جدلية أولوية
The Dialectic of Determining the Priority of Night-Watchman State or International Responsibility in Achieving Solidarity an
الملخّص
تناقش هذه الورقة الطبيعة المتغيرة للقانون الدولي التي ظلت مثار جدل ليس بسبب الزيادة المطّ ردة في شرعية معايير حقوق الإنسان بوصفها عنصرًا مفتاحيًا في تطور الوعي البشري، وإنما بسبب تناقضات تحليلية وعملية أقحمها مفهوم التضامن بالمعنى العالمي و/أو الإنساني. تقوم النظرية الهيكلية الصاعدة على ضرورة اصطحاب التعاون الدولي بوصفه واحدًا من أهم الآليات لإزالة الإكراهات الهيكلية، ولإعادة صوغ مفهوم المسؤولية ونقله، من طبيعته المتشظية إلى طبيعة متجانسة موحّدة. تحاول هذه الورقة إيضاح ثلاثة هياكل فكرية: أوّلها مفهوم التضامن في السياق الاجتماعي، والسياسي، وفي سياق دراسات القانون الدولي. وثانيها مناقشة التعديل المفاهيمي الذي أحدثته مقولة "مسؤولية الحماية"، في مفهوم السيادة الويستفالي. أمّا ثالثها فهو التناول العربي للعلاقة المثيرة للجدل بين التضامن والسيادة، الذي يعكس في سياق الدولة العربية أزمة بنيوية، تتمثل بتفضيل المفهوم الواقعي الضيّق للأمن الوطني، على المفهوم النقدي الأوسع لأمن الإنسان في الإقليم.
Abstract
The changing structure of International Law has always been a contentious issue not only because of the growing legitimacy of Human Rights standards as a key element in the evolution of human consciousness, but the analytical and practical contradictions imposed by the concept of Solidarity whether its international or humanitarian sense. This emerging structural principle is based on the inevitability of international cooperation as one of the most important mechanisms to eliminate the structural persecutions. Thus, this article will try to clarify the following intellectual frameworks: First, the notion of Solidarity in the context of Social, political and international law studies. Second, discussing the conceptual modification made by the “responsibility to protect” on the Westphalian sovereignty. Third, the Arab response to the controversial relationship between solidarity and sovereignty demonstrate the huge influence of Arab state structural crisis.
The Dialectic of Night-Watchman State vs. International Responsibility: Achieving Solidarity while Considering Arab States Specificity
مقدمة
لا تُعدّ الطبيعة المتغيرة للقانون الدولي قضية خلاف بسبب الشرعية المتزايدة لمنطق الحاجات والضرورات الإنسانية بوصفها عنصرًا أساسيًا في تطور الوعي الإنساني فحسب، ولكن عملية توسيع الخيارات الحقوقية وتعميقها انطلاقًا من اعتماد "التضامن" أو "حقوق التضامن" من جهة آلية تطويرية ليست للذات الفردية ولكن الجمعية على حدٍ سواء، بما يفرض فلسفة ديناميكية لحقوق الإنسان، تضع معيار المسؤولية المشتركة أو الممارسة المشتركة بدلً من الأبعاد المعيارية - الطوباوية. ومن جهةٍ أخرى، بوصفها لغة خطابية تفرض حتمية التعاون الدولي بوصفه أحد أهمّ ميكانيزمات القضاء على الاضطهادات البنيوية العارضة، وإعادة صوغ مفهوم المسؤولية من مجزّأة إلى جماعية قياسًا على تحويل فكرة أسبقية الإنسان على الدولة. طرح هذا الفهم مجموعة من التناقضات التحليلية المراوحة بين إشكالية القيمة التحليلية لتطبيق مفهوم التضامن عمليًا والمتزامن مع مختلف الابتكارات الحمائية الجديدة دوليًا في شقها الإنساني - الأمني، واقتران تطبيقات المفهوم بخصوصية المنطقة العربية حيث يرتكز إنشاء الدولة للعالم الاجتماعي على هندستها الاجتماعية القائمة على الضبط. من خلال توظيفها العلاقة التفاعلية بين التضامن بوصفه متغيرًا مستقلً والمسؤولية بوصفها متغيرًا تابعًا، ستحاول هذه الورقة الجدال في المضامين التحليلية التالية: وقوع التضامن في صلب العمليات المشكّلة لاستمرارية العلاقات البنيوية في مستواها المحلي أو الدولي، ساهم بصورة رئيسة في تقديمه بوصفه ادّعاء أخلاقيًا ذا دعامة قيمية كبيرة وإضفاء صفة الإلزامية عليه من حيث هو مسؤولية أو نظام حامٍ لاستمرارية القيم المشتركة وارتباطه بالرغبة والجاهزية لتقديم المساعدة عند الحاجة. تقديم عقيدة "مسؤولية الحماية" بوصفها تعبيرًا قانونيًا للتضامن من حيث قدرة المنظومة الدولية التشغيلية على تطبيق التزاماتها الأخلاقية - الرمزية ضمن الهيئة الأممية إطارًا جامعًا للإرادات الدولية اعترف فيها مؤسسوها بتحقيق التعاون الدولي على حلّ المسائل الدولية، وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعًا. فرض هذا المنطق ضرورةً معرفية أخرى حيث التعارض بين التضامن والسيادة أهم قيمة محدّدة للدولة، بما يعني تفعيل أحد المفهومين؛ الاعتداء أو إلغاء للآخر، والتزامه. بالنظر إلى دراسة العلاقة التفاعلية بين متغيرَي الدراسة في المنطقة العربية، تجادل هذه الورقة في الفهم الإقليمي للتضامن والمسؤولية، انطلاقًا من خصوصية مشروع الدولة العربية وحساسية المتغير الديني في تكوينها المتعلق بمرجعيتها الدينية؛ بحيث أثبتت الحالة الليبية عام 2011 التناقض بين الفهم الإسلامي للتضامن بوصفه قيمة إقليمية تتجاوز الكيانات الهندسية، والازدواجية الإقليمية والدولية من حيث تجسيد آلية التضامن والضرورات الأمنية - الإنسانية الليبية.
أولا. الإطار الاصطلاحي للتضامن بين المفهوم الاجتماعي والسياسي والقانوني
من الناحية المفاهيمية، يشير التضامن في معناه العام إلى الترابط بين أعضاء جماعة معرّفة ذاتيا تمتلك الرغبة في مساعدة بعضها البعض عند الحاجة باقتضاء مبدأ المعاملة بالمثل. لا تعكس هذه التركيبة البسيطة للتضامن الرابطة بينه وبين مبادئ الأخوّةFraternity الوطنية أو الدولية، الطبيعة الخلافية والمعيارية للمفهوم التي تظهر عند محاولة رصد المعاني المختلفة المقدّمة له منذ بداية رصد اشتقاقه من الكلمة اللاتينية في القانون الرومانيobligatio in solidum التي تعني مسؤولية الجماعة للإيفاء بالدين المشترك، وهو معنى الترجمة الفرنسية للكلمة solidarité في موسوعة 1975 وفي القانون المدني النابليوني 18041، والاستخدامات الواسعة للمفهوم في مجالات معرفية مختلفة مثل علم الاجتماع والفلسفة الأخلاقية منذ بداية القرن الثامن عشر وتسييسه خطابيًا بمساعدة الاتحادات النقابية ومختلف الحركات الداعمة للبلدان النامية، ما حمّله دلالات معرفية عدة.
التضامن قيمة اجتماعية - سياسية
يقع التضامن في صلب النقاشات الواسعة المتعلقة بالعمليات البنيوية المشكّلة للمجتمعات الحديثة وبتأسيس النظام الاجتماعي والمجتمع وبقائهما، سواء في مستواه الكلّ للتكامل والاندماج الجمعي أو في مستواه الجزئي من حيث السلوكيات والعواطف والمواقف الشارحة للتكامل2. وبإمكاننا تجميع المعالجة الكلاسيكية للمفهوم ضمن فئتين رئيستين، هما: المقاربات الكلاسيكية للتضامن التي يمكن ترتيبها كالتالي:
بحسب كتّاب من أمثال سبنسر وتوكيفيل يتأسس التضامن في المجتمعات الصناعية على المصلحة المشتركة في التعاون الطوعي، بحيث تتجسد الطوعية في العقود بين الأفراد الأحرار لتحقيق منافع متبادلة، والدور الوحيد للدولة هو تطوير الإطار القانوني لهذه العقود والحفاظ عليه. وبناءً عليه، يمثّل التوازن الأفقي بين الأفراد ضمن مجتمع مدني قوة موازية للفردانية الأنانية والسلطة الاستبدادية العمودية المحتملة للدولة الحديثة. ركّز الباحثون على تجذّر التضامن في المعايير والقيم المشتركة مصدرًا للتكامل المجتمعي؛ فعالج دوركايم آليات التضامن الاجتماعي في المجتمعات الحديثة من خلال تمييزه الشهير بين التضامن الآلي للمجتمعات التقليدية المرتكز على التماثل بين أعضاء المجتمع وهيمنة الوعي الجماعي على الفردي، والتضامن العضوي للمجتمعات الحديثة القائم على مجتمع متماسك بالاختلاف الموجود بين أفراده بناءً على التقسيم الاجتماعي للعمل. أثار التمييز الدوركايمي فكرة المظاهر المميزة للتضامن التي بحسب تقديمه لا تقتصر على العلاقات الاجتماعية التقليدية فقط، ولكن على أساس جديد للحياة الاجتماعية يتفق مع عمليات التصنيع والتحضّ، بما يترك مجالً للفروق الفردية. جادل بارسونز بمقاربة أكثر ثقافية؛ بحيث إنّ القيم والمعايير المشتركة التي يقدّمها النظام الثقافي تدعم تنظيم المجتمع وانسجامه. يرتكز التكامل الاجتماعي إذًا على الاتفاق الجمعي الواسع على المعايير والقيم المشتركة والمحددة بدورها للأدوار المؤسسية، ومن ثمّ، الشعور بالمسؤولية للوفاء بالالتزامات بما يخلق التضامن بين أولئك الموجهين بصورة متبادلة إلى القيم المشتركة3. هناك تقليد آخر قدّمه كلّ من ماركس وإنجلز من خلال التركيز على العلاقة بين التضامن والانقسامات الداخلية العميقة ضمن المجتمعات الحديثة؛ فيربطان التضامن بالعلاقات غير المتكافئة للقوة والصراع الاجتماعي. فالتضامن بحسب الباحثيْ هو نتاج لممارسات سياسية للعمال تعبّ عن نفسها من خلال الوعي الطبقي؛ فمن خلال الممارسات السياسية للانخراط في الكفاح المشترك يدرك العمال المشتركون في مصالح اقتصادية موضوعية مصالحهم الطبقية المشتركة ويطورون علاقات التضامن الطبقي. فالتضامن إذًا، بحسب الباحثين مرتبط بتقسيم الطبقات في النظام الرأسمالي وقدرتها على إظهار العمل الجماعي4.
أمّا المقاربات الحديثة للتضامن فيمكن تلخيصها كالتالي: مقاربة أكثر عقلانية للتضامن قدّمها هيشتر. وانطلاقًا من تصنيف السلوك الاجتماعي بوصفه مجموع أفعال الفرد العقلاني، جادل الباحث بأنّ الأفراد يشكّلون جماعات للتضامن لتعظيم مصالحهم في سعيهم المشترك للأهداف المشتركة فهم ينتجون سلعًا مادية أو رفاهًا اجتماعيًا يستفيد منه الجميع. فتضامنهم مقيّد ومعتمد بصورة أساسية على الاتصال والوضوح ضمن الجماعة، وعلى تطوير قواعد تنسيق السلوك وتوزيع المصادر. مقاربة تقدمية أكثر لكلٍّ من بيك وغيدنز بتقديمهما مفهوم الحداثة الانعكاسية5 Modernity Reflexive. بحسب بيك، قدّمت دولة الرفاه الغربية الحديثة سياقًا مميزًا لإعادة تشكيل التضامن الاجتماعي من خلال ترتيبات عملية لتكييف نمط
الحياة المركّز على الأنا، وتغذية الفردانية تغذيةً شاملة من خلال تقديم فرصٍ للأفراد لتحقيق ذواتهم ضمن إطار الحماية الاجتماعية: أي قدرة السلوك الانعكاسي للفرد على تشكيل نمط حياته ليس وفقًا لترتيبات بنيوية للطبقة أو المكانة، ولكن من خلال ذاته المكوّنة من خياراته الشخصية المرتكزة على الانعكاس المستمر على العلاقات الاجتماعية والاعتماد المتبادل مع الآخرين. وفي محاولةٍ منه لوضع أساليب جديدة لخلق التضامن بما يتوافق والنزعة الفردانية، طوّر غيدنز "سياسة الطريق الثالث" سعيًا منه لتأسيس علاقة جديدة بين الفرد والجماعة من خلالها يتمّ إعادة تعريف الحقوق والواجبات: فلا حقوق دون مسؤوليات؛ بمعنى تحمّل الحكومة مسؤولياتها يقتضي اتساع الالتزامات الفردية، ولا سلطة دون ديمقراطية، بناءً على تأسيس السلطة على مبدأ الفاعلية أو المشاركة، بحيث تقدّم الديمقراطية بوصفها ميزة أساسية لإقامة السلطة في مجتمعٍ تراجعت فيه أهمية العادات والتقاليد. ينطلق فَهْم غيدنز التضامن من العلاقة التكاملية بين المجتمع والدولة بخاصة في ظل الضغط الأفقي الذي تمارسه العولمة6.
في محاولةٍ للإجابة عن إشكالية "كيف يمكن للتضامن أن يدعم الاندماج الاجتماعي؟"، قدّم هابرماس مفهومًا إجرائيًا للتضامن بالاعتماد على الفعل التواصلي، بحيث يظهر الأفراد كفاءةً في الاتصال بما يؤدي إلى توافق عقلاني حول النقاش السياسي. بالنسبة إلى هابرماس، لا يتميز الفعل التواصلي بسعيه إلى البحث عن الوسائل التي تمكّنه من التأثير في الغير، ولكن بكيفية التوصّل إلى التفاهم والتوافق المتبادل بشأن القيم والمعايير المشتركة بين الفاعلين في المجتمع. قدّم أونيث رؤية أخرى للتضامن بتقديمه أحد الأشكال الثلاثة للاعتراف، في محاولة منها لتدارك الضعف النظري للفعل التواصلي، بخاصة عند الحديث عن أولئك المغيّبين دوليًا. بحسب الباحثة، يتجلّ التضامن في مجتمع منظّم بطريقة يقدّم من خلالها للجميع فرصًا متساوية لكسب احترام الذات من خلال التقدير الاجتماعي لتحقيقات الفرد الاجتماعية. فيصبح المجتمع بذلك فضاءً قيميًا اجتماعيًا مفتوحًا يقلّص الأشكال المختلفة ل زاادراء، ويقدّم لكلّ فرد الفرصة لتبنّي مقاربة معينة للحياة الجيدة7. من الناحية السياسية، يؤسّس التضامن الاجتماعي من خلال مفهومين؛ أولهما مرتبط بالمواطنة التي تعني في مجملها الانتماء ليس بالمفهوم الجغرافي للدولة ولكن من حيث التمتع القانوني بالخدمات الحمائية لدولة الرفاه8. ويكمن ثانيهما في قيام دولة الرفاه بدورٍ رئيس في حماية الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها وتعزيزه، بتطبيق سياسات العدالة والرعاية الاجتماعية، كونها تضمن توزيع الثروة والعوائد الاقتصادية على مجتمعها. اقترن مفهوم دولة الرفاه بمصطلح "الضمان الاجتماعي" للدلالة على مجموعة متنوعة من أنساق دعم الدخل مثل معاش التقاعد والمرض وتعويض البطالة وتعويض نقص دخل الأسرة، بل هناك من ذهب إلى أن الضمان الاجتماعي ليس ببساطة مصطلحًا شاملً جامعًا الأنساق الخاصة بدعم الدخل فقط، وإنّ ا هو محاولة أوسع مجالً لحماية المجتمع بأسره من المخاطر الاجتماعية كافة9. إلّ أنّ الصعوبة تكمن في أن نحدد بدقة كيف تطوّر المفهوم بوصفه نقيضًا ل "دولة الحرب" Warstate والمعاني المقدمة له نظرًا لارتباطه بتعقيدات التطورات الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية والثقافية لمختلف الدول. لذلك وضع أهمّ المحطات التاريخية لتطور دولة الرفاه سيكون علميًا ملائمًا للفهم؛ وذلك بتتبّع طريقة تطوير المجتمعات المختلفة مطالبها الحمائية استجابةً لمختلف العوامل الاقتصادية والاجتماعية؛ ففي العهد القديم مثلً جرى وضع نوع من نظام المساعدة الاجتماعية للمقاتلين في أثينا بوصفه أوّل محاولة تشريعية لتغطية المشاكل الاجتماعية، وفي فترة التصنيع جرى استصدار أول قانون للفقر سنة 1388 في المملكة المتحدة للتعامل مع نقص العمالة، أمّا العصر الذهبي لدولة الرفاه فكان في الفترة الواقعة ما بين 1950 - 1973 حيث شهدت هذه الفترة ازدهارًا لمختلف التشريعات الحمائية في مختلف مناطق العالم، بخاصة استصدار اتفاقية 102 الصادرة عن منظمة العمل الدولية بوصفها المرجعية الأفضل لتطوير الضمان الاجتماعي. وكان لهذه القرارات الأثر والتأثير الكبيران في تطوّر دولة الرفاه10. افترض الفهم الاجتماعي - السياسي أنّ التضامن ليس فعلً من أفعال العطف تجاه الغير فقط ولكنّه مجموعة من المعايير المؤسّسة التي تعزز قدرة الجماعات على إنتاج الخير الجماعي. لكن، يطرح هذا الفهم إشكالً رئيسًا على المستوى الدولي يؤسس للمفهوم القانوني للتضامن حيث ثنائية الإلزام الديني - الأخلاقي لتأسيسه بوصفه مبدأ في القانون الدولي، وهو: ما هي العوامل الدافعة للسلوك التضامني؟ أو بصيغة أخرى: ما مدى إلزامية الفعل التضامني؟
التضامن قيمة قانونية
مثّلت المطالبات القانونية بتطوير صيغة إلزامية لقيم المجتمع انطلاقًا من قانونَ التعايش والتعاون الدولييَن بما يحقق الصالح العام، والنقاشات النظرية حول عجز الدولة وعدم كفاءتها في الإيفاء بالتزاماتها التقليدية في إطار عقدها الاجتماعي، تغييرًا براديغميًا للصيغة التقليدية لحقوق الإنسان؛ وذلك بالحديث عن التضامن الصيغة الحديثة للأخوّة Fraternity، والجوار Neighborhood بوصفه مبدأ ناشئًا11في القانون الدولي في إطار ما اصطلح عليه بالجيل الثالث لحقوق الإنسان12والحقوق الجماعيةCollective Rights التي بانتقالها إلى توسيع نطاق حقوق الشعوب لتشمل مزيدًا من الفئات، فرضت ضرورة تغيير مستوى العمل من الفرد إلى المجتمع لضمان منافع عامة لا يمكن التمتع بها إلّ بالاشتراك مع أفراد لهم وضعية مماثلة، ولا يمكن الوفاء بها بواسطة آليات الحقوق الفردية13. يظهر الحديث عن صيغة العمل الجماعي بصورة جلية في التقديم العام للجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار الألفية للتضامن بوصفه إحدى القيم الأساسية للعلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين: "...التضامن. مواجهة التحديات العالمية يجب أن تدار بالطريقة التي تضمن أن يكون توزيع التكاليف والأعباء بصورة عادلة وفقا للمبادئ الأساسية للإنصاف والعدالة الاجتماعية. أولئك الذين يعانون أو الأقل استفادة يستحقون المساعدة من أولئك الذين يستفيدون أكثر"14. يتوافق وقوع التضامن في صلب فكرة الاعتماد المتبادل بين أعضاء جماعة معرّفة ذاتيا تمتلك الجاهزية لتقديم المساعدة المزدوجة عند الحاجة، مع عدد من سياقات القانون الدولي يحدد المسؤوليات المختلفة للفواعل لتقديم المساعدة؛ ففي ما يتعلق بضحايا النزاعات المسلحة نجد حق الضحايا في المساعدة الإنسانية راسخًا في الاتفاقية التقليدية للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك المادة 38 في اتفاقية جينيف الرابعة التي تنصّ على حق الأشخاص المحميين في تلقّي إمدادات الإغاثة الفردية أو الجماعية التي ترسل إليهم. ويخلق عدد من أحكام القانون الدولي الإنساني نوعًا من الواجب للدولة لتقدّم المساعدة الإنسانية لضحايا النزاعات المسلحة في أراضيها والتي
تحت سيطرتها. لكن، تتجسد اللحظة الفارقة في مسيرة التضامن في بدء نفاذ نظام روما الأساسي بتأسيس محكمة جنائية دولية دائمة ذات اختصاص عالمي في مجالها يمكن من أكبر الإنجازات في مسيرة القانون الدولي. ومن هنا، جرى تقديم القانون الدولي الإنساني بوصفه أوّل نموذج بنيوي للتضامن بالمعنى الإيجابي (تأسيس واجبات الدولة)، إلا أنّ ميكانيزمات القانون الجنائي الدولي النابع من قاعدة تقديم القانون، خير مثال ملموس حديث للتضامن في تجلياته السلبية والإيجابية15. على الرغم من هذا التقديم للتضامن بوصفه مبدأ قيميًا ذا مضامين أخلاقية قوية، فالخلاف الرئيس يكمن في المناقشات حول الإطار التمييزي للتضامن في القانون الدولي. حلّل الباحث وولفروم.التضامن بتقديمه "مبدأ بنيوي" بوصفه من سمات الأنظمة القانونية الحامية قيم المجتمع ومصالحه. وانطلاقًا من المصالح يمكن التمييز بين نوعين من التضامن: التضامن الأناني، بحيث تستند المصالح على القضايا المؤثّرة في كلّ دولة تسعى للجمع ما بين الدول للتعاون بهدف تحقيق هدفٍ مشترك؛ أو التضامن الإيثاري، بحيث تكمن مصالح الدول المتقدمة في المكاسب المباشرة والواضحة على المدى الطويل، للدول النامية. وبناءً عليه، يمثّل الإقرار باللامساواة بين الدول جوهر تقديم التضامن مبدأ بنيويًا في القانون الدولي بحسب وولفروم16كان التطوير اللاحق للمفهوم مع كارل فاساك Vasak K. في محاضرته الافتتاحية في المعهد الدولي لحقوق الإنسان عام 1979 من خلال استخدامه ولأول مرة في الخطاب القانوني الدولي وخطاب حقوق الإنسان الغربي، إطار "الجيل الثالث لحقوق الإنسان" أو "حقوق التضامن" المقترن بتقليد تاريخي يتمّ الاعتراف من خلاله بالجيل الأول للحقوق المدنية والسياسية للأفراد، والجيل الثاني للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأفراد: "يعدّ الجيل الثالث لحقوق الإنسان جديدا في طموحه المعرب عنه، فهو جديد من حيث سعيه لغرس البعد الإنساني في المناطق حيث تغيب الدولة، وهو جديد من حيث إمكانية التذرّع به ضد الدولة؛ ولكن في المقام الأول (وهنا تكمن سمته الأساسية) لا يمكن أن يتحقق إل من خلال تضافر جهود كلّ الأطراف الفاعلة على الساحة الاجتماعية؛ الأفراد والدولة والكيانات العامة والخاصة والمجتمع الدولي"17.
تتضمن الفكرة الجديدة التي طرحها دعاة الجيل الثالث لحقوق الإنسان الحق في التنمية، والحق في السلم، والحق في بيئة صحية تنطلق من انتقاد التركيز المفرط لنموذج حقوق الإنسان التقليدي على الفردية واللاتوازن النظري المفرط بين الحقوق والواجبات إلى تطوير لغة للتضامن الاجتماعي تشتمل على صيغة توافقية للحقوق والواجبات بما يتفق وسابقاتها في الفلسفة والنظرية السياسية الغربيتين. فبحسب القانوني ويلمان أثارت "الحقوق الجماعية" بوصفها أهم إطار توسيعي لحقوق الإنسان مظاهر قانونية جديدة في نموذج القانون الدولي الإنساني تتمثّل ب: ما يميز الحقوق الجماعية عن الفردية هو عدم إمكانية تطبيقها إلا بتوافق عدد من الإرادات، ومن ثمّ، يكمن جوهر الاختلاف في طريقة ممارسة هذه الحقوق أي الالتزامات المشتركة بين الدول على خلاف العديد من الالتزامات المجردة للجيلين السابقين؛ فعلى خلاف التطلعات الطوباوية تعدّ حقوق التضامن المحور الذي يتحقق من خلاله حقّ الفاعلين الموجودين على طرفي نقيض الفرد/ الدولة. إضافةً إلى ذلك، أحدثت حقوق التضامن تغييرًا تاريخيًا من حيث الاع اررف بواجب الفرد؛ فإذا كان تقليديًا، حق الفرد مرتبط بواجب الدولة. إلا أنّ واجب الفرد
ليس ملزمًا من هم في وضعية مساعدة صاحب الحق - إعمال الحق - ولكن حتى الفرد صاحب الحق نفسه18. يثير الحديث عمّن يمتلك حق التضامن أو واجب التضامن الفكرة الثانية؛ وهي هوية الفواعل المتضامنة: هل هي، بتعبير إعلان الألفية، كلّ الأطراف الفاعلة على الساحة الاجتماعية، الأفراد والدولة والكيانات العامة والخاصة والمجتمع الدولي؟ تثير الإجابة عن هذه الإشكالية، شأنها شأن توسيع المستويات التحليلية للتضامن انطلاقًا من الفرد بوصفه أصغر وحدة إلى المجتمع الدولي، بعدين للتضامن على المستوى العملي يراوحان بين الأفقي والعمودي؛ بحيث يشير البعد الأفقي إلى تقديم التضامن بوصفه موقفًا دوليًا يهدف إلى الحدّ من الخسائر البشرية وعدم المساواة بين الدول (دولة مقابل دولة). وينظر البعد العمودي إلى التضامن بوصفه وسيلةً لإنقاذ السكان الذين يواجهون مخاطرَ جدية ولم تتمكّن دولهم من ضمان الحماية لهم. فتكون العلاقة بين دولٍ وسكان دول أخرى19. تخدم هذه الصيغة الجديدة الطرح الفرضي لهذه الورقة بالتماثل والتشابه بين مبدأ التضامن ومسؤولية الحماية بوصفها عقيدة ناشئة في القانون الدولي - سيتم التفصيل في ذلك لاحقًا - لكنّها تطرح من ناحية أخرى إشكالية الصيغة القانونية للتضامن. على الرغم من تجلياته الضمنية العديدة في مختلف أحكام القانون الدولي بشقّيها الدولي والإنساني التي حاولت إضفاء صفة وجوب العمل بها؛ كالمادة الثالثة من الاتفاقية الأممية لمكافحة التصحر التي تنص على أنّ الدول الأطراف ينبغي لها "تحسين التعاون والتنسيق بروح من التضامن والشراكة الدوليين"، والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي مثل ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية يجعل تحقيق "المزيد من الوحدة والتضامن بين الدول الأفريقية وشعوب أفريقيا واحدا من أهداف الاتحاد"، فالخلاف يكمن في مدى القوة الإلزامية للتضامن في القانون الدولي بما يفرض التفريق بين اتجاهين، ودراسته بوصفه مبدأ عامًا أو قاعدة قانونية. ركّز معظم الدراسات حول التضامن على تقديمه بوصفه مبدأ ضمن المبادئ العامة للقانون الدولي مع تغيير التسمية المراوحة بين "الدستوري" و"البنيوي"؛ بما يعني أنّ التضامن هو سمة يستند إليها النظام القانوني الدولي. لكن تقديمه ضمن هذا الإطار يعني إضفاء صفة الإلزامية عليه على أساس أنّ المبادئ العامة تعدّ أحد مصادر القانون الدولي بحسب المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. أمّا البقية فيستخدمون مصطلح "المبدأ" دون معنى تقني محدد بما قد يعني من بين أمور أخرى، حقيقة أساسية، وقوة دافعة، ودليل للعمل. وبناءً عليه، فالمرحلة الحالية من تطوّر القانون الدولي بخاصة الطبيعة الواسعة وغير المحددة لتعريف التضامن في المواثيق الدولية، لا تسمح بتقديمه قاعدة قانونية ملزمة بشقَّيها الآمرة والمكملة، بخاصة عند اقترانه بالجزاء الذي يوقع عند مخالفتها، لكنّه يقدّم بوصفه مبدأ توجيهيًا عند تفسير المعايير الدولية الأخرى.
ثانيًا. مبدأ "مسؤولية الحماية" استجابة عملية لمبدأ التضامن في القانون الدولي
من الناحية العملية، مثّل فشَل قوات حفظ السلام في وقف عمليات الإبادة في رواندا (1994) وسربرنيتشا (1995) وفشَل الأمم المتحدة في إيقاف جرائم الحرب ضد الإنسانية في سياق الحروب الأهلية كما حدث في البوسنة والهرسك، دافعيَن لخلق مقاربات جديدة للعدالة العالمية؛ ففي خطابه الذي ألقاه في اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة الثمانية G8 في كولونيا حزيران/ يونيو 1999 طرح اكسورثي فكرة إعادة تقييم مبدأ سيادة الدولة مقابل الالتزامات الأخلاقية والقانونية للأمم المتحدة للحفاظ على السلم والأمن الدولييَن على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة؛ ففي حالة الانتهاكات الشديدة كالتي شهدها كلٌ من كوسوفو ورواندا لا يمكن للسيادة أن تبقى مفهومًا مطلقًا20.
وبناءً عليه، أيّدت كندا إنشاء لجنة دولية للتدخّل وسيادة الدولة (ICISS) قدّمت تقريرها المسمّى "مسؤولية الحماية". وشارك في إنشاء هذه اللجنة كلٌ من السياسي الأسترالي إيفان Evans G. ومستشار الرئيس الجزائري في الشؤون الدبلوماسية محمد سحنون تحت إشراف السلطة الكندية وأعضاء من الجمعية العامة للأمم المتحدة، للإجابة عن الإشكالية التي طرحها كوفي أنان: "إذا كان التدخل الإنساني في الواقع تعدّيا غير مقبول على السيادة، فكيف ينبغي لنا الاستجابة لرواندا 1994، ومجزرة سربرنيتشا 1995 - للانتهاكات النظامية والجسيمة لحقوق الإنسان - المؤثرة في كل مبدأ من مبادئ الإنسانية21؟ قدّم التقرير إمكانية جديدة لممارسة التدخّل الإنساني بعيدًا عن النقاش التقليدي بين مفهوم السيادة وفكرة التدخّل من خلال تغيير لغة النقاش حول التدخّل لأغراض إنسانية، ليس بالتركيز على "الحق في التدخّل" ولكن بطرح فكرة "مسؤولية الحماية". من شأن تغيير المصطلحات بحسب الباحثَيْ تعديل منظورات ومفاهيم جديدة وإضافتها؛ فمن ناحية، تتضمّن مسؤولية الحماية تقييم المواضيع من زاوية من هم في حاجة إلى الدعم أي واجب حماية المجتمعات من القتل الجماعي، وعمليات الاغتصاب وتهديد المجاعة. ومن ناحية أخرى، يقرّ الاستخدام الجديد لمسؤولية الحماية بأنّ المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة المعنيّة، ولكن عند عجز الدولة أو عدم رغبتها في الحماية بوصفها مصدر تهديد لأفرادها، في هذه الحالة يتمّ الانتقال إلى مستوى مسؤولية المجتمع الدولي للتحرّك. في كثير من الحالات، تسعى الدولة للتحلّل من مسؤوليتها في إطار شراكة فعّالة مع ممثلي المجتمع الدولي22. ينبني الحديث عن مسؤولية الحماية بحسب التقرير، على: مسؤولية الاستجابة React، ومسؤولية المنع Prevention، ومسؤولية إعادة الإعمار Rebuild. يقدّم هذا الفهم الروابط المفاهيمية المعيارية والتنفيذية بين المساعدة والتدخّل وإعادة الإعمار؛ ففي حال وجود تدخّل عسكري بسبب انهيار الدولة وتفكّكها أو تخلّيها عن قدرتها على القيام ب "مسؤولية الحماية"، يجب أن يكون هناك التزام حقيقي يساعد على بناء سلام دائم، وتعزيز الحكم الرشيد والتنمية المستدامة؛ بحيث يتمّ إعادة تأسيس شروط السلامة العامة والنظام بمساعدة الفواعل الدولية العاملة في إطار شراكة مع السلطات المحلية لضمان الانتقال السلس والتدريجي للسلطة وإعادة الإعمار23. في هذا السياق، تنطلق عملية تعديل المحتوى القانوني لمبدأ التضامن بمفهومه الدولي لأغراض إنسانية باعتماد مبدأ معياري جديد يتمّ من خلاله استبدال "التدخل الإنساني" ب "مسؤولية الحماية"، في محاولة لنقْل التركيز من المتدخلين المحتملين (جشع الدولة الهوبزية) إلى المدنيين الذين هم في حاجة إلى الحماية (أولوية الإنسان)؛ ما يتطلب إعادة مفهمة السيادة ليس من حيث كونها "السيطرة" control، ولكن بوصفها "مسؤولية". يعدّ دينغ. أوّل من صاغ هذه الفكرة؛ فالسيادة بحسب الباحث تتضمن بعض المسؤوليات التي على المجتمع المحلي - الداخلي أو الخارجي أن يحاسبا عليها الحكومات24. على الرغم من هذه التعديلات المفاهيمية، فالتناقض التقليدي الواضح بين القانون والسياسة يبدو جليًا من خلال الفراغات القانونية، بخاصة في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لعام 2005 الذي يعد بمنزلة التزامٍ معلن جديد من أعضاء الأمم المتحدة لحماية الشعوب المعرّضة للخطر، وتأكيد بان كي مون أنّ المبدأ أحد أهم أولوياته بوصفه أمينًا عامًا. وقدّم الملاحظة نفسها كلٌ من برغهولم وباديسكو في دراسة لهما حول مسؤولية الحماية في دارفور، وطرحا إشكالية مدى أهمية التأييد الرسمي لمسؤولية الحماية في الوثيقة الختامية25. بالنظر إلى الفقرات الثلاث (138- 140)26 التي تركّز على مسؤولية كلّ دولة لتقديم الحماية فقط عندما تفشل السلطات فشلً ذريعًا في ذلك، يجري الانتقال آليًا إلى المسؤولية الدولية؛ فالمادة 139 على سبيل المثال تعدّ الأساس لاتخاذ الإجراءات عند توافر الإرادة السياسية، لكنّها تتغافل عن الأعذار التقليدية لعدم العمل. فهي تدعو للعمل الجماعي على قاعدة "كلّ حالة على حدة"، الذي بدوره لا يرقى إلى كونه التزامًا سياسيًا ملزمًا بخاصة في الحالات التي يكون غياب الإجماع فيها بين الدول الأعضاء - بخاصة مجلس الأمن - على خلاف
اقتراحات اللجنة الدولية المعنية بالتدخّل وسيادة الدول في التركيز على مسؤولية المنع وإعادة الإعمار بالتساوي، إلا أنّ الفقرات (138 - 140) لا تأخذ هذه الإجراءات في الحسبان27. إضافةً إلى ذلك، لم تقدّم الوثيقة أيّ إجابة عن الحلول الممكنة في الحالات التي لا يكون فيها مجلس الأمن قادرًا على الاتفاق على آليات محددة في الحالات التي تتطلب ردة فعل سريعة؛ فغياب سلطة إنفاذ أممية بشأن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة يقلّل من قيمة الالتزامات التي أعرب عنها في الفقرات (138 - 140). ومن ثمّ، فتأطير "مسؤولية الحماية" بلغة مرنة وواسعة يحجب مؤقتًا اختلاف آراء الدول بشأن موعد الرد على الفظائع الجماعية وكيفيته، وقد تتأثر أعمال الدول ولا تتحدد بالضرورة بالطموح الأخلاقي لتقديم الحماية للمدنيين. بل والأهمّ من ذلك، لم تقدّم الفقرة 139 أيّ تفاصيل عن الموارد المتاحة لهذه الأعمال، ولم تجدّد في الإطار العام للحماية الأممية التقليدية للمدنيين خلال النزاعات المسلّحة28.
ثالثًا. الاستجابة العربية للعلاقة الخلافية بين التضامن والسيادة
في سياق المنطقة العربية، تنطلق عملية تحليل التضامن بمفهومه الجمعي من ثلاث أفكار رئيسة؛ تتمثّل الفكرة الأولى بتقييم مشروع الدولة العربية بوصفه مفهومًا سياديًا انطلاقًا من إشكالية "الأنطولوجيا الذهنية الثابتة" للدولة القومية عن طريق تمييزها بين منطق "الذات" Self والآخر Others، لتحاول تصنيف الذات (الأفراد، والأمة، أو الدولة) بوصفها وجودًا مستقلً. وتكمن الفكرة الثانية في خصوصية مجتمعات المنطقة العربية (الذات العربية) من حيث حساسية المتغير الديني في تكوينها المتعلق بمرجعيتها الدينية والفهم الإسلامي للتضامن بوصفه قيمة إقليمية تتجاوز الكيانات الهندسية إلى مفهوم الأخوّة الإسلامي. أمّا الفكرة الثالثة فتتمثّل بالازدواجية الدولية في تطبيق معايير القانون الدولي الإنساني، بخاصة في تعاملها مع الانتهاكات الإنسانية نتيجة آلية لفشل الدولة العربية البنيوي، على غرار التاريخ الاستعماري المشترك للمنطقة العربية وتموضعها في قلب المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى. وتتجلى هذه الأفكار الرئيسة كما يلي: الدولة هي نتاج تطور تاريخي وسياسي متجذر في ما يعرف بسلام ويستفاليا (1945-1648)، حيث تفاعلت في إطاره العملية السياسية الداخلية والخارجية للقوى الأوروبية الكبرى بما أدّى إلى شرعنة كلٍّ من النظام والأفراد المشاركين فيه. تقليديًا، بحسب جاكسون وروزنبيرغ، تمثّل السيادة التجريبية (الفهم الفيبري للدولة بوصفها مؤسسة تمتلك القدرة الحقيقية على حكم الإقليم والشعب) الشرط الأول لقيام الدولة وأساسًا لاعتراف الآخرين بها أو ما يعرف بالسيادة القانونية (اعتراف دول أخرى في النظام بشرعية دولة). في الحالة العربية، تحوّلت هذه الصيغة رأسًا على عقب؛ بحيث شكّل المجتمع الدولي معظم هذه الدول لتمارس السيادة التجريبية، فكانت النتيجة فهمً معكوسًا للدولة يبُرز تأمين السيادة. بحسب هذا الفهم، تجلّت البنية الفريدة للدولة العربية بوضوح في الإدراك المطلق لقادة المنطقة العربية أهمية السيادة ليس في إطار صراعهم التاريخي لترسيخه مبدأ قانونيًا ولكن المبالغة في تقديم السيادة قيمة معرّضة للتهديد بما يهدد بقاء الدولة بل بقاء الأنظمة السياسية. وهذا ما أوضحته الكتابات العربية حول الأمن وتأكيدها فكرة الدولة بوصفها فاعلً أمنيًا وحيدًا، والاهتمام بالقطاع العسكري والتهديدات التقليدية المتمثّلة بمظاهر انتهاك سيادة الدولة واستقلالها. وحتى مفهوم الأمن القومي لم يرتبط في مضمونه بأمن دولة عربية واحدة كما هي الحال في الصوغ الغربي، وإنما جاء ليشير إلى أمن منظومة الدول العربية في مجموعها في ما عرف بالأمن القومي العربي؛ بما يبُرز الإدراك المشترك لمصدر التهديد29. التركيز على القيم الأخلاقية بوصفها مساحة مشتركة بين الأديان، يحيل على تقديم البعد الديني في دراسة التضامن؛ فالحق في السلام مثلً بوصفه أحد أعمدة حقوق التضامن، بحسب الباحثة في علم التصوّف سعاد الحكيم، يمثّل فلسفة قائمة على ضرورة التفكير في هوية الإنسان الذي يحقّق السلام الكوني من خلال التمييز بين الرادع الداخلي للفرد والخارجي. فغياب القوانين المدنية بوصفها رادعًا خارج الإنسان يمثّل ظهورًا لتوحّش الإنسان وهمجيته. بينما تمثّل القوانين التي صيغت انطلاقًا من الأديان، رادعًا داخليًا بما يحقق النظام داخليًا وخارجيًا. ومن هنا، فتكوين فرد مؤمن متّقٍ أخلاقي يعني تحقّق
السلام على المستويات الأربعة لتجلّ كينونة الإنسان: الذاتية، والأسرية، والاجتماعية، والأممية30. في السياق نفسه، وفي إطار التعارض الكلاسيكي بين الفرد والمجتمع والحقوق والواجبات ذات المضمون الفردي – النفعي، أعاد النموذج الإسلامي لحقوق الإنسان تعريف الحقوق والواجبات تعريفًا يتوافق والطرح الجديد للجيل الثالث لحقوق التضامن من خلال إضافة الطابع التكليفي. فانطلاقًا من فهم القانون الإسلامي (الشريعة) بوصفه نظامًا شاملً جامعًا بين الدين والأخلاق، والقيم الجماعية ومعايير السلوك والواجبات، وانطلاقًا من فهمه بوصفه نظامًا ل "الفقه القانوني" مرتبطًا بالإسلام بما فيه من مصادر أولية وثانوية للتشريع، مثّل الثقل الديني لمفهوم حقوق الإنسان المرتبط بصورة مباشرة بحقوق الله، حجر الأساس في ظهور الالتزام الناشئ؛ ما يؤكد توظيف مختلف العلماء المسلمين مفهوم "الضرورات الإنسانية" بدلً من "حقوق الإنسان"31. فالتعريف الإسلامي للحق كما يشير بعض التعاريف المقدّمة، ينطلق من أنّه مصلحة مستحقة شرعًا، أو اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفًا32، من المنشأ الإلهي؛ فهو منحة إلهية تستند إلى المصادر التي تستنبط منها الأحكام الشرعية. بحسب هذا الفهم، يشير الحق إلى الخصائص التالية: لا توجد الحقوق إلّ بوجود الشارع الحكيم؛ فهي تنشأ بأحكامه، وتوجد بإرادته نصًا مباشرًا أو استنباطًا من النصوص، وفقًا لقواعد الاجتهاد المقررة؛ فالشريعة هي أساس الحقوق وجودًا، واعتبارًا وتنظيمً، وانقضاء.ً الحقوق مقيدة بقيود تضمن مصالح الفرد والجماعة. وتختلف هذه القيود من حقٍ إلى آخر. وهي نوعان: قيود أصلية ملازمة للحق لا تنفك عنه؛ وقيود استثنائية طارئة قد تفرض على الحق إذا أوجبته ظروفٌ خاصة قد يتعرّض لها المجتمع. حمّلت الشريعة الأفراد واجباتٍ والتزامات معنوية ومادية تهدف لتحقيق مصالح الجماعة، تجعل للحقوق وظائف اجتماعية تعود على المجتمع بالخير والمصلحة33. ساهمت مركزية الواجب في الاعتقاد والممارسة الإسلامييَن مساهمة كبيرة في إعادة مقاربة الحق من حيث هو ليس واجبًا ولكنّه تكليف ومسؤولية تقع على عاتق صاحب الحق؛ فالشريعة الإسلامية خطة اجتماعية شاملة لجميع سلوكيات المسلمين، إلا أنّ تأطيرها الواجبات ضمن فئات مميزة، هي: الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح، يشير إلى فهم التضامن فهمً متوازنًا على خلاف الفهم الغربي الفردية المرتكز على فكرة العقد الاجتماعي بوصفه حقًا للحقوق تكليفيًا إلزاميًا وواجبًا شرعيًا وضرورة إستراتيجية وحضارية مزدوجة بين الفرد والمجتمع والدولة34. بحسب ذلك، لا يزال فهم الدول العربية للتضامن على الرغم من مرجعيتها الدينية دستوريًا، في مفهومه السلبي أي المرادف للخيرية والإحسان الطوعي (المفهوم السلبي) لم يتجاوزه إلى الإيجابي، أي المشاركة والتعزيز الجماعي لتحقيق الصالح العام؛ أي الفكرة المركزية الجديدة للجيل الثالث لحقوق الإنسان.
في إطار الممارسة الدولية الحديثة للتضامن من خلال عقيدة "مسؤولية الحماية"، مثّل التدخّل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا عام 2011 التحدي الرئيس والنقطة الفاصلة في رسم التعارض الحقيقي بين حق الحماية والسيادة بوصفه حقًا ومسؤولية، بل منطق القوة في تطبيق القانون الدولي وإنفاذه عند الحديث عن القوى الكبرى في المنظومة الدولية ومناطق التدخّل بوصفها مناطق ذات أهمية وحساسية إستراتيجية لهذه القوى، وهو ما تختصره الإشكالية التي طرحها جاستن موريس Moriss J.: كيف يمكن الحديث عن حماية دون الأخذ في الحسبان العوامل السياسية؟ بالحديث عن مسؤولية الحماية في ليبيا، مثّل استهداف المدنيين والعدد الهائل من ضحايا النزاع القائم في ليبيا نتيجة المحاولات
الشعبية تغيير النظام السياسي عام 2011، واستنكار الكثير من الهيئات الأممية ممارسات النظام الليبي، الأساس للتذكير الدولي بالتزامات الدولة الليبية في ممارسة سيادتها بوصفها مسؤولية. وهذا ما يمكن ملاحظته في التقارير التالية: في 22 شباط/ فبراير 2011، أصدر المستشار الخاص المعنيّ بمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية بيانًا صحافيًا حول الوضع في ليبيا ذكّر فيه الحكومة الليبية بمسؤوليتها في حماية سكّانها ودعا إلى وضع حدٍ فوري للعنف. بعد ثلاثة أيام، اعتمد مجلس حقوق الإنسان القرار 2-S15 الذي دعا فيه الحكومة الليبية للوفاء بمسؤولياتها الحمائية ووقف جميع انتهاكات حقوق الإنسان. وقررت الجمعية العامة بالإجماع تعليق عضوية ليبيا في المجلس، في آذار/ مارس 2011. وذكّر التقرير الذي قدّمته لجنة التحقيق الدولية لمجلس حقوق الإنسان (HRC) أنّ القوات الحكومية والمعارضة الليبية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب منذ بداية الأزمة35. كانت معالجة المجتمع الدولي للأزمة على مستويين: مستوى سلمي، باستجابة مجلس الأمن للقلق الذي عبّ عنه كلٌ من الجامعة العربية، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلس حقوق الإنسان، باعتماد القرار 1970 (بالإجماع) في 26 شباط/ فبراير 2011، الذي جرى بموجبه فرض حظر على الأسلحة وحظر السفر على عائلة القذافي والأعضاء الرئيسين في الحكومة. وجمّدت أصول عائلة القذافي، وأحيل الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في تقارير الجرائم ضد الإنسانية. أشار هذا القرار ولأول مرة إلى فكرة مسؤولية ليبيا الحمائية. وذكّر بما أبرزه مجلس الأمن بخصوص إطار مسؤولية الحماية منذ 2006 وأزمة دارفور. أمّا المستوى الثاني ونتيجة للعنف المتزايد تجاه المتظاهرين، فكان عسكريًا باعتماد المجلس القرار 1973 في 17 آذار/ مارس 2011، وتأكيد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في بيانٍ له فور انتهاء الاجتماع، أنّ القرار 1973: "يؤكد بوضوح وبشكل لا لبس فيه، تصميم المجتمع الدولي على الوفاء بمسؤوليته في حماية المدنيين من العنف الذي تمارسه حكومتهم." من الناحية العملية، تورّط حلف شمال الأطلسي في الصراع الدائر في ليبيا من دون مراعاة الخصوصيات الليبية الثلاث، وهي: الخصوصية السياسية: طبيعة النظام السياسي المتمحور حول شخصية القذافي وفلسفة "الكتاب الأخضر" التي تلغي كلّ الوسائط الممكنة بين الدولة والمجتمع؛ في هذا الإطار قدّمت النظرية الثالثة مفاهيمَ التمثيلية والوساطة والتعبير عن الاختيارات بوصفها خيانة. إضافةً إلى الاختلال الجهوي والمناطقي المتعمّد بين محافظات الشرق وولاياته مقارنة مع نظيرتها في الغرب لإضعاف أيّ محاولة للتمرد والعصيان. الخصوصية المجتمعية: الطبيعة القبلية للمجتمع الليبي (الورفلة، والمقارحة والكدادفة) المحدّدة خريطة العلاقة السياسية بين الحكومة والأطراف. الخصوصية الاقتصادية: قام المعطى النفطي بدور كبير في تعزيز نفوذ القذافي وقبيلته على حساب البقية في ظل تميّز النفط الليبي بارتفاع قدراته الإنتاجية ومخزونه الطبيعي وجودته العالمية؛ بما ترتّب عنه وعيٌ اجتماعي - مناطقي بالظلم والإقصاء36، شكّل تحديًا معياريًا حقيقيًا لمشروعية "مسؤولية الحماية" وصدقيتها. إضافةً إلى غياب الإجماع بامتناع كلٍ من الصين وروسيا والهند والبرازيل وألمانيا عن التصويت لمصلحة القرار 1973 وترجيح فلسفة "اختر أحد الطرفين واضرب بقوة"37 ذات الآثار الوخيمة على التوافقات الدولية والمتحكّمة في مسارات التعاون الدولي. ولكن الانطباع الذي مثّلته الحالة الليبية هو أنّ الحماية أمر لا يمكن تنفيذه بمعزل عن العوامل السياسية ومن دون التحيز لطرف على حساب الآخر. لقد أثبت اصطفاف قوات الحلف إلى جانب الثوار المحاربين ضد قوات القذافي بغية "المشاركة" في مسارات النزاع وتغيير النظام السياسي، وليس بهدف "الحماية"، من دون مراعاة الخصوصيات السابقة الذكر، صعوبة بناء مؤسسات مدنية - عسكرية لاحقًا، تحظى بإجماع كلّ الليبيين. أمّا من الناحية العملياتية، فدعم الثوار بفرض الحظر في بنغازي ومصراتة ولاحقًا في العاصمة طرابلس، أدّى إلى تفاقم التأصيل الجغرافي للميليشيات، وتحريف عملية الحرب بإحداث تغيير في القيادة من القوات الليبية البرية إلى القوات الأجنبية الجوية. وبتولّيها زمام قيادة الحرب، لم تسمح القوات الأجنبية الجوية للوحدات الأرضية الإقليمية بإنشاء قيادة عسكرية وطنية ذات خبرة وإستراتيجية ضروريتين لمواجهة الزحف المحتمل للقوات الموالية، ولكنّها رسّخت سلاسل
منفصلة من القيادات، وشعورًا متزايدًا بالشرعية المحلية، وتشجيع التعزيز الذاتي، وانتشار الميليشيات المتنافسة بوصفها ساهمت في تحرير ليبيا. وهذا ما يفسر تنظيم معظم الميليشيات بحسب الانتماء الجغرافي المحدد ببلدات ومدن بعينها (مثل الزنتان، ومصراتة)؛ فهي نادرًا ما تمتلك أجندة سياسية واضحة تتجاوز مسألة تأمين مناطقها38. ساهم هذا الانقسام مساهمة كبيرة في تعقيد العملية السياسية للنظام الليبي وتشابكها؛ فقد أثبت منطق الاصطفاف تعزيز المزيد من الانقسامات في مكونات النظام السياسي الليبي. وهذا ما أثبته التحصين العسكري لكلٍ من الكتلتين السياسيتين على حيازة الشرعية التمثيلية: تحصين فجر ليبيا وكتائب الثوار حكومة عمر الحاسي والمؤتمر الوطني المنبثق عن الثورة في طرابلس، وقوات اللواء حفتر وحكومة عبد الله الثني في بنغازي وبرلمان طبرق. من الناحية الإقليمية، وبالحديث عن الفضاء المغاربي بوصفه أهم إقليم متأثر بصورة مباشرة بمخرجات الأزمة الليبية، وبتطبيق متغير الدراسة "التضامن بطبيعته الإقليمية وبمفهوميه الإنساني والدولي"، نلاحظ عمق الخلافات البينية بين الدول المشكّلة للامتداد الليبي مغاربيًا وعربيًا. وهي الملاحظة نفسها التي وضعها الباحث عبد النور بن عنتر بجداله بالمضامين التحليلية للأزمة الليبية بين الفضاءين: الفضاء الخليجي المؤيد مبدأ التدخل العسكري على أساس مشاركة بعض الدول منه كالأردن، وقطر والإمارات العربية المتحدة، وحراكه على المستوى السياسي بالاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي. وهو ما عدّه الباحث انتشارًا خليجيًا غير معهود للتخلّص من "خليجيته" الملازمة له؛ والفضاء المغاربي بانقساماته بين المؤيد للتدخّل العسكري كالمغرب، والمتمسك بمبدأ الحل السياسي للأزمة كالجزائر وتونس وموريتانيا. لا يمكن فهم هذه الخلافات بمعزلٍ عن مفهومٍ واقعي رئيس ساهم مباشرة في التأسيس القسري للتضامن ليس بوصفه مبدأ قانونيًا ملزمًا بالمعنى الشرعي - الإنساني، ولكن بالمعنى الواقعي القائم على ترجيح كفّة المصلحة الوطنية؛ بحيث يظهر التعديل العربي مفهوم ميزان القوى الدولي بظهور ميزان القوى الإقليمي والخاضع بصورة مباشرة لميزان القوى العالمي المتحكّم في مختلف حركيات القوة. فعلى الرغم من ضعفها البنيوي بوصفها دولة وانتمائها المغاربي، مثّلت ليبيا النقطة الفاصلة في التمييز بين مجموعة من المحاور المتنافسة عربيًا شكليًا على المنطقة، هي: محور خليجي: لقد عبّ التدخّل الخليجي وبصورة واضحة عن مجموعة من التخوفات يمكن حصرها في النقاط التالية: تقديم رسائل محلية/ داخلية في إطار ما يُعرف برمزية "شرعية الحاكم"، بالنظر إلى طبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة غير الديمقراطية، بخاصة بعد اندلاع الاحتجاجات في البحرين والاتهامات الموجّهة لإيران بزعزعة استقرار دول المنطقة. الانتشار الإيراني في المنطقة، بخاصة بعد رفع الحظر الدولي في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني. محاولات ضمّ حلفاء جدد غير خليجيين لشراء السلم الإقليمية، بخاصة عند الحديث عن عنصر المفاجأة الذي ميّز حراك الربيع العربي والانتشار بوتيرة متسارعة عبر مختلف الدول العربية ذات الأهمية المباشرة للأمن الخليجي (مصر، واليمن.) محور مغاربي: الحديث عن التضامن بالمفهوم المغاربي رهين الإدراكات المختلفة للأنظمة السياسية لمجموع المحددات الداخلية والخارجية لسلوكياتها تجاه بعضها البعض؛ فبالحديث عن الثنائية المغربية - الجزائرية الكلاسيكية بوصفها أهمّ محرك ومفعّل لأيّ حراك مغاربي، لا يزال الحديث داخليًا عن التمسّك الجزائري بالمبادئ التقليدية الناظمة لأمن الدولة، وهي مبدأ عدم التدخل بل رفض التدخل العسكري وترجيح كفة الحلول السياسية، بما يثير إشكالية: إذا كان هناك ترجيح لكفة الحوار السياسي، فلماذا الاستجابة المتأخرة كما أثبتت الأزمة الليبية، على الرغم من حساسيتها للأمن الجزائري؟ تشير الإجابة عن هذه الإشكالية إلى فرضية السياسة الإقليمية الانكماشية التي يتّبعها صانع القرار الجزائري القائمة على: توظيف سياسة الحذر والترقّب لما ستؤول إليه الأوضاع في ليبيا ومن سيكون له الحسم في ظل تعقّد المواقف المتحكّمة في رسم المشهد الليبي وتصلّبها؛ أو بصيغة أخرى، لا تزال الجزائر عاجزة عن ترجيح كفة السلوك العقلاني أي المكاسب التي يمكن تحقيقها في حال الاصطفاف إلى جانبٍ معين. تبنّيها المقاربة التحالفية التقليدية بحيث يظهر التحالف فقط في حالة التهديد. وهو ما أثبته التعاون والتنسيق الأمني الذي قادته الجزائر مع دول الميدان لمكافحة الإرهاب مباشرة بعد اندلاع الصراع في ليبيا، بل تبنّي مقاربة استباقية بالتأمين
العسكري للحدود المتاخمة لليبيا في ظل استمرار النشاط الإرهابي داخل إقليمها. أضف إلى ذلك دعوتها المتأخرة جميع الأطراف الليبية السابقة الذكر لحوار وطني (أيلول/ سبتمبر)201539 هدفه إعادة صوغ معادلة سياسية قائمة على أساس لا للإقصاء ولكن البناء المشترك للمؤسسات الليبية. تحسب هذه الخطوة إيجابية بالنسبة إلى الجزائر، لكن لا يمكن إغفال سياق طرحها المتزامن مع تزايد نشاط الجماعات الإرهابية في الداخل الليبي، بخاصة بعد توسّع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى منطقة المغرب العربي والساحل. ففي ظل انهيار أسعار البترول، لا يمكن الجزائر تحمّل تكرار سيناريو آخر لحادثة تيقنتورين في الداخل الجزائري.
لا يزال الانفتاح المغربي مغاربيًا من جهته مرهونًا بالصحراء الغربية بوصفها أهم ملفّ يرسم حدود المغرب الإقليمية. ومن ثمّ، فالموافقة الأولية المغربية على التدخّل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا، واستخدام لغة التحريض ضد الطرف الجزائري باتهامه بدعم القذافي وعائلته وبإرسال مرتزقة وأسلحة، لا يخرجان من دائرة ضمان استمرارية دعم القوى الدولية الضاغطة أمميًا (فرنسا، وأميركا) لتمرير المقاربة المغاربية لتسوية القضية الصحراوية40. وبناءً عليه، يعزى التنافس الرمزي الجزائري - المغربي بدلً من التعاون إلى القناعة المغاربية بمحاولة قيام الجزائر بدور الهيمنة والضغط من خلال العلاقة المعقدة مع البوليساريو للضغط على المغرب والطوارق في كلٍ من مالي والنيجر، لمواجهة الهيمنة الليبية في ظل احتواء ليبيا طوارق الجزائر. وهذا ما أكّده دور الجزائر بوصفها طرفًا وسيطًا في اتفاقات السلام التي أنهت تمرد الطوارق (1991 -.)2006
خاتمة
من الناحية النظرية، فرضت عملية تطوير اللغة الحقوقية الإنسانية مبدأ التضامن لتحقيق المزيد من القيم والحقوق المكتسبة بصورة جمعية، إضفاء صفتَي الشمولية والغموض على المفهوم بتناقضه والسيادة بوصفها صيغة أمنية تقليدية بالدرجة الأولى متوافق عليها في الإرث الدولي، الأمر الذي ساهم في إغفال دور الفاعل السياسي في العالم الحقيقي أو فكرة الوكيل التي يفترضها مفهوم التضامن بما يعيد نظرية عقد الدولة، وتعارض الالتزامات الأخلاقية الناتجة من المواطنين المشتركين في إطار دولة، مع الالتزامات الأخلاقية الناتجة من الانتماء الإقليمي أو العالمي. ومن ثمّ، يقف التضامن والسيادة بين طرفي نقيض يفرض تفعيل أحد المفهومين (الاعتداء) والتزامه، وإلغاء الآخر؛ بما يطرح الإشكالية المعيارية: من يملك حق/ واجب التدخّل للتضامن؟ هل هي الدول؟ أم المجتمع الدولي؟ أم كيانات أخرى؟ مثّل تطبيق عقيدة "مسؤولية الحماية" في الحالة الليبية تحدّيًا للمضمون الجوهري للعقيدة على مستويين: يتمثل المستوى الأول بمعيارها الثالث أي " النية السليمة " التي تعني أساسًا أنّ "الغرض الأساسي من التدخل يجب أن يكون وقف المعاناة الإنسانية أو منعها، وأنّ إسقاط النظام ليس سببًا مشروعًا لوضع العقيدة موضع التنفيذ"41. وهو ما أثبتت التجربة الليبية عدم صحته. أمّا المستوى الثاني فهو تبنّي اللجنة المعنية بالتدخّل والسيادة تغيير اللغة النقاشية ل "مسؤولية الحماية"، على الرغم من أهميتها البالغة من حيث الحاجة إلى تركيز الانتباه على المستفيدين من العقيدة بدلً من حقوق الدول المتدخلة والحاجة إلى إدماج عنصرَي المسعى الوقائي والمساعدة ما بعد النزاع اللذَين غالبًا ما يجري إهمالهما. إلا أنّ الإشكالية تمثّلت باستخدام كلمة الحق المرجّحة للنتيجة لمصلحة التدخّل حتى قبل بدء المناقشة42. بما يثير في الأخير فكرة رئيسة
أكثر خطورة، وهي إمكانية إلغاء المجتمع الدولي الشرعية والمشروعية الوطنية بناءً على الحماية بوصفها معيارًا أساسيًا. أظهرت الحالة الليبية مجموعة من الصعوبات المفاهيمية المتعلقة بالتضامن، بخاصة في تجلياته العسكرية؛ وذلك عند التطرّق إلى إلزامية الفعل التضامني بوصفه أحد مقومات حقوق الإنسان، ومن ثمّ تحقيق الأمن الإنساني، الصورة الأكثر تطرفًا لتجسيد أولوية الفرد في التحليل الدولي التي بدورها أثارت إشكالية أخرى، هي: هل يمكن عدّ العمليات الدولية الإنسانية نفسها فعلً تضامنيًا؟ أم هي فعل تدخّل خارجي؟ أو بعبارة الباحثة عائشة Cubukcu A. صعوبة التمييز بين الفعلين لا تكمن في تمييز صدق الدوافع والنوايا من عدمه فقط، ولكن تكمن في الحدود المتغيرة للمجتمعات السياسية المتصوّرة وأهمية سيادتها بوصفها موضوعًا للسياسة43؛ فالإشكالية الرئيسة ليست في تعريف السيادة ولكن في كيفية إنتاجها وتوزيعها وفقًا لزمان ومكان معينيَن، وفي كيفية التأسيس لترتيبات معينة للفضاء والقوة. بإمكاننا الإجابة عن ذلك انطلاقًا من فرضية ما بعد الحداثيين الدوليين، من أمثال دافيد كامبل وسيمون دالبي، وجيرارد توتايل G.Tuathail وغيرهم، الذين رأوا أنّ جغرافية العالم هي نتاج لتاريخ الصراع بين السلطات المتنافسة على القوة لتنظيم الفضاء واحتلاله وإدارته، وأنّ العلاقة وطيدة بين السياسة والعنف ذي الدور المزدوج سواء التأسيسي أو كونه الظرف الذي يجب أن يُحمى منه مواطنو الجماعة السياسية44. نظرًا للحالة الليبية بوصفها أحد تجليات أزمة بناء الدولة عربيًا والتناقض بين إلزامية الفعل التضامني والسيادة، تقع ليبيا بين خيارين إستراتيجيين يمكن تحديد معالمهما كما يلي: إمّا بناء الدولة على الطريقة الحداثية حيث يقوم العنف بدور تأسيسي وعامل رئيس للبناء الأنطولوجي للدول في انتظار الغلبة على الميدان، مع استمرار عنصر التدخل الدولي نظرًا لارتباط ثنائية العنف –الإنسان، أو بتصحيح مسار بناء الدولة على الطريقة التشاركية - التمثيلية حيث يقوم عامل التضامن الإقليمي بدور مؤثّر عند الحديث عن التاريخ المشترك للسيادة بوصفها مفهومًا مؤسّسًا ثوريًا في المنطقة ونتيجة آلية لكفاحها التاريخي في إطار العملية الاستعمارية التقليدية. ففي ضوء انكماشها الإقليمي وانعدام الثقة السياسية الناتجة من الممارسات غير العقلانية للأنظمة السياسية في المنطقة تجاه بعضها البعض، يعني التضامن المساعدة على إيجاد توافق سياسي لاستكمال بناء مؤسسات الدولة، على خلاف التدخّل العسكري، وإن كان بمسميات جديدة أثبتت عدم قدرة الخيار العسكري على إيجاد حلٍ للأزمة، ولكن يؤدي إلى استفحالها. أثبتت التجربة الدولية أنّ ترتيبات القوة أفرغت المفاهيم الحقوقية، بخاصة في بعدها الإنساني، من فحواها الأخلاقية إلى صيغة أكثر براغماتية تخدم المصالح السياسية بالدرجة الأولى، وذلك باستمرار جدلية الحماية على مستوى الدولة، أو عبرها بوصفها رهينة للأهداف السياسية للدولة، قياسًا على التعريف التقليدي للإستراتيجية في بعدها الحربي، بوصفها امتدادًا للسياسة.
المصادر والمراجع
العربية
بن عنتر، عبد النور. "الاستراتيجيات المغاربية حيال أزمة مالي"، ورقة مقدمة في ندوة "المغرب العربي والتحولات الإقليمية الراهنة"، الدوحة 17 / 18 شباط/فبراير.2013
الحكيم، سعاد. "نحو فلسفة للسلام الإنساني"، في: حوار الحضارات: كلمة سواء، مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات،.2002
الزحيلي، وهبة. الفقه الإسلامي وأدلته، ط 4، سورية: دار الفكر،.2011
العبادي، عبد السلام. "نظرية الحق بين الشريعة والقانون"، رسالة التقريب، العدد الثاني،.1993
قوجيلي، سيد أحمد. "تطور الدراسات الأمنية ومعضلة التطبيق في العالم العربي"، دراسات استراتيجية، العدد 169،.2012
ماسينغهام، إيف. "التدخل العسكري لأغراض إنسانية: هل تعزز عقيدة مسؤولية الحماية مشروعية استخدام القوة لأغراض إنسانية؟"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، المجلد 91، العدد 876، كانون الأول/ديسمبر.2009
مالكي، امحمد. "تطور الوضع في ليبيا ما بعد القذافي"، في: مجموعة الخبراء المغاربيين، "الأزمة الليبية وتداعياتها على منطقة المغرب العربي"، مركز الدراسات المتوسطية والدولية، العدد 6، أيلول/سبتمبر.2011
مسعود، أحمد طاهر. المدخل إلى علم الاجتماع العام، عمان: دار جليس الزمان،.2011
نايف السيد، رضوان. "التضامن باعتباره واجبا شرعيا: الوظائف والمهمات واستشراف المستقبل"، بحوث المؤتمر العالمي الثاني: العالم الإسلامي - المشكلات والحلول: التضامن الإسلامي،.2014
الأجنبية
• Aïda Ammour, Laurence. “Libya and Sahel Perspective,” 12th Strategic Planning and Analysis Seminar – “Northern Africa • Algan, Bülent. "Rethinking “Third Generation” Human Rights," Ankara Law Review , Vol. 1, NO. 1, (Summer 2004). • Atkinson, Anthony Barnes. Incomes and the Welfare State Essays on Britain and Europe , Cambridge and New York: Cambridge • Ayça, Çubukçu. "The Responsibility to Protect: Libya and the Problem of Transnational Solidarity," Journal of Human Rights , • Badescu Cristina G. & Bergholm, Linnea. “The Responsibility to Protect and the Conflict in Darfur: The Big Let-Down,” • Badescu, Cristina G. "Authorizing Humanitarian Intervention: Hard Choices in Saving Strangers," Canadian Journal of • Beck Ulrich, & al. Reflexive Modernization: Politics, Tradition and Aesthetics in the Modern Social Order, Cambridge: Polity
• David Campbell & Dillon, Michael. The Political Subject of Violence , Manchester: Manchester University Press, 1993. Area Situation”, Geneva Centre for Security Studies , 27 - 29 June 2012.
University Press, I996.
Vol. 12, (2013).
Security Dialogue , Vol. 40, No. 3, (June 2009).
Political Science , Vol. 40, No. 1, (2007).
Press, 1994. • Beck, Ulrich. Risk Society: Towards A New Modernity, London: Sage Publications Limited, 1992. • Crow, Graham. Social Solidarities , Philadelphia: Open University Press, 2002. • De Tocqueville, Alexis. Democracy in America, London: Oxford University Press, 1971.
• Deng, Francis M. & al. Sovereignty as Responsibility: Conflict Management in Africa , Washington, DC: Brookings Institution Press, 1996. • Deng, Francis M. “Frontiers of Sovereignty,” Leiden Journal of International Law , Vol. 8, No. 2, (1995). • Durkheim, Emile. The Division of Labour in Society , Houndmills/London: Macmillan, 1984. • G. Ritzer (Ed.). The Blackwell Companion the Major Classical Social Theorists , Oxford: Blackwell Publishing, 2003. • Gareth Evans & Sahnoun, Mohamed. The Responsibility to Protect, Report of International Commission on Intervention and State Sovereignty , Ottawa: The International Development Research Centre, 2001. • Gearóid Ó Tuathail & al. (eds). The Geopolitic Reader , London: Routledge, 1998. • Gøsta, Esping-Andersen. Welfare States in Transition National Adaptations in Global Economies , London: SAGE Publications, 1996. • Greve, Bent. Historical Dictionary of the Welfare State , Lanham, MD: Rowman and Littlefield, 1998. • Habermas, Jürgen. The Theory of Communicative Action, vol. 2, Boston: Beacon Press, 1985. • Hantrais, Linda. Social Policy in the European Union , Hampshire, Macmillan, 1995. • Hechter, Michael. Principles of Group Solidarity , Berkeley, CA: University of California Press, 1987. • Holger P. Hestermeyer & al. (eds). Coexistence, Cooperation and Solidarity (2 vols.), Leiden, Netherland: Koninklijke Brill, 2012. • Honneth, Axel. The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts , Cambridge: Polity Press, 1990. • Jason Morgan, Foster. "Third Generation Rights: What Islamic Law Can Teach the International Human Rights Movement, " Yale Human Rights and Development Journal , Vol. 8, 2005. • Justin, Morris. “Libya and Syria: R2P and the Spectre of the Swinging Pendulum,” International Affairs , Vol. 89, No. 5, (2013). • Klein , Bradley S. Strategic Studies and World Order: The Global Politics of Deterrence , UK: Cambridge University Press, 1994. • Laitinen Arto & Birgitta Pessi, Anne. (eds), Solidarity: Theory and Practice , UK: Rowman & Littlefi eld Publishers, 2014. • Lapeyre de Tinguy & Vasak, Karl (eds.). Les dimensions universelles des droits de l’homme , vol. I, Bruxelles, Emile Bruylant, 1990. • Norman Johnson, Private Markets in Health and Welfare: An International Perspective , Berg, Oxford/Providence, 1995. • Parsons, Talcott. The System of Modern Societies , Englewood Cliffs, N.J.: Prentice‐Hall, 1971. • Remacle, Eric. “Approaches to Human Security: Japan, Canada and Europe in Comparative Perspective,” The Journal of Social Science , No. 66, Tokyo, (septembre, 2008). • Shawki Noha & Michaelene, Cox. (eds.) Negotiating Sovereignty and Human Rights: Actors and Issues in Contemporary Human Rights Politics , Farnham: Ashgate, 2009. • Spencer, Herbert. Social Statics , New York: D. Appleton, 1850. • Stjernø, Steinar. Solidarity in Europe: The History of an Idea, New York: Cambridge University Press, 2004. • Swinarski, Christophe (ed.), Studies and Essays On International Humanitarian Law and Red Cross Principles in Honour of Jean Pictet , (1984). • Vasak, Karel. ‘A 30 year struggle,’ UNESCO Courier , (November 1977). • Wellman, Carl. “Solidarity, the Individual and Human Rights,” Human Rights Quarterly , Vol. 22, No. 3, (August 2000). • Wolfrum Rudiger, Chie Kojima. Solidarity: A Structural Principle of International Law , Heidelberg: Springer, 2010.