مؤكَّدة عن اتّفاق مرسي مع الجانبني الإسرائيليّ والأميركيّ على اتّخاذ إجراءات صارمة بالتّعاون مع تل أبيب وواشنطن بشأن منع تهريب السِّالح إلى غزَّة وضمان أمن إسرائيل والملاحة في قناة السويس42، يمكن القول، وفقًا لما هو متاح ومعلن من معطيات، إنَّ الرّئيس مرسي قد أدار الأزمة بصورة جيدة، وتمكَّن من الإفلات من الفخّ الإسرائيليّ بعد أن تسنَّى له تحقيق المعادلة الصعبة المتمثِّلة في إظهار الدّعم الكامل للفلسطينييّن وكبح جماع العربدة الإسرائيليّة وإبداء شيءٍ من الندّية والاستقلاليّة في مواجهة الضغوط والإملاءات الأميركيّة. فلقد تمكن مرسي من استعادة دور مصر الإقليميّ كصانعة سلام وحافظة للاستقرار في المنطقة بلا منافس، الأمر الذي أهَّله في نهاية المطاف للإبقاء على رصيده الشعبيّ داخل بلاده بالتوازي مع اجتذاب إعجاب العالم الخارجيّ وتقديره43. حرص الرّئيس مرسي منذ اللحظة الأولى على إظهار وعيه بأهمّية أفريقيا ورغبته الجادّة في إعادة الاهتمام المصريّ بها. ففي 28 تشرين الأوّل / أكتوبر 0122 قال الرّئيس خلال لقائه بنوّاب الشعب والشورى السابقين والحالييّن في منزله في مدينة الزقازيق، إنَّ أفريقيا عمق إسرتاتيجي بالنسبة إلى مصر، مؤكّدًا على عدم إمكانيّة إحداثأيّ تنمية دون الاهتمام بأفريقيا، خاصّةً بدول حوض النيل وعلى رأسها إثيوبيا، لافتًا إلى حرصه على التواصل معها، وإصلاح ما أفسده الرّئيس السابق مبارك بسبب استعلائه على الأفارقة وتجاهله لهم44. وقد مثَّلت الزيارة التي قام بها الرّئيس لإثيوبيا تدشينًا لما عدهّ عودةً مصريّةً لأحضان القارّة الأفريقيّة ومنابع نهر النيل الذي يمثِّل شريان الحياة بالنسبة إلى مصر، بعدما غابت القاهرة أعوامًا طويلة عن عمقها القارّي، وبالتحديد منذ عام 9951 عقب تعرّض الرّئيس السابق حسني مبارك لمحاولة اغتيال خلال زيارةٍ له لأديس أبابا45. وفي السياق ذاته، وبعد عامين من القرار المصريّ تجميد العضويّة في مبادرة حوض النيل ومقاطعة جميع أنشطتها اعتراضًا من الرّئيس المخلوع حسني مبارك على توقيع دول منابع النيل الاتّفاق الإطاريّ
التعاونيّ المعروف ب "اتفاقيّة عنتيبي" في أيار / مايو 0102، أخطرت الحكومة المصريّة نظيرتها الإثيوبيّة بالتراجع عن هذا القرار، واستئناف المشاركة في أنشطة المبادرة، وذلك للتأكيد على دعم الحكومة المصريّة سياسة الحوار والتواصل والتعاون في مشروعات تنمويّة في حوض النيل بغضّ النظر عن موقفها الرافض للانضمام للاتفاقيّة في وضعها الحالي46.
ومن رحم تلك المعطيات، يبدو أنّ التداعيات الإيجابيّة لثورة يناير 011 2 قد تجلَّت بصورةٍ أوضح وبوتيرةٍ أسرع في سياسة مصر الخارجيّة في عهد الرّئيس مرسي، وإن تأخَّر ظهورها وبدَت أكر تعرثّ ا واضطرابًا بعض الشيء على مستوى تفاعلات الداخل المرصيّ. وإجماالً، يبدو أنّ سياسة مرصالخارجيّة في عهد الرّئيس مرسي، والتي لم تستقرّ ركائزها بصورة نهائيّة، آخذة في الاتّجاه نحو الاستقلاليّة والفعاليّة قدر المستطاع مع الحرص على تلافي أيّ صداماتٍ مع أيّ قوى إقليميّة أو دوليّة. وفي هذا الإطار، توقَّعت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركيّة أن يحدثتغيير في سياسة مصر الخارجيّة، بيد أنّ التغيير لن يمسَّ جوهر العلاقات الخارجيّة على الأقلّ في المدى القصير، لأنَّ مصر لا تحتمل كلفة أيّ توتّرٍ في العلاقات مع الولايات المتّحدة أو الغضب الدولي إذا تخلّت عن اتفاقيّة كامب ديفيد الموقّعة سنة 979 1 مع إسرائيل. وقالت الصحيفة إنّ سياسة مصر الخارجيّة في ظلّ أوّل رئيسٍ إسلاميٍّ هي عرضة للتغيير في الفحوى، ولكن ليس الجوهر. فالرّئيس محمد مرسي سيواجه أزماتٍ داخليّة اجتماعيّة وماليّة يُتوقَّع أن تطغى على الشؤون الخارجيّة خلال الأشهر المقبلة. وعلى الرّغم من الهجمات الشعبيّة على واشنطن، فإنَّ مرسي في أمسّ الحاجة إلى الاستثمارات الغربيّة والإقليميّة للتخفيف من حدَّة الأزمة الاقتصاديّة التي اجتاحت أكبر الدول العربيّة سكّانًا. وفي وسع المتابع لخطاب القسم الذي ألقاه الرّئيس المصريّ المنتخب أن يلحظ أنَّه قد شدَّد على أهمّية الإبقاء على علاقات دوليّة متوازنة لمصر في المستقبل القريب، إيمانًا منه بأنَّ تمتين الجبهة الداخليّة المصريّة في المستوى السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ، وصوالإلى تحقيق متطلّبات الشعب المصريّ في إرساء العدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، هو أمر من شأنه أن سيعزِّز موقع مصر في إطار العلاقات الدوليّة في المدى المنظور. ف اّ لا شكّ فيه أنّ رئيسًا منتخبًا بطريقة ديمقراطيّة سيتمتع بقوّةٍ أكبر على صعيد السياسة الخارجيّة. ويبدو من الخطاب ذاته الذي أكَّد فيه الرئيس مرسي على أنّ "مصر ستكون قائدةً وقويّةً، وهذه هي قدرة مصر، هذا ما يُنتظر منّا"، أنه - على خلاف سلفه المخلوع - يبدي رغبةً في استعادة دور مصر الإقليميّ ومكانتها كقوّةٍ قائدة في محيطها، مستغ في ذلك كلّ ما بحوزته من أوراقٍ ومؤهِّلات، يأتي في صدارتها كونه أوّل رئيس مدنيّ منتخب بطريقة ديمقراطيّة في تاريخ البلاد. وهو الأمر الذي يرسِّخ دعائم شرعيّته في الداخل كما يعزِّز موقفه التفاوضيّ أمام العالم.