لبنان: الفراغ الرئاسي .. بانتظار تغيّرات إقليمية ودولية

Lebanon’s Presidential Vacuum: Awaiting Regional and International Changes

سعود المولى *

الملخّص

اكتسب انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان أهمية لا تقوم على الصلاحيات التي يتمتع بها الرئيس، إذ إنه فقدها بعد اتفاق الطائف، بل على كون رئيس الجمهورية في لبنان هو الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي. و يخشى اللبنانيون من حدوث فراغ في سدة رئاسة الجمهورية، وهو الاحتمال الأبرز. ذلك أن اشتراط نصاب الثلثين في كل جلسات الانتخاب يجعل من المستحيل اتمام عملية انتخاب الرئيس إلا بالتوافق المسبق على شخص الرئيس وهذا ما تفرضه معادلات دولية وإقليمية كما حصل في معظم الانتخابات الرئاسية السابقة، أو عبر تغيير ميزان القوى بالغلبة العسكرية كما حصل في مناسبات سابقة أيضا.

Abstract

The election of a president in Lebanon is an important event not because of the person or their powers—since indeed the role lost its power after the Taif Agreement—

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

بدأت في 25 آذار/ مارس 2014 المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية اللبنانية، وتنتهي في اليوم الأخير من ولاية الرئيس ميشال سليمان في 25 أيار/ مايو؛ إذ تحدِّد المادة 73 من الدستور اللبناني المهلة الدستورية التي ينبغي أن يلتئم خلالها مجلس النواب لانتخاب الرئيس بين شهرٍ واحدٍ على الأقل وشهرين على الأكثر قبل موعد انتهاء ولاية الرئيس. ويخشى اللبنانيون من حدوث فراغٍ في سدة رئاسة الجمهورية؛ إذ أصبح الاحتمال الأبرز، وبخاصة بعد جلسات الانتخاب الأولى في نيسان/ أبريل وأيار/ مايو، والتي لم تنجح في الاتفاق على رئيس جديد1.

ويكتسب انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان أهمية ليس بسبب الصلاحيات التي يتمتع بها الرئيس؛ إذ إنه فقدها بعد اتفاق الطائف الذي وضع حدًا للحرب الأهلية2، بل لأنّه الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي الذي يتمتع برمزية خاصة كونه "هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه"3. لا يوجد في الدستور اللبناني ما يعقد رئاسة الجمهورية للموارنة، وهي الحال عينها بالنسبة إلى الطوائف الأخرى (رئاسة مجلس النواب للطائفة الشيعية، ورئاسة الحكومة للطائفة السنية، ونائب رئيس مجلس النواب للروم الأرثوذكس)، بل هو "الميثاق الوطني" الذي أ قرُ عام 1943 من خلال اتفاق غير مكتوب ينظّم أسس الحكم في لبنان، وهو الذي أرسى التوزيع الطائفي المعمول به حتى اليوم4. أما اتفاق الطائف فقد غيّ توزيع النواب وعددهم؛ إذ أصبح العدد فعليًا 128 نائبًا (وكان العدد قبل الطائف 99 نائبًا، وفي وثيقة اتفاق الطائف 108 نواب) يتوزع مناصفة بين المسلمين والمسيحيين وفق توزيع نسبي يراعي حجم كل الطوائف داخل الانقسام الأساسي بينهما، وراعى تمثيل المناطق5، وقلّص من صلاحيات رئيس الجمهورية ونقلها إلى رئيس الحكومة. لكن هذا الاتفاق لم يشر في أي من بنوده إلى الانتماء الطائفي للرؤساء الثلاثة، فاستمر العمل بالعرف الذي أقره الميثاق الوطني قبل 71 عامًا6. ويُنتخب رئيس الجمهورية الماروني بأكثرية الثلثين في دورة الانتخاب الأولى، وبالأكثرية المطلقة في الدورات اللاحقة7. وتبين السوابق منذ الاستقلال حتى اليوم أنّ الممارسة استقرت على اعتماد نصاب الثلثين في كل جلسات انتخاب رؤساء الجمهورية من دون استثناء. وفي استعراض لجلسات انتخاب الرؤساء منذ عام 1943، تبين أنّ قاعدة نصاب الثلثين اعتُمدت بصورة دائمة ومستمرة حتى في ظل أجواء الحرب عام 1976 لانتخاب خلف للرئيس سليمان فرنجية. فعقدت هيئة مكتب المجلس اجتماعًا مشتركًا مع لجنة الإدارة والعدل برئاسة رئيس المجلس كامل الأسعد، وصدر قرار يفيد باشتراط المشترع في المادة 49 من الدستور حصول المرشح على أكثرية الثلثين من أعضاء المجلس في الدورة الأولى، ويفترض حضور ثلثي الأعضاء على الأقل من أجل عقد الجلسة والشروع في الاقتراع8.

  1. 1 كانت كل التوقعات السياسية والصحافية ترجح تأجيل الانتخابات الرئاسية بعد الجولة الأولى في 23 نيسان/ أبريل إلى ما بعد 25 أيار/ مايو (موعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان)، وإلى ما بعد منتصف حزيران/ يونيو المقبل (موعد انتخابات التجديد للرئيس السوري بشار الأسد). انظر: "لبنان: لا حكومة في الأفق والخوف من فراغ رئاسي قريبًا"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، في:
  2. استمرت الحرب الأهلية رسميًا من 13 نيسان/ أبريل 1975 وحتى توقيع اتفاق الطائف
  3. انظر المادة 49 من الدستور اللبناني.
  4. بشأن الميثاق الوطني اللبناني، انظر: باسم الجسر، ميثاق 1943، لماذا كان؟ وهل سقط؟ (بيروت: دار النهار،.)1997
  5. 5 عدد النواب المسلمين 64 نائبًا، يتوزعون على 27 سنيًا، و 27 شيعيًا، و
  6. المعلوم أنّ معظم بنود اتفاق الطائف أدخلت في الدستور عبر تعديلات دستورية صدرت في 21 أيلول/ سبتمبر.1990 7 نقلت الصحف اللبنانية حصول اتفاق في اجتماع هيئة مكتب مجلس النواب الأخير حول وجوب أن يكون النصاب القانوني لانعقاد الجلسة في دورتيها الأولى والثانية 86 نائبًا؛ أي بمعدل ثلثي أعضاء المجلس، على أن يكون خيار انتخاب الرئيس بالأغلبية المطلقة محصورًا بعملية الاقتراع فقط في الدورة الثانية. انظر: http://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?Type=NP&ArticleID=613903 8 انظر مقال وزير العدل اللبناني السابق بهيج طبارة، "قراءة هادئة لنص المادة "49، السفير،.2007/6/7
  7. و"لبنان: حكومة تستبق الفراغ الرئاسي"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 25 شباط/ فبراير 2014، في: http://www.dohainstitute.org/release/0a2e352f-7081-450b-b3cf- 6cc894bc8bf7
  8. دروز، وعلويين اثنين. أما عدد النواب المسيحيين فهو 64 نائبًا يتوزعون على 34 موارنة، 14 روم أرثوذكس، 8 روم كاثوليك، 5 أرمن أرثوذكس، 1 أرمن كاثوليك، 1 بروتستانت، 1 أقليات مسيحية. وتعد المادة 24 من الدستور الجديد هي التي حددت مبدأ المناصفة والتوزيع النسبي بين الطوائف والمناطق

وتكرّر الوضع نفسه في صيف 1982 لانتخاب الشيخ بشير الجميل؛ إذ طال انتظار اكتمال النصاب في المدرسة الحربية في الفياضية، فلم تنعقد الجلسة إلا بعد انقضاء ساعتين ونصف الساعة، وبعدما اكتمل نصاب الثلثين.

هذا العُرف الذي أخذ شكلً دستوريًا يجعل من المستحيل إتمام عملية انتخاب الرئيس إلا بالتوافق مع الشريك المسلم (نصف البرلمان) بقطع النظر عن الانقسامات والخلافات السياسية والحزبية بين المسيحيين. وفي وضع الانقسام الحاد كما هو اليوم بين فريقي 8 آذار و 14 آذار، فإنه لا يمكن تأمين نصاب الثلثين لانعقاد الجلسة من دون حصول توافق مسبق على شخص الرئيس تفرضه معادلات دولية وإقليمية كما حصل في معظم الانتخابات الرئاسية السابقة، أو عبر تغيير ميزان القوى بالغلبة العسكرية كما حصل في مناسبات سابقة أيضًا.

الانتخابات الرئاسية والتدخلات الخارجية

في 20 تموز/ يوليو 1995 قال عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري آنذاك، والمنشق عن النظام منذ عام 2011) إنّ التمديد للرئيس إلياس الهراوي قائم9. وفي 10 تشرين الأول/ أكتوبر حسم الأمر حديث الرئيس السوري بشار الأسد إلى جريدة الأهرامبقوله: "يبدو أنّ اللبنانيين متفقون على التمديد للرئيس"10. ويومها وافق نواب البرلمان اللبناني على التمديد خلافًا للدستور. وتكرر الموقف نفسه عند التمديد للرئيس إميل لحود عام 2004 وهو التمديد الذي كان من نتائجه القرار الدولي 1559 وما تلاه من اغتيالات هزت لبنان والمنطقة. وفي احتفال أقيم في منزله قبل مدة، أمسك السفير البريطاني طوم فلتشر مغلفًا أبيض، وتوجه إلى الحضور مرددًا سؤالً دأب على سماعه: "من هو مرشح المجتمع الدولي للرئاسة؟" ثم بعد ثوان أخرج ورقة بيضاء مجيبًا: "نحن على الحياد"11. فهل نستطيع القول إن الانتخابات الرئاسية اللبنانية ستجري هذه السنة من دون تدخلات خارجية؟ عمليًا، شهدت الانتخابات الرئاسية خمسة نماذج من "التدخلات" الخارجية12، وسنحاول قراءة دروسها.

أولًا: نموذج مرحلة الاستقلال الأولى

كان التنافس البريطاني – الفرنسي هو العامل الحاسم في الانتخابات الرئاسية التي لم تخلُ من حد أدنى من المقاييس الديمقراطية البرلمانية على النمط الغربي. كانت البلاد منقسمة فعليًا بين كتلتين سياسيتين وبرلمانيتين حكمتا الحياة السياسية اللبنانية لفترة طويلة، هما الكتلة الدستورية (ومن أعلامها بشارة الخوري ورياض الصلح) وكانت بريطانيا تدعمها، والكتلة الوطنية (علمُها إميل إده وجميع أنصار فرنسا) وكان الحاضن الطبيعي لها البيئة المارونية المؤيدة لفرنسا. وقد مثّل قرار بريطانيا إرسال أول بعثة دبلوماسية إلى لبنان عام 1941، بداية الصراع الفعلي بينها وبين فرنسا، والذي كانت انتخابات الرئاسة الأولى مسرحه الدوري. وبدعم بريطاني أمام فرنسا المنهارة،

  1. انظر مقال سركيس نعوم، مجلة الوسطاللندنية، 1995/10/23، أعيد نشره على الرابط:
  2. حول الموضوع، انظر: أحمد الغز، "لبنان مع الاستحقاق الرئاسي"، اللواء، 2014/3/29،
  3. http://goo.gl/4pg5bn
  4. ف:ي http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=199844 11 ريتا صفير، "رئاسيات 2014 - رؤساء ب "شطرنج الأمم"... من بشارة الخوري إلى ميشال سليمان هل تلفح رياح "الربيع العربي" استحقاق 2014؟"، النهار،.2014/4/19 12 ذكرت ريتا صفير (في المرجع السابق) نماذج أربعة ونحن نعتمد في هذه الدراسة خمسة مختلفة.

فاز بشارة الخوري والكتلة الدستورية في انتخابات عام 1943، وفي التمديد للرئيس عام 1949. ويُروى عن الرئيس بشارة الخوري أنه يوم إعلانه تنحيه وعدم إكمال ولايته عام 1952 جاءه السفير البريطاني ليؤكد له عدم ضلوع الإنكليز في الثورة ضده (وكان أقطابها من حلفاء بريطانيا المعروفين) فقال له الرئيس اللبناني: نعم لأنّ الحق على الطليان!

وبدعم بريطاني أيضًا فاز كميل شمعون والتحالف الواسع الذي قام ضد بشارة الخوري في انتخابات عام 1952. وبعد عام 1956 وأفول الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية حلت الولايات المتحدة الأميركية مكانهما في مقابل صعود الناصرية والقومية العربية. وقد ورثت الشهابية (ما سمي لاحقًا بالنهج) بقايا الكتلة الدستورية في ظل وضع عربي جديد آيته الانقلابات العسكرية في سورية ومصر والعراق، والحرب الباردة عالميًا. فجاء الجنرال فؤاد شهاب إلى الرئاسة باتفاق أميركي – مصري 1958، ولكن شهاب لم يقبل بالتمديد أو التجديد (1964) الذي جاءه على طبق من فضة (عريضة وقعها 71 نائبًا من أصل 99 هم عدد أعضاء البرلمان يومها)؛ لمعرفته الدقيقة بتأثيرات الوضع العربي المحيط وتداعياته على لبنان مع وصول حزب البعث إلى السلطة في سورية والعراق عام 1963 ثم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني عام 1964. وكان عهد الرئيس شارل حلو (1970-1964) استكمالً في وجه من وجوهه لعهد الرئيس شهاب لولا أن أجهضته نكسة الخامس من حزيران/ يونيو 1967 والانطلاقة القوية للمقاومة العسكرية الفلسطينية 1968. فكان صعود الحلف الماروني الثلاثي (ريمون إده، وبيار الجميل، وكميل شمعون) واكتساحه انتخابات البرلمان عام 1968، وكانت معارك وقوف المسلمين مع العمل الفدائي ومع حقه بالعمل انطلاقًا من الأراضي اللبنانية (1969-1968)، وتوّج هذه المرحلة اتفاق القاهرة13.

ثانيًا: نموذج انتخابات 1970 الموصوف بالاستثنائي

يحلو للكثيرين التأكيد على أنّ انتخابات الرئاسة في 23 أيلول/ سبتمبر 1970، والتي فاز فيها سليمان فرنجية (بفارق صوت واحد)، كانت الوحيدة التي جرت من دون أي تدخل خارجي. لكنّ الاستحقاق الرئاسي عام 1970 جاء تتويجًا لجملة تحولات إقليمية وداخلية أبرزها: انتخابات 1968 النيابية التي أحرز فيها الحلف الثلاثي (ريمون إده، وبيار الجميل، وكميل شمعون) تفوّقًا كبيرًا مستفيدًا من نكسة عام 1967، والتي أضعفت التدخل المصري الداعم للشهابيين وللمسلمين عمومًا، والعدوان الإسرائيلي الكبير على مطار بيروت الدولي (28 كانون الأول/ ديسمبر 1968) الذي كان بداية دخول البلاد في سلسلة أزمات عنيفة حول الموقف من العمل الفدائي في لبنان وهي أزمات توجها اتفاق القاهرة14 الذي كان نقطة تحول كبرى في الوضع اللبناني (من حيث تصاعد الالتفاف المسيحي حول الحلف الثلاثي الجديد) والعربي (من خلال تعاظم قوة الثورة الفلسطينية وقدراتها انطلاقًا من جنوب لبنان). ومن ثمّ، فقد كان للحلف الثلاثي تأثير كبير في الاستحقاق الرئاسي ضمن وضع إقليمي جديد. ولكنه لم يستطع تأمين أغلبية لأحد أعضائه فجاءت التسويات والتدخلّات

  1. استقالت حكومة رشيد كرامي في 23 نيسان/ أبريل 1969 بسبب المظاهرات والصدامات المسلحة على خلفية الانقسام الداخلي حول شرعية وجود العمل الفدائي الفلسطيني المسلح وانطلاقه من جنوب لبنان؛ ما قاد يومها إلى أزمة حكم كبيرة انتهت بتوقيع اتفاق القاهرة في 3 تشرين/ نوفمبر 1969 لتنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، وذلك بعد نحو سبعة أشهر على بقاء لبنان من دون حكومة. وأرسل الرئيس اللبناني آنذاك شارل حلو وفدًا برئاسة قائد الجيش إميل بستاني إلى القاهرة للتحادث والتفاوض مع ياسر عرفات وتحت إشراف وزير الدفاع المصري محمد فوزي. وأعطى اتفاق القاهرة الشرعية لوجود المقاومة الفلسطينية وعملها في لبنان. وقد اعتبر بعضهم هذا الاتفاق متعارضًا مع مبادئ سيادة الدولة اللبنانية. وأيد الاتفاق عند إعلانه أكثرية القيادات السياسية اللبنانية، ولكن بعد غزو لبنان عام 1982 باتت هذه الأكثرية نفسها مؤيدة لإلغائه أو اعتباره باطلً. وفي 21 أيار/ مايو 1987 تمت الموافقة على قانون إلغاء الاتفاق من قبل البرلمان اللبناني وتوقيعه في وقت لاحق من قبل رئيس الوزراء سليم الحص ورئيس الجمهورية أمين الجميّل.
  2. كان قائد الجيش اللبناني يومها ذا طموح رئاسي، ما جعله يحظى بدعم مصري وسهّل قبوله لاتفاق القاهرة الذي أزعج أميركا وجعلها تدعم فرنجية ضد الشهابيين في انتخابات عام 1970. فضلً عن عدم ثقة أميركا بمخابرات الجيش (المكتب الثاني يومها) المخترقة من مصر وسورية. انظر: الغز، "لبنان مع الاستحقاق الرئاسي."

(وخصوصًا الروسية منها15) في ما سمي ب "صدفة الصوت الواحد" الذي تبين أنه كان صوتًا جنبلاطيًا. وكان انتخاب الرئيس فرنجية بمنزلة نهاية الحلف الثلاثي والشهابية في آنٍ معًا، وقد تلته متغيرات جذرية في المنطقة تمثّلت بأحداث أيلول الأسود في الأردن وخروج منظمة التحرير بعدها إلى لبنان، ووفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28 أيلول/ سبتمبر، ثم الحركة التصحيحية في سورية وتولي الرئيس حافظ الأسد الحكم في فيها. ولا بد من القول هنا بأنه في مرحلة 1976-1970 كانت ولاية الرئيس فرنجية شديدة الاضطراب وشهدت أحداثًا اجتماعية كبيرة من إضرابات وتظاهرات عمالية وطلابية. كما أنها شكلت خميرة إنضاج الحرب الأهلية عبر سلسلة من الصدامات العسكرية والشعبية بين مؤيدي ومعارضي العمل الفلسطيني المسلح التي وصلت ذروتها في أحداث أيار/ مايو 1973 بين الجيش اللبناني والفدائيين الفلسطينيين، وانتهت في ما عُرف بحرب السنتين -1975

ثالثًا: نموذج مرحلة الحرب الأهلية -1976

وتبدأ هذه المرحلة مع دخول القوات السورية إلى لبنان، وقد جرى يومها أول تعديل للدستور لجهة تقديم المهلة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثم انتخاب الرئيس إلياس سركيس في قصر منصور قرب متحف بيروت وليس في البرلمان اللبناني. فمع وضوح الموقف السوري بانتخاب حاكم مصرف لبنان إلياس سركيس حدّد رئيس مجلس النواب كامل الأسعد يوم 8 أيار/ مايو 1976 موعدًا لانتخاب الرئيس الجديد. في تلك الفترة دعت الحركة الوطنية ورئيسها كمال جنبلاط (مدعومة من الثورة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات) إلى الإضراب العام يوم انتخاب الرئيس، وممارسة شتى أنواع التحرك والاحتجاج الشعبي لمنع الانتخاب. كما دعت النواب إلى الامتناع عن حضور الجلسة، معتبرة أنّ عدم إكمال النصاب هو إحباط لمحاولة تعيين سورية لرئيس جديد. وكانت جلسة انتخاب سركيس الجلسة الأطول في الانتخابات الرئاسية في لبنان حتى ذلك التاريخ؛ إذ استمرت ما يقرب من ست ساعات بانتظار استكمال النصاب الذي وصل في نهاية المطاف إلى 69 نائبًا، حضروا وسط إضراب عام، وقطع للطرقات بالإطارات المحترقة وإطلاق القذائف على مقر المجلس في قصر منصور، في محاولة لتعطيل الجلسة بالقوة بعد فشل عدم استكمال النصاب، وبخاصة أنّ قوات جيش التحرير الفلسطيني (السورية) عملت جهدها لتأمين سلامة النواب عند وصولهم إلى مبنى المجلس، فيما كانت مجموعات من الصاعقة (منظمة فلسطينية للبعث السوري) ترافق بعض النواب وتؤمن لهم الحراسة. وقد سرت أنباء مؤكدة عن إحضار عدد من النواب بالقوة الى جلسة الانتخاب. ولم يتمكن الرئيس إلياس سركيس من استلام مهماته لامتناع الرئيس فرنجية عن تسليم قصر بعبدا قبل انتهاء ولايته. وقد أقسم الرئيس سركيس اليمين الدستورية في بارك أوتيل بشتورة (البقاع) أمام 67 نائبًا. وبالطريقة نفسها من التدخل الخارجي الحاسم (ولكن باتجاه مضاد هذه المرة)، كان انتخاب الشيخ بشير الجميل رئيسًا في 23 آب/ أغسطس 1982؛ أي غداة الاحتلال الإسرائيلي لبيروت ومعظم الأراضي اللبنانية من الجنوب إلى الجبل والبقاع الغربي، وخروج قوات الثورة الفلسطينية إلى الشمال والبقاع، بعد حرب عنيفة وحصار أعنف وأقسى للعاصمة بيروت، وبعد خروج القوات السورية من المعادلة بتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار وفك الاشتباك بين سورية وإسرائيل في 12 حزيران/ يونيو 1986 أي بعد أقل من أسبوع على بداية الغزو والعدوان. وقد جاء انتخاب بشير الجميل ضد الإرادة السورية كأحد نتائج الغزو الإسرائيلي. وكما كان انتخابه نتاج موازين القوى الجديدة، فإنّ اغتيال بشير الجميل في 16 أيلول/ سبتمبر 1983 (وقبل تسلمه الولاية رسميًا) جاء ليؤكد قوة العامل الخارجي الحاسمة في الرئاسة اللبنانية، وهو الأمر نفسه الذي حدث مع

  1. كانت المخابرات السوفيتية قد عملت على استدراج أحد الضباط اللبنانيين وهو الطيار محمود مطر لخطف طائرة "ميراج" فرنسية الصنع لحسابها، لكنه أفشى السر لقيادة الجيش، مما تسبب بأزمة دبلوماسية، وتأجيج الحرب الباردة في لبنان. وبتدخل سوفيتي، فإنّ النائب كمال جنبلاط لم يجيّ أصوات كتلته النيابية (جبهة النضال الوطني) إلى المرشح الشهابي إلياس سركيس، بل وزّعها بينه وبين فرنجية مناصفة. غير أنّ أحد نواب كتلته خرج على التوزيع وصوّت لمصلحة سليمان فرنجية (قيل يومها إنه النائب محمد دعاس زعيتر). وقد لعب المال دوره في هذه الانتخابات؛ إذ كان فريق فرنجية – الأسعد - صائب سلام يوزع المال كما الوعود ب "التوزير". فضلً عن الإشارة إلى أنّ سليمان فرنجية كان صديقًا مقربًا للرئيس حافظ الأسد.

انتخاب شقيقه أمين الجميل وعهده الذي عرف الصعود والهبوط في العلاقة مع سورية. عند تولي أمين الجميل الرئاسة كان جنوب لبنان ومعظم مناطق الجبل وبيروت وجزء كبير من البقاع الغربي تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي عقب غزو لبنان، وكان الجيش السوري مهيمنًا على شمال لبنان وشرقه، وكانت الحكومة اللبنانية فاقدة للسلطة والسيادة العملية على الأراضي اللبنانية. واستمر عجز حكومة الجميل عن فرض الهيمنة على لبنان طوال فترة عهده. وباقتراب نهاية فترته الرئاسية في 23 أيلول/ سبتمبر 1988 حصل توافق سوري - أميركي يقضي بانتخاب النائب مخايل الضاهر رئيسًا للجمهورية وحاولت سورية فرضه على النواب. ولم يستطع مجلس النواب اختيار خلف له، فقام قبل 15 دقيقة من انتهاء فترته الرئاسية بتنصيب قائد الجيش ميشال عون رئيسًا للوزراء شكل بموجبه حكومة عسكرية من ستة وزراء يمثلون الطوائف الرئيسة في لبنان. ولم تعجب هذه الأسماء الكتلة المسلمة في البرلمان التي أصرت على بقاء الحكومة القائمة التي يرأسها بالنيابة سليم الحص، فأدى ذلك إلى استقالة الوزراء الممثلين للطوائف الإسلامية الثلاث السنة والشيعة والدروز، فكان هناك حكومتان متنافستان على الأرض؛ واحدة بقيادة عون وأخرى بقيادة الحص، وانتهى الأمر بفرض سليم الحص رئيسًا للحكومة الموحدة وذلك بعد اتفاق الطائف.

رابعًا: نموذج مرحلة ما بعد الطائف -1989

غدا القرار اللبناني سوريًا بامتياز نتيجة التفويض الأميركي - السعودي لسورية (بعد غزو العراق للكويت) والذي استمر حتى عام 200416. في منتصف آب/ أغسطس 1990، استقبل الرئيس حافظ الأسد مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط جون كيلي الذي سلمه رسالة من الرئيس جورج بوش. وفي 13 أيلول/ سبتمبر، زار دمشق وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر للمرة الأولى، وعقد لقاءً طويل مع الرئيس السوري تم خلاله التفاهم على كيفية معالجة أزمتي الخليج ولبنان. وأعطت واشنطن موافقتها على إطاحة ميشال عون وفق الشروط السورية17. ولكن قبل إطاحة عون، كان لبنان قد عرف انتخاب رينيه معوض رئيسًا الذي تم اغتياله، ثم انتخب إلياس الهراوي من بعده.

يروي العميد في الاحتياط طنوس معوض الذي كان مستشارًا أمنيًا وعسكريًا للرئيس معوض، أنه أيقن بعد جلسة الانتخاب، أنّ الرئيس المنتخب رئيس من دون قصر ولا حرس جمهوري ولا جيش تحت إمرته ولا جهاز مخابرات. وباختصار، لا شيء لديه في مواجهة أعداء الطائف الداخليين والخارجيين الذين عملوا على مواجهته وإسقاطه. ويعتبر العميد طنوس أنّ: "الرئيس كان مقدامًا وذا معنويات مرتفعة وكان يراهن على مناقبية كبار الضباط في الجيش وفي الأجهزة الأمنية الأخرى. لكن شجاعته لم تكن لتحميه من القتلة، فهو كان مكشوفًا تمامًا أمامهم وفي وضع صعب نتيجة إقامته في المنطقة الغربية من بيروت التي كانت تعج بخليط كبير من الأحزاب والتنظيمات وعملاء الأجهزة الأمنية المختلفة". كل ذلك في كفة، أما في الكفة الأخرى فكانت ثمة بواكير الخلافات بين النظام السوري والرئيس معوض إذ بدأت تطل برأسها. أراد السوريون تعيين 20 وزيرًا من جماعتهم الخلص والأحزاب الموالية لهم، لكنّ الرئيس رفض توزيرهم، وقال لهم: "كل وزرائي ضد إسرائيل ولكنني أنا أعينهم مع الرئيس سليم الحص لا أنتم". ف "أخذت الخشية السوريين وأيقنوا أنهم أمام إلياس سركيس آخر يرفض التنازل والمساومة، وهو قادر على الرفض وصاحب باع طويل وحنكة في العمل السياسي، إضافة إلى أنه يحظى بدعم منطقة كبيرة ومؤثرة هي زغرتا-الزاوية وما تمثله على المستوى المسيحي والوطني في لبنان". يعتبر العميد معوض أنّ الخلاف مع السوريين كان حقيقيًا فقد أراد الرئيس إنهاء الحرب وتطبيق اتفاق الطائف فعلً لا قولً، والوصول إلى مصالحة حقيقية بين اللبنانيين. وعندما عرض الرئيس السوري حافظ الأسد استخدام الجيش السوري لإنهاء تمرد العماد ميشال عون، أجابه الرئيس معوض شاكرًا أنه لا يريد إراقة نقطة دم واحدة. لكنّ المشكلة الأكبر أنّ الرئيس كان على

  1. حول التفويض الأميركي، انظر: جهاد الزين،" الصراع على سوريا.. بين دمشق وواشنطن"، النهار، 2007/10/5، في: http://goo.gl/HuyTpO
  2. كريم بقرادوني، لعنة وطن (بيروت: دار عبر الشرق للمنشورات، د.ت.)، ص.223

اقتناع بأنّ الاتفاق السعودي - السوري الذي تجلى في اتفاق الطائف كان يحظى بمباركة الرئيس السوري وأنه سيساعده على تنفيذه18. واستطاع النظام السوري، ومن خلال اغتيال الرئيس معوض، تحويل اتفاق الطائف إلى طائف سوري بتفويض أميركي - سعودي كامل. انتخب رينيه معوض رئيسًا في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى قصر بعبدا، واغتيل في 22 من الشهر نفسه في جريمة لا تنفصل عن اغتيال من سبقه وخلفه من الرؤساء والزعماء لأنه لم يكن مطيعًا لإرادة النظام السوري. وفي 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989 انتخب النواب إلياس الهراوي رئيسًا، وشكل الدكتور سليم الحص أولى حكومات العهد الجديد، وانحسر الكلام عن المصالحة الوطنية لتحل محله لغة التهديد بالحسم العسكري19. واستهل الهراوي عهده بتغطية احتلال جيش النظام السوري للمناطق الشرقية المسيحية الخارجة عن سيطرته وتحول لبنان طوال 15 عامًا إلى مجرد "محافظة سورية" تختار القيادة السورية من يناسب مصالحها لرئاسته في ما كان يصفه الزعيم ريمون إده بضم ألمانيا النازية للدولة النمساوية المجاورة20. بدأت مع إلياس الهراوي مرحلة تحوّل جذري في لبنان، كان عنوانها اتفاق الطائف وبداية نهاية الحرب في البلاد. ولعل الثابت الأساسي وشبه الوحيد في عهده كانت علاقته الوثيقة جدًا مع سورية والتنسيق الدقيق مع رئيسها في كل شاردة وواردة تتصل بالقضايا المصيرية أو حتى الداخلية. أظهر الهراوي ثباتًا على خياره السوري الذي انتخب على أساسه. ولم ينكر أن طموحه في كسب ثقة الرئيس السوري دفعه حتى حزيران/ يونيو 1990 إلى عقد 19 قمة مع الأسد والمسؤولين الكبار في دمشق جلها غير معلن وحصلت سرًا خشية إثارة المزيد من الحساسيات الداخلية مسيحيًا وإسلاميًا21. وكان القرار سوريًا في التمديد للهراوي كما في انتخابه. ولم يكن الأميركيون متحمسين للتمديد لكنهم ظهروا بأنهم أقل حماسًا للمفاوضة أو المقايضة. وعلّق الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيكولاس بيرنز على قرار التمديد في مؤتمره الصحافي اليومي "إنّ هذا الأمر يعني الشعب اللبناني وحده، وليس على الأميركيين أن يظهروا أي حكم في هذا الشأن". أما الموقف الفرنسي، فاتسم بالتحفظ وعدم تحديد رأي واضح وصريح، ذلك أنّ هذا الموضوع "قضية داخلية لبنانية، ويعود إلى مجلس النواب اللبناني أن يقرر بحرية طرق الانتخاب"22. كانت سورية هي اللاعب الرئيس والأوحد في اختيار رئيس الجمهورية اللبنانية في مرحلة ما بعد الطائف، وبخاصة أنها باتت تمسك بكامل مفاصل اللعبة السياسية الداخلية بعدما أطلقت الولايات المتحدة الأميركية يدها في لبنان بعد حرب الخليج الأولى23. وساهم في تعزيز وضعها التخلص من أعدائها السياسيين، فدخل قائد القوات اللبنانية سمير جعجع السجن عام 1994، وكان الرئيس أمين الجميل قد استقر في منفاه الاختياري في باريس اعتبارًا من 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وانتقل العماد ميشال عون إلى منفاه الإجباري عام 1991 نتيجة اتفاق بين السلطات اللبنانية والفرنسية. وخلت الساحة من معارضة مسيحية حقيقية. وجاءت مقاطعة القوى المسيحية للانتخابات النيابية عام 1992 لتكرس هذا الواقع. في المقابل، أتاح حلفاء الداخل لسورية، وبخاصة في الرئاسات الثلاث (الهراوي وبري والحريري) التي شكلت ما يعرف ب "الترويكا" السياسية، إمكان تثبيت سلطتها في لبنان في إطار لعبة تبادل المصالح والخدمات، ما جعل لسورية الكلمة الفصل في كل شأن لبناني. وشكل انتخاب العماد إميل لحود عام 1998 امتدادًا طبيعيًا للوصاية السورية على لبنان. واعتبُرت المرحلة حتى عام 2004، مرحلة سورية بامتياز، حيث انصب اهتمام النظام السوري بالدرجة الأولى على تحقيق الأهداف الآتية24: الإشراف على الدولة اللبنانية وتأمين تماسكها ضمن حدود مصالحه، وتجريد الميليشيات من أسلحتها، باستثناء حزب الله وبعض التنظيمات الفلسطينية.

  1. طنوس معوض، 18 يومًا من عمر لبنان (بيروت: دار النهار،.)2002
  2. ملف النهار، إلياس الهراوي: رئاسيات 1998 (بيروت: دار النهار، 1998)، ص.9
  3. بيار عطا الله، "رئاسيات "2014، النهار،.2014/4/15
  4. ملف النهار، إلياس الهراوي، ص.9
  5. النهار،.1995/10/20
  6. جنى نصر الله، 17" رئيسًا للبنان في مهب المساومات الإقليمية والدولية"، أخبار الشرق، 2007/9/22، انظر: http://www.thisissyria.net/2007/09/22/forum/206.html
  7. Augustus Richard Norton, “The Lebanese Formula Revisited,” in Theodor Hanf (ed.), Power Sharing: Concepts and Cases (Byblos: Letters from Byblos, 2008), pp. 85-88; وانظر أيضًا: عبد الرؤوف سنّو، "التعايش المأزوم: لبنان من الميثاق الوطني إلى اتفاق الدوحة وتداعياته 2011–1943:"، في http://goo.gl/BRUjcL

دعم عمليات حزب الله ضدّ إسرائيل، وعدم نشر الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل، والتلاعب بورقة المقاومة بعد تحرير الجنوب وفق مصالحه. تعزيز التناحر بين الطوائف والانقسامات في داخلها، ما أدى إلى ظهور طبقتين سياسيتين تستفيد الأولى من وجوده، وتُعارض الثانية - وهي مسيحية - التوازنات الداخلية التي أفرزها الوجود السوري بالاحتجاجات والتظاهر ورفع الصوت عاليًا، ما عمّق الشرخ بين المسلمين المؤيدين لسورية، خوفًا أو مصلحة، وبين المسيحييّن، وبخاصة في ما يتعلق بمسألة إعادة انتشار جيشه. إشرافُه على ولادة الرئاسات الثلاث والتمديد للرؤساء والإشراف على المجالس النيابية والوزارية، ووضع اليد على الإدارات المدنية والعسكرية. منع تكرار اتفاق 17 أيار 198325. منع السياسييّن اللبنانيين من الحديث عن إعادة انتشار الجيش السوري في لبنان أو انسحابه منه. الاستفادة إلى أقصى الحدود من "معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق" مع لبنان التي عُقدت عام 1991، والتي ألحقت لبنان بسورية بصفته الشريك الأضعف. وإذا كان الرئيس حافظ الاسد هو الذي اختار الرئيس لحود، فإن ابنه بشار الذي تسلم الحكم بعد وفاة والده عام 2000 هو الذي دفع في اتجاه التمديد له. ولكن بين انتخاب لحود والتمديد له حصلت جملة تطورات إقليمية ودولية أبرزها احتلال القوات الأميركية للعراق عام 2003 وإسقاط نظام صدام حسين. هذا، من دون إهمال العامل الدولي الأبرز المتمثل بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ إذ دخلت بعدها دول العالم في عصر محاربة الإرهاب. واحتلت قوى التحالف الغربي أفغانستان، وأدرجت عددًا من الدول على لائحة الدول الداعمة للإرهاب ومنها سورية. وما كان يصح قبل هذا التاريخ لجهة التفويض السوري لإمساك زمام الأمور في لبنان، لم يعد يصلح بعده، وبخاصة أنّ سورية رفضت أن تتعاون مع قوى التحالف الغربي في العراق عام 2003، كما سبق لها أن تعاونت عام.1990

تغيرت في الواقع الأهداف الإستراتيجية، وباتت تتطلب نوعًا آخر من التحالفات. وهو ما رفض الأسد الاعتراف به أو قبوله. وهكذا جاء قرار "محاسبة سورية" الصادر عن الكونغرس الأميركي في أواخر عام 2003،26 ومن بعده القرار الدولي 1559 في 2 أيلول/ سبتمبر 2004 ليعلنا من دون مواربة انتهاء العصر السوري في لبنان. وقد أعلن

  1. في 6 حزيران/ يونيو 1982 قامت إسرائيل باجتياح لبنان وحاصرت العاصمة بيروت واحتلتها، ونجحت في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية خارج لبنان. وفي 28 كانون الأول/ ديسمبر 1982 بدأت المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية أميركية في فندق ليبانون بيتش في منطقة خلدة جنوبي بيروت. بعد تلك المفاوضات جرت جولات تفاوضية عديدة في مستعمرة كريات شمونة شمالي إسرائيل وفي ذلك الفندق. واستمرت المفاوضات حتى 17 أيار/ مايو 1983 إذ تم التوصل إلى اتفاق سلام عرف بمعاهدة 17 أيار. ومن أبرز بنودها: إلغاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل. والانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان خلال 12-8 أسبوعًا. وإنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تتعهد الحكومة اللبنانية بأن تنفذ ضمنها الترتيبات الأمنية المتفق عليها في ملحق خاص بالاتفاق. تكوين لجنة أميركية - إسرائيلية - لبنانية تقوم بالإشراف على تنفيذ البنود وتنبثق من تلك اللجنة لجنة الترتيبات الأمنية ولجان فرعية لتنظيم العلاقات بين البلدين. وتكوين مكاتب الاتصال بين البلدين والتفاوض لعقد اتفاقيات تجارية، وامتناع أي من إسرائيل ولبنان عن أي شكل من أشكال الدعاية المعادية للبلد الآخر، وإلغاء جميع المعاهدات والبنود والأنظمة التي تمنع تنفيذ أي بند من بنود الاتفاقية. وقد كان لتوقيع الاتفاقية تداعيات على مستوى الداخل اللبناني أبرزها نشوب الاقتتال الداخلي وانقسام المشهد السياسي بين الحكومة والرئيس أمين الجميل المتمسكين بالاتفاق من جهة وبين جبهة الإنقاذ الوطني ومن ورائها سورية والرافضين من جهة ثانية. وفي 19 أيار/ مايو اندلعت حرب الجبل التي انتهت في 19 أيلول/ سبتمبر 1983 بسيطرة الحزب التقدمي الاشتراكي على كل القرى الجبلية، تلتها انتفاضة 6 شباط/ فبراير 1984 في بيروت وسيطرة حركة أمل والقوى الحليفة لسورية على القسم الغربي من العاصمة. وفي الفترة نفسها تصاعدت
  2. عمليات استهداف القوات الإسرائيلية والأجنبية داخل لبنان، وبخاصة بعد حادث مقتل عدد كبير من قوات المارينز الأميركيين والمظليين الفرنسيين، فاتجه الرئيس أمين الجميل إلى إعلان إلغاء اتفاق 17 أيار مع إسرائيل، وقامت الحكومة اللبنانية ومجلس النواب اللبناني في 5 آذار/ مارس 1984 باعتبار الاتفاق باطلً بعد أقل من عام على اعتماده. 26 International Crisis Group Working to Prevent Conflict Worldwide, “Engaging Syria? U.S. Constraints and Opportunities,” Middle East Report , no. 83 (February 11, 2009), pp. 3-4, at: http://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/ files/resources/8C6E970E5E2DAC378525755A006C4B17-Full_Report.pdf

القرار 1559 "تأييده لعملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية المقبلة تجري وفقًا لقواعد الدستور اللبناني من غير تدخل أو نفوذ أجنبيين"، وطلب من "جميع القوات الأجنبية المتبقية الانسحاب من لبنان"، فما كان من الأسد إلا أن رد على هذا القرار الذي قصد سورية في الحديث عن التدخل الأجنبي دون سواها، بالتمديد للرئيس لحود27. اعتبر الرئيس بشار الأسد أنّ رفيق الحريري ووليد جنبلاط هما رأس المؤامرة ضد نظامه، خصوصًا بعد مشاركة بعض أعضاء كتلة الحريري وجنبلاط بلقاء فندق الكارلتون وبعده في فندق البريستول للقوى المسيحية المعارضة. وحين لم تعد المعارضة محصورة بالمسيحيين، بل صارت على مستوى كل لبنان، تأكد الأسد أنّ الحريري هو من يحرّك الأمور. وقبل أسبوعين من اغتياله، قال الحريري لوليد جنبلاط بحضور الوزير غازي العريضي: "يا بيقتلوني يا بيقتلوك"28. وهكذا دخل لبنان حقبة الاغتيالات والحروب من جديد.

خامسًا: نموذج اتفاق الدوحة 200829

باغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، تصاعدت المواجهة بين السنّة وأغلبية مسيحية ضد سورية، فاندلعت "ثورة الأرز" (14 آذار)، في مقابل القوى المؤيدة لسورية (8 آذار) وفي مقدمتها حزب الله، وتصاعدت الأزمة بعد خروج القوات السورية من لبنان في 26 نيسان/ أبريل 2005؛ إذ انقسمت البلاد منذ ذلك الحين إلى كتلتين متنافستين لكل منهما تحالفاتها وارتباطاتها الخارجية. ولكنّ ذلك لم يمنع تحالف هذه القوى في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ربيع 2005 بما عرف يومها بالحلف الرباعي (ضم حركة أمل وحزب الله وتيار سعد الحريري وتيار وليد جنبلاط) وتشكيل حكومة موحدة برئاسة فؤاد السنيورة. لكنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006 وملابساتها وتداعياتها زادت من الشرخ بين الكتلتين وبين اللبنانيين عمومًا، خصوصًا أنّ حزب الله بدأ منذ ذلك الحين يفرض سيطرته على الأرض وعلى مؤسسات الدولة30. وقد سبق الحرب الإسرائيلية أن عقد ميشال عون تحالفًا مع حزب الله31، سرعان ما قلب الموازين الداخلية وأعطى الحزب قوة سياسية أكبر وامتدادًا وطنيًا أشمل32. وأدى الخلاف حول النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري إلى استقالة الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في نهاية عام 2006، ثم الاعتصام في وسط بيروت التجاري، وحدوث فراغ في الرئاسة الأولى، وإقفال المجلس النيابي لسنة ونصف السنة، أدت كلها إلى تفاقم النزاع السنّي الشيعي الذي تخللته اشتباكات في الشوارع في مطلع عام 2007 (مثل أحداث ضبية وجامعة بيروت العربية). وتوج ذلك بمعارك نهر البارد في صيف 2007، وبأحداث 7 أيار/ مايو 2008، على خلفية قرار حكومة السنيورة نزع شبكة اتصالات حزب الله الهاتفية غير الشرعية. ومنذ اتفاق الدوحة عام 2008 الذي جاء بعد "اجتياح بيروت" من قبل حزب الله، تغيّ ت موازين القوى في لبنان من جديد. صحيح أن قوى 14 آذار ظلت تحكم بوصفها أكثرية نيابية، لكنها اضطرت إلى إعطاء خصومها في قوى 8 آذار "الثلث الضامن"، الذي أسمته قوى 14 آذار ب "الثلث المعطّل"، والذي عطّل بالفعل حراك الحكومة ومؤسساتها33. ولم تتكلل مساعي السعودية وفرنسا لرأب الصدع بين القوى اللبنانية بأي نجاح. وكان الأميركيون في عهد الرئيس بوش يحرضون، في سياق صراعهم مع إيران وسورية، قوى 14 آذار ضد الدولتين، فساد الاعتقاد بأنّ الأميركيين لن يتخلوا عن "ثورة الأرز." فطالب سعد الحريري الأميركيين بأن يُرسلوا مقاتلاتهم فوق دمشق ترهيبًا للنظام، وأن ينشُوا قِطعهم البحرية في مقابل المياه السورية،

  1. جنى نصر الله، "هل يكون إميل لحود آخر من تنصبه سورية رئيسًا على لبنان؟"، النهار،.2007/9/22
  2. جورج بكاسيني، الطريق إلى الاستقلال: خمس سنوات مع رفيق الحريري:(بيروت توزيع الدار العربية للعلوم، ط 2، 2008)، ص.236
  3. اتفاق الدوحة هو الاتفاق الذي توصلت إليه القوى اللبنانية في 21 أيار/ مايو 2008 في الدوحة. وقد وضع نهاية لثمانية عشر شهرًا من الأزمة السياسية في لبنان شهدت بعض الفترات منها أحداثًا دامية مثل احتلال حزب الله لبيروت يومي 7 و 8 أيار/ مايو. ورعى الاتفاق
  4. عبد الرؤوف سنّو، "الحرب الإسرائيلية – اللبنانية 2006: الخلفيات والمواقف والأبعاد"، مجلة حوار العرب، العدد 22 (2006)، ص.44-30
  5. وثيقة تفاهم" جرى التوقيع عليها في 6 شباط/ فبراير.2006 32 حول "وثيقة التفاهم"، راجع: "عامان على التفاهم بين حزب الله وعون، والمتحمّسون له يؤكدون أهميته في السلم الأهلي"، أخبار الشرق، 2008/2/6، في: http://www.thisissyria.net/2008/02/06/syriatoday/11.html 33 انظر بشأن الاتفاق: اتفاق الدوحة: بناء ثقافة المواثيق في لبنان من أجل مواطنية فاعلة (بيروت: المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي،.)2009
  6. أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وبجهود اللجنة الوزارية العربية والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى. وقد أدى الاتفاق إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية (قائد الجيش ميشال سليمان)، وإلى إجراء الانتخابات البرلمانية بحسب قانون عام 1960 الذي
  7. يجعل القضاء دائرة انتخابية واحدة وتقسيم العاصمة بيروت إلى ثلاث دوائر. كما أدى الاتفاق إلى تأليف حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري.

في حين انتظر وليد جنبلاط تدخُّل السفينة الحربية "يو أس أس كول" Cole USS الراسية قبالة الساحل اللبناني، من دون نتيجة34.

ونتيجة أحداث أيار/ مايو 2007، فقدَ المحور الأميركي – الفرنسي – السعودي في لبنان والمنطقة فاعليته، وأخذ التعاملُ مع دمشق، باعتبارها مفتاح الحلّ والربط في لبنان، يجري – على الأقل في العلن – بواقعيةٍ جديدة من قِبل السعودية وفرنسا، حتى إنّ وفودًا أميركية بدأت تزور دمشق منذ تولي أوباما الحكم في عام 200935. كذلك، أخذ وليد جنبلاط ينسحب تدريجيًّا من "قوى 14 آذار"، طارحًا وسطيةً بين القوتين المتنافستين. وفي هذا السياق، حصلت المصالحة السعودية – السورية في مطلع عام 2009، وتوجت بدبلوماسية "س – س" لتبريد الأزمة اللبنانية ورأب الصدع بين تيار المستقبل والنظام السوري، وبين التيار وحزب الله حول المحكمة الدولية وصدور القرار الظني36. وقام سعد الحريري ووليد جنبلاط بزيارات إلى دمشق ولقاءات مع الرئيس الأسد37. لكن كل شيء تغيّ مع اندلاع الثورة السوريّة في 15 آذار/ مارس 2011؛ فقد دخل لبنان في زمن الثورة السوريّة وصارت كل قضاياه لا تنفصل عن تطورات ما يجري عند الجارة الشقيقة.

مغزى الخوف من الفراغ الرئاسي

ترتبط المخاوف القائمة اليوم من احتمال تعذّر إجراء الانتخابات الرئاسية في لبنان في موعدها بأمرين: الأول، المخاوف التاريخية التي عبّ عنها المسيحيون مرارًا (والموارنة خصوصًا) حيال انتقال صلاحيات الرئيس إلى مجلس الوزراء بحسب المادة 62 من الدستور التي نصت على أنه "في حال خلو سدة الرئاسة، تناط السلطة الإجرائية وكالة بمجلس الوزراء"38. وقد سبق أن حصل فراغ في الرئاسة أكثر من مرة؛ مرتان قبل اتفاق الطائف ومرة بعده وبموجبه. وكانت السابقة الأولى مع الرئيس بشارة الخوري عندما كلف قائد الجيش الماروني اللواء فؤاد شهاب، ترؤس حكومة انتقالية (1952). وقد استعان الرئيس أمين الجميل بتلك السابقة ليلجأ إليها عشية انتهاء ولايته الرئاسية بساعات، في 22 أيلول/ سبتمبر 1988، إذ عمد إلى تعيين قائد الجيش الماروني العماد ميشال عون رئيسًا لحكومة مؤقتة شكلها من الضباط الستة الأعضاء في المجلس العسكري، وذلك منعًا للفراغ في مركز الرئاسة بعد عجز البرلمان عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية في المهل المحددة دستوريًا. ولكن هذه الحكومة لم تحظ بقبول الفريق الآخر (أنصار سورية حينئذٍ)، كما استقال الوزراء الضباط المسلمون من الحكومة العسكرية. فانقسم البلد بين حكومتين: واحدة في قصر الرئاسة في بعبدا، وواحدة في السرايا الحكومي في بيروت الغربية. واستمر الانقسام على الرغم من توقيع اتفاق الطائف (22 تشرين الأول/ أكتوبر 1989) وانتخاب رئيسين جديدين للجمهورية (رينيه معوض في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر، واغتيل في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر، ثم إلياس الهراوي في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989) حتى قامت القوات السورية (بغطاء أميركي كامل) بإنهاء "تمرد العماد عون" (1991) الذي لجأ للسفارة الفرنسية ثم غادر إلى المنفى الباريسي ليعود إلى لبنان (في 7 أيار/ مايو 2005)، وذلك بعد

  1. Wikileaks, ‘Saad Hariri: “You need to have the Sixth Fleet near Syrian waters and fly jetfighters over Damascus,”’ May 12, 2008, at: http:// exciledpalestiniane.wordpress.com/2011/05/03/wikileaks-saad-hariri- you-need-to-have-the-sixth-fleet-near-syrian-waters-fly-jetfighters-over- damascus&gt
  2. U.S. Department of State, Country Profiles ‘Syria, Bureau of Near Eastern Affairs, March 18, 2011, at: http://www.state.gov/r/pa/ei/bgn/3580. htm
  3. سنو، "التعايش المأزوم."
  4. بعد هجمات واتهامات حادة بالمسؤولية عن الاغتيالات التي حصلت في لبنان، وبعد وساطة سعودية وفرنسية، زار الرئيس سعد الحريري دمشق أول مرة في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2009، وزارها بعد ذلك ثلاث مرات، وكانت الرابعة والأخيرة في 18 تموز/ يوليو 2010. وزارها وليد جنبلاط في 31 آذار/ مارس 2010 وتكررت زياراته مرات عدة حتى
  5. آب/ أغسطس 2011 وقطعها مع تصاعد الثورة السورية. 38 المادة 62 من الدستور اللبناني.

اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان (26 نيسان/ أبريل 2005). أما تجربة الرئيس إميل لحود فقد كانت في ظل الدستور الحالي، مع انتهاء ولايته من دون انتخاب ومن دون اتخاذ أي إجراء، فانتقلت السلطة دستوريًا إلى مجلس الوزراء، وتولى رئيس الحكومة (السني) صلاحيات الرئيس (الماروني)39.

الأمر الثاني، أنّ المخاوف اليوم لا تتعلق فحسب بالموقف المسيحي التقليدي من فقدان صلاحيات الموقع الأول الماروني أو انتقال هذه الصلاحيات إلى غير الموارنة، فهذا تحصيل حاصل، إنما الخوف الحقيقي ينبع من تغيير صيغة النظام السياسي الحالي الذي يقوم على المناصفة أولً وعلى إعطاء الموارنة والمسيحيين مناصب أساسية في البلاد أهمها رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش؛ إذ يخشى المسيحيون (والكثير من اللبنانيين) أن يكون الرئيس الحالي هو آخر الرؤساء الموارنة في تاريخ الجمهورية اللبنانية. كما يخشون أيضًا رسم موازين القوى الداخلية اللبنانية في السلطة، والعلاقة بين مختلف المكونات، على قاعدة التوازنات الجديدة الناشئة عن صعود القوة الشيعية المدعومة من إيران وسورية (ومن أميركا بحسب الكثيرين) في مقابل القوة السنية المدعومة من السعودية والخليج العربي. وبحسب قراءة أوساط لبنانية عدة، فإنّ كلام الأمين العام ل "حزب الله" السيد حسن نصر الله عن ضرورة عقد مؤتمر تأسيسي40 ليس إلا مقدمة لانتزاع ما تبقى من "حقوق" المسيحيين في لبنان على قاعدة إعادة النظر بمبدأ المناصفة (الذي جاء به الطائف) تمهيدًا لإحلال المثالثة بديلً منه41. وما يعزز من هذه المخاوف والهواجس أنّ الوضع الإقليمي والدولي الذي منع إنجاز الاستحقاق الرئاسي في 23 نيسان/ أبريل لا يزال قائمًا ومحتدمًا، وبخاصة تداعيات الثورة السورية وتورط حزب الله في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد، ومسألة اللاجئين السوريين والحدود اللبنانية - السورية. من جهة أخرى، فإنّ الخوف الفعلي الذي يتملك اللبنانيين ناجم عن حيرتهم تجاه تطورات الصراع السعودي - الإيراني ومظاهره ومآلاته، وعن ارتباطه بالموقف الأميركي والغربي عمومًا من الملف النووي الإيراني ومن سعي إيران لتأمين نفوذها وسيطرتها في المنطقة مقابل انفراط عقد النظام الإقليمي العربي. ويستعد حزب الله الذي "تدخّل في الوقت الحرج لإنقاذ النظام السوري وتغيير ميزان القوى على ساحات المعركة... حاليًا للإشراف على عملية إعادة انتخاب الرئيس بشار الأسد في منتصف حزيران"42. وعلى المستوى الدولي، فإنّ إدارة باراك أوباما "تراجعت في الشرق الأوسط بسبب إستراتيجية السياسة الخارجية التي وضعها أوباما، ومنها استقلال الطاقة"43، وهي ليست في وارد التدخل في الانتخابات اللبنانية. أما روسيا فهي تدعم بالمطلق السياسة السورية - الإيرانية في لبنان. ومن ثم، فإنّ المرجح هو التأجيل المتواصل بحيث يقع لبنان في الفراغ السياسي الكامل بانتظار التشاور الدولي أول (الأميركي – الروسي - الفرنسي) والإقليمي ثانيًا (الإيراني - السعودي) وكل ذلك مرتبط بمجريات الثورة السورية.