الطريق الأخرى: دراسة في مواقف السودان والمغرب والصومال من الأزمة الخليجية

Another Way: Morocco, Sudan and Somalia React to the Intra-Gulf Crisis

@ Abubakr Abdelrazig أبو بكر عبد الرازق| حمزة المصطفى| Hamzeh Almoustafa @@

الملخّص

تسلط الورقة الضوء على المحددات الرئيسة لمواقف ثلاث دول عربية؛ هي السودان والمغرب والصومال، من ا زمة الخليجية الراهنة. ولم يأت اختيار هذه الدول من قبيل المصادفة، بل نتيجة مجموعة من العوامل؛ أبرزها العلاقات الوثيقة والمميزة لها بأحد طرفي ازمة، وسعي الدول اربع المحاصِ رة لاجتذابها إلى صفها، ضمن نهج دبلوماسي قادته السعودية، يرمي إلى عزل دولة قطر عربيًا تمهيدًا لعزلها دوليًا. وما أعطى لاختيارنا أهمية، رفض الدول الثلاث، على الرغم من اغراءات والضغوط، مسايرةَ دول الحصار في خطواتها التصعيدية ضد قطر، واتخذت الحياد ايجابي الداعي إلى حل المشكلات السياسية بالطرق السلمية، من دون اللجوء إلى آليات تعسفية، كنهج الحصار السياسي والاقتصادي المتبع حاليًا.

Abstract

This paper explores the positions of three Arab states: Morocco, Sudan and Somalia towards the present crisis in intra-Gulf relations. The choice of these three Arab countries in Africa was deliberate, a result of the strong bilateral bonds which tie each of them to Qatar, a party to the conflict. It is also true that the countries presently leading a blockade on Qatar, led by Saudi Arabia, sought to coerce these three countries to similarly cut off ties with Qatar, part of an effort to isolate Doha on the Arab regional stage before seeking to isolate the country globally. More importantly, each of these three countries opted to pursue a path of "positive impartiality", remaining firm in the face of financial and political inducements from the countries leading the blockade on Qatar to join their effort.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

غداة إعلانها قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع قطر في 5 حزيران/ يونيو 2017، دأبت دول الحصار الأربع(السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر )على اتباع دبلوماسية نشطة، كان عنوانها الرئيس عزل قطر عربيًا تمهيدًا لعزلها دوليًا. قادت السعودية، ممثلة بوزير خارجيتها عادل الجبير، الحملة مستندة إلى موقعها ومكانتها المؤثرَين في النظام الإقليمي العربي، ورصيدها الدبلوماسي القائم على شبكة علاقات اقتصادية معقدة تتضمن مساعدات مالية ومشاريع استثمارية وودائع بنكية تقدمها المملكة لعدد من الدول العربية، وبخاصة الدول الفقيرة ودول أخرى تجمعها بها علاقات وثيقة، وتواجه مشكلات اقتصادية وتنموية مختلفة. لكن حسابات الحقل جاءت مخالفة تمامًا لحسابات البيدر؛ فباستثناء بعض الدول التي جله ا ليس ذا تأثير سياسي، عجزت دول الحصار عن ضم دول عربيّة مؤثرة إلى مساعيها الرامية إلى عزل قطر. وكان السودان، والمغرب، والصومال أبرز الدول التي ركزت دول الحصار على اجتذابها، لكن من دون أن تنجح في مبتغاها. وكان لمواقفها أثرها البالغ في مسار التفاعل العربي والدولي مع الأزمة الخليجية؛ الأمر الذي أثار العديد من الأسئلة عن المحددات الرئيسة لمواقف الدول الثلاث من الأزمة الخليجية الراهنة، وهو ما تحاول الورقة تسليط الضوء عليه رصدًا وتحليلا، وخاصّةً أن مواقف الدول الثلاث جاءت مفاجئة، إلى حد بعيد، خلافًا لما توقعه كثير من المتابعين، بحكم الإغراءات التي عُرِضتْ والضغوط التي فُرِضتْ.

أولا: محددات الموقف السوداني من ا$ زمة الخليجية

أظهرت الحكومة السودانية موقفًا محايدًا إلى حد ما، في الأزمة الخليجية التي بدأت في 5 حزيران/ يونيو 2017، بإعلان السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة قطر. ولم تدخر دول الحصار جهدًا في الضغط على مَن يبدو أنهم حلفاؤها من الدول العربية والإسلامية، ما أثمر حتى 7 حزيران/ يونيو لحاق خمس دول وحكومات بمحور المقاطعة؛ وهي جزر المالديف وجزر القمر وموريتانيا وحكومتا ليبيا واليمن، وأعلنت دولتان(الأردن وجيبوتي )خفض تمثيلهما الدبلوماسي مع قطر. وكان السودان من الدول التي توقع محور المقاطعة اصطفافها إلى جانبه، لكن جاء بيان وزارة الخارجية السودانية الذي اتسم بالحياد1 في اليوم ذاته الذي أعلنت فيه الدول الأربع قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر؛ ليسد الطريق أمام احتمال انحياز السودان إلى محور السعودية والإمارات. وعلى الرغم من ذلك ظل السودان باستمرار عرضة للضغط من دول الحصار، حتى بعد مرور أكثر من شهر على الأزمة2. ويبدو حتى الآن أن مقاربة الحكومة السودانية للأزمة الخليجية تقوم على أساس موقف حيادي، يسعى للحفاظ على توازن دقيق في هذا المحيط المضطرب، فكيف يبدو هذا التوازن؟ وما محدداته؟

1. العلاقات بالسعودية وملف العقوبات ا$ ميركية

منذ قطع السودان العلاقات الدبلوماسية مع إيران مطلع عام 2016، على خلفية الاعتداء على السفارة السعودية في طهران3، اتجه بوضوح إلى بناء علاقات دبلوماسية قوية بالسعودية، حيث مهدت لها مشاركة الجيش السوداني على نحو لافتٍ في آذار/ مارس 2015، ضمن عملية "عاصفة الحزم" في الحرب ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. وفي المقابل، حاول السودان استثمار علاقاته الجديدة بالسعودية والإمارات في رفع العقوبات الأميركية التصاعدية المفروضة عليه منذ عشرين عامًا4، وخصوصًا أن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان قد أصدر أمرًا تنفيذيًا قبل أسبوع واحد من مغادرته البيت الأبيض، يقضي برفع العقوبات عن السودان، وحدد القرار مهلة 180 يومًا للبت في رفع العقوبات نهائيًا5.

  1. 1 " السودان يُعلن موقفه من الأزمة في الخليج"، هاف بوست عربي، 2017/6/6، شوهد goo.gl/c34Mk9
  2. سفراء السعودية والإمارات ومصر يتحرّكون ضدّ قطر في السودان عقب زيارة المريخي"، العربي الجديد، 2017/7/17، شوهد في: 2017/7/18، في: goo.gl/1UgQWb
  3. السودان والبحرين يقطعان علاقاتهما الدبلوماسية بإيران"، الجزيرة نت، 2016/1/4، goo.gl/zHvPaQ
  4. لمزيد من التفاصيل، انظر: " Sudan and Darfur Sanctions," U.S Department of the Treasury, accessed on 272017/6/, at: goo.gl/g3kXjb
  5. 5 Anne Gearan, "Obama Administration to Lift some Sanctions against Sudan," The Washington Post , 13/1/2017, accessed on 27/6/2017, at: goo.gl/ QwM2AB

وربما كان التقارب الأخير بين السعودية والإدارة الأميركية الجديدة بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حافزًا إضافيًا للسودان في أن يزداد تعويله على السعودية، لأداء دور الوساطة في رفع تلك العقوبات. وقد مثّل الاستبعاد المفاجئ للرئيس السوداني عمر البشير من المشاركة في قمة الرياض التي انعقدت في 21 أيار/ مايو 2017، بسبب معارضة أميركا مشاركته نظرًا إلى التهم الموجهة ضده من المحكمة الجنائية الدولية6، مؤشرًا قويًا على حاجة الخرطوم إلى الحفاظ على التقارب مع السعودية؛ لإقناع الإدارة الأميركية الجديدة بضرورة رفع العقوبات عنها، وخاصةً مع اقتراب الأجل المضروب لسريان قرار رفع العقوبات في 12 تموز/ يوليو 2017. وعلى الرغم من أن الخرطوم كانت قد اختطّت مسارًا سياسيًا ودبلوماسيًا حاولت من خلاله استخدام بعض اللوبيات الناشطة في واشنطن للمساعدة في رفع العقوبات7، فإن هاجس ملف العقوبات الأميركية ظل باستمرار يضغط على حكومة الخرطوم للحفاظ على علاقات جيدة مع الرياض، أملا في أن تؤدي دورًا إيجابيًا في إقناع واشنطن بذلك؛ ما دفع الخرطوم إلى اتخاذ موقف الحياد من الأزمة الخليجية، لكن أيضًا من دون الانحياز إلى دول الحصار في موقفها ضد دولة قطر.

2. موقف السودان من مصر وتوتر العلاقات الثنائية

ربما ساهم سوء العلاقات السودانية - المصرية مساهمة فعالة في تموضع السودان خارج حلف حصار قطر؛ فقد اتسمت العلاقات السودانية - المصرية بحالة من التوتر الدائم منذ الانقلاب العسكري الذي نفذه عبد الفتاح السيسي في 3 تموز/ يوليو 2013، والذي أطاح الرئيس المنتخب محمد مرسي. وازداد توتر العلاقات بين البلدين بعد حملة الملاحقات التي شملت رموز تنظيم الإخوان المسلمين في مصر؛ إذ اتهمت القاهرة الخرطوم بإيواء بعض قادة التنظيم الفارّين من مصر، الأمر الذي لم تؤكده الخرطوم8، بينما مثل الخلاف التاريخي بين البلدين حول تبعية مثلثَيْ حلايب وشلاتين بؤرة دائمة للتوتر، كثيرًا ما كانت تُثار لدى الطرفين مع كل خلاف جديد حول السياسة الخارجية للخرطوم والقاهرة. يضاف إلى هذا حروب التصريحات الدائمة بين مسؤولي البلدين، وقد تصاعدت حدة التوتر في آذار/ مارس 2017 حول تبعية المنطقتين المتنازع عليهما؛ ما أدى بالسودان إلى إصدار قراراتٍ تمنع الواردات من الفاكهة والمواد الزراعية الأخرى، وفرض نظام تأشيرة الدخول المسبقة للمصريين القادمين إلى السودان؛ إذ كانت الاتفاقيات السابقة تقضي بعدم حاجة المواطنين المصريين إلى الحصول عليها. وبلغ التراشق بالتصريحات بين البلدين حد اتهام الخرطوم الحكومةَ المصريةَ بدعم الحركات المتمردة في دارفور بالعتاد العسكري9. وقد نقلت عدة صحف أنباءً عن تعزيزات وحشود عسكرية مصرية في المناطق المتنازع عليها، وفي منطقة جبل العوينات الحدودية بين السودان ومصر وليبيا10. وكان رد السودان على تلك الحشود يشبه التصعيد؛ إذ تمركزت قوات برية سودانية بالقرب من الحدود المصرية مقابل المنطقتين المتنازع عليهما بين البلدين11. وكانت الحكومة الليبية الموقتة قد أصدرت قرارًا بإغلاق القنصلية السودانية في مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا، مُنهية بذلك الوجود الدبلوماسي للسودان في ليبيا، وأمهلت القنصل السوداني وموظفيه 72 ساعة للمغادرة12 بعد إغلاق السفارة السودانية في طرابلس. واتهمت السلطات الليبية القنصلية السودانية بالمساس بالأمن القومي الليبي، بينما احتجت الحكومة السودانية على القرار باستدعاء القائم بأعمال السفير الليبي في الخرطوم، ودعت ليبيا إلى التراجع عن القرار13. ويبدو، بحسب المبررات الليبية، أن الدور الإماراتي والمصري الداعم للجنرال المتقاعد خليفة حفتر يقف وراء هذا التصعيد الليبي الأخير ضد حكومة الخرطوم التي تتهمها الأطراف الثلاثة بزعزعة الأمن في ليبيا، ودعم جماعات مقاتلة ذات خلفيات إسلامية؛ ما يعطي مؤشرًا جديدًا على مزيد من الجفوة والخلاف في المواقف بين مصر وحليفتها الإمارات، وبين موقف السودان، حول قضية الخلاف الخليجي الأخير مع دولة قطر، وخصوصًا أن الاتهامات الموجهة من هذه الأطراف إلى

  1. واشنطن تعارض مشاركة البشير بقمة الرياض"، الجزيرة نت، 2017/5/17، شوهد في: goo.gl/661Ywa
  2. Robbie Gramer, "Sudan Hires U.S. Lobbyist to Roll Back Sanctions," Foreign Policy , 20/6/2017, accessed on 27/6/2017, at: goo.gl/odW3d5
  3. توصيات من رئاسة السودان بدعم إخوان مصر الفارين إليها"، نون بوست، 2016/2/4، goo.gl/3kXCm8 2017 sz`syͿ1sɱ
  4. Ayah Aman, "Despite Talk of Good Relations, Security Concerns Darken Egypt-Sudan Ties," Al-Monitor, 31/3/2017, accessed on 30/6/2017, at: https://goo.gl/xbnJpn
  5. تعزيزات عسكرية مصرية على الحدود مع السودان وليبيا"، جريدة الصيحة السودانية، 2017/5/28، شوهد في 2017/6/30، في: goo.gl/gkeiyz
  6. القوات السودانية تنتشر حول جبل عوينات وتعزز وجودها في الحدود المصرية "، موقع الراكوبة، 2017/7/30، شوهد في 2017/7/30، في: goo.gl/Wk4avj
  7. الحكومة المؤقتة تطرد القنصلية السودانية في الكفرة وتمهلها 72 ساعة لمغادرة البلاد"، المرصد، شوهد في 2017/7/30، في: goo.gl/r8Hr3a
  8. سلطات شرق ليبيا تطرد دبلوماسيين سودانيين، دعوات سودانية إلى الحكومة المؤقتة إلى مراجعة القرار بما يكفل عودة القنصلية لممارسة دورها الطبيعي"، جريدة العرب اللندنية، 2017/7/29، شوهد في:2017/7/30، في goo.gl/v76B7G الطريق اخرى: دراسة في مواقف السودان والمغرب والصومال من ا زمة الخليجية

السودان، في ما يخص ليبيا، هي الاتهامات ذاتها التي توجهها دول الحصار إلى دولة قطر.

3. تباين مواقف التحالف الحاكم بقيادة البشير

يُعدّ المشهد السياسي في السودان، وبالأحرى تضارب وجهات النظر داخل التحالف الحاكم بقيادة عمر البشير، من أهم محددات الموقف السوداني تجاه الأزمة الخليجية الراهنة. ويأتي هذا التضارب تعبيرًا عن تناقضات السياسة الداخلية لهذا التحالف الحاكم، والذي جاء نتاجًا لجولات طويلة ومتعثرة من الحوار الوطني، كان قد أطلقها الرئيس السوداني مباشرة بعد أربعة أشهر من انتفاضة أيلول/ سبتمبر 2013، بوصفه خيارًا يجنب حكومته شبح السقوط بانتفاضة شعبية. وقد انتظمت فيه جميع القوى السياسية السودانية المعارضة، كما أبدت الحركات المسلحة في أقاليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق نيتها الجلوس للتفاوض. لكن تراجع حكومة البشير عن كثير من المبادئ التي أقرتها في وثيقتها الرئيسة التي ألقاها الرئيس في خطاب عام، دفع القوى الرئيسة المعارضة، وعلى رأسها حزب الأمة، والحزب الشيوعي، والحركات المسلحة، إلى رفض الحوار، بينما استمرت حكومة البشير في المسار الذي أطلقت عليه اسم "الحوار الوطني" الذي نتجت منه الحكومة الحالية التي احتفظ فيها حزب البشير بحصة الأسد، مانحًا الأحزاب والقوى السياسية الأخرى المشاركة في الحوار ما لا يزيد على نسبة 30 في المئة من مقاعد السلطة التنفيذية والتشريعية14. وكان أبرز المشاركين الجدد في الحكومة التي شكلها البشير في أيار/ مايو 2017، قوة سياسية إسلامية15 كانت قد انشقت سابقًا بقيادة الزعيم الروحي لتنظيم الإسلاميين السودانيين حسن الترابي، وصارت في صف معارضة الحزب الحاكم؛ الأمر الذي زاد من قوة الكتلة الإسلامية في الحكومة، أو على الأقل الملتزمة والمحسوبة على الحركة الإسلامية. وسرعان ما اتضح التباين في مواقف القوى السياسية لحكومة الوحدة الوطنية المشكلة حديثًا بقيادة البشير، من خلال التجاذبات الحادة داخل التحالف الحاكم أثناء الأزمة الخليجية؛ ففي جلسة انعقاد البرلمان في 7 حزيران/ يونيو بعد يومين من بيان وزارة الخارجية السودانية المحايد تجاه الأزمة، طالب عدد من النواب من تيارات ينتمي بعضها إلى الحزب الحاكم، وينتمي بعضها الآخر إلى قوى سياسية مشاركة، الحكومةَ السودانيةَ باتخاذ موقف واضح في الانحياز إلى قطر، يتلاءم مع ما ظلت تقدمه إلى السودان من مواقف دبلوماسية وسياسية ومساعدات طوال السنوات الماضية16. بينما ظهر الخلاف الثاني حينما استدعى البرلمان ذاته وزير الإعلام السوداني أحمد بلال عثمان بسبب تصريحاته الموجهة ضد قناة الجزيرة، والمنحازة علنًا إلى موقف مصر في الأزمة الخليجية، فاستبق الوزير جلسة الاستماع أمام لجنة الإعلام بالبرلمان ببيان أكد فيه أن التصريحات التي أدلى بها في مصر تمثل موقفه الشخصي، وأكد ثبات الحكومة السودانية على موقف الحياد17، بينما اعتذر أثناء مثوله أمام اللجنة البرلمانية المعنية من تصريحاته المثيرة للجدل، في حين عدّ الحزب الاتحادي الذي ينتمي إليه الوزير تلك التصريحات مثيرة للفتنة وخروجًا على توجه الحزب18. يعكس هذان الموقفان مدى التعقيد والتباين في وجهات نظر الحكومة السودانية تجاه الأزمة الخليجية، التي يتقاسمها تياران رئيسان؛ الأول يتبنى موقف الحياد في الأزمة، وعلى رأسه الرئيس عمر البشير ورئيس الوزراء ووزير خارجيته وقادة حكوميون وآخرون عسكريون ومدنيون، يتولى بعضُهم حقائب وزارية، وبعضهم حكّام ولايات، في مقابل تيار ثان يمثل أغلبية لا يستهان بها في البرلمان، تفضل الانحياز الواضح إلى جانب قطر في الأزمة، وأبرز وجوه هذا التيار قادة حكوميون ذوو خلفية إسلامية ينتمون إلى حزب البشير، وقوى سياسية أخرى من إقليم دارفور، إلى جانب أحزاب سياسية أبرزها حزب المؤتمر الشعبي الذي كوّنه الترابي بعد انشقاقه عن البشير في عام 1999، وإن كانت الدلائل تشير إلى سيطرة الجانب التنفيذي من الحكومة بقيادة البشير، على مجريات الأمور داخل مكونات التحالف الحاكم في الخرطوم؛ ما يجعل الحكومة كأنها مجمعة على تبني موقف الحياد من الأزمة الخليجية.

  1. السودان يعلن تشكيل حكومة 'الوفاق الوطني"، روسيا اليوم، 2017/5/12، شوهد goo.gl/8BCQwT
  2. الصادق المهدي يهدد بطرح حوار 'ظل' في السودان"، العربي الجديد، 2017/5/18، goo.gl/JAUoFV
  3. مطالبات بالبرلمان لانحياز السودان إلى قطر في أزمتها مع دول الخليج"، الطريق، goo.gl/DS9qdq
  4. وزير الإعلام يستبق الاستدعاء للبرلمان ببيان"، السودانية، 2017/7/15، شوهد في goo.gl/rETZB8
  5. وزير الإعلام السوداني يعتذر عن تصريحاته بشأن قناة الجزيرة وسد النهضة، فكيف برر ها؟"، هاف بوست عربي، 2017/7/16، شوهد في 2017/7/16، في: goo.gl/2AuFhi; انظر كذلك: "إشراقة: تصريحات أحمد بلال دعوة للفتنة ولا تمثل رأي الحزب"، السودان اليوم، 2017/7/17، شوهد في:2017/7/18، في https://goo.gl/Kb7qRX

4. العلاقات السودانية - القطرية

ساهمت العلاقات الدبلوماسية المتميزة بين قطر والسودان طوال عقدين من الزمان، والدعم القطري المتواصل للخرطوم، باعتراف الخرطوم ذاتها19، في تجاهل السودان الضغط والحوافز السعودية والإماراتية الساعية لكسب مزيد من الدول في صف محور الحصار، وإن كان البعض يرى أن الموقف الحيادي الذي اتخذه السودان في هذه الأزمة، يبدو ضئيلا أمام فرص النجاة المتكررة التي ظلت تمنحها الدوحة باستمرار لحكومة البشير. فمنذ مجيء الإخوان المسلمين إلى الحكم بقيادة حسن الترابي، عبر انقلاب عسكري نفذه البشير، والذي أطاح الحكومة التعددية التي كان يرأسها زعيم حزب الأمة الصادق المهدي20، ظلت الخرطوم معزولة دوليًا منذ عام 1989. واستمرت حالة العزلة الدولية لتزداد، بعد أن رأت بعض الدول العربية، ومن بينها مصر والسعودية، أن الحكومة الجديدة في الخرطوم تستهدف أمنها بوصفها أول جماعات الإخوان المسلمين وصولا إلى الحكم في المنطقة، وهو ما دفع السودان آنذاك باتجاه إيران21. لكنْ بدءًا من عام 1997 شهدت العلاقات السودانية - القطرية تميزًا لافتًا، دام حتى الوقت الراهن، وقد أدّى الدعم القطري للسودان دورًا بارزًا في تطوير تلك العلاقات وديمومتها؛ إذ في الإمكان عد الدعم القطري للسودان، اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، - والذي كان جزءًا أساسيًا من الإستراتيجية السياسية لدولة قطر تجاه المنطقة - من أهم الركائز التي جعلت الخرطوم أقرب إلى الدوحة منها إلى بقية عواصم المنطقة العربية. وقد ظل الدعم القطري للسودان متواصلا من دون انقطاع طوال فترة حكم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي تولى السلطة في عام 1995، وحتى مجيء ابنه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في عام 201322؛ إذ رعت دولة قطر مفاوضات الحكومة السودانية مع الحركات المسلحة في إقليم دارفور، وتوسطت فيها طويلا؛ ما ساهم في تهدئة الحرب التي أنهكت الحكومة السودانية عقدًا من الزمان، إلى جانب دور قطر المحوري في تقديم الدعم المالي والتسهيلات المطلوبة لوجستيًا لتطبيق الاتفاقيات الموقعة بين الحكومة والحركات المسلحة في الإقليم الملتهب غربيّ السودان. هذا عدا عن كون قطر من أكبر المانحين في مشروع إعمار إقليم دارفور الذي دمرته الحرب23؛ وهو المشروع الذي بدأ منذ توقيع اتفاقية أبوجا للسلام مع أكبر الفصائل الدارفورية المسلحة بقيادة المساعد الأسبق لرئيس الجمهورية؛ أركو مناوي. امتد دعم قطر للسودان ليشمل جوانب اقتصادية، كان أهمها محاولات قطر المتكررة تثبيت العملة السودانية حفظًا لها من التدهور المتواصل الذي كانت تعانيه؛ إذ بدأ الجنيه السوداني في التراجع أمام العملات الأجنبية مع انفصال جنوب السودان في عام 2011، نتيجة فقدان البلاد نحو 75 في المئة من مواردها النفطية التي ذهبت مع الدولة الجديدة في الجنوب؛ الأمر الذي كان يصعب التعويض عنه على المدى القريب، فكان الدعم القطري حاضرًا من خلال التدفقات المالية بالعملة الأجنبية التي كانت تضخها قطر في الخزينة السودانية24؛ ما جنب السودان أزمات اقتصادية خانقة ترافقت مع موجات من الاحتجاج السياسي، والتظاهرات التي عمت معظم مدن البلاد، وكادت تطيح حكومة البشير. كان كل ذلك في فترتين متقاربتين؛ أولاهما موجة التظاهرات التي اندلعت في الخرطوم ومدن سودانية أخرى في عام 2012، احتجاجًا على رفع الدعم عن المحروقات والسلع الرئيسة الأخرى، والثانية كانت في أيلول/ سبتمبر 2013 عقب تطبيق الحكومة حزمة من السياسات الاقتصادية في جوانب الطاقة والضرائب على السلع والخدمات، وكانت هي الأعنف في تاريخ النظام؛ إذ لم يكن هناك مخرج أمام الحكومة السودانية لتخفيف تلك الضوائق الاقتصادية المتكررة غير الدعم المالي الذي قدمته حكومة قطر، والذي ساهم بلا شك في تجنيب النظام احتمالات السقوط الوشيك آنذاك. ولم يقتصر الدعم القطري للسودان على الجوانب الاقتصادية والسياسية المباشرة فحسب، بل تعدى ذلك ليشمل الجوانب الإنسانية في معظم مناطق السودان، وخصوصًا مع الكوارث التي كانت تسببها السيول والفيضانات في السنوات الأخيرة، حيث كانت الهيئات القطرية والحكومة ترسل باستمرار الإعانات للحالات الطارئة والمناطق المنكوبة25. وامتد اهتمام قطر بالسودان ليشمل

  1. Al Bashir Praises Qatar's Support for Sudan at all Levels," Qatar Tribune , 16/5/2017, accessed on 30/6/2017, at: goo.gl/1E6Wtk
  2. انظر: عبد الرحمن خوجلي، الجيش والسياسة(أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2012)، ولا سيما القسمان 10 - 11، ص 102 -.120
  3. انظر: المحبوب عبد السلام، الحركة الإسلامية السودانية دائرة الضوء خيوط الظلام:
  4. أمير قطر يزور السودان في مستهل جولة عربية"، مصر العربية، 2014/4/2، شوهد goo.gl/9bSPSC 2017 sz`syͿ1sɱ
  5. Cash, Aid and Diplomacy: Will the Sudanese, Especially Darfuris, Get a New Deal?" The Economist , 6/4/2013, accessed on 30/6/2017, at: goo.gl/rJJRPv 24 " Intelligence Brief: Qatari Aid, Finance and Foreign Policy in Sudan," Open Briefing, 21/2/2014, accessed on 30/6/2017, at: goo.gl/Vb8dHZ
  6. تأملات في العشرية الأولى لعهد الإنقاذ(القاهرة: مكتبة جزيرة الورد، 2009)، وخصوصًا الفصل المعنون ب "السياسة الخارجية المنعطفات الكبرى"، ص 303 -.350
  7. قطر تبعث بمواد إغاثية عاجلة لمتضرري السيول بالسودان"، مصر العربية، goo.gl/NTzfMn الطريق اخرى: دراسة في مواقف السودان والمغرب والصومال من ا زمة الخليجية

مشاريع تنموية وتشييد بِنًى تحتية26، وأخرى ذات طابع ثقافي في جوانب السياحة والاهتمام بالآثار التاريخية السودانية القديمة27. وكانت الحكومة القطرية في ظل دعمها المعلن لحكومة الخرطوم، تحرص على أن تبدو واقفة على مسافة واحدة من الحكومة وقوى المعارضة السودانية28؛ فقد لبى قادة المعارضة ورموزها عديدًا من الدعوات الرسمية وغير الرسمية إلى زيارة قطر29، وكثيرًا ما أبدت رأيها في مسارات الحل للخلافات بينها وبين الحكومة؛ وهو الملف الذي دأبت قطر على الإمساك به منذ انفصال جنوب السودان في عام.2011

5. المشاركة العسكرية للسودان في عملية "عاصفة الحزم"

كانت مشاركة السودان في حرب اليمن ضمن ما عرف بعملية عاصفة الحزم، أشبه بالعامل الحاسم في تحديد موقف الخرطوم من الأزمة الخليجية، وخصوصًا بعد الكشف عن المخطط الذي قضى بإقحام تلك القوات من الجيش السوداني في تدخل عسكري يسعى لتغيير النظام في قطر، فسارعت الحكومة السودانية باستدعاء مهندس هذه العملية الفريق المقال طه عثمان مساعد رئيس الجمهورية وممثله في القمة الإسلامية؛ إذ تم تقديمه إلى ترامب آنذاك بوصفه خليفة البشير المقبل، وبدا لدول الحصار من خلال الإجراءات التي اتخذتها الخرطوم مع طه بإخضاعه للتحقيق وعزله من منصبه30 أن تنسيقًا يجري بين الخرطوم والدوحة، حال دون تحقيق مخطط الانقلاب في قطر. من هنا يمكننا فهم الدور الذي أدّته مشاركة السودان في حرب اليمن، في هذه الأزمة، لا بوصفها إشارة إلى التقارب بين الخرطوم والرياض وأبوظبي31، بل بوصفها حالة لتلاقي المصالح الآنية بين هذه الدول؛ إذ وفرت هذه المشاركة لاحقًا للسودان، عاملا إضافيًا زاد من استقلالية الخرطوم تجاه الأزمة الخليجية، وأعطى حكومة البشير قاعدة متماسكة لفرض وجهة نظر مغايرة لإجماع أعضاء التحالف الذي استُبعدت منه قطر. وهكذا، استغلت الخرطوم حاجة دول الحصار إلى مشاركة الجيش السوداني على الأرض في اليمن، لكسب موقف شبه مستقل، لا يخضع على الأقل لإرادة هذه الدول؛ الأمر الذي رأت فيه السعودية والإمارات نوعًا من التمرد المرفوض. لكنها، على الرغم من ذلك، لم يكن في مقدورها استبعاد السودان من الحلف العسكري كما فعلت مع قطر؛ إذ هي بذلك تفتح على نفسها جبهة عداء جديدة، تفقدها حليفًا مهما في تلك الحرب. لذا، عمدت السعودية إلى توجيه قوتها الناعمة ضد السودان في ثلاث قضايا رئيسة، أشبه بإجراءات عقابية ضد الخرطوم لموقفها المحايد في هذه الأزمة، وربما كان ذلك هو ما دفع السودان إلى المحافظة حتى الآن على موقف الحياد من دون الانحياز إلى جانب قطر، على الرغم من واقعةِ تورط الرياض وأبوظبي بالتآمر مع مسؤول سوداني من دون علم حكومته.

جاء رد السعودية على حياد السودان، ثم مشاركته في إحباط مخطط الانقلاب في قطر، بتطبيق ثلاثة إجراءات عقابية، كانت بمنزلة رسائل تحذيرية للبشير وحكومته، حتى لا يزداد قربًا من الدوحة. كانت الرسالة الأولى تعيين المسؤول السوداني المعزول طه عثمان مستشارًا للملك سلمان للشؤون الأفريقية، وإرساله فورًا مبعوثًا عن الملك إلى القمة الأفريقية المنعقدة آنذاك في أديس أبابا32، لحشد المزيد من الدول في صف حلف الحصار. أما الرسالة الثانية فكانت الإسراع في

  1. قطر تمول مشروعًا للكهرباء بالسودان بأكثر من 200 مليون دولار"، مصر العربية، goo.gl/Gt2ia2
  2. Sheikha Moza Visits Pyramids in Sudan Restored with Qatar Help," The Peninsula , 13/3/2017, accessed on 30/6/2017, at: goo.gl/Df2MUU
  3. رؤساء أحزاب المعارضة السودانية الكبرى يشاركون في مؤتمر المجتمع المدني الدارفوري"، راديو دبنقا، 2011/5/26، شوهد في 2017/6/28، في: goo.gl/wDQygL
  4. المهدي: نقدر الاهتمام القطري بالشأن السوداني وبناء السلام في ربوعه"، بوابة الشرق، 2015/5/24، شوهد في 2017/6/27، في: goo.gl/FPHCsM
  5. عماد عبد الهادي، "إبعاد طه عثمان نهاية غامضة لرجل الظل"، الجزيرة نت، goo.gl/oCtvqK;
  6. Qatar-GCC Crisis Unsettles Sudan," Al-Monitor, 20/6/2017, accessed on 1/7/2017, at: goo.gl/UxQYSa 32 " طه عثمان الحسين 'ابن البشير' عراب محمد بن سلمان أفريقيًا"، نون بوست، goo.gl/pBFwko
  7. وانظر كذلك: "تفاصيل الإطاحة ب 'طه عثمان' خطط لانقلاب في قطر والسودان بدعم سعودي إماراتي"، بوابة الشرق، 2017/6/29، شوهد في:2017/7/1، في goo.gl/t117eq

تنفيذ القرار الذي أصدرته السعودية قبل ثلاث سنوات من دون أن تطبقه، والقاضي بترحيل 45 ألف مقيم سوداني بالسعودية، ممن لديهم مخالفات33، في إشارة إلى الخرطوم التي تعاني أزمات اقتصادية خانقة؛ بأن الأمر يمكن أن يشمل جميع المقيمين السودانيين، وهو ما تخشى الخرطوم بشدة حدوثه، لما له من آثار كارثية على الاقتصاد، وزيادة اضطراب الأوضاع الداخلية في السودان. وجاءت الرسالة الأخيرة ممثلة بحالة التجاهل السعودي مطلبَ السودان بالتوسط لدى الإدارة الأميركية لرفع العقوبات؛ إذ صدر قرار الإدارة الأميركية في 12 تموز/ يوليو 2017 بتمديد النظر، ثلاثة أشهر، في رفعها نهائيًا عن الخرطوم34؛ ما دفع الرئيس السوداني البشير إلى زيارة السعودية والإمارات في 17 تموز/ يوليو، خشية تصاعد عقوبات السعودية ضده، واتخاذ الإمارات إجراءات عقابية مماثلة، بينما استبقت وزارة خارجيته الزيارةَ ببيان يؤكد ثبات موقف السودان من الأزمة ودعم المبادرة الكويتية، في إشارة بثت تطمينًا للدوحة. من خلال المحددات الخمسة التي استعرضناها، يبدو موقف الحكومة السودانية من الأزمة الخليجية أشبه بمحاولة عسيرة للحفاظ على موقف يبدو ظاهريًا محايدًا تجاه طرفي الأزمة، بينما هو في حقيقته موقف رافض ضمنًا للحصار الذي تتعرض له قطر، بإصراره على عدم الانضمام إلى دول الحصار، على الرغم من ضغط أطراف الحصار عليه، وهو موقف تمثله اليوم، إلى جانب الخرطوم، عواصم عربية أخرى؛ كالكويت التي احتمت بأداء دور الوسيط بين الطرفين، وهو دور كانت تحتاج إليه دول الحصار أيضًا لنقل رسائلها إلى الطرف الآخر، ومسقط التي تبدو كأنها أدارت ظهرها لمجلس التعاون بخلافاته المتكررة، فالتزمت الحياد ظاهريًا، لكنها فعليًا لم تهدر فرصة تعزيز استقلاليتها عن القرار الخليجي الذي تتزعمه السعودية والإمارات، فأدّت دورًا مركزيًا في تخفيف حدة الحصار، وكذلك بغداد التي لا تزال تتعرض لضغط من السعودية والإمارات، لكن من دون أي بوادر لتبنّي موقف معادٍ لقطر، وربما تكون الرباط أيضًا من تلك العواصم، وهي تحاول الحفاظ على استقلاليتها بترك الشأن العربي والاهتمام بمحيطها الأفريقي فحسب. ربما كان ما يجمع بين كل هذه العواصم تطلعها إلى انفراجة سريعة لهذه الأزمة، ترفع عنها الحرج وتبعد الضغط والمساومات التي تقودها دول الحصار. لكن، في الأخير، لعل الحوافز والعقوبات التي تلوّح بها دول الحصار، هي أيضًا مما زاد إصرار الخرطوم وشبيهاتها على تبنّي موقف الحياد في هذه الأزمة.

ثانيًا: محددات الموقف المغربي من ا$ زمة الخليجية

بدا للوهلة الأولى، بعد اندلاع الأزمة الخليجية، أن المملكة المغربية سوف تلتحق بجارتها موريتانيا وتقطع علاقاتها الدبلوماسية بقطر، أو تحذو، على الأقل، حذو المملكة الأردنية بتخفيض علاقاتها الدبلوماسية وإغلاق مكاتب قناة الجزيرة استجابة للضغوط السعودية والإماراتية، ودفعًا لأي إجراءات اقتصادية عقابيّة متوقعة. فالمغرب، وإن ربطته علاقات سياسية واقتصاديّة وثيقة بجميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من دون استثناء، بحكم التشابه في طبيعة النظام السياسيّ(العائلي )، فإن الكفة تميل برجحانٍ كاملٍ إلى السعودية والإمارات. فعدا العلاقات الدبلوماسية القديمة التي تعود إلى عام 1957، تستحوذ السعودية على أكثر من ثلثي حجم التبادل التجاري الخليجي مع المغرب، وقد بلغ حجم تبادلها التجاري مع المغرب عام 2016 ما قيمته 2.52 مليار دولار35، في وقت لا يتعدى فيه حجم التبادل التجاري بين المغرب وقطر عتبة ال 150 مليون دولار36. وبينما تعد السعودية الشريك الأول والمورد الأول للمغرب على مستوى الدول العربية، تحتل الدوحة، وبحسب إحصاءات عام 2014، المركز ال 43 في لائحة الدول المصدرة إلى المغرب، وتأتي السوق القطرية في المرتبة ال 114 للصادرات المغربية. ومن جهة أخرى، تذهب تقديرات مختلفة إلى أن حجم الاستثمارات السعودية في المغرب وصل في نهاية عام 2016 إلى نحو 15 مليار ريال سعودي 4( مليارات دولار )37، في حين بلغ حجم الاستثمارات القطرية في المغرب نحو 1.2 مليار دولار على أعلى تقدير38. وخارج المصالح السياسية والاقتصادية، يحضر البعد الشخصيّ بوصفه محددًا مهما في العلاقات المغربيّة - السعوديّة؛ إذ يقضي العاهل السعودي

  1. السعودية ترحّل 50 ألف سوداني من أراضيها!"، روسيا اليوم، 2017/7/15، شوهد
  2. Katrina Manson, "Trump Delays Decision on Sudan Sanctions: Divisions in Administration Halt Permanent Revocation of US Boycott against Country,"
  3. ارتفاع حجم التبادل التجاري بين المملكة والمغرب إلى 2.52 مليار دولار"، جريدة الرياض، 2017/6/19، شوهد في 2017/6/20، في: https://goo.gl/k4LLMr
  4. قطر والمغرب يوقعان سلسلة اتفاقيات خلال زيارة بنكيران للدوحة"، العربي الجديد، https://goo.gl/2m6UUK 37 " Saudi Investments in Morocco to Exceed MAD 38 Billion by End of 2016," Morocco World News, 2/2/2015, accessed on 8/7/2017, at: https:// goo.gl/5R9C7V 38 " قطر والمغرب يوقعان سلسلة اتفاقيات خلال زيارة بنكيران للدوحة." الطريق اخرى: دراسة في مواقف السودان والمغرب والصومال من ا زمة الخليجية
  5. goo.gl/tk9NwG
  6. Financial Times , 12/7/2017, accessed on 13/7/2017, at: goo.gl/fjs75B 2017 sz`syͿ1sɱ

والأمراء وكبار المسؤولين إجازاتهم السنوية في المغرب، والتي عادة ما تكون فرصةً للقاءات ثنائية دورية بين قادة البلدين، تثار على هامشها مسائل تطوير الاستثمار في قطاعات مختلفة، وبخاصة القطاع السياحي. وهكذا، اتسمت مواقف البلدين بالتوافق النسبي تجاه غالبية القضايا الإقليمية والدوليّة الشائكة؛ فالسعودية المنحازة إلى الأنظمة الملكية قدمت دعما ماديًا وسياسيًا سخيًا لمساعدة المغرب على تجاوز تداعيات الربيع العربي، وضمان استقراره أمنيًا وسياسيًا، كما صاغت السعودية موقفًا خليجيًا موحدًا لا حياد فيه، يتبنى وجهة النظر المغربية الرسمية لحل المسألة الصحراويّة، كما توضح جليًا أثناء القمة الخليجية – المغربية التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض في 20 نيسان/ أبريل 201639. وجدير بالذكر أن الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد تدخلا شخصيًا، أواخر عام 2013، لثني إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما؛ كي تعدل عن مطلبها توسيع مهمات بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية المعروفة ب "المينورسو"، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء، وهو ما رفضته المغرب بشدة40. على الضفة المقابلة، شارك المغرب عسكريًا في عاصفة الحزم ضد التمرد الحوثي في اليمن، وكابد خسائر مادية وبشرية، من أبرزها سقوط إحدى مقاتلاتِه العسكرية في أيار/ مايو 2015 في الأراضي اليمنية. كما انضم المغرب أيضًا إلى التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب، والذي أعلنت السعودية عنه أواخر عام 2015، وضم 34 دولة عربية وإسلاميّة؛ الأمر الذي دفع بعض الباحثين حينها إلى الحديث عن عقيدة أمنية – عسكرية مشتركة بين المغرب ودول الخليج العربية بقيادة السعودية، لجهة تقييم المخاطر على الأمن القومي العابر للحدود41. في السياق ذاته، شهدت العلاقات المغربية - الإماراتية تطورًا ملحوظًا بعد بروز ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، بوصفه الحاكم الفعلي لدولة الإمارات المتحدة، إثر غياب شقيقه الشيخ خليفة عن المشهد السياسي غيابًا شبه تام. واكتسبت العلاقات المغربية - الإماراتية في الوقت الراهن خصوصيتها من الصداقة القديمة بين محمد السادس ومحمد بن زايد أثناء دراستهما معًا في المدرسة المولوية في المغرب، في سبعينيات القرن المنصرم. وقد انعكس ذلك إيجابيًا على العلاقات الاقتصاديّة بين البلدين؛ إذ وقّعا في عام 2015، بعد زيارة رسمية لمحمد بن زايد إلى المغرب، 21 اتفاقيةً ومذكرةَ تفاهم في مجالات اقتصادية وتعليمية مختلفة42. وبحسب إحصاءات إماراتية رسمية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 526 مليون دولار في عام 2014، وأضحت الإمارات تحتل المرتبة الأولى في الاستثمارات العربية في المملكة المغربية، وخاصة في القطاع السياحي43.

في ضوء ما سبق، مثل الموقف المغربي تجاه الأزمة الخليجية مفاجأة لدول الحصار التي تمنت انحيازًا مغربيًا، ولو جزئيًا، إلى إجراءاتها التصعيدية تجاه قطر. ومع أن نبرة الخطاب الدبلوماسي المغربي حاولت، شكليًا، إبراز حياد ثابت تجاه طرفي الأزمة، ظهر بوضوح في بيان الخارجية المغربية الذي جاء فيه "إن المملكة المغربية تفضّل حيادًا بنّاءً لا يمكن أن يضعها في خانة الملاحظة السلبية لمنزلق مقلق بين دول شقيقة"، فإنها عكست في مضمونها حالة من عدم الرضا تجاه ما اتخ ذ من خطوات؛ فقد حث البيان ذاته جميع الأطراف على ضبط النفس، وضرورة ما سماه "عدم اتخاذ المواقف المتسرعة والتي لا تقوى سوى بتأجيج الاختلاف وتعميق الخلافات"44. وفي خطوة رمزية تبرز تضامنًا إنسانيًا يكتنف في طياته دلالات سياسيّة أمر العاهل المغربي في 12 حزيران/ يونيو 2017 بإرسال مساعدات غذائية عاجلة. ومع أن المغرب حاول إسباغ البعد الإنساني - الديني على خطوته، وبخاصةٍ أنها جاءت في شهر رمضان45، فإنه مثل

  1. قضية الصحراء.. دعم خليجي وتحذير مغربي من خطر غير مسبوق"، سكاي نيوز العربية، 2017/4/21، شوهد في 2017/7/8، في: https://goo.gl/JhTM8g
  2. حسن الأشرف، "الدور المغربي في اليمن بعد سقوط الطائرة"، العربي الجديد، https://goo.gl/Z6Su5g
  3. إحسان الحافظي، "المغرب وعاصفة الحزم: تحولات في العقيدة العسكريّة"، سياسات عربية، العدد 14 2015)(، ص 97 -.98
  4. محمد بن زايد ومحمد السادس يشهدان توقيع 21 اتفاقية"، جريدة، البيان https://goo.gl/3EHrrx
  5. الإمارات والمغرب علاقات ترابط اقتصادي عنوانها 'التنمية الشاملة'"، جريدة الاتحاد، 2016/6/1، شوهد في 2017/7/8، في: https://goo.gl/wYBGHF
  6. وليد التليلي، "المغرب العربي والحملة ضد قطر: لا تزيدوا أزمات العرب"، العربي الجديد، 2017/6/13، شوهد في 2017/7/8، في: https://goo.gl/mrjxAT
  7. المغرب يرسل مواد غذائية إلى قطر"، الجزيرة نت، 2017/6/12، شوهد في https://goo.gl/5RpJrZ

رسالة واضحة برفض منهج الحصار، والإجحاف فيه، بوصفه وسيلة لحل المشكلات السياسيّة بين الدول. ولا يخفى على متابع انزعاج دوائر سياسية وإعلامية عدة في دول الحصار من الخطوة المغربيّة؛ إذ عمدت قنوات إعلامية محسوبة على دول الحصار إلى استفزاز المغرب باقتطاع الصحراء من خريطة إقليمها الجغرافي، أو الإشارة إليها باسم "الصحراء الغربيّة" الذي يرفضه المغرب بديلا من الاسم الرسمي "الصحراء المغربية"46. تتعدد التفسيرات في تحليل الموقف المغربي من الأزمة الخليجية؛ فمن الملاحظين من ينظر إلى المسألة في إطار النهج الدبلوماسي المعتاد في السياسة الخارجية المغربية، والقائم على مسك العصا من المنتصف في النزاعات العربية البينية، والنأي عن سياسة المحاور، درءًا لتدخلات مضادة في قضايا إشكالية حساسة، مثل قضية الصحراء، أو التنافس المستمر مع الجزائر. وتنطلق تفسيرات أخرى من أن إدراك المغرب البعد القبلي للخصومات السياسية بين دول الخليج يجعل حلها مقتصرًا على البيت الخليجي، بالآليات والإجراءات ذاتها المتعلقة بحل النزاعات العائلية)ثنائية الصغير والكبير (. وإذًا، فإن الحياد هو أفضل الطرق تجنبًا لأي توتر محتمل في علاقات المغرب الثنائية بكل دولة من الدولة الخليجية الست على حدة. وعلى أهمية ما سبق، فإن أسبابًا أخرى تبدو أهمّ في صياغة الموقف المغربي بصورته الحالية، ولعل من أبرزها: تأكيد الاستقلالية والكبرياء: فمنذ تولي الملك محمد السادس عرش المغرب 1999)(، كانت ثمة حالة من التماهي بلغت حد التطابق في السياسات الخارجية بين المغرب والسعوديّة. وقد تجلى ذلك في مناسبات عدة، لعل أبرزها خطوة المغرب في قطع علاقاتها الدبلوماسية بإيران في آذار/ مارس 2009 "تضامنًا" مع البحرين في أزمتها الدبلوماسية مع إيران47. وبعد اندلاع الربيع العربي، وفي إطار مسعاها لضمان استقرار الأنظمة الملِكية على الأقل، ضغطت السعودية على الإمارات، والكويت، وقطر؛ لتقديم مساعدات إلى البحرين، وعمُان، والأردن، والمغرب. وقد تعهدت الدول الخليجية الأربع بتقديم مساعدات مالية للمغرب بقيمة 5 مليارات دولار، تلتزم كل منها بنحو 1.2 مليار دولار. وقد بلغ اندفاع السعودية، لإبعاد الملكيات عن رياح الثورات، حد اقتراح)لم ينفذ (بانضمام المغرب والأردن إلى مجلس التعاون، على الرغم من البعد الجغرافي48. وعلى الرغم من الفوائد الاقتصاديّة والاستثمارية من النهج السعودي مع المغرب، تنامى لدى الأخير، على مدار السنوات الماضية، شعور خادش لكبريائه، ناجم عن نهج سعودي يفترض مسايرة المغرب لكل ما تتخذه السعودية من خطوات، حتى من دون تنسيق كاف أو تشاور مسبق. وفي هذه النقطة، ينظر المغرب إلى تاريخه وحاضره بوصفه ملكية عريقة وعتيقة، ذات نسب رفيع وشريف، لا يُنظر إليها كأنها "إمارة" تابعة، تسير في فلك دولة بعينها مهما كان حجمها وحضورها. لذلك، وعلى الرغم من التعارض التقليدي التاريخي في التوجهات السياسية مع قطر، فضّل المغرب، خلال الأزمة الخليجية الراهنة، تأكيد استقلالية سياساته الخارجية من جهة، بما يبطن تحذيرًا ضمنيًا لبعض الدول الخليجية من المساس ب "كبريائه" مقابل الدعم المالي المقدم49. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النهج المغربي الجديد سابق على الأزمة الخليجية؛ إذ ظهرت أولى ملامحه خلال عام 2016، إبان الأزمة الدبلوماسية الحادة بين إيران والسعودية، واتخاذ الأخيرة قرارها قطع علاقاتها الدبلوماسية بإيران، في رد على تقاعس الحكومة الإيرانية عن حماية البعثة الدبلوماسية والسفارة السعودية في طهران من اقتحام المحتجين حرم السفارة، وإنزال العلم السعودي، والعبث بممتلكاتها، بعد إعدام المملكة رجل الدين الشيعي البارز الشيخ نمر النمر. وفي حين توقعت غالبية المتابعين خطوة مماثلة من طرف المغرب على غرار ما جرى في أزمة البحرين عام 2009، اقتصرت الاستجابة المغربية على بيان يطالب "طرفي الصراع" بالهدوء وعدم التصعيد50. يسود انطباع لدى كثير من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وعدد من الدول الصديقة للسعودية، أن ولي العهد الجديد محمد بن سلمان، يفتقد بحكم صغره سنه)من مواليد 1985(، الخبرة السياسية التي تمكنه من إدارة الملفات الإقليمية المعقدة بطريقة عقلانيّة، وأن الحرب الكارثية في اليمن وما خلفته من تداعيات

  1. 46 " انقلاب في مواقف السعودية والإمارات بخصوص قضية 'الصحراء المغربية'!"، الأيام https://goo.gl/jMd3FK
  2. 50 حسن الأشرف، "أزمة السعودية وإيران.. موقف المغرب في الميزان"، العربي الجديد، https://goo.gl/hGWwmS الطريق اخرى: دراسة في مواقف السودان والمغرب والصومال من ا زمة الخليجية
  3. انضمام المغرب والأردن لمجلس التعاون الخليجي.. فاتورة رابحة أم مكلفة؟"، العربية https://goo.gl/Reu46P
  4. 49 عصام الزيات، 5" أسباب تشرح لك الموقف المغربي من الأزمة الخليجية"، إضاءات، https://goo.gl/9x9Wf4
  5. 3" 47 أسباب دفعت المغرب إلى إعلان قطع العلاقات مع إيران"، جريدة الشرق الأوسط، https://goo.gl/fbtUnk 2017 sz`syͿ1sɱ

إنسانية كبيرة تجعله "محط شك" في قراراته تجاه أزمة قطر51. من هنا، خشي صانع القرار المغربي من أن تأييد السعودية في أزمتها مع قطر قد يؤدي إلى سيناريوهات غير محسوبة على غرار أزمة اليمن. الاستمرار في "الاستثناء المغربي": صك المغرب رسميًا مصطلح "الاستثناء المغربي"، بوصفه سمة وطنية تميزه من غيره من الدول التي عصفت بها ريح الثورات. وقد تجلى ذلك في الانحناء لعاصفة الثورات عبر الاستجابة النسبية للمطالب السياسية والاجتماعيّة التي رفعتها حركة 20 فبراير. وبهذا الوصف، اتخذ المغرب مجموعة من الخطوات الإصلاحية، دستورية وسياسيّة، تمكن بموجبها من الحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي، وتوسيع المشاركة الحزبية والسياسيّة. وبخلاف الاستقطاب الذي عّم في غالبية دول الثورات بين القوى العلمانية والإسلامية، أفرزت الانتخابات البرلمانية المتعاقبة أغلبية انتخابية للإسلاميين، ممثلين بحزب العدالة والتنمية الذي خط بدوره نهجًا سياسيًا إصلاحيًا، يُعلي من قيمة الملكية ويحافظ على مكانتها، ويحذر من المساس بها، ويدعو إلى إجراء الإصلاحات بمباركة منها أو بعدم ممانعتها. ومع أن التجاذبات الحزبية وطبيعة الحكومة الائتلافية أفرزت واقعًا سياسيًا وتنمويًا هشًا هدد التجربة الإصلاحية غير مرة، فإن المغرب لم يحذُ حذو دول أخرى انقلبت على المسار الانتخابي، حتى بعد تدخل القصر الملكي في أزمة تشكيل الحكومة اللاحقة على الانتخابات البرلمانية عام 2016؛ إذ اجترح العاهل المغربي حلا سياسيًا يقوم على تكليف شخصية بديلة من رئيس حزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، تكون من الحزب نفسه52. تأسيسًا على ما سبق، يدرك صانع القرار المغربي أن الأزمة مع قطر تتجاوز مسألة مواجهة التنظيمات الإرهابية المصنفة دوليًا، والاتهامات بتمويلها، إلى قضايا أخرى أشدّ حساسية بالنسبة إلى دول الحصار الأربع، هي على التحديد؛ الرغبة في استئصال حركات الإسلام السياسي، وبخاصّة ما وصل منها إلى الحكم في الدول العربية ومنها المغرب. من هذا المنطلق، جاء الموقف المغربي نأيًا بالنفس عن أي استقطاب من شأنه أن يفجر الوضع الداخليّ، وخاصة أن البلاد تعاني احتجاجات مطلبية واجتماعية في مناطق عدة من الريف المغربي53. استياء ضمني من دول الحصار: تخفي العلاقات الاقتصادية والشخصية الوثيقة بين المغرب وعدد من دول الحصار اختلافات في وجهات النظر، وخلافات تصل إلى التعارض حول طريقة معالجة بعض القضايا الإقليمية. تبرز مسألة الالتزام الخليجي مساعدة المغرب اقتصاديًا من خلال التعهدات والوعود التي تعرضنا لها بوصفها أبرز رسائل العتب المغربية على السعودية ودول خليجية أخرى. فالتعهدات السابقة التي بدأت سخية في عامَي 2011 و 2012 تباطأت إلى أن بلغت حدّ "التقطير" في الأعوام التي تلت الانقلاب العسكريّ في مصر، فقد حل آجلُها في عام 2016 من دون أن توفي الدول بتعهداتها تجاه الرباط، باستثناء قطر التي قدمت 500 مليون دولار من حصتها دفعة واحدة عام 2014، ومنحت هبات مالية إضافية في العام ذاته بقيمة 136 مليون دولار لتمويل مشروعات زراعية وحيوانية54. ومع أن بعض الدول الخليجية بررت تأخرها بانخفاض أسعار النفط وتراجع عائداته، فإن اهتمامها بالدعم الاقتصادي لمصر، بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى سدة الرئاسة، خلق شعورًا بالخذلان لدى المغرب، زادت حدته بعد تجاهل السعودية والإمارات مشاركته العسكرية في عاصفة الحزم، والتي لا تحظى بالإجماع الشعبي الداخلي، في حين أنهما تستمران في تقديم المساعدات الاقتصادية السخية لمصر، على الرغم من رفضها الصريح المشاركة المباشرة في التحالف العربي في اليمن. وقد فاقم الأمرَ تدهورُ العلاقات المغربية-الجزائرية، ابتداء من عام 2015، نتيجة التراشق الإعلامي المتبادل والاتهامات المتبادلة، بدعم مصر جبهة البوليساريو، واتهام مصر حزب العدالة والتنمية باحتضان قادة من جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وتحريض المغرب رسميًا على السيسي55. وتذهب بعض التحليلات إلى انزعاج مغربي واضح من الإمارات ومصر نتيجة دورهما في ليبيا بالانقلاب على اتفاق الصخيرات الذي رعته الدبلوماسية المغربية، عبر جولات طويلة لإنجاز حل سياسي للأزمة الليبية، وإصرار كلا البلدين على تحجيم المجلس الرئاسي المنبثق من الاتفاق، مقابل دعم الجنرال المتقاعد خليفة حفتر؛ الأمر الذي أدى إلى تقليص الدور المغربي في الأزمة الليبية، في وقت تنخرط الجزائر بدور أشدّ فاعلية في الملف

  1. There's Reason to Doubt Saudi Arabia's Charming New Crown Prince," The Washington Post , 25/6/2017, accessed on 7/7/2017, at: https://goo.gl/YDFw1Z
  2. قراءة في تشكيلة الحكومة المغربية الجديدة ومستقبلها"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف، 2017/4/20، شوهد في 2017/7/8، في: https://goo.gl/tqp9xL
  3. الزيات.
  4. الحكومة القطرية تمنح المغرب هبة بقيمة 136 مليون دولار"، جريدة القدس العربي، 2014/8/24، شوهد في 2017/7/8، في: https://goo.gl/z4vQwo
  5. توتر العلاقات المغربية المصرية بسبب 'البوليساريو'"، روسيا اليوم، 2015/1/3، https://goo.gl/ECZChC

ذاته، وتنسج علاقات مع مختلف القوى السياسية والعسكرية الليبية، وهو ما ترى الرباط أنه لا يصب في مصلحة توجهاتها المغاربيّة والأفريقية.

ثالث ا: الصومال وأرض الصومال: مواقف متباينة

أما الدولة الثالثة التي تُعنى هذه الدراسة بتحليل موقفها من الأزمة الخليجية فهي الصومال التي تبنت موقفًا محايدًا من الأزمة، عكسه بيان وزارة الخارجية الصومالية في 7 حزيران/ يونيو 2017، بعد يومين من إعلان الدول الأربع قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر؛ إذ طالب الدول الخليجية بحل الأزمة وديًا في إطار الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي56، بينما اندفعت جمهورية أرض الصومال وعاصمتها هارجيسا إلى الوقوف بجانب الدول المحاصرة لقطر. وقد أدّت محددات داخلية وخارجية دورًا بارزًا في اتخاذ الدولتين هذين الموقفين المتباينين. تتمتع مقديشو بعلاقات دبلوماسية جيدة مع دول الحصار ومع دولة قطر على السواء، هذا إلى جانب العلاقات التجارية بهذه البلدان، وخصوصًا السعودية؛ وهو ما دفع السعودية إلى الضغط عليها لتأييد إجراءاتها ضد قطر، مسلطةً سيف العلاقات التجارية المميزة التي تستفيد منها حكومة الصومال بوصفها مصدرًا أساسيًا لجلب العملة الأجنبية الضرورية لعملية التنمية. فالصومال أحد المصدرين الأساسيين للماشية إلى السعودية، وخصوصًا في موسم الحج. وفي ضوء ذلك، دأبت الحكومات الصومالية المتعاقبة على تأييد السعودية في علاقاتها الدولية، وتبنت مواقف مساندة لها في أزماتها الإقليمية والدولية، لعل أبرزها قطع مقديشو علاقاتها السياسية والدبلوماسية بطهران بعد حادثة الاعتداء على البعثة الدبلوماسية السعودية في إيران. وأكثر من ذلك، كانت حكومة الصومال قد دانت تصريحات أدلت بها وزيرة خارجية السويد عام 201557، وانتقدت فيها النظام القضائي السعودي واصفةًالمملكة بأنها تستخدم أساليب القرون الوسطى. وتذهب بعض التحليلات إلى أن المواقف السابقة كانت بناءً على طلب رسمي من الرياض التي وعدت مقديشو بدعم اقتصادي مقابل هذه المواقف لكنها لم تف به58، ولعل هذا قد يكون من الأسباب التي دفعتها إلى رفض تبني المواقف السياسية للمملكة. وقد تضاربت تصريحات المسؤولين الصوماليين عماّ إذا تعرضت مقديشو لضغوط سعودية لقطع علاقاتها مع قطر، عقب إعلان موقفها المحايد؛ فبينما نفى مصدر حكومي صومالي أن تكون السعودية هددت بلاده بقطع مساعدات إنمائية كانت المملكة تعتزم تقديمها إلى الصومال، أكد مسؤول حكومي آخر أن ستة وزراء في حكومة عبد الله فرماجو المنتخبة حديثًا، تعرضوا خلال زيارة للسعودية قاموا بها مؤخرًا، لضغوط لقطع العلاقات مع قطر، وتهديدات بوقف المساعدات التنموية عن البلد59 الذي لا يزال يتلمس خطاه باتجاه التحول الديمقراطي، بعد تجربة طويلة من انهيار الدولة دامت عقدين من الزمان. وقد يكون للانتقال السياسي الذي جرى في الصومال بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت بداية عام 2017، وفاز بها الرئيس عبد الله فرماجو، أثرٌ في هذا الموقف. فالانتقال السلس مع وجود تأييد شعبي كبير للرئيس أوجد استقرارًا سياسيًا نسبيًا، انعكس بدوره على آلية صنع القرار في السياسة الخارجية؛ فعلى مدار الأعوام المنصرمة لم يكن ثمة سياسة واضحة ومفهومة للصومال، بحكم ظروف الحرب الأهلية التي عصفت به، وكانت مواقفه الخارجية تنبع عادة من مبدأ التضامن الأخوي مع دول عربية بعينها. انطلاقًا مما سبق، فضل الصومال الحياد في الأزمة الخليجية لتجنب اعتراضات حزبية وشعبية ترفض الانحياز لأي طرف بتهم وذرائع مختلفة، وخاصّة أن الخلافات البينية الخليجية عادة ما تحل في إطار البيت الداخلي الخليجي. ومن جهة أخرى، يبدو أن ما جعل مقديشو تصمد أكثر أمام ضغوط دول الحصار وإغراءاتها هو علاقاتها الوثيقة بتركيا؛ فهذه الأخيرة تُعد من أبرز البلدان ذات الحضور الدبلوماسي والتجاري والعسكري بالصومال، فقد أنشأت علاقات تجارية وثيقة مع مقديشو منذ عام 2011، وقدمت مشاريع تنموية، وافتتحت أكبر سفارة وقاعدة عسكرية لها في الخارج في العاصمة الصومالية مقديشو60. فالوجود

  1. 56 " الصومال تدعو لفض الخلافات الخليجية عبر الحوار"، الخليج أونلاين، 2017/6/7، https://goo.gl/hH3FgL
  2. 57 " جمهورية الصومال تدين تصريحات وزيرة خارجية السويد ضد المملكة"، جريدة المدينة، 2015/3/25، شوهد في 2017/7/8، في: https://goo.gl/kXGGAu 2017 sz`syͿ1sɱ
  3. الصومال: لهذا فضل الحياد في الأزمة الخليجية"، موقع تكايا الإخباري، 2017/6/18 https://goo.gl/UvA5us
  4. 59 " الصومال يرفض قطع علاقاته مع قطر ويفتح أجواءه لها برغم 'ضغوطات سعودية "'، جريدة القدس العربي، 2017/7/12، شوهد في 2017/7/16، في: https://goo.gl/FWhxz3
  5. 60 أحمد سليمان، "الأزمة الخليجية تؤدي إلى خيارات صعبة في القرن الأفريقي"، صومالي تايمز، 2017/7/3، شوهد في 2017/7/6، في: https://goo.gl/sZs3KE الطريق اخرى: دراسة في مواقف السودان والمغرب والصومال من ا زمة الخليجية

العسكري التركي السابق للسعودية والإمارات في الصومال هو ما جعل موقف مقديشو ينحو إلى الحياد، بدلا من الانحياز إلى دول الحصار في هذه الأزمة، بينما يمكن أن يكون الموقف الحيادي لكبرى دول الاتحاد الأفريقي؛ إثيوبيا والسودان والمغرب وجنوب أفريقيا، قد شجع الصومال أيضًا على تبني الموقف المعتدل ذاته. وفي الحصيلة؛ خلق الموقف المحايد من الأزمة الخليجية الذي تبناه الصومال، حالة من الاستقطاب الداخلي بين القوى السياسية والاجتماعية الصومالية؛ فبينما أشادت قوى اجتماعية بالموقف ووصفته بالسديد، رفضته قوى أخرى ورأت فيه تجاهلا لمصالحها مع دول الحصار. وقد انعكس هذا الاستقطاب على التظاهرة المساندة التي قادتها مجموعة من منظمات التجمع المدني في العاصمة الصومالية مقديشو، تأييدًا لموقف حكومتها من الأزمة، وتضمنت شعارات تدعو الحكومة إلى الحياد في المواقف الخلافية العربية، والدعوة إلى حلها بالحوار والطرق الدبلوماسية. وفي المقابل؛ تعالت أصوات لتيار آخر معارض، قوامه بعض القوى السياسية والنخب الاقتصادية التي تربطها علاقات تجارية بالسعودية والإمارات؛ إذ - كما ذكرنا - يُصدّر الصومال المواشي إلى السعودية، بينما يستورد التجار الصوماليون أغلب السلع التي تحتاج إليها البلاد من دبي، كما ترتبط أغلب هذه النخب بصلات وثيقة بسفارات هذين البلدين61؛ ما جعل الحكومة الصومالية تحت ضغط داخلي قوي، وهي تتخذ موقف الحياد في الأزمة، فضلا عن الضغط الخارجي من دول الحصار والتهديد بوقف المساعدات. لذلك يمكن عدّ الموقف الصومالي نتاجًا أساسيًا لهذه التوازنات والضغوط القوية التي تعيشها مقديشو في أهم مرحلة من تاريخها؛ كونها لم ترسخ بعد تقاليد ديمقراطية يعتمد عليها في الحكم. أما جمهورية أرض الصومال فلها موقف مغاير من الأزمة الخليجية؛ فهذه الدولة التي لا تحظى بأي اعتراف دولي داخل الأمم المتحدة، ولا من أي حكومة أجنبية، منذ استقلالها عن دولة الصومال في 18 أيار/ مايو 1991، بعد الحرب الأهلية التي اندلعت في الصومال عام 1990، من جراء انهيار الدولة هناك، وحتى بعد إجرائها استفتاء شعبيًا في العام 2001 جاءت نتيجته لمصلحة الاستقلال62 - تقيم علاقات دبلوماسية وتجارية غير رسمية مع بعض الدول، كدولة الإمارات على وجه التحديد63، مستفيدة من انفصالها شبه التام عن الصومال، واستقرار الأوضاع النسبي الذي تمتعت به مقارنة بالجنوب الذي يعاني توترات أمنية مستمرة. لذلك لم يكن موقفها الداعم لدول الحصار، والذي أعلنته وزارة خارجيتها، مفاجئًا أو جديدًا64.

كشفت الأزمة الخليجية عن الخلل القائم في علاقات دول الحصار مع الدول الثلاث التي تتناولها هذه الدراسة، كل على حدة، والمتمثل بالفوقية في تعامل السعودية والإمارات، والقائم على ثنائية محدد المساعدات الاقتصاديّة، من دون أخذ مخاوفها وهواجسها في الاعتبار من جهة، ونزوعها الاستقلالي من جهة ثانية. فضلا عن أن دول الحصار تفتقد تعاطف شعوب هذه الدول معها في الأزمة. ولذلك، يمكن أن تكون طرق إدارة الأزمة الخليجية درسًا تجريبيًا عماّ يمكن أن تخلّف هذه الطرق من تداعيات، خصوصًا تغييبها دور المنظمات الإقليمية مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية، اللذين يُفترض بهما أن يكونا المكان الملائم لحل الأزمات العربية البينية.

المراجع

الحافظي، إحسان. "المغرب وعاصفة الحزم: تحولات في العقيدة العسكريّة". سياسات عربية. العدد (.2015) 14 خوجلي، عبد الرحمن. الجيش والسياسة. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي،.2012

عبد السلام، المحبوب. الحركة الإسلامية السودانية دائرة الضوء خيوط الظلام: تأملات في العشرية الأولى لعهد الإنقاذ. القاهرة: مكتبة جزيرة الورد،.2009