تقييم الرأي العامّ العربي لأداء المجالس التشريعية في نتائج المؤشر العربي 2015
Arab Legislatures: Public Perceptions of their Performance
الملخّص
أبرزت نتائج المؤشر العربي أنّ نظرة الرأي العامّ العربي إلى أداء المجالس التشريعية هي نظرة سلبية؛ إذ إنّ مستويات الثقة بالمجالس التمثيلية لا تتسم بالنجاح
Abstract
Findings from the Arab Opinion Index show that the Arab public has broadly negative views of the performance of their countries’ legislative councils.
Public Opinion Polling Unite وحدة استطلاع الرأي العام|
تقييم الرأي العام العربي لأداء المجال س التشريعية في نتائج المؤشر العربي 2015
Evaluating the Performance of Arab Parliaments: Results from Arab Index of 2015
مدخل
يُعَدُّ تقييم الرأي العام للدولة ومؤسساتها في المنطقة العربية موضوعًا في غاية من الأهمية؛ لأنه يعكس بالضرورة اتجاهات الرأي العام نحو الدولة ومدى شرعيتها، ويقدم بيانات مهمة حول مدى تقبل المواطنين لسياسات الدولة وأساليب إدارتها. وانطلاقًا من أهمية هذا الموضوع فقد خصص المؤشر العربي قسما خاصًّا في استطلاعه السنوي للوقوف على اتجاهات الرأي العام في بلدان المنطقة العربية نحو الدولة ومؤسساتها؛ إذ يقيس بشكل دوري مدى الثقة بالسلطات الثلاث للدولة، من تنفيذية وتشريعية وقضائية، إضافة إلى مدى الثقة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية المختلفة في بلدان المنطقة، انطلاقًا من كَوْن هذه المؤسسات ذات أهمية خاصة، كان لها دور أساسي منذ تأسيس الدولة الحديثة، تزايد تأثيره مع ازدياد التعقيد البيروقراطي واعتماد الأنظمة السياسية على هذه المؤسسات في الحكم. إضافة إلى مؤشرات الثقة بسلطات الدولة ومؤسساتها، يقوم المؤشر وبالاستعانة بأكثر من ثلاثين مؤشرا تفصيليا بتقييم السلطتين التنفيذية والتشريعية عبر أسئلة تفصيلية ذات علاقة بأداء هاتين السلطتين في مهماتهما الأساسية، إضافة إلى تقييم أدائها في مجال السياسات العامة. ولأن السمة الرئيسة للدولة الحديثة هي احتكارها لإصدار التشريعات والقوانين، الأمر الذي حوّل السلطة التشريعية إلى سلطةٍ أساسيةٍ في الدولة الحديثة، وجعلها تحتل رأس هرم بنائها التنظيمي باعتبارها التجسيد الفعلي لمبدأي التمثيل والسيادةَ. بسبب هذه السمة؛ أضحت البرلمانات والغرف التشريعية تُعرِّف الدولة الحديثة على اختلاف أنواع الأنظمة السياسية، وتمثل نظريًّا سلطتها العليا، كونها توجه وتراقب وتحاسب القائمين على السلطة التنفيذية ومؤسساتها المختلفة. وفي السياق ذاته ومع ميلاد الدولة الحديثة، بدأت الدول العربية - حتى في مراحل الانتداب - إصدار دساتيرها، وضمّنتها موادَّ تنصُّ على فصل السلطات من جهة، ووضع السلطة التشريعيّة في رأس هرم بنائها السياسي من جهة أخرى. وبناء عليه؛ أنشئت المجالس التشريعيّة على اختلاف مسمَّياتها (برلماناتُ، مجالس شورى، مجالس أعيان، غرف تشريعية) واضطلعت بدور تشريعي تباينت فاعليته بحسب أوضاع كل دولة. بل كانت المجالس التشريعية في ظل الانتدابات نقطة ارتكاز رئيسة في دفع النضال الوطني وتوجيهه لنيل الاستقلال. ويقدم لنا التاريخ شواهد عديدة على مواجهات سياسيّة وعسكريّة بين البرلمانيين وسلطات الاحتلال؛ كما جرى في ظل البرلمانات العراقية والمصرية والسورية. من المعلوم أن دساتير أكثر الأنظمة السياسية في البلدان العربية نصَّت على وجود ثلاث سلطات على أساس مبدأ فصل السلطات وضمان المراقبة بينها؛ ذاك أن دساتير الأنظمة السياسية الرئاسية والنيابية تنص على السلطة القضائية واستقلالها وصلاحياتها في مراقبة السلطات الأخرى، كما أن هذه الدساتير التي تفصل في صلاحيات كل من السلطة التنفيذية والتشريعية تنص صراحة على استقلالية هذه السلطات، وصلاحيات المراقبة بين هاتين السلطتين. بطبيعة الحال، تتباين صلاحيات السلطة التشريعية في النظام الرئاسي عن تلك المنصوص عليها في دساتير الأنظمة البرلمانية، ففي حين أن الأنظمة الرئاسية في البلدان العربية لم تنص على دور رقابي واسع تجاه منصب الرئيس، كما أن صلاحيات السلطة التشريعية في مساءلة الرئيس ومحاسبته هي صلاحيات محدودة، ولا تقارن بتلك الممنوحة لها نحو الحكومة ورئيسها في النظام السياسي البرلماني. على الرغم من هذا التباين بين صلاحيات السلطة التشريعية في الأنظمة العربية البرلمانية والرئاسية، تبقى للمجالس التشريعية صلاحيات مهمة جدًا في النظام السياسي العربي، من حيث الجهة المخوّلة بإصدار التشريعات وتحويل مشاريع القوانين إلى قوانين نظامية عادية. لذا؛ فإن المجالس التمثيلية هي الجهات التي تناقش فيها القوانين وتنفذ منها إلى مناقشة أوسع في المجال العام. وهكذا تعطي صلاحياتُ سن القوانين للمجالس التشريعية مجالً واسعًا للتأثير في تنظيم حياة الناس اليومية، فضلً عن الصلاحيات التي تنظِّم العلاقات بين المواطنين والدولة. عبر العقود الثلاثة الماضية؛ رُسِّ خ في الثقافة العامة أن القوانين المؤقتة - أي تلك الصادرة عن السلطة التنفيذية دون مرورها على السلطة التشريعية أي في القنوات التشريعية النظامية - هي قوانين استثنائية وغير نظامية، عادةً ما ينظر إليها بوصفِها إنما جاءت لخدمة أهداف السلطة التنفيذية، وغير مرحب بنقاشها في المجال العام، وهي مدخل لسوء استخدام السلطة، أو تعبير عن هيمنة السلطة التنفيذية على التشريعية. إضافة إلى عمل المجالس في سن القوانين، فإن لها كذلك دورًا مهم في إقرار الموازنات العامة ومنح الثقة للحكومات، سواء في الأنظمة النيابية أو الرئاسية، إضافة إلى حقها في حجب الثقة عن الحكومات أو بعض أعضائها، وكذلك حقها في توجيه الأسئلة إلى الحكومة واستجوابها. إن حق المراقبة الذي تتمتع به المجالس التشريعية على السلطة التنفيذية حق واسع المجال إلى درجة يمكن أن تعوق عمل السلطة التنفيذية أو تجمده. ومع أهمية السلطة التشريعية في سن القوانين والتشريعات، فإن المجالس التمثيلية من حيث المبدأ هي التي تنوب عن المواطنين في حكم أنفسهم أو في المشاركة في الحكم.
وبناءً عليه؛ فإن السلطة التشريعية هي سلطة حكم، والمجلس التمثيلي هو مجلس حكم، وليس مجلسًا تكميليًّا لأعمال السلطة التنفيذية؛ إذ إن روح الدساتير التي تنص على ثلاثية السلطات والفصل بينها تعدُّ المجلسَ التشريعيَّ هو الأداة التي بها يتحقق مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، ويُعبَّ عن ذلك بالانتخابات النيابية التي من خلالها يُنتخَب المجلسُ الذي يحكم نيابة عن الشعب. من خلال هذا الفهم لمكانة المجلس التشريعي ودوره في النظام السياسي يمكن فهم أهمية المجلس التشريعي، وضرورة معرفة اتجاهات الرأي العام نحو هذه المجالس في البلدان العربية. بل يمكن الزعم بأنه كلما كان المجلس التشريعي فعالً وقائمًا بوظائفه المنوطة به دستوريًّا؛ كان النظام السياسي يعمل بطريقة صحيحة. وفي السياق نفسه يمكن التأكيد أنه كلما زادت ثقة المواطنين في مجالسهم التشريعية أو كلما عبروا عن رضاهم عن أداء المجلس في المُهمّ ت المنوطة به؛ انعكس هذا في موقف إيجابي نحو الدولة بصفة عامة ونظامها السياسي، وساهم في الحفاظ على شرعيتهما. نعرض في هذه الورقة لاتجاهات الرأي العام نحو السلطة التشريعية في بلدان المنطقة العربية من خلال الاطلاع على مستويات الثقة بالمجالس التشريعية أو التمثيلية في البلدان المستطلعة، إضافة إلى تقييم المواطنيين لأداء مجالسهم في مجموعة من المُهمّ ت التي يضطلعون بها. وتعرض هذه الورقة لتقييم المجالس التشريعية من خلال خمسة معايير تضمّنها المؤشّ، يمكن في المُجمَل أن تقدِّم صورة بانوراميةً لنظرة المواطنين في المنطقة العربية لمجالسهم التشريعية. وهذه المعايير هي: مستوى الثقة بالمجالس التشريعية. أداء المجالس من ناحية القيام بدورها في مراقبة أعمال الحكومات. أداء المجالس من ناحية القيام بدورها في مراقبة الإنفاق العام.ّ أداء المجالس من ناحية القيام بدورها بما يضمن مراعاة مصالح مختلف فئات المجتمع. أداء المجالس من ناحية القيام بدورها في وضع تشريعات تُساهِم في ضمان حريات المواطنين. الثقة بالمجالس التشريعية. قام المؤشر العربي على قياس اتجاهات الرأي العام نحو سلطات الدولة من تنفيذية وتشريعية وقضائية في البلدان العربية، إضافة إلى السؤال حول مدى الثقة بالمؤسسات العسكرية والأمنية. وعلى الرغم من أن تبعية هذه المؤسسات للسلطة التنفيذية، فإن تطور كياناتها واستقلالية عملها خلال العقود الثلاثة الأخيرة أدَّى دورًا أساسيًا في أن تصبح مراكز قوى ونفوذ مهمة. وفي إطار موضوع هذه الورقة حول تقييم المجالس التشريعية، تُظهِر النتائج أن %46 من المستجيبين أفادوا أنهم يُولون ثقتَهم للمجالس التشريعية مقابل %51 أفادوا بأنهم لا يثقون بها. بل إن أكثر من ربع المستجيبين عبَّ وا عن عدم ثقتهم على الإطلاق في المجالس التشريعية مقابل %17 فقط عبَّ وا عن ثقة كبيرة بها. وهذا النمط يُظهِر بوضوحٍ أن هناك فجوةَ ثقةٍ بين المواطنين والمجالس التشريعية. ولتكون الصورة أكثر جلاءً فمن المفيد مقارنة مستويات الثقة بسلطات الدولة ومؤسساتها الأخرى. تُولي أكثريّة المستجيبين مؤسّسةَ الجيش في بلدانها ثقةً عاليةً بنسبة %82 (وهي مجموع نسبتَيْ "ثقة كبيرة"، و"ثقة إلى حدٍّ ما")، كما أن %70 من المستجيبين في جميع البلدان يولون أجهزة الأمن العامّ/ الشّطة ثقتهم، مقابل%29 من المستجيبين عبّ وا عن عدم ثقتهم بها. وحازت الأجهزة الأمنيّة من مخابراتٍ ومباحثَ وأمن دولة ثقة %69 من المستجيبين، مقابل %27 عبّ وا عن عدم ثقتهم بهذه الأجهزة. وتوافق %64 من المستجيبين على ثقتهم بالجهاز القضائي،ّ مقابل %34 عبّ وا عن عدم ثقتهم به. يزداد مستوى ثقة المواطنين انخفاضًا عندما يكون السّؤال متعلّقًا بالثقة بالحكومات إلى نحو النّصف؛ فقد أفاد %56 من المستجيبين أنّ لديهم ثقةً بحكومات دولهم، مقابل %42 أفصحوا عن عدم الثّقة بها. وهكذا فإن الثقة بالمجالس التشريعيّة (التّمثيليّة) (%46 مقابل %51 أفادوا أنّهم لا يثقون بها). وإذا كانت نسبة %50 يمكن أن تعكس حدّ النجاح لهذه المؤسسات، فإن الحكومات تقف على حد النجاح، فيما تُعَدُّ المجالس التشريعية هي الأقل بين سلطات الدولة، وهي أقل جوهريًّا من تلك التي حازتها الأجهزة العسكرية والأمنية. إنّ النّمط الذي تبرزه اتّجاهات الرأي العامّ نحو الثقة بمؤسّسات الدّولة في البلدان العربيّة؛ يؤكّد بصورةٍ جليّة أنّ الثقة بالأجهزة التنفيذيّة، من عسكريةٍ أو شبه عسكريةٍ، هي أعلى من ثقتها بسلطات الدّولة الثلاث القضائيّة، والتنفيذيّة، والتشريعيّة. وتعكس أيضًا فقدان الثقة بالمجالس التشريعيّة (النيابيّة). ومن الجليّ أن النمط العامّ لتقييم المواطنين للمجالس التشريعية مرتبط إلى حد كبير بتقييم الحكومات؛ بمعنى أن تقييم الحكومة يكون أقل من تقييم المؤسسات العسكرية وأقرب إلى تقييم المجلس التشريعي، وإن كانت الحكومة تحوز على ثقةً أعلى من تلك في المجلس التشريعي. هذا يعني في جوهره أن هنالك تراجعًا في الثقة بالدولة يعبَّ عنه بشكل واضح في انخفاض
الثقة بالسلطة التنفيذية أو الحكومة ومزيد من الانخفاض في الثقة بالمجلس التشريعي. من أجل فهم أعمق للنمط الذي قُيِّمت فيه المجالس التشريعية، من المهم تحليل اتجاهات الثقة بحسب البلدان المستطلعة آراؤها. تُظهر النتائج أنّ النّمط العامّ في البلدان المستطلعَة هو عدم ثقة المواطنين بالمجالس التشريعيّة، إلا أن الاستثناء كان في الكويت والسعودية، حيث إن أكثريتهم يثقون بالمجلس، وتجدر الملاحظة هنا أنّ أعلى نسبة ثقة سُجّلت كانت في الكويت (%90)، ثمّ السّعودية (%87) من المستجيبين الّذين يثقون بمجلس الشّورى السّعوديّ، وهو مجلس غير منتَخبٍ ومحدود الصلّاحيّات. في حين عبّ ت أغلبيّة المستجيبين العراقييّن، واللبنانيين، وبنسب لافتة للنظر، عن عدم الثقة بمجالسهم التشريعية حيث عبر %83 من العراقيين عن عدم الثقة بمجلسهم، وكانت النسبة %81 في لبنان. وبنسب أقل من المسجلة في لبنان والعراق عبر أغلبية الأردنييّن، والمغربييّن، والجزائرييّن، والتونسييّن، والسّودانييّن عن عدم ثقتهم بمجالسهم، في حين انقسم الموريتانيون؛ إذ عب %53 عن ثقتهم بالمجلس التشريعي مقابل %45 لا يثقون به. وتشير نتائج المؤشر العربي في البلدان المستطلعة فيما يتعلق بالثقة بمجالس النواب أن مجلس النواب يحوز أدنى مستوى ثقة لدى المستطلِعين عند المقارنة بمستويات الثقة بسلطات الدولة الأخرى. كما أن الثقة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية في كل من البلدان المستطلعة هي أعلى بنحوٍ جلي من الثقة التي حصلت عليها السلطة التشريعية. بل إن الثقة بالمؤسسات العسكرية والأمنية في بعض البلدان يتجاوز ضِ عف الثقة التي سجلها المجلس التشريعي، على الرغم من أن هذه المؤسسات الأمنية والعسكرية هي مؤسسات تنفيذية تتبع السلطة التنفيذية، من المفترض – نظريًّا - أن تكون تحت مراقبة السلطة التشريعية ومساءلتها. عند مقارنة مستويات ثقة الرأي العامّ في المنطقة العربيّة بالمجالس التشريعيّة (التمثيليّة) في استطلاع عام 2015 باستطلاعات 2014 و/2012 2013 و 2011، تُظهر النتائج أنّ الثقة بالمجالس التشريعيّة ارتفعت من %33 في استطلاع 2011 إلى %48 في استطلاع /2012 2013 لتنخفض مجدّدًا إلى %41 في استطلاع 2014، وتعود للارتفاع إلى %46 في استطلاع 2015. وإنّ التغيّ ات التي طرأت على نسب الذين أفادوا أنّهم لا يثقون بمجالسهم التشريعيّة تُفقد الثقة بشكلٍ أكثر وضوحًا؛ إذ كانت نسبتهم %57 في استطلاع 2011 ثم انخفضت إلى %47 في استطلاع /2012 2013 لترتفع مرّةً أخرى وتتجاوز مستوى استطلاع /2012 2013 وتصل إلى %55 في عام 2014، ثمّ عادت للانخفاض مرةً أخرى في استطلاع عام 2015 لتصل إلى %51. إنّ عدم الثقة الذي انعكس في عام الرّبيع العربيّ عندما كان المواطنون يراجعون أداء مؤسّسات دولهم ويقيّمونه في ضوء آمالهم في التغيير قد انعكس في تغيّ اتٍ سياسيّةٍ مهمّةٍ قادت إلى ارتفاع الثقة بالمجالس التشريعيّة قاربت نصف الرأي العامّ في المنطقة العربيّة في استطلاع عام /2012 2013، لكنّها سرعان ما تلاشت في استطلاع عام 2014 متأثِّرةً بالتغيّ ات الكبرى التي عَصفت بالمنطقة العربيّة ابتداءً بالأشهر الأولى من عام 2013، لتعود للارتفاع قليلً دون أن تصل إلى مستويات الثقة في استطلاع عام /2012 2013. وعند مقارنة مستويات الثقة لدى مواطني كلّ مجتمعٍ من المجتمعات المُستطلَعة على حدة في استطلاع المؤشّ لعام 2015 بنتائج عام 2014 وعام /2012 2013 وعام 2011؛ يتبيّ أنّ مستويات الثقة بالمجالس التشريعيّة قد زادت في كلٍّ من المغرب، والجزائر، فيما انخفضت في موريتانيا والعراق ولبنان والكويت، وبقيت شبه ثابتة في البلدان المُستطلَعة الأخرى. يبدو جليًّا أن ثقة العراقيين واللبنانين في مجالسهم التشريعية تكاد تكون مفقودة؛ فالأزمة السياسية الحادّة التي يشهدها العراق والتي تتفاقم باستمرار منذ عام 2013 تعكس التغيُّ في ثقة المواطنين العراقيين بمجلس النواب ووظائفه، ولا سيمّا بعد عجز القوى السياسية الممثلة في مجلس النواب، وفي حكومة الوفاق الوطني برئاسة حيدر العبادي، عن إصلاح العملية السياسية، ومعالجة آثار السياسات الرعناء والتدميرية التي اتبعها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بل - على العكس - أضحت هذه الحكومة رهينة قوى سياسية تنهج سلوكًا طائفيًّا في مجلس النواب وباقي مؤسسات الدولة حتى إنها جعلت شرائح اجتماعيّة واسعة من العراقيين - بغض النظر عن مذاهبهم - تنفر من العملية السياسية برمتها، وتنظر إلى مجلس النواب والحكومة كوجهين لعملة واحدة. ومما لاشك فيه، أن الانطباع العام السائد عن مجلس النواب في العراق - منذ تأسيسه - أنه لا يمثل مجلس نواب وطنيًّا بمقدار كونه مجلسًا ممثلً للطائفية السياسية، وأنه ليس سوى مكان لانعقاد الصفقات بين الحكومة والقوى السياسية على حساب الشعب العراقي ومصالحه. وكذلك تدهور الثقة بالمجلس النيابي في لبنان هو في جوهره انعكاس لكون المجلس يمثل الصورة العامة للانقسام الطائفي في البلاد، واستمرار الأوضاع فيها على ما هي عليه.
أولا. مراقبة أعمال الحكومات
على صعيد تقييم الرّأي العامّ لأداء مجالسه التشريعيّة في مراقبة أعمال الحكومات، تشير النتائج إلى أنّ الرأي العامّ منقسمٌ بشأن مدى مراقبة المجالس التشريعية للحكومات وأعمالها؛ إذ يعتقد %53 من المواطنين أنّ مجالسهم التشريعيّة تقوم بدورها في مراقبة الحكومة، مقابل نحو %42 لا يرون أنّها تقوم بدورها. وعبّ ت أكثريّة المستجيبين في كلٍّ من لبنان، والعراق، والجزائر، والأردن، عن تخلُّف هذه المجالس عن القيام بدورها في المراقبة، في حين رأت أكثريّة الكويتييّن، والسّعودييّن، والتونسييّن، والسّودانيين أنّ مجالسها التشريعيّة تقوم بدورها في ذلك، غير أن الرأي العامّ تجاه ذلك كان منقسمً في المغرب وموريتانيا. إنّ تقييم أداء المجالس التشريعيّة في أداء دورها في مراقبة الحكومات في استطلاع المؤشّ لعام 2015 جاء شبه مُتطابقٍ مع نتائج استطلاعَي
| 43 | 27 | 11 | 10 | 9 | ||||||||||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 27 | 60 | 11 | 21 | |||||||||||||||||
| 24 | 44 | 17 | 5 | 11 | ||||||||||||||||
| 23 | 35 | 23 | 12 | 7 | ||||||||||||||||
| 18 | 35 | 22 | 23 | 3 | ||||||||||||||||
| 13 | 27 | 44 | 0 | |||||||||||||||||
| 11 | 35 | 25 | 3 | |||||||||||||||||
| 9 | 26 | 6 | 17 | 11 | ||||||||||||||||
| 8 | 27 | 7 | 25 | 2 | ||||||||||||||||
| 6 | 39 | 15 | 9 | |||||||||||||||||
| 18 | 35 | 24 | 18 | 6 | ||||||||||||||||
2014 و/2012 2013؛ إذ كانت نسبة الّذين وافقوا على ذلك في هذين الاستطلاعيَن %50، لترتفع قليلً في عام 2015 إلى %53. مع ملاحظة ارتفاع نسبة الّذين وافقوا بشدّة على أنّ المجالس تراقب الحكومات من %15 في استطلاع عام /2012 2013 إلى %18 في استطلاعَي 2014 و 2015. وعند مقارنة نتائج استطلاع عام 2015 باستطلاعَي 2014 و/2012 2013 في كلِّ مجتمعٍ من المجتمعات المُستطلَعة، تُظهر النتائج انخفاض مستوى الثقة في استطلاع عام 2015 جوهريًّا في العراق، لينخفض من %71 في عام /2012 2013 إلى %54 في عام 2014، ثم ينخفض مجددًا في استطلاع 2015 إلى %38. كما انخفض مستوى الثقة في كل من السعودية، وموريتانيا مقارنة باستطلاع عام 2014 وبقي أعلى مما كان عليه في استطلاع عام /2012 2013. وبالمقابل ارتفع مستوى الثقة في كلٍّ من تونس، والسّودان، والمغرب، والجزائر، ولبنان، والأردن، في حين كان مستوى الثقة شبه ثابت في الكويت.
تُعزى النتائج السابقة إلى جملة من العوامل التي قد تشترك فيها معظم الدول العربيّة، وكذلك إلى أسباب تخص أوضاع كل دولة على حدة، وتأخذ بعين الاهتمام معايير أخرى؛ مثل شكل النظام السياسي (ملكي أو جمهوري) وطبيعة النخب الحاكمة، والآليات المتبعة لاختيار ممثلي المجالس التشريعيّة. ومن جملة العوامل العامة أن أحداث الربيع العربي ألقت بتداعياتها على تفكير أنظمة الحكم العربيّة، إذ دأبت الأنظمة منذ عام 2011 في كتابة دساتير، أو إصدار إعلانات دستوريّة، أو سن تشريعات تمنح البرلمانات أو المجالس التشريعيّة صلاحيات أوسع، وتنيط بها دورًا أكبر لمراقبة أعمال الحكومات، وبخاصة في القضايا الاقتصادية والخدمية لتلبية مطالب مرفوعة، أو محاولة استباقيّة لاحتواء وامتصاص هبّات شعبية على غرار ما جرى في عام.2011 ويمكن من خلال نظرة سريعة على الدستور التونسي 2014، ودستور المملكة المغربية 2011، والتعديلات الدستورية في الأردن، والدستور المصري عام 2012 و 2014، والتعديلات الدستورية في السودان 2014، والإصلاحات السياسية في الجزائر، ملاحظة التوسع في دور المجالس التشريعية في مراقبة الحكومات بوجهٍ انعكس إيجابيًّا على طبيعة نقاشاتها واهتماماتها، وهو ما جعل ما نسبته %50 من الرأي العام العربي على مدار الأعوام الثلاثة السابقة يعتقد أن مجالسهم التمثيلة تقوم بدورها في مراقبة الحكومات. وعلى هذا الأساس وجدنا ارتفاعًا في نسبة الثقة في تونس، والمغرب، والسودان، والأردن، والجزائر، مقارنة بالأعوام السابقة، وفي الوقت عينه انخفضت الثقة في دول لم تعرف إصلاحات دستورية أو سياسية خلال الأعوام السابقة، مثل السعودية، والعراق، وموريتانيا، في حين بقيت الكويت المعروفة بفاعلية مجلسها التشريعي (مجلس الأمة) في استجواب الوزراء ضمن معدل ثابت.
ثانيًا. مراقبة الإنفاق العام
إنّ تقييم الرّأي العامّ لأداء المجالس التشريعيّة (التمثيليّة) في مراقبة الإنفاق العامّ لم يكن بأحسنَ حالً من تقييمه لأدائها على صعيد مراقبة أعمال الحكومات؛ فقد أفاد %50 من الرّأي العامّ في المنطقة العربيّة أنّ المجالس التشريعيّة تقوم بدورها في مراقبة الإنفاق العام،ّ مقابل %44 أفادوا أنّها لا تقوم بدورها. وفي حين أفادت أكثرية المستجيبين في تونس، والكويت، والسّعودية، والسّودان أنّ مجالسها التشريعيّة تقوم بدورها في مراقبة الإنفاق العامّ؛ فإنّ أقلّ من نصف إلى ربع المستجيبين في بقيّة البلدان أفادوا أنّ مجالسهم التشريعيّة تقوم بدورها. وانقسم الرأي العامّ الموريتاني تجاه ذلك، كما هي الحال في تقييمهم لدور المجالس التشريعيّة في مراقبة أعمال الحكومة.
عند مقارنة تقييم الرأي العامّ في المنطقة العربية لمدى قيام المجالس التشريعيّة بدورها في مراقبة الإنفاق العامّ على مدى السنوات الثلاث الماضية؛ تُظهر النتائج أنّ نسب المستجيبين الّذين أفادوا أنّها تقوم بدورها في استطلاع المؤشّ لعام 2015 هو الأفضل مقارنةً باستطلاعَي 2014 و/2012 2013؛ إذ ارتفعت نسبة المستجيبين الذين أفادوا أن المجلس التشريعيّ في بلدانهم يقوم بدوره في مراقبة الإنفاق العام إلى %50 مقارنة ب %45 في استطلاع 2014، و%46 في استطلاع /2012 2013. وفي حين ارتفعت نسبة الّذين قالوا إنّها لا تقوم بدورها في مراقبة الإنفاق العامّ من %39 في عام /2012 2013 إلى %45 في عام 2014، عادت لتنخفض قليلً في استطلاع 2015 إلى.%44 وهذا يعكس، واضحًا، أنّ نِسب الذين لديهم ثقة بقيام المجالس بهذا الدّور تحسّنت قليلً، في حين بقيت نسبة الذين ليست لديهم ثقة شبه ثابتة، وهذا يدلُّ على أنّ جزءًا من الرأي العامّ لم يكن يحدّد موقفًا من قَبل لكنّه حدّد موقفًا أكثر إيجابيّة. وعلى صعيد التغيّ في الرأي العامّ في كلِّ بلدٍ من البلدان المُستطلَعة، فإنَّ تقييم المجالس
| 43 | 25 | 12 | 10 | 10 | ||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 24 | 45 | 16 | 6 | 10 | ||||||||
| 22 | 59 | 2 14 | 3 2 | |||||||||
| 15 | 38 | 24 | 15 | 8 | ||||||||
| 15 | 35 | 23 | 24 | 3 | ||||||||
| 12 | 23 | 50 | ||||||||||
| 10 | 32 | 32 | 4 | |||||||||
| 8 | 33 | 18 | 12 | |||||||||
| 8 | 30 | 23 | 3 | |||||||||
| 6 | 38 | 16 | 9 | |||||||||
| 16 | 34 | 25 | 19 | 6 | ||||||||
قد تراجع في كلٍّ من العراق، وموريتانيا، والسعودية، وتحسّن في كل من تونس، والسودان، والجزائر، والمغرب، والأردن ولبنان، والكويت. ما يمكن ملاحظته في هذا السياق أن تقييم المواطنين العرب لأداء مجالسهم التمثيلية في مراقبة الإنفاق العام جاء مشابهًا على نحوٍ شبه كامل لتقييمهم لأداء المجالس في مراقبة أعمال الحكومات، وباستثناء الكويت فإن نتائج جميع الدول الأخرى جاءت متشابهة في ارتفاع وتراجع ثقة مواطنيها، وهو ما يعزى إلى ضعف فاعلية المجالس في القيام بالصلاحيات المنوطة بها بحسب الدستور كما أوردنا سابقًا، إضافة إلى طبيعة الأحوال السياسية التي تواجهها كل دولة. وإذا كانت قضايا الفساد وسيادة انطباع لدى المواطنين بانتشار الفساد في بلدانهم يساهم في تقييم سلبي للمجالس التشريعية في هذا المجال؛ فإن الأحوال الاقتصادية من ارتفاع مستويات البطالة وانتشار الفقر تُساهم أيضا في عدم الرضا عن سياسات الإنفاق العامة للحكومات، ومن ثمَّ مراقبة هذا الإنفاق.
ثالثًا. مراعاة مصالح فئات المجتمع المختلفة
انقسم الرّأي العامّ في المنطقة العربيّة تجاه تقييم أداء مجالسه التشريعيّة من ناحية أدوارها بما يضمن مراعاة مصالح فئات المجتمع المختلفة؛ إذ أفاد %50 أنّ هذه المجالس تقوم بأدوارها في هذا الجانب، مقابل معارضة %45 ذلك. ووافق أكثر من نصف المستجيبين في الكويت، والسّعودية، وتونس، والسّودان على أنّ المجالس التشريعيّة تقوم بأعمالها بما يضمن مراعاة مصالح مختلف فئات المجتمع، في حين وافق أقلّ من %50 من مستجيبي بقيّة المجتمعات على ذلك، بل إنّ أكثرية اللبنانييّن والعراقيين أفادت أنّ المجالس التشريعيّة لا تقوم بدورها في ذلك. إنّ تقييم الرأي العامّ في المنطقة العربيّة لمدى قيام المجالس التشريعيّة بأدوارها بما يضمن مراعاة مصالح مختلف فئات المجتمع، قد ارتفع في عام 2015 مقارنة باستطلاعَي 2014 و/2012 2013؛ إذ ارتفعت نسبة الّذين أفادوا أنّ المجالس تقوم بأعمالها في تمثيل مصالح مختلف فئات المجتمع إلى %50 في استطلاع 2015 في حين كانت هذه النسبة %45 في عام 2014 و%46 في عام /2012 2013. وعلى الرّغم من الارتفاع الطفيف في نِسَب الّذين قالوا إنّ المجالس تقوم بأعمالها في المؤشّ لعام 2015 مقارنةً بنتائج مؤشّ عامَي 2014 و/2012 2013، تُظهر النتائج أنّ نِسَب المستجيبين الّذين أفادوا أنّها لا تقوم بدورها في عام 2015 شبه متطابقة مع نسبها في عام 2014، وأعلى منها في عام /2012.2013 وهذا يعكِس، جليًّا، أنّ نسب الذين ليست لديهم ثقة في قيام المجالس بهذا الدّور مازالت ثابتةً مع ارتفاع نِسَبِ الذين لديهم ثقة بها. وهذا يدلُّ على أنّ جزءًا من الرأي العامّ لم يكن يحدّد موقفًا من قَبل ثم حدّد موقفًا إيجابيَا. على صعيد التغيّ في الرأي العامّ في كلِّ بلدٍ من البلدان المُستطلَعة، فإن تقييم المجالس قد تراجع على نحو ملحوظ في كلٍّ من العراق وموريتانيا، وتراجع تراجعًا طفيفًا في الأردن ولبنان، وتحسَّن في كلٍّ من تونس، والسودان، والجزائر، والمغرب، فيما بقي متشابهًا في بقيّة البلدان الأخرى. إن مقارنة نتائج هذا السؤال بنتائج السؤالين السابقين في كل من لبنان والأردن يُظهر تفاوتًا في النتائج، إذ ارتفع التقييم في ما سبق وتراجع ولو بشكل طفيف، وهو ما يمكن رده في لبنان إلى المحاصصة الطائفية التي تحدد تمثيل المواطنين في المجلس استنادًا إلى أديانهم وطوائفهم، وليس على أساس مواطنتهم أو توزعهم الديموغرافي أو الجغرافي. أضف إلى ذلك أن الزعامات الطائفيّة في لبنان ما تزال أشبه بإقطاعيات سياسيّة تسعى دائما إلى ضمان مصالحها الخاصة، وهو ما جعل فئات اجتماعية تشعر بالغبن. أما الأردن فيعاني أيضًا من استقطاب اجتماعيّ ومن اختلال في توزيع الثروة يخلق هوة تتسع تدريجيّا ما بين الأغنياء والفقراء، خاصة بعد نزوع الحكومة لتحرير أسعار المشتقات النفطية والخبز ورفع الدعم عنها، الأمر الذي أقلق شرائح مجتمعيةً لا ترى في مجلس النواب بغرفتَيْه معبِّ ا حقيقًا عن مصالحهم.
رابعًا. وض ع تشريعاتٍ تساهِ مُ في ضمان حرّيات المواطنين
على صعيد تقييم الرأي العام العربيّ لأداء مجالس بلدانه التشريعيّة في القيام بدورها في وضْ ع تشريعاتٍ تُساهِم في ضمان حرّيات المواطنين، أظهرت النتائج أنّ نحو نصف الرأي العام العربي يرى أنّ مجالس بلدانهم التشريعيّة تقوم بدورها في وضْ ع تشريعاتٍ تُساهِم في ضمان حرّيات المواطنين، مقابل معارضة %42 من المستجيبين. وتباينت آراء المستجيبين بين بلدٍ وآخر حول تقييم أداء المجالس التشريعية، ففي حين أفادت أغلبيّة الرأي العام؛ التونسيّ، والكويتيّ، والموريتانيّ، والسعودي،ّ والسّوداني أنّ مجالسها التشريعيّة تقوم بدورها في وضْ ع تشريعات تُساهِم في ضمان حرّيات المواطنين، عارض ذلك أغلبيّة اللبنانيين، وأكثر من نصف المستجيبين في كل من العراق، والجزائر، والمغرب، والأردن. عند مقارنة تقييم الرأي العامّ في المنطقة العربيّة في استطلاع عام 2015 لمدى قيام المجالس التشريعيّة بدورها في وضْ ع تشريعات تُساهِم في ضمان حرّيات المواطنين باستطلاع عام 2014، تشير النتائج إلى ارتفاع طفيف في نسبة المستجيبين الذين أفادوا أنّ المجالس التشريعيّة في بلدانهم تقوم بذلك الدور من %48 في استطلاع عام 2014 إلى %51 في استطلاع 2015. إلا أن هذا الارتفاع كان نتيجة انخفاض نسبة الذين لم يُبدوا رأيًا في استطلاع 2014، في حين كانت نسبة الذين أفادوا أنّ المجالس لا تقوم بدورها في وضْ ع تشريعات تُساهِم في ضمان حرّيات المواطنين في استطلاع هذا العام متطابقة مع نتائج العام الماضي. وعند مقارنة التغيّ في الرأي العامّ في كلِّ بلد من البلدان المُستطلَعة في عام 2015 بعام 2014، تشير النتائج إلى أن تقييم المجالس قد تراجع تراجعًا كبيرًا في كلٍّ من العراق، والسعودية، وموريتانيا، وتحسّن في كلٍّ من الكويت، والسّودان، وتونس، والأردن، والمغرب، والجزائر. فيما كانت النسب شبه متطابقة في لبنان. أمّا على صعيد مدى تمثيل المجالس التشريعيّة لكافة أطياف المجتمع، فقد كان الرّأي العامّ منقسمً، في حين رأى %14 من الرّأي العامّ في المنطقة العربيّة أنّ مجالسه التشريعية تمثّل أطياف المجتمع كافّةً إلى درجةٍ كبيرة، وكانت نسبة الّذين أفادوا أنّ مجالسهم لا تمثّل أطياف المجتمع على الإطلاق %18 من المستجيبين، وقال %37 من الرّأي العامّ إنّ مجالسهم التشريعية تمثّل أطياف المجتمع بدرجة متوسّطة، وقال %26 إنّها تمثّل أطياف المجتمع بدرجةٍ قليلة. عند مقارنة تقييم الرأي العامّ في المنطقة العربية لمدى تمثيل المجالس التشريعيّة لأطياف مجتمعاتهم كافّة، تُظهر النتائج ارتفاع نسب
المستجيبين الذين أفادوا أنّها تمثل أطياف المجتمع كافة في استطلاع عام 2015 عن نتائج عامَي 2014 و/2012 2013. ويعود السبب في ذلك إلى ارتفاع نسبة الّذين قالوا إنّها تُ ثّل أطياف المجتمع إلى درجةٍ متوسّطةٍ من %31 في عام 2014 إلى %37 في عام 2015. في حين انخفضت نسبة الّذين قالوا إنّها لا تُ ثّل أطياف المجتمع كافة من %21 في عام 2014 إلى %18 في عام 2015؛ لتتطابق مع نتيجة استطلاع عام /2012 2013. وكانت نسبة الّذين قالوا إنّها تُ ثّل المجتمع بدرجةٍ كبيرة متطابقة في استطلاع عام 2015 مع استطلاع عام 2014، وأعلى بشكل طفيف من استطلاع عام /2012.2013 وكانت نسبة الّذين قالوا إنّها "تُ ثّل بدرجةٍ قليلةٍ" متقاربةً في عام 2015 مع نتائج الاستطلاعات في السنوات السابقة. أما على صعيد التغيّ في الرأي العامّ في كلّ بلدٍ من البلدان المُستطلَعة، فإنّ تقييم المجالس على صعيد تمثيلها لفئات المجتمع كافة قد تراجع في موريتانياولبنان، فيما ارتفع، ارتفاعًا طفيفًا، في الأردن، والجزائر، والمغرب، في حين بقي شبه ثابتٍ في تونس، والسودان، والعراق، والكويت، والسعودية.
خاتمة
أبرزت نتائج المؤشر العربي أن نظرة الرأي العام العربي نحو المجالس التشريعية هي نظرة سلبية؛ اذ إن مستويات الثقة بالمجالس التمثيلية لا تتسم بالنجاح؛ فقد ظهر أن المواطنين العرب الذين يثقون بمجالسهم التشريعية أقل من %50، وتكاد تكون نسبة الذين لا يثقون بها على الإطلاق ضعف نسبة الذين يثقون بها إلى درجة كبيرة. إن أغلبية المواطنين قيَّمت أداء المجالس في المُهمَّ ت التي تقوم بها - مثل مراقبة أعمال الحكومات ومراقبة الإنفاق العام - وتنظر لها نظرة سلبيّة فيما يخص تمثيلها لمصالح مختلف فئات المجتمع، وفي قدرتها على سن تشريعات تساهم في ضمان حريات المواطنين، كما أن أغلبية المواطنين ترى أن هذه المجالس غير ممثلة لمختلف فئات المواطنين وفئاتهم. أضف إلى ذلك أن نسبة المقيِّمين إيجابيًّا - وإن ارتفعت في عام 2015 - تظل قريبة من معدلاتها في الأعوام السابقة، وقريبة من التي سجلت في عام 2011 مترافقة مع اندلاع الثورات العربية، حين كانت النظرة لهذه المجالس باعتبارها امتدادًا لتسلط الأنظمة وتعبيرا عن فسادها. في الوقت ذاته، تُظهِر النتائج ارتفاعًا كبيرًا في ثقة المواطنين العرب بمؤسسات الدولة الأخرى مثل الجيش والأجهزة الأمنيّة، وهو ما يمكن رده من ناحية أولى إلى تفضيل المواطنين العرب للاستقرار الأمني والسياسي؛ خاصة أن دولً عربية تشهد صراعات أهلية دامية وتغرق في فوضى. كما أنها تُظهِر أن المواطنين يرون في مؤسسات أخرى تعبيرًا عن مصالحهم، ما يعني أن تمثيلية المجالس التشريعية في موضع تساؤل. إن مكانة المجلس التمثيلي في النظام السياسي الحديث تتأتّ من كوْنه تمثيلً لسلطة الشعب في عملية الحكم وإدارة أعمال الدولة، وكوْنِه تعبيرًا عن مصالح الفئات الاجتماعية على اختلافها. وبناءً عليه؛ فإن الثقة بالمجالس التمثيلية هي في جوهرها انعكاس للثقة بالدولة بصفة عامة، ومؤسسات الحكم على اختلافها. بل إن أحد مصادر شرعية الأنظمة السياسية في الدولة الحديثة هو الثقة بمؤسسة السلطة التشريعية والرضا عن أدائها. إن فجوة الثقة المتزايدة بالسلطة التشريعية لها أسبابها؛ فلقد عملت السلطات التنفيذية في المنطقة العربية على التمدد على حساب صلاحيات السلطة التشريعية، ودفعها الى أدوار هامشية أشبه بأن تكون تكميلً لعمل السلطة التنفيذية. إن هذه العملية في تهميش المجالس التشريعية تبدأ بالتدخل في الانتخابات النيابية، لضمان الحكومات في أن يحصل مؤيدوها على أغلبية مقاعد البرلمان، الأمر الذي يعني أن تشكيلة المجلس النيابي الذي يتم انتخابه بطريقة مباشِة إنما هي عبارة عن ذراع مؤيدةٍ للحكومة وأعمالها، تتجنّب مساءلة الحكومة أو مراقبة أعمالها. وهذا ما يسمح للسلطة التنفيذية بالتغوّل على السلطة التشريعية والانتقاص من صلاحياتها. إن هذا التغوّل له العديد من الوسائل والطرق، لعل أهمها إبقاء المجالس التشريعية ضعيفة لا تتمتع باستقلال مالي وبشري يمكِّنها من الاستقلال في صناعة القرار. إضافة إلى تجريدها من أدوارها التشريعية عبر إصدار القوانين المؤقتة، وتجريد بعض النواب من الحصانة البرلمانية. وإن الاتجاه الذي اتخذته السلطة التنفيذية في إطار تعاملها مع السلطة التشريعية هو مجاوزة ما هو مضمون دستوريًّا من توازي السلطتين، وتحقيق لمبدأ التوازن، وكبح السلطات، إلى تحويل السلطة التشريعية إلى تابع لا أكثر، لا يعدو أن يكون وسيطًا بين الحكومة والمواطنين. لعل تراجع دور الأحزاب على أسس برامجية أو أيديولوجية لمصلحة الانتماءات الفرعية من جهوية وقبَلية وإثنية من ناحية، وما تكرسه الانتخابات من ممثلين لمناطق انتخابية، ساهم أيضا في أن يتحول النواب الى ممثلي قطاعات أو جهات، كما ساهم في غياب سمة التمثيل على المستوى الوطني، وارتفاع قيمة ما يسمى نواب الخدمات على حساب نواب السياسات العامة، وهو ما أدّى إلى أن يكون تقييم المجالس التشريعية سلبيًّا. من المتوقع الاستمرار في تراجع الثقة بالمجالس التشريعية مع استثناءات خاصة كما هي الحال في التجربة التونسية، ما لم يكن هنالك تغيير جوهري في أداء المجالس لمُهِمّ تها في البلدان العربية. إن استمرار تراجع الثقة بالمجالس التشريعية بالضرورة سوف يساهم في تراجع الثقة بالنظام السياسي بصفة عامة ويساهم في تأكّل الثقة بالدولة وشرعيتها.