الموقف الأميركي من الأزمة الخليجية
The American Position towards the Gulf Crisis
الملخّص
ترصد هذه الورقة فوضى المواقف اميركية من ا زمة الخليجية في إطار صراع المؤسسة التقليدية الحاكمة والبيت ابيض. وعلى الرغم من انحياز الرئيس ا ميركي دونالد ترامب إلى دول الحصار اربع ضد قطر، وتشجيعها على استمرار نهجها وعرقلة جهد الوساطة، فإن المؤسسة التقليدية الحاكمة - في ظل سعيها لحماية المصالح القومية اميركية في الشرق ا وسط، وتحديدًا الخليج العربي - كان لها تأثير ملموس في ا زمة؛ فقد استطاعت من خلال مجموعة من التصريحات واجراءات أحيان ا استعادة زمام المبادرة ومنع تدهور اوضاع في منطقة الخليج أو منع الات جاه نحو سيناريوهات تصعيديّة. وتخلص الورقة إلى أن فوضى المواقف اميركية تعود إلى فقدان الرؤية الواضحة للسياسة الخارجية اميركية في عهد ترامب؛ امر الذي يضع المصالح اميركية أمام تحديات جسام، بسبب عدم كفاءة الرئيس، واستناده إلى مسوغ ات أيديولوجية، فضل ا عن حسابات، وخصومات شخصيّة.
Abstract
This paper traces the evolution of the official stance of the US establishment, including the White House, towards the 2017 intra-Gulf crisis
- الأزمة الخليجية
- حصار قطر
- ترامب
- The Gulf Crisis
- Qatar Siege
- Trump
مقدمة إطارية
يمثل موقف إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الأزمة الخليجية، دليلا جديدًا على غياب مقاربة واضحة لهذه الإدارة حينما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية؛ فالأمر لا يتوقف على غياب رؤية متماسكة ومنسجمة للسياسة الخارجية، بل يتعدى ذلك إلى فوضى حقيقية، فضلا عن عدم معرفة حقيقة الجهة التي تعبر عن السياسة الخارجية الأميركية تحديدًا، وخصوصًا في ظل التهميش، وفي أحيان كثيرة، التجاوز الذي يتعرض له وزير الخارجية، ريكس تيلرسون. وهو ما دفعه مرات عديدة إلى التعبير عن غضبه من المعاملة المهينة التي يتعرض لها من البيت الأبيض؛ ومن ذلك، منعه من تعيين كبار مساعديه في الوزارة حتى اللحظة، ومحاولة البيت الأبيض فرض شخصيات معيّنة عليه1. فمنذ أعلنت دول الحصار العربية الأربع، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، في 5 حزيران/ يونيو 2017، وفرض حصار سياسي واقتصادي عليها، بذرائع ثبت كذبها، كدعم الإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة، والموقف الأميركي يتخبط بطريقة فاضحة، ما أثار عاصفة من الانتقادات المحلية والدولية. وفي الوقت الذي سارع وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيان، ريكس تيلرسون وجيمس ماتيس، ومنذ اليوم الأول لقطع دول الحصار العلاقات مع قطر، إلى حث الأطراف المختلفة على الهدوء وإيجاد حل سلمي للأزمة2، كان ترامب يناقض تصريحاتهما خلال سلسلة من التغريدات، اته م فيها قطر بدعم الإرهاب، بل حرص على الظهور وكأن زيارته إلى الرياض، وعقده قمة مع خمسين زعيم دولة عربية وإسلامية فيها، لمكافحة الإرهاب، في 21 أيار/ مايو 2017، بدأت تؤتي أكلها من خلال إعلان التصعيد الذي اتبعه محور دول الحصار الأربع تجاه قطر3. في المقابل، عبر ت الخارجية الأميركية، بوضوح عن مخالفتها ترامب تقويمه، وأن الأسباب التي تزعمها دول الحصار لتبرير إجراءاتها ضد قطر إنما هي محل تساؤل وشك كبيرين. فقد صرحت الناطقة باسم الخارجية الأميركية، هيذر نوريت، في 20 حزيران/ يونيو 2017، "بعد مرور أكثر من أسبوعين على بدء الحصار فإننا نشعر بالحيرة إزاء عدم نشر الدول الخليجية للجمهور وللقطريين تفاصيل حول الادعاءات التي يزعمونها حول قطر". وأضافت: "إن هذا يتركنا مع سؤال بسيط: هل كانت الإجراءات - التي اتخذوها ضد قطر - نتيجة مخاوفهم من دعم قطر المزعوم للإرهاب، أم أنها نتيجة الخلافات المريرة والطويلة" بين تلك الدول4؟ والجدير بالذكر أن اختراق وكالة الأنباء القطرية في 24 أيار/ مايو 2017، ونشر تصريحات ملفقة ترتبط ببعض الدول الخليجية وأميركا، وترامب نفسه، نُسبت إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، جاءت بعد ثلاثة أيام فقط من انعقاد القمة العربية الإسلامية - الأميركية في الرياض. وقد وظفت دول الحصار الأربع تلك التصريحات الملفقة للتصعيد ضد قطر، وقطع العلاقات معها، وفرض الحصار عليها مطلع حزيران/ يونيو.2017 ولا يبدو أن صراع المؤسسة التقليدية الأميركية الحاكمة Establishment، المتمثلة في هذه الحالة بالوكالات والأجهزة المتخصصة في السياسات الخارجية والعسكرية والاستخباراتية والأمنية، قد وصل إلى نهايته مع البيت الأبيض الذي تشير معلومات إلى أن القرار فيه، بخصوص الأزمة الخليجية، خاضع لتأثير الدائرة الضيقة المحيطة بترامب، وتحديدًا زوج ابنته جاريد كوشنر، ومستشاره ستيف بانون، اللذيْن تحرّكهما - بحسب المعلومات المتوافرة - دوافع وخلافات تجارية شخصية بحتة، كما في حالة كوشنر، أو أيديولوجية، كما في حالة بانون. ويمكن القول إن المعلومات التي سرّبها مسؤولون استخباراتيون أميركيون لجريدة واشنطن بوست في 16 تموز/ يوليو 2017، وأكدت أن الإمارات تقف رسميًا وراء اختراق وكالة الأنباء القطرية ووراء تلفيق تصريحات نسبت إلى أمير قطر5، إنما تدخل في سياق هذا الصراع؛ ذلك أن للولايات المتحدة مصالح إستراتيجية توطدت خلال عقود طويلة في منطقة الخليج العربي، وأن أي إخلال بالتوازنات فيها قد يهدّد هذه المصالح. وفي الحصيلة، فإن انحياز ترامب إلى محور دول الحصار ومزاعمها، بحسب مقاربة مؤسسة الحكم الأميركية التقليدية، أمر خطِرٌ وفيه رعونة، ويهدد استقرار التحالف الدولي
الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، كما أنه يهدد سلامة العمليات الجوية العسكرية الأميركية التي تنطلق من قاعدة "العديد" في قطر التي تمثل مركز العمليات الأميركية الجوية العسكرية في المنطقة وفاعليتها. كما أن إصدار الخارجية الأميركية في 20 تموز/ يوليو 2017 تقريرها السنوي الذي يرصد جهد مكافحة الإرهاب لعام 2016 الذي أشاد بدور قطر في محاربة الإرهاب، وانتقد بعض سياسات دول الحصار في هذا المجال، وكشف عن ثغرات بارزة فيها6، قد يكون واقعًا ضمن السياق نفسه المتعلّق بالإرادات والحسابات الخاصة بالإدارة الأميركية. ويلاحظ أن تسريب التقرير الاستخباري إلى واشنطن بوست ثم إصدار الخارجية الأميركية تقريرها السنوي الخاص بمكافحة الإرهاب، جاءا بعد جولة دبلوماسية مكوكية لتيلرسون في منطقة الخليج العربي لحل الخلاف، غير أنها لم تحقق اختراقًا حقيقيًا؛ نتيجة تعنت دول الحصار لاعتقادها أن البيت الأبيض يدعمها. ومن الواضح أن مؤسسة الحكم الأميركية الجمَعِية تعرف في صفوفها حالة من الامتعاض، كما أشرنا سابقًا، وكما سنوضح أكثر لاحقًا. إن الموقف الأميركي ما زال، حتى اللحظة، رهين هذه الفوضى في الخلافات الداخلية، مع تبدل في موازين القوى لمصلحة المؤسسة التقليدية الحاكمة المنطلقة من المصالح العليا للولايات المتحدة. وما يزيد من تعقيد المسألة، هو تصريحات ترامب نفسه التي يناقض بعضها بعضًا في الموضوع نفسه؛ فقد وصل به الأمر إلى أن يلمح إلى أن كل ما يعنيه من العلاقة بالخليج العربي هو المال. ذلك أنه صرّح في مقابلة في 12 تموز/ يوليو 2017، بأنه أخبر السعوديين بأنه لن يحضر قمة الرياض إلا إذا وافقوا على شرط مسبق، هو شراء أسلحة أميركية: "لقد قلت لهم عليكم فعل ذلك، أو أنني لن أحضر"7. وفعلا فقد أعلنت الولايات المتحدة والسعودية خلال القمة عن صفقة أسلحة، تشتري بموجبها السعودية أسلحة أميركية بقيمة مئة وعشرة مليارات دولار.
فوضى الموقف
حثّ تيلرسون، وماتيس – كما أشرت سابقًا، ومنذ اليوم الأول لإعلان دول الحصار إجراءاتها التصعيدية ضد قطر، في الخامس من حزيران/ يونيو 2017 - الأطراف المختلفة على الهدوء وإيجاد حل سلمي للأزمة، وعرضا المساعدة في سبيل تحقيق ذلك. غير أن ترامب، وعبر سلسلة من التغريدات، في 6 حزيران/ يونيو 2017، أي بعد يوم من دعوة تيلرسون وماتيس، أعلن تأييد إجراءات دول الحصار ضد قطر، ورد إليه الفضل في ذلك. وعلى الرغم من محاولات البيت الأبيض نفي أي خلاف بين ترامب وتيلرسون، فإن استمرار التناقض في المواقف بينهما، إلى اليوم، أوضح من أن يتم إخفاؤه، وكذلك هو الحال بالنسبة إلى وزير الدفاع ماتيس.
وفي الوقت الذي كان ترامب يكيل الاتهامات لقطر، كانت قطر تجد تقديرًا من الناطق باسم القوات الجوية الأميركية التابعة للقيادة الأميركية الوسطى، المقدم داميان بيكارت الذي صرّح يوم قطع دول الحصار علاقاتها الدبلوماسية مع قطر بأن "الولايات المتحدة والائتلاف]الدولي لمكافحة الإرهاب[يشعران بالامتنان للقطريين لدعمهم وجودَنا]في قاعدة العديد[والتزامهم طويل الأمد الأمنَ الإقليمي"8. وبحسب ضابط عسكري أميركي كبير متقاعد، فإنه "في كل مرة طلبنا من القطريين شيئًا كان الجواب نعم. ولكن هذا لم يكن الحال مع السعوديين". وأضاف: "لقد بدأ الأمر مع مساعدة القطريين لنا في ليبيا، ولكنها تذهب أبعد من ذلك. كانوا أفضل عون لنا على الإطلاق في الحرب على "داعش". في المقابل، فإن السعوديين لم يكونوا إلا مشكلة في اليمن تحديدًا. إن]سياستهم[في اليمن تمثل كارثة ووصمة عار، والآن هذا]التصعيد مع قطر وفرض الحصار عليها"[9. ولذلك فقد كانت تغريدات ترامب مفاجئة لمسؤولي وزارة الدفاع، بل إن اتهامات ترامب قطر بتمويل التطرف جاءت مناقضة لتغريدات نشرتها السفيرة الأميركية السابقة في قطر، دانا شل، قبل ذلك بيومين
(حينما كانت على رأس عملها )، وتحديدًا في 4 حزيران/ يونيو 2017، إذ قالت: إن قطر حققت "تقدمًا حقيقيًا" في كبح الدعم المالي للإرهابيين10. فضلا عن أن دبلوماسيًا أميركيًا في الدوحة كان قد قال: إنّ العلاقات الأميركية - القطرية "قوية"11. كل هذه التصريحات المنضبطة دبلوماسيًا وعسكريًا فقدت كثيرًا من قيمتها مع تغريدات ترامب المشار إليها سابقًا. وعلى الرغم من محاولة الناطق باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، الحد من الأضرار الدبلوماسية التي ترتبت على تغريدات ترامب، فإنّ الرئيس الأميركي عاد وناقض توضيحات الناطق باسمه. ففي اليوم نفسه الذي غرّد فيه ترامب عبر تويتر موجهًا أصابع الاتهام إلى قطر، قال سبايسر: إن "الولايات المتحدة لا تزال تريد نزع فتيل هذه القضية وحلها على الفور ضمن المبادئ التي عرضها الرئيس فيما يتعلق بالقضاء على تمويل الإرهاب". بل إن سبايسر ذهب إلى أبعد من ذلك حينما أكّد أن ترامب أجرى محادثات "بناءة جدًا" مع الأمير تميم بن حمد آل ثاني، خلال زيارته الرياض الشهر الماضي12. وقد تجلى التعبير الأبرز عن الفوضى في الموقف الأميركي من الأزمة، في 9 حزيران/ يونيو 2017، وذلك عندما ألقى تيلرسون كلمة مقتضبة في مقر وزارة الخارجية الأميركية، دعا فيها الأطراف كلّها إلى حل خلافاتها من خلال المفاوضات13. ولكن، لم يكد يمضي بضع ساعات حتى كان ترامب - خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الروماني - يكيل الاتهامات لقطر من جديد، عادٍّا الإصرار على عزلها انتصارًا لموقفه الداعي إلى وقف جميع أنماط الدعم لمن وصفهم ب "المتطرفين"14. ويبدو أن هذه الفوضى في مقاربة إدارة ترامب للأزمة قد عجّلت باستقالة السفيرة شل احتجاجًا على ذلك15. ولم تتوقف علامات الفوضى في الموقف الأميركي من الأزمة عند ذلك الحد؛ فمع استمرار ترامب في كيل الاتهامات لقطر، وقع وزير الدفاع الأميركي مع وزير الدولة القطري لشؤون الدفاع، خالد بن محمد العطية، اتفاقًا في واشنطن، في 14 حزيران/ يونيو 2017، على بيع 36 طائرة إف-15 لقطر بقيمة 12 مليار دولار. وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق جزء من صفقة أوسع بقيمة 21 مليار دولار لشراء 72 طائرة إف-15، تم إقرارها عام 2016 تحت إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، فإن مُضيّ إدارة ترامب فيها، بل إجازة البيت الأبيض إياها، يدلان على التخبط في الموقف الأميركي، واستمرار الخلاف بين الخارجية والدفاع، مع البيت الأبيض16. وقد حاولت الخارجية الأميركية التقليل من حدة هذا الخلاف، بالقول إن هذا الاتفاق يأتي في سياق جهد الولايات المتحدة "لتعزيز بنية الأمن والدفاع في المنطقة"، وبأنه غير مرتبط بالأزمة الخليجية الحالية، ذلك أن إنجاز الاتفاق سيتطلب سنوات، وهي فترة تكفي قطر "لمعالجة بقية القضايا العالقة خلالها"17. ولم يكد يمضي يومان، حتى أجرت البحرية الأميركية مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة مع البحرية القطرية في المياه الإقليمية لقطر في 16 حزيران/ يونيو 201718. ومع اتساع هوة الخلاف بين ترامب وتيلرسون، تحديدًا، بخصوص ملف الأزمة الخليجية، لم يجد الرجلان إلا ضرورة الاعتراف بها. فعلى الرغم من محاولة تيلرسون في 14 حزيران/ يونيو 2017 نفي الخلاف بين الطرفين في جلسة أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، فإنه لم يجد بُدًا من الاعتراف بأن "هناك اختلافات حول الكيفية التي يختارها الرئيس لتوضيح عناصر سياسته"19. ولكن تيلرسون، وخلال رحلة عودته من الخليج في 13 تموز/ يوليو 2017، كان أشد صراحة بخصوص حقيقة الخلاف بين الطرفين؛ إذ قارن صلاحياته المقيدة بوصفه وزير خارجية بصلاحياته المطلقة حينما كان مديرًا تنفيذيًا لشركة النفط، إكسون موبيل، قائلا: إنّه بصفته مديرًا تنفيذيًا و"بصفته صاحب القرار النهائي" كان يتعامل مع مؤسسة منضبطة، وأن ذلك كان "يسمح بإنجاز الكثير بطريقة فعالة جدًا[...] هذه ليست خصائص الحكومة الأميركية[...]إنها ليست مؤسسة عالية الانضباط، صنع القرار فيها مشرذم، وأحيانًا الناس لا يريدون اتخاذ قرارات، والتنسيق صعب بين الوكالات المشتركة". وأضاف إلى
ذلك بأنه "لدينا رئيس لا يأتي من عالم السياسة"20. وقد أقرّ ترامب التناقضات بين تصريحاته والسياسة التي ينتهجها تيلرسون، وذلك بقوله: "تيلرسون يقوم بعمل رائع، ولكن ثمة خلاف بسيط بيننا من ناحية النبرة"21. غير أن هذا الخلاف البسيط في "النبرة" الذي يتحدث عنه ترامب، يترتب عليه كثير من الفوضى في السياسة الخارجية الأميركية عمومًا، وفي الأزمة الخليجية تحديدًا؛ ذلك أنه خلاف يتجاوز النبرة إلى منطق السياسة الخارجية الأميركية وثوابتها، وهو ما دفع وزير الخارجية الألماني، زيغمار غابرييل، إلى اتهام ترامب بتسعير الأزمة، عادٍّا النهج المتشدد للسعودية والإمارات تصعيدًا خَطِرًا "على الطريقة الترامبية" لقضايا المنطقة22.
أسباب الفوضى
يعدّ ارتباك مواقف إدارة ترامب في الأزمة الخليجية مثالا آخر على غياب إستراتيجية واضحة، أو رؤية متماسكة، للسياسة الخارجية الأميركية لدى هذه الإدارة؛ فقبل فترة قصيرة من الأزمة الخليجية، تبدت هذه الفوضى في ملف آخر شديد الحساسية للولايات المتحدة، فخلال زيارة ترامب، في أيار/ مايو 2017، لمقر حلف شمال الأطلسي "الناتو" في العاصمة البلجيكية، بروكسيل، رفض تأكيد التزام بلاده مبدأ الدفاع المشترك بين أعضاء الحلف، وذلك على الرغم من أن مسؤولا أميركيًا كبيرًا كان قد أكّد أنه سيفعل ذلك. ويؤكد مسؤولون أميركيون أن ثمة سطرًا في خطاب ترامب المعدّ مسبقًا كان يشير إلى ذلك، إلا أنه تمّ حذفه قبل وقت قصير من إلقاء ترامب خطابه، وهو ما فاجأ وزيرَيْ خارجيته ودفاعه، بل وحتى بعض مستشاريه للأمن القومي الذين لم يستشرهم في الموضوع23. وبحسب بعض التحليلات، فإن من يقف وراء هذا التخبّط في مقاربة السياسة الخارجية الأميركية، الدائرة الضيقة حول ترامب، وتحديدًا كبير مستشاريه، الأيديولوجي بانون، وصهره ومستشاره ورجل الأعمال كوشنر24. يرى بانون أن الولايات المتحدة منخرطة في صراع وجودي مع "الإسلام الراديكالي"25، وفي الحصيلة، فإن التصعيد مع قطر، بزعم دعمها بعض التيارات الإسلامية حتى ولو كانت مصنفة "معتدلة" كالإخوان المسلمين، يغدو أمرًا مبررًا. أما بخصوص كوشنر، فيشير بعض التقارير الإعلامية إلى أنّه وترامب شخصيًا لديهما أحقاد شخصية على قطر، بسبب سعيهما قبل سنوات إلى الحصول على شراكات تجارية وتمويلية من قطر إلا أنها لم تلق آذانا صاغية في الإمارة26. وثمة تقارير تشير - في تفسير الخلاف بين المؤسسات الأميركية، كالخارجية والدفاع، بل وحتى الاستخباراتية والتشريعية، مع البيت الأبيض – إلى اعتقاد تيلرسون أنّ كوشنر يقود سياسة خارجية موازية من "الجناح العائلي في البيت الأبيض". وبحسب تقارير، فإن كوشنر يحمل ضغينة شخصية لقطر لانسحابها من تمويل صفقة عقارية فاشلة لعائلته في نيويورك، تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، بل إنّ بعض المقربين من تيلرسون ينقلون عنه اعتقاده أن السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، هو من كتب الفقرات الخاصة بقطر التي وجدت طريقها، من خلال كوشنر، إلى خطاب ترامب في 9 حزيران/ يونيو 2017 وناقض فيها خطاب تيلرسون قبل ذلك بساعات قليلة، وهو ما أثار غضبه27. وفضلا عماّ سبق، يشير ترامب في تغريداته، السابقة الذكر، إلى أمر يتعلّق بالتصعيد مع قطر؛ إذ إنّ ترامب المحاط بالمشكلات داخليًا في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي انعكس على قدرته على الحكم وتحقيق وعوده الانتخابية الكثيرة، ويواجه احتمالا بالعزل، كأنه يبحث عن أي إنجاز سياسي، حتى ولو كان وهميًا ومفتعلا. وبما أن صلاحياته في السياسة الخارجية أكثر اتساعًا وحرية منها في السياسة الداخلية، فإنه قد يكون رأى في مرحلة معينة من التصعيد مع قطر، بحجة مكافحة تمويل الإرهاب، إنجازًا يمكن أن يدع يه في خضمّ الفشل المتراكم عليه. غير أن هذه التصرفات المتّسمة بالرعونة والخفة وعدم استيعاب ترامب، أنه رئيس للولايات المتحدة، وليس معلقًا هامشيًا ومشاكسًا على الأحداث، عادت
إليه بالمشكلات وأبرزت له تحديًا من داخل مؤسسات الدولة. وبحسب ما أوردنا سابقًا بخصوص تسريب مسؤولين استخباريين أميركيين وقوف الإمارات وراء قرصنة وكالة الأنباء القطرية، ثم صدور تقرير الخارجية الأميركية الخاص بمكافحة الإرهاب الذي امتدح قطر وانتقد خصومها، وفي السياق نفسه أيضًا، وفي إشارة أخرى إلى استياء المؤسسة التقليدية الحاكمة في الولايات المتحدة من تصرفات ترامب، فإن الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات المركزية(سي آي إيه )، ديفيد بترايوس، عمد إلى التذكير بأنّ قطر استضافت ممثلين عن حركة طالبان الأفغانية، وحركة حماس الفلسطينية، بطلب أميركي28. وهو الأمر نفسه الذي دفع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، السناتور، بوب كوركر، إلى اتهام السعودية والإمارات بالنفاق ضمنيًا بسبب حصار قطر، كما أنه اتهمهما بتمويل الإرهاب، وطالب دول الخليج كلّها بكبح ذلك، وليس فقط قطر. وفي تعبير عن استياء مجلس الشيوخ الأميركيّ من تصرفات دول الحصار وموقف إدارة ترامب، جمّد كوركر مبيعات الأسلحة كلّها إلى دول الخليج، إلى حين حل الأزمة دبلوماسيًا29. وبحسب بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي الأميركي في إدارة أوباما، فإن تصريحات ترامب حول قطر مربكة؛ لعدم وجود إستراتيجية رسمية للولايات المتحدة تحت إدارته. ويضيف رودس: "لا يوجد تفسير لماذا يفعل ترامب ما يفعله". وحذر من أن تصريحات ترامب المنفلتة تهدد عمليات مكافحة الإرهاب ضد "داعش"، كما تهدد سلامة القوات الأميركية المتمركزة في المنطقة، خصوصًا في ظل تصعيد نبرة التهديد نحو إيران، والأخطر من ذلك، بحسب رودس، أن عدم انضباط ترامب، وتجاوزه الخبراء في السياستين الخارجية والدفاعية، قد يزيدان فتيل الصراعات في منطقة الشرق الأوسط30. عمد البيت الأبيض، حيال هذه الانتقادات الحادة من داخل الإدارة لتصريحات الرئيس وتصرفاته، إلى محاولة إظهار توافقه التامّ مع وزارة الخارجية في كيفية معالجة الأزمة الخليجية، إلا أن الواقع يظهر غير ذلك. وعلى الرغم من وجود تحول بطيء في موقف البيت الأبيض بخصوص محاولة احتواء الأزمة، فإنه يبقى موقفًا منقوصًا رهينًا بمزاج ترامب وتصريحاته المفتقدة أي نهج ومنطق في السياسة الخارجية؛ من قبيل ما قام به مجلس الأمن القومي، التابع للرئيس من إصدار جواب مشترك مع الخارجية عن سؤال بخصوص: إن كان البيت الأبيض متفقًا مع الخارجية في محاولة تنفيس ضغوط محور دول الحصار على قطر؟ وقد جاء في الجواب في 5 تموز/ يوليو 2017: "نحث كل الأطراف على البقاء منفتحين على المفاوضات باعتبارها أفضل طريقة لحل النزاع". وأضاف الرد: "نشجع الدول على التقليل من حدة الخطاب وممارسة ضبط النفس للسماح بإجراء مناقشات دبلوماسية مثمرة"31. كما أن ترامب، اتصل بالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في 5 تموز/ يوليو 2017، وهو اليوم نفسه الذي اجتمع فيه وزراء خارجية دول الحصار في القاهرة، وبحسب البيت الأبيض، فإن ترامب دعا خلال الاتصال: "جميع الأطراف إلى التفاوض بشكل بناء لحل النزاع"، و"أكد مجددًا ضرورة أن تلتزم جميع الدول بتعهداتها[...]لوقف تمويل الإرهاب"32.
وفي سياق الموقف الذي يمارسه ترامب ونقيضه، نجده يعود إلى تكدير الأجواء مرة أخرى؛ ففي 12 تموز/ يوليو 2017 الماضي، قال ترامب: إن الولايات المتحدة ستحافظ على علاقات جيدة مع قطر، مستبعدًا نقل القاعدة العسكرية الأميركية "العديد" منها، إلا أنه أضاف: ولكن "إذا اضطررنا إلى المغادرة، فإنّ عشر دول أخرى ترغب في بناء قاعدة أخرى لنا، وستقوم بدفع ثمنها. أيام إنفاقنا على هذه الأمور انتهت إلى حد كبير"33، وهو ما يتناقض مع تصريحات وزير الدفاع ماتيس، من أنه لا بديل أميركيًا من قاعدة العديد34.
تداعيات محتملة على مصالح أميركا في الخليج والشرق ا$ وسط
يمثّل أمن الخليج العربي واستقراره، منذ عقود طويلة، أحد أعمدة الإستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط؛ وذلك بسبب احتياطياته من مصادر الطاقة كالنفط والغاز، فضلا عن دور مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مساعي احتواء إيران وكبح جماح توسعها في المنطقة. وبخصوص قطر، فقد تأطرت العلاقات الأميركية - القطرية المشتركة في أعقاب حرب الخليج في 1991، وذلك حينما وقع ت الدولتان اتفاقية تعاون عسكري، ثمّ تعززت أكثر في 2003 مع انتقال مقر قيادة الجيش الأميركي في المنطقة إلى قاعدة العديد بعد إخلاء قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية. وتعد قاعدة العديد الجوية التي تبعد 20 ميلا جنوب غرب العاصمة القطرية، الدوحة، أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، وهي تضم نحو 11000 جنديّ أميركيّ. ويحتضن مركز العمليات الأميركية الجوية المشتركة في قاعدة العديد مهمات القيادة والسيطرة على القوة الجوية الأميركية في العراق وسورية وأفغانستان، فضلا عن 18 دولة أخرى، وتحتوي القاعدة على أطول المدرجات في الخليج العربي، بطول 12500 قدم، وتستوعب 120 طائرة مقاتلة. وقد استثمرت قطر مبلغ مليار دولار لبنائها خلال التسعينيّات، وهو ما عزّز العلاقات العسكرية الأميركية - القطرية. كما أن القاعدة تحتضن مقرًا متقدمًا للقوة الجوية للقيادة الأميركية الوسطى، ومركز العمليات الجوية والفضائية المشترك، وغيرها من الوحدات الجوية الأميركية35. ويتخوف المسؤولون الأميركيون، خصوصًا في وزارة الدفاع، من أن كل هذه الامتيازات التي تحصل عليها الولايات المتحدة من قطر، قد تكون مهددة إن استمرت حملة التصعيد الدبلوماسي معها، واستمرت معها تصريحات ترامب غير المنضبطة. فضلا عماّ سبق، تساور هواجس أخرى المسؤولين الأميركيين من استمرار الأزمة، وأهمها: أن تتمكن روسيا من التسلل إلى المنطقة من خلال الصدوع والتشققات في منظومة مجلس التعاون، وبسبب انحياز الولايات المتحدة إلى طرف على حساب آخر36. الإخلال بالتوازن في المنطقة في سياق محاولات احتواء إيران؛ فبحسب مسؤولين أميركيين، فإن عدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط ليس في مصلحة الولايات المتحدة، وإن حصار قطر قد زاد من التحديات التي تواجه السياسة الأميركية هناك. وترى هذه القراءة أن قطر إذا وجدت نفسها معزولة من جهة جيرانها الخليجيين، وغياب الأفق الواضح لانفراج الأزمة، فإنها قد تلجأ إلى تعزيز علاقاتها بإيران، وهو ما قد يؤدي إلى تفكك مجلس التعاون الذي يرتبط بعلاقات دفاعية مع الولايات المتحدة ويُعدّ إحدى الركائز الأساسية للاستقرار في المنطقة37. تضرر الحرب على "داعش"، وهو ما يقلق الإدارة الأميركية تجاه الأزمة الخليجية. ذلك أن جميع أطراف الخلاف أعضاء في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد هذا التنظيم. وكما سبقت الإشارة، فإن قطر تحتضن أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط(العديد )، يتم منها تنسيق الضربات الجوية ضد التنظيم المتطرف في العراق وسورية، في حين تستضيف البحرين الأسطول الأميركي الخامس، وهو ما يعقّد جهد التنسيق الضروري. ولا يخفي مسؤولو وزارة الدفاع الأميركية قلقهم من أن مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين لقطر وحظر السفر إليها قد يمنع مسؤولي هذه البلدان من العسكريين من زيارة قاعدة العديد للتنسيق38. ومع استعادة الحكومة العراقية مدينة الموصل من التنظيم، وتضييق الخناق على "داعش" في مدينة الرقة السورية، بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ويضم ثمانيًا وستين دولة، فإن الحاجة إلى تماسك التحالف تغدو أهم، خصوصًا أن سنوات الحرب الطويلة قد خلف ت دمارًا هائلا وحزازات ومرارات يصعب جبرها، ولن يكون بالإمكان إعادة الإعمار وإطلاق عمليات سياسية وتصالحية إن تفكك التحالف. وفي إشارة إلى خطورة الأزمة المفتعلة ضد قطر على الهدف الأميركي في الشرق الأوسط المتمثل بهزيمة "داعش"، لمّح ممثل مصر في التحالف الدولي ضمنيٍّا، بعد استعادة الموصل، إلى ضرورة طرد قطر من التحالف، بحجة دعمها للإرهاب، إلا أن هذا الموقف قابلته برفض حازم الولايات المتحدة والدول الأخرى
في التحالف39. ويرى مراقبون أميركيون أن الرسائل المتناقضة التي وجّهها ترامب نحو أزمة حصار قطر ساهمت في تشتيت تركيز مواقف الدول الأخرى، وهو ما يستدعي ضبطًا لخطابه وإعادة تركيزه في محاربة "داعش" وهزيمته. التأثير سلبيًا في إمكانيات إيجاد حل سياسي في سورية؛ فقد حذر المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، من أن الخلاف الخليجي لا يساعد الجهد الرامي إلى حل الصراع في ذلك البلد. وقال دي ميستورا إن "التوترات في الخليج هي بالتأكيد مسألة مقلقة". وأضاف: "إننا نأمل أن تجد هذه التوترات حلا سلميٍّا إذ إنها من الواضح لا تساعد[...] وتزيد من تعقيد الأوضاع"40. استمرار تفاقم الأزمة قد يضع حلفاء أميركا في المنطقة على حافة حرب محتملة، خصوصًا مع تفعيل تركيا لاتفاقات عسكرية مشتركة سابقة مع قطر وإرسال عدد من قواتها إلى الدوحة41. يخشى المسؤولون الأميركيون أيضًا، من أن حصار قطر قد تكون له تداعيات اقتصادية على الشركات الأميركية التي تعمل في الخليج العربي، فقد تتطور الأمور إلى ضغوط تمارسها السعودية والإمارات والبحرين على تلك الشركات؛ للانسحاب من قطر أو مواجهة عقوبات اقتصادية وحظرها من العمل في بلدانها42. ثمة مسألة أخرى تقلق المسؤولين الأميركيين، وهي انفتاح قطر على بعض الجماعات التي تعارضها الولايات المتحدة وتصنفها إرهابية، كحركة حماس الفلسطينية، أو تحاربها، كحركة طالبان الأفغانية. وهذا يخدم الولايات المتحدة وسياساتها، بحيث إن مثل هذا الانفتاح يسمح بإجراء اتصالات أميركية معها عند الحاجة. وبحسب مسؤول أميركي فإن "هناك منفعة ما، يجب أن يكون هناك مكان يمكننا لقاء طالبان فيه. وينبغي أن يكون هناك مكان تذهب إليه حماس ويمكن عزلها فيه والحديث إليها"43. وبهذا، فإن فتح طالبان مكتبًا لها في الدوحة في 2013 إنما جاء بناء على طلب أميركي44. لذا، فإن قطر، بما تمثّله من انفتاح إعلامي، وانفتاح على المعارضات العربية، خصوصًا الإسلامية، فإنها تمثل رئة للتنفس في منطقة مكبوتة. ويبدو أن هذا ما قبلت به إدارتا جورج بوش وأوباما من قبل، كتحملهما تغطية قناة الجزيرة الإخبارية، على الرغم من امتعاضهما منها.
جولة تيلرسون الدبلوماسية في الخليج
في خضم هذه الفوضى الأميركية والحسابات المعقدة والهواجس الحقيقية، جاءت جولة تيلرسون الدبلوماسية إلى المنطقة في الفترة 10 - 13 تموز/ يوليو 2017 في محاولة لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة الخليجية. وقد قادته جولته المكوكية تلك إلى تركيا والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية. ويبدو من تصريحات تيلرسون أن زيارته لم تحقق اختراقًا حقيقيٍّا، وذلك بسبب تعنت دول الحصار في مطالبها التي تصل إلى حد محاولة فرض الوصاية على قطر والعبث بسيادتها، وهو الأمر الذي ترفضه قطر مطلقًا. وقد رأى تيلرسون في انتقاد مبطن لدول الحصار أن "قطر كانت واضحة تمامًا في مواقفها، وأعتقد أنها معقولة جدًا"45. غير أنه لا يمكن حصر أسباب فشل دبلوماسية تيلرسون المكوكية في المنطقة بتعنت دول الحصار، بل إن السبب الأكبر لفشل جهده، يتمثّل في الرسائل المتناقضة الصادرة عن واشنطن حيال الأزمة، وهو ما يبدو أنه شجع دول الحصار على الاستمرار في تعنتها، فضلا عن أن تيلرسون لا يحظى بدعم مباشر من البيت الأبيض. وعلى الرغم من إدراك تيلرسون وفريقه أنهم لا يحظون بدعم مباشر من ترامب، فإنهم حرصوا منذ البداية على خفض سقف التوقعات من زيارتهم المنطقة. فمع بدء جولة تيلرسون الدبلوماسية في المنطقة، صرح مستشاره، أر. سي هاموند، أنّ تيلرسون لم يذهب إلى المنطقة بصفة "وسيط"؛ ذلك أن الكويت هي من تقود جهد الوساطة، موضحًا أن الهدف من الجولة يتمثل في "استكشاف فن الممكن حول ما إذا كان يمكن إيجاد حل" وإقناع الأطراف كلّها
بالحديث مع بعضهم. وأضاف، إنّ الولايات المتحدة "تبحث عن مناطق مشتركة يمكن أن يبنى عليها موقف"46. وعلى الرغم من أن تيلرسون وفريقه أملوا بمساهمة مذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة وقطر في الدوحة، في 12 تموز/ يوليو 2017، لمكافحة تمويل الإرهاب، في تخفيف حدة موقف دول الحصار، فإن ذلك لم يتحقق، وحتى إشادة تيلرسون بقطر في هذا المجال لم تؤثر في موقفهم المتصلب، وهو ما أكد تشكك كثيرين في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين، بأن التصعيد مع قطر غير مرتبط بمزاعم دعم الإرهاب، خصوصًا أن أيدي الآخرين "غير نظيفة" في هذا المجال، كما يقول هاموند47، وبأن الأمر يتعلق بمحاولة دول الحصار السطو على السيادة القطرية، متوهمين أن وصول ترامب إلى الحكم، وتبني ه وجهة نظرهم بعد قمة الرياض العربية الإسلامية - الأميركية يمثّلان ضوءًا أميركيًا أخضرَ لهم، للمضي قُدمًا في هذا العدوان. وقد كان واضحًا استياء تيلرسون من مواقف دول الحصار بعد اجتماعه بالعاهل السعودي، الملك سلمان، وولي عهده، محمد بن سلمان، ووزراء خارجية الدول الأربع، في جدة في 12 تموز/ يوليو 2017، أي في اليوم نفسه الذي وقّع فيه مذكرة التفاهم مع قطر؛ فقد غادر تيلرسون جدة عائدًا إلى الكويت - التي جعلها محطة انطلاقه في الجولة الخليجية في محاولة لإعطاء انطباع عن عدم الانحياز إلى أي طرف – من دون عقد مؤتمر صحافي48. في حين ردت الدول الأربع ببيان جاء فيه، بأن مذكرة التفاهم الأميركية - القطرية "غير كافية"، والتي لم توقع أي دولة عربية وإسلامية أخرى مثلها بما في ذلك الدول الأربع، بحسب تيلرسون، وبأن العقوبات على قطر ستستمر حتى التزام قطر "المطالب العادلة والكاملة التي تضمن معالجة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة"49. وفي طريق عودته إلى واشنطن، بعد أن اجتمع مجددًا، في 13 تموز/ يوليو 2017، بالمسؤولين القطريين، وعلى رأسهم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بدا إقرار تيلرسون بمحدودية إنجازه واضحًا، وذلك حينما قال للصحافيين المرافقين له على متن الطائرة: لقد "جلبنا أفكارًا على ورقة ثم سهلنا عقد الكثير من النقاشات حولها". وأضاف: "من وجهة نظري هناك شعور بالتغيير(لدى الأطراف )على الأقل للحديث مع بعضهم[...]الوصول إلى حل نهائي قد يستغرق بعض الوقت"50.
تواجه مصالح الولايات المتحدة الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا في الخليج العربي، مخاضًا عسيرًا بسبب رعونة الرئيس الأميركي، وعدم خبرته، وقلة كفاءته، واستناده إلى مسوّغات أيديولوجية صارمة وغير عملية، فضلا عن حسابات وخصومات شخصية. ويبدو أن المؤسسة التقليدية الحاكمة تدرك مدى خطورة ذلك على المصالح الأميركية وحساباتها في المنطقة، ومن ثم فإنها تحاول أن تستعيد زمام المبادرة قبل أن تخرج الأمور على السيطرة. ويُعدّ الرئيس - من الناحية التقنية - واسع الصلاحيّات في السياسة الخارجية، إلاّ أن ذلك ليس مطلقًا، كما أنّ الأجهزة والوكالات التي هي جزء من مؤسسة الحكم العميقة، تحاول الحد من جموح ترامب، وتحاول أيضًا لجم دول الحصار الأربع ومنعها من التصعيد. وبهذا، فإن التسريبات الخاصّة بوقوف الإمارات خلف قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية، وانتقاد جهد دول الحصار الأربع في مجال مكافحة الإرهاب في تقرير الخارجية الأميركية، والإشادة بجهد قطر قد تكون محاولات للجم تلك الدول، وتذكيرها بأنها بعيدة عن توجيه دفة السياسة الخارجية الأميركية المعقدة، حتى إن بدا لها الأمر كذلك من قبل. فمحاولات التأثير في صانع القرار الأميركي شيء، وخطف القرار الأميركي شيء آخر. وواضح أن هذه الرسالة بدأت تقرع سمع ترامب نفسه، مع ضرورة التأكيد أن هذا لا يعني عجزه عن إحداث انعطافة حادّة في السياسة الخارجية الأميركية نحو أي منطقة أو قضية، لو أراد المواجهة أو أصرّ عليها، ولكن ذلك لن يكون بالأمر الهينّ، المضمون العواقب.