الدبلوماسية القطرية واختبار الأزمة

Qatar's Diplomacy: Facing the Challenges of the Gulf Crisis

نواف التميمي| Nawaf Al Tamimi @

الملخّص

اتسمت الدبلوماسية القطرية منذ انفجار ازمة مع السعودية وا مارات والبحرين ومصر، في 24 أيار/ مايو 2017، بالهدوء والثقة والاتزان. ولا يمكن المراقب أن يفهم النهج الدبلوماسي لقطر في التعامل مع كل مراحل ا زمة، من الانفجار إلى الحصار، مرورًا بالحملات اعلامية المبرمجة، من دون الوقوف على حقائق "ما خلف المشهد". وإن كانت دول الحصار قد خططت لتفجير ا زمة تحت جنح الظلام، فجر 24 أيار/ مايو 2017، بأسلوب "الترويع والصدمة" اميركي، فإن قطر تمكنت من امتصاص "الضربة اولى"، بلا مفاجأة. وبالمتابعة داء الدبلوماسية القطرية وردة فعلها إزاء التطورات والمنعطفات التي مرت بها ازمة، يُمكن الوقوف على خمسة عوامل ت فسر الهدوء، والثقة، والاتزان، التي اتسم بها اداء القطري، وهذه العوامل هي: سقوط عنصر المفاجأة، وبناء السمة الوطنية، وبناء ترسانة "القوة الناعمة"، وبناء تحالفات دولية، وارتباك الخصم.

Abstract

Since the outbreak of the crisis with Saudi Arabia, the United Arab Emirates, Bahrain and Egypt on 24 May 2017, Qatar's diplomacy has been characterized by calm, confidence and balance. The observer can't understand the diplomatic approach of Qatar in dealing with all stages of the crisis - from explosion to siege, through state-orchestrated media campaigns - without knowing the "behind the scenes" facts. Blockading countries planned to blow the crisis up under the cover of darkness, before the dawn of May 24. But Qatar was, unsurprisingly, able to absorb the "shock and awe" first strike. Five factors characterise the country's diplomatic performance as it has reacted to developments and turning points in the crisis: The failure of the 'element of surprise', years of building Qatar's "nation brand", Qatar's arsenal of "soft power", international alliances, and the opponents' quandary.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

اتسمت الدبلوماسية القطرية منذ انفجار الأزمة مع السعودية والإمارات والبحرين ومصر في 24 أيار/ مايو 2017 بالهدوء والثقة والاتزان. ولا يمكن المراقب أن يفهم النهج الدبلوماسي لقطر في التعامل مع كل مراحل الأزمة، من الانفجار إلى الحصار، مرورًا بالحملات الإعلامية المبرمجة من دون الوقوف على حقائق "ما خلف المشهد". وإن كانت دول الحصار قد خطّطت لتفجير الأزمة تحت جنح الظلام فجر 24 أيار/ مايو 2017 بأسلوب "الترويع والصدمة" الأميركي لترويع قطر وإرباك دوائر الحكم في الدوحة، فإن قطر تمكنت من امتصاص "الضربة الأولى" بلا مفاجأة، ولكن مع صدمة مردّها توقيت الهجمة وأسلوبها، والذرائع التي تجاوزت حدود الخلاف السياسي الرسمي، وحرق كل الخطوط الحمراء حتى وصلت إلى قعر غير مسبوق. وبالمتابعة الدقيقة لمجريات الأزمة الأخيرة، وملاحظة أداء الدبلوماسية القطرية وردّة فعلها إزاء التطورات والمنعطفات التي مرّت بها الأزمة منذ 24 أيار/ مايو 2017 وحتى منتصف تموز/ يوليو من العام ذاته، يمكن الوقوف على خمسة عوامل تفسر الهدوء والثقة والاتزان التي اتسم بها الأداء القطري. وهذه العوامل هي: سقوط عنصر المفاجأة، وبناء "السمة الوطنية"، وبناء ترسانة "القوة الناعمة"، وبناء تحالفات دولية، وارتباك الخصم.

سقوط عنصر المفاجأة

ما صدم القطريين لم يكن اندلاع الأزمة فجر 24 أيار/ مايو 2017؛ لأن الدوائر السياسية في الدوحة كانت تتوقع انفجار الأزمة مع دول الجوار، إن لم يكن هذا العام، فالعام المقبل أو الأعوام التالية. غير أن الصدمة نتجت من عوامل عدة، أولها التوقيت؛ فقد انفجرت الأزمة بعد أيام قليلة من قمة ال 50" + 1" التي عُقدت في الرياض يومي 20 - 21 أيار/ مايو 2017، وجمعت زعماء خمسين دولة عربية وإسلامية من بينها قطر، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكان شعارها التنسيق لمواجهة الفكر المتطرف والإرهاب، ومواجهة نفوذ الإيرانيين وتمددهم في المنطقة. وما صدم الدوحة أيضًا هو الأسلوب الذي انتهجته السعودية والإمارات في تفجير الأزمة؛ بدءًا من اختراق الموقع الرسمي لوكالة الأنباء القطرية، وتلفيق تصريحات على لسان أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وصولا إلى الحملات الإعلامية المبرمجة والمُعدة مسبقًا. والأمر الآخر الذي صدم الدوحة الرسمية والشعبية هو المضمون الإعلامي الذي روّجه سياسيون وإعلاميون وكُتّاب على شاشات قنوات فضائية مُموّلة من السعودية والإمارات، وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وقد غابت عنه المهنية، وغرق في التلفيق والكذب ومسّ حرمات البلاد والعباد في قطر. وأخيرًا، صُدمت قطر بتصعيد الأزمة، مع حرق المراحل، وصولا إلى فرض حصار لاعقلاني ولاإنساني، استهدف حياة الناس وأرزاقهم وأعمالهم والعلاقات الأسرية بين العائلات الخليجية، ليس في قطر وحسب، ولكن في دول الحصار نفسها. وربما كانت ذريعة "دعم الإرهاب" التي وظّفها خصوم الدوحة لتحشيد العالم ضدها، هو أشد ما صدم قطر، ولا سيما أنها شريك في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، إذ تنطلق من أراضيها الطائرات الأميركية لضرب معاقل الإرهاب في اليمن والعراق وسورية. فضلا عن أن ذريعة الإرهاب التي رُفعت في وجه قطر، جاءت من الرياض التي طالما عدّتها الدوائر الغربية منبعًا للتطرف ومصدرًا للإرهابيين ومنبتًا لأكبر التنظيمات الإرهابية وأشدها خطرًا. بعيدًا عن الصدمة التي استوعبتها الدوائر القطرية بسرعة وسلاسة، وتمكّنت من احتواء تداعياتها على المستوى الداخلي، اتسمت ردة فعل قطر الرسمية بالهدوء والتروي؛ بحيث يمكن تفسير هدوء الدوائر السياسية القطرية في التعامل مع الأزمة بانتفاء عنصر المفاجأة؛ إذ كانت تتوقع انفجار أزمة في الإقليم سواء كانت طرفًا فيه أم لم تكن. واستندت التوقعات القطرية إلى مجموعة حقائق جيوسياسية وتاريخية راهنة، كانت ماثلة أمام صانع القرار في الدوحة. أول هذه الحقائق هي أن دولة قطر الصغيرة جغرافيًا وديموغرافيًا كانت تعي أن الجغرافيا الطبيعية فرضت عليها خيارات سياسية قاسية التضاريس ومعقدة المناخ. ولم تتجاهل قطر يومًا أن موقعها بين فكيّ إيران زعيمة الإسلام الشيعي، والسعودية زعيمة الإسلامي السنّي، يفرض عليها السير على حبل مشدود، يتهدّده تصاعد الصراع السعودي – الإيراني على الجغرافيا، واتساع نطاق التنافس بينهما على النفوذ. ولطالما أيقنت قطر أن تبنّي دبلوماسية الوساطة، ونهج إستراتيجيات الحياد، والبقاء خارج لعبة المحاور، ربما حميها من زجّها في أتون صراع إقليمي يفرض عليها الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، وهو ما يعني الخصومة مع هذا الطرف أو ذاك1. وتتجلى الحقيقة الثانية في معرفة قطر المُسبقة بتاريخ الإقليم المائج بالصراعات الجيوسياسية، منذ ما قبل حرب الجهراء بين الكويت

  1. تفيد هذه الدراسة من كتاب للكاتب نفسه، نواف التميمي، الدبلوماسية العامة
  2. وتكوين السمة الوطنية: النظرية والتطبيق على نموذج قطر(بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون، 2012)، وكذلك من مجموعة مقالات أعدّها الكاتب خلال الأزمة الخليجية. 2017 sz`syͿ1sɱ 2 أثير ناظم عبد الواحد، "دور السياسة الخارجية القطرية في ظل الأزمات العربية والإقليمية"، دراسات دولية، العدد 43 2010)(، شوهد في 2017/7/18، في: http://bit.ly/2vbdTST الدبلوماسية القطرية واختبار ا زمة

وآل سعود عام 1920، وصولا إلى الخلاف السعودي الراهن مع الكويت على حقلي نفط الدرة البحري والخفجي البري، مرورًا بتاريخ حافل بالخلافات الحدودية وصل إلى ذروته بالاحتلال الإيراني لجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى عام 1971، والاحتلال العراقي للكويت عام 1990. كما كان لقطر تجربة مريرة من الصراع الحدودي مع السعودية، وصل إلى صدام مسلح عام 1992 عُرف باسم معركة الخفوس، أدت إلى سيطرة السعودية على منطقة الخفوس الحدودية2. ثم إن ما يصفه القطريون ب "محاولة الانقلاب طبعة 2017"، لم تُفاجئ الدوحة التي كانت تعلم أن دولا في الخليج منها السعودية، وأخرى عربية منها مصر، لم تكن تنظر بعين القبول للتغيرات السياسية التي حدثت في قطر منذ عام 1995، عندما تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم. وقد اتهمت الحكومة القطرية أفرادًا تدعمهم السعودية بتنفيذ المحاولة الانقلابية عام 1996 بالتعاون مع السعودية. كما اتهمت الدوحة الرياض بتدبير محاولة انقلاب أخرى عام 2005. ووصلت الأزمة بين الرياض والدوحة إلى حد القطيعة عام 2014؛ عندما اتهمت السعودية والبحرين والإمارات قطر بالتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول. ولم تُفاجَأ قطر بالأزمة الراهنة مع جيرانها الخليجيين كذلك؛ لأنها كانت ترى وتلمس على الدوام عدم الارتياح الخليجي والمصري من تمدد الدور القطري في الإقليم والعالم. وكانت الإشارات الصادرة عن عواصم عربية توحي بعدم الرضا عن نفوذ الدوحة الذي صار يفوق حجمها الجغرافي والديموغرافي. وما فاقم عدم الرضا الإقليمي تجاه دور قطر هو نجاح الوساطات القطرية حيث أخفق الكثيرون، ومن ذلك أزمة لبنان 2006، وأزمة الساحة الفلسطينية وانقسامها؛ إذ تبوأت قطر دور الوسيط بين الفصائل الفلسطينية. كما كان الحضور القطري الأبرز في نزاع دارفور في السودان، والصراع على السلطة في الصومال، والصراع بين الحوثيين والسلطة في اليمن. وكان للدبلوماسية القطرية دور ملموس في نزع فتيل صراعات عدة بين دول القرن الأفريقي، وأخيرًا دور قطر في دعم ثورات "الربيع العربي". وفي استشراف لاحتمال مواجهة قطر لأزمة ما مع جيرانها أو حلفائها بسبب تنامي دورها، قال السفير الأميركي في الدوحة جوزف ليبارون في حزيران/ يونيو 2009: "أعتقد أن قطر تحتل مساحة في وسط الطيف الأيديولوجي في العالم الإسلامي، والهدف من ذلك الحفاظ على أبواب جميع لاعبي هذا الطيف مفتوحة أمامها. إن قطر تملك الموارد لتنفيذ رؤيتها، وهذا أمر نادر الحدوث. وفي كل الأحوال، فإن إستراتيجية قطر للحفاظ على التوازن في علاقتها مع الولايات المتحدة وعلاقاتها مع القوى الإقليمية، مثل إيران والسعودية، من المرجّح أن تستمر، وهذا قد يؤدي إلى وضع الدوحة وواشنطن في مواقع متناقضة تجاه بعض القضايا المهمة، على الرغم من التعاون الوثيق بينهما"3.

سنوات من بناء السمة الوطنية

مثل كل الدول الصغيرة ذات الجغرافيا المحدودة والديموغرافيا القليلة، لجأت دولة قطر منذ سنوات إلى تبنّي إستراتيجيات خاصة لحماية كيانها السياسي وسيادتها الوطنية، من قبيل تبنّي إستراتيجية حسن الجوار، وإستراتيجية التحالفات الإقليمية والدولية، وإستراتيجية تكوين "سمة وطنية" Brand National، لبناء مكانة فريدة عالميًا تعزز الشرعية السياسية للدولة، وتُبرز قيمة الدولة وفائدتها للعالم4.

وقد انبثقت النظرية المعرفية ل "توسيم الأمّة" في بداياتها من أدبيات ونظريات في علم "التسويق" أو فنه، إذ تدعو الدول والأمم للتعامل مع برامج وخطط التنمية الاقتصادية بمنظورٍ "تسويقي" ينطوي على المنافسة؛ بمعنى إن الأمم مطالبة بتحسين مستوى التنمية الاقتصادية ونوعيتها وتحويلها إلى أدوات تسويقية تكون قادرة على جذب المستثمرين الأجانب والسياح والكفاءات البشرية المتميزة)العقول (والمحافظة عليها. وبهذا تكون عملية توسيم الأمّة مهمة لدعم التنمية الوطنية المستدامة من جهة، ولتعزيز القدرة التنافسية للبلد في المجالين الداخلي والخارجي من جهة أخرى. يقول جوزيف ناي: "إن هذه النظرة

  1. 3 ماجد حميد خضير، "مقومات السياسة الخارجية القطرية: دراسة في السلوك السياسي "، دراسات دولية، العدد 49 2011)(، شوهد في 2017/7/18، في: http://bit.ly/2wlSkOa
  2. Christopher M. Blanchard, Qatar: Background and U.S. Relations , Congressional Research Service, Report Prepared for Members and Committees of Congress (November 4, 2014), accessed on 7/8/2017, at: http://bit.ly/2vb0M4e
  3. 5 Simon Anholt, "Competitive Identity: The New Brand Management for Nations, Cities and Regions," Journal of Brand Management, vol. 14, no
  4. (2007), p. 134.

دفعت دولا كثيرة لوضع عملية توسيم الأمّة في سياق إستراتجياتها السياسية، على أساس أنها أداة من أدوات القوة الناعمة. وبرز ذلك جليٍّا بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكيك عالم القطبين، وتوجه السياسة العالمية إلى استبدال صراع توازن القوى التقليدي بأدوات تتلاءم مع مفاهيم العالم الحر والأسواق المفتوحة والتنافسية"5. ومنذ مطلع القرن الحالي، أصبح توسيم الأمّة أداة قوية وفعالة، تمُكّن الأمّة من استثمار مقدراتها الوطنية في الحفاظ على قيمها الوطنية. بل ذهب بعض الدارسين إلى أن بناء الأمّة بواسطة القوة الناعمة مكون أساسي من مكونات قوة الأمّة في النظام العالمي6. والواقع، أنه منذ انتهاء الحرب الباردة وانتقال المجتمع الدولي إلى حالة العولمة، ساهم في تطور مفهوم توسيم الأمّة وتطبيقاته. فمن جهة، سعت الدول الوليدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، وانفضاض عقد المعسكر الاشتراكي، إلى بناء "سمات وطنية" جديدة تترجم استقلالها وتعززه، وتحجز لها مكانةً على الساحة الدولية. ومن جهة أخرى، أفرز الواقع الدولي الجديد صورًا أخرى للاختلافات الاقتصادية وغير الاقتصادية بين الأمم، وقد تعمقت هذه الاختلافات في كثير من الحالات، وأفرزت صراعات سياسية وثقافية واجتماعية، هدّدت استقلال شعوب وأمم عدة واستقرارها. من هنا، وجدت دول كثيرة أهمية للسمة الوطنية في حماية هويتها وكيانها، في حين وجدت دول أخرى أن السمة الوطنية تعزز عناصر قوتها الناعمة، بينما رأت فيها الدول القوية قيمة مضافة لتعزيز قدراتها التنافسية وتدعيم نفوذها السياسي. وبصفة عامة، تسعى الدول لتكوين سمة وطنية إما لغاية "إعادة تشكيل الهويات الوطنية"7، وهذا ينطبق على دول أوروبا الشرقية والدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي السابق، أو "حماية كيانها السياسي" وهذا ينطبق على الدول الصغيرة، أو "تعزيز القدرات التنافسية للبلاد"8(، وهذا ينطبق على الدول الناشئة مثل الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية، أو"تعزيز المصالح الاقتصادية والسياسية في الداخل والخارج"9، ومثال ذلك الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، أو "تغيير صورة الأمّة أو تحسينها أو تعزيزها"10، ومثال ذلك جنوب أفريقيا. مثّلت الحالة القطرية نموذجًا نادرًا في المنطقة العربية من حيث التطبيق العملي، بل والحرفي، لنظرية "توسيم الأمّة" ومبادئ عملية التوسيم النموذجية وشروطها وظروفها. فقد كانت البداية في عام 2008، عندما صدرت الإرادة العليا بالتصديق على "رؤية قطر 2030". وقد ترجمت هذه الرؤية الإرادة السياسية والرؤية الإستراتيجية للقيادة السياسية. وفي خطوة تالية نحو صياغة هذه الرؤية، شرعت الحكومة القطرية في استدعاء الأطراف الحكومية وفعاليات القطاع الخاص والمجتمع المدني كافة، وشكّلت مجموعات عمل حدّدت مهماتها في التالي: مجموعة العمل الأولى: إستراتيجية قطر الوطنية: القضايا والتحديات. مجموعة العمل الثانية: صياغة الإستراتيجيات الوطنية: مشاركة الأطراف المعنية وبناء القدرات، أفضل الممارسات والدروس المستفادة من التجارب الدولية. مجموعة العمل الثالثة: الإستراتيجيات الوطنية المستندة إلى النتائج: تحديد الأهداف والمتابعة والتقييم، أفضل الممارسات والدروس التي يمكن تعلمها من التجارب الدولية. وبالتوازي مع ورشة العمل الداخلية، تبنّت السياسة الخارجية القطرية إستراتيجتَيْ الدبلوماسية العامة والسمة الوطنية11، وتتوافق هاتان الإستراتيجيتان في الأهداف؛ فالأمّة تبني سمتها الوطنية، والدبلوماسية العامة تحمل هذه السمة إلى العالم. وفي حالة دولة صغيرة مثل قطر، توظف الدبلوماسية العامة وقنواتها والسمة الوطنية وعناصرها بصفتها أدوات إستراتيجية، لهدفين رئيسين، أولا: لتحقيق الحضور في الساحة الدولية، وثانيًا: لإنشاء "منظومة دفاعية"12. والنموذج الذي تقدّمه قطر على مستوى الدبلوماسية العامة عبر النشاط "الناعم" في العالم، يتمثّل في تبنّي "دور الوسيط" في الصراعات الإقليمية، ثم جني ثمار هذا الدور وتحويله إلى مكاسب دبلوماسية تعزز دور الدوحة في الإقليم الحافل بالاضطرابات13. ومن خلال

  1. Gyorgy Szondi, "Public Diplomacy and Nation Branding: Conceptual Similarities and Differences," Netherlands Institute of International Relations (2008), accessed on 7/7/2017, at: http://bit.ly/2gJbZA3
  2. Wally Olins, Corporate Identity: Making Business Strategy Visible Through Design (Boston: Harvard Business School Press, 1999).
  3. Anholt.
  4. György Szondi, "The Role and Challenges of Country Branding in Transition Countries: the Central and Eastern Europe experience," Place Branding and Public Diplomacy , vol. 3, no. 1 (2007), pp. 8 - 20. 2017 sz`syͿ1sɱ
  5. Hlynur Gudjonsson, "Nation Branding," Place Branding , vol. 1, no. 3 (2005), pp. 283 - 298.
  6. Alan Henrikson "Niche Diplomacy in the World Public Arena: The Global 'Corners' of Canada and Norway," In: J. Melissen (ed.), The New Public Diplomacy (London: Palgrave Macmillan, 2005), p. 1.
  7. Paul Rockower, "Qatar's Public Diplomacy," USC, Center for Public Diplomacy, PubD 599, December 12, 2008.
  8. Andrew F. Cooper & Bessma Momani, "Qatar and Expanded Contours of Small State Diplomacy," The International Spectator , vol. 46, no. 3 (2011), pp. 113-128; John E Peterson, "Qatar and the World: Branding for a Micro- State," Middle East Journal , vol. 60, no. 4 (2006), pp. 732 - 748. الدبلوماسية القطرية واختبار ا زمة

اضطلاع الدوحة بمهمة الوساطة، برز دورها على الساحة الدولية، وبات لجهدها الدبلوماسي مساحة تفوق حجمها الجغرافي وعدد مواطنيها. ويمكن فهم دور الدبلوماسية العامة القطرية، بالنظر إلى حرص قطر على توسيع دائرة نفوذها وزيادة الوعي الخارجي بأهميتها. وإجمالا يمكن القول إن هذه الدبلوماسية تنطلق من الثوابت التالية: التزام حقوق السيادة والدولة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتجنب سياسة المحاور. التزام قواعد الشرعية الدولية، ومواكبة المستجدات والتطورات العالمية أو التكيف معها. تبني فلسفة "الدبلوماسية الواقعية" مع تقبل تبعات الإسهام في تحقيق السلام ورفض الاحتكام إلى القوة في فضّ المنازعات. وتتسم الدبلوماسية القطرية بأنها: استباقية وجريئة؛ ما يجعلها تتخذ مواقف سابقة لغيرها)مثل الموقف من الثورات التونسية والمصرية والليبية (. لا ترتبط بمرجعية أيديولوجية تحدّ من نشاطها أو امتدادها. لا تسعى للاستحواذ. تعتمد على أدوات القوة الناعمة وأساليبها، ولا تنطوي على أيّ تهديد أو أطماع أو أجندات لبسط النفوذ. ويقصد بالقوة الناعمة توظيف أدوات الإقناع والاستمالة والابتعاد عن أساليب الضغط والترهيب في إدارة العلاقات الدولية؛ كأدوات الدبلوماسية العامة، وتوظيف الأبعاد الثقافية والتعليمية والإبداعية، أو توظيف المعونات الاقتصادية والمنح الدراسية في إدارة العلاقات الخارجية. والقوة الناعمة أو اللينة بمفهومها المعاصر هي اصطلاح ينسب إلى جوزيف ناي، رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي، ومساعد وزير الدفاع في عهد إدارة بيل كلينتون، والمحاضر في جامعة هارفرد، وهو يعرّف القوة الناعمة بأنها: "الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلا من الإرغام أو دفع الأموال". وفي عام 1990 عرّف ناي القوة الناعمة بتوسّع بقوله: "القوة الناعمة في جوهرها قدرة أمّة معيّنة على التأثير في أمم أخرى، وتوجيه خياراتها العامة، وذلك استنادًا إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي، ومنظومة قيمها ومؤسساتها، بدل الاعتماد على الإكراه أو التهديد. هذه الجاذبية يمكن نشرها عبر: الثقافة الشعبية، والدبلوماسية الخاصة والعامة، والمنظمات الدولية، ومجمل الشركات والمؤسسات التجارية العاملة"14. وأشار ناي إلى أدوات القوة الناعمة في كتابه عن ريادة الولايات المتحدة في الساحة الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة، ثم أسهب في تطوير المفهوم في كتاب مستقل عنوانه القوة الناعمة، لتأكيد حضور هذه الأدوات في إدارة السياسة الخارجية الأميركية، والأدوات غير التقليدية؛ الثقافية والمعنوية والرمزية والقيادية التي تتيح سبلا للتأثير في سلوك الأطراف الأخرى في العملية السياسية في الداخل الوطني أو الخارج الإقليمي والدولي. وتتغير القوة الناعمة بتغير وسائط التأثير الثقافي وأدواته وتحولاتها النوعية في ظل تحولات مفهوم المكان والجغرافيا. كما قد تزيد وتنقص بحسب الرصيد الأخلاقي للدولة التي تريد الاضطلاع بدور النموذج، وكذلك الموارد المالية التي تخصصها الدولة لمصلحة برامج تعزيز النفوذ والتأثير. ويحصر ناي عناصر القوة الناعمة في ثلاثة عناصر أساسية هي: "أولا، الثقافة العامة، وما إذا كانت جاذبة للآخرين أو منفرّة لهم. ثانيًا، القيم السياسية، ومدى جدّية التزامها، سواء في الداخل أو في الخارج، سلما أو حربًا. ثالثًا، السياسة الخارجية ودرجة مشروعيتها، وقبولها الطوعي لدى دول العالم وشعوبه"15.

بناء ترسانة القوة الناعمة

لأجل حماية استقلالها الوطني، والحفاظ على سيادتها السياسية، وظّفت قطر الدبلوماسية العامة وقنواتها، والسمة الوطنية وعناصرها، أدواتٍ إستراتيجيةً لتحقيق الحضور في الساحة الدولية، وإنشاء "منظومة ردع دفاعية" ناعمة. وبنهجها هذا النموذج، نوّعت قطر قنوات الدبلوماسية العامة، وأدوات القوة الناعمة، ووزّعتها على واجهات عدة، في إطار عملي منسجم، يترجم كل الأهداف التي وردت في رؤية قطر.2030 على الواجهة الدبلوماسية، سعت قطر لتعزيز دورها على الساحة الدولية من خلال تطوير مكانتها بصفتها مركزًا لاستضافة أحداث دولية كبيرة وبارزة، والمشاركة بدور ريادي في المؤسسات الدولية؛ بحيث تبوأت في عام 1995 رئاسة القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن، وفي عام 2001 فازت قطر بأحد المقاعد الأربعة المخصصة للقارة الآسيوية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، كما نجحت في العام ذاته في استضافة مؤتمر منظمة التجارة العالمية، واستضافت في عام 2005 القمة الثانية لمجموعة ال.77 وعلى الواجهة الإعلامية، كانت شبكة الجزيرة الفضائية التي شكّلت منذ انطلاقها في عام 1996 حالة فريدة في الفضاء الإعلامي العربي.

  1. Nye; Szondi.
  2. Nye. 2017 sz`syͿ1sɱ

ولم يقتصر حضور شبكة الجزيرة على الهواء وشاشات المشاهدين فقط، بل تجاوز ذلك، عندما انتقلت الجزيرة من مجرد قناة إعلامية ناقلة للأخبار والأحداث إلى صانع أو على الأقل مشارك في صناعة الأحداث. وخلال سنوات قليلة، باتت هذه الشبكة تتبوأ مكانة لا تقل أهمية عن شبكات "سي إن إن" أو "سكاي" أو"بي بي سي" العالمية. وتزايد نفوذ هذه العلامة التجارية والشبكة الإعلامية بعد إطلاق قناة الجزيرة الإنكليزية، وقنوات الجزيرة الرياضية، والجزيرة أطفال، والجزيرة مباشر، والجزيرة الوثائقية. إضافة إلى ذلك، وسّعت الجزيرة من نطاق أنشطتها، فلم تعد كأيّ قناة تلفزيونية تقليدية، بل أوجدت لنفسها أذرعًا طويلة ومؤثرة؛ من قبيل المهرجانات السنوية، ومركز الجزيرة للتدريب، ومركز الجزيرة لحقوق الإنسان، ومركز الجزيرة للدراسات، والجزيرة نت... وغيرها. وباتت شبكة الجزيرة التلفزيونية وشبكة مؤسساتها أداة مهمة في "ترسانة الدفاع" عن وجود الدولة القطرية في مواجهة القوى الكبرى المتصارعة في منطقة الخليج.

وعلى الواجهة الاقتصادية، لم تغفل قطر أهمية توجيه ثرواتها الطبيعية والاستثمارية لحماية كيانها السياسي، وتعزيز مكانتها ودورها إقليميًا وعالميًا؛ وقد تجلىّ ذلك في التوزيع الذكي لمحفظة الاستثمارات القطرية الخارجية، لتشمل الشركات الكبرى من قبيل الاستثمارات في مشاريع الغاز والبتروكيماويات في الصين وإندونيسيا، وبناء المشاريع السياحية والعقارية في بريطانيا، والدخول في شراكات عالمية في أسواق المال والاستثمار والخدمات المصرفية. وفي المقابل، اهتمت قطر بجذب الاستثمارات الأجنبية، فقد نشرت جريدة أميركان كرونيكل American Chronicles الأميركية تقريرًا مطولا عن أفضل بقاع العالم في الوقت الحالي من حيث جذب الاستثمارات العالمية، جاء فيه أن دولة قطر هي الأولى في العالم على رأس قائمة هذه الدول، وأشار التقرير إلى أن احتفاظ الاقتصاد القطري بمكانته وانتعاشه الملموس من أكثر العوامل التي جعلت هذا البلد هو المكان الأفضل لجذب استثمارات العالم. ونشطت قطر على الواجهة الإنسانية عبر مجموعة من مبادرات المجتمع المدني القطري وجمعياته، بهدف تقديم الوجه الإنساني للشعب القطري؛ بحيث باتت المساعدات الإنسانية القطرية تصل إلى كل المحتاجين والمنكوبين بعيدًا عن أيّ حواجز دينية أو عرقية أو إثنية، من قطاع غزة إلى منكوبي تسونامي آسيا، أو إعصار كاترينا، أو فياضانات أستراليا 2011، أو زلزال اليابان 2011، أو توفير السفن لآلاف المهجّرين بسبب النزاع المسلح في ليبيا.2011 وعلى الواجهة الثقافية، اهتمت قطر باستقطاب قادة الفكر والسياسة في العالم، عبر جذب مراكز الأبحاث العالمية مثل مركز بروكنجز، أو تأسيس مراكز جديدة مثل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ومعهد الدوحة للدراسات العليا. إضافة إلى ذلك، استقطبت قطر فروعًا لكبريات الجامعات العالمية مثل جامعات "تكساس إيه أند إم"، و"جورجتاون"، و"كارنيجي ميلون"، و"كالجاري"، وكلية باريس للدراسات التجارية العليا، وكلية شمال الأطلسي في قطر. كما أولت اهتمامًا خاصًا لفكرة المتاحف والتركيز على التراث كونه مكونًا أساسيًا في منظومة الدفاع عن الاستقلال الوطني؛ فالأصالة والتراث والتاريخ كلها عوامل قوة وحماية، تؤكد مشروعية "الدولة القطرية وأصالتها وامتدادها في التاريخ"، ومن ثمّ التغلب على "نقطة الضعف" المرتبطة بمحدودية الجغرافيا والديموغرافيا. هذا فضلا عن أنها تعزز البعد العالمي للدولة، من خلال إبراز مساهمتها في التراث البشري والفكر الإنساني. وتُوّج الأداء القطري على الواجهة الرياضية بالنصر الذي حقّقه الملف القطري لاستضافة بطولة كأس العالم 2022. ويحلل الفرنسي باسكال بونيفاس المتخصص في العلوم الجيوسياسية في جريدة ليكيب L'Équipe دور الرياضة في إطار الدبلوماسية العامة القطرية بقوله: "اختارت قطر الدبلوماسية الرياضية؛ حتى توجد على الخارطة [...]وفي منطقة جيوسياسية مضطربة، فإن القوة الناعمة والصورة والجاذبية باتت عوامل رئيسة[...]واليوم من الصعب على أيّ دولة قد تكون لها شهية نحو قطر أن تُقْدم على أيّ محاولة طالما أن قطر باتت تملك هذه الرؤية والوضوح[...]وصارت قوة عظمى صغيرة لأنها تؤدي دورًا دبلوماسيًا يفوق ثقلها السكاني[...]وأن تصبح عاملا رئيسًا في الرياضة العالمية يعني أن تصبح عاملا رئيسًا في الدبلوماسية العالمية". وتنوعت أدوات قطر على الواجهة السياحية التي تسعى إلى جذب العالم للتعرف على قطر وإمكانياتها. وعلى الرغم من أن السياحة القطرية تواجه منافسة شديدة من دول الجوار والإقليم، فإن السياحة تبقى أداة داعمة وأساسية في تعزيز الكيانية القطرية. وتبقى الخطوط الجوية القطرية العلامة الأبرز على الواجهة السياحية، فقد نجحت الناقلة الوطنية، وفي غضون سنوات قليلة

)أعيد إطلاق الشركة في عام 1997(، في الوصول إلى العالمية والتحليق إلى أكثر من 150 وجهة عبر العالم، وقد تم تصنيف الشركة في عام 2017 أفضل شركة طيران في العالم. واللافت أن الخطوط الجوية القطرية أعادت منذ عام 2006 صياغة الشعار الذي يعلو طائراتها؛ بحيث أصبح اسم قطر وشعار المها الذي يرمز إلى قطر أكبر حجما. ويمكن الاستدلال من ذلك أن قطر أرادت أن تضع اسمها ورمزها الوطني على طائرات أسطول الخطوط الجوية القطرية، ليكون بمنزلة إشهار أو إعلان، يجوب العالم على مدار الساعة والأيام، ويعبر البلدان والقارات، ليعرّف شعوب الأرض بدولة قطر. وعلى امتداد هذه الواجهات، وفّرت قطر لنفسها حماية ب "درع" من الأدوات الإستراتيجية، بات من الصعب معها الاعتداء على هذه الدولة الصغيرة في غفلة من العالم، وبات من الصعب أيضًا أن تتعرض أراضي قطر أو سيادتها لخطر الاحتلال أو القضم أو الضم أو الاختراق، من دون تحرّك الكثير من دول العالم وشعوبها ومنظماتها الأهلية والثقافية والإعلامية، لأنها باتت ترتبط بمصالح اقتصادية أو سياسية أو إنسانية أو أخلاقية مع قطر ومؤسساتها الرسمية والأهلية. كما أن تعاضد عناصر القوة الناعمة القطرية مع دعم القوى الكبرى مكن دولة قطر من التغلب على نقاط ضعفها الجغرافية والديموغرافية، بل وفّر لها فائضًا سياسيًا أمكن توظيفه في الاضطلاع بدور فاعل ومؤثر في العلاقات الإقليمية والدولية.

بناء تحالفات دولية

لم يُغنِ بناء ترسانة القوة الناعمة قطر عن الاهتمام بتطوير أدوات "القوة الصلبة"؛ إذ قد تكون القوة الناعمة وحدها مرادفةً للضعف والعجز، أو مجرد شكل من أشكال العلاقات العامة، ما لم تُعزز بقوة صلبة، كما يقول ناي16 الذي يرى أن القوة الصلبة والقوة الناعمة مترابطتان وتدعم إحداهما الأخرى، فكلاهما مظهر من مظاهر القدرة على إنجاز الأهداف عبر التأثير في طريقة تصرف الآخرين. وفي إمكان بعض مصادر القوة وعناصرها أحيانًا، أن يؤثر في مجمل تصرفات الآخرين وسلوكهم من الإجبار إلى الجذب والإغراء. وفي عام 2009، طوّر ناي هذه الفكرة عندما أشار إلى مفهوم "القوة الذكية" كونها تعني الدمج بين أدوات القوة الناعمة والقوة الصلبة فى إستراتيجيات ناجحة. وأشار ناي إلى أن الإستراتيجية الفعالة فى العالم الحقيقى هي التي تُحسن الدمج بين القوتين الصلبة والناعمة بطرق فعالة، وقال: إن "القوة الناعمة هي القدرة على الحصول على ما تريده باستمالة الطرف الآخر وليس إكراهه، ومعرفة كيفية الجمع بين أدوات القوتين الصلبة والناعمة في قوة ذكية"17. وتعاضدت عناصر القوة الناعمة القطرية مع عناصر القوة الصلبة في إستراتيجيات قطر التي وقّعت، في 23 حزيران/ يونيو 1992، اتفاقية تعاون دفاعي مشترك مع الولايات المتحدة الأميركية، وفّرت لها مظلة حماية أميركية أكيدة؛ بحيث أصبحت قطر مقرًا لأكبر قاعدتين أميركيتين: الأولى هي قاعدة العديد الجوية، وتضم تحو 11 ألف جندي و 120 طائرة مقاتلة، وتضم القيادة العسكرية المركزية للمنطقة الوسطى CENTCOM)(، والمركز المشترك للعمليات الجوية والمراقبة الفضائية CAOC)(، والسرب 379 للطلعات الجوية. وقاعدة السيلية التي تُعدّ من أكبر القواعد العسكرية خارج الأراضي الأميركية للإمداد اللوجستي المسبق للأسلحة، كما تضم القاعدة المركز المشترك للعمليات الجوية والمراقبة الفضائية CAOC)(المُكلّف بمهمة الإشراف على القوة الجوية الأميركية في أفغانستان وسورية والعراق و 18 دولة أخرى. كما يضم المركز قيادات عسكرية من القوات الجوية والبحرية والجيش وقوات مشاة البحرية الأميركية "المارينز"، ويُنظر إليه على أنه المركز العصبي للحملات الجوية في المنطقة. وبالتوازي مع ذلك، عزّزت قطر تعاونها العسكري مع تركيا بالإعلان في كانون الأول/ ديسمبر 2015 عن إقامة قاعدة عسكرية تركية في قطر؛ فقد جاء تدشين القاعدة العسكرية بعد توقيع البلدين عددًا من الاتفاقيات الأمنية والدفاعية، بدأت باتفاقية التعاون الدفاعي في المجالات الصناعية التي وقّعها الطرفان في 2007، ثم اتفاقية التدريب العسكري المشترك التي وقّعها الجانبان في 201218، وصولا إلى "اتفاقية وضع القوات" التي تمّ توقيعها في أنقرة في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2014، ونصّت على تشكيل آلية من أجل تعزيز التعاون في مجالات التدريب العسكري والصناعة الدفاعية والمناورات العسكرية المشتركة، إضافةً إلى تمركز القوات المتبادل بين الجانبين، على أن يُسمح لهما باستخدام الموانئ والمطارات والمجال الجوي، وتمركز قواتهما العسكرية على أراضي البلد المضيف واستفادته من المنشآت والوحدات والمؤسسات العسكرية19.

  1. Nye; Szondi.
  2. Nye.
  3. Paul Cochrane, "Revealed: Secret Details of Turkey's New Military Pact with Qatar," Middle East Eye, January 27, 2016, accessed on 7/7/2017, at: http://bit.ly/21uRbeD
  4. Olivier Decottignies and Sonar Cagaptay, "Turkey's New Base in Qatar," The Washington Institute for Near East Policy, January 11, 2016, accessed on 7/8/2017, at: http://bit.ly/2wyKkbN

ارتباك الخصم قوة مضافة

وفي مقابل هدوء الدبلوماسية القطرية، وامتلاكها رؤية وإستراتيجية استباقية، وتوفرها على ترسانة ردع جاهزة ومستعدة، يمكن القول إن غياب إستراتيجية للدول الأربع20، والارتباك الذي اتسم به أداء خصوم قطر منذ بداية الأزمة، أكسب الدبلوماسية القطرية ورقة قوة إضافية في المواجهة. فقد جاءت ردات الفعل العالمية أكثر تقبلا للرواية القطرية من ادعاءات دول الحصار. كما تفاعل المجتمع الدولي إيجابيًا مع استعداد قطر لحل النزاع بالحوار والتفاهم على أسس القانون الدولي وأصول العلاقات الدولية، أكثر من تفاعله مع مطالب الدول الأربع وشروطها التي جاءت "استفزازية"، على حدّ تعبير وزير الخارجية الألماني21.

ويقول المراقبون إن حلف "السعودية والإمارات والبحرين ومصر" خالف أعراف العلاقات الدولية وتقاليدها وقواعدها منذ اللحظة الأولى لنشوب الأزمة في 24 أيار/ مايو 2017، عندما اعتمد أساسًا على منشور على موقع وكالة الأنباء القطرية منسوب إلى أمير قطر من دون الانتظار لسماع الرد الرسمي القطري عبر القنوات الدبلوماسية. بل إن وسائل الإعلام المموّلة من السعودية ونظيرتها المتمركزة في الإمارات لم تأخذ بالتوضيح الذي قدّمه مدير مكتب الاتصال الحكومي في قطر، ولم تحترم الرواية القطرية التي أكّدت اختراق موقع وكالة الأنباء الرسمية، ونفت كل ما نُسب إلى أمير دولة قطر من تصريحات خلال عملية الاختراق. وقد واجهت الدبلوماسية القطرية أول موجة من الأزمة بدعوة جهات أمنية دولية إلى المشاركة في تحقيق حول ملابسات اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية. وكشفت جريدة واشنطن بوست الأميركية، في وقت لاحق أن "دولة الإمارات مسؤولة عن اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل نشر أقوال مفبركة نسبت إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في أواخر أيار/ مايو، ما أثار أزمة بين قطر وجيرانها." ونقلت عن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية أن المعلومات التي تم تحليلها حديثًا، والتي جمعتها وكالات الاستخبارات الأميركية، أكدت أن أعضاء كبارًا في حكومة الإمارات ناقشوا يوم 23 أيار/ مايو 2017 الخطة وكيفية تنفيذها. وقال المسؤولون إنه "لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الإمارات قامت بعمليات الاختراق بنفسها أو تعاقدت مع طرف آخر لتنفيذها"22. واستفادت الدبلوماسية القطرية كذلك من عدم قدرة الدول الأربع على تقديم حجج أو أدلة تُبرّر إجراءات الحصار. وقد عبرّ المجتمع الدولي في صيغ متفاوتة عن موقف متحفظ من مطالب الدول الأربع، وخاصة منها تلك المطالب التي تمسّ جوهر سيادة دولة قطر واستقلاليّتها؛ من قبيل خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران، وإغلاق القاعدة العسكرية التركية، فضلا عن تسليم تقارير دوريّة في تواريخ محدّدة سلفًا لمدّة عشر سنوات، ما جعلها أشبه بوثيقة لإعلان الاستسلام وفرض الوصاية. وقد وصف وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل، في 26 حزيران/ يونيو 2017، قائمة المطالب بأنها "استفزازية جدًا"23. واستنكرت دول ومنظمات دولية مطالبة الدول الأربع قطر بإغلاق قنوات الجزيرة، وعدد من وسائل الإعلام، منها موقع وجريدة العربي الجديد. وهو المطلب الذي وصفته جريدة ذا غارديانالبريطانية بال "سخيف"24، وأدانه الاتحاد الدولي للصحافيين25، ورأت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية أن "المطالبة بإغلاق قناة الجزيرة ليس عقابًا لقطر، بل هو عقاب لملايين العرب في المنطقة بحرمانهم من تغطية إعلامية مهمة"26.

  1. 21 خليل العناني، "ارتباك دول الحصار"، العربي الجديد، 2017/7/7، شوهد في http://bit.ly/2vb5krb
  2. 22 " وزير خارجية ألمانيا: مطالب السعودية وحلفائها لقطر 'استفزازية جدا'"، فرانس 24، http://bit.ly/2uyaPwB 2017 sz`syͿ1sɱ
  3. Karen DeYoung & Ellen Nakashima "UAE Orchestrated Hacking of Qatari Government Sites, Sparking Regional Upheaval, According to U.S. Intelligence Officials," The Washington Post. 16/07/2017, accessed on 17/7/2017, at: http://wapo.st/2vbgv2W
  4. وزير خارجية ألمانيا."...:
  5. غارديان: إغلاق الجزيرة طلب 'سخيف'"، الجزيرة نت، 2017/6/23، شوهد في http://bit.ly/2ufiP6t
  6. 26 " الاتحاد الدولي للصحفيين يدين استهداف دول للجزيرة"، الجزيرة نت، 2017/6/16، http://bit.ly/2wyRTzj
  7. 27 خالد السلكاوي، "ووتش: طلبُ إغلاق الجزيرة يهدف لتوسيع 'المراقبة الجبانة ' ومصيره الفشل"، موقع شبكة رصد الإخبارية، 2017/6/23، شوهد في 2017/8/7، في: http://bit.ly/2vdkrig الدبلوماسية القطرية واختبار ا زمة

واجهت الدبلوماسية القطرية التصعيد بخطاب يقوم أولا على رفض الاتهامات، والإصرار على احترام سيادة دولة قطر ورفض الوصاية، والدعوة المستمرة إلى الحوار، وفض الخلافات بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. كما تمكنت الدبلوماسية القطرية من مواجهة سياسة "الشيطنة"، بتعزيز نشاط دبلوماسيتها التقليدية بدبلوماسية عامة؛ إذ تحركت مختلف القطاعات الحكومية والأهلية القطرية لإطلاق المشاريع والمبادرات التي تؤكد عدم نيل الحصار من رؤية قطر وخطواتها نحو المستقبل من جهة، وتعزز دور قطر العالمي من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يمكن فهم الغاية من إعلان "قطر للبترول" رفع الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال في قطر من 77 مليون طن إلى 100 مليون طن سنويًا، من خلال مضاعفة القطاع الجنوبي لحقل الشمال وتطويره، في خطوة وصفها خبراء الاقتصاد بأنها ستعزز مكانة قطر عالميًا، وتجعل منها رقما صعبًا في المنظمات الدولية للطاقة. وفي السياق ذاته، جاء إعلان الخطوط الجوية القطرية عن تدشين وجهات جديدة، وإعلان شركة "موانئ قطر" عن تدشين خمسة خطوط بحرية جديدة.

الخلاصة

تظافرت الدبلوماسية التقليدية القطرية مع ترسانة القوة الناعمة التي راكمتها قطر خلال العقدين الماضيين في مواجهة أزمة اندلعت في 24 أيار/ مايو 2017 بصفة صادمة، ولكن غير مفاجئة. وهكذا أدارت الدبلوماسية فصول الأزمة على أساس ثوابت السياسة الخارجية القطرية القائمة على حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحل النزاعات بالطرق السلمية. وهي المبادئ التي ترجمتها السياسيى القطرية في تعاملها مع الأزمة الراهنة؛ إذ تمسكت بالحل على أساس الحوار، من دون التنازل عن السيادة الوطنية. وبالتوازي مع ذلك، راحت أدوات الدبلوماسية العامة وواجهات القوة الناعمة لاستنفار الرصيد الذي راكمته طوال هذين العقدين لمؤازرة الدبلوماسية التقليدية، وحشد منظمات المجتمع الدولي والرأي العام الخارجي، لمواجهة الحصار والخطاب الذي يحاول "شيطنة قطر"، مع تأكيد دور قطر المحوري في محاربة الإرهاب ضمن التحالف الدولي.

المراجع

العربية

التميمي، نواف. الدبلوماسية العامة وتكوين السمة الوطنية: النظرية والتطبيق على نموذج قطر. بيروت: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون،.2012 عبد الواحد، أشير ناظم. "دور السياسة الخارجية القطرية في ظل الأزمات العربية والإقليمية". دراسات دولية. العدد (.2010) 43 خضير، ماجد حميد. "مقومات السياسة الخارجية القطرية: دراسة في السلوك السياسي". دراسات دولية. العدد (.2011) 49

ا$ جنبية

Anholt, Simon. "Competitive Identity: The New Brand Management for Nations, Cities and Regions". Journal of Brand Management , vol. 14. no. 6.(2007) Cochrane, Paul. "Revealed: Secret Details of Turkey's New Military Pact with Qatar." Middle East Eye. January 27, 2016. at: http://bit.ly/21uRbeD Cooper, Andrew F & Bessma Momani. "Qatar and Expanded Contours of Small State Diplomacy." The International Spectator. vol. 46. no. 3 (2011). Decottignies, Olivier & Sonar Cagaptay. "Turkey's New Base in Qatar." The Washington Institute for Near East Policy. January 11, 2016. at: http://bit.ly/2wyKkbN Gudjonsson, Hlynur. "Nation Branding." Place Branding. vol. 1. no. 3(2005). J. Melissen (ed.). The New Public Diplomacy. London: Palgrave Macmillan, 2005. Nye, Joseph. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Perseus Books group, 2004. Olins, Wally. Corporate Identity: Making Business Strategy Visible Through Design. Boston: Harvard Business School Press, 1999. Peterson, John E. "Qatar and the World: Branding for a Micro-State." Middle East Journa l. vol. 60. no. 4 (2006). Szondi, György. "The Role and Challenges of Country Branding in Transition Countries: the Central and Eastern Europe experience." Place Branding and Public Diplomacy. vol. 3. no. 1 (2007).