قراءة في كتاب :هل انتهى القرن الأميركي؟

Is the American Century Over?

منير الكشو| Mounir Kchaou *

الملخّص

عنوان الكتاب: هل انتهى القرن الأميركي؟ المؤلف: جوزيف صموئيل ناي Joseph Samuel Nye سنة النشر: 2015 الناشرPolity Press : عدد الصفحات:152 حكمات العبد الرحمن*Hikmat Abdul Rahman | ​

Abstract

Book Title: Is the American Century Over? [English]

الكلمات المفتاحية:

Is the American Century Over ? عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: هل انتهى القرن الأميركي؟ المؤلف: جوزيف صموئيل ناي Joseph Samuel Nye سنة النشر: 2015 الناشر: Polity Press عدد الصفحات: 152

"Is the American Century Over?"

ولد مؤلف الكتاب جوزيف صموئيل ناي سنة 1937، وقد شغل خطة عميد لمعهد جون كينيدي لإدارة الحكم التابع لجامعة هارفرد الأميركية، وعمل أستاذًا بالمعهد نفسه، وتولى عديد المناصب الرسمية منها مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن في حكومة الرئيس كلنتون، ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني. وأسس مع روبرت كوهين مركز الدراسات الليبرالية الجديدة في العلاقات الدولية. وعمل على تطوير وجهة للعلاقات الدولية ليبرالية في صميمها، ومناقضة لوجهات نظر الواقعيين أمثال كيسنجر ووالز ومرغنثرو، والانعزاليين أمثال بات بوكنان، والمحافظين الجدد أمثال كاغان وكريستول وكروثماير. ألّف جوزيف ناي العديد من الكتب نذكر منها بالخصوص كتاب القوة الناعمة: وسيلة النجاح في عالم السياسة الدولية1، وكتاب مفارقة القوة الأمريكية2، وكتاب ملزمون بالقيادة: تغير طبيعة القوة الأمريكية3. واشتهر خاصة باستخدامه لمفهومي القوة الناعمةSof tPower، والقوة الذكية Smart Power، مقابل القوة الصلبة Power Hard، في تحليل العلاقات الدولية. وقد لا يحمل هذا الكتاب، الصادر في كانون الثاني/ يناير 2015، للقارئ المطلع على كتابات ناي وآرائه السابقة في السياسة الدولية جديدًا يذكر على مستوى المفاهيم والمقاربات، لكنّ أهميته تكمن بلا شك في تطبيق تلك المفاهيم والمقاربات على الواقع الدولي الراهن والتحولّات التي طرأت على توزيع القوة بين الدول والأمم، وفي الردّ على عديد المحللين والدارسين الذين تسرّعوا بحسب المؤلف في الحكم بانتهاء القرن الأميركي، وأفول عصر الريادة الأميركية، وتحوّل مركز النفوذ نحو بلدان صاعدة ما فتئت مصادر القوة لديها تتزايد وتتراكم مثل الصين، أو البلدان الأخرى المنضوية معها ضمن ما يُعرف ب "البريكس" BRICS الذي يضمّ البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا. وقد اختار ناي لكتابه هيكلً مغايرًا لهيكل مؤلَّف أكاديمي تقليدي بمقدمة وفصول وعناوين فرعيّة، وإنّ ا جاء في قالب حواري يشبه الحوارات الصحفية، وإن خلا من الأسئلة والأجوبة والمُحا ور الذي يطرحِ الأسئلة. فالكاتب يستبق قارئه بطرح أسئلة والإجابة عنها، ومناقشة الأفكار الرائجة حول أفول القرن الأميركي، ليقدم في آخر الكتاب دليل توجيهيًا للقارئ لمزيد الاطلاع والتعمق في المسائل التي يثيرها. لذلك يمثّل الكتاب في رأينا موردًا مهمً للطلاب والباحثين والمهتمين بالوضع الدولي لصوغ أسئلتهم وأفكارهم على نحو عليم، ومكافحتها مع الوقائع المتحولة والمتشعبة لعالم السياسة الدولية. يتكوّن الكتاب من ستة فصول، هي بالأحرى عناوين كبرى: "ابتكار القرن الأميركي"، و"انحطاط أميركي؟"، و"تحديات وانحطاط نسبي"، و"صعود الصين"، و"الانحطاط المطلق: هل أنّ أميركا مثيلة لروما؟"، و"تحولات القوة والتعقيد العالمي"، وينهيه بخاتمة يحصر فيها أهم الاستنتاجات، ويقدم في آخر الكتاب دليلً للقارئ لمزيد الاطلاع. في ما يشبه التقديم الوجيز للمشكل والأطروحة التي يدافع عنها، ينبّه ناي الباحثين في هذه المسألة من مغبّة التسرّع في إطلاق الأحكام. فعلى الرغم من أنّ استطلاعات الرأي التي أجريت حول العالم في السنوات الأخيرة قد أوضحت أنّ المستطلعين من خمسة عشر بلدًا من أصل اثنين وعشرين أفادوا أنّ الصين ستعوض أو أنّها قد عوضت الولايات المتحدة الأميركية في قيادة العالم، وعلى الرغم مما كشفه استطلاع للرأي أجراه معهد "بيو" Pew سنة 2014 من أن %28 فقط من الأميركيين لا يزالون يعتقدون أنّ بلدهم يحتل موقعًا "متقدمًا على الآخرين" في حين كانت هذه النسبة %38 سنة 2011، فإنّ ناي يرى أنّ الواقع قد يفاجئنا بخلاف ما نعتقد، وأنّ على دارسي العلاقات الدولية أن يتحلّوا بالرصانة الأكاديمية، وأل يتسرّعوا في إطلاق الأحكام وإعلان نهاية عصر وبداية تاريخ جديد.

متى بدأ القرن الأميركي؟

يطرح الفصل الأول من الكتاب السؤال: متى بدأ القرن الأميركي؟ يؤكد ناي في هذه النقطة غياب الإجماع بين الدارسين على تاريخ بداية القرن الأميركي. فلئن أرجعه بعض الدارسين إلى سنة 1917 عندما قطع الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في ذلك الوقت مع التقليد الانعزالي السائد في الثقافة السياسية الأميركية، وأرسل جنودًا إلى أوروبا للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، واقترح تشكيل عصبة الأمم المتحدة لتنظيم الأمن العالمي، ينبه آخرون إلى أنّ أميركا عادت بعد ذلك إلى منزعها الانعزالي من جديد في الثلاثينيات من القرن المنقضي بعد عودة الجنود إلى الوطن. لهذا سيكون من الملائم، في نظر ناي، تحديد بداية القرن الأميركي مع دخول الرئيس فرانكلين روزفلت الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة التي برز فيها أول استخدام لهذا التعبير "القرن الأميركيّ" بقلم الصحافي هنري لوس في افتتاحية كتبها لمجلة " ليف " في شباط/ فبراير 1941، معلنًا عن بداية العصر الأميركي. وقد جاءت قرارات الرئيس هاري ترومان إثر نهاية الحرب العالمية الثانية لترسخ الريادة الأميركية في العالم، ولتقطع نهائيًا مع المنحى الانعزالي المحافظ في السياسة الخارجية الأميركية. وضمنت لأميركا وجودًا دائمًا لقواتها العسكرية في الخارج في أوروبا وفي جنوب شرق

  1. جوزيف صموئيل ناي، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي (الرياض: دار العبيكان،.)2007
  2. جوزيف صموئيل ناي، مفارقة القوة الأمريكية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي (الرياض: دار العبيكان،.)2003
  3. Joseph Samuel Nye, Bound to Lead: The Changing Nature of American power)New York: Basic Books Inc., 1990).

آسيا. كما أنّ الولايات المتحدة استثمرت الكثير من المال في مخطط مارشال للنهوض الاقتصادي في أوروبا ما بعد الحرب، وأنشأت منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" سنة 1949 الذي حارب في كوريا سنة 1950، وأبرمت تحالفًا مع كل من اليابان وأوروبا وبريطانيا من أجل احتواء النمو المتسارع للقوة السوفياتية، وأقامت وجودًا عسكريًا دائمًا في مناطق جغرافية موزعة على العالم لا يزال متواصلً إلى اليوم. لكن هل يعني ذلك أنّ الولايات المتحدة هيمنت على العالم إلى حد أنّ القرن العشرين وسم بالقرن الأميركي؟

يرى ناي أنّنا إذا عرّفنا الهيمنة من خلال مفردات القوة الاقتصادية، ومن ثمّ اتساع حصة دولة ما من مجمل الاقتصاد العالمي، فإنّه يمكننا أن نقول إنّ القرن الأميركي قد انطلق مع بداية القرن العشرين، عندما تنامت القوة الصناعية الأميركية لتجعل من الاقتصاد الأميركي يعادل ربع اقتصاد العالم إبّان الحرب العالمية الأولى. وهي القوة التي يتوقع تقلصها في العشرية المقبلة وفق المحللين والخبراء الذين يرجّحون احتمال تجاوز الصين للولايات المتحدة من حيث امتلاك أكبر اقتصاد في العالم. واعتمادًا على تعديل في قياس القوة الاقتصادية يُسمّى "تعادل القدرة الشرائية"، يرى البنك الدولي أنّ الصين قد تجاوزت فعلً من حيث الناتج الداخلي الخام GDP الولايات المتحدة. كما تذهب توقّعات أخرى، تقيس الاقتصادات بنسب المبادلات التجارية باعتماد العملة الوطنية، إلى أنّ الصين ستصبح أكبر اقتصاد في هذه العشرية. فهل يعني ذلك نهاية القرن الأميركي؟ يبدأ ناي في هذا الفصل بتحديد معنى القوة بما هي القدرة على التأثير في الآخرين للحصول على النتائج المرجوة أو المأمولة. وهناك، في رأيه، سبل ثلاثة للحصول على ذلك إمّا من خلال القهر (العصا)، وإمّا الإغراء ودفع المال (الجزَرة)، وإمّا من خلال الجاذبية والإقناع. أمّا العصا والجزرة فهي القوة الصلبة، وأمّا الجاذبية والإقناع فهي القوة الناعمة. وفي كتاب القوة الناعمة: وسيلة النجاح في عالم متغير، كتب ناي معرّفًا القوّة الناعمة بأنها "القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلً من الإرغام أو دفع الأموال. وهي تنشأ من جاذبية ثقافة بلد ما، ومثُله السياسية وسياساته. فعندما تبدو سياستنا مشروعة في عيون الآخرين تتسع قوّتنا"4. كل هذه الأسباب الثلاثة تتضافر، في رأي ناي، لتكسب القوة معنى وعُمقًا وديمومة مع فاعلية في توظيف الموارد. لذلك لا تكفي القوّة الاقتصاديّة والسيطرة على المبادلات التجاريّة وحدها لتعريف القرن الأميركي، بل يمكن أن تتوافر القوة الاقتصادية من دون أن تتوافر معها قدرة التأثير في مجرى الحوادث في العالم وفي ميزان القوى على الصعيد العالمي. فعندما أصبحت مثلًالولايات المتحدة في آخر القرن التاسع عشر صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، لم ينظر إليها على أنّها أكبر لاعب في ميزان القوى العالمي إلّ عندما قام الرئيسان روزفلت وويلسون باستثمار جانب من تلك القوة الاقتصادية في تنمية الموارد العسكرية. وحتى حينما يحوز بلد ما أكبر أسباب القوّة ومواردها، يمكن أن يفشل في تحويل تلك القُدرات إلى قوى سيطرة وتمكين. ففي الثلاثينيات كانت الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد، غير أنّها اعتمدت سياسة انعزالية جعلتها تنكفئ على نفسها وغير مهتمة بأنّ تكون فاعلً في العلاقات الدوليّة. فعندما تتجاوز الصين الولايات المتحدة الأميركية من حيث الحجم العام الاقتصادي في العالم، لا يعني ذلك أنّنا بصدد مشاهدة نهاية القرن الأميركي، إذا أخذنا في الحسبان تضافر القوى الثلاث الاقتصادية والعسكرية والناعمة.

هل القرن الأميركي قرن هيمنة أميركية؟

يتعيّ أيضًا في نظر ناي أن نتخلى عن الربط الآلي بين توافر عناصر القوة التي ذكرناها والهيمنة على الصعيد العالمي. ففي نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن النفوذ الأميركي في العالم مطلقًا. فمن سنة 1945 إلى سنة 1991، كان ميزان القوى العالمي ثنائي القطبية مع قوتين عظميين متفوقتين على بقيّة الدول الأخرى، تتقاسمان النفوذ والسيطرة على العالم. ولم تصبح الولايات المتحدة الأميركية القوة الوحيدة الغالبة إلّ بعد سنة 1991 وانهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي. لذلك يبدو في نظر بعض الدارسين، وعلى خلاف الآراء التي ترجع بداية القرن الأميركي إلى سنة 1941 ودخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، أنّ القرن الأميركي بدأ حقًّا عندما انهار الاتحاد السوفياتي، ودخل العالم مرحلة هيمنة القطب الواحد

  1. Ibid., p. 12.

الأميركي، وأصبحت القوة العسكرية الأميركية مسيطرة على نحو مطلق بحرًا وجوًّا وبرًّا، وارتفعت ميزانية الدفاع الأميركية لتصبح مضاهية لنصف مجموع ما تخصصه الدول الأخرى للدفاع، ما يجعل من العسير على هذه الدول تكوين أحلاف لإحداث توازن مع القوة العسكرية الأميركية.

ومع ذلك يرى ناي أنّ مزاعم الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة الأميركية على شؤون العالم مجرّد أسطورة لا تصمد أمام الفحص الدقيق للوقائع. فمصطلح "هيمنة" Hegemony يستخدم بمعانٍ متعدّدة وغامضة أحيانًا، ولا يوجد اتفاق حول نسبة التفاوت في القوّة وفي مصادرها التي تكون لمصلحة بلد وتجعله في موقع هيمنة. ويستخدم بعض الكُتّاب كلمة "هيمنة" على معنى "إمبراطوري"، لكنّ صيغة الإمبراطورية ليست شرطًا للهيمنة في نظر ناي. ويستخدمها آخرون بمعنى القدرة على التحكم في النظام الدوليّ وتوجيهه، في حين يستخدم بعض آخر هذا التعبير بمعنى مرادف للتفوق والريادة وحيازة النسبة الأكبر من مصادر القوّة. لكنّ الواقع يثبت، في نظر الكاتب، أنّ امتلاك أسباب القوة لم يكن في التاريخ مُطلقًا. ففي القرن التاسع عشر، هيمنت بريطانيا على العالم، مع أنّها كانت في المرتبة الثالثة بعد الولايات المتّحدة وروسيا من حيث الناتج الداخلي الخام، والثالثة أيضًا من حيث إنفاقها على القوات المسلّحة وراء روسيا وفرنسا، حتى عندما كانت في أوج قوّتها سنة 1870. أمّا الهيمنة الأميركية على العالم بعد 1945، فلم تكن مطلقة على الرغم من تفوّق أميركا من حيث القوة الاقتصادية والعسكرية والناعمة، إذ كانت تضادّها وتوازنها قوّة الاتحاد السوفياتي على امتداد أكثر من أربعة عقود. لذلك يميل ناي إلى الأخذ برأي هنري كيسنجر الذي يلاحظ في كتابه النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، أنّ "ما من نظام عالمي كوكبيّ فعلً سبق له أن كان موجودًا بالمطلق"5، ما دامت دول كبيرة الحجم مثل الصين والهند وإندونيسيا والمعسكر السوفياتي، أي ما يناهز نصف سكان العالم، لم تكن أعضاء في النظام العالمي الأميركي. وعلى صعيد ميزان القوى العسكري العالمي، لم تكن الولايات المتّحدة مهيمنة. أمّا على الصعيد الاقتصادي فقد أنشأت الزعامة الأميركية للعالم مؤسسات ليبرالية، ووضعت قواعد ومعايير، حكمت من خلالها الاقتصاد العالمي، غير أنّ ذلك لم يشمل إلّ نصف العالم. وحتى في هذه الفترة، لم يكن بوسع أميركا دومًا الحصول على ما ترغب فيه، إذ لم تستطع منع الاتحاد السوفياتي من الحصول على السلاح النووي، والشيوعيين من السيطرة على الصين، ولم تفلح في تجنّب مأزق الحرب الكورية، وبقيت مكتوفة الأيدي أمام القمع السوفياتي للانتفاضتين في المجر وفي تشيكوسلوفاكيا، ولم تستطع منع انتصار كاسترو في كوبا وغيرها. لذلك بدل الحديث عن هيمنة، يفضّ ل ناي الحديث عن تفوّق أو ريادة العالم، نظرًا للحصّة الكبيرة التي تملكها الولايات المتّحدة من الأسباب الثلاثة للقوّة. وهكذا فمن الملائم تعريف القرن الأميركي بصفته الفترة التي انطلقت مع بداية الحرب العالمية الثانية حينما تفوقت الولايات المتحدة على غيرها من الدول على صعيد الموارد الاقتصادية، وأصبحت لاعبًا محوريًا في الميزان العالمي للقوة، من دون أن تكون قادرة على التحكم المطلق في شؤون العالم. أمّا حول السؤال المركزي للكتاب، إن كان القرن الأميركي قد انتهى، فيرى ناي أننا وإن كنا نعرف تاريخ بداية القرن الأميركي وهو سنة 1941، فإنّنا سنظل نجهل موعد نهايته، ومن ثمّ فلسنا بصدد الدخول في عالم ما بعد أميركي كما يزعم بعضهم. وفي رأيه لا يستطيع أحد أن يتنبّأ بالمستقبل، ذلك أنّه يظل منفتحًا على إمكانات عدة، تقوم كل واحدة منها على حوادث عصيّة على التوقّع، ولها دور رئيس في تحديد التطوّرات المستقبليّة التي يمكن أن يشهدها العالم. وفي رأيه لم ينته القرن الأميركي بعدُ، وإنّ ا تغيّر، نظرًا للتحولّات في المشهد العالمي وفي أسباب القوة ومواردها لدى الدول والفاعلين غير الدولتيينnon actors state. وهو ما عزم على شرحه وتفسيره في هذا الكتاب، وبالخصوص في فصله الأخير. لكن قبل التعرّض إلى هذه المسألة يطرح السؤال: هل هناك فعل انحطاط وتراجع لقوة الولايات المتحدة ولتأثيرها في ميزان القوى العالمي؟ يناقش الكاتب آراء مؤرخين أمثال هيلفورد ماكندر، ومنظرين ماركسيين أمثال وولرشتين حول فكرة الهيمنة والانحطاط، وآراء محللين عُرفوا بتبنيهم لنظرية الانحطاط الأميركي أمثال صموئيل هنتغتون. ويرى أنّ الإجابة عن السؤال تقتضي التمييز بين الانحطاط بصفته تراجع القوة الخارجية لدولة ما بفعل بروز منافس لها في

  1. هنري كيسنجر، النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، ترجمة فاضل جتكر (بيروت: دار الكتاب العربي،.)2015

الخارج، والانحطاط بصفته تدهورًا داخليًّا. وإذا كان الأوّل يُعد انحطاطًا نسبيًّا فإنّ الثاني يعدّ انحطاطًا مطلقًا. ولئن كان الشكلان مرتبطين في أحيان كثيرة، فإنهما ليسا بالضرورة كذلك. ففي القرن السابع عشر، تراجعت إسبانيا خارجيًا بفعل مشكلاتها الاقتصادية الداخلية مقابل ازدهار الاقتصاد الهولندي وصعوده، مع أنّ هولندا خبَرت تراجعًا نسبيًّا خارجيًا لصعود دول أخرى مثل بريطانيا التي أصبحت في تلك الفترة أشدّ قوة منها.

يطرح ناي جانبًا أطروحة الانحطاط المطلق، فالولايات المتحدة ليست في حالة تدهور داخلي، وهي الفكرة التي سيعود إليها في الفصل الخامس. غير أنّ القرن الأميركي يمكن أن ينتهي بفعل بروز دول أخرى تتحدّى النفوذ الأميركي، وتكون لاعبًا أقوى في العلاقات الدولية، مثلما أصبحت بريطانيا في القرن السابع عشر أقوى من هولندا. واليوم ما من دولة في رأيه تستطيع بمفردها أن تتغلب على الولايات المتحدة، وأن تنهي ريادتها للعالم، وتشلّ قدرتها على قيادة النظام العالمي، ولكن من الممكن أن يقوم حلف بين مجموعة من الدول يحقق ذلك. ويتساءل ناي عن الدول المرشحة للقيام بهذا الدور. إنّ المرشح الأول هو الاتحاد الأوروبي. يرى ناي أنّ الاتحاد الأوروبي منافس عتيد للولايات المتحدة من حيث رأس المال البشري والتكنولوجيا والقدرات الاقتصادية التصديرية. أمّا من جهة الموارد العسكرية فأوروبا تنفق أقل من نصف ما تنفقه الولايات المتحدة على الدفاع، وتمتلك فرنسا وبريطانيا ترسانة نووية، لكنّ قدراتهما على التدخّل ما وراء البحار في أفريقيا والشرق الأوسط وشرق آسيا تظل محدودة. أمّا على مستوى القوة الناعمة، فالثقافات الأوروبية ونمط الحياة الأوروبي جاذبة للكثيرين من خارج القارة الأوروبية، كما أنّ الأوروبيين لهم دور مركزي في المؤسسات الدولية. غير أنّ ما يعوق الاتحاد الأوروبي على منافسة الولايات المتّحدة في ريادة العالم يتعلق بعجزه إلى الآن على تحقيق نسبة من الانسجام السياسي والثقافي والاجتماعي، تخوّله التصرّف حيال المسائل الدوليّة كيانًا موحّدًا، لا تجمّعًا محدودًا لجملة من الدول مختلفة من حيث قومياتها وثقافتها السياسية وسياساتها الخارجية. كما أنّه بالنسبة إلى ناي، لا يمكن لليابان أو روسيا أو الهند أو البرازيل أن يكونوا منافسين جدّيين للولايات المتحدة على الريادة في الساحة الدوليّة، لأسباب يبيّنها بتفصيل ضاف في الفصل الرابع من الكتاب. أمّا الصين فمرشحة أكثر من غيرها لهذا الدور، ولذلك يخصّص فصلً من الكتاب لصعود الصين وبروز قوتها العالمية.

هل بدأ القرن الصيني؟

تذهب دراسات عديدة إلى أنّ الصين مرشّحة لأداء دور المنافس للولايات المتّحدة بصفتها لاعبًا فاعلً في ميزان القوى العالمي، قادرًا على وضع حدّ للقرن الأميركي. فقد أعلن المؤرّخ الأميركي المعروف نيل فرغسون أنّ "القرن الواحد والعشرين قرن الصين". هذا الرأي تؤيده استطلاعات آراء المواطنين الأميركيين التي أجريت في التسعينيات من القرن الماضي، وقد أبرزت أنّ أميركيين كثيرين يعتقدون أنّ الصين ستمثّل التحدي الأكبر لنفوذ بلدهم في العالم ولمكانة الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. أمّا عناصر القوة التي تستند إليها الصين فيجملها الكاتب بالأساس في النمو السريع لحجم الناتج الداخلي الخام، ورحابة مجالها الجغرافي الذي يضاهي مجال الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك عدد السكان الذي يفوق سكان الولايات المتحدة أربع مرات وهو ما يجعل من الصين سوقًا جذابة للمستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين. ومع ذلك تظّل قدرة الصين على التحوّل إلى بلد تجاريّ قويّ موضع شكّ. فمبادلات الصين في مجال الخدمات ضعيفة، وصادراتها ذات قيمة مضافة متدنيّة، كما أنّها تفتقد للعلامات التجارية من الدرجة الأولى مقارنة بتلك التي تمتلكها الولايات المتحدة وألمانيا مثلً. وعلى الصعيد المالي حاولت الصين تطوير قدراتها بتشجيع المتعاملين على استخدام عملتها الوطنية اليوان في المبادلات المالية، وهي تمثّل الآن %9 من الحجم الإجمالي للمبادلات التجارية للصين، غير أنّ الدولار لا يزال يمثّل %81 من تلك المبادلات. وإن كانت حصة اليوان في المبادلات التجارية الصينية مرشحة للارتفاع، فإنّه من غير المتوقع أن يحلّ محلّ الدولار طالما لم تقبل الصين ترك سوق الصرف العالمي يحدّد سعر اليوان، ولم تحجم عن التلاعب بسعر عملتها، ولم تقبل أيضًا إنشاء سوق مالية داخلية مع هيكل قانوني عصري وشفاف يكسب الثقة في المعاملات المالية في سوق الصرف الصينية. أمّا على صعيد التكنولوجيا فتبرز أيضًا الاختلافات من حيث درجة التطوّر. فالصين حققت تقدمًا مهمً على هذا الصعيد، غير أنّها اعتمدت بالأساس على إستراتيجية استنساخ التكنولوجيات الأجنبية، واستقدام الشركات العملاقة مثل آبل وغيرها، أكثر من اعتمادها

على الابتكار الداخلي. ولهذا السبب يرتفع حجم المبادلات التجارية الصينية ويتضخم، في حين تستقر القيمة المضافة خارج الصين وفي الولايات المتحدة على وجه خاص. تواجه الصين تحدّيًا يتمثّل بضرورة تغيير منوال التنمية المعتمد لديها حتى تتجنب الركود والانكماش الاقتصاديين. وهي تواجه عقبات جدية للتحوّل من اقتصاد قائم على مؤسّسات غير فاعلة تمتلكها الدولة إلى اقتصاد حرّ. والصين في حاجة كذلك إلى التصدّي إلى تفاوت مجتمعي آخذ في التفاقم، وتدهور المحيط الطبيعي جرّاء التلوث، ومشكلات الهجرة الداخلية الكثيفة، واستشراء الفساد في أجهزة الدولة، وإصلاح دولة القانون التي باتت مترهلة وغير مطابقة لتطور الأوضاع. كما أنّها مدعوة إلى تذليل المصاعب التي تمنع تحقيق الإصلاحات الاقتصادية العاجلة مثل تخفيض حجم الادخار، ورفع نسق الاستهلاك الداخلي لتحفيز السوق الداخلية.

وعلى خلاف الهند التي تعيش منذ استقلالها عن بريطانيا في ظل دستور ديمقراطي، لم تجد الصين السبيل لتلبية المطالب الداخلية المتعلقة بالمشاركة السياسية وبالديمقراطية التي ترافق عادة نمو الدخل الفردي في كل بلد. وبعد أفول الأيديولوجيا الشيوعية، أصبحت مشروعية الحزب الشيوعي الصيني الحاكم متوقفة على أمرين: قدرته على ضمان معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، وإرضاء الروح القومية المميّزة لعرق الهان. ويظل، في نظر الكاتب، استقرار الصين رهين قدرتها على أن تجد حلاّ للانكماش السكاني، ونمو طبقة وسطى حضرية، والتفاوت بين الجهات، والشعور بالغبن في أوساط الأقليات العرقية. والمشكل، في نظره، أنّه لا أحد يعرف، حتى من قادة الصين أنفسهم، كيف سيتطور المستقبل السياسي للصين، ولا كيف سيؤثر ذلك في نموها الاقتصادي. أمّا من جهة القوة العسكرية، وبعد فترة من ضعف الاستثمار من سنة 1989 إلى 2009، فقد أخذت الميزانية المخصصة للدفاع في الصين ترتفع رسميّا بمعدّل رقمين كل سنة من الناتج الداخلي الخام، وفي سنة 2013 بلغت %12. وقد تطوّر جيش التحرير الشعبي الصيني إلى جيش حديث قادر على التصدي لكل تدخل أميركي محتمل في شرق آسيا. لكن تظل نسبة %11 من الناتج الداخلي بعيدة عن %39 التي تخصّصها الولايات المتّحدة للإنفاق العسكري. كما أنّ الصين تظلّ بعيدة عن القدرة العسكرية الحربية التي تمتلكها الولايات المتحدة من أساطيل بحرية وحاملات طائرات، وعن قوة جوية ضاربة للطائرات المقاتلة الأميركية، على الرغم من التقدم الذي حققته في تصنيع ضربين من طائرات الشبح النفاثة. وتفتقد الصين كذلك إلى قواعد عسكرية، وتحالفات دولية، تمكنها من حضور دائم في العديد من المواقع في العالم، علاوة على أنّها تفتقر إلى القدرات اللوجستية التي تمتلكها الولايات المتحدة للتدخل والقيام بحملات عسكرية بعيدة عن أراضيها. أمّا على صعيد القوة الناعمة، فالصين تمتلك، في رأي الكاتب، عناصر مهمة تمنحها حضورًا عالميًا متميزًا. فهي تمتلك تقنيات متطورة وعصرية في مجال الفضاء الاف اررضي، وأك عدد من المبحرين على الشبكة العنكبوتية والمستخدمين للإنترنت في العالم. كما أن للصين ثقافة تقليدية جاذبة للاهتمام وتثير فضول الناس في سائر أنحاء العالم، وقد بعثت لرعايتها ونشرها المئات من المعاهد الكونفوشيوسية في أنحاء متفرقة من العالم. غير أنّ الصين تفتقد الصناعة الثقافية القادرة على منافسة هوليود الأميركية أو بوليود الهندية، كما أنّ جامعاتها لا تحتل مراتب متقدمة في الترتيب العالمي للجامعات. وتفتقد الصين أيضًا منظمات غير حكومية كتلك التي تنتج الكثير من القوة الناعمة الأميركية. وقد أخذ القادة الصينيون سنة 2007 القرار بتطوير قوتها الناعمة، غير أنّ ناي لا يبدو مقتنعًا بقدرة الصين على تطوير قوتها الناعمة. فالقوة الناعمة لبلد ما تقوم على ثلاثة أركان أساسية وهي: أولً، الثقافة وقدرتها على أن تكون جاذبة للآخرين من الثقافات الأخرى؛ وثانيًا، قِيمها السياسية التي يعيش البلد وفقها؛ وثالثًا، سياساتها الخارجية حينما ينظر إليها كونها مشروعة ولها سلطة أخلاقية. ولا تبدو الصين قادرة على التوفيق بين الأركان الثلاثة للقوة الناعمة في إطار إستراتيجية متكاملة ومنسجمة. فحينما تنشئ الصين في مانيلا معهد كونفوشيوس لتعليم الثقافة الصينية للفلبينيين، تقوم في الوقت نفسه بترهيب الفلبينيين المقيمين بالجزر الواقعة في جنوب بحر الصين، والتي هي موضع نزاع لها مع الفلبين، وتعنيفهم ومصادرة ممتلكاتهم. وبقدر ما تكون الصين حازمة ومتصلّبة في مطالبها الجغرافية تجاه جيرانها، تجعل تحقيق الأهداف المرجوّة من القوة الناعمة أمرًا عسيرًا.

ومن جهة أخرى تبدو الصين مخطئة، في رأي الكاتب، في فهم مغزى القوة الناعمة وطريقة إنتاجها واستخدامها. ففي حين أنّ القدر الكبير من القوة الناعمة الأميركية من إنتاج المجتمع المدنيّ من جامعات ومراكز بحثيّة ومؤسسات وقفيّة وهوليود ووسائل الإعلام والثقافة الشعبية من موسيقى وغناء وغيرها من الفنون لا من إنتاج الدولة والحكومة، تصرّ الصين على أن تكون القوة الناعمة سلاحًا بيَد الدولة. فعلى الرغم من الجهد والإمكانات الهائلة الموضوعة لتطوير القناة التلفزية المركزية الصينية وجعلها منافسًا لقناتي: سي إن إن، وبي بي سي، فإنّ هذه القناة المركزية لا تحظى بنسب مشاهدة مرتفعة في العالم. وهي تخلط دومًا بين الدعاية والمعلومة. فنحن نعلم اليوم أنّ المعلومة ليست هي النادرة بل إنّ تركيز المشاهد عليها هو النادر والصعب، ويقتضي أن يتّصف من يبثّها بالصدقية، وهو ما لا يتوافر في الدعاية الرسمية والحكومية عمومًا. وعلى خلاف تمشي الصين في هذا المجال، يشير الكاتب إلى أنّ القوة الناعمة تنشأ من الأفراد ومن القطاع الخاص ومن المجتمع المدني وليس من الدولة. وما تتناساه الصين، في رأيه، هو أنّ تطوّر القوة الناعمة يقتضي علاقة تعاونية مثيلة للعبة لا يكون حاصلها سلبيًا، بل إيجابيًا يستفيد منه جميع المشاركين، إذ تربح كل البلدان عندما يكون كل واحد منها جذابًا للآخرين ورابحًا في علاقته بهم. وهو ما يقتضي من الحكومة الصينية كبح مطامعها الجغرافية تجاه جيرانها، والحدّ من ارتفاع الحميّة القومية، والانفتاح أكثر على شعبها، واحترام حقوق مواطنيها، وانسجامًا أكثر بين استخدام القوة الصلبة والقوة الناعمة. فقد كان مثلً تنظيم الألعاب الأولمبية في سنة 2008 في بكين فرصة لتحقيق خرق على صعيد القوة الناعمة، غير أنّ القمع العنيف للناشطين في مجال حقوق الإنسان سرعان ما بدّد ما ربحته الصين على هذا الصعيد.

هل يكون مصير أميركا مثل مصير روما؟

يتوقع بعض الدارسين (نيل فرغسون، وفريد زكريا، وكولن مورفي) أن يكون مصير الهيمنة الأميركية على العالم مثل مصير روما. فروما لم تنهر بفعل بروز إمبراطورية أخرى منافسة لها، وإنّ ا بفعل تفاقم مشكلاتها الداخلية والانحطاط الكليّ الذي عرفته على المستوى المجتمعي والاقتصادي والمؤسّساتي، ما جعلها عاجزة عن حماية نفسها من زحف القبائل البربرية. ويذهب بعض الدارسين إلى أنّ تكلفة ممارسة الهيمنة في الخارج يضعف الاقتصاد في الداخل، ويساهم في إحداث الانحطاط المطلق بسبب الضغط المتواصل على الميزانية والتعبئة المستمرة للموارد الداخلية. غير أنّ ذلك لا ينطبق في رأي ناي على الولايات المتحدة الأميركية. وعلى الرغم من أنّ الكاتب أقرّ بوجود مشكلات داخلية تعانيها الولايات المتحدة تخصّ اللامساواة المستفحلة في الدخل، والتعليم خاصة على المستوى الثانوي، ونظام التأمين على المرض، وارتفاع حجم الدين العمومي والدين الخاص، وقوة مراكز الضغط ونفوذها المالي والسياسي، ونسبة موت الأطفال المرتفعة بالنسبة إلى المعدل في البلدان المتقدمة، وتدني الأمل في الحياة قياسًا على بقية البلدان المتقدّمة، ومعدلّات الفقر لدى الأطفال، وارتفاع عدد المساجين ونسبة جرائم القتل، فإنّ كل هذا في نظره لا يجب، على أهميته، أن يحجب عنّا عناصر قوّة لا يستهان بها، تتوافر عليها الولايات المتحدة، وتجعلها بعيدة في رأيه عن حافة الانهيار المطلق الذي يتحدث عنه بعض المحلّلين. ففي حين تعاني معظم الدول المتقدمة مشكلات ديموغرافية مستعصية، تعرف أميركا اتجاهًا متصاعدًا للنمو السكاني، إذ من المتوقع أن يزيد نمو السكان فيها بنسبة %42 بين 2010 و 2050، وأن يبلغ سُكان أميركا 439 مليون نسمة. كما أنّها نجحت في رأيه عمومًا في إدماج المهاجرين، فربع عدد المنشآت الصغيرة المُبتدئة بعثها مهاجرون، و%40 من الشركات الكبرى بعثها مهاجرون أو أبناء مهاجرين. أمّا في مجال التكنولوجيا، فالولايات المتّحدة تتصدر العالم في عديد القطاعات المهمة والجديدة، مثل تكنولوجيات المعلومات والبيوتكنولوجيا والنانوتكنولوجيا، ونسبة المتخرجين من الجامعات الأميركية مرتفعة أكثر من سائر البلدان الأخرى، وتنفق الولايات المتحدة على التعليم الثانوي من الناتج الداخلي الخام نسبة تعادل ضعف النسبة التي تنفقها فرنسا وألمانيا وبريطانيا واليابان. وتُعدّ منظومة التعليم الثانوي الأميركية الأفضل في العالم، مع ما تواجهه من الصعوبات، كما أنّ الجامعات الأميركية قد عزّزت موقعها الريادي وسمعتها الأكاديمية أمام منافسين مثل بريطانيا وأوروبا القارية واليابان خلال العشريتين الماضيتين. فالولايات المتّحدة حازت ميزات تفاضلية مهمة منها سعة مجالها الجغرافي، وتنوعها البيئي والطبيعي، وموقعها الإستراتيجي من دون أن ننسى، في رأي المؤلّف، ثقافة اقتصادية منفتحة محفزة لروح المبادرة وبعث المشاريع. وعلى الصعيد السياسي يفسح النظام الفدرالي في المجال للتنوع وإمكانات الابتكار الذي يحدث خارج مجال تأثير الدولة وبعيدًا عن مركز الحكم في واشنطن. وعلى الرغم من الأزمة المالية العالمية التي ضربت الولايات المتحدة، قبل أن تمتد إلى بقية العالم والانكماش

الاقتصادي الذي تلاها، فقد صنّفها المنتدى الاقتصادي العالمي ثالث اقتصاد في العالم من مجموع 154 دولة من حيث القدرة التنافسية العالمية، في حين كانت الصين في المرتبة 28. وعلى مستوى الإنفاق على البحث والتنمية D & R كانت الولايات المتحدة سنة 2014 الرائدة في العالم بما قيمته 465 مليار دولار أي %31 من الحجم العالمي لما يخصص في هذا المجال، في حين يمثّل ما تنفقه الصين %17.5، ويمثّل ما تنفقه اليابان %10.3. كما مثّلت براءات الاختراع المسجّلة %48 من الحجم الإجمالي المسجّل في العالم. ويناقش أيضًا ناي مسألة ارتفاع الدين العمومي الذي رأى فيه البعض مثل نيل فرغسون مؤشرًا لقرب تهاوي الإمبراطورية الأميركية، ويرى خلاف هذا الرأي أنّ الدين العام لا يزال ممكن التحّمل وتحت السيطرة، طالما أنّ الاقتصاد في نموّ والاستثمار محافظ على نسق مرتفع. وما يبعث على الاطمئنان، في رأيه، على الاستخدام الجيّد للديون من أجل خلق الثروة ودفع النمو، هو أنّ المؤسّسات على مستوى الولايات وعلى المستوى الفدرالي قد برهنت فاعليتها في مقاومة الفساد والغشّ والتهرب الضريبي، مثلما أوضحت ذلك الدائرة المختصة في هذا المجالInternal Revenue Service، مع أنّ استطلاعات الرأي تكشف عن تراجع الثقة في مؤسسات الدولة. وقد منح البنك الدولي الولايات المتّحدة عددًا من النقاط مرتفعًا فيما يتعلق بالسيطرة على الفساد. أضف إلى ذلك أنّ العزوف عن المشاركة السياسية والانتخاب الذي نزل إلى حدود %50 في آخر النصف الثاني من القرن المنقضي قد توقف سنة 2000 وعاد إلى الارتفاع ليبلغ %58 سنة 2012. وما يبدو للبعض تلاشيًا للثقة في المؤسسات يمكن أن يعود في نظر ناي إلى ما يميز مجتمعات ما بعد الحداثة عمومًا من مواقف فردانية ومن ضعف الولاء والاحترام للسلطة، وهو ليس خاصًا بالولايات المتحدة فقط.

قرن أميركي مغاير

في الفصل الأخير من الكتاب، يقدّم ناي تصوره لسياسة خارجية ليبرالية تتوخاها الولايات المتحدة في عالم تغيّ ت فيه جوهريًا قوّة الدول. فيؤكد وجود ضربين من الانتقال للقوة في هذا القرن: الأول انتقال للقوة بين الدول، كانتقالها من دول الغرب إلى دول الشرق، والثاني انتقال للقوة هو بمنزلة انبثاثها من الدول نحو فاعلين غير دولتيين بفعل الثورة المعلوماتية العالمية. وبعد انهيار القطبية الثنائية للعالم، بانتهاء الحرب الباردة، أصبحت القوة في هذا العصر المعلوماتي موزعة ومبثوثة وفق نموذج يشابه في نظر ناي لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد. ففي أعلى الرقعة نجد القوة العسكرية التي هي أحادية القطب، ولا تزال في رأيه الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على تفوقها في هذا المجال لمدة طويلة. لكن في وسط الرقعة نجد القوة الاقتصادية للدول، وهي متعددة الأقطاب وموزعة أساسًا بين الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين بصفتهم لاعبين كبارًا إلى جانبهم لاعبون آخرون أقل قوة لكن أهميتهم تتزايد باطراد. أمّا أسفل هذه الرقعة فهو مجال شبكات من العلاقات العابرة للقوميات تتم خارج حدود الدول ومجال سيطرتها، وتتضمن فاعلين من غير الدول متنوعين، من مصارف تنقل الأموال إلكترونيًا، وإرهابيين ينقلون الأسلحة، وقراصنة يهددون أمن الفضاء المعلوماتي، ومنظمات غير حكومية إقليمية ودولية، وهو فضاء حافل كذلك بالأخطار المتعلقة بالأوبئة والتغيير المناخي وغيرها. وعلى هذا الموقع السفلي من الرقعة لا معنى للحديث عن هيمنة، وتكون القوة موزعة على نحو واسع، ولا مجال للقطبية سواء كانت أحادية أو متعدّدة. ولا تعالج القضايا على هذا المستوى بالركون إلى القوة العسكرية، بل بالتعاون والتفاوض والحوار والتنسيق مع الدول ومع الفاعلين غير الدولتيين. وفي حين باتت شبكات العلاقات وتوزيع القوة ووجود فاعلين من غير الدول متصلين بعضهم ببعض في أماكن متفرقة عن طريق الفضاء الافتراضي تسبب إزعاجًا للولايات المتّحدة، إلّ أنّه يظل محدودًا قياسًا على نظيره الذي تسبّبه لنظام سياسي كلياني مثل النظام الصيني. ويرى ناي أنّ الثقافة الأميركية بما تتميز به من انفتاح وروح تجديد ستجعلها تقوم بدور محوري في عالم تكون فيه الشبكات والتشبيك رافدًا مهمً للسلطة التراتبية، إن لم تعوّضها أحيانًا. لذلك ستظل في رأيه الولايات المتحدة الدولة الأشد تأثيرًا في المنظومة الدولية، والأقدر على توفير القيادة اللازمة لتنظيم عملية إنتاج الموارد والخيرات على الصعيد الدولي. غير أنّ النجاح في قيادة عالم على النحو الذي وصّفه ناي يقتضي في رأيه تعاون الآخرين، وتصبح بهذا المعنى القوة لعبة ذات حاصل إيجابي. وإذا قُيّض للقرن الأميركي أن يستمر، فلا بدّ أن تتخلى الولايات المتحدة عن شعار القوة على الآخرين، وأن تعتمد شعار القوة مع الآخرين. ففي العديد من المسائل العابرة للقوميات، يساعد تمكين الآخرين الولايات المتّحدة على تحقيق أهدافها أفضل من اعتمادها القوة الصلبة معهم. ففي عالم اليوم، حيث التشبيك والوصل مصدران مهمان للقوة المنشودة، سيتواصل في رأي ناي القرن الأميركي، بمعنى مركزية الولايات المتحدة في ميزان القوى العالمي، لكنّه سيتخذ شكلً مغايرًا لما كان عليه في النصف الأخير من القرن المنقضي.