الإدراك الأميركي المتغيّر للأزمة الخليجيّة

The Changing American Perception of the Gulf Crisis

زهير المخ| Zouhair Much @

الملخّص

تسلط الورقة الضوء على مراكز البحوث والمنابر اعلامية اميركية المنتجة ل{فكار والتحليلات التي كان لها دور حاسم في صنع سياسة الولايات المتحدة الخارجية، والمناخ الذي أشاعته في تشكيل "عالم ترامب". وتبين الورقة السمات ا ساسية لهذه الكتابات في مجال التأثير في صنع القرار الخارجي اميركي، كما تتناول العناصر الفكرية التي باتت ادارة اميركية الحالية تستلهم منها بعض ا من منطلقاتها اساسية إزاء الموقف من دولة قطر، بحيث جرى التركيز على أنه ما دامت قطر تستمر في دورها مصدرًا لتمويل الجماعات ارهابية والمتطرفة في الشرق اوسط، وتجيّر قوتها الناعمة لمصلحة اسلام الراديكالي، فمن المعقول طرح السؤال إن كان منطقيًا استمرار إدارة دونالد ترامب في "استئجار أصول" من دولة تؤيد مثل هذه الطبعة من اسلام. والهدف، بحسب ما تحاجج الورقة، هو أن تبقى قطر تحت المجهر، مكبّلة اليدين عن التحرك وفاقدة المبادرة، وفي انتظار ساكن خارج حلبة المسرح اقليمي.

Abstract

This paper highlights US research centers and platforms producing ideas and literatures that have played a crucial role in shaping US foreign policy

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

تتمتع دولة قطر، بالنسبة إلى النظام الخليجي، وهو نظام إقليمي فرعي، بموقع جيوستراتيجي شديد الحساسية، من حيث هي ممر بري وبحري وجوي في الإقليم؛ الأمر الذي جعلها تتعرض لمزيد من الضغوط الأمنية في منطقة ملتهبة، ويرتبط أمنها الذاتي بالتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية. وإذ يفترض أيّ تحالف سلفًا وجود التقاء في المصالح؛ فإن مصالح قطر تشمل أمنها من أي تهديد إقليمي محتمل وتعزيز صورتها إقليميًا ودوليًا، بوصفها دولة صغيرة تعيش وسط بيئة مضطربة، وهو ما منحها الثقة لبناء سياسة خارجية مستقلة وديناميّة، وأتاح لها مرونة أكبر في التحرك. أما مصالح الحليف الأميركي فتكمن، وفق الفكر الإستراتيجي الأميركي، في عَد قطر - قبل أيّ شيء آخر؛ كالبعد الاقتصاديّ مثلا - مجالا حيويٍّا للأمن القومي الأميركي. ولئن قبلت الدوحة العباءة الأمنية الأميركية بامتنان، فإنها لم تكن يومًا ذلك الطفل الخائف الذي وجد الطمأنينة في حضن الأم الدافئ، بل دأبت في أحيان كثيرة على الخروج من نطاق هذه العباءة؛ ما أدى إلى نشوب أزمات فعلية في العلاقة بين الطرفين، ينبع مصدرها الأساس، عادةً، من معطيات إقليمية، لا من صلب العلاقة الثنائية نفسها. ولا ريب في مساهمة عناصر عديدة في نشوب الأزمة الحالية في العلاقات الأميركية – القطرية التي ربما لا يكون لعمقها مثيل. فلقد سعت الدوحة للتحوّط لرهاناتها، بل إنها بدت فيه متوجسة، على نحو متزايد، بخصوص علاقتها بشاغل البيت الأبيض الجديد: دونالد ترامب. وعلى الرغم من أنه لم يكن يوجد، آنذاك، أيّ مبرر لتوقع انتهاء التحالف مع واشنطن، فإن حديث الرئيس الأميركي المتكرر عن "أميركا أولا "، كان يثير الهواجس أكثر مما يبعث على الاطمئنان؛ وكان ثمة قلق ملحوظ في الدوحة إزاء احتمال أن تسعى الإدارة الأميركية الجديدة لطلب مزيد من الأموال لاستضافتها القيادة العسكرية المركزية. كما لم تختف من المعادلة المخاوف من أن استمرار دعم الدوحة للتيارات الإسلامية، يمكن أن يثير احتكاكًا وخلافًا مع السياسة الخارجية لترامب ودائرته الضيقة التي تضيق ذرعًا بالإسلاميين على اختلاف أطيافهم، فضلا عن أن السياسة الصارمة للرئيس ترامب ضد إيران، وتصريحات إدارته بأن "العالم ليس مجتمعًا عالميًا بل هو ميدان تتنافس فيه الدول والقوى الفاعلة العابرة للحكومات" 1، كان بمنزلة إعلانٍ فعّال، مفاده أن عنصر التفاوض لحل الأزمات قد ولىّ زمنه، وحلّ بديلا منه عنصر المواجهة والصدام، ثم تزايدت التلميحات بخصوص دور قطر في تمويل الإرهاب التي كانت، بلا شك، العامل الأهم في تصعيد الدراما الخليجية، وصولا إلى الوصف الذائع الصيت للرئيس ترامب بأن قطر "داعم تاريخي للإرهاب"1. وبما أن السياسة في واشنطن لا تُصنَعُ من فراغ؛ فإن الأفكار والتحليلات والمحاججات تصب، إجمالا، في بوتقة صنع السياسة. كما أن مراكز البحوث والمنابر الإعلامية المنتجة للأفكار، لها دور حاسم في صنع السياسة الخارجية للولايات المتحدة. أما المناخ الذي أشاعه عدد من الكتاب، فكان له تأثير ملموس في تأليف "عالم ترامب". وبالطبع، لا يحسن التوقف كثيرًا عند هذه المسألة لفهم حقيقة العهد الجديد الذي يمثّله ترامب، وقد كُتِب كثيرٌ عن تخبطه وتناقضه في مجال السياسة الخارجية؛ فقد يكون تصريح وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، والذي أشار فيه إلى أن عدد المواد الصحافية المكتوبة التي تندرج في خانة "شيطنة قطر" بلغت 13 مقالَ رأيٍ خلال خمسة أسابيع؛ أفضلَ وصفٍ لهذه الحملة. والسؤال الآن: ما الأرضية الفكرية لهذه الكتابات؟ أو، وفق أضعف تقدير؛ ما سماتها الأساسية في مجال السياسة الخارجية الأميركية تجاه العلاقة بقطر؟ إنّ من الطبيعي القول: إن النخبة المسؤولة عن صنع القرار في الولايات المتحدة ليست كتلة متماسكة متراصّة. بناءً عليه؛ لا بُد لأيّ مناقشة جدّية للتعقيدات والملابسات المحيطة بصنع القرار الأميركي تجاه العلاقة بقطر، من أن تأخذ في الحُسبان التمايز بين الكتابات السائدة التي تعكسها التيارات المختلفة، وفق عناصرها الفكرية، بهدف الوصول إلى محاولة القبض على مفاتيح رسم السياسة العامة. وقد عمدنا، بسبب الأفكار الواردة في هذه الكتابات وأهميتها، إلى إيراد اقتباسات ضافية منها، سواءٌ أتضمنت شواهد من الماضي أم احتوت أحكامًا واستنتاجات مبنية على هذه الشواهد، أم شملت الاثنتين معًا. ونظنّ أن هذه الكتابات قد اتسمت، إجمالا، بقاسم مشترك أعظم؛ إذ اعتمدت، جميعًا، على منهجية الحذف ومنهجية انتزاع الأزمة الخليجية الراهنة من ملابساتها الإقليمية، ومنهجية التناول الجزئي والمقايسات الصورية. ومهما بدت هذه الإطالة، للوهلة الأولى، بعيدة من الموضوع قيد البحث، فإن ارتباطها به سيتجلىّ، أو هذا ما نأمله، في سياق بيان السمات الأساسية لهذه الكتابات في مجال التأثير في صنع القرار الأميركيّ الخارجي تجاه الموقف من قطر. وقد يكون مقال جون حنّا من أشدّ الكتابات تأثيرًا في اللحظة الراهنة. ويأتي هذا التأثير، أساسًا، من هوية موقعه؛ فهو مسؤول سابق في

  1. Gulf Crisis: Trump Escalates Row by Accusing Qatar of Sponsoring Terror," The Guardian , 9/6/2017, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/2tp4Fi

وزارتيَ الخارجية والدفاع، وأحد مستشاري نائب الرئيس الأميركي الأسبق؛ ديك تشيني. والواضح أن المقال يعجّ بالاتهامات الجاهزة، وهي ليست دائمًا متناسقة في منطقها الداخلي، إنما الفكرة الأهم إطلاقًا، هي أن قطر كالإله جانوس، في الأسطورة الإغريقية؛ فهي تعتمد على بلاده بصورة كلية في ضمان أمنها، ولكنها في الوقت نفسه توظف هذه الضمانة في ركوب حصان "الإرهاب" والتحريض على قتل الجنود الأميركيين في العراق، واستخدام قناة "الجزيرة" بفاعلية لتحويل "الربيع العربي" إلى "شتاء إسلامي متطرف"، وتمويل جماعات إسلامية متطرفة بالمال والسلاح للقتال في سورية وليبيا. وفضلا عن ذلك، تستره ا على إقامة خالد شيخ محمد، مهندس هجمات 11 سبتمبر، في الدوحة، وتسهيل هروبه إلى أفغانستان قُبيل إقدام المخابرات الأميركية على اعتقاله2. وتذهب الحماسة بالكاتب منحًى بعيدًا حينما يقرر "أن الدوحة نجحت في خداع واشنطن"، وتركتها تمارس رياضتها الخاصة بها؛ فقد كانت رغبة نائب الرئيس الأميركي الأسبق؛ تشيني، أن يقوم البنتاغون بدراسة استكشاف بدائل إقليمية لقاعدة "العديد"، لكنه لم يتمكن من تفعيل مقترحه هذا إلى أن باء بالفشل. وبما أن في قطر شيئًا مغريًا، ف "لم تجرؤ القيادة العسكرية الأميركية على الإقدام على مغامرة إلغاء الصفقة التي يسيل لها اللعاب، حيث المرافق الحديثة وحرية العمليات العسكرية غير مقيّدة". وفوق هذا وذاك، فإن "البلد سخي جدًا ومضياف"، ولعل الأهم من ذلك كلّه؛ أن قطر هي صاحبة العزف المنفرد والصوت الآخر، وسط أوركسترا إقليمية "لديها حساسية شديدة من الآثار السياسية المترتبة على وجود آلاف من الجنود الأميركيين على أراضيها"3. مع ذلك، لا يتوانى الكاتب في إطلاق حكْمٍ ظالمٍ على الدوحة بقوله: إن دورها يكمن في "زرع عدم الاستقرار الإقليمي"، وأن على إدارة الرئيس ترامب "إنقاذ الدوحة من نفسها"، ويخلص إلى القول: "إذا كانت واشنطن تبحث عن مكان للبدء في جهدها الرامي إلى جعل حلفائها في منطقة الخليج أكثر فائدة في دعم المصالح الإستراتيجية الأميركية، فإن قطر قد تكون المكان المناسب للبدء بذلك"4. طبعت هذه الآراء مصطلحات ذات دلالة تتعدى التعابير اللغوية؛ لترسم توجهات رئيسة في ذهن صانع القرار الأميركي. ومن الأدلة على قوة إلزام هذه التعابير؛ أن الكلام فيها قد استعار، في كثير من أحواله وأطواره، لغة التهديد المبطّن. ويعني هذا الكلام، أيضًا، أن قطر ستبقى تحت المجهر مكبّلة اليدين، وفاقدة المبادرة، وفي انتظار ساكن خارج حلبة المسرح الإقليمي. تلتقي هذه البرمجة، بوضوح، مع الكلام الذي ردّده المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط؛ دنيس روس، مضيفًا إليه توجيه النصائح إلى ساكن البيت الأبيض الجديد، بإعادة تقويم العلاقات بقطر، والسعي للبحث عن حلفاء جدد في الشرق الأوسط؛ "لأنها ليست حليفًا موثوقًا به، بل إنها تساهم في تقويض المصالح الأميركية في المنطقة". أما سبب المراجعة فيكمن في أن قطر "أصبحت مأوى لقيادات الإخوان المسلمين، وداعما رئيسًا للجماعات الإسلامية الراديكالية في سورية وليبيا"5.

ولا يقول روس في الموضوع جديدًا عندما يلفت النظر، بشيء من الخبث، إلى أنه في الوقت الذي تنطلق عمليات التحالف الدولي في منطقة الشرق الأوسط من القاعدة الجوية الأميركية في العديد؛ لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام(داعش )، فإن "غالبية السياسيين في واشنطن ليسوا سعداء بمساعدة قطر للتنظيمات الإسلامية المتطرفة"، ناصحًا صانع القرار بالتفكير جديٍّا في نقل هذه القاعدة إلى مكان آخر، كدولة الإمارات مثلا. وبما أن روس يميل إلى المبالغات كثيرًا في توصيفه دورَ قناة "الجزيرة"، فيعدّها منبرًا لصناعة معظم السرديات "التي تضفي الشرعية على المعتقدات المتطرفة والأفكار المتعصبة"، لماذا؟ لأنها فرضت شروطًا جديدة في صناعة الإعلام في المنطقة، وبرزت مصدَرًا لإعادة توزيع السلطة الإعلامية، وتأمين قدر كبير من الهيمنة على صناعة الحقيقة في الشرق الأوسط6.

  1. John Hannah, "Qatar Needs to Do Its Part," Foreign Policy , 22/5/2017, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/7Wf2j4
  2. Ibid.
  3. Ibid. 2017 sz`syͿ1sɱ
  4. Dennis Ross, "Qatar Needs to Stop Funding Islamists," USA Today , 8/5/2017, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/UkHKLs
  5. Ibid. ادراك اميركي المتغيّر ل{زمة الخليجيّة

وقد يكون لهذا الخط الجديد علاقة بأمور يمكن إدراكها في واشنطن، منها قسوة اللهجة تجاه قطر؛ ذلك أن الإدارة الأميركية تشكو فقدان توازنها على نحو كبير، فالأشخاص الذين عُيّنوا مستشارين فيها، من دون حاجة إلى المرور بتثبيت مجلس الشيوخ(أمثال ستيف بانون وجون برينان وجاريد كوشنر )يسرحون ويمرحون في البيت الأبيض. ويسمع المرء في الأروقة الدبلوماسية في واشنطن هُزءًا شديدًا بالعناصر الأيديولوجية في الإدارة الجديدة، وبآرائهم اليمينية المتطرفة في الموقف من الإسلام وعدّه الدين "الأشدّ تطرفًا" على صعيد المعمورة.

العرّاب الفكري

في مقابل هؤلاء المهتمين بمحاولة إعادة صوغ صنع القرار الأميركي بمجمله، هناك خبراء السياسة الحائمون، اليوم، حول إدارة ترامب، والذين يسعون جاهدين للتأثير في صنع القرار على نحو غير مباشر. لذا؛ ينصبّ طابع كتاباتهم على القاموس الدبلوماسي الأميركي إزاء قطر في جانبه "التنظيري". وبالطبع، لا مجال لذكرهم جميعًا في هذا السياق، أو عرض تصوراتهم، وإنما الاكتفاء بالتركيز في بعض الأقطاب الذين يعبرّ ون عن اتجاهات أساسية في التأثير في صنع هذه السياسة. ولعل جوناثان شانزر الذي لا يزال يحظى بهيمنة نسبية لمدرسته على الإدارة الأميركية - خلال توليه منصبًا سابقًا في وزارة الخزانة لمكافحة تمويل الإرهاب، أو ما يشاع بأنه يمثّل مرجعًا غير رسمي للبيت الأبيض - أحد أهم أولئك الذين تتميّز كتاباتهم بالبعد "التنظيري"، ومن الذين تميّزوا بمواقف تكاد تكون متفرّدة، وكان دائمًا أحد الدعاة المتحمسين إلى إعادة نظر الولايات المتحدة في علاقاتها بقطر. وقد كتب مقالين طويلين اتهم فيهما قطر بعلاقات متميزة بقادةٍ كبارٍ في حركة طالبان الأفغانية، "وخاصةً أولئك الذين أفرج عنهم من معتقل غوانتنامو"، وبعلاقاتها المثيرة للجدل مع جبهة النصرة السورية، وحركة المقاومة الإسلامية؛ حماس، في فلسطين. ولا يضيف شانزر إلى أطروحاته جديدًا حين يكرر الأحكام المسبقة التي دأب آخرون على تداولها. غير أنّ فحوى "عظته"؛ أن الدوحة باتت المأوى الأساس لعدد من عناصر حركة حماس، وأنها استضافت في العام 2012 الزعيم السياسي للحركة؛ خالد مشعل، كما أن أحد قادة حماس منح الدوحة لقب "الوطن". ويذهب شانزر إلى القول: إن قطر تعدّ كذلك بمنزلة "الصراف الآلي" للحركة، ليس بتعهدها تقديم 400 مليون دولار لحكومتها فحسب، بل تمويل إعادة إعمار قطاع غزة كذلك. وماذا عن كيفية صرف هذه الأموال؟ "إنها تستخدم في إعادة بناء شبكة أنفاق الإرهاب"7. ويبدو أن النهج الأخير هو الأشدّ إثارة لديه؛ فقد لاحظ أن الدوحة تعدّ راعيًا سياسيًا وماليًا للحركة، وهي تؤدي، كذلك، دور "المستشار التسويقي" لها، وظهرت بصمات أصابعها بوضوح، في التحولات السياسية التي تضمنتها ديباجة الوثيقة الجديدة التي أعْلنت عنها الحركة مؤخرًا. ويعزّز شانزر استنتاجه هذا بالقول: "إن حماس، في الواقع، ليست أول جماعة إرهابية تعمل قطر على تبنّي نشاطاتها وتحسين صورتها"، بل ثمة جماعات إرهابية أخرى تندرج على هذه اللائحة، من بينها طبعًا "جبهة النصرة" السورية التي أعلنت انشقاقها عن التنظيم الأم(القاعدة )في 2016، وكان هذا الانشقاق نابعًا، أساسًا، من مطالبة قطر ووعدها بزيادة حجم التمويل. كما تستفيد حركة "طالبان"، هي الأخرى، من عمليات الترويج وتحسين الهيئة التي تبنتها قطر من خلال افتتاحها مكتبًا رسميًا في الدوحة واستخدامه كآلة لصنع النقود؛ من أجل تمويل الإرهاب في أفغانستان. تظهر دعوة الكاتب الإدارة الأميركية، في تقويم كهذا، إلى "تبنّي الحلول الواقعية" على صعيد العلاقة بقطر جليّةً، فقد "حانت مطالبتها بأن تختار على أي الجانبين تميل". وخلص إلى نتيجة مفادها، أن وجود قاعدة أميركية في قطر يشجع الدوحة على الاستمرار في سياسة دعم الإرهاب، داعيًا الإدارة الجديدة إلى البحث عن مركز آخر لإيواء هذه القوات8. وقد يكون مقال تشارلز وولد ومايكل ماكوفسكي "وجهان لقطر: الحليف الشرق أوسطي المريب"9، من أهمّ الكتابات في اللحظة الراهنة. وهذه الأهمية نابعة، أساسًا، من هوية موقع يْه اللذَيْن شغلا سابقًا مناصب رفيعة في المؤسسة العسكرية الأميركية، ولهما، كما يشاع اليوم، مدخلهما المميّز إلى وزير الخارجية؛ ريكس تيلرسون، وإلى الرئيس نفسه من خلال إدارتهما الحالية للمعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي.

  1. Jonathan Schanzer, "Time for the US to Stop Qatar's Support for Terror," New York Post , 2017/4/20, accessed on 9/7/2017, at: https://goo. gl/e5ktsU; Kate Havard & Jonathan Schanzer, "By Hosting Hamas, Qatar is Whitewashing Terror," Newsweek , 2017/5/11, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/27vN3j
  2. Schanzer; Havard & Schanzer.
  3. Charles Wald & Michael Makowsky, "The Two Faces of Qatar, a Dubious Mideast Ally," The Wall Street Journal , 2017/4/25, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/AXCdtF

والواضح أن المقال يعجّ بالاتهامات لقطر، وهي ليست دائمًا متناسقة في منطقها الداخلي، إنما الفكرة الأهم إطلاقًا، هي أنه في حال استمرار قطر في دورها مصدرًا لتمويل المجموعات الإرهابية والمتطرفة في الشرق الأوسط، تجيرّ قوتها الناعمة الهائلة لمصلحة الإسلام الراديكالي؛ فمن المعقول طرح سؤال مفاده: هل يعدّ استمرار إدارة ترامب في "استئجار أصول" من دولة تؤيد مثل هذه العقيدة – الطبعة من الإسلام التي أعلن الرئيس نفسه موقفه الصريح في معاداتها - منطقيٍّا؟ هكذا، وبجرّة قلم، يرى الكاتبان أن البيت الأبيض في عهد ترامب إن كان يريد أن يتخلى عن أولئك "الراكبين بالمجان" من حلفاء أميركا، فيمكنه أن يوجّه رسالة واضحة إلى الدوحة؛ مفادها أن فوائد قاعدة العديد لا تفوق في أهميتها مطلقًا استمرار دعم قطر للتطرف، وإن لم تبادر قطر إلى تغيير سلوكها، فإن على واشنطن التفكير جديًا في البحث عن ملجأ آخر لهذه القاعدة. وتعاظمت الأمور فعلا عندما رأى وزير الدفاع الأميركي ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية السابق؛ روبرت غيتس، أن تنظيم الإخوان المسلمين مثّل الأرضية التي سبقت حركات التوحش الأصولية مثل "القاعدة" و"داعش"10؛ ف "البيئة الإخوانية"، بحسب رأيه، أظهرت قابليةً مدهشةً للإنتاج الغزير للتطرف، من دون الالتفات إلى حقيقة أن هذا التطرف ليس إلا إفرازًا لمناخ سياسي واجتماعي واقتصادي باتت تقوده دول ضعيفة أو فاشلة أو منهارة11.

بيد أن فكرة إشراك حركة الإخوان المسلمين في لعبة التطرف، بحسب غيتس، اتضحت حين تسنم هؤلاء مقاليد السلطة للمرة الأولى في مصر، "عندها فقط تجلّت صورتهم الحقيقية التي هي أشبه بمتحولي الخيال العلمي"12، متغافلا، ربما عمدًا، عن أن بعض مشتقات هذه "البيئة" انخرطت في تجارب سلمية فعلية في تركيا وتونس، ولم تذهب إلى مشتقات التطرف الإرهابي أو عنف الحروب الأهلية. إنها، إذًا، تحولات تضرب عميقًا في النسيج المجتمعي الشرق أوسطي. إلا أن المسؤول الأميركي السابق يتحدث، جهارًا، عن ضرورة استهداف هذه الجماعة، حالها في ذلك حال المجموعات الإرهابية الأخرى، "بعد أن ظلت ردحًا من الزمن هدفًا مهملا لعمل الاستخبارات، خصوصًا في متابعة استخدام قنواتها وشبكاتها في نقل الأموال إلى المجموعات الإرهابية"13. أما بيت القصيد فهو قطر التي رحبت بهذه الجماعة منذ فترة طويلة، و"لا يمكنني أن أرى دولة أخرى في المنطقة فتحت ذراعيها للترحيب بهم، كما هو حال الدوحة"14. أما "ينبغيات" الإدارة الأميركية تجاه هذا الملف، فهي أن تشرع واشنطن، على الفور، في دراسة "خيارات جديدة" في هذا الأمر. إن هذه وغيرها من ال "ينبغيات" التي على صانع القرار الأميركي أن يستلهمها في التعامل مع الملف القطري، تحتاج إلى صبرٍ وأناةٍ من القارئ الذي يدرك ببصيرته الثاقبة أن الحديث لا يدور أبدًا حول "حكايات من الماضي"، بل حول وقائع في الحاضر؛ ف "الميت يمسك بتلابيب الحي"، وهذه القصة الشائعة، بعد إجراء بعض التعديلات الملائمة فيها، هي قصتنا مع النائب الجمهوري؛ أد رويس، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، والذي قال إنه سيطرح مشروع قانون في الكونغرس لمعاقبة الدول التي تقدّم دعما ماليًا وإعلاميًا لفروع جماعة الإخوان المسلمين التي تتبنى العنف منهجًا، ومن بينها حركة حماس15.

سجال نخبوي

ليس محض صدفة أن تتبارى معاهد بحثية عدّة في التأثير في عملية صنع القرار الخارجي الأميركي تجاه قطر، ولو على نحو غير مباشر. ولعل من بينها "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" Foundation)تأسست في واشنطن في for Defense of Democracies-FDD 2001(، والتي دأبت، من خلال منشوراتها العديدة، على تأدية دور

  1. Robert Gates, "Qatar Risks US Sanctions Over Support for Hamas, Muslim Brotherhood," The Arab Weekly , 28/5/2017, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/7oLN8c
  2. Ibid.
  3. Ibid. 2017 sz`syͿ1sɱ
  4. Ibid.
  5. Ibid.
  6. Remarks: Chairman Royce on Qatar's Support for Hamas," Foreign Affairs Committee, 13/6/2017, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/5i3FVG ادراك اميركي المتغيّر ل{زمة الخليجيّة

"العراب" لتكريس "شيطنة قطر" لدى إدارة ترامب16. ويندرج "المركز الأميركي الأمني الجديد" American New a for Center Security، و"مركز التقدم الأميركي" American for Center Progress، في الخانة نفسها. ومن دون تفصيل؛ إنّ بعضًا من الأمثلة كفيل بإعطاء فكرة، ولو أولية، عن العناصر الفكرية التي باتت الإدارة الأميركية الحالية تستلهم منها بعضًا من منطلقاتها الأساسية، وتكشف، في المقابل، عن بعض أسرار "التباطؤ" و"الحذر" اللذَيْن رسما التحرك الدبلوماسي الأميركي تجاه الأزمة الخليجية. وإن أخذنا مثلا حادًا - وإن يكن غير استثنائي - كالتقارير والدراسات التي أصدرتها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فسنرى كتّابًا من أمثال مارك دوبوفيتس وكليفورد ماي وديفيد أندرو واينبيرغ، يديرون ماكنةً تتخذ من "الفكر" مُنْتَجًا نهائيًا لها. لكنها في نهاية المطاف تطرح مضامينَ، وتصكّ مصطلحات ذات دلالات تتعدى التعابير اللغوية، لترسم توجّهات رئيسة في ذهن صانع السياسة الأميركية الرسمية، سواء أكان في ربط قطر بجماعات العنف الأصولي أم كان بوصفها ب "البيئة الحاضنة" لجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس والممول الحصري لهما. وبما أن شيطنة قطر هي عنوان هذه الحملة العريض؛ فإن المؤسسة البحثية في واشنطن، برزت، وبحق، مصدرًا إبداعيًا تستلهم منه الإدارة الأميركية بعض الزاد لتشغيل عجلتها الخارجية التي تهجس ب "أخطار" متوقعة؛ فتدفعها رغبة عارمة في اجتثاثها قبل أن تطأ الأرض الأميركية. ولم يكن أمرًا مستغربًا أن تحتل "الحرب الوقائية"، مثلا، موقعًا مركزيًا في خطابها الأيديولوجي الذي تؤلّفه صورة الذات في مرآة الذات، وأحيانًا في مرآة الآخر. فلا غرو، إذًا، في تعاظم نفوذ هذه المؤسسة، وازدياد حصة الأيديولوجيا في صنع السياسة. وتجدر الإشارة إلى أنّ ثمة صعوبة في الإحاطة بمنشورات المؤسسة في هذه العجالة. وحسبنا أن نتوقف على ما يحدثنا به مديرها التنفيذي؛ مارك دوبوفيتس، وأحد أهم تلامذة بول وولفوفيتس؛ الأب الفلسفي للمحافظين الجدد، فيقول: إن إدارة الرئيس ترامب "لن تتسامح مع اللعبة المزدوجة التي تمارسها قطر في دعمها للإرهاب ورعايتها لجماعات متطرفة من جهة، وإعلانها الالتزام بمكافحة هذه الآفة من جهة أخرى". ويختصر دوبوفيتس مسوغه بالعبارة الآتية: "إن محادثات تدور في أروقة البيت الأبيض، حول البحث عن سبل لإلزام الدوحة بوقف الدعم المالي الذي تقدّمه لمختلف الجماعات المتطرفة مثل جماعة الإخوان المسلمين". ويضيف: "إن ثمة مناقشات يجريها الكونغرس بخصوص مشروع قانون لفرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي تقدّم الدعم لهذه الجماعة"17. نرى التوجه ذاته وراء تغريداته في تويتر، من دون الاضطرار، على ما يبدو، إلى الخوض في كثير من النقاش، وإن كانت إحدى تغريداته الأخيرة تنطوي على روح كوميدية، لا تخلو من فكاهة: "إن قطر تستضيف حركة طالبان وتدعمها وهي الحركة التي أعلنت مسؤوليتها، قبل أيام، عن مقتل 3 جنود أميركيين شرق أفغانستان". وبما أن التعميم والتبسيط والاختزال لا يقي المرء شر الوقوع فيه، فقد دأب ديفيد أندرو واينبيرغ، وهو أحد أبرز مجتهدي المؤسسة، على "كشف" خبايا تلقي تنظيم القاعدة تمويله من قطر، بل إن قسطًا وافرًا من موارده المالية يأتي مما يعدّه التنظيم "هبات من جمعيات خيرية ومنظمات غير حكومية قطرية"، واصفًا دولة قطر بأنها "بيئة متساهلة مع تمويل الجماعات الإرهابية"، وأن السلطات في البلاد "لا تبذل جهدًا كافيًا لوضع حدّ لهذه الظاهرة أو كبحها"18. وقد تبنّى أيان غولدنبيرغ، الشاب النشِط، واسع القدرات، والذي يحتل حاليًا منصب مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في المركز الأميركي الأمني الجديد، مثل هذا الحضّ على التعبئة ضد قطر؛ فقد كتب وبشرّ، وفعل كل ما في وسعه لكي يخرج فكرة "الخصام" بين واشنطن والدوحة من شبه المستحيل إلى حيّز التنفيذ. جادل غولدنبيرغ الذي تتلمذ على يد أقطاب مثل ريتشارد بيرل وجيمس ولسي، في ممارسة قطر سياسات تثير إشكاليات للمنطقة وللولايات المتحدة على السواء. وفي شهادته التي قدّمها أمام اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط في مجلس النواب الأميركي، وصف قطر بأنها "شريك معقّد" لبلاده، بسبب

  1. تكاد معظم المنشورات التي أصدرتها هذه المؤسسة تندرج في هذه الخانة، انظر على سبيل المثال لا الحصر: David Andrew Weinberg , "Qatar Allows Money to Flow to ISIS, Other Terrorists: Report," Foundation for Defense of Democracies, 10/12/2014, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/b6MUB7; David Andrew Weinberg, "Analysis: Qatar Embraces Admitted al Qaeda Operative," Foundation for Defense of Democracies, 23/1/2015, accessed on 9/7/2017 , at: https://goo.gl/K93Ugc; "FDD Study: Qatar and Terror Finance: Private Funders of al-Qaeda," 18/1/2017,
  2. Qatar Faces Threat of Punitive Legislation as US Officials Decry Brotherhood Ties," The Arab Weekly, 28/5/2017, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/sxqn9X 18 David A. Weinberg, "Qatar One of Primary Sources of Terror Funding in Region," Foundation for the Defense of Democracies, 10/6/2017, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/frgyez; "FDD Study: Qatar and Terror Finance: Private Funders of al-Qaeda."
  3. accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/Hw1dSS; David Andrew Weinberg, "Terror Financiers 'Operating Openly' in Qatar and Kuwait," Foundation for Defense of Democracies, 14/2/2017, accessed on 9/7/2017, at: https://goo.gl/yoiPQz

سياساتها الرامية إلى بناء علاقات مع جهات عديدة، ترى واشنطن فيها إشكاليات كبيرة، بما في ذلك جماعات أصولية متشدّدة، نحو طالبان وحماس وجماعة الإخوان المسلمين، وإحجامها عن الاستجابة لمصادر القلق الخاصة بتمويل الإرهاب في سورية، ومن جانب آخر استضافتها قاعدة العديد الجوية وتأديتها دور الوسيط مع تلك الجماعات حينما يتطلب الأمر ذلك19. ولأن التحريض لا ينبغي أن يتوقف، تولى مركز التقدم الأميركي)تأسس في 2003(قرع الطبول بإصداره "دليلا " ذا طبيعة "مانيفستوية"، وصف فيه سياسات قطر في المنطقة ب "المدمرة"؛ ذلك أن قطر، بحسب رأيه، فرضت نشر التطرف بتمويلها جهد الإخوان المسلمين في مصر، ثم محاولتها إلحاق الضرر بشرعية الرئيس المصري؛ عبد الفتاح السيسي، فضلا عن قيامها بدور الممول لتسلح جماعات متطرفة في ليبيا وسورية، في تناقض فاضح مع السياسات الأميركية في الأزمتين كلتيهما20. ولا عجب في أن تكون هذه الكتابات قد قدم ت زادًا فكريًا تفتقده الإدارة الحالية لميلها المعلن تجاه إشهار عدائها للإسلام بطبعته الراديكالية. ولا شيء يعزز هذا الاستنتاج سوى ذلك الصدى الإيجابي لهذه الحملة على الإدارة الجديدة التي ظلّت، في هذا المضمار، تسير على حبل مشدود ما بين رغبتها في التصعيد في ملف العلاقة بقطر، وإبقاء الخيط الرفيع معها. ولا شيء يعزز هذا الاستنتاج سوى تلك السابقة في ملء الوظائف العليا في البيت الأبيض. ولا ريب في أن مجمل التعيينات هي، على الأقل، مثيرة للقلق. ومن دون تفصيلٍ، يمكن الاستئناس بمثال واحد يعطي فكرة عن هذا الموضوع؛ فلقد عينّ ريتشارد هولت الذي يُعد واحدًا من أهم رجالات اللوبي السعودي في واشنطن في "لجنة الرئيس حول الزمالات في البيت الأبيض"21. وبما أن هذه اللجنة لم تكن يومًا جمعية خيرية، فقد تثبت الأيام أن عملها الاستشاري سيصب مزيدًا من الزيت على مرجل العلاقات الثنائية، خصوصًا أن الرئيس القابع في البيت الأبيض يتأثر أحيانًا بالانطباع الأول، وبآخر رأي يسمعه. ومهما يكن من أمر، فإن ما يمكن استشرافه مستقبلا؛ أن الخلافات بين العاصمتين ممكنة الحدوث، خصوصًا أن الظروف الإقليمية الموضوعية تضغط على الدوحة باتجاه معاكس للرغبة الأميركية، لكنها لن ترتقي، في أي حال، إلى مستوى "قطيعة" لا رجعة عنها؛ فالعلاقات الودّية بل التحالفية بينهما أمر لا مناص منه لكليهما، ولا يمكن واشنطن، لا اليوم ولا بعد أجل قريب، البحث عن بديل آخر، ولا المساهمة في إضعاف حليف قديم أيٍّا كان موقفه من مسائل يعتقد أنها في صلب استقلالية سياسته الخارجية، وإن كان يلتحف العباءة الأمنية الأميركية22، فالثقة ما زالت قائمة والمصالح جمّة، وسيبقى ما يُسمّى "تجاوزًا بالودّ" خيطًا رفيعًا من التواصل، خيطًا رفيعًا فعلا. والأمل، إن انقطع الخيط يومًا، أن لا يكون المقص الذي

بيد أننا نغامر، هنا، في الخوض في ميدان لا يقلّ تعقيدًا عن ذلك الذي أوشكنا على تحديد إطاره، مبدئيٍّا، من خلال إثارة الأسئلة، ومن دون ادّعاء قدرتنا على تقديم الإجابات عنها كله ا.