أطُر مكافحة الإرهاب العربية: مرجعية تؤسس للعمل العربي المشترك أم أوراق لعب على طاولة الخلافات العربية -العربية؟

Frameworks for Joint Arab Anti-Terrorism Efforts: the Foundation of Arab Cooperation or a Pawn in Political Disputes?

عبده موسى| Abdou Moussa @

الملخّص

تناقش الورقة مسألة "الزام" بمقررات العمل العربي المشترك على الصعيد ا مني، زاعمة أن اطر العربية لمكافحة ارهاب ما زالت هي اجدر وا قدر على تجاوز الخلافات المستقبلية من هذا النوع الذي ضرب الساحة الخليجية مؤخرًا وأفضى إلى تعريض قطر لحصار دول عربية أربع، قفزت على هذه اطر العربية، وطرحت استبداله بأطر جديدة، أو استدعاء أسانيد ملفقة كل غايتها منح المشروعية جراءات الحصار. وتحاجج الورقة بأن اطر الجزئية الثنائية والرباعية التي استحدثت في سياق ازمة، سواء اضطرارًا كما في حالة قطر، بتوقيعها مذكرة تفاهم ثنائية مع الجانب اميركي حول تمويل ارهاب؛ أو انتهازًا لفرص الابتزاز السياسي في حالة دول الحصار، لن تغني بحال عن اطر العربية التي تقوم على أساس إلزام والتزام، على وفق قواعد تحترم سيادة الدول وتحفزها على مد جسور التعاون.

Abstract

This paper explores the question of adherence to commitments to joint Arab action, particularly in the security realm. The author contends that Arab cooperative frameworks for the combatting of terrorism remain the most relevant and potent force to overcome intra-Arab rivalries of the type which have most recently led a group of four Arab countries to blockade Qatar. The author further contends that piecemeal or separate bi-lateral frameworks, or even multi-lateral agreements between a number of actors—such as were in evidence during the latest Gulf Crisis—will never be a replacement for collective Arab action on these points. Such collective Arab action must be based on foundations of mutual commitment and respect for the sovereignty of the individual countries, incentivizing them to build channels of cooperation.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

تتراكم الأطر التي تعالج قضايا العمل العربي، والعربي - الدولي المشترك في مجال مكافحة الإرهاب، حتى إن المراقب ليكاد يعجز عن تصوّر كيفية قيام الدول بالتوفيق بين هذه الأطر، والوفاء بالتزاماتها. وقد كشفت الأزمة الخليجية الناجمة عن قطع كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، بذريعة أنها تدعم الإرهاب وتموّله، مدى صورية هذه الأطر، وموسمية الالتجاء إليها، واختراع أخرى بديلة، وفوق ذلك توظيفها بما لا يخدم هدف مكافحة الإرهاب.

أما خطاب الأزمة الذي لم يتورع عن الإحالة المغرضة على هذه الأطر، واستخدام بنودها في سجالات واتهامات، فقد أجلى حال الضعف العربي في مواجهة ظواهر الإرهاب، وأكد حقيقة أنه وإن كانت نصوص الاتفاقيات والبروتوكولات العربية ليست على مستوى الجودة التشريعية الفُضلى، وآلياتها تفتقر إلى الفاعلية والكفاءة الواجبة، فإن فشل السياسات العربية لمكافحة الإرهاب يُعزى أساسًا إلى غياب الإرادة السياسية في مواجهة هذا الخطر، ونفور نخب القرار من العمل العربي المشترك، حتى في قضايا الأمن القومي الأكثر إلحاحًا والأشد تأثيرًا في مستقبل المجتمعات العربية. كان لافتًا أنْ دارت المداولات القانونية التي علت في خلال الأزمة حول مسألة "الإلزام العربي"، واشتعلت الجدالات لإبراز مدى مخالفة هذه الدولة ووفاء تلك بما عليها من تعهد ات وفق المقررات العربية والدولية. أمّا على طاولة الأزمة، فقد دُبج ت الاتهامات وسيقت الدفوع وفق مرجعية غائمة، انمحى معها كل أثر لتلك الترسانة العريضة من المرجعيات التي يحفل بها المجال. يلمس المتابع كيف تزدحم ساحة تقنين سبل مكافحة الإرهاب بالقوانين الداخلية المطبق ة باتساع، بل وإفراط وتفريط على المستوى المحلي، وفوقها حزمة من سياسات التعاون الدولي في المجال الأمني على المستوى الثنائي، حتى لا تكاد علاقة بلد عربي بالبلدان الأخرى تخلو من وجود بروتوكولات تفصيلية ترسم إجراءات وأساليب للتعاون في هذا المجال. هذا فضلا عما يُساق في المحافل الدولية، ومنها اجتماعات الأمم المتحدة، من توكيد للالتزام العربي بالإطار الدولي الأساس الذي ترسمه اتفاقيات الأمم المتحدة المختصة بقضية الإرهاب، وهي التي وقعتها وصدق ت عليها بلداننا العربية، وانعكست بجلاء في الاتفاقيات العربية التي تَذْكرها بالتحديد بصفتها مراجع ومصادر1. وعلى الرغم من هذه الحمولة الكبيرة، فإنه كان لافتًا أنْ حُيد ت خلال الأزمة الأطر الدولية، فضلا عما نملكه عربيٍّا من مرجعيات - من قبيل الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، وملحقاتها، واتفاقية مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة الإرهاب - لمصلحة إطارين يرسمان إجراءات والتزامات مضافة، كان تخليقهما بسبب الأزمة من حيث الأصل: مذكرة التفاهم القطرية - الأميركية، والاتفاقية الرباعية لمكافحة الإرهاب. وهكذا، على خطوط التماس، جرت الإحالة على أ طر اتفاقات بين الدول، تتفاوت في الحجم وطبيعة الإلزام، وتتنوع بين ثنائي وجزئي وشامل، ويتلوّن حضورها بظلال الأزمة، وهذا ما نجتهد في تبيانه في هذ الورقة.

أولا: إطار ثنائي عربي - دولي:

مذكرة التفاهم القطرية - ا$ ميركية

على منع تمويل اE رهاب

حين أطلّت الأزمة الخليجية التي كانت بذرتها إرهابًا إلكترونيٍّا(بحسب ما بين ت تداعيات المشهد )، صحبت مساجلاتها الإعلامية الساخنة على الصعيد العربي حملة دبلوماسية واسعة دفعت بها دول الحصار، تضمن ت أنشطة للعلاقات العامة وأعمال اللوبي2 في العاصمة الأميركية واشنطن، بغية تحفيز الطرف الأميركي وتحريضه

  1. يمكن مطالعة ثبت كامل بالمواثيق والمعاهدات الدولية على موقع الأمم المتحدة في: "الصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب"، لجنة مكافحة الإرهاب، مجلس الأمن، الأمم المتحدة، http://bit.ly/2eC5U8M وقد أنتج مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بفيينا دراسة شاملة عن تشريعات مكافحة الإرهاب في دول الخليج العربية واليمن.
  2. كانت شرارة الانفجار التي تعلقت بتصريحات ملفقة نُسِبت إلى أمير قطر، قد سبقها بيوم واحد هجوم من أوساط يمينية ومراكز بحثية تابعة لجماعات ضغط أهمها "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات". وكشفت تسريبات البريد الإلكتروني المنسوبة إلى السفير الإماراتي بواشنطن يوسف العتيبة عن وجود ترتيب بينه وبين القائمين على هذه المؤسسة بخصوص اتهام قطر بدعم الإرهاب، حتى قبل الأزمة. شاهد ندوة لهذه المؤسسة في واشنطن، عُقِدت قبل يوم واحد فقط من اندلاع الأزمة، وصيغت فيها الاتهامات لقطر بدعم الإرهاب: Foundation for Defense of Democracies, "The U.S.-Qatar Relationship: Risks and Rewards," FDD channel on Youtube, 23/5/2017, accessed on 9/7/2017, at: http://bit.ly/2w5kwH6 أ طر مكافحة ا رهاب العربية: مرجعية تؤسس للعمل العربي المشترك، أم أوراق لعب على طاولة الخلافات العربية - العربية؟

على اتخاذ موقف يحقق أهداف الحملة ضد قطر. قامت هذه الحملة في مجملها على زعم أن الدوحة في واقع الممارسة لا تضع وزنًا للإلزامات الدولية، على الرغم من كونها طرفًا حليفًا في السياسة الأميركية بالمنطقة التي تضع مكافحة الإرهاب على رأس أولوياتها، وتعلن دومًا أن العمل مع الحلفاء مشروط بالوفاء بمقتضيات هذه السياسة. وقد سمح ارتباك الموقف الأميركي من الأزمة والانقسام داخل الإدارة حول أي المسارات على الولايات المتحدة أن تمضي فيها، لدول الحصار بأن تسعر الحملة وتضاعف وتيرتها3.

تحت هذا الضغط، جاء الإقدام القطري على توقيع مذكرة للتفاهم مع الجانب الأميركي على مسائل منع تمويل الإرهاب. ولم يكن مستغرَبًا أن نرى ردات الفعل من جانب دول الحصار انفعالية إلى حد بعيد4؛ فبعبارة "خطوة ليست كافية" التي وردت في البيان المشترك الصادر تعليقًا على توقيع المذكرة، تلخص ت حال هذه الدول؛ حيث الحيرة بين الترحيب بالخطوة، إرضاءً للحليف الأميركي، إذ بدا مُلِحٍّا في طلب إسراع دول الخليج جميعًا إلى تبني خطوات مشابهة، ورفض الخطوة القطرية مخافة أن تبتلع أي إمكانية للتصعيد وفق ذريعة دعم الإرهاب في المستقبل. رأت السعودية والإمارات والبحرين ومصر أن توقيع قطر هذه المذكرة مع الجانب الأميركي، وما فيها من التزامات في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، أتى بحسب البيان "نتيجة للضغوط والمطالبات المتكررة طوال السنوات الماضية للسلطات القطرية، من قبل الدول الأربع وشركائها، بوقف دعمها للإرهاب"5، بينما انعدمت أي إشارة إلى التزامات مثيلة تقع على هذه الدول: أتكون وفّت بها أم أن حديث "الإلزام" لا يستهدف أحدًا سوى قطر؟ فضلا عن غياب أي حديث حول بنود الإلزام في الأطر العربية التي تستند إليها مطالب دول الحصار: أتكون الاتفاقية الخليجية أم الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب؟ سيدرك المتأمل في الأزمة أنه على الرغم مما ترسمه المرجعيات من آليات للمراجعة، فإن ثمة تعمد ا لإنكار هذه المرجعيات وإبعادها عن الجدل. ظهرت أولى آليات مذكرة التفاهم التي لم تزل تفاصيلها طي الكتمان، إلى العلن مع الإعلان عن قرب قيام خبراء أميركيين بالعمل مع مكتب النائب العام في الدوحة على مراجعة وتطوير لنظم مكافحة تمويل الإرهاب6. كما صدر، في أعقاب توقيع المذكرة، مرسوم أميري بتعديل قانون مكافحة الإرهاب الصادر في عام 2004، أعاد النظر في قواعد تعريف الإرهاب والأعمال الإرهابية والإجراءات المتب عة لتجميد التمويل. كما وجّه المرسوم بوضع قوائم للمتورطين في الإرهاب، أفرادًا وكيانات7. وعلى الرغم من تأكيد الطرفين القطري والأميركي انفصال المذكرة عن الأزمة8، فإن توقيت التوقيع يكشف عن استجابة تكتيكية أمْلتها ظروف الأزمة؛ فبتوقيع المذكرة، كبل القطريون دول الحصار بالتساؤل المنطقي عن مدى صدق ادعائهم على الشقيقة الخليجية المحاصرَة. أيكون ما يحركهم في الأزمة هو الحرص على تعزيز الالتزام بأ طر فاعلة للعمل الجماعي في مجال مكافحة الإرهاب، وبلوغ وضعية تكفُل الحد من مخاطره، ووقف صور دعمه، سواء المباشرة أو غير المباشرة، أم إن غاية هذه الدول فرض الوصاية على قطر فحسب، متوسلة ذريعة دعم الإرهاب التي تثير العصب الحساس لدى الولايات المتحدة والبلدان الغربية الحليفة؟ على الرغم من القلق من أن تطغى الأطر الثنائية مع الدول الكبرى على الأطر عبر - العربية، فإن التحليل المنصف للأزمة يُظهر أن مبادرة قطر إلى رفع مستويات التعاون مع الولايات المتحدة في هذا المجال، كانت اضطرارية، وبما يبرر قفزها على الأطر العربية المجمد ة. وقد كشف سياقُ تطور الأزمة، والتهديدات التي كالتها دول الحصار لقطر، واشتملت على التلويح بالعمل العسكري، محدودية خيارات العمل العربي المشترك أمام الدوحة. هذا البلد، المحدود المساحة والسكان،

  1. انظر: "فوضى الموقف الأميركي وتداعياته المحتملة على الأزمة الخليجية"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017/6/20، شوهد في 2017/7/9، في: http://bit.ly/2vvyVf0
  2. الدول الأربع المقاطعة لقطر: الاتفاق القطري الأمريكي خطوة غير كافية وسنراقب التزام الدوحة"، بي بي سي عربي، 2017/7/12، شوهد في 2017/7/14، في: http://bbc.in/2tNrA82
  3. المرجع نفسه.
  4. أمريكا ترسل مسؤولين إلى قطر ضمن اتفاق لمكافحة الإرهاب"، جريدة الخليج الجديد، 2017/7/21، شوهد في 2017/7/24، في: http://bit.ly/2uESjU8
  5. الوكالة الفرنسية للأنباء، "قطر: تعديل قانون مكافحة الإرهاب واستحداث قائمة بالأفراد والكيانات الإرهابية"، فرانس 24، 2017/7/21، شوهد في 2017/7/24، في: http://bit.ly/2uU8pZl
  6. قطر: مذكرة التفاهم حول تمويل الإرهاب هي الأولى من نوعها بالخليج"، سي إن إن http://cnn.it/2hYHtX6

المحكوم بعلاقات اقتصادية مع الأشقاء غير متوازنة، وبجغرافيا لا تتيح له حركة مستقلة نسبيٍّا، ليس عليه دفع ثمن لتبنيه سياسة خارجية مستقلة. كما أنّ إصراره على ممارسة حقه في سيادة غير منقوصة لا يستدعي ما رأينا من مسعى حثيث لدول الحصار، هدفه قلب الموقف الدولي ضد الدوحة، وتحريض الولايات المتحدة خصوصًا عليها، بزعم التنصل من الالتزامات الدولية لمكافحة الإرهاب. ومما منح تلك المذكرة قيمتها حضور ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي على ساحة الأزمة على نحو فاعل. وخلال قيامه بجولة وساطة مكوكية، بُنيت إستراتيجيتها على هدف حصر نطاق الأزمة، وعقلنة مطالب أطرافها المناوئة لقطر، جاءت هذه المذكرة، ليصادر قبولُ الولايات المتحدة بما قدمت قطر من التزامات وفقها أي معنى للتحريض في واشنطن، وليكون التوصل إلى هذه المذكرة وتوقيعها "الجزء المهم من الرحلة إلى المنطقة"، بحسب تصريحات تيلرسون نفسه عن رحلة الوساطة التي قام بها. إن دور هذه المذكرة في تفكيك التباسات الأزمة نابع من وضع التزامات معقولة تكفل بناء الثقة على الطاولة. تيلرسون الذي وصف مذكرة التفاهم مع قطر بشأن مكافحة تمويل الإرهاب بأنها "مثال يحتذى"، ونموذج للتعاون المشترك في مجال تعقب مصادر التمويل، وتعزيز التعاون، وتبادل المعلومات، بعث بإشارة لا تخلو من لوم دول الحصار لأنها لم تستطع تجاوز السقف القطري في هذا المجال. وعلق وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بثقة، قائلا: إن "دولة قطر التي طالما اته مت بتمويل الإرهاب أصبحت الآن أول دولة توقع مع الولايات المتحدة مثل هذه الاتفاقية الهادفة إلى مكافحة تمويل الإرهاب"، وحضّ دول الحصار على تجاوز مأزقها بالإقدام على توقيع "اتفاقية لمكافحة تمويل الإرهاب"9. إن وضع الدوحة هذه الالتزامات أمام الطرف الأميركي لم يكن ورقة تكتيكية رابحة على طاولة الأزمة فحسب، ولكنه مثل أيضًا رميًا للكرة في ملعب الإدارة الأميركية، ودعوة إليها لضبط مواقفها، بعدما ارتضت في مبتدأ الأزمة أن تنحاز إلى الادعاءات على قطر وتعضدها بلسان رئيس الدولة. فبتوقيع هذه المذكرة، تُبين الدوحة التزاماتها التي يقتضي حسن إتمامها أن ينصرف الطرف الأميركي عن خطاب التحريض، ويتوجه نحو ساحة بديلة ملؤها الرغبة في التعاون الجدي، والتعجيل بتطبيق إجراءات للعمل المشترك مع بلدان المنطقة في هذا الشأن، والسعي لإبطال صور النفاق الذي يكتنف سياسات بعض دول المنطقة إزاء مخاطر الإرهاب المتعاظمة، بحثه ا على اتخاذ خطوات عملية مماثلة لما بادرت به الدوحة. وعلى الرغم من تسليمنا بأولوية الاعتناء بالأطر العربية، وأهمية استدامة مرجعيتها وجعلها سندًا لصور التعاون الثنائي حتى مع القوى الدولية المؤثرة في ما يسمّى "الحرب الدولية على الإرهاب"، فإنه من الضروري فهم طبيعة الالتزامات بين الدوحة وواشنطن، للرد على الادعاء القائل بأن الدوحة ترفض أن تمس الدول الشقيقة بسيادتها، لكنها تقبل ذلك من الولايات المتحدة. والحال أن هذا ادعاء متهافت؛ فالبلدان الخليجية سبق أن أقرت المقدمات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم بين الدوحة وواشنطن بخصوص تمويل الإرهاب، ووقع ت، على هامش قمة الرياض، مذكرة التفاهم العربية - الأميركية حول مكافحة الإرهاب، وجُله ا حول مسائل التمويل10. وجاءت خطوة قطر تلك بوصفها بادرة لتنفيذ بنود تعاون مرغوب أميركيٍّا وعربيٍّا. والأجدى أن يحيلنا النقاش، إن أردناه جديٍّا، على مبدأ احترام السيادة بوصفه أساسًا لأي عمل دولي مشترك، والاعتراف بتناقض مسلك فرض الوصاية مع هذا المبدأ.

ثانيًا: إطار عبر - عربي جزئي: الاتفاقية الرباعية لمكافحة اE رهاب المزمع توقيعها

يلمس المتابع ذلك التناقض الذي تورطت فيه دول الحصار في طيات خطابها عن مكافحة الإرهاب عبر الأشهر القليلة الماضية؛ إذ أفاضت قبيل الأزمة في الدعوة إلى إحياء "الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب"، بل والمطالبة بتطويرها والاستناد إليها أساسًا للعمل العربي المشترك في هذا المجال. لكن سرعان ما ارتد مسلكها مع الأزمة إلى صورة شائهة، قوامها التنمر، وتوظيف خطر الإرهاب لفرض الوصاية على الدوحة، وقذف المشهد المأزوم بما سمى إعلاميٍّا "اتفاقية رباعية لمكافحة الإرهاب"، تلك الاتفاقية التي تضاربت الأخبار بشأنها في الإعلام المصري، بين توكيد من جهات رسمية لجهوزيتها للتوقيع، وتكذيب من وزارة العدل المصرية على لسان وكيلها للتعاون الدولي11. غير

  1. قطر وأمريكا توقعان مذكرة تفاهم لمكافحة تمويل الإرهاب"، جريدة الراية القطرية، http://bit.ly/2i2sVWF 2017 sz`syͿ1sɱ
  2. تعاون خليجي - أمريكي لتأسيس مركز لاستهداف تمويل الإرهاب"، جريدة الاقتصادية، 2017/5/21، شوهد في 2017/7/9، في: http://bit.ly/2rsx5u4
  3. صرح مساعد وزير العدل المصري لشؤون التعاون الدولي بأنه: "لا يوجد ما يسمى بالاتفاقية الرباعية لمكافحة الإرهاب"، وأكد أن الإجراءات أو القرارات التي تتخذها مصر بالاتفاق مع السعودية والإمارات والبحرين بشأن مقاطعة قطر مرجعيتها هي "اتفاقية الرياض للتعاون القضائي" التي انضمت إليها مصر في كانون الأول/ ديسمبر 2014، عادٍّا هذه الاتفاقيات الإطارَ القانوني لأي تحرك أو اتفاق تجاه قطر. أ طر مكافحة ا رهاب العربية: مرجعية تؤسس للعمل العربي المشترك، أم أوراق لعب على طاولة الخلافات العربية - العربية؟

أن اللافت هو صخب التغني الإعلامي بها12 الذي جاء في سياق زيارة الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، إلى القاهرة في 19 حزيران/ يونيو 2017؛ فقد وجدت مصادر مقربة من الحكومة المصرية أن الاتفاق على توقيعها هو أحد أبرز نواتج الزيارة، مشيرة إلى أن الاتفاقية المشار إليها ستقوم بديلا من الاتفاقية العربية. وقد كان ثمة تهليل ب "ما يمُيز هذه الاتفاقية"، وهو وجود بنود مشفوعة بآليات عقابية اقتصادية وسياسية، ستُوجه بحسب ما بين ت الأخبار، إلى "الدول التي تدعم الإرهاب"13. ولم ينتبه حتى من كذب وا خبر وجودها إلى أن الإطار البديل الذي تحدث عنه مساعد وزير العدل المصري، بوصفه مرجعية للإجراءات المتخذة من جهة دول الحصار ضد قطر، وهو اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، سبق أن اعتمده مجلس وزراء العدل العرب في دورته الأولى في عام 1983، ودخلت هذ الاتفاقية حيز النفاذ بتاريخ 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1985؛ أي قبل وجود أي طرح لأي إطار عربي لمكافحة الإرهاب، وأن الاتفاقية هي محل دائم لمطالب المراجعة والتحديث. ويكشف هذا الأمر زيف ادعاءات المسؤول المصري، ويعيد ترجيح وجود نية باستحداث إطار قانوني بين الدول الأربع؛ بغية معاقبة قطر بذريعة دعم الإرهاب. ولا يعتني هؤلاء بتوضيح سبب نبذ الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، بوصفها مرجعية وسندًا لتحكيم هذا الخلاف، وهي الأكثر تعلقًا بشروط التعاون العربي، بما تشتمل عليه من مواد وإلزامات تخص الدول العربية جميعًا. وثمة تجاهل كذلك للاتفاقية الخليجية لمكافحة الإرهاب، وضرورة العودة إليها بصفتها ترجمة لادعاء دول الحصار قبولَها بأن يظل مجلس التعاون "المظلة الوحيدة" لحل هذا الخلاف. إن الاتساق والمنطق السليم يفرضان ذلك، خصوصًا أن الاتفاقية الخليجية تتمتع بآليات فاعلة للعمل المشترك، تم تبنيها عبر السنوات الماضية. وتدرك نخبة القرار التي تقف وراء حصار قطر أن هذين الإطارين لا يخدمان مرادها؛ لذلك كان التعجيل بطلب استحداث أطر وصائية، من دون مواجهة حقيقية لظاهرة الإرهاب أو استهداف مقترفيها. تبدو أطروحة الاتفاقية الرباعية محاولة لستر العوار القانوني في جدالات دول الحصار وإسنادها التهمة في وجه قطر. فقوائم الأفراد والكيانات المتهمة بالإرهاب التي قدمتها هذه الدول إلى الدوحة لا تجد لها سندًا قانونيٍّا معقولا لإلزام أحد بالنظر فيها؛ فهي مطالب فجائية مغرضة، لم تمر عبر أي من آليات العمل العربي المشترك الأمنية والقضائية، ومُرر ت في صيغة اتهامات إعلامية فحسب، بينما غابت بشأنها أي محادثات عقلانية أو إجراءات فنية تستند إلى المقررات والاتفاقيات العربية التي تحكم التعاون الأمني والقضائي. وكذلك المطالب الأخرى التي طولبت بها قطر، كان قوامها الافتئات على سيادة الدولة. وفضلا عن الخلط العمدي بين دعم الإرهاب وأنشطة العمل الإعلامي العلني، وتعمد وصم الأعمال الخيرية المنضبطة بقواعد تمويلية ورقابة بأنها دعم لقوى الإرهاب، جاءت المطالبة مشوبة بإنكار أن يكون دعم المقاومة المشروعة للشعوب تحت الاحتلال وعلى رأسها الشعب الفلسطيني حقًا أصيلا، وأعادت تدوير أطروحات استعمارية، في مخالفة حتى لما اتف ق عليه في كل الأطر العربية للعمل المشترك في مجال مكافحة الإرهاب من النص على تجنب الخلط بين حق المقاومة وجريمة الإرهاب. إن تغييب الأطر العربية الأكثر تفصيلاًالتي تحظى بتوافق عريض بين دول المنطقة عن هذا الخلاف يقف دليلا على غياب الإرادة السياسية عن مكافحة الإرهاب. ولإظهار ذلك ينبغي النظر في هذه الأطر التي لم تزل - مع ما فيها من علل – هي الأقدر على تشكيل سياسة عبر-عربية فاعلة لمكافحة الإرهاب بموجبها. وهو ما سأحاول التفصيل فيه في الفقرات اللاحقة.

ثالث ا: إطار مناطقي عبر -عربي: اتفاقية مجل س التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة اE رهاب

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، وما صحبها من ضغوط هائلة على بلدان الخليج، سارعت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في العام التالي إلى إقرار إعلان "الإستراتيجية الأمنية لمكافحة التطرف المصحوب بالإرهاب"، وألحقت به "إعلان مسقط لمكافحة الإرهاب" الذي اتخذ خطوات أبعد في رسم إطار خليجي لمكافحة الإرهاب. بعد هذا بعامين، كُلّلت مساعي دول المجلس في 4 أيار/ مايو 2004 بتوقيع "اتفاقية دول مجلس التعاون الخليجية لمكافحة الإرهاب"، لتمثل إطارًا للعمل الخليجي المشترك في هذا المجال. وتشير ديباجة الاتفاقية بوضوح إلى غايات العمل المشترك في هذا المجال، بنصه ا: "وفي إطار المسئولية الجماعية في

  1. قدمت إعلامية مقربة من النظام تحليلا وإشادة بهذه الاتفاقية، وهي ترى أن التوصل إليها والاستعداد لتوقيعها منجز مهم من بين منجزات المحادثات بين ولي عهد أبوظبي والرئيس المصري. انظر: عادل أحمد، "لميس الحديدي تكشف تفاصيل الاتفاقية الرباعية لمكافحة الإرهاب"، الزمان، 2017/6/19، شوهد في:2017/7/9، في http://bit.ly/2w4W9JL
  2. حسام محفوظ، "الدول العربية تواجه الإرهاب باتفاقية رباعية"، جريدة الدستور، http://bit.ly/2uBM1IU

المحافظة على الأمن والاستقرار، بناءً على مبدأ الأمن الجماعي واعتبار أمن واستقرار دول المجلس كلاٍّ لا يتجزأ"14. وتشير تقارير الأمانة العامة للمجلس منذ توقيع الاتفاقية إلى أن جهدًا مهما لاستكمال آلياتها وإجراءاتها التنفيذية قد بُذِل عبر مجلس وزراء داخلية دول المجلس. وتستعرض التقارير ضمن إنجازاتها استحداث جملة من اللجان، على رأسها لجنة نوعية تختص بأمور مكافحة الإرهاب، تنعقد سنويٍّا، أنشأت قاعدة بيانات مشتركة لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاقية، وتقدم تقريرًا سنويٍّا يلخص جهد دول المجلس في مجال مكافحة الإرهاب. هذا فضلا عن "اللجنة الخليجية الدائمة للقائمة الإرهابية الموحدة" التي أوكلت إليها دراسة ما يتعلق "بإدراج أو تعديل أو رفع أسماء الجماعات والمؤسسات والكيانات والأفراد المنتمين للمنظمات الإرهابية أو المرتبطين بها أو المنشقين أو المتفرعين عنها أو المتعاونين معها في قائمة خليجية موحدة"15. ومنذ العام 2006، تنعقد لجنة أمنية دائمة مختصة بمكافحة الإرهاب سنويٍّا. كان لافتًا أن الاتفاقية الخليجية قد اتخذت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب ضمن مراجعها المهمّة التي تُعين كنه الجريمة الإرهابية ونطاقها. وقد أشارت مادتها الثالثة بوضوح إلى معنى شامل للعمل الجماعي لمكافحة الإرهاب بالإشارة إلى التزام الدول المتعاقدة العمل على "تكامل" خطط الوقاية من الإرهاب وإجراءاتها والتصدي له ومكافحته. وهو التزام كشفت الأزمة عن هشاشته، هذا على الرغم من وضوح مواد الإلزام الواردة في الاتفاقية، وخصوصًا المواد 14 و 15 و 16 و 18 المتعلقة بمسألة منع تمويل أنشطة الإرهاب16. فالمادة 14 تنص على أنْ: "تتخذ الدول المتعاقدة الإجراءات والتدابير اللازمة، التي تكفل لها متابعة الأنشطة المالية للأفراد والهيئات، التي تمكنها من كشف أنشطة دعم وتمويل الإرهاب في نطاق إقليمها، وذلك بما يتفق مع تشريعاتها وأنظمتها الداخلية"؛ والمادة التي تليها تُكمل بأنْ: "تتخذ الدول المتعاقدة كل الجهود الممكنة لمنع دخول أو نقل أو تحويل أموال منها أو إليها يُشتَبه في استخدامها في أنشطة تمويل الإرهاب ودعمه، ومنع تورط الأفراد أو الهيئات العامة والخاصة المنتمية إليها أو الكائنة على أراضيها في هذه الأنشطة". أما المادة 16 فتُلزم الدول المتعاقدة "إجراء التبادل الفوري للمعلومات والبيانات المتعلقة بأنشطة دعم أو تمويل الإرهاب والإبلاغ عنها وبالإجراءات التحفظية التي تم اتخاذها بشأنها". وتكمل المادة 18 بضرورة أن "تتخذ كل دولة من الدول المتعاقدة التدابير المناسبة، وفقًا لتشريعاتها وأنظمتها الوطنية، لتحديد أو كشف أو تجميد أو حجز أي أموال مستخدمة أو مخصصة لغرض من أغراض أنشطة دعم وتمويل الإرهاب وعائداتها لمصادرتها أو تبادلها أو اقتسامها مع الدول المتعاقدة الأخرى إذا كانت تتعلق بنشاط إرهابي امتد على إقليمها أو أضر بمصالحها وكانت مصلحة الكشف عن هذا النشاط تقتضي ذلك". لكن مع تدبيج الاتهامات لقطر، لم تتم الإشارة إلى هذا الإلزام الخليجي على الإطلاق. بل عمدت دول الحصار إلى القفز على موجبات العمل الخليجي المشترك، بالخروج بساحة الأزمة بعيدًا عن مظلة مجلس التعاون. لقد اختفت أي إشارة إلى هذه الاتفاقية، ولم يتم استخدام بنودها مثلا لتبرير الاتهامات وتوضيحها بأن قطر قد خرجت على موجباتها، وهل، مثلا، تم إنذارها قبلاًاستنادًا إلى مرجعية ملزمة تظهرها هذه الاتفاقية أو الاتفاقيات الأخرى التي تحكم العلاقة بين الدول في هذا الإطار؟ بدا الأمر جله توظيفًا وتطويعًا لتهمة دعم الإرهاب وتفصيلها بمقاس ينجز أهداف حصار قطر من دون سند.

رابعًا: إطار عبر-عربي جماعي: الاتفاقية العربية لمكافحة اE رهاب

فرضت الأزمة موجتها التي غيبت الأطر العربية؛ فتوقيع الدوحة مذكرة تفاهم مع الطرف الأميركي، والحديث الإعلامي عن توقيع وشيك لاتفاقية رباعية بديلة من الاتفاقيتين الخليجية والعربية لمكافحة الإرهاب، جاءا بُعَيد أسابيع قلائل من اجتماع المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العدل العرب، في ختام أعمال دورته الستين بمقر جامعة الدول العربية في القاهرة، برئاسة وزير العدل السعودي وليد الصمعاني؛ إذ دعا الأخير الدول العربية التي لم تصدّق على الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب إلى التعجيل بإتمام إجراءات التصديق عليها. في ذلك الاجتماع، رأت أمانة المجلس ضرورة العودة إلى إطار عربي فاعل للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وعدّت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الأساسَ الجيّد لتشكيل آليات عربية ناجزة في مواجهة ذلك الخطر الذي بات يقوض أمن المجتمعات العربية. وأكدت أن الواقع الراهن يوجب تحديثها لكي تواكب المستجدات التي تطرحها مخاطر الإرهاب راهنًا، وبما يستجيب أيضًا للمعايير الدولية. وبشأن الاتفاقية العربية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، دعا المكتب التنفيذي الدولَ التي لم تصدّق على هذه

  1. لمطالعة نصوص الاتفاقية، انظر: "اتفاقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة الإرهاب"، الميزان، البوابة القانونية القطرية، شوهد في 2017/7/9، في: http://bit.ly/1StMb6b
  2. رابعًا: التعاون في مجال مكافحة الإرهاب"، الإنجازات، الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، شوهد في 2017/7/9، في: http://bit.ly/2vBlp8g
  3. اتفاقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة الإرهاب." 2017 sz`syͿ1sɱ أ طر مكافحة ا رهاب العربية: مرجعية تؤسس للعمل العربي المشترك، أم أوراق لعب على طاولة الخلافات العربية - العربية؟

الاتفاقية إلى إتمام إجراءات التصديق عليها17. في الاتجاه ذاته، جاءت مناشدة البرلمان العربي في اجتماعه بالقاهرة في 5 تموز/ يوليو 2017، بمراجعة الاتفاقية العربية، وتوكيده أن المستجدات التي تمر بها المنطقة وما استجد من آليات دولية معززة لمكافحة الإرهاب تستوجب تحديث هذه الاتفاقية التي صيغت قبل ما يقرب من العقدين.

ظهرت الاتفاقية العربية بوصفها فكرة في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وسارت بطيئة عبر عقد كامل فقط لإقرارها، مع أن ضربات الإرهاب كانت في أوجها في كثير من البلدان العربية. وقد كُلّل الجهد بخروجها إلى العلن في نيسان/ أبريل 1998، وذلك بعد عام واحد من إقرار "الإستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب". حملت الاتفاقية كثيرًا من ملامح الأطر التي أقرتها الأمم المتحدة، باستثناءات تتعلق بمعايير حقوقية التفتت عنها الدول العربية التي يهيمن عليها التخوف من أن تحدّ هذه المعايير من الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها مؤسساتها الأمنية، فضلا بالطبع عن المنحى التسلطي للحكومات الذي يعطل حكم القانون لمصلحة الممارسات الأمنية التسلطية. ومع ذلك، التزمت الاتفاقية خصوصية تتمسك بها البلدان العربية والإسلامية وهي التفرقة بين مقاومة الاحتلال وأفعال الإرهاب، مُقِرة بالحق الأصيل للشعوب، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، في مقاومة الاحتلال. حملت اللائحة التنفيذية للاتفاقية التي ضمنت مادتاها الثالثة والرابعة تدابير مكافحة الجريمة الإرهابية ومنعها، وخصصت الفصل الثاني للتدابير القضائية المشتركة، ما يزيد على الخمسين إجراء لتوثيق عرى العمل المشترك أمنيٍّا وقضائيٍّا. كما أوكل أمر متابعة تنفيذ هذه الاتفاقية ومدى التزام البلدان المتعاقدة إلى المكتب العربي للشرطة الجنائية. وعلاوة على ذلك، جرت الدعوة إلى توحيد القوانين العربية في هذا المجال، ووضع قانون عربي نموذجي تسترشد به الدول لدى قيامها بتعديل أطرها التشريعية الداخلية للتوافق ونصوص الاتفاقية. والمتابع لتواتر الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات العربية في هذا المجال سيدرك أن حجم التفاعلات العربية - العربية ليس بالقليل. ولدى عقد المقارنة بين نصوص الاتفاقية العربية والاتفاقية الخليجية لمكافحة الإرهاب، نكاد لا نرى فارقًا بينهما، والثانية رأت الأولى مرجعًا لها في الأصل. لكن على مستوى التطبيق ثمة فوارق؛ أهمها حجم التصديق على الاتفاقيتين؛ إذ الفارق في هذه الجهة لمصلحة الاتفاقية العربية. أما من جهة استحداث آليات عمل تنفيذية فاعلة، فالفارق لمصلحة الاتفاقية الخليجية. والحال، مع استثناءات قليلة، أن الأطر العربية تستند إلى الإطار الذي رسمته اتفاقيات الأمم المتحدة18، وبعض الاتفاقيات دون العالمية أيضًا؛ كاتفاقية منظمة التعاون الإسلامي لمكافحة الإرهاب19. وحتى في الاجتهادات المتعلقة بمسائل القضاء والولاية القضائية والاختصاص القضائي، والتي تتعدد فيها الاختلافات بين النظم، قدمت جملة من الحلول عربيٍّا، وظل المشكل في التزامها وتفعيلها. إن المتابع لمجريات الأزمة سيجد أن الحديث عن تفعيل الاتفاقيات العربية قد خفُتَ تمامًا، بما يطرح التساؤل عن جدوى الأطر العديدة السابقة التي توالدت عربيٍّا عبر عقدين من الزمن. وتزداد حيرة المراقب حول جدوى المضاف الجديد: أيكون قد جيء به ليعدل ما سبق ويحسن ه، أم سيضيف ارتباكًا لما تراكم قبله، ويُعقد ما لم يكن من الأصل ميسورًا؟

نواتج وخلاصات

تعيش ذاكرة العمل العربي المشترك، كغاياته، في حال من التشوش والوهن الشديد، في حين أن الالتجاء إلى توليف أطر متعجلة واستثنائية تفرضه غايات استثنائية موقوتة، ملؤها الرغبة في تأجيج الخلافات وتعميقها. إن السياسات العربية المراوغة ونكوصها عن إيجاد منظومة أمنية وقضائية إقليمية فاعلة يعرّيها سلوك الدول التي علت مطالبتها، في بعض الأحيان، بالتزام الأطر الجماعية، حتى جاءت لحظة الأزمة

  1. 17 هناء السيد، "المكتب التنفيذي لوزراء العدل العرب يدعو لتصديق اتفاقية مكافحة الإرهاب"، جريدة الأنباء الكويتية، 2017/5/18، شوهد في 2017/7/9، في: http://bit.ly/2w56Rjj
  2. تعتمد الاتفاقية الخليجية، على سبيل المثال، تعريف الجريمة الإرهابية الوارد في متون 15 اتفاقية دولية أقرت ها الأمم المتحدة، بدءًا من عام 1963، وحتى آخر ما ظهر ضمن التشريعات الدولية لدى توقيع الاتفاقية.
  3. 19 للاطلاع على نص المعاهدة، انظر: "معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي"، منظمة المؤتمر الإسلامي، شوهد في 2017/7/14، في: http://bit.ly/2w2gfVN 2017 sz`syͿ1sɱ

فإذا بها وبكل بساطة تهمل آليات وإجراءات جماعية كان من شأن احترامها تجنب الأزمة، والانتباه بقدر أكثر لضرورات تتعلق بتطوير السياسات المحلية والإقليمية لمكافحة الإرهاب. يجدد هذا الوضع المؤسف التساؤل التقليدي عن جدوى مؤسسات العمل العربي المشترك الكثيرة؛ سواء البرلمان العربي أو مجلس وزراء العدل، وصنوه مجلس وزراء الداخلية، أو مكاتبهما التنفيذية، بل كل اللجان التي أنشئت بغرض مد أواصر التعاون والعمل العربيين، فضلا عن أمانة الجامعة نفسها: ما جدواها جميعًا في ظل عجز تامّ عن وقف سياسات تئد الآليات العربية لمكافحة الإرهاب، لمصلحة اختراع آليات أخرى بديلة، قوامها الغموض، وهدفها معاقبة دولة شقيقة بفرية دعم الإرهاب؟ إن المتحمسين اليوم لحديث الإلزام الإقليمي في مجال مكافحة الإرهاب يعجزون عن تفسير سبب تباطؤ مساعي تطوير ما وُضِع من أ طر عبر عقدين كاملين، وسبب الالتفات عن وجوه عدة من النقد نالت الاتفاقيات الأكثر توافقًا على المستوى العربي. وكان ينبغي الإنصات إليها والعمل بموجبها وتطويرها، ولا سيما ما يتعلق بافتقار الأطر العربية إلى التوافق والمقررات الدولية ومعايير القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان. إن حالة الإعاقة العمدية للعمل الجماعي في مواجهة الإرهاب توحي بأنه ما من أحد يخشى هذا الخطر، على ما أبانه من قدرة رهيبة على تقويض المجتمعات العربية. وإجمالا، نجد أن استدعاء الأطر القانونية الإقليمية والتفاهمات الدولية في مجال مكافحة الإرهاب هو استدعاء مراوغ وإمعان في العادة العربية التي تدفع إلى الهرولة الموسمية وخطب العمل المشترك، وأن التحرك في هذا الملف بالغِ الحساسية يأتي من محل ردة الفعل المأزومة، لا من محل المبادرة الإستراتيجية. لقد بينت الأزمة كيف أن الاستغراق في رسم الاتفاقيات والبروتوكولات والتفاهمات، من منطلق توظيفها وحشدها أوراقَ لعب في خلال الاستقطابات بين البلدان العربية، قد حد من قدرتها على مواجهة الأخطار الفعلية. وبعيدًا عن تقويمنا خطواتٍ أملتها ظروف الأزمات، كتوقيع مذكرة التفاهم القطرية - الأميركية بشأن الحد من تمويل الإرهاب، أو خطوات استباقية كوضع اتفاقية رباعية لمكافحة الإرهاب تستهدف عينًا دولة قطر، لا تزال الأطر العربية والخليجية الأساس مهملة، وتقف أمام معضلات تعتور جهد تفعيلها. ومن أبرز هذه المعضلات: التسييس المفرط؛ فعلى الرغم من أن المبدأ في تعيين جرائم الإرهاب هو نزع الصفة السياسية عنها، كجرائم اغتيال المسؤولين، وتخريب الممتلكات العامة، والترويع الواسع، وجعلها جرائم جنائية خالصة تقع ضمن نطاق المساءلة الجنائية، لم تزل توجهات البلدان العربية إزاء قضية مكافحة الإرهاب تمليها حاجات آنية، وأخرى سلطوية، وثالثة تجعل منها مجرد أداة تهديد وابتزاز، في الوقت الذي تعمى فيه عن توجيه طاقة العمل المشترك للحد من مخاطر الإرهاب وغلق مصادر تعاظمه على حساب أمن المجتمعات العربية. الافتقار إلى الاستدامة؛ فعلى الرغم مما طُرح من تصورات إستراتيجية عبر - عربية، تستنبط ثوابت الأمن العربي، فإن هذه الإستراتيجيات لا تزال حبيسة نصوصها، لا تتجاوزها إلى واقع الممارسة. ويخلّف هذا الفصام مقدارًا هائلا من التفاعلات على مستوى تدبيج الأطر وقرارات إنشاء اللجان وتسمية الآليات، بينما تنخفض التفاعلات التطبيقية وترجمة الإلزامات على الدول المتعاقدة أفعالا وافية. إن من الخطأ، في تقديري، الاعتماد على العلاقات الثنائية وموجهاتها اللحظية والشخصية فحسب لإنتاج تعاون أمني وقضائي حقيقي على المستوى العربي، فهذا أمر ينحط بالقدرة العربية إلى ما دون حقيقة ما تملكه من مقدرات، ويبعدنا عن امتلاك خطط إستراتيجية عامة تحقق مكافحة ناجعة لهذا الخطر. ضعف الآليات التنفيذية؛ فالعمل العربي المشترك في مجال مكافحة الإرهاب لا يكتسب أي قوة لأنه خرج بنصوص، ولا معنى لأي ترجمة إجرائية مؤسسية لما تمليه هذه الأطر من التزامات ما لم يحل المشكل الأدائي. ومناط ذلك في تشكيل إرادة صناع القرار، وتعزيز إدراكهم القيمة المضافة التي يمكن أن يحققها التعاون الفعلي بين المؤسسات. هذا بذاته يكفل تجاوز الحالة الموسمية لصوغ السياسات والأطر، وينقل وضعية سياسات مكافحة الإرهاب إلى حالة تنفيذية أفضل، محكومة بخطط، ومعايرة بمخرجات وأهداف. والأمر في هذا لا يحتاج إلا إلى إرادة فعل. تباطؤ المواءمة مع الأطر الدولية؛ فعلى الرغم من استرشادها جزئيٍّا بالأطر الدولية، فلا بد من الاعتراف بأن الإطارين الأساس اللذين نملكهما عربيٍّا، وهما الاتفاقية العربية والاتفاقية الخليجية لمكافحة الإرهاب، قد صيغا وفق اعتبارات محلية تصبغهما بالسلطوية التي تتسم بها النظم الحاكمة. فبعض النصوص والقواعد التي تتبعها الأطر العربية لا تولي أهمية لضمانات حقوق الإنسان والمعايير العالمية للمحاكمات العادلة، والشروط التي تحرر النظم القضائية من أن تكون تابعة للسلطة

التنفيذية، وغير ذلك من مظاهر انعدام التوافق والمعايير الدولية. وهذا هو محل التطوير الأوجب، في تقديري، وهو الذي سيمنحنا وضعية أفضل. ويقتضي هذا التنبهَ إلى العلاقة بين الأطر الإقليمية والتشريعات المحلية التي يجب وضع قواعد إرشادية لتخليصها من الشوائب السلطوية. نعم، قد يقال هذا بلغة سهلة، أو عبر وضع نماذج نصية، لكن المشكل في التنفيذ وتشكيل مقدرات مؤسسية وثقافة عمل مهنية في قطاعات إنفاذ القانون. ولا بد من الاعتراف، هنا، بأن الأمر في معظم بلداننا لم يزل شديد الصعوبة، ويقتضي تحولا حقيقيٍّا صوب الديمقراطية وحكم القانون. إن المجابهة الجريئة لجريمة الإرهاب، والعمل على نزع الصفة النضالية والتحررية عن مقترفيها، لا يمكن لهما أن يتحققا بغير إزالة ملامح التسييس التي لون ت نظم المجابهة وسياساتها على المستوى المحلي، وبغير منع الآليات الاستثنائية المعلولة من قبيل الاتفاقية الرباعية على المستوى الإقليمي. وترتهن قدرتنا على تشكيل أطر فاعلة لمواجهة هذا الخطر بإيجاد جملة من الضمانات أيضًا، تكفل احترام كل من دولنا السيادة الوطنية للدولة الأخرى، والبعد عن أسلوب فرض الوصاية، والتحرك قدمًا صوب العمل الجماعي المشترك، وطي هذه الصفحة السوداء. ولا حاجة إلى تكرار تقويم مخاطر الإرهاب على أمننا القومي، بعدما ثبت باليقين عِظم أثره في الدولة والمجتمع العربيين. هذه الحالة من التناحر لا يحصد نتاجها سوى الإرهاب وقواه. وإن النزول بسقوف الممكن عربيٍّا أمر مثير للإحباط، والخشية واجبة من تبني أطر غير عربية. والأمل لم يزل في تنبه الحكومات لضرورة تدشين مفوضية عربية لمكافحة الإرهاب تدير رسم سياسات فاعلة وفق قواعد للأمن الجماعي رشيدة، وأن تنشئ وتتيح قواعد للمعلومات مدققة حول الجريمة الإرهابية، وتغذيتها بما لدى الدول الأعضاء من تحريات حول فاعليها، هذا فضلا عن ضبط الإجراءات القضائية لتُوائم المعايير الدولية، وأن تيسرّ أعمال تسليم المجرمين، وضبط آليات الإنابة القضائية، وسبل المحاكمة العادلة، وغيرها من أمور مهمّة لا يمكن إنجازها بجهد فردي. نأمل ألا تكون هذه الآمال قد تكسرت على موجة اندفاع القاهرة والرياض وأبوظبي والمنامة صوب التوظيف السياسي لسياسات مكافحة الإرهاب الإقليمية وآلياتها، من أجل معاقبة الخصوم، وبما يهدر سيادة الدول.

المراجع

"اتفاقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة الإرهاب". الميزان، البوابة القانونية القطرية. في: http://bit.ly/1StMb6b "الصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب". لجنة مكافحة الإرهاب. مجلس الأمن. الأمم المتحدة.:2010. في http://bit.ly/2eC5U8M "فوضى الموقف الأميركي وتداعياته المحتملة على الأزمة الخليجية." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. في: http://bit.ly/2vvyVf0 "معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي". موقع منظمة المؤتمر الإسلامي. في: http://bit.ly/2w2gfVN