في فهم اختلاف السياسة الغربية عن نظيرتها الإسلامية: قراءة في كتاب "الفلسفة السياسية" لأحمد دَاود أوغلو
Understanding the Differences between Western and Islamic Philosophy: a Critique of "Political Philosophy"
الملخّص
عنوان الكتاب في لغته: The Impacts of Alternative Weltanschawings on Political Theories:A Comparison of Tawhid and Ontological Proximity
Abstract
Title: The Impacts of Alternative Weltanschauungs on Political Theories Weltanschauungs: A Comparison of Tawhid and Ontological Proximity
- الفلسفة السياسية
- الفلسفة الإسلامية
- الفلسفة الغربية
- Islamic State
- Modern State
عنوان الكتاب: الفلسفة السياسية عنوان الكتاب في لغته:
المؤلف: أحمد داود أوغلو المترجم: إبراهيم البيومي غانم سنة النشر: 2006 الناشر: مكتبة دار الشروق الدولية، القاهرة عدد الصفحات: 82
Te Impacts of Alternative Weltanschawings on Political Teories: A Comparison of Tawhid and Ontological Proximity
من ينظر إلى عنوان الكتاب كÈ وضع في الترجمة العربية، سيتبادر إلى ذهنه أن الكتاب عبارة عن بحث أكادüي، يرصد مختلف الأفكار والاتجاهات الفكرية التي عرفتها الفلسفة السياسية. غ أن الاطلاع على محتويات الكتاب سرعان ما تبدد هذا الانطباع، ليفاجَأ القارئ بأن الأمر يتعلق بدراسة معنيّة برصدٍ وإبرازٍ للاختلاف ب النظريات السياسية المنظمة للحياة الاجتÈعية والاقتصادية والثقافية على مستوى نظام الدولة الواحدة وكذلك على مستوى النظام الدولي عامة في العاß الإسلامي مع نظتها في العاß الغرí، ومعنيّة أكï بتفس هذا الاختلاف من خلال رده إلى تباين الرؤى الفلسفية للوجود ب الإسلام والغرب. من يطلع على الكتاب قد يسته بحجمه، لكنه حتÈً سيفاجأ بغناه وعمقه الفلسفي والتحليلي. فهو لا يتجاوز 82 صفحة؛ ضمت ثلاثة أقسام أساسية: جاء الأول هيدًا بعنوان "تساؤلات أولية"، بينÈ ورد الثا بعنوان "المعرفة - الوجود - الوحي"، وكان عنوان الثالث "النتائج السياسية لاختلاف الرؤية الإسلامية للعاß عن الرؤية الغربية". لكنّه مثقل بالإشكالات الفلسفية العميقة، والأفكار المركبة، والمقارنات والإحالات الفكرية والفلسفية على مدارس وشخصيات فكرية مرموقة، سواء في الفكر الغرí أو الفكر الإسلامي. لا يتناسب العمق الفلسفي والاطلاع الواسع لصاحب الكتاب مع حجم الكتاب الصغ نوعًا ما، إضافة إلى صعوبة لغته الفلسفية التي توجب إلمامًا فلسفيًا مقبولا حتى يتسنى للقارئ استيعابها وفهمها. وهذا الكتاب على صغر حجمه، فإنه يكشف إلى جانب الاطلاع الواسع للكاتب عن قدرة كبة على رد الفروع إلى الأصول وعدم الإغراق في التفاصيل الجزئية الكثة. ذلك أنه يرجع كثًا من الأفكار والمقولات التي تبدو ظاهريًا متناقضة إلى أصولها الحاكمة، ليشكّل بذلك jوذجًا تفسيًا يعمل على تجميع شتات الأفكار في قالب فكري واحد، امًا على شاكلة ما يصطلح عليه المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسي بالنموذج التفسي أو النموذج الكامن. اشيًا مع الملاحظات الثلاث الأخة المتعلقة ýفارقة صغر الحجم وثقل المعنى، يبدو لنا أن الكتاب üكن أن يكون أفضل وأغنى لو أن صاحبه فصّل فيه حيث أوجز، وتوسع أكï حيث أجمل؛ لأن الأشد ملاءمة في هذا الكتاب أن يكون ثلاثة أضعاف حجمه الحالي، حتى يفي بشرح مبسط لعديد من القضايا نظن أن المؤلف مر عليها سريعًا إلى حد ما. لذلك نأخذ عليه مثلا عدم توظيفه أمثلة شارحة لعديد من أفكار الكتاب، كانت لتوضح بصفة أكبر كثًا من القضايا المهمة.
أولا: فكرة الكتاب ا ساسية
يحاول الكتاب باختصار شديد رصد الاختلاف ب النظرية السياسية الغربية ونظتها الإسلامية، وما يترتب على ذلك من اختلاف في التنظيم الاجتÈعي والسياسي والاقتصادي والثقافي. كÈ يعمل على تفس هذا الاختلاف الحاصل برده إلى أصوله الفلسفية والنظرية التي تحكمه من خلال التباين في الرؤى الفلسفية للوجود؛ إذ نجد أن نظرية المعرفة في الإسلام محددة وجوديًا على عكس النظرة الغربية التي يحدد فيها الوجود بنظرية المعرفة. ولا يكمن المشكل بحسب أوغلو في مظاهر القلب(المعرفة محددة وجوديًا في الإسلام والوجود محدد معرفيًا في النظرة الغربية )، بل إن الأمر يتعدى ذلك بكث؛ ذلك أن الوجود الذي يحدد نظرية المعرفة في الإسلام يقوم أساسًا على مبدأ ثابت هو عقيدة التوحيد "لا إله إلا الله"؛ أي أن |ة مطلقًا واحدًا هو الله وهو مصدر كل شيء. لذلك فالله منزّه ومتسام عن الوجود؛ ومن ثمّ فلا يوجد تداخل ب المستويات المعرفية، بل تتباين ويرتبط بعضها ببعض عبر مسار تدرجي، ينطلق من الله ليصل إلى الطبيعة عبر الإنسان. وهذا خلافًا للنظرة الغربية التي استندت في الفترة اليونانية على أسس وثنية، تقرّ بتعدد الآلهة ثمّ تغت إلى نظريات الحلولية مع المسيحية، لتنتقل فيÈ بعد إلى العلÈنية ومركزية الطبيعة أو الإنسان. وهكذا فنظرية المعرفة ومبحث القيم وعلم السياسة كلها مجالات معرفية، تتصل وتنبع أساسًا من علم الوجود القائم على فكرة الألوهية والتسامي والتنزيه الإلهي. هذا فيÈ يخص النظرة الإسلامية للوجود، بينÈ تفتقر النظرة الغربية إلى ما üكن أن نسميه، بلغة الراحل عبد الوهاب المسي، المرجعية النهائية المفارقة للعاß؛ أي مرجعية نهائية مطلقة تتمثّل بالمطلق الوحيد الذي هو "الله" على أساس ما جاء به الوحي.
ثانيًا: مضامين الكتاب
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسة؛ اتخذ القسÈن الأول والثا طابعًا نظريًا، بينÈ اهتم الثالث بالجانب التطبيقي.
تساؤلات أولية
ß يأخذ هذا القسم حيّزًا كبًا من الكتاب، فهو ß يتجاوز الصفحات الثلاث، ويبدو أن المؤلف اتخذه ýنزلة هيد استهل به كتابه؛ إذ وضع فيه فرضية üكن أن يبني عليها استدلاله طوال الكتاب. هذه الفرضية مفادها أن مقارنة الاختلاف ب السياسة الغربية والسياسة الإسلامية
يرتكز على نقطة أساسية تتمثّل بالارتباط الوثيق ب الأنطولوجيا(مبحث الوجود )ونظرية المعرفة ومبحث القيم والسياسة. ويعبر المؤلف عن هذا الأمر بالقول: "من الممكن أن تكون العلاقة الوطيدة ب الأنطولوجيا ونظرية المعرفة ومبحث القيم والسياسة نقطة ارتكاز مفيدة لفهم التنافر ب الأسس النظرية والفلسفية للنظرية السياسية والأطر الثقافية الإسلامية من ناحية، ومثيلاتها الغربية من ناحية أخرى". ويهتم المؤلف في هذا القسم بشرح طبيعة الترابط ب الأنطولوجيا(مبحث الوجود )والإبستيمولوجيا(نظرية المعرفة )والأكسيولوجيا(مبحث القيم )والسياسة، في الثقافة الإسلامية موضحًا من خلال ذلك سر التنافر ب النظرية السياسية الاسلامية ومثيلاتها الغربية؛ إذ يقول: "إن الفارق الأساسي ب النظرة الإسلامية إلى العاß والنظرة الغربية يكمن في التناقض ب 'نظرية المعرفة الإسلامية المحددة وجوديًا' و'الوجود المحدد بنظرية المعرفة' في التراث الفلسفي الغرí")ص 15 (.
ويفسر المؤلف هذا الترابط في النظرية الإسلامية بوجود ثابت تقوم عليه كل التفصيلات الأخرى، سواء تعلقت بنظرية المعرفة أو ýبحث القيم أو بالنظرية والمÈرسة السياسيت. هذا الثابت يتمثّل بنظرة الإنسان المسلم إلى الكون، يقول أوغلو في هذا الصدد: "إن نظرية المعرفة المحددة وجوديًا، والقاÖة على أساس النظر إلى العاß بحسبانه كلا منظÈً بقدرة الله تعالى،)كوزمولوجيا (، تطرح نوعًا محددًا من التفس السياسي والشرعية السياسية في الإسلام")ص 15 (. هذا الثابت الذي يتلخص في نظرة المسلم إلى العاß يتأسس على فكرة الألوهية التي تلخصها عبارة "لا إله إلا الله"، والتي تجعل الله سبحانه منزهًا ومتساميًا عن الوجود ومصدر كل إطلاقية في الكون النسبي. ويعبر المؤلف عن هذا الأمر قائلا: "إن المبدأ الأساسي في الكونية)الكوزمولوجيا (الإسلامية التي تقوم على فكرة الألوهية هو عقيدة التوحيد)لا إله إلا الله (ومضمونها الإلهي. وü ثّل هذا المبدأ حلقة الوصل الرئيسية ب النظرية والتطبيق، أو الإüان والحياة، أو المثال والواقع في النظرة الإسلامية الكلية للعاß ")ص 16 (. ويضيف: "ü كن اعتبار هذا المبدأ بالإضافة إلى مبدأ تنزيه الله - سبحانه وتعالى - قاعدة مشتركة ب المدارس والطوائف والتقاليد المتصارعة في التاريخ الإسلامي". ولعل أهم نتيجة أفرزتها فكرة الألوهية وقضية تنزيه الله وتساميه وجوديًا هي وجود نوع من التدرج الهرمي ينطلق من الله ليصل إلى الطبيعة مرورًا بالإنسان الذي أخذ على عاتقه تحمل الأمانة وخلافة الله في الأرض والسيادة على الطبيعة سيادة نسبية؛ لذلك فالإنسان مسؤول أمام الله أولا وقبل كل مسؤولية أخرى. يقول المؤلف: "فعندما تلقّى الإنسان الأمانة من الله أصبح لديه قدر من السيادة النسبية على الطبيعة المحدودة بالمكان والزمان حسب هذا التدرج من الله إلى الطبيعة مرورًا بالإنسان")ص.(16 ويترتب على هذا التدرج وجود تباين ب المستويات المعرفية يحول كلياQ دون وجود إمكانية التداخل ب هذه المستويات. ويوضح أوغلو هذا الأمر بالقول: "يتطلب هذا التدرج على مستوى الوجود تباينًا على المستويات المعرفية. فعلم الله لا üكن تفسه على نفس المستوى المعرفي لعلم الإنسان، ويتسق هذا التباين ب المستويات المعرفية اتساقًا جوهريًا قويًا مع مبدأي التوحيد والتنزيه كأساسي للعقائد")ص 16 (.
المعرفة، الوجود، الوحي
هذا القسم الذي وصفناه بكونه ذا طابع نظري، يُعدّ امتدادًا وتتمة للقسم الذي سبقه؛ إذ يستمر المؤلف في شرح وتوضيح للترابط ب نظرية المعرفة ومبحث الوجود والنظرية السياسية في الثقافة الإسلامية. هذا الترابط الذي يرجع، كÈ سبقت الإشارة في الفصل الأول، إلى وجود ثابت وجودي يحدد نظرة المسلم إلى الكون، يتأسس على فكرة الألوهية والتسامي الوجودي لله سبحانه وتنزيهه عن مخلوقاته. يقول المؤلف في هذا الصدد: "إن 'المعرفة' في طريقة التفك الإسلامي قد حددتها وقررت معالمها ثوابت في الوجود")ص 19 (. ويضيف المؤلف عاملا آخر يفسر به سرّ الاتساق ب المعرفة والوجود في الإسلام، ويتمثّل هذا العامل بالوحي الذي يعدّ القرآن كلام الله الموجه إلى عباده عبر الرسول، والذي لا üكن أن يُعدّ بأي حال خارج صفت أساسيت؛ الأولى بوصفه عبدًا لله أي بشرًا يسري عليه كل ما يسري على بقية الناس، والثانية بوصفه رسولا أي بشرًا مكلفًا ýهمة
هي تأدية الرسالة وتبليغها إلى الناس. وهكذا فالنبي ليس بطلا أسطوريًا ولا هو كائن نصف إلهي. والعبرة في فكرة النبوة تكمن في أمرين: الأول أن الوحي هو مصدر الحقيقة المطلقة الوحيد نظرًا إلى مصدره الإلهي. الثا هو أن النبي على الرغم من اتصاله غ المباشر بالله، فإنه يبقى في حدود البشر المكلّف بتبليغ الرسالة لا غ. ويترتب على ذينك الأمرين أن نظرة الإنسان إلى الوجود محددة من خلال الوحي، وأن المعرفة التي يبنيها لا üكن أن تكون علÈنية نظرًا لارتباطها بالمصدر الإلهي، كÈ أن حفاظ النبي على بشريته يتناسق مع تسامي الله سبحانه وتنزيهه عن مخلوقاته. وهكذا تظل نظرية المعرفة مؤطرة ومحددة وجوديًا بناء على فكرة الوحي. وقد مثّل الوحي الأساس الذي جمع الفرق الإسلامية، مع اختلافاتها الجزئية، على فكرة الألوهية والتسامي الوجودي لله سبحانه واستحالة تداخل المستويات المعرفية. ويوضح المؤلف هذا الأمر من خلال قوله: "إن مفهوم النبي بوصفه رسولا)ص (- وليس بطلا أو كائنًا شبه إلهي - بالإضافة إلى تفس القرآن على أنه كلام الله قد أديا إلى تأكيد التباين ب المستوى الوجودي والمستوى المعرفي")ص (. 19 ويضيف في موضع آخر: "امتدادًا للوحدة الوجودية تكاد المدارس الإسلامية تجمع تقريبًا على رفض إمكانية التعارض النهاT ب الوحي المنزّل والعقل المحض، من خلال اعتقاد هذه المدارس في أن وحدة الحقيقة تنبع من الوحدة المطلقة للألوهية. ولذلك تؤكد المدارس الإسلامية بإصرار على أن العلاقة ب التنزيل والعقل المحض علاقة تكامل وليست علاقة تضارب")ص 19 (. هكذا يتضح أن علم الوجود المسؤول عن نظرية المعرفة والأطر النظرية للسياسة في الإسلام إj ا هو نتيجة حتمية لفكرة الوحي. ويستدل المؤلف على هذا الأمر ýا نقله عن ابن رشد قائلا: "مشيئة الله تتحقق من خلال النبوة؛ لأن علم الله لازم بالضرورة لاختياره خليفته الذي يجب أن تتوافر لديه القدرة على إصدار الأحكام المستقلة في قضايا الفقه)الاجتهاد (، الأمر الذي üكن اعتباره أساسًا للشرعية المعرفية - القيمية للسلطة السياسية")ص 21 (. ويستمر المؤلف في توضيح فكرة المعرفة المحددة وجوديًا في النظرة الإسلامية من خلال عقد مقارنات مع الفكر الغرí الذي عرف عدة انتقالات على مستوى نظرية المعرفة المسؤولة عن التحديد الوجودي، على عكس الثقافة الإسلامية. فالثقافة الغربية عرفت تعددًا للآ لهة في بيئة وثنية في اليونان القدü ة، ثمّ انتقلت إلى فكرة الحلولية في المسيحية، ثمّ بعد ثورة كوبرنيك في الفلك أصبح التمركز حول الطبيعة وت إزاحة الإله عن المركز لتتشكل معرفة علÈنية قادت في الفترة الحديثة إلى التمركز حول الإنسان. ومع هذه التحولات والتقلبات üكن القول إن الثقافة الغربية كانت تفتقد داÖًا إلى فكرة "المرجعية النهائية المطلقة" بتعب المفكر الراحل عبد الوهاب المسي؛ لذلك فالأطر الفلسفية لنظرية المعرفة تتغ باستمرار تبعًا لتطور المعارف، وهكذا تتغ النظرة الغربية للوجود بصفة مطردة وتبعًا لتغ نظرية المعرفة، على النقيض امًا من الفكر الإسلامي المتسم بوجود ثابت أساسي هو فكرة الألوهية وتسامي الله وتنزيهه، والمبنية أساسًا على الوحي. هكذا يصل المؤلف في نهاية هذا القسم إلى نتيجة مفادها أن التباين القائم ب الفكر الإسلامي والفكر الغرí راجع بالأساس إلى اختلاف الرؤية الناتجة أساسًا من تصور كل ثقافة للوجود، وليس نتاج الصراعات التاريخية أو المؤسسية ب الثقافت.
النتائج السياسية لاختلاف الرؤية ا سلامية للعالم عن الرؤية الغربية
سبقت الإشارة إلى أن هذا القسم عُنِي بإبراز النتائج العملية لاختلاف الرؤى الوجودية ب الفكر الاسلامي ونظه الغرí، لذلك فالمؤلف حاول تحليل بعض النتائج السياسية لهذا التباين، وذلك انطلاقًا من أربعة مؤشرات:
مشكلة تسويغ النظام السياسي- الاجتماعي على أساس كوني - وجودي
يحاول من خلال هذا المؤشر المقارنة ب الفكر الإسلامي والفكر الغرí انطلاقًا من نقطت؛ ترتبط الأولى بأصل الدولة والثانية بغاية الدولة: أصل الدولة في الفكر الغر بالعودة إلى الفكر السياسي اليونا، نجد أن أرسطو يستخدم الأداة المنهجية نفسها)الاستقراء (، سواء في ما يتعلق بالوجود أو ما يتعلق بالسياسة. الأول من خلال استقراء حركة الأجسام في الواقع، والثا من خلال استقراء النظم السياسية والدستورية لتحديد أفضل وضع للدولة قابل للتطبيق. ويصف أوغلو هذا الأمر بالقول: "إن محور هذا التبرير الواقعي المعتمد على المعرفة الاستقرائية هو موقف طبيعي راهن وليس إرادة وجودية متسامية"، بحيث إن هذا الافتراض يقوم على افتراض غائية طبيعية. أصبحت إذًا الغائية الطبيعية ذاتية التكيف إضافة إلى المعرفة الاستقرائية الأرسطية ركيزت مهمت في تبرير الدولة والنظام السياسي - الاجتÈعي، بل أصبحت قضية التبرير الأساس النظري
لكث من النظريات والأيديولوجيات المختلفة بل والمتعارضة في تاريخ الغرب السياسي، فمثلا نظرية اليد الخفية لآدم سميث تعتمد في تبرير الليبرالية على الافتراض نفسه المتمركز حول الطبيعة)الغائية الطبيعية (. بل يذهب أوغلو إلى أبعد من ذلك؛ إذ يفسر ظهور الاتجاهات الإنسانية في الغرب على أساس الغائية الطبيعية، فقد نشأت تلك الاتجاهات من خلال الجدل ب الإنسان والطبيعة الذي يعتمد على مبدأ "فهم واختراع" وقائع الطبيعة لتسخ الطبيعة ذاتها. أصل الدولة في الفكر الإسلامي ينبع أصل الدولة وتبرير وجودها في الإسلام من العهد الذي يربط الإنسان بالله، ويتجاوز حدود التاريخ. هذا العهد يقوم على فكرة الأمانة التي كلّف بها الإنسان ليكون خليفة الله في أرضه كÈ وردت في الوحي المنزل في القرآن الكريم. غاية الدولة في الفكر الغر يرى صاحب الكتاب أن التبرير الغرí لوجود الدولة المبني أساسًا على فكرة الغائية الطبيعية يجعل الإنسان الغرí غ آبه بالمشكلات المتعلقة بالحياة الأخروية)التخلص من الأعباء الأخلاقية بتعب عبد الوهاب المسي (، لذلك فالسعادة الدنيوية هي أهم الركائز التي وضعت الدولة من أجل تحقيقها. ويستدل ýثالي المذهب البراغÈì والليبرالي jوذج يندرجان تحت هذا التبرير. غاية الدولة في الفكر الإسلامي على النقيض من الفكر الغرí، ينظر الفكر الاسلامي إلى الدولة بوصفها وسيلة لتحقيق العهد ب الإنسان والله القائم على الأمانة والاستخلاف؛ إذ يعدّ كل فرد في المجتمع الإسلامي مسؤولا مسؤولية كاملة تجاه نفسه والآخرين والكون كله. لذلك فغاية الدولة الأساسية في الإسلام هي تحقيق العدالة. ويسرد أوغلو عدة إحالات لمفكرين وفلاسفة وفقهاء مسلم من مشارب فكرية ومدارس مختلفة، لكنها تتفق جميعها في تأكيد تلك الغاية، أمثال ابن تيمية والماوردي والفاراí وابن باجه وابن طفيل ونظام الملك والغزالي وابن رشد. فقد رفض الفاراí والغزالي وابن باجه وابن رشد إمكانية عزل الفرد عن المجتمع رفضًا جازمًا، نظرًا إلى المسلمة التي تربط ب كÈل الإنسان وكÈل الدولة، بل إن ابن تيمية ذهب إلى أن نصر الله للدولة ره فقط بعدلها على الرغم من إمكانية كفرها. ولا üكن فهم إقامة العدالة بصفتها غاية للدولة إلا باعتبار فكرة الألوهية والتسامي الوجودي وتنزيه الله، وهو الذي üثّل أساسًا للنظرة الوجودية الإسلامية. لذلك يذهب المؤلف إلى أن مثالية الدولة تحققت في التاريخ الإسلامي في الحقبة النبوية أو حقبة الخلفاء الراشدين، بينÈ ß يحدث ذلك في التاريخ الغرí مع مثالية أفلاطون أو هيغل أو كانط مثلا. يخلص أوغلو إلى نتيجة يقول فيها: "هناك تكامل ووضوح للصورة السياسية والصورة الوجودية في الإسلام حتى لدى الأمي من المسلم. على النقيض من ذلك، نجد أن التعقيدات المبهمة واللاهوتية في المسيحية- خاصة فيÈ يتعلق بتقارب المستويات الوجودية وبتجسيد الألوهية - أدت إلى اقتصار التفس والتأويل على صفوة رجال الدين داخل المؤسسة الكنسية، وبالتالي عدم انتشار التبرير من خلال عقيدة وجودية منهجية، مÈ أدى إلى ضعف الصلة المعرفية ب اللاهوت والفلسفة، وبالتالي علمنة المعرفة والحياة. أمّا في الحقبة الحديثة فقد خرجت هذه العملية من دائرة الغموض الموجودة فيÈ ب المستوي الوجودي والسياسي في المسيحية، وكونت قاعدة نظرية مستقلة عن الإüان لتبرير النظام السياسي على أسس علÈ نية دنيوية")ص 37 (.
مشكلة شرعية السلطة السياسية
يحاول أوغلو من خلال هذه النقطة إبراز تأث الرؤية الوجودية في قضية الشرعية السياسية، فهو يقارن ب دور البرلمان بصفته مصدرًا للشرعية السياسية في الفكر الغرí ومبدأ الشورى بصفته أساسًا لتلك الشرعية في الفكر الإسلامي. ففي الفترة الحديثة، تم عزل عملية التشريع السياسي عن القيم المعيارية السÈوية من خلال إنكار فكرة "المعاي الأبدية"، لذلك أصبحت المشاركة السياسية ومهمة البرلمان والدستور وغها من الإجراءات المؤسسية في الشرعية السياسية الغربية تنبع من إطار فلسفي يعتمد على رد المعرفة والقيم إلى مصادر إنسانية)علمنة المعرفة والنظم السياسية (. بينÈ على خلاف ذلك، يعتمد التشريع السياسي والشرعية السياسية الإسلامي على معاي أبدية وثابتة أي إنهÈ يرتبطان ýرجعية قيمية نهائية ومطلقة. ويستدل أوغلو هنا بابن رشد، إذ يقول: "إن كÈل الشريعة وتفوقها على القوان الوضعية مستمد من طبيعتها السÈوية، الأمر الذي يب كيف أن فكرته عن الشرعية السياسية تنطوي على بعد معرفي محدد وجوديًا")ص 41 (. وهكذا فإن مبدأ الشورى ليس مجرد ضÈ ن لمشاركة الناس في السياسة، بل إنه أداة مهمة لمنع الطغيان، وهذا أمر ينسجم مع فكرة التسامي الوجودي حيث الله هو المطلق الأوحد.
ج. التعددية السياسية ونظريات القوة
يرصد أوغلو في هذه النقطة التباين في الرؤى الوجودية الغربية والإسلامية، من خلال تبرير القوة السياسية عبر نقطت؛ تتصل الأولى ýصادر القوة وترتبط الثانية ýÈرسة القوة. مصادر القوة ومË رستها في الثقافة الغربية تتعدد مصادر القوة في الفكر الغرí تبعًا للتطور التاريخي الذي شهده الغرب؛ فمفهوم القوة أخذ عدة دلالات على طول التاريخ الغرí، ففي اليونان القدüة كان الحديث مع أفلاطون مثلا عن القوة الأخلاقية، بينÈ أخذ الرومان مفهوم القوة على دلالته السياسية الصرف "القوة السياسية". أمّا في العصور الوسطى فقد أخذ المنظرون بالمفهوم الروما عن القوة السياسية كÈ تحدده مصادرها، وأخذوا بالمفهوم اليونا عن القوة كÈ تحدد غايتها. لذلك فالفهم المسيحي للقوة جمع دلالات متعددة للمفهوم، ويعبر أوغلو عن هذا الأمر بالقول: " استهدفت النظرية المسيحية دعم صور القوة المختلفة الكثة الموجودة جنبًا إلى جنب، سواء على مستوى المؤسسات الاجتÈعية والسياسية أو على المستوى النظري من خلال تحقيق التوازن ب هذه الصور، بدلا من إعادة تنظيمها في بناء متدرج من خلال تبرير وجودي، ولهذا أمكن للفهم الروما للقوة السياسية - البعيد امًا عن علم الوجود - أن يظهر ويؤثر في التفس اللاهوì المسيحي، فظهر بسهولة كملمح جوهري في النظريات السياسية الغربية عندما بدأت القوة الاجتÈعية/ السياسية والاجتÈ عية/ الاقتصادية الحقيقية في زعزعة السلطة البابوية كرمز لهيكل القوة في العصور الوسطى")ص 45 (. أمّا في الفترة الحديثة وتبعًا لذلك، فقد بني فهم القوة السياسية على الفهم الروما، إذ ظهرت الواقعية السياسية مع ميكافيللي و ت عقلنة الأخلاق، فأصبح الإنسان هو مركز الوجود. وينبه أوغلو إلى أن بعض الاختلافات التي نشهدها اليوم في الغرب فيÈ يخص تفس القوة ترجع أساسًا إلى ما هو تقني وليس إلى ما هو فلسفي؛ فمثلا يفسر كل من ميلز ودال وفيبر القوة على أساس العلاقات، بينÈ يذهب هوبز ولاسويل وكابلان إلى تفسها بفكرة التملك، لكن كلا التفسين في المحصلة يفتقد إلى أساس نظري وجودي. ويفسر أوغلو التعددية السياسية الموجودة في الغرب اليوم بالعودة إلى التعددية الدينية التي طبعت تاريخه. ولا يعني المؤلف بالتعددية الدينية تعدد الأفهام للمطلق الديني، بل إن التعددية هنا هي تعددية المطلق أساسًا، من خلال التراتبية التي طبعت العقيدة المسيحية)فكرة التثليث (. فكل الخصائص الأساسية الوجودية والقيمية والمنهجية للمذهب التعددي السياسي الفلسفي üكن اعتبارها امتدادات حديثة للتعددية الدينية القدüة أو الابيقورية أو الاستقراء الأرسطي. مصادر القوة ومË رستها في الثقافة الإسلامية على النقيض من الفكر الغرí، يجد الفكر الإسلامي تسويغًا لفكرة القوة يتمركز حول الله، إذ üثّل الخلفية النظرية للتعددية الدينية - الثقافية ووحدة المؤسسة في التاريخ الإسلامي. ذلك أن الثقافة الإسلامية تفترض وجود صلة وثيقة ب التسامي الوجودي والقوة السياسية إن مÈرسة أو تنظ ا. لهذا لا توجد - بحسب أوغلو أي محاولة على الإطلاق تقريبًا - في التراث السياسي الإسلامي لتبرير القوة السياسية من دون الرجوع إلى البعد الوجودي. وبناء على كل ذلك، يذهب المؤلف إلى أن فكرة رجوع القوة والسلطة بأكملها إلى الله توحي بأن القوة في صورها المادية الاقتصادية أو وضعيتها السياسية على الأرض تبقى مؤقتة ونسبية، وهكذا فإن مÈ رستها لا تتم إلا بعد تبريرها بالرجوع إلى قوة الله المطلقة. هكذا نجد أن المÈرسة السياسية الإسلامية)مÈرسة القوة (تتم بناء على مبدأ التعاون المبني على مفهوم الأخوة كÈ حدده القرآن.
د. المركزية والتعددية في النظام السياسي
يحاول المؤلف في هذه النقطة أن يفسر طبيعة التعددية السياسية في ظل مركزية سياسية ب الواقع الغرí والواقع الإسلامي انطلاقًا من النقطة ذاتها؛ أي التباين على مستوى الرؤى الوجودية. ويلخص أوغلو هذا الأمر بالقول: "يكشف الواقع التاريخي عن استمرار وتعايش كث من الثقافات المختلفة والمجتمعات الدينية على مدى قرون تحت حكم الدولة الإسلامية، على ح نجد أن المجتمعات المتسامحة في التاريخ السياسي الغرí نتاج للفترة الحديثة فقط، الأمر الذي يوضح أن العلاقة ب هذين البناءين السياسي البديل ليست علاقة مراحل مختلفة، ولكنها علاقة نابعة من ثقافات سياسية وتصورات سياسية مختلفة ثّل امتدادًا لرؤيت بديلت للعاß ")ص 55 (. المركزية والتعددية السياسية في الغرب يوضح أوغلو أن مركزية الدولة في التراث الغرí ß تتأسس على أسس نظرية تتصل برؤية وجودية مفارقة للعاß، بل إنها كانت نتيجة ظروف تاريخية طارئة. ويضرب مثالا بفلسفة "هوبز" التي
تؤمن بوحدة المؤسسة انطلاقًا من الحاجة الملحة)في عصره (إلى النظام والوحدة تفاديًا للاضطراب والفوضى، وهذه النظرة لها مبرراتها العملية إذا ما فسرناها استقرائيًا. أمّا فيÈ يخص التعددية، ف دها إلى أمرين: الأول يرتبط بالثورة الصناعية، حيث التعددية السياسية مجرد تعب عن واقع متغ يحمل تزايدًا للمنظÈت والروابط الاقتصادية. والثا هو ارتباط التعددية السياسية بعدم وجود مطلق üثّل مرجعية نهائية، وبناء عليه فالتعددية السياسية نتاج للتعددية الدينية سواء في اليونان القدüة)تعدد الآلهة (أو في الفترة المسيحية)تعدد المطلق (. المركزية والتعددية السياسية في الإسلام تقوم وحدة المؤسسة السياسية الإسلامية بحسب هذا الكتاب على وجود صلة نظرية ب الوحدة الوجودية المتمثلة بالتوحيد والوحدة السياسية. لكنّ ذلك لا يلغي وجود تعددية سياسية وحتى دينية داخل الوحدة السياسية للدولة الإسلامية؛ إذ هناك وحدة سياسية مع وجود تعدد الجÈعات الدينية الثقافية، كÈ أن التقسيم الإسلامي للمحكوم كان أفقيًا وليس هرميًا. وينعكس هذا الأمر على الواقع والنظرية الاقتصادي في الإسلام؛ فالتعددية الدينية - الثقافية في التقسيم الأفقي تتطلب عقلية اقتصادية تلغي الفرق ب الاقتصاد المعياري والاقتصاد الوضعي، بحيث يتم توجيه الثا انطلاقًا من الأول الذي يكون مبنيًا على العقائد، ويعطي مثالا بالزكاة التي تعد حقًا للفق على الغني. هكذا كانت النتيجة كÈ يقول أوغلو هي: "أن أدت التعددية الإسلامية الدينية - الثقافية القاÖة على قوة سياسية محددة وجوديًا إلى تعددية قانونية نظرًا لوجود ثقافات أصلية، كÈ أدت إلى توحيد المؤسسة نظرًا للدور المهم الذي تقوم به الدولة في إقامة العدالة في كل أنحاء العاß ")ص 57، 58 (. وينهي المؤلف هذا الفصل بسؤال: "هل ستتحول المجتمعات الإسلامية إلى بنية التعددية الاجتÈعية/ الاقتصادية؟" ويجيب بالقول: "إن هذا السؤال وجب تقييمه من خلال 'النظرة إلى العاß'، لا من خلال استراتيجيات التحول المؤسسي المفروضة على المجتمعات عن طريق الصفوة السياسية المستغربة")ص 58 (.
ه. الثنائية والتعددية في تكوين هيكل النظام الدولي
يدور هذا الفصل حول مفهوم الأمّة الذي يُعدّ مفهومًا إسلاميًا أصيلا تستحيل ترجمته إلى لغات أخرى، فالأمّة في التصور الإسلامي مجتمع مفتوح أمام أي إنسان بغض النظر عن أصله أو جنسه أو لونه بشرط أن يقبل المسؤولية، فهي أساس تحديد الهوية وعملية العلاقات الاجتÈعية السياسية التي يعيشها المسلم داخل بيئة اجتÈ عية سياسية. ويؤكد المؤلف أن مفهوم الأمّة يرتبط نظريًا ومنطقيًا وعملياQ بالآية القرآنية "إن هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربكم فاعبدون". بينÈ تتأسس العلاقات السياسية والاجتÈعية داخل الدولة في الغرب على المواطنة، ويرفض الفهم الإسلامي – بحسب المؤلف - هذا المعيار لأنه خارج عن إرادة الناس. وقد جاءت فكرة المواطنة نتيجة للتطور السياسية في الغرب؛ أي إنها نتيجة واقعية وليست نتاج بناء نظري يتصل بنظرية وجودية متناسقة كÈ هو الحال في الإسلام. فقد انتقل الغرب من مفهوم الدولة - المدينة إلى مفهوم الدولة - الأمّة، وذلك بظهور القوميات وانهيار النظام التقليدي بأوروبا وظهر نظام جديد كانت قاعدته القيمية الدينية هي البروتستانتية، وقاعدته العلمية الفكرية هي نظرية غاليليو عن الحركة، وقاعدته الاجتÈ عية السياسية هي السيادة القومية المطلقة للملكية داخل حدود إقليمية معيّنة، وقاعدته الاجتÈعية الاقتصادية هي الروح التجارية. هذا النظام سيتغ هو الآخر تبعًا للتطور التاريخي. وهكذا فالنظام الدولي من وجهة النظر الغربية يقوم على التعددية المتغة باستمرار بينÈ يقوم النظام الدولي في الإسلام على ثنائية دار الإسلام)الأمّة (ودار الكفر. وينبه المؤلف إلى العلاقة ب المفهوم ليست كÈ حددها بعض المستشرق، بل إن ما يجمع الدارين ليس هو الحرب داÖًا، بل إن الحالة الطبيعية والداÖة في العلاقات الدولية هي السلام، وتبقى الحرب حلاًاضطراريًا أو استثناء. ويختم أوغلو هذا الفصل مبرزًا أن هذا التباين راجع إلى تباين الرؤى الوجودية الغربية والإسلامية، فيقول: "لقد جاءت كل هذه المفاهيم والتصنيفات للنظام السياسي كنتيجة مباشرة لرؤية النظريات السياسية الإسلامية للعاß القاÖة على علاقة وطيدة ب التصور الوجودي والتصور السياسي، أمّا 'الأمّة - الدولة' الغربية فهي - على النقيض - نتاج علÈ محض نشأ من تصور محدد للعاß، يؤدي إلى قطع جسور الصلة ب التناول الوجودي والوعي السياسي")ص (.63