أزمة اللاجئين في العالم العربي وتداعياتها الداخلية والإقليمية
The Refugees Crisis in the Arab World and its Internal and External Outcomes
الملخّص
تناقش هذه الورقة تفاقم أزمة اللاجئين في أعقاب الثورات الشعبية التي حدثت في بعض الدول العربية، إذ حدثت عمليات نزوحٍ واسعةٍ من الدول التي تطوّرت فيها الثورات إلى ما يشبه الحرب الأهلية، مثل الحالة السورية. تناقش الورقة قضية اللاجئين بوصفها قضية إنسانية، إلى جانب كونها قضية سياسية لها تداعيات داخلية في الدول المُ ستقبلة للاجئين، وتداعيات إقليمية على العلاقات بين الدول العربية، وبينها وبين الدول الإقليمية المجاورة. يبدأ البحث بإطارٍ نظري حول حقوق اللاجئين في القانون الدولي، من خلال عرض أهم الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين، والمنظمات الدولية المتخصصة في شؤون اللاجئين، ثمّ توضيح أبرز تدفقات اللاجئين التي شهدتها الدول العربية خلال السنوات الخمس الأخيرة؛ وذلك بهدف توضيح حجم المشكلة وتأثيراتها في الدول المُ ضيفة، مع التركيز على أكثر الدول العربية تأثرًا بمشكلة اللاجئين. كما تحلل الدراسة أهم التداعيات الداخلية والإقليمية لتدفقات اللاجئين، وتستعرض أهم المشكلات التي يعانيها اللاجئون في الدول العربية، وأخيرًا، تقدم الدراسة توصيات لحلّ مشكلات اللاجئين في الدول العربية.
Abstract
This paper discusses the escalation of the refugee crisis following the revolutions of the Arab Spring, which triggered a mass exodus of people fleeing the countries witnessing revolution, including Syria.
The Refugee Crisis in the Arab World: Internal and External Outcomes
مقدمة
عانى العالم العربي أزمة اللاجئين منذ فترة طويلة في ظلّ التطورات التي شهدتها القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي. وقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة تفاقم الأزمة في أعقاب الثورات الشعبية التي حدثت في بعض الدول العربية؛ إذ حدثت عمليات نزوح واسعة من الدول التي تطوّرت فيها الثورات إلى ما يشبه الحرب الأهلية مثل الحالة السورية. ويقدّر عدد اللاجئين السوريين في الدول العربية حاليًا بنحو أربعة ملايين لاجئ، إضافة إلى الذين تركوا منازلهم ونزحوا إلى مناطق أخرى داخل سورية، وهو ما يُ ثل أكبر عدد من اللاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، ومن ثمّ، فسوف تكون النتائج طويلة الأمد لهذه الأزمة كبيرة. وإلى جانب كون قضية اللاجئين قضية إنسانية، وثمّة أهمية لحفظ حقوق اللاجئين التي أقرها القانون الدولي، فإنها قضية سياسية أيضًا؛ فمن أجل إيقاف تدفّق اللاجئين، لا بد من إيقاف الحروب والأزمات السياسية في سورية وفي غيرها من الدول العربية كالعراق واليمن وليبيا. إنّ لمشكلة اللاجئين تداعيات داخلية في الدول المُستقبلة للاجئين، وكذلك تداعيات إقليمية على العلاقات بين الدول العربية، وبينها وبين الدول الإقليمية المجاورة مثل تركيا؛ وذلك بسبب التشابكات العرقية والدينية والقبلية الموجودة. وتهدف هذه الدراسة، إلى جانب توضيح تلك التداعيات الداخلية والإقليمية، إلى تحديد أهم المشكلات التي يعانيها اللاجئون في الدول العربية المُضيفة، ومدى إمكانية حلّ تلك المشكلات بالشكل الذي يضمن حقوق اللاجئين التي يحميها القانون الدولي، مع مراعاة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الدول العربية المُضيفة للاجئين.
أولا. حقوق اللاجئين في القانون الدولي
كان من بين عناصر المناخ الدولي الجديد الذي رافق انتهاء الحرب الباردة، بروز كثيرٍ من القضايا المهمة التي حظيت باهتمام أدبيات العلاقات الدولية خارج إطار الاهتمامات التقليدية. ومن بين تلك القضايا تفاقم مشكلة اللاجئين والمهجّرين في العديد من مناطق العالم1. كما اهتمّت أدبيات القانون الدولي خلال العقدين الماضيين بقضية اللاجئين، حتى إنّ القانون الدولي للاجئين أصبح فرعًا جديدًا متميزًا للقانون الدولي العام2. ويشير ما سبق إلى وجود صلةٍ وثيقة بين القانون والسياسة في المجال الدولي؛ فالأعمال السياسية هي التي تشكّل الممارسات التي تحدّد العمل المستقبلي للقانون الدولي. كما يتمّ استخدام القانون الدولي ذاته كمصدرٍ للاحتكام إليه في الخلافات السياسية، حتى إنّ بعضهم ينتقد تقديم الجامعات مقرراتٍ دراسية منفصلةٍ في كلٍ من العلاقات الدولية والقانون الدولي، وكأنّ كلً منهما يمثل ظاهرة منفصلة أو منعزلة3.
كما حظيت دراسة مشكلات اللاجئين على النطاق الدولي باهتمام المتخصصين في تحليل السياسات العامة، إذ إنّ الدراسات المتعلّقة بتحليل السياسات العامة لم تعد تقتصر على البيئة الداخلية للنظام السياسي، وتزايد الاهتمام بالبعد الخارجي وأثره في عملية صنع السياسات العامة. وأصبحت هناك قضايا ذات صبغة عالمية تحتل أجندة السياسات العامة لمختلف الدول، من بينها قضية اللاجئين، حتى أضحى هناك ما يُسمى سياسات عامة عالمية (Public Global)Policy4. وغالبًا ما تستخدم المنظمات الدولية المعنية بحقوق اللاجئين في مختلف أنحاء العالم النهج القائم على الحقوق في دراسة السياسات العامة المتعلقة باللاجئين، بهدف التعرف إلى أوجه القصور في تلك السياسات، واقتراح سبل تحسينها، بحيث تتم مراعاة حقوق اللاجئ كنقطة بداية في صنع السياسات، وتحديد الأطر السياسية المحلية والإقليمية والدولية ذات التأثير في المهاجرين5. تعني كلمة اللجوء (Asylum)، وهي كلمة لاتينية من أصل يوناني (Asylon)؛ أي الشيء غير القابل للأسر، أو المكان الذي يمكن للفرد اللجوء إليه بهدف طلب الحماية، وقد يكون هذا المكان مقدسًا
كالمعبد أو الكنيسة، إذ درج الأفراد في الماضي على اللجوء إلى هذه الأماكن هربًا من الملاحقة، أو قد يقصد به المكان الذي تتمّ فيه العناية بالأشخاص المُسنين أو الأيتام أو المرضى عقليًا6. ويُطلق مصطلح اللجوء في الوقت الحالي على هروب الأشخاص وبحثهم عن ملجأ بسبب الحروب الأهلية، أو الاحتلال أو العدوان الخارجي، ويحدث اللجوء كنتيجة للخرق السافر لحقوق الإنسان؛ أو الخوف من الاضطهاد بسبب العرق أو الجنس أو الدين أو الرأي، أو الفقر والمجاعات والأمراض، أو الكوارث الطبيعية، أو فقدان الجنسية.
ولقد صاغت الاتفاقية الدولية الخاصة بمركز اللاجئين (اتفاقية 1951)، تعريفًا لمصطلح اللاجئ، ينص على أنّ اللاجئ هو "كل شخص يوجد نتيجة لأحداث وقعت قبل 1 كانون الثاني/ يناير 1951 خارج دولة جنسيته بسبب تخوّف له ما يبرره من التعرّض لاضطهاد لأسباب ترجع إلى عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه لعضوية فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، وهو غير قادر أو لا يريد بسبب ذلك التخوّف أن يستظل بحماية دولته، أو كل شخص لا يتمتع بجنسية، ويوجد خارج دولة إقامته المعتادة بسبب تلك الظروف، ولا يستطيع أو لا يرغب بسبب هذا التخوف في أن يعود إلى تلك الدولة"7. وقد شعر خبراء القانون في الأمم المتحدة بعجز هذه الاتفاقية عن تحقيق مرادها بسبب التحديد الزمني، لهذا تم تجاوز هذا الشرط في البروتوكول الخاص باللاجئين الصادر عن الأمم المتحدة عام 1967، ليصبح لفظ اللاجئ ينطبق على كل من تتوافر فيه الشروط الأخرى من دون تحديدٍ للفترة الزمنية، ولكنّ التعريف لم تجر عليه أية تعديلات. تشكّل حقوق اللاجئين جزءًا من عالمية حقوق الإنسان، وترتبط مطالبة اللاجئين بحقوقهم مباشرة بحقوق الإنسان العالمية، إذ إن حقوقهم محميّة بموجب القانون الدولي، ويجب أن يحصل اللاجئون كبشرٍ على حقوق الإنسان الأساسية بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما يوضح القانون الدولي الحقوق التي يجب منحها للاجئين مثل الحق في التعليم والحق في الرعاية الصحية وغيرها8. وقد تمّ وضع القانون الدولي للاجئين لحماية ومساعدة الأفراد الذين يعبرون حدودًا دولية ويصبحون معرضين للخطر، أو الذين يقعون ضحايا للاضطهاد في بلد منشئهم الأصلي. ويحظر القانون الدولي للاجئين العودة القسرية للاجئ إلى بلد منشئه الأصلي ويقدم ضمانات بشأن حقوق الإنسان الأساسية أثناء مكوثه في بلد اللجوء. وتشكل اتفاقية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 1951 حجر الزاوية في تحديد القواعد الدولية الخاصة بجميع النواحي الجوهرية في قضايا اللاجئين، وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 22 نيسان/ أبريل 19549. وتتعرّض الاتفاقية بقدر كبير من التفصيل لجميع النواحي الجوهرية في حياة اللاجئ، بما فيها تعريف اللاجئ والالتزامات المتبادلة بينه وبين الدولة المُضيفة، بالإضافة إلى تحديد التزامات المجتمع الدولي تجاه اللاجئين. وقد أكدت الاتفاقية على ضرورة امتناع الدول الموقعة على الاتفاقية عن فرض جزاءات، بسبب الدخول أو الوجود غير الشرعي، على اللاجئين القادمين مباشرة من إقليم كانت فيه حياتهم أو حريتهم مهدّدة بشرط أن يتقدموا من دون إبطاء إلى السلطات مبدين أسبابًا وجيهة تبرر دخولهم أو وجودهم غير الشرعي، كما أكدت الاتفاقية امتناع الدول الموقعة عليها عن طرد اللاجئ الموجود بصورة غير شرعية على أرضها إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام، وفى هذه الحالة عليها منحه فترة زمنية تتيح له اللجوء إلى دولة ثالثة. وقد بيّنت الاتفاقية مجموعة من حقوق الإنسان الأساسية التي يجب أن تكون معادلة للحريات التي يتمتع بها الرعايا الأجانب في بلد ما، وفي حالات عدة، الممنوحة لمواطني تلك الدولة. وتتمثل أهم هذه الحقوق في ما يلي10: عدم التمييز بسبب العرق أو الدين أو بلد المنشأ، والحق في المساواة مع مواطني الدولة المضيفة في العديد من الأمور
مثل حق التقاضي، والحصول على التعليم الرسمي الأولي، والضمان الاجتماعي، والسكن، والرعاية الصحية. منح اللاجئين حرية ممارسة شعائرهم الدينية وحرية توفير التربية الدينية لأولادهم. احترام الحياة الشخصية والحقوق المكتسبة، والحق في ملكية الأموال المنقولة وغير المنقولة، وحق الانتماء للجمعيات. أما في ما يتعلق بواجبات اللاجئين تجاه الدولة المضيفة، فتتمثل في الإسراع في تسوية أوضاعهم القانونية، واستيفاء جميع الشروط القانونية مثلهم مثل الفرد العادي غير اللاجئ، والامتثال لقوانين وأنظمة الدولة المضيفة، والخضوع للقيود الخاصة بتنقلاتهم في إقليم الدول المتعاقدة.
يرتبط القانون الدولي للاجئين بالقانون الدولي الإنساني، إذ إنّ القانون الدولي الإنساني الذي يُطلق عليه أيضًا اسم قانون النزاعات المسلحة يتكوّن من مبادئ قانونية تحدد عمليات الدولة وقواتها المسلحة في وقت الحرب، وتهدف إلى حماية الأشخاص الذين لا يشاركون أو الذين توقفوا عن الاشتراك في الأعمال العدائية، فضلً عن تقييد وسائل وسبل الحرب11. وتتمثل الصكوك الرئيسة للقانون الدولي الإنساني في اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949 وفي بروتوكوليها الإضافيين المؤرخين في 8 حزيران/ يونيو 1977. ويلتقي القانون الدولي الإنساني وقانون اللاجئين بشكل طبيعي عندما تحدث حالات لجوء إثر نزاع مسلح12. ففي تلك الحالات يكون أولئك الأشخاص لاجئين وضحايا نزاع في الوقت نفسه. ومنطقيًا، ينبغي أن يكونوا تحت الحماية المزدوجة لقانون اللاجئين والقانون الإنساني اللذين ينبغي أن يُطبقا في الوقت نفسه، ويمكن تطبيقهما على التوالي؛ مما يمثل نوعًا من الاستمرارية فيما يختص بالحماية13. وقد أثّر القانون الدولي الإنساني في قانون اللاجئين في استعارة الأخير لمفاهيم أو مبادئ أو قواعد منه؛ إما على مستوى تحديد المعايير أو في مرحلة التفسير14. كما أنّ هناك علاقةً واضحةً بين القانون الدولي للاجئين، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فالأخير هو فرع مستقل للقانون الدولي العام يهدف كفرع القانون الدولي الإنساني إلى حماية الإنسان. ولذلك يجب النظر بروح تكاملية في هذين المجالين اللذين ينبغي أن يضاف إليهما قانون اللاجئين15. ويسري القانون الدولي لحقوق الإنسان في كل الأوقات سواء في حالات السلم أو الحرب16. أما في ما يتعلق بالمنظمات الدولية المتخصصة في شؤون اللاجئين؛ ففي 8 كانون الأول/ ديسمبر 1949، وبموجب قرار الجمعية العامة رقم 302، تأسست وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) لتعمل كوكالة متخصصة ومؤقتة، على أن تجدد ولايتها كل ثلاث سنوات لحين إيجاد حلٍ عادل للقضية الفلسطينية، ولها مقران رئيسان في فيينا وعمّ ن. وبدأت الأونروا عملياتها في 1 أيار/ مايو 1950، وتولت مهمات هيئة الإغاثة التي تمّ تأسيسها من قبل، وتسلّمت سجلات اللاجئين الفلسطينيين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتقتصر مسؤولية الأونروا على توفير خدمات لمجموعة واحدة من اللاجئين، وهم الفلسطينيون المقيمون في مناطق عملياتها الخمس وهي الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان والأردن وسورية17. أما بالنسبة إلى اللاجئين في بقية أنحاء العالم، فمن أجلهم أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR) في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1950. وكان الهدف من إنشاء المفوضية هو قيادة العمل الدولي وتنسيقه من أجل حماية حقوق اللاجئين وحل مشكلاتهم في مختلف أنحاء العالم. وتكافح المفوضية من أجل التأكيد على أن بإمكان كل شخص أن يمارس حقه في طلب اللجوء الآمن لدولة أخرى، وأن يكون له خيار العودة الطوعية إلى بلده الأصلي، أو الاندماج في البلد الذي يهاجر إليه، أو يسافر للتوطين في بلد ثالث. كما تشمل رسالة المفوضية مساعدة الأشخاص عديمي الجنسية. ويبلغ عدد الموظفين في
المفوضية في الوقت الحالي 7685 موظفًا يعملون في أكثر من 125 دولة، ويقومون بمساعدة نحو 33.9 مليون شخصٍ18. ونظرًا للتركيز الدولي على إعادة توطين أو دمج اللاجئين، لا سيما خلال الحربين العالميتين، رأت الدول العربية استثناء اللاجئين الفلسطينيين من نطاق عمل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وكذلك من اتفاقية 1951، بهدف منح رعاية خاصة للاجئين الفلسطينيين، وعدم دمجهم مع باقي الفئات الأخرى من اللاجئين خوفًا من تهميش قضيتهم والتأثير سلبيًا في حقهم بالعودة إلى ديارهم، إذ تقدمت لبنان ومصر والمملكة العربية السعودية باقتراح يرمي إلى استثناء اللاجئين الخاضعين لصلاحية هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة من إطار عمل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين19.
ثانيًا. أوضاع اللاجئين في الدول العربية
قبل التعرّض لأهم المشكلات التي يعانيها اللاجئون في الدول العربية في أعقاب تداعيات الثورات الشعبية التي حدثت في بعض دوله، وتحديد مدى تمتّع هؤلاء اللاجئين بالحقوق التي ينص عليها القانون الدولي كما سبقت الإشارة، يجري في ما يلي توضيح أبرز تدفقات اللاجئين التي شهدتها الدول العربية خلال السنوات الخمس الأخيرة؛ وذلك بهدف توضيح حجم المشكلة ومدى تفاقمها وتأثيراتها في الدول المضيفة، إذ إن الدول الآتي ذكرها هي أكثر الدول العربية معاناة جرّاء مشكلة اللاجئين.
1. لبنان
يحتضن لبنان أكبر نسبة لاجئين سوريين مقارنة بأي بلدٍ عربي، بعدد يصل إلى أكثر من مليون سوري، وفقًا للسجلات الرسمية، ويقيم معظمهم في المناطق المهمّشة، كما أنّ هناك مشكلة ازدحام سكنية في بعض المناطق، خاصة في البقاع والشمال، حيث ازداد عدد سكان بعض القرى بنسبة 100 في المئة. فضلً عن ذلك، وصلت مع النازحين حديثًا أعداد كبيرة من الفلسطينيين الذين كانوا يقطنون المخيمات والبلدات في سورية منذ عام 1948. وجدير بالذكر أنّ لبنان يضم 425 ألف لاجئ فلسطيني، ويعدّ رفض توطين هؤلاء مطلبًا لا تنفك تكرره الأحزاب السياسية من اليمين واليسار20. وقد كان للأزمة السورية تأثير سلبي في الاقتصاد اللبناني، فقد ارتفعت نسبة البطالة إلى 20 في المئة، كما تراجع حجم الصادرات اللبنانية، وخسر لبنان ما يعادل مليارًا ونصف المليار دولار من عائداته، مقابل زيادة الإنفاق بما يعادل مليار دولار. وانخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي في لبنان من 8.5 في المئة في عام 2009، إلى 2.8 في المئة في عام 2013. وقد بلغ حجم الخسائر الإجمالية للاقتصاد اللبناني نحو 7.5 مليارات دولار21. كما أنّ وجود أكثر من 70 في المئة من اللاجئين، بمَن فيهم جميع السوريين في لبنان، خارج المخيمات الرسمية التي أنشأها مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يجعل مهمة الوصول إليهم وخدمتهم جميعًا أكثر صعوبة وتكلفة22.
2. الأردن
تشير الإحصاءات التي أعدتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إلى أنّ عدد اللاجئين إلى الأردن بلغ خلال عام 2013 أكثر من نصف مليون شخص خارج المخيمات الرسمية لمفوضية الأمم المتحدة، كما تمّ تسجيل أكثر من 100 ألف لاجئ في مخيم الزعتري، معظمهم من سورية، ونظرًا للمخاوف من تسييس اللاجئين السوريين في الداخل الأردني، ظلت الحكومة تتخذ خطوات لعزل المزيد من اللاجئين القادمين، خاصة أنّ الأردن يواجه تدفقات لاجئين من جنسيات أخرى كالعراق والصومال والسودان23. ويفرض العدد الضخم من اللاجئين ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية الأردنية، لا سيما في مجالات الكهرباء والمياه والمسكن والرعاية الصحية والتعليمية.
3. مصر
تستضيف مصر في الوقت الحالي لاجئين من نحو أربعين دولة، يأتي العدد الأكبر منهم من جهة الشمال الشرقي، وعادة ما يدخل منها السوريون والفلسطينيون والعراقيون، والجنوب الذي يفد منه لاجئو القارة الأفريقية، خاصة السودانيين والصوماليين والإثيوبيين والإريتريين. ومع شدة الحروب والصراعات السياسية وموجات الاضطهاد العرقي والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية في الدول المجاورة، يتزايد حجم نزوح اللاجئين إلى مصر هربًا من تردي أوضاع البلدان التي ينزحون منها.
وتوجد صعوبة في التحديد الدقيق لأعداد اللاجئين إلى مصر، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب رئيسة؛ وهي تعدّد الجهات المعنية بشؤون اللاجئين، والتي تتفرّع ما بين جهات محلية حكومية وغير حكومية، وأخرى دولية وإقليمية، وعادة ما تقتصر البيانات الصادرة على عدد اللاجئين المسجلين بها ويتلقون مساعداتها. ويشكّل تزايد أعداد اللاجئين عامًا بعد آخر عبئًا حقيقيًا على الاقتصاد المصري والخدمات الاجتماعية الموجّهة للسكان المصريين عمومًا، بالإضافة إلى العبء الناتج من زيادة الضغط على الخدمات المجانية المتاحة للفقراء وأصحاب الدخول المحدودة من المصريين24.
ولا يوجد في مصر قانون محلي يتعلق باللاجئين، ولا توجد جهة حكومية تتعامل بشكل شامل مع قضايا اللاجئين، إذ إنّ السلطات الوزارية التي تتعامل مع قضايا اللاجئين مباشرة هما: لجنة شؤون اللاجئين بوزارة الخارجية، ووزارة الداخلية. كما توجد هيئات محلية غير حكومية تتولى رعاية اللاجئين، مثل الهلال الأحمر المصري، ومنظمات إقليمية كالمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومنظمات دولية حكومية مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، والتي تقوم بعمليات التسجيل والتوثيق وتحديد حالة اللاجئ وفقًا لاتفاق وقعته مع الحكومة المصرية، كما توجد منظمات وهيئات دولية غير حكومية مثل "تير ديز أوم"، وهيئة الإغاثة الإسلامية، وكاريتاس مصر25. وهناك لاجئون من جنوب السودان عاشوا في مصر لعدة عقود ولا يعتبرون أنّ الأوضاع الحالية في جنوب السودان يمكن أن تؤدي إلى عودتهم إلى بلادهم. ويوجد أيضًا اللاجئون الصوماليون الذين هربوا من الأوضاع الأمنية المتردية في بلادهم، واللاجئون الإريتريون الذين يسعون للحصول على حق اللجوء بسبب انتهاكات حقوق الإنسان أو بسبب التجنيد الإلزامي. وهناك أيضًا اللاجئون العراقيون الذين يهربون من العنف العام في العراق. وبلغ إجمالي عدد اللاجئين الذين حصلوا في عام 2014 على مساعدات من المفوضية 217000، من بينهم 150000 سوري، و 20000 سوداني و 8000 صومالي و 3000 سوداني و 2700 إثيوبي، والباقون من جنسيات مختلفة26.
4. العراق
يعاني العراق مشكلةً مزدوجةً تتعلق باللاجئين القادمين إليه وعودة اللاجئين العراقيين من الخارج، إذ تشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أنّ أعداد اللاجئين السوريين المسجلين في العراق منذ أيلول/ سبتمبر 2014 نحو 214 ألف شخص معظمهم من أكراد سورية ويقيمون في كردستان العراق، بالإضافة إلى 120 ألف لاجئ فلسطيني و 110 آلاف شخص من معدومي الجنسية في العراق مؤهلين للحصول على مساعدات من المفوضية27. ويحدث ذلك بالتوازي مع عودة اللاجئين العراقيين من الخارج خاصة من سورية، ولا يتمكن هؤلاء العائدون غالبًا من العودة إلى مواطنهم الأصلية، مما يؤدي إلى نزوح ثانوي جديد داخل العراق. ومن الجدير بالذكر أنّ معظم اللاجئين السوريين يتجهون للتوطّن في إقليم كردستان، وأغلبيتهم من السوريين الأكراد، وفي هذا الإطار اعتبرت منظمة العفو الدولية عدم السماح لغير الأكراد من السوريين بالوجود في إقليم كردستان العراق وإعادتهم إلى الحدود السورية مرةً أخرى انتكاسةً لحقوق اللاجئين، واعتبرت العراق من الدول التي لا تتجاوب مع الأزمة تجاوبًا إيجابيًّا، فضلً عن قيام حكومة الإقليم باتخاذ إجراءات من شأنها تقييد حرية التنقل، والإقامة، والبحث عن فرص عمل28.
5. تونس
حدثت تحرّكات لاجئين مماثلة من ليبيا إلى تونس عبر الحدود، ويصعب الحصول على رقمٍ دقيقٍ بشأنهم، وكان معظمهم من سكان الحضر الذين انتقلوا إلى تونس والمراكز الحضرية الأخرى. أما من هم من طبقة اجتماعية أقل، فقد انتقلوا إلى الجنوب في قابس ورأس جدير. وتقدر وزارة التجارة التونسية العدد الإجمالي بنحو مليون لاجئ ليبي؛ أي نحو 10 في المئة من سكان تونس. بينما تفيد أرقام أخرى غير رسمية أنهم يصلون إلى 1.8 مليون شخص29.
6. اليمن
أشارت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في نيسان/ أبريل 2015 إلى أنها تستعد لاستقبال ما يصل إلى نحو 250 ألف لاجئ أفريقي في اليمن. وتتعمّق معضلة اليمن مع ضعف سيطرة الدولة على حدودها، فضلً عن مئات الآلاف من النازحين تحت التهديد بسبب ال اررع الداخلي المسلّح في اليمن وعاصفة الحزم التي أطلقتها السعودية ودول عربية لمواجهة الحوثيين؛ إذ تُقدر أعداد النازحين الداخليين بنحو 335 ألف يمني، وفقًا لمفوضية الأمم المتحدة30.
ثالثًا. التداعيات الداخلية والإقليمية لتدفقات اللاجئين
يمكن أن تكون لظاهرة اللجوء فوائد ومزايا في بعض الحالات، إذ تشير تقارير إلى استفادة دول أوروبية، خاصة ألمانيا، من اللاجئين، وذلك لأن اللاجئين الذين يصلون الشواطئ الأوروبية، خاصة من سورية، هم عادة من الشباب والمتعلّمين والمهرة والمتلهفين للاندماج سريعًا في المجتمع؛ فهم الحل لتزايد عدد كبار السنّ وانخفاض معدل المواليد في أوروبا. ويأتي العديد من اللاجئين جاهزين للعمل. وبالتعاون مع القطاع الخاص، بإمكان الشركات التحقق من تلقي الوافدين للتدريب والوظائف التي يحتاجونها31. أما بالنسبة إلى الدول العربية المستقبلة للاجئين، التي سبقت الإشارة إليها، فتعاني مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، مما يجعل من الصعب عليها استقبال مزيدٍ من اللاجئين، خشية تفاقم تلك المشكلات. كما تخشى الدول العربية الأخرى التي لم تستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين كالدول الخليجية من أن تضع نفسها تحت طائلة الضغوطات والتحركات الاجتماعية، خاصة أنّ نسبة كبيرة من سكانها من الأجانب. ويمكن تحديد أهم التداعيات الداخلية والإقليمية لأزمة اللاجئين في ما يلي:
1. التداعيات الداخلية
توجد علاقة قوية بين تدفقات اللاجئين والصراعات الداخلية، وهو ما يظهر في عدة صور، من بينها: يسهّل وجود اللاجئين من انتشار السلاح، بالإضافة إلى الأيديولوجيات والتوجهات السياسية التي قد تختلف مع السياسة الخارجية للدولة المضيفة. فعلى سبيل المثال، يعارض بعض اللاجئين الفلسطينيين في الأردن سياسات الحكومة الأردنية تجاه إسرائيل32. المنازل والمناطق التي يتركها اللاجئون تكون عرضةً للاستيلاء عليها من التنظيمات المتطرفة في البلاد التي لا تسيطر فيها الحكومات على المناطق كافة، ومن أمثلة ذلك استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على العديد من الأماكن التي تركها أصحابها في سورية والعراق.
يتنافس اللاجئون مع السكان المحليين على الموارد، مما يؤدي إلى تأثيرات اقتصادية وأمنية سلبية. ومن الأمثلة على ذلك ما أدى إليه تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى الأردن من تفاقم أزمة البطالة والمساكن وزيادة التنافس على فرص العمل والسكن، إلى جانب اكتظاظ المدارس ومراكز الرعاية الصحية. قد تمدّ تجمعات اللاجئين في البلد المضيف جماعات داخلية تنتمي لعرق أو فصيل سياسي مماثل بالدعم والموارد. فقد كان لوجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تأثير مهم من خلال دخول الأطراف الفلسطينية في محاور الصراعات اللبنانية الداخلية، إذ حاولت بعض الأطراف الداخلية استثمار هذا الوجود لتعزيز نفوذها في سياق إعادة تركيب بنيته الهشة، كما استفاد الفلسطينيون من لبنان كمنبرٍ عسكري وسياسي لقضيتهم التي كاد أن يلفها النسيان في سياق العجز العربي عن مواجهة إسرائيل وتوفير حقوق اللاجئين بما فيها عودتهم إلى فلسطين33.
2. التداعيات الإقليمية
يمكن تحديد عدة تأثيرات إقليمية لتحركات اللاجئين عبر الحدود، من أهمها:
أ. تجنيد بعض اللاجئين من قبل جماعات متطرفة
يؤدي اختلاط اللاجئين بالإرهابيين في تحركاتهم عبر الحدود إلى سرعة انتشار الإرهاب في المنطقة، بالإضافة إلى سهولة تجنيد اللاجئين
القابعين تحت وطأة الظروف الإنسانية الصعبة داخل مخيماتهم. وقد نشرت صحف تركية تقارير حول لجوء جهاديين سوريين إلى الأراضي التركية من أجل العلاج، ثم يعودون للقتال مرة أخرى. وقد عزز الأردن قواته في حدوده الشمالية لحماية السوريين الفارين، ومنع تسلل الإرهابيين. كما تعاني الدولة الليبية ضعف السيطرة على حدودها؛ مما أدى إلى تسلل إرهابيين إلى العديد من المناطق34.
ب. تغيير الخريطة الطائفية والعرقية
يمكن أن تؤدي أزمة اللاجئين إلى إعادة تشكيل الخريطة الطائفية والعرقية للمنطقة على المدى البعيد، وعلى سبيل المثال تتخوّف بعض الطوائف اللبنانية من أن يؤدي وجود اللاجئين السوريين في لبنان إلى تحوّلٍ في ميزان القوى في النظام السياسي الطائفي اللبناني لمصلحة السنة على حساب باقي الطوائف. كما يعاني اللاجئون السوريون الأكراد في تركيا نظرة الحكومة التركية لهم كداعم لحزب العمال الكردستاني التركي، مما دفع الحكومة التركية إلى إقامة جدار عازل على حدودها مع المنطقة الكردية السورية. وتنظر الحكومة التركية بريبة لمحاولات اللاجئين السوريين المسيحيين والعلويين الاتصال بجماعتهم الدينية في تركيا.
ج. تدهور العلاقات الثنائية بين البلدان المرسلة والمستقبلة للاجئين
يؤدي وجود اللاجئين إلى تزايد التوترات الثنائية بين البلدان المرسلة والمستقبلة لهم، خاصة إذا اشتركت هذه البلدان في التركيبة الطائفية والعرقية، وقد ظهرت انعكاسات ذلك في التوترات السورية اللبنانية، إثر تصاعد وتيرة الحوادث الحدودية بينهما. كما أدت مشكلة اللاجئين إلى تدهور العلاقات التركية - السورية، وذلك بسبب الموقف التركي المساند للمعارضة السورية.
رابعًا: أهم المشكلات التي يعانيها اللاجئون في الدول العربية
إنّ خيار منح اللاجئين جنسية الدولة المستقبلة من الأمور الصعبة نظرًا للمشكلات الاقتصادية والديموغرافية في تلك الدول، ولذلك فإن السياسة المركزية التي تتبعها الحكومات العربية في الوقت الحالي تتمثل في إعطاء اللاجئين مقر إقامة مؤقت لحين التوصل إلى أحد الحلين الدائمين التاليين: إعادة التوطين أو الترحيل. وقد عانى اللاجئون في الدول العربية المستقبلة لهم أزمة حماية في السنوات الخمس الأخ ةرر، إذ تزايد تعرّضهم للاعتقال، وحدثت حوادث احتجاج متكررة وحوادث عنف بصفة دورية أثرت سلبيًا في علاقة مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين بالحكومات العربية. وطالبت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن يتم النظر إلى اللاجئين كأفراد مستقلين لهم حقوق، وليس كمشكلة يجب إدارتها واحتواؤها35. ويمكن تصنيف أهم المشكلات التي تواجه اللاجئين في الدول العربية في كل من الأنواع التالية:
1. التأثر بالأحداث السياسية في الدول المضيفة
تتأثر أوضاع اللاجئين في الدول المضيفة تأثرًا كبيرًا بتطور الأحداث السياسية في تلك الدول، كما تتأثر بالعلاقات بين الدول المضيفة والدول الأصلية للاجئين، فأي تطور في العلاقات الدولية سواء سلبيًا أو إيجابيًا تنعكس آثاره على اللاجئين36. وعلى سبيل المثال، فقد واجه اللاجئون السوريون في مصر، منذ بدء تدفقهم عليها عقب نشوب الثورة في سورية عام 2011 واقعًا متغيرًا متصلً بمسار المراحل الانتقالية التي شهدتها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011، تراوح بين الترحيب وتقديم التسهيلات الواجبة، ثم الشك والتقييد بسبب تورط بعض اللاجئين في الحراك السياسي الداخلي. ولم يقتصر هذا التوجه على السلطات الرسمية، بل امتد بدوره الى المجتمع.37
2. مشكلات تتعلق بسوق العمل
تضع الحكومات العربية تحفظات على حق اللاجئين في العمل، ففي مصر على سبيل المثال، تتم معاملة اللاجئ المنتمي لجنسية عربية في ما يتعلق بالعمل كأي أجنبي في الدولة، إذ يخضعون للقانون رقم 137 لسنة 1981، فيتحتم على اللاجئين الحصول على تصريح عمل38. وقد أدت مشكلة عدم السماح للاجئين بالعمل في سوق العمل الرسمي إلى معاناتهم انخفاض الأجور، وصعوبة ظروف العمل الرسمية، حيث تمثل رد الفعل الطبيعي لفشل اللاجئين في الالتحاق بسوق العمل الرسمي في انخراط اللاجئين في مزاولة الأنشطة غير الرسمية التي تتناسب مع
قدراتهم ومؤهلاتهم، ولكن افتقاد هذه القطاعات إلى وسائل الحماية الكافية التي يتمتع بها القطاع الرسمي يمثل عقبة رئيسة أمام هؤلاء اللاجئين، ونظرًا لحساسية وضعهم كلاجئين تجعلهم عرضة لاستغلال أرباب الأعمال الذين يجبرونهم على العمل لساعات أطول بأجر أقل مما يتقاضاه المواطنون الذين يزاولون أعمالهم نفسها.
3. قصور الخدمات العلاجية
تعاني نسبة كبيرة من اللاجئين تردي الرعاية الصحية وأمراضًا مزمنة ومشكلات نفسية. وتنتشر بينهم مجموعة من الأمراض التي تعد في حقيقتها انعكاسًا للأوضاع أو الظروف المعيشية التي كانوا يعيشونها قبل الهجرة أو بعدها، وغالبًا ما تكون الأماكن التي توجد بها الجهات التي تقدم الرعاية الصحية للاجئين بعيدة عن أماكن تجمع اللاجئين، كما تتطلب عملية حصول اللاجئين على الخدمة الصحية من المستشفيات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني قيام اللاجئين بمجموعة من الإجراءات الإدارية اللازمة للحصول على الخدمة، والتي تستغرق وقتًا طويلً، مما يجعل المريض يحجم عن العلاج39. كما أن هناك إجراءات معقدة كثيرة تعوق حصول اللاجئين على الخدمات الصحية. وتتمثل الشكوى الرئيسة للاجئين في ارتفاع أسعار الخدمة الطبية وارتفاع أسعار العلاج مما قد يدفع بعضهم إلى الخروج من المستشفيات قبل الشفاء لعدم قدرتهم على الدفع. كما أن المؤسسات التي تقدم الخدمة الصحية للاجئين تعاني عدة صعوبات أبرزها العجز في الميزانية بما يؤثر في الخدمة الطبية التي تقدمها.
4. اللاجئون والسكن
يواجه اللاجئون مشكلة الاستغلال من جانب بعض ملاك العقارات، والذي يظهر في الزيادة المستمرة في قيمة الإيجارات وعدم ثباتها في ظل انخفاض دخول اللاجئين، ومن ثمّ فإنهم يتعرّضون لتهديد مستمر بالطرد والإبعاد، ويضطرون إلى السكن في الأحياء الهامشية والفقيرة. وفى ظل المشكلات التي يواجهها اللاجئون في حصولهم على عمل، وانخفاض المستوى العام للأجور، يصعب على اللاجئين الارتقاء بنوعية حياتهم وتحسين أوضاعهم ومنع استغلال ملاك العقارات الذين يتحكمون في قيمة الإيجار مما يدفعهم إلى السكن في الأحياء الهامشية والفقيرة التي تفتقر إلى مقومات العيش مثل الخدمات الأساسية والمرافق. كما يفتقد اللاجئون إلى الشعور بالأمن الاجتماعي الإنساني الناتج من غياب الرقابة في بعض الأحياء. وتعيش الأغلبية العظمى من اللاجئين في تجمعات سكنية توجد على أطراف المدن وتبعد عن المراكز الحضرية وتفتقر إلى شبكة مواصلات كافية تربط بين هذه التجمعات وبين المراكز الحضرية.
5. اللاجئون والتعليم
يعتمد اللاجئون على المدراس الخاصة والمجتمعية لتعليم أطفالهم، نظرًا لعدم توافر أماكن لهم في المدارس الحكومية، وتُعد زيادة المصروفات مشكلةً تواجه اللاجئين سنة بعد أخرى. كما يواجه الأطفال اللاجئون مشكلة اختلاف المقررات الدراسية في بلدانهم الأصلية عن المناهج الدراسية في الدول المستقبلة.
6. مشكلات قانونية
لم تسبغ البلاد المضيفة الوضعية الرسمية للاجئين على أراضيها، وفضّ لت تصنيفات أخرى، مثل الضيوف وطالبي اللجوء والنازحين. ويؤدي عدم وضوح الوضع القانوني إلى أنّ ما يحق للاجئين الحصول عليه من الخدمات غالبًا ما يكتنفه الغموض ويختلف من بلد إلى آخر ويتوقف على الأوضاع المحلية، كما أنّ الكثير من اللاجئين يجهلون حقوقهم40. ويعاني بعض اللاجئين مشكلات قانونية، مثل عدم الاعتراف بالوثائق التي يحملونها، مما يعرّضهم الى الاحتجاز والاعتقال. كما أنّ هناك العديد من الإجراءات الخاصة باللاجئين، من بينها أنّ السماح للأطفال اللاجئين بدخول المدارس الحكومية يتم بواسطة قرارات وزارية وليست قوانين، مما يخلق نوعًا من الارتباك في عملية التنفيذ41. ويتورط بعض اللاجئين في مخالفات قانونية بعلم أو من دون علم جراء وقوعهم ضحايا لعصابات التزوير المنظّمة، أو جراء استخفافهم بالقوانين السارية أحيانًا. ومن الواضح أنّ أغلبية الدول المستقبلة للاجئين لم تعيّ وضعًا قانونيًا واضحًا ينظّم شؤون اللاجئين. وغالبًا ما تكون حقوق اللاجئين في الخدمات الأساسية مبهمةً قانونًا، وتختلف من بلد إلى آخر.
خامسًا. توصيات لحل مشكلات اللاجئين في الدول العربية
من المهم الاستفادة من المرونة الموجودة في القانون الدولي، ويجب أن تواجه أية إستراتيجية فعالة مسألة الحقوق القانونية للاجئين، وتطلعاتهم المشروعة لحل دائم، ومصالح الدول المستقبلة، والتفكير بأسلوب ابتكاري بشأن الأدوار التي يجب على كلٍ من الحكومات المُستقبلة والأمم المتحدة والمجتمع الدولي أداؤها. ومن ثم تبدو أهمية إصدار قانون في كل دولة من الدول العربية في الدول المستقبلة للاجئين ينظم مسألة اللجوء، والأمور المتعلقة بوثائق السفر الخاصة باللاجئين، والتعامل مع قضية اللاجئين غير النظاميين باعتبارهم ضحايا وليسوا مجرمين، وإعادة النظر في القرارات التي اضطرت السلطات الأمنية لاتخاذها في الظروف الاستثنائية التي مرت بها بعض الدول العربية التي شهدت ثورات شعبية من حيث الإقامة وإجراءات الدخول. وفي النطاق الاجتماعي/ الاقتصادي، توجد حاجة ماسة إلى زيادة المساعدات الإنسانية وتوفير الخدمات الأساسية للاجئين، وسد الفجوة التمويلية للأمم المتحدة. وترتبط الفجوة الأساسية بين حقوق الأقليات والممارسات الحديثة في الدول العربية بالحق في العمل، ويجب أن يكون ذلك أولوية لأية إستراتيجية مستقبلية لحماية اللاجئين في الدول العربية. وفي الوقت ذاته، فإنّ من غير الممكن التعامل مع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية عندما لا يكون اللاجئون مطمئنين على أمنهم الجسدي وحريتهم. وبالمثل، فإنه من أجل وضع مصالح الدول العربية المستقبلة للاجئين في الاعتبار، لا يمكن التصدي لمسألة حقوق اللاجئين بشكلٍ منعزل، لأنه ينبغي على كل من تلك الدول أن تضع في اعتبارها العبء الذي سيكون عليها تحمّله. ولا بد من التنسيق بين الدول العربية المُضيفة للاجئين قبل اتخاذ القرارات التي تخص اللاجئين، فعلى الرغم من أنّ القرارات تُتخذ على المستوى القطري، فإنّ ما يقوم به أحد البلاد العربية المضيفة يؤثر في البلاد الأخرى. وعلى سبيل المثال، فإنّ إغلاق الحدود في الأردن يؤدي إلى زيادة تدفق اللاجئين باتجاه لبنان. ولتحقيق الطموحات المشروعة للاجئين لا بد من صوغ إستراتيجية سياسية مستدامة لتحقيق حقوق اللاجئين من خلال التصدي للقضية الأساسية المتعلقة بكيفية التوصّل إلى حلٍ دائمٍ لوضع اللاجئين، كالعمل على حلّ الأزمات السياسية في بلادهم الأصلية، ومن ثم إعادة توطينهم، بما يساعد على التقليل من عبء الدولة المستقبلة التي تعاني ضغوطات داخلية مضاعفة تؤثر في الأداء الاقتصادي والتماسك الاجتماعي. ومن هنا، يجب على الدول العربية العمل على بناء الهوية الوطنية الجامعة، واستيعاب الهويات الفرعية، فإعادة توطين اللاجئين لن ينجح من دون تشكيل حكومات تحظى بثقة المكونات المجتمعية الفرعية وتأييدها، بما يساعد على عدم تكرار المشكلات السياسية التي تسببت في تفاقم مشكلات اللاجئين. كما أنّ هناك أهميةً لإعادة النظر في السياسات التي تتعامل مع هذه القضية وتضمين البعد الدولي في صوغ هذه السياسات، بمعنى أنّ معالجة هذه القضية تقتضي عدم وضعها على عاتق الدول العربية وحدها، وإنما ينبغي أن تتم في إطار التعاون الدولي من منظور معالجة أسبابها والتشبيك بين المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، الحكومية وغير الحكومية، لوضع خطة عمل للتعامل مع قضايا اللاجئين في الدول العربية، خاصة في ما يتعلق بمجالات التعليم والعمل وزيادة الدعم الصحي والمساندة الاجتماعية والنفسية للاجئين إلى أن يتم التوصّل إلى حلٍ دائمٍ لأوضاعهم. كما أنّ من المهم توعية المواطنين في الدول العربية المستقبلة للاجئين بفكرة قبول الآخر من خلال التوعية الإعلامية بتعريف اللاجئين؛ مما يساعد على الحد من التفاعلات الصراعية في المجتمع بين اللاجئين والمواطنين، وإعادة بناء الثقة بين اللاجئين والمجتمعات المُضيفة. وهذا لن يتحقق إلا بضمان الكرامة الشخصية للاجئين الشرعيين من خلال منحهم الحقوق الكاملة للاجئ حتى يخرج من البلاد، وإعطاء اللاجئ غير الشرعي الحقوق الأساسية التي لا تهدر آدميته كإنسان.
المصادر والمراجع
العربية
إبراهيم، نجاة. المسئوليات الدولية عن انتهاكات قواعد القانون الدولي الإنساني، الإسكندرية: منشأة المعارف،.2009
أبو الوفا، أحمد. القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين خلال المنازعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني.. آفاق وتحديات، بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2005
أحمد، صافيناز محمد. "اللاجئون في العالم العربي... الواقع والتحديات"، السياسة الدولية، العدد 179 (كانون الثاني/ يناير.)2010
________. "غياب المسئولية الدولية، تأثيرات أزمة اللاجئين السوريين في الشرق الأوسط"، السياسة الدولية (24 آذار/ مارس.)2014
الأمم المتحدة. حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، نيويورك: الأمم المتحدة،.1999
بشير، هشام وإبراهيم عبد ربه. المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، القاهرة: المركز القومي للإصدارات القانونية،.2012
جاكميه، ستيفان. "التزاوج بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي للاجئين"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 843 (أيلول/ سبتمبر.)2001
جرابسكا، كاترزينا. من سألهم (اللاجئين) في المقام الأول؟ حقوق اللاجئين في مصر وسياساتهم ورفاهتهم، القاهرة: الجامعة الأمريكية في القاهرة، مركز دراسات اللاجئين والهجرة القسرية،.2006
جمعة، سلوى شعراوي (محرر.) تحليل السياسات العامة في الوطن العربي، القاهرة: جامعة القاهرة، مركز بحوث واستشارات الإدارة العامة،.2004
سلامة، أيمن. مفهوم القانون الدولي الإنساني، سلسلة مفاهيم، 20 القاهرة: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية،.2006
شطناوي، فيصل. حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، عمان: دار الحامد،.2001
ضاحي، عمر. "اللاجئون السوريون والأزمة الإقليمية"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 30 كانون الأول/ ديسمبر.2014
عازر، عادل. مبادئ النهج الحقوقي في كفالة حقوق الطفل، القاهرة: المجلس العربي للطفولة والتنمية،.2011
عبد الونيس، أحمد. "الحماية الدولية للبيئة في النزاعات المسلحة"، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد.)1996(52 عوض، محسن. "اللاجئون السوريون في مصر بين المعايير القانونية، والعلاقات التاريخية"، المنظمة العربية لحقوق الإنسان، 12 تشرين الثاني/ نوفمبر.2013
لافواييه، جان فيليب. "اللاجئون والأشخاص المهجرون: القانون الدولي الإنساني ودور اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 305 (نيسان/ أبريل.)1995
مقلد، إسماعيل صبري. العلاقات السياسية الدولية النظرية والواقع، أسيوط: جامعة أسيوط،.2009
منتصر، مروة صبحي. "تشابكات اللاجئين والصراعات في الشرق الأوسط"، السياسة الدولية، العدد 201 (تموز/ يوليو.)2015
مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين. دليل الإحالة للاجئين ومقدمي الخدمات، القاهرة: مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين،.2011
الأجنبية
• Kagan, Michael. Shared Responsibility in a New Egypt, Cairo: The American University, Center for Migration and Refugee
• Radley, K. “The Palestinian Refugees: The Right to Return in Int. Law,” American Journal of International Law, vol. 72 (July 1998). Studies, 2011. • Reidy, A. On the Philosophy of Law, Tennessee: Cengage Learning, 2006.