نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع.

International Relations Theories: Discipline and Diversity

* Ahmad Qassem Hussein أحمد قاسم حسين|

الملخّص

قراءة في كتاب :نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع.

Abstract

International Relations Theories: Discipline and Diversity [Translated into Arabic]

International Relations Theories: Discipline and Diversity عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع. المؤلف: تيم دان، وميليا كوركي، وستيف سميث. المترجم: ديما الخضرا. الطبعة: الأولى. سنة النشر:.2016 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات: 863 صفحة.

المقدمة

إنّ تخصص العلاقات الدولية حقلٌ معرفي معقّد ومتفرع يركّز على فهم ديناميات القوى المؤثرة في السياسة الدولية وتفسيرها؛ لذلك يشمل أغلب الكتابات التي تناولت بالشرح والتحليل نظرية العلاقات الدولية عددًا من المواقف النظرية والنظم الفكرية المهيمنة تاريخيًا على هذا الحقل المعرفي؛ بحيث يشترك جميعها في أهمية النظرية في فهم العالم وتفسير العلاقات بين الدول، وأنّ كلّ النظريات تنبثق من نظم فكرية كثيرة الاختلاف، لكنّها تسعى لخلق روابط منطقية بين التنظير والواقع. إنّ التعدد في مدارس العلاقات الدولية يجعل من الصعوبة بمكان إغفال الدور الإيجابي لكلّ مدرسة في فهم الظاهرة الدولية وتفسيرها ودراسة تحولاتها وتطورها، وتعمل كلّ مدرسة على تفكيك جانب مهم منها وتعيد تركيبه وفقًا لفرضياتها التي لا تتوافق بالضرورة مع ما تنطلق منه المدرسة الأخرى، لذلك يذهب بعض الباحثين في العلاقات الدولية إلى ضرورة تبنّي أكثر من نظرية من أجل تكوين فهم موضوعي وتفسير منطقي للظاهرة موضوع الدراسة. وهو ما ذهب إليه ستيف سميث Steve Smith حين قال إنّ النظريات تتطرق إلى جوانب منفصلة ومختلفة من عالم العلاقات الدولية، وإنّ دارس العلاقات الدولية يمكنه اعتماد طريقة الاختيار والمزجPick and Mix من بين النظريات وتطبيقها على الظاهرة الدولية موضوع البحث والدراسة1.

يُعدّ كتاب "نظريات العلاقات الدولية التخصص والتنوع" إضافة جوهرية ومهمة إلى المكتبة العربية في تخصص العلوم السياسية للدارسين والمعلمين، من حيث الأفكار الأساسية المرتبطة بالنظرية في حقل العلاقات الدولية (IR) وغناه بالأدوات والوسائل التي تساعد الباحث أو الطالب على تطوير فهمه وتعزيز قدراته على تفسير الظاهرة الدولية بكلّ أبعادها. وهو بمنزلة دليل للباحث في نظرية العلاقات الدولية يرشده إلى التفكير في الأسئلة الراهنة التي تهيمن على حقل العلاقات الدولية؛ كالأسباب الحاكمة للتعاون بين الدول، والعوامل التي تقود إلى الحرب؛ إذ تعطي النظريات تفسيرًا لأسباب تلك الظواهر من خلال تزويدنا بعدد كبير من الفرضيات المختلفة. يرد العنوان الفرعي للكتاب مركّبًا عطفيًا (التخصص والتنوع) ليدل على العمق والدقة في تناول نظرية العلاقات الدولية بأنواعها، واختلاف البنى والنظم الفكرية المميزة لها التي تعكس المجهودات الفكرية الرصينة لعدد كبير من منظّري العلاقات الدولية، وتعالج أعقد الموضوعات الدقيقة في حقل النظرية، في عصر الثورة التكنولوجية وما نتج من تطورٍ سريع في شكل الفاعلين الدوليين ودورهم في بنية النظام الدولي من جهة، والتغيير المتسارع في استخدام أدوات وأساليبَ نظرية في فهم الظاهرة الدولية، من جهة أخرى. يقع الكتاب في خمسة عشر فصلً؛ تتمحور تسعة فصول منها حول نظريات العلاقات الدولية، وهي: الواقعية والليبرالية، والليبرالية الجديدة، والمدرسة الإنكليزية، والبنائية والماركسية، والنظرية النقدية، والنظرية النسوية، وما بعد البنيوية، والنظرية الخضراء، وما بعد الكولونيالية. وتتناول الفصول الأخرى هوية حقل العلاقات الدولية وعلاقته بالعلوم الاجتماعية والنظرية المعيارية والعولمة. وتنتظم تلك الفصول وفقًا لتسلسلٍ متصل بدءًا من النظريات العريقة في بداية الكتاب وصولً إلى النظريات الأكثر حداثة. يحاول الكتاب في فصوله العديدة ربط النظرية بالواقع من خلال دراسة عدد من الأمثلة والحالات، فضلً عن انتقاء كتاب أو مقالة فيها الأفكار الأكثر تفصيلً وشرحًا للنظرية موضوع الدراسة. وينتهي كلّ فصل بمجموعة من الأسئلة تتمحور حول النقاط الأهم في سياق الفصل، ومجموعة من المواقع الإلكترونية تتيح مزيدًا من البحث والتوسّع في دراسة النظريات.

أولا. العلاقات الدولية: جدل إبستمولوجي

تُعنى فلسفة العلوم الاجتماعية عمومًا بمسألتين رئيستين؛ الأولى، طبيعة العالم "أنطولوجيا العالم"، والثانية طبيعة التفسير؛ أي ماهي المناهج الواجب اتّباعها للوصول إلى التفسير2؟ في هذا الصدد، تقدّم

  1. ستيف سميث: "التنوعية والتخصصية في نظرية العلاقات الدولية"، في: نظريات
  2. العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، مجموعة محررين، ديما الخضرا (مترجمة)، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.64 2 أيان كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرمس، محمد حسين غلوم (مترجم)، ط 1 (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 1999)، ص.41

ميليا كوركيMilja Kurki أستاذة نظرية العلاقات الدولية في جامعة أبريستويث، وكولن وايت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة إكستر، رؤيةً عن فلسفة العلوم الاجتماعية ضمن نظرية العلاقات الدولية. لم يتناول أغلب الأدبيات التي تطرقت إلى نظرية العلاقات الدولية هذا الجانب بالتفصيل؛ بحيث كانت القضايا الفلسفية ضمن أفكار منظري العلاقات الدولية ومزاعمهم. لذا اعتمد هذا الفصل على حوارات النظرية الشارحة Meta-Theory وهي مجموعة القضايا المتعلقة بفلسفة العلوم الاجتماعية بحيث تتعمق في الافتراضات الكامنة لكلّ نظرية، وتحاول فهم نتائج هذا النوع من الافتراضات على عملية التنظير وممارسة البحث التجريبي. وتركّز النظريات الشارحة التي تتناول فلسفة العلوم الاجتماعية في تخصص العلاقات الدولية على سؤالين متداخلين، هما: هل تخصص العلاقات الدولية علم؟ أم فن؟ وما الذي تتضمّنه الدراسة العلمية للسياسة العالمية؟

لمدة زمنية طويلة من تاريخ العلاقات الدولية بوصفه حقلً معرفيًا، كانت الوضعية الفلسفة العلمية المسيطرة؛ فهي ترى أنّ المعرفة العلمية لا تنبثق إلا من خلال جمع بيانات يمكن مشاهدتها ورصدها بشكل يقود إلى تراكمٍ معرفي يساعد في اكتشاف أنماط تتيح بدورها صوغ قوانين عامة. ولم يقتصر دور الوضعية على تشكيل الطريقة التي تقوم بالتنظير في الموضوع بوصفها فلسفة في العلوم، بل أدّى إلى تشكيل ما يمكن أن نعدّه شكلً مشروعًا للأدلة والمعارف. وحتى الذين رفضوا المقاربات العلمية لتخصص العلاقات الدولية انطلقوا من نموذج وضعي لدراسة العلوم. وبناءً عليه، فإنّ تاريخ العلاقات الدولية، وفقًا لكوركي ووايت، كان شديد الانقسام بشأن عددٍ كبير من القضايا شأنه شأن العلوم الاجتماعية؛ ومن الطرائق الرائجة في رواية هذا التاريخ هي الرجوع إلى الحوارات العظمى Debates Great. وفي هذا الصدد، يقول ويفر اوله، أستاذ العلاقات الدولية في قسم العلوم السياسية في جامعة كوبنهاغن، إنّ دارس العلاقات الدولية إذا طُلب منه أن يتحدث لمدة خمس عشرة دقيقة عن ماهية العلاقات الدولية، فإنّه على الغالب سيخبرنا عن تاريخ المناقشات والمواجهات النظرية والمنهجية التي تطرّق إليها علم السياسة، ونقاشاته المنهجية3. لقد كان الحوار العظيم الأول بين المثاليين والواقعيين. وأ طلق هذاُ الحوار عقب الحرب العالمية الثانية وخلالها وعقب انتهائها مباشرة. وتناول الجدل حول دور المؤسسات الدولية واحتمال إعادة صوغ أسباب الحرب وتكريس السلام. إنّ المساهمة الأكثر ديمومة للمثاليين في تطوير حقل العلاقات الدولية كانت فكرة التخصص الأكاديمي الذي أنشأ دراسة السياسة الدولية؛ إذ رأى المثاليون أنّ الجهل وعدم التفاهم كانا مصدرين أساسيين للصراع الدولي. ولا بد من فهم الإجراءات الدولية بطريقة أفضل إذا ما أريد الحدّ من اندلاع الحروب. واعتقد المثاليون أنّ التقدّمُ لن يكون ممكنًا إلّ إذا تمكنّا من تطوير العقل، واستخدامه للتحكّم في الرغبات غير العقلانية وحالة الضعف التي تصيب البشر، وذروة العقل البشري في التحكّم الفعال هي العلم. لكن، نقد الواقعيون هذا الطرح وشكّكوا في مدى علمية المعرفة التي أنتجها المثاليون. وقاموا بالتحديد بتحدّي المقاربة المثالية غير النظامية والمستهدفة تعزيز القيم في تخصص العلاقات الدولية. وقام كلٌّ من إدوارد كار وهانس مورغنثاو باتهام المثاليين بتركيزهم على العالم وما ينبغي أن يكون عليه، مقارنةً بالتعامل مع العالم كما هو موضوعيًا. وفي الحقيقة، لم تكن تصورات مورغنثاو لتخصص العلاقات الدولية معنيّة بتقديم سلسلة من التفسيرات العميقة لطريقة سير الأمور في العالم، وإنّ ا هدفت إلى صوغ الأساليب وأنماط العمل في التعامل مع العالم، على أساس تفسيرٍ بسيط. وأكّد ضرورة إبعاد مقارباته في العلوم السياسية عن محاولات بناء قوانين صارمة حديدية تقارن بتلك التي اكتشفت بالعلوم الطبيعية. إنّ منزلة العلم كانت ذات أهمية في الحوار العظيم الثاني استنادًا إلى الثورة السلوكية التي أعلت من شأن المنهجية الإمبريقية والتجارب

  1. يُعدّ واحدًا من المهندسين الرئيسين لما يسمّى مدرسة كوبنهاغن في العلاقات الدولية، انظر: Ole Waver, “The Sociology of a Not So International Discipline: American and European Developments in International Relations,” International Organization at fifty: Exploration and Contestation in the Study of World Politics , Vol. 52, Issue 4, (1998), p. 75.

المضبوطة في العلوم الاجتماعية، وطوّرت منهجيات جديدة احتلت فيها النمذجة الرياضية للإجراءات الدولية مركز الصدارة. وسعى السلوكيون إلى أن يجري تقدّم في المعرفة يتبعه إمكان التحكّم في الظواهر الدولية القابلة للدراسة، من خلال العملية الصارمة في تجميع البيانات. وظهرت طائفة من الباحثين الأكاديميين العلميين في تخصص العلاقات الدولية؛ أمثال ديفيد سنغر ومورتن كابلان، وعملت هذه الطائفة على وضع طرائق علمية ونظامية في التحقيق العلمي لتخصص العلاقات الدولية. ورأى مؤيّدو النهج السلوكي أنّ تخصص العلاقات الدولية لا يمكنه المضيّ قدمًا إلّ بقولبة نفسه في نموذج للعلوم الطبيعية. أثارت البحوث السلوكية مقاومة ضاربة عند أولئك الذين يلتزمون نموذجًا أكثر ميلً إلى أن يكون تاريخانيًاHistoricist أو تأويليًا Interpretive في حقل العلاقات الدولية. وقد جادل كثيرون بأن المفاهيم الأساسية للتخصص لم تكن سريعة التأثّر بهذا النوع من الإجراءات الصارمة في جمع البيانات التي دعا إليها النموذج الجديد، ومن هؤلاء هيدلي بول وهانس مورغنثاو؛ إذ عدّا التحقيق العلمي النظامي مختلفًا عن سيطرة هاجس جمع المعلومات ومعالجتها على خطى الوضعيين. أمّا الحوار الثالث، فجرى في سبعينيات القرن العشرين حيث أ طلقُ عليه اسم الحوار بين النماذج (الواقعية، والماركسية، والليبرالية). وقد أبعد تخصص العلاقات الدولية عن القضايا المنهجية الخاصة في عقدُ الستينيات من القرن الماضي. ولم تكن مسألة العلم مكوّنًا واضحًا لهذا الحوار، لأنّ إجماعًا حول الالتزام بالوضعية كان قد برز بدرجة كبيرة. أمّا الحوار الرابع، فقد انبثق في منتصف ثمانينيات القرن العشرين. وركّز بطريقة أكثر صراحة على القضايا المتعلقة بالعلم في التاريخ التخصصي للعلاقات الدولية. ويمكن وصف هذا الحوار الرابع بالحوار بين التفسير والفهم، بحيث يسعى المنظّرون التفسيريون إلى تعرّف المسببات العامة Causes. في حين يركّز مؤيّدو الفهم على تحليل المعنى الداخلي والأسبابReasons والمعتقدات التي تحملها الجهات الفاعلة وتتصرف وفقًا لها. وبناءً عليه، فإنّ المعاني الاجتماعية واللغة والمعتقدات بالنسبة إلى مناصري الفهم، تمثّل الجانب الأنطولوجي الأكثر أهمية في الوجود الاجتماعي. في حين لا يختلف منظّرو التفسير عن هذا الزعم عمومًا. إلا أنّهم غير مقتنعين بإمكان دمج هذه الأشياء داخل إطارٍ علمي للتحليل؛ إذ تتطلب المعرفة العلمية تبريرًا تجريبيًا بالنسبة إليهم، أمّا المعتقدات والأفكار فليست قابلة للتحقّق من صحتها من خلال هذه الأساليب. وهناك من يطلق على الحوار الرابع أيضًا الوضعية وما بعد الوضعية أو العقلانية والتأمّلية.

ثانيًا. النقاشات الفكرية التقليدية في نظرية العلاقات الدولية

الواقعية والواقعية البنيوية

تتربع النظريات الواقعية على قمة هرم النظريات الوضعية في تخصص العلاقات الدولية. ويفرد الكتاب فصلين متتاليين للنظريات الواقعية؛ فيبدأ بالواقعية الكلاسيكية ودراسة مفكرَين مهمين في هذه النظرية؛ هما ثيوسيدس (حوالى 460 – 390 ق. م) الذي قدّم وصفًا عن الحروب البيلوبونيزية بين أثينا وأسبرطة؛ والآخر هو هانس مورغنثاو المفكّر والمحامي الألماني الذي لجأ إلى الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية.

يحاول ريتشارد ند ليبو في فصل الواقعية الكلاسيكية البحث في أوجه التشابه العديدة في كتابات كلٍ من ثيوسيدس ومورغنثاو، ويستقي النظرة التراجيدية للحياة السياسية التي تشارَك كلاهما فيها؛ إذ ينطلق منظّرو الواقعية الكلاسيكية من طبيعة النظام الدولي التي تطغى عليها الفوضىAnarchy وأنّ السياسة بالمحصلة هي تعبير عن الدوافع البشرية نفسها، وأنّها عرضة للأمراض. ويرى مورغنثاو في كتابه Politics among Nations أنّ السياسة صراع على السلطة التي هي جزء لا يتجزأ من الحياة ذاتها. إضافةً إلى أنّ القدرات العسكرية والتحالفات، هي ركائز أساسية للأمن وحفظ توازن القوى الذي يؤدي وظيفة الحفاظ على الوضع السلمي أو على وجود أعضاء النظام. لقد فهم ثيوسيدس ومورغنثاو السياسة بأنّها صراع على القوة وعلى المصالح الأحادية الجانب. وكانت الفروق بين السياسة المحلية والعلاقات الدولية فروقًا في الدرجة لا في النوع. وكانت القدرة العسكرية والتحالفات وسائل حماية ضرورية في عالم العلاقات الدولية المضطرب والمتقلّب. وفي دراسته للواقعية الكلاسيكية، تطرّق ريتشارد ند ليبو إلى جانب مهم هو الجانب الأخلاقي؛ فالتقيّد بالمعايير الأخلاقية كان لمصلحة أولئك الذين يمارسون السلطة، بقدر ما كان لمصلحة أولئك الذين تمارَس عليهم

هذه السلطة. ويستدل على ذلك من خلال نقد مورغنثاو التدخل الأميركي في شبه جزيرة الهند الصينية؛ إذ جادل بأنّ التدخّل سيفشل لأن غايات الولايات المتحدة الأميركية ووسائلها قد خرقت أخلاقيات العصر. ويعالج الواقعيون الكلاسيكيون قضية التغيير من باب تمييزهم بين الأنظمة على أساس قطبيتها؛ فهي أحادية وثنائية ومتعددة الأقطاب. ويظهر التغيير في النظام حينما يتغير عدد الأقطاب. وغالبًا ما يكون هذا نتيجةً لحروب الهيمنة التي تقوم بها القوى الدولية. وبالنسبة إلى الواقعيين الكلاسيكيين، فإنّ التحوّل مفهوم أوسع من التغيير؛ إذ يربطونه بعملياتٍ أصبحنا نصفها بالتحديث الذي يجلب تحولات في الهويّات والخطابات التي ترافقها مفاهيم متغيرة تتعلق بالأمن. ومع الواقعية البنيوية أو الواقعية الجديدة، ركّز المفكر الأميركي جون ماريشايمر على مفهوم القوة في الفكر الواقعي. ويكمن الانقسام والاختلاف بين الواقعيين في سؤال، هو: لماذا تريد الدولة القوة؟ ويتحدد الجواب بالنسبة إلى الواقعيين الكلاسيكيين أمثال مورغنثاو في الطبيعة البشرية. في حين يرى الواقعيون البنيويون أنّ للطبيعة البشرية علاقة ضئيلة بسبب رغبة الدول في امتلاك القوة، في حين أن بنية النظام الدولي (أو تصميمه البنائي) هي التي تجبر الدول على السعي إلى الحصول على القوة في نظامٍ تغيب فيه السلطة المركزية. ينتقل ماريشايمر ليناقش الانقسام الآخر بين الواقعيين البنيويين الذي يظهر في الإجابة عن سؤالٍ ثانٍ، هو: ما هو مقدار القوة الذي يُعدّ كافيًا للدولة؟ في هذا السياق، يوجد نهجان متنافسان ضمن النموذج الواقعي. ولكلٍ منهما افتراضاته حول المعضلة الأمنيةSecurity Dilemma وتأثيرها في احتمالات الحرب، وإمكانية التعاون بين الدول في سبيل التخفيف من آثار الفوضى في بنية النظام الدولي.

الواقعية الهجومية

تُعدّ افتراضات الواقعية الهجومية متشائمة بخصوص الآثار المترتبة على الفوضى في بنية النظام الدولي. وترى أنّ المعضلة الأمنية تتطلب من كل دولة أن تسعى إلى تحقيق أقصى قدرٍ من القوة الخاصة بها. ولا يقتصر هذا السعي على تعظيم أمنها بل يتعداه لتحقيق الهيمنة والسيطرة على الدول الأخرى، وذلك نتيجة طبيعية لعدم الثقة بنوايا الدول الأخرى.

الواقعية الدفاعية

تشترك مع الواقعية الهجومية في أنّ الفوضوية في بنية النظام الدولي تفرض عدم الثقة بنوايا الدول الأخرى والسعي لتحقيق قدرٍ من القوة يفترض وجود عوامل عديدة مثل التكنولوجيا العسكرية، والجغرافيا، والمعتقدات، والإستراتيجية القومية الحديثة، ما قد يضاعف تكاليف الحرب الهجومية. ونتيجة لذلك، فإنّ إستراتيجيات الدفاع أكثر جاذبية للدول من إستراتيجيات الهجوم. لكن هناك سؤال لم يطرحه الكتاب في سياق دراسة الفكر الواقعي في العلاقات الدولية، وهو: هل ما زالت النظرية الواقعية منهجًا علميًا صالحًا لفهم الظواهر في بنية النظام الدولي وتفسيرها؟ أم أنّها أصبحت تنتمي إلى عهدٍ مضى ولا تصلح لفهم التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي وتفسيرها؟

يذهب عددٌ كبير من دارسي العلاقات الدولية إلى أنّ النظرية الواقعية عفا عليها الزمن، ولم تعد صالحة بوصفها منهجًا علميًا في العلاقات الدولية. وينطلق هؤلاء من أنّ مفاهيم الواقعية كالفوضى وتوازن القوى Power of Balance والاعتماد على الذات Self- Help والقوة Power بكلّ أبعادها وتجلياتها، ترجع إلى حقبة ماضية، وأنّ السياسة الدولية في تغيّ وتحوّل مستمرَّين. وظهرت مفاهيم جديدة، كالديمقراطية والعولمة والاعتمادية والمؤسساتية، تعزز السلام في المجتمع الدولي. وبناءً عليه، فقدت الواقعية قدرتها التفسيريةpower Explanatory بعد الحرب الباردة. وهي اليوم في موقف دفاعي. لقد أثار جون فاسكويز عام 1997 في مقالته "انتكاس النموذج الواقعي في مواجهة تطور برامج البحث" مسألة فقدان الواقعية قدرتها التفسيرية للظواهر في بنية النظام الدولي؛ إذ نقد فاسكويز النهج الواقعي من خلال الاعتماد على فلسفة امري لاكاتوس، وهو أحد أهم الفلاسفة المعاصرين في مجال نظرية المعرفة وتاريخ العلم، وصاحب الكتاب الشهير "منهجية برامج البحث العلمي." إنّ العنصر الرئيس في فلسفة لاكاتوس هو دور الفرضيات المساعدة التي تُضاف إلى صلب النظرية core hard وهي، وفقًا للاكاتوس، النواة الصلبة التي تعمل حزامَ أمان للنظرية العلمية؛ وذلك من خلال وضع الباحثين فرضيات مساعدة جديدة تساعد في الدفاع عن صحة النظرية. وبموجب ذلك تنتج افتراضات جديدة تضاف إلى النواة

الصلبة للنظرية من خلال استخدام التكذيب التجريبيEmpirical4Falsificationووفقًا لذلك ادّعى فاسكويز أنّ الواقعيين رفضوا استخدام المنهج العلمي في تقدير افتراضات الواقعية مما جعلها ساكنة وجامدة وغير قادرة على تفسير الظواهر في بنية النظام الدولي5.

الليبرالية والليبرالية الجديدة

يعمل بروس راسيت في تحليل النموذج الليبرالي في العلاقات الدولية على استخدام الرسوم البيانية لإثبات فرضياتها من خلال دراسة التغيرات الرئيسة في العالم خلال القرن الماضي، وبخاصة في العقود الأخيرة؛ فتدلّ الرسوم البيانية على التراجع، على المدى الطويل، في أعداد قتلى الحروب الناجمة عن الصراعات العنيفة التي شاركت فيها دولة واحدة أو أكثر. ويتضمن الرسم قتلى المعارك التي نجمت عن الحروب بين الدول والحروب الأهلية والحروب الداخلية ذات الطابع الدولي، مثل حرب أفغانستان والعراق وحروب التحرر من الاستعمار. ويرى راسيت أنّه لا يوجد سبب منفرد يفسر انخفاض عدد القتلى الناجم عن الصراعات، إلا أنّ التطورات الكبرى المرتبطة بالليبرالية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا سيما بعد انتهاء الحرب الباردة وهي الديمقراطية والاعتمادية الاقتصادية والمؤسسات الدولية، ساهمت في الحد من الصراعات الدولية في هذه الفترة. وتنطلق الليبرالية من افتراض أنّ الديمقراطيات لا تحارب بعضها البعض وتضع قيدًا على الحروب. ولكن الزعم بأنّ الديمقراطيات بصورة عامة أكثر سلمية فهذا يثير جدلً كبيرًا، كما ذهب فرانسيس فوكوياما في وصفها بالعلاقة المثالية؛ بحيث لم تخض دولة ديمقراطية حربًا ضد ديمقراطية أخرى6. بل إنّ جاك ليفي يقول إنّ أطروحة السلام الديمقراطي هي القانون التجريبي في دراسة العلاقات الدولية. وفي إطار الردّ على ذلك، يطرح أنصار النظرية الواقعية مثال ألمانيا (1914) التي كانت نموذجًا للدولة الديمقراطية الحديثة، من خ لاا الانتخابات النزيهة، والأحزاب المتنافسة، وحرية الصحافة، والبيروقراطية، على درجة عالية من الكفاءة. ولكن، بعد آب/ أغسطس 1914، رأت فرنسا وبريطانيا أنّ ألمانيا تغيّ ت لتكون ديمقراطية سيئة. وإذا افترضنا أنّ الديمقراطيات يمكنها أن تعيش في سلام مع الديمقراطيات الأخرى، وأصبحت كلّ الدول ديمقراطية، فستبقى بنية النظام الدولي فوضوية، ولن يتغير التفاعل في هذه البنية بين الوحدات المختلفة بالتحولات السياسية داخل الدول؛ ففي غياب سلطة مركزية في بنية النظام الدولي قد يصبح "صديق اليوم عدوّ الغد". أمّا بالنسبة إلى أطروحة السلام الديمقراطي، فيرى كينيث والتز أنّ معرفة أسباب الحرب أسهل من الحصول على شروط السلام، لأنّ أسباب الحرب لا تكمن في الدولة فقط أو في بنية النظام الدولي بل في كليهما7. أمّا جينفر ستيرلنغ فوكر فينصبّ اهتمامه على الليبرالية الجديدة وكيفية تحقيق التعاون فيما بين الدول والجهات الأخرى الفاعلة في النظام الدولي. ويظهر التعاون الدولي عندما تُعدّل الدول سلوكياتها لتلائم التفضيلات الفعلية أو المتوقعة للدول الأخرى. وفي تناقض مع الواقعية البنيوية، تُجادل الليبرالية الجديدة بأنّ هناك تطورات تاريخية محددة جرت خلال القرن العشرين جعلت تحقيق التعاون الدولي الآن أسهل نسبيًا ممّ كانت عليه الحال تاريخيًا. وقد كفلت هذه التطورات نماء المؤسسات الدولية بشكليها الرسمي وغير الرسمي. أمّا الاعتمادية، ففي مقالة له (1970) وصفها كينث والتز بأنّها أيديولوجية تستخدمها الولايات المتحدة والقوى الفاعلة في بنية النظام الدولي لتمويه المكاسب والمصالح التي تحققها في السياسة الدولية؛ بحيث تبدو الدول القوية والضعيفة، الغنية والفقيرة على حدٍ سواء تخوض في شبكة كثيفة من الاعتماد المتبادل8. كما أنّ هناك تجاهلً لآثار عدم الانتظام الناجم عن الاعتمادية؛ فبعض الفاعلين في بنية النظام الدولي يكسبون أقلّ من فاعلين آخرين. إذا كنت تعتمد أكثر على طرفٍ آخر فهذا يعني أنّ لديه المزيد من التأثير في مصيرك، وتاريخ السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية حافل بالأمثلة على كيفية استخدام الولايات المتحدة الاعتمادية، متفوّقة في الأداء الاقتصادي والعسكري، تحت عنوان التعاون. ولكن الهدف هو تعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية.

المدرسة الإنكليزية

تركّز المدرسة الإنكليزية على مفاهيم الديمقراطية والتنظيم والقانون والمجتمع الدولي والقيم المشتركة للدول وكيفية تنظيم علاقاتها، ولا يقع في دائرة اهتمامها خلق فرضيات قابلة للاختبار الإمبريقي عن سلوك الفاعلين في بنية النظام الدولي، على خلاف باقي النظريات.

  1. Imre Lakatos, The Methodology of Scientific Research Programmes , 4th edition (Cambridge: Press Syndicate of University of Cambridge, 1994), pp.
  2. John Vasquez, “The Realist Paradigm and Degenerative versus Progressive Research Programs; An Appraisal of Neo traditional Research on Waltz’s Balancing Proposition,” American Political Science Review , Vol.
  3. Francis Fukuyama, “Liberal Democracy as a Global Phenomenon,”
  4. 91, No. 4, (1997), p. 899.
  5. Political Science and Politics , Vol. 24, No. 4, (1991), p. 662. 7 KennethWaltz, “Structural Realism after the Cold War,” International Security , Vol. 25, No.1, (2000), p. 7. 8 Ibid., p. 16.

وبعد مرور أكثر من عقد على نشر كتاب Inventing International Society "اختراع المجتمع الدولي" لم تبق المدرسة الإنكليزية مهملة؛ فمن المؤشرات التي يقودها تيم دان، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية في جامعة اكستر ومحرر المجلة الأوروبية للعلاقات الدولية، إدراج المدرسة الإنكليزية ضمن الكتب الدراسية المؤثّرة، وكذلك الحال بالنسبة إلى عدد كبير من النقاشات حولها ظهر في مجلات ودوريات علمية رائدة في مجال العلاقات الدولية.

وعلى خلاف ما يوحي به اسمها، لم تكن المدرسة الإنكليزية يومًا إنكليزية إلى هذا الحد؛ فهناك اهتمام كبير بأعمالها في القارة الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، وأستراليا، والهند، والصين، وتمثّل اليوم على حدّ زعم دان مقاربة متميزة في تخصص العلاقات الدولية، على الرغم من أنّ هذه لم تكن حالها خلال الحوارات العظيمة المتعاقبة بين النماذج المسيطرة في سبعينيات القرن العشرين (الواقعية، والليبرالية، والماركسية)، والتي تبعها الحوار الذي دار بين الواقعية الجديدة ونقّادها في الثمانينيات. ويرى منظرو المدرسة الإنكليزية أنّها تحتل موقعًا متوسطًا في تخصص العلاقات الدولية إلى جانب البنائية. وهذا الموقع هو موقع مفصل لنظريات الاتجاه السائد المسيطر، كالواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة. والجدير بالذكر، أنّ البنائيين استحسنوا التداخلات في مقاربتهم العلاقات الدولية مع مقاربة المدرسة الإنكليزية. ويظهر ذلك في كتاب هيدلي بُل تحت عنوان Anarchical Society "المجتمع الفوضوي" إذ يؤكد بُل أنّ المنظومة الدولية هي في أصلها ميدان اجتماعي يجعل الدول فاعلة ويكيّفها لاتباع قواعده ومواثيقه. ويرى كلٌ من البنائية والمدرسة الإنكليزية أنّ المعايير والمؤسسات هي تعبير عن المعرفة والقيم المشتركة.

النظرية الماركسية ومدرسة فرانكفورت

تتميز الماركسية والنظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت) جوهريًا عن النظامين الفكرييَن الليبرالي والواقعي. وتركّز الماركسية والنظرية النقدية على العوامل الاقتصادية والمادية في فهم الظاهرة الدولية. وتشكّل الماركسية نظامًا فكريًا ضخمً ومتنوعًا من البحوث الأكاديمية والنشاط السياسي التطبيقي الذي من الصعب استعراضه كاملً بدقة، لذلك يحاول مارك روبرت رسم خريطة لهذا الواقع المتنوع، والتركيز على النقاط الأبرز في النموذج الماركسي، والبحث عن القاسم المشترك فيه، وهو الرغبة في إعطاء تأويل نقدي للرأسمالية التي تُفهم بكونها شكل من أشكال الحياة الاجتماعية جرى إنتاجه عبر التاريخ. إنّ الإسهام الفكري الماركسي الأكثر تأثيرًا في رصد السياسات الدولية وتحليلها، ذلك الذي يهدف إلى التنظير حول الهرميات العولمية للقوة والثروة، بما فيها نظريات الإمبريالية. لم تكن الرأسمالية بالنسبة إلى ماركس ظاهرة محلية خالصة، محصورة بإحكام في الأوعية الجغرافية للدول القومية الحديثة، بل إنّ دينامياتها التوسعية قد فاضت عن تلك الحدود وتباعدت عن النطاق الجغرافي للسلطة السياسية التي قاعدتها الدولة. بالنسبة إلى ماركس، كانت لقوى رأس المال الاجتماعية آفاقٌ عولمية منذ زمن طويل. خلال الحقبة المبكرة من القرن العشرين، برز جيلٌ من الكتّاب الماركسيين الذين جادلوا بأنّ العمليات المتقدمة في التراكمية الرأسمالية كانت تدفع البلدان الرأسمالية الرئيسة نحو التوسعية الاستعمارية الكولونيالية. ومن العوامل التي دفعت الرأسمالية نحو الاستعمارية، البحث عن المواد الخام، والإنتاج الفائض الذي يتطلب البحث عن أسواق، والتراكم الزائد عن الحاجة. ومن أشهر هؤلاء الكتّاب روزا لوكسمبورغ، ورودلف هيلفردنغ، ونيكولاي بوخارين؛ فقد تلاقت أفكارهم حول فكرة أنّ البلدان الرأسمالية المتقدمة سوف تكون مدفوعة بضرورات تراكم رأس المال إلى دعم التوسع العالمي لتكتلاتهم الاحتكارية الكبرى المكونة من رأس المال الصناعي - المالي. وقد بدت الحرب العالمية الأولى تأكيدًا لذلك الاتجاه. واجهت النظريات الكلاسيكية الإمبريالية نقدًا حادًا في ما يتعلق بتمثيلها نوعًا من نزعات الحتمية الاقتصادية؛ أي فكرة أنّ العمليات المتأصلة في الاقتصاد هي المقرر الأولّي للحياة الاجتماعية والسياسية. وعلى المستوى السياسي، سرعان ما تصلّبت الماركسية في شكل دغمائية ستالينية صارمة في خدمة دولة الحزب الواحد، ما قاد إلى كبت الخطاب النقدي. وقد نفهم من خلال هذا السياق التاريخي تطور النظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت) التي لم تأت في إطار

نقدها للرأسمالية فحسب، بل في إطار نقدٍ موازٍ للوضعية والحتمية الاقتصادية بوصفهما طريقين لفهم الحياة الاجتماعية. ويشير تعبير مدرسة فرانكفورت إلى مجموعة من المنظرين الذين ارتبطوا أصلً بمعهد الأبحاث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت الذي انطلق في العشرينيات من القرن الماضي. وعمل هؤلاء المنظرون ضمن روح النقد الماركسي وابتعدوا عن الأشكال الماركسية الأكثر قربًا من الاتجاه الماركسي السائد. وقد بدأ منظّران المناورات الريادية الفكرية لمدرسة فرانكفورت، وهما: ماكس هوركهايمر وثيودور أورنو.

رأى منظّرو مدرسة فرانكفورت أنّ الماركسية في الاتحاد السوفياتي تحوّلت إلى عقيدة في الحتمية الاقتصادية وضاقوا ذرعًا بانشغال الماركسية الأرثوذكسية بالإنتاج وبالتركيز على الدور التاريخي للبروليتاريا أو الطبقة العمالية الصناعية. وقد كانوا متشككين في إمكان التوصّل إلى أنماط المعرفة المثبتة موضوعيًا بمعزلٍ مستقل عن السياق الاجتماعي، وبمعزل عن الممارسات والمعايير السائدة. وقاد هذا إلى التشكيك في الادعاءات العلمية الموضوعية المرتبطة بأشكال الفلسفة الوضعية في نظرية العلاقات الدولية، وفي الحتمية الاقتصادية التي بُنيت عليها النظريات الكلاسيكية المتعلقة بالإمبريالية أو نظرية المنظومة العالمية. وظهرت مساهمات رائدة في بدايات الثمانينيات من القرن العشرين من مفكرين، أمثال ريتشارد أشلي وروبرت كوكس؛ فمقاربة النظرية النقدية للسياسة العولمية تأخذ منظورًا علائقيًا ذا طابع عملياتي، وتسعى من خلاله إلى إظهار القوى الاجتماعية (الطبقات، والحركات الاجتماعية...) والدول، والنظم العالمية مترابطة معًا في كوكبة خاصة من الهياكل التاريخية. وتتّجه المقاربة إلى البحث في الطرائق التي جرى فيها اجتماعيًا إنتاج هذه الهياكل التاريخية بما تتضمّنه من جوانب سياسية وثقافية واقتصادية، وفي الطرائق المتنوعة التي تقوم بها هذه الهياكل بتمكين الوكلاء الاجتماعيين المختلفين، وفي أنواع المقاومات التي تولّدها علاقات القوة.

ثالثًا. حوار ما بعد الوضعية

البنائية: جسر بين النظريات الوضعية وما بعد الوضعية

تنظر البنائية للعلاقات الدولية على أنّها بناء اجتماعي، متخذةً موقفًا مغايرًا لموقف النظريات الوضعية من مفاهيم أساسية (المصلحة القومية، والأمن، والهوية). ويهتم البنائيون بالقوى الفاعلة غير الدول، مثل المنظمات الحكومية وغير الحكومية، فضلً عن تركيزهم على العوامل المعرفية والذاتية التي تنتج من تفاعل هذه الوحدات في علاقاتها البينية. وترى كارين فيرك أستاذة العلاقات الدولية في جامعة سانت اندروز في الفصل التاسع من الكتاب، أنّ البنائية شكل من أشكال النقد للعقلانية فهي تتضمن رفضًا بالجملة للأسلوب العلمي؛ إذ يرفض البنائيون الافتراضات الوضعية بوجود قوانين أو "شبه" قوانين تحكم الظاهرة الاجتماعية والسياسية بعيدة عن إرادة الفاعل وقدرته على التأثير في المحيط، وترفض البنائية أيضًا افتراضات الوضعية بإمكانية تحقّق الموضوعية في دراسة الظاهرة السياسية؛ أي فصل الذات عن الموضوع. يقوم الافتراض الأساسي للبنائية على أنّ الإنسان كائن اجتماعي؛ بمعنى أنّه لا يمكن لنا أن نكون أناسًا دون علاقاتنا الاجتماعية التي كوّنت الناس على ما هم عليه الآن، ونحن نكّون العالم بما نفعل. وفي هذا الاتجاه، كتب نيكولاس انوف، أوّل من قدّم البنائية لتخصص العلاقات الدولية، كتابه World of our Making "عالم من صنعنا" وقال إنّ الدول والمجتمعات من صنع الناس من خلال تفاعلاتهم البينية مع البناء. ومن هنا، فإنّ جوهر البنائية يتمثل بأنّ الأفراد يصنعون المجتمع، والمجتمع يصنع الأفراد. وهذا المحور ذو الاتجاهين أو العملية التبادلية بين المجتمع والأفراد، هو محور اهتمام البنائية التي لا تُعدّ نظرية وإنما هي طريقة لدراسة العلاقات الاجتماعية9. وبناءً عليه، تحاول البنائية تسليط الضوء على ما أسماه أنطوني غدينز بالثنائية؛ أي العلاقة بين الفاعل Agent البنية، حيث لا يأخذ سلوك الفاعل الأهمية كاملة ولا تطغى البنى على الفاعل، ويكون التركيز على عملية التبادل والتفاعل بينهما. وعلى الرغم من أنّ نيكولاس

  1. Nicolas Onuf, World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations (Columbia: University of South Carolina Press, 1989), p. 93.

انوف أوّل من قدّم البنائية لتخصص العلاقات الدولية، فهي غالبًا ما ترتبط بألكسندر فندت الذي كتب مقالته الشهيرة عام 1992 تحت عنوان "الفوضى هي ما تصنعه الدول من الفوضى" Anarchy It of Make State What Is، حيث بدأ في نقد الواقعية الجديدة بخاصة زعمها أنّ غياب سلطة عالمية لا يترك للدول خيارًا سوى التنافس فيما بينها من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من المصالح من أجل البقاء. ومن هذا المنظور، وفقًا لفندت، فإنّ هوية الدول ومصالحها على حدٍ سواء معطيات محددة وفقًا لتعريفها من خلال بيئة الفوضى. توسّع فندت في هذه النظرية في كتابه Social Theory of International Politics "نظرية اجتماعية في السياسة الدولية" ما يقودنا إلى تذكّر عنوان أطروحة كينث والتز في الواقعية البنيوية نظرية السياسة الدوليةTheory of International Politics " التي تمثّل التيار الوضعي في دراسة العلاقات الدولية انطلاقًا من فرضيات إبستمولوجية ومنهجية مستوحاة من العلوم الطبيعية؛ إذ ظهر كتاب والتز في النصف الثاني من العقد السابع من القرن العشرين في ذروة الجدل بين الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة، وطرفا الجدل هما من التيارات الوضعية التي تعتقد في دراسة الظاهرة السياسية دراسة علمية تقوم على الملاحظة والتجريب، وفي إمكانية فصل الذات عن الموضوع. في حين جاء كتاب فندت ردًا على النظرية الواقعية وتأكيده مسائل عديدة، من بينها الهوية والعلاقة بين الفاعل والبناء، والتي أصبحت تُعرف في حقل العلاقات الدولية.10 Agent-Structure debate "بجدل "الفاعل – البناء

النظريات النسوية

ظهرت النظريات النسوية في تخصص العلاقات الدولية في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين. وتنطلق هذه النظريات من زعم أنّه لا يمكن التوصل إلى فهمٍ كلّ للتأثير التمييزي لنظام الدولة والاقتصاد العالمي في حياة النساء والرجال إلّ من خلال تقديم تحليل الجندر الذي يعرّفونه بأنّه مجموعة من الخصائص المبنية اجتماعيًا تصف ما يجب أن يكون عليه الرجال والنساء. لقد أعاد نسويّو تخصص العلاقات الدولية تفحّص بعض المفاهيم الأساسية في المجال بأسلوب نقدي، كمفاهيم السيادة والدولة والأمن. وسعوا إلى لفت الانتباه إلى حجب المرأة والتبعية الجندرية في السياسة الدولية والاقتصاد العالمي. وكغيرها من النظريات ما بعد الوضعية، شكّكت في الأسس المعرفية والوجودية على حدٍّ سواء، لمجال كانت تسيطر عليه النظريات الوضعية والعقلانية والمادية، ورفضت المنهجيات العقلانية والتفسيرات السببية. وساهمت النظرية النسوية في تخصص العلاقات الدولية في فهمنا للسياسة العالمية عبر السنين العشرين الأخيرة. وأبرزت النساء، وحققت في الهياكل الجندرية للمفاهيم والسياسات الدولية، وشككت في طبيعة الفئات الجندرية التي تُشكّل السياسة العالمية، وتتشكل منها.

ويركّز النسويون على دراسة العلاقة بين المعرفة والقوة. ويشيرون إلى أنّ معظم المعرفة كوّنه الرجال ويتعلق بهم. وينزّلون العلاقات الاجتماعية في دراسة العلاقات الدولية منزلة خاصة، وبدلً من التركيز على الفوضى في وصف بنية النظام الدولي، فإنّ النظرية النسوية ترى أنّ النظام الدولي تشكّل من خلال تسلسلات هرمية جندرية مبنية اجتماعيًا تساهم في التبعية الجندرية. وفي سبيل الكشف عن هذه التسلسلات الهرمية الجندرية، يبدأ النسويون تفحصاتهم للعلاقات الدولية على المستوى الجزئي، وذلك في محاولة فهم كيف تؤثّر حياة الأفراد خصوصًا المهمشين في السياسة العولمية، وتتأثّر بها.

ما بعد البنيوية وما بعد الاستعمارية

بناءً على انتقادات النظرية الواقعية والواقعية الجديدة من خلال دراسات كلٍ من ريتشارد أشلي ومايكل شابيرو وجيمس دريان وروب ب. ووكر، ظهر توجّه ما بعد البنيوية في تخصص العلاقات الدولية في ثمانينيات القرن العشرين. ما دفع هذه المساهمات لإدراك ما شهدته فروع المعرفة الأخرى في العلوم الاجتماعية والإنسانيات من حوارات مهمة تتعلق بكيف بُنيت المعرفة عن العالم. لذلك تمّ السعي إلى ربط تخصص العلاقات الدولية بسياقه المتعدد التخصصات، وذلك

  1. خالد المصري، "النظرية البنائية في العلاقات الدولية"، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، مج 30، العدد الثاني، (2014)، ص.321

عن طريق تقديم مصادر جديدة للنظرية. ولم يكن الهدف من ذلك نظريًا صرفًا، بل من منطلق أنّ الواقعية والواقعية الجديدة قد همّشتا أهمية الجهات الفاعلة والقضايا والعلاقات الجديدة العابرة للحدود الوطنية، وفشلتا في أن تسمعا أصوات المستثنين والمنظورات المستثناة. وهكذا، بدأ ما بعد البنيوية باهتمام أخلاقي يشمل أولئك الذين تجاهلهم التيار الرئيس في تخصص العلاقات الدولية. إنّ ما بعد البنيوية ليس نموذجًا أو نظرية للعلاقات الدولية، بحسب وصف ديفيد كامبل، إنّ ا هو توجّه فكري نقدي، أو مقاربة نقدية، أو روح أخلاقية نقدية توجّه أنظارنا نحو أهمية التمثيل، والعلاقة بين القوة والمعرفة، وسياسة الهوية في فهم الشؤون العولمية. ويعني هذا أنّ ما بعد البنيوية لا ينسجم مع وجهة النظر التقليدية التي تفترض أنّ العلاقات الدولية مجال تخصص يتميز بنماذج فكرية معيارية مختلفة تتنافس في حوارات عظمى. وهو يُروّج لمجموعة جديدة من الأسئلة والاهتمامات، لكونه توجّهًا نقديًا وليس نظرية. لذا، فإنّ ما بعد البنيوية مقاربة تنتج من حوارات مسبقة وممتدة في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، بطريقة مماثلة لنظرية ما بعد الاستعمارية التي تعمل على إبطال موروثات الإمبريالية الأوروبية، حيث تشير ما بعد الاستعمارية إلى أنّ المعرفة، أو ما يقال عنه إنّه معرفة، ليس تصورًا كاملً للحوادث البتة، ويمكن غالبًا فهم الفجوات بين ما قيل إنّه حصل وما حصل بالفعل من خلال فحص كيف شكّلت الهياكل الإمبريالية والاستعمارية مؤسسات البحوث الأكاديمية. لهذا تُجادل ما بعد الرأسمالية في صحة الأفكار والعموميات المبتذلة التي تظهر اليوم رسميًا في الخطابات الأكاديمية والخطابات العامة على أنّها "معارف خبيرة" عن التوسعات الاستعمارية السابقة، ويشكّك منظرو ما بعد الاستعمارية في الدراسات الإثنية وتصوراتها لمفاهيم الثقافات والطقوس والهياكل الاجتماعية التي اكتشفها الإثنوغرافيون الاستعماريون، لأنّها أظهرت تفكيرهم الطبقي الذي كان متضاربًا مع ما كان موجودًا. والملاحظ أنّ ما بعد الاستعمارية تحافظ على مواقفها المتساوقة تجاه السياسة، ولا تميّز هذه المواقف بين المجال المحلي والقومي والدولي؛ ففي المجال الدولي، تدرك فشل القوى الاستعمارية في دمج الدول المتحررة من الاستعمار في عمليات صنع القرار الخاصة بالمنظومة الدولية.

النظرية الخضراء

على الرغم من أنّ المشكلات البيئية لم تكن محلّ دراسة وبحث في تخصص العلاقات الدولية الذي ركّز تقليديًا على قضايا الأمن والصراع بين الدول، تَركت المسائل البيئية بصْمتها على معظم فروع العلوم الاجتماعية والإنسانيات، شأنها في ذلك شأن المسائل النسوية؛ فمع العقد الأخير من القرن العشرين ظهرت مجموعة من النظريات الخضراء التي شكّكت في بعض الافتراضات الأساسية لتخصص العلاقات الدولية، وساهمت في إظهار ما يسمى العمى (الجهل) البيئي عند نظرية العلاقات الدولية، وذلك من خلال استنادها إلى خطابات خضراء من خارج تخصص العلاقات الدولية.

استندت النظريات الخضراء إلى الاقتصاد السياسي الدولي ونظريات العلاقات الدولية المعيارية ذات التوجّه الكوزموبولياتي وراجعتها نقديًا ونجحت في توسعتها؛ بحيث تحدّت أشكال الفهم التقليدية للأمن، والتنمية والعدالة الدولية بخطابات حول الأمن البيئي والتنمية المستدامة والعدالة البيئية. وع ت عن الاهتمامات المتداخلة للحركات الاجتماعية الجديدة (كالبيئة، والسلام، ومناهضة الطاقة النووية، والشؤون النسوية) التي شكّلت السياسة الخضراء، وكانت مقدمة لتشكيل أحزاب جديدة في الثمانينيات. يمكن القول إنّ أوّل موجة من النظريات السياسية الخضراء قدّمت نقدًا للرأسمالية الغربية والشيوعية ذات الطراز السوفياتي اللتين عدّتا شكلين مختلفين جوهريًا من أشكال الأيديولوجية الصناعية الشاملة نفسها. وانتقدت تلك النظريات العلاقة الأداتية للبشرية بالطبيعة غير البشرية، وانتقدت تبعية الشعوب الأصيلة وعددًا من أشكال الزراعة التقليدية. ودعا المنظرون الخضر إلى التشكيك في فكرة التمحور حول الإنسان أو الشوفينية البشرية التي تقول بأنّ البشر هم قمة سلسلة التطور، وأنّهم مركز القيمة والمعنى في العالم، في حين تبنّى الخضر فلسفة تتمركز حول البيئة وتسعى لاحترام أشكال الحياة من حيث أنماط وجودها المميزة الخاصة بها. ويبقى هناك خلافٌ بين المنظّرين السياسيين الخضر بخصوص فهم السياسة الخضراء بوصفها مناهضة للحداثة، أو ما بعد حداثية، أو أنّها تسعى إلى حداثة أكثر انعكاسية. لا شك في أنّ الموجة الثانية للنظرية السياسية الخضراء في أواسط التسعينيات وما بعدها كانت

أقل انشغالً بالانعكاس الفلسفي النقدي على موقف البشرية تجاه العالم غير البشري، وأكثر اهتمامًا باستكشاف العوامل التي قد تُحسّن القدرة على التحديث الانعكاسي المتفاعل مع البيئة تبادليًا لدى المواطنين، والقائم على تحويل الدول ونظام الدول إلى الديمقراطية؛ ما يسفر عن رأسمالية عولمية مقيدة بشكل أكبر من الناحية البيئية، ومجتمعات ودول في عالم المخاطر البيئية المتصاعدة والمنتشرة.

رابعًا. مسألة التخصص في العلاقات الدولية

إنّ ما نعرفه عن نظرية العلاقات الدولية مرهون دائمًا بالنظرية المستخدمة؛ فلا يمكن أن نحذف النظرية ونحصل على معرفة نقية عن الواقع. لذا لا يمكن للمرء أن يتعرف إلى العلاقات الدولية بوصفها ممارسة إلا عندما يتعرف إلى تخصص العلاقات الدولية. ولا يعرف نظريات تخصص العلاقات الدولية منفصلة إلّ عندما يفهم مدى تأثير هذه النظريات. ما يساعد، وفقًا لأوليه وايفر في الإجابة عن معضلة في الكتاب؛ وهي: بأيّ معنى يمكن عدّ هذه النظريات المختلفة نظريات في تخصص العلاقات الدولية؟ فالبعض منها وافد من حقول أخرى من الاقتصاد (كالنظرية الليبرالية، والليبرالية الجديدة)، ومن الدراسات الثقافية (ما بعد الاستعمارية)، ومن الفلسفة (ما بعد البنيوية)، ومن الاقتصاد السياسي (الماركسية)، ومن مصادر متنوعة (النسوية)، حتى إنّ بعض النظريات يخالف تخصص العلاقات الدولية. فهل هي نظريات في تخصص العلاقات الدولية على الرغم من ذلك؟ وبناءً عليه، يحتاج التخصص إلى أمرين من أجل أن يكون له وجود، هما: 1- موضوع واضح ومتميّز، أو 2- الاتفاق حول التعريف. وربما وجهة النظر الأكثر انتشارًا هي الأولى، أي إنّ التخصصات توجد بسبب وجود موضوعها، وبقدر ما هو موجود. فهنالك مثلً كائنات حية في الوجود، وهناك علم الأحياء، وهنالك اقتصاد وعلم الاقتصاد، ويوجد ناس يعانون اضطرابات نفسية وهنالك علم النفس. ولكن، وفقًا لميشال فوكو، لا تعكس التخصصات صورة الموضوعات المحددة؛ فمفهومنا عن الاقتصاد أو النفس بوصفهما موضوعين مستقلين ومتميزين، يشكّل في مرحلة معينة من الزمان فقط ويستبدل الطرائق الأخرى في وصف العالم وتمييزه. أمّا الموقف الثاني المرتبط بالاتفاق حول التعريف، فيحتاج إلى إجماع على الرأي الذي وفقًا له يوجد الموضوع. وقد يبدو أنّ المقدرة على الاستمرار في توليد توافق في الرأي في مجتمع من الباحثين هي المفتاح لوجود التخصص وبقائه. إلا أنّ هذا الموقف من الناحية الإمبريقية لا يرتكز على أسس صلبة تمامًا، كما هو الموقف الأول. ويأتي وايفر بمقاربة ثالثة غائبة عن نقاشات التخصص، وهي تصوّر مفاهيمي للتخصص بكونه يركّز على القوة والمؤسسات. ومن خلال هذه المقاربة يمكن رؤية تخصص العلاقات الدولية كونه حقيقيًا ومتكاثرًا حتى في غياب موضوع واضح ومحدد (ممارسة العلاقات الدولية)، وفي غياب اتفاق مشترك (تخصص العلاقات الدولية)، ويصبح هذا الأمر واضحًا من خلال إلقاء نظرة سريعة، سوسيولوجية وخارجية على نشاط باحثي العلاقات الدولية.

غالبًا ما يُنظر إلى تخصص العلاقات الدولية على أنّه تخصصٌ فرعي من علم السياسة. ويتميز تخصص العلاقات الدولية باستقلاليته التخصصية؛ بحيث انبثق له مختصون ومؤسسات منفصلة مستقلة جزئيًا عن علم السياسة خصوصًا في القارة الأوروبية. ومن المؤسسات الرائدة في هذا المجال: جمعية الدراسات الدولية ISA، ونظيرتها البريطانية BISA، كما أنّ لتخصص العلاقات الدولية عددًا من المجلات الأكاديمية والمنظمات والمؤتمرات المستقلة الخاصة به؛ بمعنى أنّ له هياكل اجتماعية وأخرى فكرية. وتتضمن الهياكل الاجتماعية مؤسسات تبدأ من تلك المنظمة الرسمية والكبيرة الممثلة بالأكاديميات، إلى تلك الأصغر التي غالبًا ما تكون غير رسمية؛ كإجراءات التحكيم في أشهر المجلات الأكاديمية. أمّا الهياكل الفكرية فهي تشتمل على كيفية ارتباط المعرفة المتعلقة بالتخصص ببعضها؛ أي إلى أيّ حدٍ تشتمل النظريات الشمولية أو النماذج المعيارية الشمولية على المساهمات المختلفة أو توحّدها من خلال طرائق أو أساليب واضحة؟ وما هي درجة التنبؤ المتاحة لممارسي المهنة حتى يتوقعوا إن كانت أعمالهم ستحتسب إضافة جديدة وذات معنى؟

خاتمة

يُعدّ كتاب "نظريات العلاقات الدولية التخصص والتنوع" إضافة جوهرية ومهمة للمكتبة العربية في تخصص العلاقات الدولية في إطار الرسالة الفكرية والأكاديمية التي يضطلع بها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وفي إطار نشاطه العلمي والبحثي؛ إذ يعدّ الكتاب الأول في المكتبة العربية الذي يتناول نظرية العلاقات الدولية بالشرح والتفصيل؛ فمن حيث المحتوى، يرصد الكتاب أغلب نظريات العلاقات الدولية، ويتيح الأدوات والوسائل التي تساعد الباحث أو الطالب في تطوير فهمه وتعزيز قدراته على تفسير الظاهرة الدولية بجميع أبعادها، ليصبح كتاب نظريات العلاقات الدولية دليلً يرشد الباحث إلى التفكير في الأسئلة الراهنة التي تهيمن على حقل العلاقات الدولية. أمّا من حيث الشكل، ففي بداية كل فصل من الكتاب يجد القارئ دليلً يمهّد للمواضيع والقضايا، فضل عن التحليل؛ بحيث يدرس معدّو الكتاب الأفكار المحددة للنظرية موضوع البحث والدراسة. ويتميز الكتاب بوجود "دراسة حالة"، ما يساعد الطلبة على الربط بين النظرية والتطبيق. وفي نهاية كل فصل، يزوّد الكتاب الباحث بمجموعةٍ من المراجعات وقوائم تمثّل دليلً إرشاديًا لكتبٍ تُعدّ أمهات الكتب في تخصص العلاقات الدولية، ومواقع إلكترونية مفيدة وجوهرية في نظرية العلاقات الدولية، ما يوسّع معارف الباحث في مجال النظرية بالأدبيات الفكرية المتاحة.