الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار: حلف ناتو اقتصادي بدوافع جيوستراتيجية

The Transatlantic Trade and Investment Partnership (TTIP): A New Economic NATO, Albeit with Geostrategic Objectives

محمد مطاوع| Mohamed Metawe *

الملخّص

تناقش هذه الورقة اتفاقية الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار ومسار المفاوضات الرسمية بين الولايات المتحدة من جانب، والاتحاد الأوروبي من جانب آخر، التي وُصفت بأنها محاولة جادة لبلورة حلف ناتو اقتصادي في عالمٍ جديدٍ يتشكّل؛ بمعنى أنه حلف سياسي وإقتصادي، في ظلّ بروز قوً ى إقليمية ودولية صاعدة اقتصاديًا وسياسيًا أضحت تمثّل مصدر تهديد مباشر للهيمنة الغربية على العالم. تتمحور أهم بنود تلك الاتفاقية على قضايا رئيسة: محاولة توحيد المعايير الاجتماعية والبيئية في التجارة بين الجانبين، وضع آلية لتسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر. وتشرح الورقة كيف تحولت قضية الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار إلى قضية جدلية كبرى، في أوروبا وأميركا على حد سواء.

Abstract

US and European Union officials began discussions on the formation of the Trans-Atlantic Trade and Investment Partnership (TTIP) in July, 2013.

The Transatlantic Trade and Investment Partnership (TTIP) as the New NATO: an Economic Partnership with Geostrategic Objectives

مقدمة

"تمثل الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار (TTIP) أعلى تراكم لرحلة طويلة من العلاقات الأميركية - الأوروبية بدأت في تسعينيات القرن العشرين، وكانت الطريق إلى تلك الرحلة الطويلة مليئةً بالعديد من المحطات والنجاحات والتوقفات". بهذه الكلمات عبّ ت شبكة السياسات عبر الأطلسيةTransatlantic Policy Network (TPN) عن تدشين المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، في منتصف عام 2013، لإقامة أكبر تجمّع اقتصادي وجيوسياسي عابر للأطلسي في تاريخ العلاقات الأميركية - الأوروبية. وفي خطاب حالة الاتحاد 20 كانون الثاني/ يناير 2015، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أنّ تلك الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار ستساعد على خلق مئات الآلاف من الوظائف وفرص العمل الجديدة في الاقتصاد القومي الأميركي، ووضع هدف إبرام تلك الاتفاقية كهدف إستراتيجي لإدارته للولايات المتحدة الأميركية1. ومنذ أن تمّ تعيين جون كيري وزيرًا للخارجية الأميركية عام 2013، وهو يردد مقولة شهيرة على نحوٍ غير مسبوق "إنّ السياسة الخارجية الأميركية هي سياسة اقتصادية أساسًا". وحاولت إدارة باراك أوباما الثانية ترجمة تلك المقولة إلى واقع عملي ملموس، من خلال تفاوضها في إبرام اتفاقيتين إقليميتين كبُريين: الأولى مع إحدى عشرة دولةً آسيويةً وباسيفيكيةً (أستراليا، ونيوزيلاندا، وكندا، والمكسيك، وبيرو، وشيلي، وسنغافورة، وبروناي، وفييتنام، وماليزيا، واليابان) تحت مسمّى الشراكة الأطلسية - الباسيفيكية (TPP) Partnership Pacific - Transatlantic، والثانية مع كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المكوّن من 28 دولةً تحت مسمّى الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار. وقد مثّل ذلك التوجه الأميركي تحولً جوهريًا في السياسة الخارجية الأميركية الاقتصادية تجاه العالم؛ لأنها حوّلت تركيزها من المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف (جولة الدوحة) تحت رعاية منظمة التجارة العالمية، ومن الاتفاقيات الثنائية المتناثرة، إلى دبلوماسية تجارية إقليمية كبرى Diplomacy Trade Regional - Mega، ووضعت واشنطن نفسها طرفًا مشتركًا في كلتا الاتفاقيتين من أجل تحقيق مزايا ومكاسب اقتصادية وتأكيد قيادتها العالمية للاقتصاد العالمي في الوقت نفسه2. ومنذ انطلاق المفاوضات الرسمية ما بين الولايات المتحدة من جانب، والاتحاد الأوروبي من جانب آخر، في تموز/ يوليو 2013، لإبرام اتفاقية الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار، عَدّ بعض السياسيين والأكاديميين هذه المفاوضات محاولةً جادّةً لبلورة حلف ناتو اقتصادي محتمل في عالمٍ جديدٍ يتشكّل، على المستوى السياسي أو الاقتصادي، في ظلّ بروز قوى إقليمية ودولية صاعدة اقتصاديًا وسياسيًا، بما يمثله ذلك من مصدر تهديد مباشر للهيمنة الغربية على العالم. فعلى سبيل المثال، وصفت هيلاري كلينتون، مرشحة للحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، هذه الاتفاقية بأنها "حلف ناتو اقتصادي من شأنه أن يضع روابط جديدة بين حلفاء قدامى"3. واستخدم الأمين العامّ السابق لحلف الناتو أيضًا، راسموسين، هذا المصطلح (حلف ناتو اقتصادي) على نحوٍ صريح في وصفه لتلك الاتفاقية عام 2013. بل إنّ مفاوض الاتحاد الأوروبي حول الاتفاقية أكّد الفكرة نفسها عندما ذكر عام 2013 أنّ تلك الشراكة تتعلق بوزن العالم الغربي والعالم الحرّ في الشؤون الاقتصادية والسياسية الدولية4. ووصف ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، تلك الشراكة بأنها أحد أعظم الفرص الاقتصادية لتحسين الاقتصاد العالمي، وبأنها ستحقق لبريطانيا وحدها مكاسب سنويةً قد تتخطى 10 بلايين يورو5.

وعلى الرغم من أهمية الشراكة الاقتصادية والجيوستراتيجية بالنسبة إلى كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فقد تحولت قضية الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار إلى قضية جدلية كبرى،

  1. William F. Jasper, ''Trading Away Their Oaths: Support for New 'Trade Agreement' or the Transatlantic Policy Network Means Breaking A Congressional Oath,'' The New American , 16/2/2015, pp. 13-14, accessed on 11/5/2016, at: http://www.thenewamerican.com/usnews/congress/item/20061-trading-
  2. Daniel S. Hamilton, ''America's Mega-Regional Trade Diplomacy: Comparing TPP and TTIP,'' The International Spectator , vol. 49, no.1
  3. Pelle Neroth, ''EU-US Trade Deal Looks under Threat in Face of European Opposition,'' News Comment , View from Brussels (November 2015), accessed on 11/5/2016, at: http://eandt.theiet.org/blog/index.cfm?forumid 4 Claude Serfati, ''The Transatlantic Bloc of States and the Political Economy of the Transatlantic Trade and Investment Partnership,'' Work Organization, Labour & Globalization , vol. 9, no.1, pp. 19 - 20. 5 Neroth.
  4. away-their-oaths
  5. (March 2014) p. 81.

سواء كان ذلك في الداخل الأوروبي أو في الداخل الأميركي. فعلى المستوى الأوروبي، يرى المؤيدون للاتفاقية أنّ فتح سوق عبر أطلسية مكونة من 829 مليون مستهلك سيحقق مكاسب سنوية للاتحاد الأوروبي تتعدى 300 بليون يورو، وسيخلق مئات الآلاف من فرص العمل، وسيزيد من متوسط دخل المواطن في أوروبا. في حين يرى المعارضون للاتفاقية أنها في غير مصلحة المزارعين الأوروبيين بسبب قلقهم من إغراق السوق الأوروبية بالسلع الأميركية المعدّلة وراثيًا، وبسبب أنها ستضر بالديمقراطيات الغربية؛ لأنّ الشركات الأميركية العملاقة ستقوض قدرة حكوماتهم الأوروبية على حماية مواطنيها في مواجهتها6. وعلى المستوى الأميركي، هناك انتقادات داخلية للاتفاقية؛ إذ يرى بعض الأميركيين أنها تمثّل هجومًا شديدًا على السيادة الوطنية الأميركية، وعلى الاستقلال الوطني الأميركي، وعلى الدستور والحقوق والحريات الفردية الأميركية7. وانطلاقًا من ذلك، تتمثّل الأسئلة الرئيسة لهذه الدراسة بما يلي: لماذا قرر قادة دول كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهم الذين فضلوا في الماضي الإطار المتعدد الأطراف في التجارة والاستثمار، الدخولَ في مفاوضات رسمية لإبرام اتفاقية ثنائية عبر أطلسية للتجارة والاستثمار في منتصف عام 2013، وهو الخيار الذي ظلت ترفض اللجوء إليه طوال أكثر من 23 عامًا منذ بداية تسعينيات القرن العشرين؟ وما هي الدوافع الاقتصادية والجيوستراتيجية لكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى محاولة الإسراع في وتيرة المفاوضات من أجل إبرام تلك الاتفاقية ودخولها حيّز التنفيذ؟ ولماذا وصف بعض السياسيين والأكاديميين هذه الاتفاقية بأنها حلف ناتو اقتصادي محتمل؟ وما هي فرص نجاح إبرام تلك الاتفاقية، بالنظر إلى المعارضة الداخلية المتزايدة من منظمات المجتمع المدني واتحادات العمال، في كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى القضايا الخلافية بين الأطراف المتفاوضة، سواء كان ذلك على المستوى الحكومي أو على مستوى الشركات العابرة للقارات؟ ترتكز هذه الدراسة على أربع فرضيات: تتمثل الفرضية الأولى بأن الكتلة عبر الأطلسية تقع في قلب العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية، وتقع الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا وآسيا في قلب هذه الكتلة. فقد تمّ بناء هذه الكتلة عبر الأطلسية، كفضاء جيوستراتيجي، عبر عقودٍ طويلة، وسيطرت الدول في تلك الكتلة على العلاقات السياسية والاقتصادية قرونًا طويلةً، ومازالت حتى الآن تشكّل نحو نصف قيمة التجارة في العالم. في حين ترى الفرضية الثانية أنّ أهداف تلك الاتفاقية تتخطى تحقيق مكاسب اقتصادية متوقعة على جانبي الأطلسي، إلى محاولة تحقيق أهداف جيوستراتيجية لكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. في حين تتمثل الفرضية الثالثة بأنّ هذه الاتفاقية لم تصل بعدُ إلى مراحلها النهائية، ولكنها مازالت عمليةً في طور التشكّل بين جانبي الأطلسي. أمّا الفرضية الرابعة والأخيرة، فتتمثّل بأنّ هذه الاتفاقية لا تواجه صعوبات ومعوقات في إبرامها وتصديقها من جهة منظمات المجتمع المدني واتحادات العمال فحسب، بل أيضًا من جهة وجود قضايا خلافية جوهرية بين الحكومات الأوروبية من جانب، والولايات المتحدة من جانب آخر، وهو ما أدى إلى تأخر موعد توقيعها من أواخر عام 2014 إلى أواخر عام 2016، وربما أوائل عام.2017 ومن أجل الإجابة عن الأسئلة السابقة، وانطلاقًا من الفرضيات الأربع السالفة الذكر، حاولت الدراسة، أولً، تتبّع جذور تلك العملية التكاملية الإقليمية ونشأتها وتطورها بين جانبي الأطلسي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثمّ مع بداية تسعينيات القرن العشرين، ثم تسارع وتيرتها، على نحوٍ ملحوظ، في مطلع عام 2013 حتى الوقت الراهن. وارتكازًا على ذلك، تعرضت الدراسة، ثانيًا، للمحتوى والأهداف والدوافع المتعلّقة بتلك الاتفاقية التي يتمّ التفاوض فيها، سواء كانت أهدافًا ودوافع اقتصاديةً أو جيوستراتيجيةً، لكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ثمّ تطرقت الدراسة، ثالثًا، إلى الصعوبات التي تواجه إقرار تلك الاتفاقية، سواء من انتقادات منظمات المجتمع المدني واتحادات العمال، أو من الخلافات بين الحكومات الأوروبية والأميركية على جانبي الأطلسي. وحاولت الدراسة في الخاتمة التوصل إلى أربعة استنتاجات كبرى عن الأهداف والتأثيرات لتلك الاتفاقية التي يتمّ التفاوض في بنودها حتى الوقت الراهن.

الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار: الإسراع في وتيرة عملية طويلة وممتدة

ازدادت سيطرة الكتلة عبر الأطلسية على العالم بعد الحرب العالمية الثانية لأسباب رئيسة ثلاثة. فقد تمثّل السبب الأول بوصول درجة الاستقطاب السياسي في العالم إلى حدّها الأع ما بين الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة والكتلة السوفياتية بزعامة الاتحاد السوفياتي السابق. في حين تمثّل السبب الثاني بتزايد قوة الولايات المتحدة ومكانتها في العالم، وهو ما مكّنها من أن تجعل دول أوروبا

  1. Ibid.
  2. Jasper, p.17.

الغربية تتقيد بالقواعد الدولية التي تضعها، سواء كان ذلك على المستوى السياسي أو الاقتصادي. أمّا السبب الثالث، فقد تمثّل بظهور تحديات جديدة للنظام العالمي تجسدت في وجود ما يزيد على ثلث سكان العالم، آنذاك، يعيش خارج ما كان يُعرف ب "العالم الحر"، ومن ثمّ خارج السوق العالمية الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة8.

وكان تأسيس حلف الناتو NATO عام 1949، بوصفه حلفًا عسكريًا يقوم على قيم غربية مشتركة، قد ساهم في تشكيل هويةٍ ونموذج عبر أطلسي في مواجهة باقي دول العالم. وقد أدى هذا النموذج إلى وصف عدد كبير من صانعي السياسة في العالم الغربي تلك الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار بأنها "حلف ناتو محتمل". فمع انهيار الاتحاد السوفياتي، تحوّل حلف الناتو من كونه حلفًا عسكريًا إلى قوة أمنية عالمية لا تقتصر مهمته على حماية أعضائه ضدّ أيّ تهديد خارجي فحسب، بل تمتدّ إلى التعامل مع التهديدات التي قد تؤثر في القيم الغربية المشتركة، بما فيها السلع العالمية Commodities.Global وفي أكثر من مناسبة، أكّد المتحدث الرسمي باسم حلف الناتو أن البناء الاقتصادي العالمي المعاصر يعتمد على ضمان إمكانية الدخول إلى السلع العالمية (المياه الدولية، والفضاء الدولي، والفضاء الخارجي، والفضاء الإلكتروني). بمعنى آخر، أصبحت مهمة الناتو الحالية هي الاستجابة للاضطرابات في البناء الاقتصادي العالمي التي قد تهدد هذه السلع العالمية، بخاصة في ظلّ عدم التأكد من دوافع دول البريكس الصاعدة9(وهشاشة النظام الاقتصادي العالمي الحالي10. وعلى خلفية الروابط الاقتصادية والسياسية الوثيقة بين أوروبا والولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مرورًا بالحرب الباردة، اكتسب هدف التحرك نحو خلق إطار أكثر مؤسسيةً بينهما زخمً جديدًا في بداية تسعينيات القرن العشرين. فعلى المستوى عبر الحكومي، تمّ تبنّي الإع ناا عبر الأطلسي Transatlantic Declaration في كانون الأول/ ديسمبر 1990، وقرر إعطاء العلاقات الأميركية - الأوروبية طابعًا إستراتيجيًا طويل المدى. ومثّل هذا الإعلان، في ذلك التوقيت، علامةً فارقةً مع اقتراب انهيار الاتحاد السوفياتي. وبدأت محاولات تفعيل هذا الإعلان من خلال شبكات رجال الأعمال عبر الأطلسية، تمثّل أهمها على الإطلاق بما عُرف ب "شبكة السياسات عبر الأطلسية"، وهي كيان سياسي تمّ تأسيسه عام 1992، وتمّ من خلاله تمثيل أعضاء دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من خلال الشركات العالمية الكبرى ومؤسسات رجال الأعمال (مثل الجمعية الأميركية للتجارة، وجمعية رجال الأعمال الأوروبيين، ومراكز الفكر الأميركية مثل مؤسسة بروكينجز، ومجلس العلاقات الخارجية الأوروبية، ومركز الدراسات السياسية الأوروبية) وأعضاء مؤثّرين من البرلمان الأوروبي والكونجرس الأميركي، وأكاديميين بارزين من الجامعات الأوروبية والأميركية. وفي عام 1994، اقترحت تلك الشبكة بناء شراكة عبر أطلسية ترتكز على أربع دعامات متمثّلة بمصالح اقتصادية ثنائية مشتركة، ومصالح اقتصادية متعددة الأطراف، ومصالح سياسية متعددة الأطراف، ومصالح دفاعية وأمنية مشتركة11. وفي عام 1995، تمّ الإعلان عن أجندة عبر أطلسية جديدة New Agenda Transatlantic هدفت، أساسًا، إلى خلق سوق عبر أطلسية يتمّ فيها تقليلٌ أو إلغاءٌ للحواجز التي تعوق تدفّق السلع والخدمات ورؤوس الأموال على جانبي الأطلسي. إلا أنّ هذا الهدف لم يتحقق على أرض الواقع بسبب التوقعات والآمال المرتفعة التي كانت تُعوّل فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على دور منظمة التجارة الدولية وقدرتها، وهي التي دخلت حيّز التنفيذ عام 1995، في فتح الأسواق العالمية أمام شركات كلّ منها. وفي عام 2004، أقرّ البرلمان الأوروبي تشريعًا أوروبيًا يدعم فكرة خلق سوق عبر أطلسية موحّد في نهاية عام.2015 وفي عام 2005، تمّ تدشين مبادرة أميركية - أوروبية تهدف إلى تحسين الاندماج والنمو الاقتصادي عبر الأطلسي. وفي عام 2006، وافق مجلس النواب الأميركي على تشريعٍ مماثلٍ للتشريع الأوروبي يضع الهدف نفسه؛ وهو خلق سوق عبر أطلسية موحّدة في نهاية عام 201512. وفي عام 2007، تمّ توقيع اتفاقية إطارية، أنشأت بدورها ما عُرف بالمجلس الاقتصادي ع الأطل (TEC) Council Economic Transatlantic؛ من أجل تحقيق

  1. Serfati, p.10.
  2. دول البريكس هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. وتمثّل هذه الدول تجمّعًا اقتصاديًا من دول صاعدة اقتصاديًا تهدد الهيمنة الغربية على العالم.
  3. Serfati, p. 11.
  4. Ibid., pp. 13 - 15.
  5. Leif John Eliasson, ''Problems, Progress and Prognosis in Trade and Investment Negotiations: The Transatlantic Free Trade and Investment Partnership,'' Journal of Transatlantic Studies , vol. 12, no. 2 (2014), p.119.

مزيد من الاندماج الاقتصادي بين كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، من خلال وضع الأولويات عبر الأطلسية في مجال التجارة والاستثمار وتطوير قواعد التنافسية في العالم. وفي عام 2011، تم تكليف مجموعة عمل عالية المستوى، تتعلق بالنمو والوظائف، بمهمة تحديد الإجراءات والقطاعات التي قد تقوّي الاقتصاد عبر الأطلسي وتحسنه؛ من أجل خلق وظائف جديدة ونموّ اقتصادي على جانبي الأطلسي. وفي 2 شباط/ فبراير 2013، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، في خطابه السنوي بشأن حالة الاتحاد، عن وجود محادثات أميركية مع الاتحاد الأوروبي تتعلق بإقامة شراكة عبر أطلسية للتجارة والاستثمار13. وفي منتصف تموز/ يوليو 2013، اتفق الطرفان الأميركي والأوروبي على الدخول في مفاوضات رسمية لإبرام اتفاقية شاملة للتجارة والاستثمار عبر الأطلسي، بوصفها أكبر اتفاقية تجارية ثنائية في التاريخ (%47 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و%32 من قيمة التجارة العالمية، و%60 من قيمة الاستثمارات الخارجية في العالم)، وهو أمرٌ ستكون له من تداعيات مؤكّدة على النظام الاقتصادي الدولي14.

محتوى الاتفاقية وأهدافها ودوافعها: محتوى شامل ودوافع اقتصادية وجيوستراتيجية

منذ بداية المفاوضات بين المفوضية الأوروبية وممثّل التجارة الأميركية في منتصف عام 2013، كانت السرية والتكتم على بنود الاتفاقية هي الملمح الأكثر بروزًا من أجل الإبقاء عليها بعيدةً عن ردّات الفعل العدائية التي قد تأتي من المواطنين والعمال الذين ستتأثر مصالحهم نتيجةً لخلق سوق عبر أطلسية موحّدة، وعدم وجود اتفاق بين الطرفين الأميركي والأوروبي حول عدد من القضايا الرئيسة في تلك المفاوضات15. ويمكن تلخيص أهم بنود تلك الاتفاقية التي يتمّ التفاوض فيها بين الجانبين الأميركي والأوروبي في ثلاث قضايا رئيسة. فالقضية الأولى تتناول محاولة توحيد المعايير الاجتماعية والبيئية في التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. بمعنى آخر، تختلف تلك الاتفاقية عن أيّ اتفاقيةِ تجارةٍ حرةٍ أخرى في العالم؛ بالنظر إلى أنها لا تتعلق بتقليلٍ أو إلغاءٍ للقيود الجمركية عبر الأطلسية فحسب (لأنها نسبة ضئيلة جدًّا)، بل تتعامل أساسًا مع تقليل القيود غير الجمركية، وتحاول وضع معايير موحّدة للعمل والصحة والسلامة العامة، لأن تلك المعايير، وخصوصًا المتعلقة بالعمل والبيئة، تقلّل كثيرًا من معدلات التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. أمّا القضية الثانية، فتتعلق بوضع آلية لتسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر. فمنذ البداية، تمّ تصميم بنود الاتفاقية لتشتمل على وجود آلية لتسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر من أجل حماية المستثمر الأجنبي من التمييز ضده والتدخل غير المبرر من جانب السلطات الوطنية في استثماراته. بمعنى آخر، تمثّل الهدف من تلك الآلية بتحسين القواعد المنظمة لآلية فضّ المنازعات وخلق درجة من التوازن ما بين حقوق وواجبات كلّ من المستثمر والدولة الوطنية، ووضع قواعد عالمية لتسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر16. وأمّا القضية الثالثة، فتتعلق بوضع ما يسمى قواعد منظمة للتجارة بين الجانبين تتعدى تحرير التجارة إلى قضايا تنظيمية عديدة تشمل الدخول إلى السوق الزراعية، التنافسية، والخدمات العابرة للحدود، وتسهيل الجمارك والتجارة، والتجارة الإلكترونية والاتصالات، وخدمات الطاقة والبيئة، والخدمات المالية، والمشتريات الحكومية، وحقوق الملكية الفكرية، والاستثمار، والعمل، وقواعد المنشأ، وإجراءات الصحة العامة، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والنسيج، وإصلاح الاختلالات التجارية، والطاقة البديلة، والاحتباس الحرارى، والأمن الوطني، والتحكم في الإنترنت، وغيرها من القضايا17. ومن أجل مواجهة تناقص نفوذهما الاقتصادي النسبي في العالم، قررت كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلق سوق موحّدة عبر أطلسية من خلال إبرام اتفاقية التجارة والاستثمار عبر الأطلسية، بوصفها خطةً كبرى لاستعادة النمو الاقتصادي على جانبي الأطلسي وتحسين وضعهما التنافسي في مواجهة باقي دول العالم، بخاصة الدول ذات الاقتصاديات الصاعدة عالميًا. فوفقًا لبعض التقديرات الاقتصادية المتوقعة، سيؤدي إبرام هذه الاتفاقية ودخولها حيّز التنفيذ إلى تحقيق دول الاتحاد الأوروبي لمكاسب اقتصادية سنوية تقدّر بنحو 119 بليون يورو (164 بليون دولار أميركي)، وتحقيق الولايات المتحدة لمكاسب اقتصادية سنوية تقدر بنحو 95 بليون يورو (131 بليون دولار أميركي). إلا أنّ الأهداف

  1. 13 Fritz Breuss, European Union in the Globalized World (Switzerland: Springer International Publishing, 2015), p. 245, accessed on 11/5/2016, at: http://bit.ly/1Tbc3ni
  2. Eliasson, p.120.
  3. Serfati, p. 18.
  4. 16 Matthias Bauer, ''Campaign-triggered mass collaboration in the EU’s online consultations: the ISDS-in-TTIP case,'' springer link , 9/6/2015, accessed on 11/5/2016, at: http://bit.ly/1Nup9ir
  5. Jasper, p. 15.

والدوافع الأميركية - الأوروبية من وراء هذه الاتفاقية تتعدى المكاسب التجارية إلى أهداف ودوافع جيوستراتيجية كبرى للتعامل مع النظام الاقتصادي العالمي الجديد18. ويمكن تلخيص الدوافع الإستراتيجية الأميركية من وراء تلك الاتفاقية في ثلاثة دوافع كبرى. فالدافع الأول تمثّل بإخفاق منظمة التجارة العالمية (جولة الدوحة) في فتح أسواق العالم أمام الشركات الأميركية والأوروبية، وكانت الأزمة المالية العالمية في العالم قد وصلت إلى ذروتها عام 2008، ومنذ ذلك التاريخ حتى الآن لم تصل معدلات الاستثمار، بوصفها المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي العالمي، إلى مرحلة ما قبل عام 2008. فقد تضاءلت معدلات الاستثمار في العالم بصفة عامة، وفي كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بصفة خاصة، وهو ما أدى إلى تناقص معدلات النمو في الكتلة عبر الأطلسية.

بمعنى آخر، لم يؤدّ الكساد الاقتصادي في معظم أنحاء العالم إلى تزايد المنافسة بين الشركات العابرة للقوميات فحسب، بل أدّى أيضًا إلى تزايد المنافسة بين الدول القومية نفسها، وهو ما ظهر جليًا في إخفاق مفاوضات منظمة التجارة الدولية بعد نحو ثلاثة عشر عامًا على انطلاقها. فقد مثّل تزايد عدد الاتفاقيات التجارية الثنائية بين دول العالم دليلً واضحًا على تزايد السياسات الحمائية التي تتبعها الدول القومية في العالم؛ إذ إنّ هناك أكثر من 112 اتفاقية تجاريةً حول العالم وضعت قيودًا على التجارة بين الدول في الفترة من منتصف 2013 حتى منتصف عام 2014. وكان من الواضح أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد ضاقتَا ذرعًا بعجز منظمة التجارة الدولية عن تحقيق هدف فتح الأسواق الخارجية أمام الشركات الأميركية والأوروبية في العالم، وبتنامي السياسات الحمائية في معظم دول العالم، فقررتا تعزيز شراكاتهما السياسية والاقتصادية من خلال اتفاق رسمي لإعادة تفعيل قواعد التجارة الدولية وفقًا لمصالحهما. ومن ثمّ، ارتكز الهدف الإستراتيجي الغربي على تثبيتٍ وتقويةٍ للسيطرة الاقتصادية والجيوسياسية بالنسبة إلى الكتلة عبر الأطلسية على العالم. وأدى انهيار جولة الدوحة للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف (تحت مظلة منظمة التجارة الدولية) إلى قيام كلّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باتخاذ زمام المبادرة؛ من أجل إعادة ترتيب النظام الاقتصادي العالمي وفقًا لمصالحهما19. وتهدف تلك الاتفاقية إلى زيادة الوظائف ومعدلات النمو على جانبي الأطلسي على نحوٍ مباشر بما يحقق مصلحة مشتركةً لكلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي20. أمّا الدافع الثاني والأهم من وراء تلك الشراكة، فقد تمثّل بصعود الصين قوةً اقتصاديةً عظمى، بما يمثله من تحدٍّ للهيمنة الأميركية على النظام العالم. فلا يوجد أدنى شكّ لدى أيّ متابع في أنّ الصين هي الهدف الرئيس في هذا الاتفاق. ويتلخص التحدي الإستراتيجي الرئيس الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم في الحفاظ على أسبقيتها العالمية في مواجهة تصاعد قوى دولية كثيرة تمثّل الصين أهمّ هذه القوى على الإطلاق. فمنذ بزوغ نجم الولايات المتحدة قوةً عالميةً في أعقاب انتهاء الحرب الأهلية الأميركية في أواخر عام 1890، اتبعت واشنطن إستراتيجيةً كبرى ثابتةً لا ترتكز على السيطرة على الجزء الغربي من العالم Domain Western فحسب، بل ترتكز أيضًا على منْع سيطرة أيّ قوة أو دولة بطريقة منفردة على الفضاء الأورو - آسيوي Space Eurasian؛ لأنّ ذلك يشكّل إنقاصًا من قوة الولايات المتحدة العالمية ومكانتها، وجعلت معدلات النمو الاقتصادي الصيني المستمرة والثابتة من بكين أكبر منافس محتمل قادر على السيطرة على الأقل على جزء من ذلك الفضاء الأورو - آسيوي، بما يشكّله ذلك من تهديد مباشر لأسبقية الولايات المتحدة في العالم. فقد شهدت الصين معدلات نموّ اقتصادي كبيرة مكّنتها من أن تصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ووضعتها في احتمال شبه مؤكد لأن تصبح في المستقبل القريب صاحبة أكبر ناتج محلّ إجمالي في العالم، وهو الأمر الذي مكّنها من تخصيص مزيد من الموارد للإنفاق على

  1. Sinan Ulgen, ''Locked In or Left Out? Transatlantic Trade Beyond Brussels and Washigton,'' Carnegie Europe (June 2014), accessed on
  2. Serfati, pp. 16 - 18. 20 Eric Hayes, ''TTIP: Transatlantic Free Trade at Last?,'' Global Affairs , no. 2 (2015), p. 115.
  3. 11/5/2016, at: http://ceip.org/1wZR7ow

سياستها الدفاعية، بما يشكل تهديدًا وتحديًا كبيرًا للإدارات الأميركية المتعاقبة في العقد المقبل في آسيا، وذلك على الرغم من صدور تقارير ومؤشرات حديثة تتناول تباطؤ النمو الاقتصادي للصين في الفترة 2015 – 2016، إلى درجةٍ جعلت الخبراء الاقتصاديين يربطون بين انفرج الوضع الاقتصادي العالمي وتعافي الاقتصاد الصيني من موجة التباطؤ التي يعانيها منذ عام تقريبًا، وهو ما أشار إليه أحد كبار مستشاري الدولة في الصين بقوله إنّ الصين ستواجه صعوبةً كبيرةً في تحقيق نمو اقتصادي فوق 6.5 في المئة خلال الفترة 2016 – 2020؛ بسبب تباطؤ الطلب العالمي وارتفاع تكاليف العمالة في الداخل21. وتتجسد المعضلة الأميركية الحالية تجاه الصين في ثنائية معقدة في العلاقات معها. فمن جهة، دخلت الصين في علاقات تجارية كثيفة مع كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو ما يعنى أن أيّ محاولة غربية لاحتوائها اقتصاديًا قد تؤدي إلى مزيد من الكساد الاقتصادي في العالم، وفي كلّ من أوروبا والولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، أصبحت الصين خصمً سياسيًا ملتزمًا على الأقل من الناحية الاقتصادية إنهاءَ الأحادية والأسبقية الاقتصادية الأميركية في العالم. ومن أجل مواجهة هذا التهديد المتزايد من الصين، وضعت إدارة باراك أوباما إستراتيجيةً أطلق عليها العمل على نحوٍ أسرع من الصين معُ حلفاء الولايات المتحدة Faster Run Let’s. فعلى عكس إستراتيجية الاحتواء التي كانت ترتكز على تقييد صعود الصين، سواء كان ذلك بعزلها عن الاقتصاد العالمي أو بتقليل قوتها؛ من خلال دفعها لإعادة توجيه مواردها للتعامل مع أزماتها الداخلية التي يتمّ تغذيتها ودعمها من الخارج، ترتكز إستراتيجية العمل على نحوٍ أسرع من الصين على فكرة أنه يجب الحفاظ على النظام العالمي الحالي؛ لأنه على الرغم من أنه يزيد من القوة التوسعية للصين، فإنه يوفر مكاسب للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها. أمّا هدم ذلك النظام، فسيؤدي إلى مزيد من الكساد العالمي، ومزيد من الخسائر الأميركية والأوروبية22. ومن هذا المنطلق، ارتكزت الإستراتيجية الأميركية الجديدة في العالم على أربعة محاور رئيسة. فالمحور الأول يتمثل بتحسين الكفاءة والقدرة الابتكارية للاقتصاد الأميركي؛ من أجل تمكين واشنطن من السيطرة على القطاعات الأكثر أهميةً، والأكثر تأثيرًا في قيادة النظام الدولي. أمّا المحور الثاني، فيتمثل بتجديد قدرة الولايات المتحدة على استخدام قدراتها العسكرية على نطاق عالمي واسع، على الرغم من الانتقادات الداخلية التي قد تواجه هذا الهدف. في حين يتمثل المحور الثالث بتحسين القدرة الوطنية للدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، والتي تحاول موازنة قوة الصين ونفوذها، مثل اليابان والهند وإندونيسيا وأستراليا وفييتنام وسنغافورة، من أجل تقليل قدرة بكين على بسط قوتها ونفوذها الاقتصادي والعسكري، واستخدام واشنطن لهذه الدول كخط دفاعي محلّ لها في آسيا في مواجهة الصين في المستقبل. أمّا المحور الرابع والأخير، فيتمثّل بإنشاء إطار مؤسسي جديد يقوم على نظام تجارة متعدد الأطراف؛ إذ يُ كّن الولايات المتحدة وحلفاءها من تعويض خسائرهم بسبب دخول الصين في نظام التجارة العالمي. وفي الوقت نفسه، يحسّن مكاسبهم من التجارة الدولية. وفي سياق تلك الإستراتيجية الكبرى، بخاصة في محورها الرابع، تقع كلّ من اتفاقية التجارة والاستثمار عبر الأطلسية والشراكة الباسيفيكية - الأطلسية. فهاتان الاتفاقيتان الإقليميتان لا تهدفان إلى احتواء الصين بقدر ما تهدفان إلى تمكين الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها من البقاء في وضع متفوق على الصين في السنوات المقبلة؛ وذلك من خلال مزيد من التكتل والاندماج الاقتصادي بين الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا والباسيفيكي وأوروبا23.

إنّ الشراكة الأطلسية - الباسيفيكية ما هي إلا انعكاس لتنافس إستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين حول آسيا. بل يمكن القول إنّ تلك الشراكة هي عنصر رئيس في إستراتيجية إدارة أوباما للتحول نحو آسيا Asia to Pivot؛ لأنّ الولايات المتحدة تفتح لإحدى عشرة دولةً آسيويةً وباسيفيكيةً إمكانية الدخول التفضيلي إلى السوق الأميركية، وهي تهدف بذلك إلى تقوية روابطها الاقتصادية مع تلك الدول من ناحية، ومواجهة السوق الصينية من ناحية أخرى. بمعنى

  1. ريم سليم، ''مخاطر تباطؤ نمو الاقتصاديات الناشئة''، المركز الإقليمى للدراسات الإستراتيجية، القاهرة، 2015/8/17، شوهد في: 2016/5/11، في: http://bit.ly/1UZb7qD
  2. Ashley J. Tellis, ''The Geopolitics of the TTIP and the TPP,'' in Power Shifts and New Blocs in the Global Trading System , Adelphi Series (London:
  3. Routledge Taylor and Francis Group, 2014), pp. 93 - 97. 23 Ibid., pp. 105 - 107.

آخر، تخلق تلك الشراكة تحالفًا إقليميًا من الدول لاتفاق تجارة حرة وبمعايير وقواعد تجارية محددة بقيادة الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أنّ الصين لديها إمكانية الدخول إلى تلك الاتفاقية، فإنه سيكون لزامًا عليها قبول الإجراءات والقواعد المنظمة للتجارة التي تمّ الاتفاق عليها ما بين الولايات المتحدة وإحدى عشرة دولةً آسيوية وباسيفيكيةً. لهذا السبب، تنظر بكين إلى تلك الاتفاقية على أنها محاولة أميركية لاحتوائها على المستوى الاقتصادي24. وتحاول الولايات المتحدة من خلال تلك الشراكة مع دول آسيا والباسيفيكي تجنّب تهميش مصالحها الاقتصادية بمنطقة آسيا، في ظلّ تنامي نفوذ الصين وإبرامها لاتفاقيات تجارية عديدة مع هذه الدول. فقد أبرمت تلك الدول أكثر من 180 اتفاقيةً تجاريةً تفضيلية معظمها لا يشمل الولايات المتحدة، ودخلت في الوقت نفسه في مفاوضات مع الصين واليابان وكوريا الجنوبية لتحرير التجارة بينهم من دون مشاركة الولايات المتحدة. ومن ثمّ، تحاول الإدارة الأميركية تشكيل البناء الاقتصادي والسياسي لمنطقة آسيا - الباسيفيكي وفقًا للمصالح الأميركية، وتضع معايير وقواعد وإجراءات وقيم لا تتبعها الصين في تجارتها؛ مثل معايير العمل، وحقوق الملكية الفكرية، وتقييد العملة، وهي كلّها تمثل معوّقات كبيرةً لمشاركة الصين فيها25. ولم يعنِ تحوّل الولايات المتحدة نحو آسيا أنها قد تُهمش علاقاتها وروابطها القوية والمتينة مع الاتحاد الأوروبي، ولذلك تمثّلت أحد أهداف التجارة والاستثمار عبر الأطلسية بتقوية روابط واشنطن مع أوروبا، وتسهيل سيطرة الشركات المتعددة القوميات لكلّ منهما على الاقتصاد العالمي، وبأن تصبح الولايات المتحدة هي القوة الدافعة في كلتا الاتفاقيتين، بما يمكّنها من الحصول على قوة تساومية أكبر في التفاوض في بنودهما وشروطهما26. بمعنى آخر، تضع الولايات المتحدة نفسها في منتصف منطقتين تجاريتين كبيرتين مع دول ذات تقارب سياسي معها في آسيا وأوروبا، في محاولة منها لإبقاء الصين تحت مراقبتها وسيطرتها في ما يتعلق بالتجارة العالمية27. وكانت آخر وثيقة إستراتيجية صدرت عن الولايات المتحدة (إستراتيجية الأمن القومي الأميركي 2015) قد بلورت هذا الهدف الإستراتيجي الأميركي على نحوٍ دقيق؛ وذلك من خلال رسمها خطًا دقيقًا بين الترحيب بصعود الصين المستقر والسلمي والمزدهر، وتأكيدها أنّها ستدير المنافسة معها من منطق القوة، وتأكيد التزام الصين قواعد القانون الدولي وقيمه، وأنّها ستراقب توسّع الوجود والهيمنة الصينيين في آسيا. وتهدف الإستراتيجية الأميركية الاقتصادية، وفقًا للوثيقة، من خلال إبرام اتفاقيتَي الشراكة عبر المحيط الهادئ والشراكة عبر الأطلسية في التجارة والاستثمار، إلى إزالة الحواجز أمام الصادرات الأميركية ووضع الولايات المتحدة في مركز منطقة تجارة حرة تغطي ثلثي الاقتصاد العالمي28. وتتخوف الصين من أن يتمّ تركها خارج هاتين الاتفاقيتين، وقد حاولت الرد على ذلك من خلال إقامة ما يُسمّى الشراكة الإقليمية الاقتصادية الشاملة في آسيا29، وتسعى في الوقت نفسه لإقامة منطقة تجارة حرة مع أوروبا من أجل كسر الحصار الاقتصادي الأميركي إزاءها، سواء كان ذلك في آسيا أو في أوروبا؛ لأنها تدرك أن كلًّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يضعان قواعد عالمية للتجارة في الاتفاقيتين. ويتفاوض الاتحاد الأوروبي حاليًا مع الصين في اتفاقية للاستثمار، وليس في منطقة تجارة حرة كما ترغب الصين، ومازالت أوروبا منقسمةً حولها. ففي حين تدعمها بريطانيا، تتخوف دول أخرى؛ مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، من الصادرات المدعومة من الصين، ومن تزايد منافسة البضائع الصينية الرخيصة لبضائعهم الوطنية30. أمّا الدافع الثالث، فقد تمثّل بمحاولة واشنطن وضع معايير وقواعد عالمية (ذهبية) للتجارة الدولية تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا وآسيا في قلبها. بمعنى آخر، تهدف تلك الاتفاقية إلى التقريب كبير بين القواعد والإجراءات المنظمة للتجارة والاستثمار على نحو ما بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد أوضحت المفوضية الأوروبية أنّ تحقيق ذلك الهدف سيمهد الطريق نحو وضع معايير عالمية للتجارة والاستثمار في باقي أنحاء العالم. وأكّد الممثل التجاري أن للولايات المتحدة الأميركية في المفاوضات المنطق نفسه من جهة

  1. Hanns Gunther Hilpert, ''Asia-Pacific Free Trade Talks Nearing the Finish Line: Setting the Agenda in the Struggle for Regional Markets, Multilateral Rules and Geopolitical Leadership,'' Stiftung Wissenschaft und Politik German Institute for International and Security Affairs (February 2015), accessed on 11/5/2016, at: http://bit.ly/1X7JpZ2
  2. Hamilton, p. 85.
  3. Serfati, p. 18.
  4. Christian Pitschas, ''Transatlantic Trade and Investment Partnership Agreement and the Development of International Standards,'' in
  5. محمد مطاوع، ''إستراتيجية الأمن القومى الأمريكى (2015): المؤشرات الكبرى الجديدة وملامح التغير''، سياسات عربية، العدد 15 (تموز/ يوليو 2015)، ص 13 -.18
  6. الشراكة الإقليمية الاقتصادية الشاملة في آسيا هي مقترح صينى بتشكيل منطقة تجارة حرة تضم 16 دولةً، ليصبح أكبر تكتل من نوعه في العالم؛ إذ سيضم 3.4 مليارات نسمة وتشمل تلك الدول (الدول العشر الأعضاء لرابطة دول جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية والصين واليابان وأستراليا ونيوزيلندا والهند.) 30 Theresa Fallon, ''China's Pivot to Europe,'' American Foreign Policy Interest , vol. 36, no. 3 (2014), pp. 179-180.
  7. Christoph Herrmann et al. (eds.), Trade Policy between Diplomacy and Scholarship (Switzerland: Springer, 2015), p. 246.

الاتفاقية ستضع معايير وقواعد عالميةً جديدةً ورائدةً في النظام التجاري الدولي؛ لأن اختلاف تلك القواعد والإجراءات بين الدول يشوّه السوق ويرفع تكاليف الإنتاج، ويشجع على التمييز في الأسعار، ويقلل من تنوع الواردات31. ومن هذا المنطلق، تمثّل هذه الاتفاقية سابقةً كبرى في النظام الاقتصادي الدولي، سواء كان ذلك من حيث قيمتها أو نطاقها؛ لأن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يمثلّان ثلث قيمة التجارة العالمية. لهذا، تجذب المفاوضات الأميركية - الأوروبية حول هذه الاتفاقية اهتمام معظم دول العالم؛ لأنها ستؤثر في علاقة تلك الدول التجارية مع كلّ من واشنطن وبروكسيل في المستقبل المنظور. وترى كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أنهما يقدمان نموذجًا يُحتذى به من بين باقي دول العالم لاتباع معايير عالمية موحّدة يتمّ التفاوض حولها في الاتفاقية. ويمكن القول، بدرجة عالية من اليقين، إنّ هذا الهدف حاضر بشدة في عقل كلّ من المفاوض الأميركي والأوروبي؛ وهو خلق معايير عالمية للتجارة وتطويرها يتمّ اتباعها من باقي دول العالم في المستقبل32. وعلى خلفية ذلك الهدف، تسعى الاتفاقية إلى تقليل المعايير العمالية والقيود البيئية للتجارة؛ لأنها تمثّل تكاليف إضافيةً على عاتق الشركات الكبرى في كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي33. وتتلخص الدوافع الإستراتيجية الأوروبية من وراء تلك الاتفاقية في ثلاثة دوافع كبرى. فالدافع الأول يتمثّل بتطبيق إستراتيجية الاتحاد الأوروبي العالمية 2020. أمّا الدافع الثاني، فيتمثّل بتخوف دول الاتحاد الأوروبي من أن يتمّ تهميشها في النظام الاقتصادي الدولي. وأمّا الدافع الثالث، فيتجسد في بحث الاتحاد الأوروبي عن مصدر دائم ومستمر للطاقة، في ظلّ تقلبات أسواق الطاقة في العالم، وفي ظلّ تهديد الخلافات السياسية الأوروبية مع روسيا لاستقرار مصادر الطاقة وثباتها بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. ففي ما يتعلق بالدافع الأوروبي الأول، تتوافق تلك الاتفاقية مع الهدف الإستراتيجي الأوروبي الذي وضعه قادة دول الاتحاد الأوروبي عام 2010، إستراتيجية الاتحاد الأوروبي 2020، وهو وضع أوروبا في السنوات العشر المقبلة في موقع قيادي في العالم بشأن النمو والوظائف34. وتضع إستراتيجية الاتحاد الأوروبي العالمية 2020 (الشراكة عبر الأطلسية والتنافسية عبر الأطلسية) كهدف إستراتيجي أكثر أهميةً من علاقاته التجارية الثنائية مع الصين؛ لأن ذلك يعنى، وفقًا للمنظور الأوروبي، وضع قيم عالمية في مجال التجارة يتمّ تطبيقها على جميع الدول بما فيها الصين. فقد اتهمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ وقت طويل الصين بأنها تتبع سياسات الإغراق من أجل كسب مزيد من الحصص في السوقين الأميركية والأوروبية، واستغلت الصين بنجاح الاختلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بالقواعد المنظمة لسياسات الإغراق35.

أمّا في ما يتعلق بالدافع الأوروبي الثاني، فتسعى هذه الاتفاقية، وفقًا للمنظور الأوروبي، إلى خلق علاقة أوروبية - أميركية إستراتيجية تكون في وضع أفضل في التعامل مع الدول الأخرى خارج منطقة الأطلسي؛ من أجل فتح الأسواق الخارجية وتقوية القواعد المنظمة للنظام الاقتصادي العالمي. وتمثّل هذه الاتفاقية عنصر طمأنة لدول الاتحاد الأوروبي. فكانت العديد من الدول الأوروبية قد أعربت عن مخاوفها وقلقها من أنّ اتجاه واشنطن لإعادة التوازن الإستراتيجي مع آسيا قد يتمّ ترجمته، على نحو فعليّ، إلى تقليل في اهتمام الولايات المتحدة بأوروبا والتزامها علاقات متينةً معها. ومن ثمّ، فإنّ خلق سوق أميركية - أوروبية تضمّ أكثر من 829 مليون نسمة من هاواي إلى دول البلطيق الثلاث، والتزام وضع قيمٍ ومعايير غربية موحّدة للتجارة العالمية، يمثلّان ضمانةً قويةً لأوروبا بأنها ستظل شريكًا مهمًّ لواشنطن، وأنه لن يتمّ تهميش دورها في النظام الاقتصادي العالمي الجديد. ومن هذا المنطلق، تمّ النظر إلى هذه الاتفاقية على أنها عنصر مهمّ وجديد في الشراكة الإستراتيجية عبر الأطلسية، وحلف ناتو اقتصادي جديد يضع القيم الاقتصادية العالمية للنظام الدولي36.

  1. Caroline Freund & Sarah Oliver, ''Gains from Harmonizing US and EU Auto Regulations under the Transatlantic Trade and Investment Partnership,'' Peterson Institute for International Economics (June 2015), p.1, accessed on 11/5/2016, at: http://www.iie.com/publicationspb/pb15-10.pdf
  2. Pitschas, p. 249.
  3. Serfati, p. 16.
  4. Breuss, p. 246.
  5. Eliasson, p. 126.
  6. Hamilton, p. 86.

ويتمثّل الدافع الأوروبي الثالث بتوفير مصدر دائم ومستمر للطاقة. وتشير التقديرات الأميركية إلى أنّ الدول الأعضاء في الاتفاقيتين ستحصل على مكاسب اقتصادية وتجارية متوقعة، أعلى من المكاسب التي كانت ستحصل عليها في جولة الدوحة تحت مظلة منظمة التجارة الدولية. ودفع صعود الولايات المتحدة كقوة كبرى في مجال الطاقة والبترول، ووضعها كأكبر مصدر للطاقة والغاز في العالم، إلى جعل الدول الأوروبية والآسيوية والباسيفيكية تنظر إلى واشنطن كمصدر جديد للطاقة، وهو ما مثل دافعًا قويًا لدى هذه الدول للتفاوض في هاتين الاتفاقيتين مع الولايات المتحدة؛ لأنّ زيادة قيمة التجارة عبر الأطلسية والباسيفيكية في مجال الطاقة سيحقق مكاسب اقتصادية كبيرةً للدول الأطراف في هاتين الاتفاقيتين37. وأدّى ضمّ روسيا لشبة جزيرة القرم إلى تدهور العلاقة بين الديمقراطيات الغربية من ناحية، وروسيا من ناحية أخرى، وهو ما مثّل عاملً جيوستراتيجيًا إضافيًا لدخول كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مفاوضات جدّية حول هذه الاتفاقية38.

الصعوبات التي تواجه إقرار الاتفاقية: الداخل الأوروبي والأميركي والقضايا الخلافية

لّا يمكن أن يتمّ النظر إلى الاتفاقية المذكورة على أنها مشروع تم الاتفاق عليه بالفعل، بل يجب النظر إليها على أنها مازالت عملية في طور التشكّل؛ وذلك بالنظر إلى المعارضة القوية التي تواجهها تلك الاتفاقية، سواء كان ذلك من الداخل الأوروبي، أو الداخل الأميركي، أو من الاختلافات الجوهرية بين الطرفين المتفاوضين في بنودها. ويمكن تفصيل ذلك كما يلي: في ما يتعلق بالداخل الأوروبي، تمثّل معارضة المجتمع المدني، واتحادات العمال، وبعض الأحزاب السياسية في اليسار الأوروبي، أوّل عقبة كبرى في سبيل إبرام تلك الاتفاقية؛ والدليل على ذلك أن المفوضية الأوروبية اضطرت، تحت ضغوط رفض تلك المنظمات للاتفاقية، إلى كسر طوق سرية المفاوضات الذي كانت قد وضعته سابقًا كشرطٍ لنجاحها. وانصبت معارضة منظمات المجتمع المدني واتحادات العمال في أوروبا على بندين رئيسين في الاتفاقية. فالبند الأول يتعلق بخفْض مستوى المعايير البيئية والاجتماعية في التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو ما يعنى احتمالية وجود تأثيرات سلبية في العمالة الأوروبية وكذلك في جودة السلع الأوروبية التي تتطلب معايير بيئية أعلى من نظيراتها في الولايات المتحدة، وهو أمرٌ يدلّ على وجود مخاوف مجتمعية على جودة الحياة الأوروبية في حال إبرام تلك الاتفاقية ببنودها الحالية. كما أنّ الولايات المتحدة، على النقيض من الاتحاد الأوروبي، لم تصدّق عددًا كبيرًا من الاتفاقيات التي تمّ إبرامها تحت مظلة منظمة العمل الدولية، بخاصة الاتفاقيات التي تتعلق بحرية التجمع وحق العمال في التفاوض مع أصحاب رؤوس الأموال. وتطالب النقابات والاتحادات العمالية بالتزام الأطراف المتفاوضة من خلال تصديق هذه الاتفاقيات. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، رأى اتحاد العمال البريطاني أنّ هذه الاتفاقية تمثّل خطرًا حقيقيًا على حقوق العمال الأوروبيين المكتسبة وعلى حقوقهم الاجتماعية؛ لأنه قد يتمّ تقليلها لكي تصل إلى المستوى الأميركي الذي هو أقل من المستوى الأوروبي39. أمّا البند الثاني الذي انصبّ عليه اهتمام معارضة منظمات المجتمع المدني واتحادات العمال في أوروبا، فهو متعلق بآلية تسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر؛ إذ أصبح النص المقترح بشأن إدراج آلية لحماية المستثمر في الاتفاقية قضيةً جدليةً كبرى في أوروبا؛ لأنه يسمح للشركات العابرة للقوميات، في حال أيّ انتهاك لنصوص الاتفاقية المبرمة بين الدولة والمستثمر، بمقاضاة الدولة الوطنية أمام محاكم دولية مستقلة، متخطيةً بذلك دور المحاكم الوطنية ووظيفتها. وبحسب ناشطين في المجتمع المدني في أوروبا، بخاصة في ألمانيا، فإن إدراج تلك الآلية في الاتفاقية من شأنه أن يسمح للشركات العابرة للقوميات بتحدي القرارات السياسية التي تصدر من الحكومات الأوروبية، في حال تعرّض مكاسبها المتوقعة للتهديد، بسبب الإجراءات الحكومية في داخل تلك الدول40. ولا يخشى المعارضون للاتفاقية إمكانية مقاضاة الشركات العابرة للقوميات للحكومات الوطنية فحسب، بل يخشون أيضًا أن تضطر الحكومات الأوروبية إلى تقليل الشروط والمعايير البيئية والاجتماعية وغيرها من القواعد؛ من أجل تجنّب مقاضاتها من جهة الشركات العالمية الكبرى في المستقبل41. علاوةً على ذلك، يعنى إدراج تلك

  1. Ibid., p. 83.
  2. Pitschas, p. 246.
  3. Serfati, pp. 22 - 26.
  4. Hayes, p.117.
  5. Sacha Dierckx, ''European Unions and the Repoliticization of Transnational Capital: Labor's Stance Regarding the Financial Transaction Tax (FTT), the Transatlantic Trade and Investment Partnership (TTIP), and the Comprehensive Economic and Trade Agreement (CETA),'' Labor History , vol. 56, no. 3 (2015), p. 335.

الآلية أنّ القطاع الخاص سيسطر على نحوٍ مطّرد ومتزايد على مجالات القطاع العامّ في عملية ممنهجة؛ لخصخصة السلع التي كان يتمّ عدّها سلعًا عامةً (مثل حقوق الملكية الفكرية)، والقطاعات العامة في الدولة (مثل الدفاع والصحة والتعليم)، وهو ما يعنى نقْل ملكية هذه القطاعات إلى المستثمرين من الشركات العابرة للقوميات. بمعنى آخر، ستؤدي هذه الاتفاقية، وفقًا لمنظور منظمات المجتمع المدني، إلى خصخصة العدالة وستضعف مؤسسات الدولة الديمقراطية، وستقضى على حق الدول ذات السيادة في اتخاذ سياسات سيادية؛ مثل تأميم الأصول القومية للدولة، وعدم القدرة على تبنّي تشريعات وطنية اجتماعية وصحية وبيئية تتعارض مع مصالح الشركات العابرة للقوميات42. لهذا الأسباب مجتمعة،ً ترى منظمات المجتمع المدني واتحادات العمال الأوروبية أنّ تلك الآلية تعطي الأفضلية لمصالح الشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال على حساب المصالح الاجتماعية للمواطنين الأوروبيين وتهدد، على نحوٍ مباشر، مستوى معيشة المواطن الأوروبي؛ من خلال قبوله بمعايير أقلّ سواء كان ذلك متعلقًا بالسلع أو بالأغذية الأوروبية43. وفي بداية عام 2014، تمّ تدشين تحالف من عدد كبير من منظمات المجتمع المدني واتحادات العمال ضدّ هذه الاتفاقية تحت مسمّى (حملة أوقفوا الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار TTIP Stop Campaign). وبعد رفض المفوضية الأوروبية فتح مبادرة حق المواطن الأوروبيEU Citizenship Initaitive لتلك الحملة ضد الاتفاقية في بداية عام 2014، دشنت الحملة التماسًا عبر الإنترنت لوقف المفاوضات الأميركية - الأوروبية حول هذه الاتفاقية. وبحلول آذار/ مارس 2015، حصل هذا الالتماس على مليون وستمئة ألف توقيع من المواطنين في دول الاتحاد الأوروبي44. بمعنى آخر، أصبحت تلك الآلية تمثّل أكبر المخاوف والانتقادات بالنسبة إلى منظمات المجتمع المدني في أوروبا؛ إذ يُنظر إليها بوصفها تمثّل هجومًا مباشرًا على قيم الديمقراطية وحكم القانون في دول الاتحاد الأوروبي. وقد أدّت الحملة الشعبية الأوروبية المعارضة للاتفاقية بصفة عامة ولآلية تسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر، بصفة خاصة، إلى مطالبة بعض الدول الأوروبية والمفوضية الأوروبية بمبادرة شفافية حول آلية تسوية المنازعات في الاتفاقية. وفي 21 كانون الثاني/ يناير 2014، أعلنت المفوضية الأوروبية أنها ستدشن مشاورات عامة عبر الإنترنت Online Public Consultationsحول آلية تسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر في الاتفاقية؛ من أجل التعرف إلى آراء المواطنين الأوروبيين تجاهها، وأعلنت أيضًا أنّ الهدف من تلك الآلية هو تحقيق نوع من التوازن الدقيق بين حماية المستثمر من جهة، وإيجاد ضمانات لحقوق الدولة القومية وقدرتها على تنظيم التشريعات التي تحقق مصالحها العامة من جهةأخرى45. وعلى مستوى حكومات الاتحاد الأوروبي نفسها، هناك توجهات مختلفة نحو هذه الآلية. ففي حين تدعم الحكومة البريطانية بشدة إدراج هذه الآلية على أساس أنها ستكون أداةً مهمةً في تقليل تدخل الدول والحكومات الوطنية في أعمال الشركات العابرة للقوميات ومصالحها، بما يساهم في تنشيط أعمالها وزيادة أرباحها كثيرًا في تلك الدول، نجد في ألمانيا أنّ هناك انقسامًا بين الشركات الألمانية الكبرى المؤيدة للآلية بقوة (مثل شركات السيارات والصناعات الكيماوية) والشركات الألمانية المتوسطة والصغيرة الرافضة لها، والتي لديهما مخاوف من تغوّل الشركات الكبرى العابرة للقوميات على مصالحها، ومن تحايلها والتفافها على التشريعات الوطنية والقضاء الوطني. وفي فرنسا، عبّ ت الحكومة الفرنسية عن رفضها المبدئي لآلية تسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر، في حين أيدتها الشركات الفرنسية الكبرى بقوة. وفي النهاية، تراجعت كلّ من ألمانيا وفرنسا عن رفضهما المبدئي لتلك الآلية وأصبحتا مستعدتين لقبول آلية معدّلة، بشرط تهدئة المخاوف الداخلية لدى المواطنين الألمان والفرنسيين تجاهها46. ومع ذلك، يظل التحدي متمثّلً بوجود معدلات معارضة مرتفعة جدًا للاتفاقية في ألمانيا وفرنسا، ويتساءل الخبراء الألمان عن مدى اتساق تلك الاتفاقية، أو توافقها، مع الدستور الاتحادي الألماني. وفي حين صوت البرلمان الأوروبي لمصلحة استمرار المفاوضات الأوروبية مع الولايات المتحدة حول هذه الاتفاقية، هدّدت فرنسا بخروجها خروجًا كاملً منها؛ لأنها تعطي الأفضلية للشركات الأميركية الكبرى على حساب الحكومات الأوروبية47.

  1. Serfati, p. 24.
  2. Michael Strange, ''Power in Global Trade Governance: Is the EU a Unitary Actor, a Tool for Dominance, or a Site of Contestation? GATS and the TTIP Negotiations,'' International Journal of Public Administration, vol. 38 (2015), p. 891.
  3. مبادرة حق المواطن الأوروبي هي مبادرة تمّ التنصيص عليها في اتفاقية لشبونة 2009، وهي تعطى الحق للمواطن الأوروبي العادي، في حال استطاعته تجميع أكثر من مليون توقيع من 7 دول أوروبية على الأقل، أن يطلب من المفوضية الأوروبية أن تقدم مقترحًا تشريعيًا في داخل المؤسسات الأوروبية لكي يتحول المقترح في النهاية إلى قانون أوروبي. وتَثّل الهدف الرئيس من هذه المبادرة بسدّ الفجوة بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي من جانب، والمواطن
  4. Matthias Bauer, ''Campaign-Triggered Mass Collaboration in the EU's Online Consultations: the ISDS-in-TTIP Case,'' Willned Martens Centre for European Studies, Springer, European View (2015), pp. 124-125, accessed on 11/5/2016, at: http://download.springer.com/static/pdf
  5. Serfati, p. 25. 47 Neroth.
  6. الأوروبي من جانب آخر، وإعطاء وجه أكثر ديمقراطيةً للاتحاد الأوروبي.

وفي ما يتعلق بالداخل الأميركي، تتمثّل الانتقادات الرئيسة، من منظمات مجتمع مدني واتحادات العمال لهذه الاتفاقية، بأنها تسلّم السيادة الوطنية الأميركية إلى محاكم دولية يتمّ تمكينها وتقويتها لتتخطى الدستور الأميركي والمؤسسات والقوانين للدولة القومية والمحلية. فقد أشارت الوثائق المسربة من المفاوضات بين المفوضية الأوروبية ومفوض التجارة الأميركية، حول هذه الاتفاقية، إلى أنها سوف تعفي الشركات الأجنبية العابرة للقوميات من القوانين والقواعد الأميركية، وأنها ستضع حلّ أيّ خلاف أو نزاع بين هذه الشركات الكبرى والحكومة الأميركية في يد محاكم دولية خاصة. ويرى المعارضون لتلك الاتفاقية أنها تمثّل تهديدًا للدستور الأميركي وتمثّل، في الوقت نفسه، ضربةً قاصمةً للشركات الأميركية في الداخل الأميركي التي لم تنضمّ إلى هذه الاتفاقية؛ لأنها ستلتزم القواعد الأميركية والضرائب الأميركية التي سيتمّ إعفاء الشركات العابرة للقوميات منها، وفقًا لبنود الاتفاقية. إضافةً إلى ذلك، يرى المعارضون للاتفاقية أنها عبارة عن اتفاق تمّ في سرية تامة بين إدارة أوباما والمفوضية الأوروبية، وتمّ استبعاد الكونجرس الأميركي منه؛ وذلك بمخالفة الدستور الأميركي الذي يعطي للكونجرس، وليس للرئيس الأميركي، الحق في تنظيم أمور التجارة الخارجية مع الأطراف الأخرى في العالم48. علاوةً على ذلك، تتخوف بعض اتحادات العمال الأميركية من التأثيرات السلبية لتلك الشراكة في حقوقها ووظائفها. ففي ما يتعلق بنتائج اتفاقية التجارة الحرة الأميركية مع أميركا اللاتينية NAFTA، توقّع القائمون على الاتفاقية آنذاك أن تؤدي إلى زيادة فرص العمل في الولايات المتحدة إلى 200 ألف فرصة عمل في خلال عامين، إلا أنه في الواقع العملي كلفّت "النافتا" الولايات المتحدة خسارة 700 ألف وظيفية أميركية، وتحول الفائض الأميركي في التجارة مع المكسيك إلى عجز تجاري49. وعلى النقيض من معظم الدول الأخرى، يمنح النظام السياسي الأميركي القرار السياسي النهائي لإبرام هذه الاتفاقية للكونجرس الأميركي الذي له السلطة النهائية (التصويتية) على أيّ اتفاقية تتفاوض فيها الإدارة الأميركية. ولهذا السبب، حاولت إدارة أوباما منذ منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 التحرك للحصول من الكونجرس الأميركي على قانون تطوير التجارةTrade Promotion Authority من أجل دعم اتفاقيتي الشراكة الباسيفيكية - الأطلسية والشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار. ومن غير المتوقع أن يتمّ التوصل إلى اتفاق نهائي قبل منتصف عام 2016، وهو ما يعنى أنّ الصراع في الكونجرس الأميركي حول هذه الاتفاقية سينتقل إلى الإدارة الأميركية التي ستأتي بعد إدارة أوباما50. ويتمثّل التحدي الأكبر لإدارة أوباما في حال تمكّنها من تأمين قانون تطوير التجارة (المسار السريع Track - Fast)؛ لأنه بهذا المسار سيكون على الكونجرس أن يوافق على الاتفاق كلّه، وليس له أن يختار نصًّا أو بندًا ويترك النص أو البند الآخر. فمن دون هذا المسار السريع، لن يتمّ تصديق هذه الاتفاقية ودخولها حيّز التنفيذ في الولايات المتحدة51.

وفي ما يتعلق بالقضايا الخلافية بين الحكومات الأوروبية والأميركية، تمثّل قضية المشتريات الحكوميةPublic Procurement أكثر القضايا حساسيةً على الإطلاق في أجندة المفاوضات بين المفوضية الأوروبية والولايات المتحدة. فمن وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، وضعت الولايات المتحدة عوائق كثيرةً تمنع الشركات الأجنبية من إمكانية الدخول إلى السلع والخدمات العامة الأميركية (المشتريات الحكومية الأميركية). وفي حين أن %85 من المشتريات الحكومية الأوروبية مفتوحة للشركات الأميركية للدخول إليها، فإن %32 من المشتريات الحكومية الأميركية فقط مفتوحة للشركات الأوروبية؛ لأن الولايات المتحدة تضع قوانين وطنيةً تفضيليةً لمصلحة الشركات الأميركية على حساب الشركات الأجنبية الأخرى. ومن ثمّ، تظلّ قضية فتح سوق السلع والخدمات العامة محور خلاف رئيس بين كلّ من المفوضية الأوروبية والولايات المتحدة في المفاوضات الحالية لإبرام تلك الاتفاقية. أمّا القضية الجدلية الأخرى في المفاوضات بين الجانبين الأميركي والأوروبي، فتتمثّل بقضية القطاع المالي Sector Finacial. ووفقًا للرؤية الأميركية، فإنّ القطاع المالي في الولايات المتحدة لديه قواعد تنظيمية وإجرائية أفضل من نظيراتها في الدول الأوروبية. وفي المقابل، ووفقًا للرؤية الأوروبية، وضعت الولايات المتحدة عددًا من التشريعات والقوانين في قطاعها المالي، وقد خلقت بدورها صعوبات

  1. Jasper, pp. 10 - 11.
  2. Serfati, p. 22.
  3. Claude Barfield, ''the Political Economy of TTIP: the View from the United States,'' Paper Presented at the Political Economy of TTIP: Origins, Evolution, and Implications, UC Berkeley, 11/4/2015, pp. 4-6.
  4. Hayes, p. 115.

على وجود الشركات المالية الأوروبية في السوق الأميركية. وعبّ ت الحكومات البريطانية والفرنسية والألمانية عن مخاوفها الشديدة من الممارسات والقوانين الأميركية في القطاع المالي، وهي التي تميز الشركات الأميركية على حساب باقي الشركات الأجنبية52. ولهذه الأسباب مجتمعةً (ضغوط الداخل الأوروبي، وضغوط الداخل الأميركي والخلافات بين الأطراف المتفاوضة في قضايا جدلية؛ مثل إعانات الزراعة، والحماية، والصحة، والسياسات التنافسية، وقطاع الخدمات، والأغذية المعدلة وراثيًا، والشروط البيئية)، تمّ تخطى الموعد النهائي الذي كان محددًا لإبرام الاتفاقية في نهاية عام 201453.

خاتمة

توصلت الدراسة إلى أربعة استنتاجات كبرى في ما يتعلق بالشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار، وهي على النحو التالي: يتمثّل الاستنتاج الأول بأنّ الاتفاق يحقق مكاسب اقتصاديةً كبيرة،ً سواء كان ذلك في خلق الوظائف أو في زيادة معدلات النمو في كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. إلا أنّ هذا الاتفاق يتخطى ذلك الهدف إلى أهدف إستراتيجية كبرى. فالهدف الأول يتمثّل بخلق سوق تجارية عبر أطلسية تضع المعايير الدولية للتجارة والاستثمار في العالم من خلال خلق معايير عبر أطلسية تعمل كنموذج يحتذى به في باقي أنحاء العالم. بمعنى آخر، يتمثّل الأمر بمحاولة وضع معايير وقواعد عالمية (ذهبية) للتجارة الدولية تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا وآسيا في قلبها. أمّا الهدف الثاني، فيتجسد في تمكين الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها من البقاء في وضع متفوق على الصين في السنوات المقبلة. في حين يتعلق الهدف الثالث بقيام كلّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باتخاذ زمام المبادرة من أجل إعادة ترتيب النظام الاقتصادي العالمي، وفقًا لمصالحهما، على نحوٍ يؤدي في النهاية إلى زيادة الوظائف ومعدلات النمو على جانبي الأطلسي. أمّا الاستنتاج الثاني، فيتمثّل بحقيقة أنّ الداخل الأوروبي والأميركي هو المحدد الأكثر أهميةً في التوصل إلى اتفاق من عدمه. فالتوصل إلى اتفاق شامل بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد يكون ممكنًا إذا توافرت الإرادة السياسية للتوصل إلى حلول وسطى بين الجانبين. وعلى الجانب الأميركي، سيتطلب تصديق الاتفاق أن تحصل إدارة أوباما على سلطة المسار السريع بما يخوله موافقة الكونجرس الأميركي على الاتفاق. وعلى الجانب الأوروبي، سيكون عليه أن يحاول التغلب على المناخ المسمّم الذي خلقته مخاوف المجتمع المدني الأوروبي من جهة أنّ الشراكة عبر الأطلسية ستكون في مصلحة الشركات الكبرى العابرة للقوميات فقط، وإلا سوف يؤثّر ذلك في موقف البرلمان الأوروبي الذي أصبحت موافقته على الاتفاقية ضرورةً ملحةً. ويتطلب ذلك وجود قيادة أوروبية قوية تقدّم تطمينات للمجتمع المدني الأوروبي بأنّ تلك الشراكة لن تمثّل تهديدًا للطريقة الأوروبية في الحياة، سواء كان ذلك من خلال التخلي عن آلية تسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر، أو تعديلها لكي تضمن عدم تأثّر العمال وجودة الحياة في أوروبا بها. أمّا الاستنتاج الثالث، فيتمثّل بأنّ علاقات باقي دول العالم التجارية مع كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ستتأثر بعد هذا الاتفاق؛ لأنها ستكون وفقًا لمعايير وقواعد تنظيمية جديدة سيتمّ التوافق فيها بين واشنطن وبروكسيل. وتتعامل اتفاقيتا الشراكة الباسيفيكية - الأطلسية والشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار مع الدول الصاعدة اقتصاديًا في العالم. فسواء اختارت تلك الدول تحدّي النظام الاقتصادي العالمي القائم أو اختارت التوافق معه، فإنّ ذلك سيعتمد على مدى اتفاق الدول الداخلة في هاتين الاتفاقيتين على القواعد المنظمة للتجارة العالمية في المستقبل. فهناك مخاوف بين خبراء العلاقات الدولية مفادها أنه كلمّا تشددت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في وضع تلك القواعد العالمية للتجارة بما يخدم مصالحهما فقط، كانت رغبة الدول الصاعدة اقتصاديًا أقلّ في اللعب وفقًا للقواعد الغربية. ومن هذا المنطلق، قد تؤدي تلك الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار إلى زيادة الانقسامات بين الغرب والدول والقوى الصاعدة اقتصاديًا في العالم. أمّا الاستنتاج الرابع والأخير، فيتعلق بمصير منظمة التجارة العالمية نفسها، إن تمّ إبرام هذا الاتفاق. ففي حال استمرار إخفاق جولة الدوحة للمفاوضات المتعددة الأطراف في فتح الأسواق أمام الشركات العالمية الكبرى، فإنّ اتفاقيات التجارة الثنائية التفضيلية بين الدول ستظل هي العنصر الحاكم لتوجهات التجارة العالمية في المستقبل المنظور. وفي حال نجاح جهد الولايات المتحدة في إبرام الشراكة الأطلسية - الباسيفيكية والشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار، فستقلّ رغبتها ومصلحتها في منظمة التجارة الدولية، إلى درجة كبيرة، وهو ما يعنى تحوّل هذه المنظمة العالمية إلى مؤسسة ذات مكانة ثانوية في نظام التجارة الدولية الجديد الذي هو في طور التشكّل، وتمثّل هذه الاتفاقية محاولةً من جهة كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للتحكم في قواعده ومعاييره وقوانينه المستقبلية.

  1. Serfati, pp. 28 - 30.
  2. Jagdish Bhagwati & Pravin Krishna & Arvind Panagariya, ''Where the World Trade System Heading,'' in Power Shifts, p. 31.

المصادر والمراجع

العربية

مطاوع، محمد. ''إستراتيجية الأمن القومى الأميركى (2015): المؤشرات الكبرى الجديدة وملامح التغير''، سياسات عربية، العدد 15 (تموز/ يوليو.)2015

الأجنبية

• Bauer, Matthias. ''Campaign-Triggered Mass Collaboration in the EU's Online Consultations: the ISDS-in-TTIP Case,'' Willned Martens Centre for European Studies, Springer, European View (2015). • Breuss, Fritz. European Union in the Globalized World, Switzerland: Springer International Publishing, 2015. • Claude Barfield, ''the Political Economy of TTIP: the View from the United States,'' Paper Presented at the Political Economy of TTIP: Origins, Evolution, and Implications, UC Berkeley, 11/4/2015. • Dierckx, Sacha. ''European Unions and the Repoliticization of Transnational Capital: Labor's Stance Regarding the Financial Transaction Tax (FTT), the Transatlantic Trade and Investment Partnership (TTIP), and the Comprehensive Economic and Trade Agreement (CETA),'' Labor History , vol. 56, no. 3 (2015). • Eliasson, Leif John. ''Problems, Progress and Prognosis in Trade and Investment Negotiations: The Transatlantic Free Trade and Investment Partnership,'' Journal of Transatlantic Studies , vol. 12, no. 2 (2014). • Fallon, Theresa. ''China's Pivot to Europe,'' American Foreign Policy Interest , vol. 36, no. 3 (2014). • Hamilton, Daniel S. ''America's Mega-Regional Trade Diplomacy: Comparing TPP and TTIP,'' The International Spectator , vol. 49, no.1 (March 2014). • Hayes, Eric. ''TTIP: Transatlantic Free Trade at Last?,'' Global Affairs , no. 2 (2015). • Herrmann, Christoph et al. (eds.), Trade Policy between Diplomacy and Scholarship , Switzerland: Springer, 2015. • Michael Strange, ''Power in Global Trade Governance: Is the EU a Unitary Actor, a Tool for Dominance, or a Site of Contestation? GATS and the TTIP Negotiations,'' International Journal of Public Administration , vol. 38 (2015). • Power Shifts and New Blocs in the Global Trading System , Adelphi Series, London: Routledge Taylor and Francis Group, 2014. • Serfati, Claude. ''The Transatlantic Bloc of States and the Political Economy of the Transatlantic Trade and Investment Partnership,'' Work Organization, Labour & Globalization , vol. 9, no.1.