"حماس" في الخطاب السياسي البريطاني: الرواية من جانب واحد
Hamas in British Political Discourse: A One-Sided View
الملخّص
تحقق الدراسة في التصورات التي تحملها الأحزاب البريطانية عن "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) في الإطار الزمني الممتد بين عامَي 2003 و 2016، وطبيعة التباين بين تلك الأحزاب في نظرتها إلى الحركة. وترى الدراسة أن غياب الناظم القيمي وغياب قاعدة احترام القانون الدولي وما ينص عليه من حق الشعوب في مقاومة محتليها، دفعَا بريطانيا، ممثلةً بالأحزاب والحكومة على حد سواء، إلى استعادة موروثها الاستعماري وما يرتبط به من تحمُّلها مسؤولية تاريخية عن نشأة إسرائيل والتزامها بأمنها. ومن ثم، شك لت هذه الاستعادة قاعدة ينطلق منها الخطاب السياسي البريطاني في تجريم "حماس." اعتمدت الدراسة منهج تحليل الخطاب المرتكز على قراءة بعض النصوص الرسمية المتعلقة بالمسألة، والتصريحات الصادرة عن رؤساء وأعضاء في تلك الأحزاب، علاوة على القراءة المتأنية لعيّنة من خطابات مجلسَ ي العموم واللوردات.
Abstract
This study explores the perceptions of Britain's main political parties towards the Palestinian Islamist faction Hamas throughout the period between 2003 and 2016. It explores also the extent of variation between the major political parties in the UK towards Hamas. The author argues that the lack of a value-based outlook on the part of the British ruling establishment as well as a lack of respect for the tenets of international law—which enshrines the right to resist occupation—have driven that establishment to embrace the UK's colonial legacy, and to regard their government as the founder and protector of the State of Israel. It is this establishmentarian discourse, argues the author, which drives the criminalization of Hamas within British politics.
- حماس
- الخطاب السياسي البريطاني
- حزب العمال
- حزب المحافظين.
- Hamas
- British Political Discourse
- Labour Party
- Conservative Party
تمهيد
سياسة بريطانيا تحددها حكوماتها، وهذا في حد ذاته كافٍ لمعرفة وجهتها والحديث عنها. بيد أن التعرُّف إلى المواقف الحزبية المختلفة التي تحتكم إليها تلك الحكومات، تبعًا لآليّاتها الديمقراطية تحت قبة البرلمان، يُعد المدخل الأهم لفهم الخلفيات والتفاعلات التي من شأنها التأثير في تلك السياسة. تحقّق الدراسة في التصورات Perceptions التي تحملها الأحزاب البريطانية عن "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) في الإطار الزمني الممتد بين عامَي 2003 و 2016، وطبيعة التباين بين تلك الأحزاب في نظرتها إلى الحركة. وترى الدراسة أن غياب الناظم القيمي والقاعدة المرتبطة باحترام القانون الدولي وما ينص عليه من حق الشعوب في مقاومة محتليها دفع بالحالة البريطانية، ممثلة بالأحزاب والحكومة على حد سواء، إلى تقديم الموروث البريطاني الاستعماري المرتبط بمسؤوليتهم التاريخية عن نشأة إسرائيل والتزامهم بأمنها، واعتماده قاعدةً ينطلقون منها في تجريم "حماس." وفقًا للمدرسة البنائية في العلاقات الدوليةConstructivism فإن التفاعل العابر للموضوعات بين الآراء والأفكار والقيم والتصورات المشتركة التي يراكمها فاعلون دوليون هو الذي يؤسس لصنع السياسة على الساحة الدولية. ويُعد هذا بحد ذاته العنصر المثالي الفلسفي للمدرسة البنائية في خلافها مع الفلسفة المادية التي تعلي من شأن القوة والشروط المرتبطة بها على حساب جوانب الفكر والمعاني التي يتم عبر إنتاجها وإعادة إنتاجها تنميط العلاقات الدولية. فالآلية التي يفهم بها طرفٌ طرفًا آخر والتصور الذي يبنيه إزاءه يفسران لنا سياسته الخارجية نحوه، سواء أقامت تلك السياسة على العداء أم على الصداقة1. وبرأي ألكسندر وندت، منظِّر المدرسة البنائية، فإن هذه العملية تكتسب خصائصها، ومن ثم تأخذ شكلها المحدد جراء التفاعل بين الأفعال البشرية والسلوكيات المستندة إلى الأفكار والتصورات، وهذا ما يشكِّل أساس التوجهات السياسية لهذا الفاعل الدولي أو ذاك2. من هنا كانت أهمية التعرف إلى التصورات التي يحملها الساسة البريطانيون تجاه "حماس" بوصفها أداة تمكننا من تفسير سلوكهم إزاءها منذ تشكُّل الحركة عنصرًا فاعلً في المشهد الإقليمي المرتبط بالقضية الفلسطينية. اعتمدت الدراسة منهج تحليل الخطاب المرتكز على قراءة بعض النصوص الرسمية المتعلقة بالمسألة، والتصريحات الصادرة عن رؤساء وأعضاء في الأحزاب البريطانية، علاوةً على القراءة المتأنية لعينة من خطابات مجلسَ العموم واللوردات اللذين يشكلّان منصَّتين مهمتين في التعبير عن المواقف المختلفة بهذا الصدد. أما اختيار الأحزاب فقد جاء على خلفية تمثيلها الفعلي داخل البرلمان البريطاني، وأقدميتها في القيام بدور سياسي فيه. وتكمن أهمية هذه الدراسة في كونها غير مسبوقة في تناولها هذا الموضوع، إلى جانب محاولتها تسليط الضوء على عمق الفروقات بين الأحزاب البريطانية في نظرتها إلى "حماس"، ومن ثم إلى عموم المقاومة الفلسطينية، باعتبار الحركة هي أبرز من يمثلها. بعد تسليط الضوء على العلاقة الخاصة التي تربط بريطانيا بالقضية الفلسطينية، تم ترسيم محددات السياسة البريطانية تجاه المسألة الفلسطينية عمومًا؛ إذ تمثل هذه المحددات خلفية لأي موقف قد يصدر عن الحكومات البريطانية تجاهها أو تجاه أيٍّ من متعلقاتها. كما تم تناول مواقف حكومتَي العمال والمحافظين من موضوع النقاش، بعد أن قدمنا لذلك بإعطاء فكرة عن صورة "حماس" العامة لدى صناع القرار البريطانيين. في أعقاب ذلك تطرّقت الدراسة إلى مواقف الأحزاب الرئيسة، المحافظين والعمال والقومي الإسكتلندي والليبراليين الديمقراطيين والخضر، من "حماس"، قبل إنهاء الدراسة بخلاصة تستعرض أهم الاستنتاجات.
خلفية تاريخية
إلى جانب كونها أبرز دولة استعمارية حتى الحرب العالمية الثانية، قامت بريطانيا بالدور المحوري في تولِّ مهمة التأسيس والبناء المتأني لدولة إسرائيل في النصف الأول من القرن العشرين. وعلى الرغم من الخلافات التي برزت بين زعامات الحركة الصهيونية قبيل إعلانهم دولتهم في الخامس عشر من أيار/ مايو 1948 وبين حكومة الانتداب، فقد بقيت الأخيرة داعمة بقوة للدولة الناشئة على حساب شعب فلسطين وأرضها. وبقي حكام المملكة المتحدة على ولائهم للفكرة الصهيونية على الدوام7. بل لا تزال حكومة بريطانيا، بعد قرن من وعد بلفور، تُفاخ ر بالدور الذي قامت به في نشأة إسرائيل عقب ذاك الإعلان، كما ورد على لسان تيريزا ماي، رئيسة وزراء حكومة المحافظين، في ردها على سؤال وجّهه إليها أحد النواب في مجلس العموم في الذكرى المئوية للوعد8. وظل الخط الناظم للعلاقة البريطانية - الإسرائيلية، على الرغم من تذبذباته في بعض المحطات، قائمًا على ثوابت محددة لم تُ سّ. مثَّل هذا الخط في السياسة البريطانية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي الأساس الذي تقيم بريطانيا عليه العلاقة مع
الأطراف المنخرطة مباشرة في الصراع على الأرض9. كان من ضحايا تلك المعادلة "حماس" التي جُرِّمت في هذا الإطار؛ إذ وضع اسمها، بجناحيها العسكري والسياسي، على قائمة الإرهاب الأوروبية، بدفع كبير من حكومة بريطانيا، مع نهاية عام 2003، بقرار من مجلس الاتحاد الأوروبي الذي تسري فاعلية قراراته، وإن لم يكن بالضرورة، في ثمانٍ وعشرين دولة10. لذا، وبالنظر إلى تاريخها في فلسطين، اعتُبِت بريطانيا لدى الشارع الفلسطيني على الدوام متسببًا رئيسًا في النكبة الفلسطينية، وتتحمل من الناحية الأخلاقية والقانونية تبعات ما جرى بحق الفلسطينيين منذ وعد بلفور في عام 191711.
محددات الموقف البريطاني تجاه "حماس"
مما لا جدال فيه أن علاقةً خاصة تربط الغرب عمومًا، وبريطانيا خصوصًا، بإسرائيل؛ فنظرًا إلى عوامل التاريخ التي تأتي في سياقها الأبعاد الإستراتيجية التي تعنيها إسرائيل للغرب، فإن لبريطانيا موقفًا قويًّا إزاء دعم إسرائيل والوقوف إلى جانبها وقت الأزمات، وهو في عرف ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، موقف "غير قابل للاهتزاز"، ولا يتغير بتغير الحكومات12. وبالنظر إلى تلك العلاقة المميزة، فإن حق إسرائيل في الوجود، وحقها في الدفاع عن نفسها ثابتان، لا مساومة عليهما من وجهة النظر البريطانية، وينتفي معهما، تلقائيًّا، حق المقاومة الذي كفله القانون الدولي للشعوب التي تقع تحت الاحتلال13. علاوة على ذلك، ترى بريطانيا أن المقاومة الفلسطينية المسلحة، لا سيما تلك التي تستهدف "المدنيين" الإسرائيليين هي "إرهاب"، ومن ثم فإن تبنّي هذا الخيار أو دعمه هو محض "إرهاب" كذلك، وأن حماس صُنّفت في هذا السياق حركة إرهابية وفقًا للاتحاد الأوروبي، وهو ما يسري عمليًّا على كل دول الاتحاد، ومنها بريطانيا حتى الآن. ثمة محدد آخر يتعلق بحل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على قاعدة حل الدولتين لشعبين؛ بحيث يعيشان جنبًا إلى جنب بأمن وسلام14. في هذا السياق تُعد السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاق أوسلو بمنزلة "الممثل الشرعي والوحيد" المعترَف به عمليًّا للشعب الفلسطيني من جانب الحكومة البريطانية، لا سيما بعد أن قامت منظمة التحرير بإحلال مؤسسات السلطة مكان نظيراتها في المنظمة.
حماس بين حكومتي العمال والمحافظين
نشطت الحكومة البريطانية في الأوساط الأوروبية، وبتحريض أميركي، في أعقاب انهيار هدنة الخمسين يومًا بين "حماس" وفصائل المقاومة الأخرى من جانب، والاحتلال الإسرائيلي من جانب آخر إبان انتفاضة الأقصى في عام 2003، في العمل على وضع "حماس" على قائمة الإرهاب الأوروبية، أسوة بنظيرتها الأميركية. وقد أدت حكومة حزب العمال، وبالتحديد وزير خارجيتها آنذاك، جاك سترو، دورًا مركزيًّا في هذا الملف؛ إذ أقنع وزيري خارجية فرنسا وألمانيا بضرورة معاقبة "حماس" بعد تبنيها إحدى العمليات الكبيرة ضد الاحتلال، وحظر أنشطتها، ومصادرة أي أموال لها عابرة للقارة15. وبالفعل، تم للحكومة البريطانية ما أرادت، وهو ما مثَّل مرجعًا قانونيًّا لكل دول الاتحاد في العلاقة بالحركة المحظورة فيما بعد. تمت في أعقاب ذلك معاقبة أربعة من قادة "حماس" بالإعلان عن مصادرة أموالهم، وتجميد ممتلكاتهم المادية في المملكة المتحدة، وهو ما دأبت حكومات بريطانيا المتعاقبة على تجديده بين الحين والآخر16. في أعقاب انتقال الحكومة إلى حزب المحافظين في عام 2010، سارت على النهج ذاته في تصريحات رئيسها التي يَعُد فيها "حماس" منظمة إرهابية. ففي كثير من المحطات، وصم ديفيد كاميرون الحركة باللاسامية والعنصرية والإرهاب17. مقابل ذلك، اتسمت مواقف
الحكومة البريطانية تجاه إسرائيل بالطابع التبريري لجرائمها، وإن كانت انتقدتها في مناسبات مختلفة لفرط استخدامها القوة إبان الحروب على غزة. ومع ذلك فقد وضع بعض المحللين دعوة توني بلير خالد مشعل إلى زيارة لندن، التي رفضها مشعل، في إطار الموقف المتفق عليه مع الحكومة، باعتبار أن دعوةً من هذا القبيل لا يمكن أن توجَّه من دون علم مباشر من أعلى المستويات الحكومية، وهو ما يعني رخاوة في الموقف السياسي العام من الحركة18. بيد أن تصريحات كاميرون ضد "حماس" في أيار/ مايو 2016 التي جاءت في إطار ما أثير حول موضوع اللاسامية في مجلس العموم البريطاني تؤكد أن النظرة السلبية والمتطرفة نحو الحركة ما زالت مستحكمة19. ولقطع الشك باليقين، أعلنت الحكومة، في معرض ردها على التماس طُلب منها فيه أن توضح الموقف من "حماس"، أن موقفها من الحركة لم يتغير، وأن على "حماس" أن تنبذ العنف، وتعترف بإسرائيل، وتقبل بالاتفاقيات السابقة، مؤكدةً أنه على أساس ذلك فقط يمكن أن تُختب نوايا "حماس". وفي ضوء هذا المعطى لدى الحكومة، فالحوار المباشر مع الحركة مرفوض، ولن يُسمَح بتقديم أي دعم مادي لها انطلاقًا من أراضي المملكة. "حماس"، من وجهة نظر الحكومة، مسؤولة عن إطلاق "الصواريخ العشوائية" نحو إسرائيل، وهو ما تدينه الحكومة وتشجبه على الدوام؛ كما أنها تنتهك حقوق الإنسان والحريات الدينية والاعتقادية، وتمارس القتل خارج إطار القانون؛ وتملأ وسائل إعلامها بالتحريض المضاد لإسرائيل، والمعادي للسامية20. هذا التصور أحادي الجانب يعبر عن تفهم الحكومة البريطانية لرواية إسرائيل واللوبي العامل لها على أرض المملكة، في حين تمارس هذه الحكومة سياسة غض الطرف عن ممارسات إسرائيل المخالفة للقانون الدولي بحق الفلسطينيين. كما أنها تتجاهل في الوقت ذاته الرواية الفلسطينية المبنية على حق "حماس" وكل القوى الفلسطينية في أن تقاوم الاحتلال، وفقًا لما ضمنه لها القانون الدولي كما جاء في مقررات الجمعية العامة للأمم المتحدة21. وقد وصل الأمر بالبارونة جويس أنيلاي، وزيرة الدولة للشؤون الخارجية البريطانية، إلى حد أن ربطت مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية باعتراف "حماس" بحق إسرائيل في الوجود؛ "إذ ساعتها سيكون هناك نوع من الاطمئنان بأن من الممكن صناعة السلام في فلسطين في حدود عام "196722. وهو ما يكرس التصور المتشدد الذي تتبناه الحكومة تجاه "حماس."
صورة حماس في أوساط صانعي القرار في البرلمان
الصورة عمومًا ناتجة من التصور. وإذ يسعى صانعو السياسة إلى بلورة صور محددة عن الآخر، فإنما يقومون بذلك عبر تجميع جملة من الأفكار والمعلومات والانطباعات التي تتفاعل كلها لإنتاج صورة عن ذاك الآخر، ثم إعطائها شكلها في ذهنيات صناع القرار. هكذا تشكلت صورة "حماس" وفق تلك المعطيات؛ فهي، خلافًا لما أقرّته اتفاقيات السلام الفلسطينية – الإسرائيلية، حركة تعتبر الدولة الفلسطينية التي تسعى إليها هي الضفة الغربية وغزة، والأراضي المحتلة في عام 1948، وفقًا لما هو متداول في أروقة صناعة القرار البريطاني23. وهي حركة تتبنى العنف، وتاريخها حافل بالعمليات "الإرهابية" ضد "المدنيين" الإسرائيليين، وهي التي اختطفت الجندي جلعاد شاليط، وهي المتسبب الأساس في الحروب التي يشنها الجيش الإسرائيلي على غزة بين الحين والآخر ردًّا على رشقات الصواريخ التي تطلقها الحركة على إسرائيل24. بيد أن ذلك لا ينفي أن "حماس" فازت ديمقراطيًّا في الانتخابات العامة الفلسطينية عام 2006، إلا أنها انقلبت على السلطة الفلسطينية في عام 2007، وسيطرت على غزة بالقوة، كما يتردد في خطابات كثير من البرلمانيين25. علاوة على ذلك فإن "حماس"، وفقًا للمصدر ذاته، حركة تدعو في ميثاقها إلى تدمير دولة إسرائيل وإبادة اليهود، وهي منظمة "إرهابية" لا بد من تجريدها من السلاح ووضع حدٍ لسياساتها المرتبطة بحفر الأنفاق وإطلاق الصواريخ، وغيرها26. فضلً عن ذلك، فهي تتنكر لاشتراطات اللجنة الرباعية الدولية الداعية إلى الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف،
واح اررم الاتفاقيات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وهي الاشتراطات التي على "حماس" الاستجابة لها من أجل وضع حد لدائرة العنف في المنطقة27. من هنا، فإن هناك تماثلً كبيرًا بين صورة "حماس" في أروقة البرلمان والصورة التي ترسمها الحكومة عنها، وكلتاهما تتسمان بالسلبية والتطرف عمومًا. يخفف من ذاك التنميط الذي لجأت إليه تلك الأوساط السياسية بعض مسلكيات "حماس" في محطات معينة؛ إذ كان لها صدى في أوساط صانعي القرار في البرلمان؛ فدفعهم إلى التجرؤ على الخروج، ولو بقدر محدود، على هذا النوع من قولبة الآخر ودمغه فقط بالإرهاب. في هذا السياق، كان مثيرًا للاهتمام في عام 2007 إقدام 127 برلمانيًّا بريطانيًّا على توقيع مذكرة تحمل تقديرًا للحركة في أعقاب تحريرها ألان جونستن، الصحافي الذي اختطفته مجموعة مسلحة في غزة. وجاء في المذكرة: "إن دعم المجتمع الدولي لعباس بصفته رئيسًا شرعيًّا لفلسطين لا يمنع من إجراء اتصالات مع "حماس"، كما يؤكد أهمية دعم اللجنة الرباعية الدولية للمصالحة بين الأطراف الفلسطينية المختلفة؛ بحيث سيساهم ذلك في تعزيز عملية السلام"28. وتعد هذه المناسبة من المرات النادرة التي يجرؤ فيها برلمانيون بهذا العدد (ما نسبته 20 في المئة من النواب) على الإشارة إلى ضرورة انتهاج مقاربة إيجابية تجاه "حماس". تبعت ذلك مذكرة أخرى في سياق أجواء ما بعد حرب عام 2008 على قطاع غزة، وقَّعها 48 برلمانيًّا بريطانيًّا في عام 2009، دعوا فيها إلى فتح حوار مع "حماس"، وإنهاء حصار قطاع غزة29. صحيح أن كلتا المبادرتين جاءت في سياق أزمات، إلا أنهما تعبّ ان عن مدى التفهم الذي يبديه البرلمانيون المذكورون لطبيعة القوى الموجودة على الأرض في فلسطين، وأهمية "حماس" بينها، وما يستوجبه ذلك من حوار معها.
المواقف الحزبية من الحركة
هناك قاسم يجمع الأحزاب البريطانية في موقفها من "حماس" يسمها عمومًا بالسلبية. وبين الوسم بالسلبية والوسم بالإرهاب هناك متسع لكثير من وجهات النظر التي عبَّ عنها نوابٌ ورؤساء أحزاب عديدون على الساحة البريطانية. وعلى الرغم من غياب بيان رسمي عنوانه "الموقف من 'حماس'" في كل الأدبيات الحزبية البريطانية، فليس بعسير على المرء أن يتعرَّف إلى الموقف الحزبي العام من الحركة، وسياسة تلك الأحزاب تجاهها؛ فرؤساء الأحزاب، حينما يصرِّحون من مواقعهم الرسمية، إنما يعبّ ون عن أحزابهم رسميًّا، ما لم يصدر عكس ذلك. وحينما يدلي عشرات البرلمانيين بدلوهم في هذا الأمر فإن هذا مؤشر كافٍ للدلالة على الموقف الرسمي الذي يتبناه الساسة تجاه هذه المسألة. من هنا فإن دراسة تفاصيل الموقف من "حماس"، والجدل الدائر حوله تمثّل أداة التفريق بين الأحزاب المختلفة من زاوية الاقتراب من "حماس" أو الابتعاد عنها، ومن زاوية فهم الخلفيات كذلك.
11 حزب العمال
قبل الحراك الذي قادته وزارة الخارجية البريطانية بزعامة حزب العمال لوضع "حماس" على قائمة الإرهاب الأوروبية في عام 2003، أدرجت الحكومة العمالية في عام 2001 اسم "كتائب عز الدين القسام" على قائمة المملكة التي تشمل المنظمات الإرهابية. كما تم في الإطار نفسه وضع أربع زعامات حمساوية على القائمة المستهدفة بالعقوبات المالية في عام 200430. وحينما وُضع الجناح السياسي من "حماس" على قائمة الإرهاب الأوروبية في عام 2003، اكتفت حكومة حزب العمال آنذاك بوضع "حماس"، متضمنة "كتائب القسام"، بين المنظمات المستهدَفة بالعقوبات المالية31، وليس على قائمة المنظمات الإرهابية التي تضم الجناح العسكري للحركة فقط32. وفقًا للقانون البريطاني لمكافحة الإرهاب، وللقوانين الإجرائية المتعلقة بالعقوبات المالية، فإن الفروق بين القائمتين ليست شكلية بالمطلق، ولكن لها
متعلقات تتصل بنظام العقوبات وطبيعتها، لا سيما تلك المتعلقة بالأسماء المدرجة فيهما؛ ففي حالة المنظمات التي تعد إرهابية، يجرَّم أعضاؤها كما تجرَّم الأنشطة التي تتبعها أو تساندها، أما في الحالة الثانية فتقتصر الملاحقة على الإطار المالي. في أعقاب خروج حزب العمال من الحكومة منذ عام 2010 فإن المواقف الصادرة عن زعامة الحزب، ممثلة برئيسه السابق إد مليباند، وعدد من البرلمانيين لم تشذّ عن القاعدة التي سارت عليها حكومتهم؛ فقد ظلت "حماس" في نظرهم هي المنظمة الإرهابية التي تطلق الصواريخ عشوائيًّا على التجمعات المدنية الإسرائيلية، وهي المنظمة المتطرفة التي تحكم غزة بالقوة. ولم يتخلّ مليباند، إبان الحرب الإسرائيلية على غزة في عام 2014، عن تسمية "حماس" بالمنظمة الإرهابية في مناسبات عدة، على الرغم من تعاطفه مع الضحايا الفلسطينيين إبان الحرب، ودعوته المستمرة لرئيس الحكومة البريطانية كي يكون موقفه أكثر وضوحًا في معارضته آلة الحرب الإسرائيلية في غزة. وحينما كان واضحًا حجم الدمار الذي تخلِّفه إسرائيل جراء الحرب على غزة، وطبيعة المقاومة الدفاعية التي تبديها القوى الفلسطينية هناك، نقلت عنه جريدة الغارديان تصريحًا أيد فيه موقف رئيس حكومة المحافظين من "حماس" قائلً إن كاميرون "على حق حينما يقول إن 'حماس' منظمة إرهابية فظيعة؛ فإطلاق الصواريخ ضد مواطني دولة إسرائيل، وبناء الأنفاق لأغراض إرهابية غير مبررين كليًّا، ويفصحان عن النوايا والممارسات القاتلة التي تتبناها هذه المنظمة ضد إسرائيل ومواطنيها." بيد أن الأغرب على لسان هذا الزعيم كان إعرابه في موطن آخر على الجريدة ذاتها وفي السياق ذاته عن أن "حماس" منظمة إرهابية، وأنه يشجب بشدة إطلاقها الصواريخ ضد إسرائيل، مع إقراره بأنها إنما قتلت جنودًا إسرائيليين33؛ فعلى الرغم من إقراره الضمني بأن "حماس" قتلت جنودًا إبان الحرب أكثر بكثير مما قتلت من المدنيين، خلافًا لما فعلت إسرائيل، فإنه يجرِّمها، ويطالب بالضغط عليها لوقف ما سمّ ه العنف، معتبرًا ذلك أيضًا مندرجًا في إطار الأعمال "الإرهابية" التي تقترفها الحركة34. وحتى لا يلتبس موقف الرجل مع مواقف أخرى يتبناها نواب آخرون أكثر تطرفًا، فإنه دعا مرارًا وتكرارًا إلى وقف الحرب على غزة، وإلى إسماع إسرائيل رأيًا واضحا بحق القتل الذي تمارسه في غزة، معتبرًا أن هناك غيابًا للتناسبية في الرد الإسرائيلي. بيد أن مليباند، بطبيعة الحال، لم يخرج عن الأعراف الدبلوماسية المألوفة في نقده لإسرائيل، ولم يتهمها بالإرهاب، خلافًا لما ذهب إليه في إدانته "حماس." لزعامة حزب العمال، ممثلة بجيرمي كوربن، مواقف يعتبرها البعض مغايرة لما ذهب إليه زعيم الحزب السابق. التقى كوربن زعامات "حماس" في زياراته المتعدّدة إلى لبنان وفلسطين وسورية قبل أن يصبح رئيسًا لحزب العمال، وما زالت تلاحقه زلة لسان، كما يصفها بعض المحللين، اعتبر فيها لقاءه قيادتَ "حماس" و"حزب الله" لقاء مع أصدقاء35. وبينما أكد كاميرون، مرددًا الطلب الذي وجهه السفير الإسرائيلي في لندن36، الخناق على كوربن في أيار/ مايو 2016، موجهًا سؤالً مباشرًا إليه أثناء نقاش الأربعاء المعتاد في مجلس العموم البريطاني حول ما إذا كان ما زال يعتبر "حماس" و"حزب الله" الموصومين ب "اللاسامية والعنصرية" صديقين له، أجاب بطريقة غير مباشرة إن كل منظمة وكل فرد يتبنى خطابًا لاساميًّا وعنصريًّا ليس بصديق37. وهو ما يُقرأ منه إقرار بالمبدأ، وليس بالضرورة موافقة على ما جاء على لسان رئيس الوزراء. أثار هذا الرد غضبًا عارمًا في الصحافة المؤيدة لإسرائيل، معتبرة أن رفضه إدانة "حماس" و"حزب الله" أو تنكّره لصداقتهما بأسلوب مباشر يعنيان أنه لا يزال مقتنعًا برأيه فيهما الذي أعرب عنه سابقًا38. ردًّا على هذه الهجمة الإعلامية، أصدر مكتب كوربن بيانًا أوضح فيه "سعيه الدائم لتحقيق السلام والاستقرار من خلال لقائه أطراف الصراعات عمومًا، لا سيما من يحظون منهم بتأييد جماهيري واسع، أو لديهم تفويض شعبي؛ أملً في تحقيق السلام"39. إلا أن صمود الرجل لم يدم طويلً أمام الضغوطات الهائلة التي تعرّض لها من جانب أنصار اللوبي الصهيوني في حزبه وخارجه؛ إذ وجد نفسه مضطرًا إلى التراجع عن تصريحاته المتعلقة بصداقته ل "حماس" و"حزب الله" في إطار لجنة شكّلتها الحكومة للنظر في شيوع اللاسامية في أوساط
السياسيين. سئل كوربن إن كان يتراجع عن وصفه في عام 2009 "حماس" و"حزب الله" بالصديقين، فأجاب: "بنظرة إلى الوراء، أفضل لو لم أستخدم ذلك الوصف بحقهما". وحينما سئل إن كان يعبِّ عن أسفه لذلك، قال: "نعم أنا آسف لاستخدام تلك الكلمات"40. ويؤكد هذا بحد ذاته عمق تغلغل المؤسسة العاملة لمصلحة الصهيونية في النظام البريطاني عمومًا، وفي حزب العمال خصوصًا، على نحو تنتفي معه إمكانية مواجهة هذا التيار في ظل الظروف المحلية الراهنة، حتى من جانب أشخاص مؤدلجين أمثال كوربن الذي يعدّ من أنصار القضية الفلسطينية وأقواهم في التعبير عن اقتناعاته. أما أعضاء الحزب في مجلس العموم فتكفي جولة في خطاباتهم تحت قبة البرلمان في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2014، فيما عرف بيوم التصويت على الاعتراف بدولة فلسطين، للتعرف إلى مواقفهم من الحركة41؛ إذ انبرى كثير من أعضاء الحزب إلى التساوق مع وصم "ح ساا" بالإرهاب والتطرف، وتحميلها المسؤولية عن كثير من المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني عمومًا، وفي قطاع غزة خصوصًا. اعتبرت لويس إلمان، النائبة عن مدينة ليفربول أن "الانسحاب الإسرائيلي من غزة آل إلى أن تتولى "حماس" الإرهابية زمام القيادة، بعدما سحقت نظيرتها "فتح"، وقامت بتوجيه صواريخها والأنفاق ضد المدنيين الإسرائيليين." أما إيان لوكاس، النائب عن دائرة ريكسهام فقد عبَّ عن الحاجة الملحة إلى "دعم عباس في طريقه نحو السلام، لا طريق الإرهاب الذي تفرضه 'حماس' على شعب إسرائيل من خلال صواريخها، وهو ما شاهدته بأم عيني في عسقلان وسديروت". أما مايك غيبس، النائب عن منطقة جنوب إلفورد، فكان صريحًا في اعتباره "أن رئيس الحزب كان على حق حينما وصف 'حماس' بأنها منظمة إرهابية شريرة، وهو ما يدعونا إلى دعم حركة 'فتح' والأصوات الديمقراطية والعلمانية في المجتمع الفلسطيني." على الرغم من هذه الحدة التي أبداها هؤلاء، فإن النائب العمالي، آندي ماكدونالد اقترب من تبرير مقاومة "حماس" عبر توصيفه المشهد على الأرض تحت الاحتلال الإسرائيلي بقوله: "نحن جميعًا متفقون على أن قيام 'حماس' بالهجمات الصاروخية أمر مقيت، ولكن ما الأمل الذي نقدمه للشعب الفلسطيني؟ دعونا نتخيل أن منطقة ساحلية من أرضنا تحاصَ ويتم تجويعها، وتتحرك داخلها الجرافات مدمرةً ممتلكات ومزارع لأناس أبرياء. ما الذي نتوقع أن يفعله هؤلاء الناس؟ الاستلقاء أرضًا ببساطة والقبول بهذه الأعمال الوحشية؟ لا. إن أي شعب في مثل هذه الظروف سيقاتل بشكل مرتد بأي وسيلة تقع عليها أيديهم. إنها غريزة إنسانية أساسية، ويمكنكم المراهنة بأن الشعب البريطاني سوف يفعل ذلك"42. أما الأعضاء الآخرون فقد كانوا أقل حدة في تعبيراتهم عن "حماس"، معتبرين صواريخها غير مقبولة، وتصرفاتها "فظيعة"، لكنهم تجنبوا الحديث عن كونها إرهابية أو غير إرهابية. في مجلس اللوردات، اعتبر جون كوينتن ديفس، لورد ستامفورد العمالي، قطاع غزة محكومًا من جانب طغيان وحشي، على حد قوله، ممثلً ب "حماس" التي تحكم من خلال التعذيب والإعدامات لمن تسميهم عملاء. ورأى اللورد العمالي أن الحركة هي التي تتسبب في الحصار لشعبها؛ فهي "لا تريد إنهاء الحصار على غزة عبر قبول شروط الرباعية ببساطة". في تصويره للحركة، يؤكد اللورد أنه التقى قادة من "حماس"، وأنهم في حالة تنكُّر لمسؤوليتهم عما يحل بالقطاع من معاناة جراء عدم اعترافهم بإسرائيل. وذهب اللورد أبعد من ذلك حين دعا إلى توجيه رسالة صارمة لحماس، مفادها "أن المساعدات التي تصل إلى قطاع غزة من الحكومة البريطانية أو الأوروبيين عمومًا ينبغي ألا تستمر إلى الأبد"؛ لأنها تقوّي في النهاية بنيان "حماس." ينبغي ألا تكون هذه المساعدات من غير تغيير من طرف "حماس"، أو اعتراف بإسرائيل، أو تراجع عن مقاربة الحركة التي تنكر ما تتسبب فيه من معاناة للأجيال الفلسطينية"43. هكذا، يريد اللورد العمالي استخدام حتى قوت المدنيين الفلسطينيين في الضغط على "حماس" لأهداف سياسية بحتة. إمعانًا في شيطنة "حماس" وتصويرها باعتبارها عديمة المشاعر، وجماعة من القراصنة وأصحاب الثراء، شنَّ اللورد لسلي تورنبيرغ هجومًا شرسًا على "حماس"، متهمً إياها، علاوة على التسبب في معاناة الفلسطينيين، بالسيطرة على تجارة الأنفاق التي جعلت من بعض زعاماتها أثرياء على حساب الشعب، وبفرض الضرائب على الناس، وبمنع السلطة الفلسطينية، وحتى الأمم المتحدة، من مراقبة المعابر، حتى لا تضعف أوضاعها المالية. وبرأيه أن أوضاع غزة يمكن أن تتغير "إذا اقتنصت حماس الفرصة وأخذت تتحدث عن السلام بدلً من الحرب والدمار." أما مين مورغان، بارونة إلي، فأكدت أن رفع الحصار يبدأ من الإقرار بحق إسرائيل في الوجود، والتوقف عن إطلاق الصواريخ عليها، والكف عن إخفاء الأسلحة في المدارس.
ومع ذلك، فإن هنالك من يرفض شيطنة "حماس"، مثل اللورد نورمان وارنر الذي دعا إلى الحوار مع الحركة، معتبرًا أن كل التنظيمات تحوي عناصر غير حميدة، ولكن هذا ينبغي ألا يمنع من بناء الجسور وبذل الجهد للتوفيق بين "حماس" وإسرائيل من أجل أطفال غزة والأجيال القادمة44. بالنظر إلى أن هناك مجموعات صديقة لإسرائيل وأخرى لفلسطين في الحزب، وأن هناك من هم أصدقاء للطرفين، فإن أصدقاء إسرائيل، على الأغلب، يحملون المواقف الأكثر تشددًا تجاه "حماس"، بينما لا يبوح أيٌّ من أصدقاء فلسطين بنظرة إيجابية تجاه "حماس" إن وُجِدت. ولكن حدة عداء من لا يبوحون بهذه المواقف أقل من نظيرتها لدى المجموعة الأخرى، وهو ما يعني غياب رأي مفصَّل واحد يتبناه الكل بالحماس ذاته داخل الحزب.
22 حزب المحافظين
يختزن حزب المحافظين في أعضائه توجهات أكثر تطرفًا تجاه "حماس" من تلك التي يختزنها نظراؤهم في حزب العمال أو غيره من الأحزاب إجمالً. فقد لوحظ أن ثماني مداخلات من أصل 25 مداخلة لأعضاء من حزب المحافظين قُدِّمت في جلسة "الاعتراف بدولة فلسطين" في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2014 (أي ما نسبته 32 في المئة) هاجمت "حماس" متهمة إياها بالإرهاب وغير ذلك من الأوصاف المتطرفة؛ في حين أن ثلاثًا فقط من أصل 37 مداخلة لأعضاء من حزب العمال في الجلسة المذكورة (أي ما نسبته 0.08 في المئة) ذكرت "حماس" باعتبارها إرهابية أو معيقة للسلام. وللتدليل على عمق الفارق في التوجهات بين الحزبين الكبيرين إزاء "حماس"، يمكن الاتكاء على المذكرة التي وقَّعها 127 برلمانيًّا في عام 2007، وتدعو إلى إجراء اتصالات مع "حماس" على خلفية دورها في تحرير جونستن، الصحافي المختطف في غزة؛ إذ لم يوقعها سوى ثمانية أعضاء من حزب المحافظين (أي ما نسبته 0.06 في المئة من الموقِّعين)، مقابل 83 عضوًا من حزب العمال (أي ما نسبته 65 في المئة)45. وبالنظر إلى المذكرة الأخرى التي وقعها 48 عضوًا برلمانيًّا في عام 2009، وكانت تدعو إلى الحوار أيضًا مع "حماس"، فقد وقعها نائب واحد من المحافظين (أي ما نسبته 0.02 في المئة من الموقعين) مقابل 36 نائبًا من العماليين (أي ما نسبته 75 في المئة). في الوقت ذاته، لم يدخر رئيس الحزب آنذاك، كاميرون، مناسبة إلا استغلها في وصم "حماس" بالإرهاب، ووصف هجماتها الصاروخية إبان الحرب الأخيرة على غزة بالهجمات الإرهابية، وكان يرى أن الكفَّ عنها هو أسرع طريق لوقف إطلاق النار آنذاك. وقد كرر في كثير من المناسبات دعوته حماس "إلى الاع اررف بحق إسرائيل في الوجود، ونبذ العنف، والانخراط في المفاوضات"46.
أما أعضاء البرلمان من الحزب فقد عبَّ كثير منهم عن وجهة نظرهم في اللقاء المشار إليه سابقًا فيما عرف بيوم التصويت على الاعتراف بدولة فلسطين في مجلس العموم البريطاني. واعتبر مالكولم رفكند، النائب عن دائرة كنسينغتن، أن هجمات "حماس" الصاروخية المستمرة على إسرائيل والانقسام الذي تسببت فيه الحركة هما سبب التعقيدات التي تبديها إسرائيل في علاقتها بالملف الفلسطيني. أما جيمس كلابيسون، النائب عن دائرة هيرتسمير، فقد اعتبر أن "حماس" هي المتسبب في دائرة العنف والإحباط في غزة، ومن ثم، فالضغط ينبغي أن ينصب على تلك الحركة، كي تتخلى عن نهجها وتبدأ مفاوضات جدية مع إسرائيل إلى جانب السلطة الفلسطينية47. وتولّ بوب ستيوارت، النائب عن بيكنهام، مهمة تصوير "حماس" باعتبارها تتنكر للقانون الدولي الإنساني، متجاهلً خرق إسرائيل الصارخ لهذا القانون، ومعتبرًا أن اعتراف "حماس" بإسرائيل، والكفَّ عن الأعمال "الإرهابية" الصادرة عن الفلسطينيين عمومًا سيجعلان أمثاله أقل حيرة فيما يتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. ولكنه يُقر في الوقت نفسه بأن هذا "الإرهاب" هو نتاج اليأس، وفقدان الأمل الذي يعانيه هؤلاء، معتبرًا "حماس" منظمة إرهابية وفقًا لتصنيفات بريطانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وأستراليا وغيرها، وأنها مسؤولة عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وعن خطف ثلاثة شبان إسرائيليين وقتلهم في الضفة الغربية في آب/ أغسطس 2014، مما يؤكد أنها أيضًا لا تولي القانون الدولي الإنساني أثناء الحرب أيّ اعتبار. والمثير للاهتمام أن
النائب قدّم لحديثه عن الحركة بالحديث عن خبرته مع المنظمات الإرهابية الإيرلندية وبعض المجموعات المشابهة في البلقان، في إشارة إلى تفهمه الضمني لمواجهة مثل هذه الحركة على القاعدة ذاتها48. أسهم روبرت هالفون، النائب عن هارلو، هو أيضًا، في رسم صورة "حماس" في ذهنيات صناع القرار باعتبارها نظيرة "داعش" حين اتهم الحركة بأنها منظمة إرهابية تحكم غزة بالقوة، وأنها أوضحت في ميثاقها أن هدفها هو إبادة إسرائيل وقتال اليهود، ومن ثم، فالفرق بينها وبين تنظيم "داعش" هو فرق في الدرجة فقط؛ إذ إن "حماس" تستخدم المدنيين الفلسطينيين دروعًا بشرية، وتنفق الملايين على بناء الأنفاق كي ترسل "إرهابيين" وانتحاريين ليفجروا في إسرائيل. ولهذا فإن النائب يدعم شرقًا أوسط حرًّا من "داعش" و"القاعدة" و"حماس"، كما يدعم دولة فلسطينية ناتجة من المفاوضات، بشرط خلوِّها من "حماس" و"الجهاد الإسلامي". وترى آن مين، النائبة عن دائرة سانت ألبانز، أنه ينبغي إدانة "حماس" بسبب المآسي التي ترتكبها، وهو ما يدعو إلى وضع سؤال الاعتراف بالدولة الفلسطينية(المرتبطة بالإرهاب )محل نقاش، لا سيما في سياق وجود دول معترف بها من جانب المجتمع الدولي ولها علاقات بالإرهاب، وهو ما ينبغي أن ينطبق على الحالة في فلسطين. ومع أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها في مواجهة آلاف الصواريخ التي تمطرها "حماس" بها، وفقًا لرأي أندرو غريفيثس، النائب عن دائرة بارتن، فلا يحق لإسرائيل أن تستخدم ذلك مبررًا للتدمير والقتل على نحو غير متناسب49. حاول بعض النواب إضفاء صفة "النازية" على صورة "حماس" في أوساط البريطانيين، ضاربًا على وتر حساس بالنسبة إلى عموم المجتمعات الغربية؛ فأعرب إدوارد ليغ، النائب عن دائرة غينزباره، عن أنه لا يحمل سوى مشاعر الازدراء ل "حماس" التي هي في نظره نوع من المنظمات النازية، لا سيما أنها تنهال بصواريخها على إسرائيل التي لا يُكِن لها سوى كل الاحترام والدعم. وقد خلط النائب بين العاملين التاريخي والسياسي، مذكِّرًا "بأننا نفهم الفظائع التي مر بها الشعب اليهودي، ومن ثم، فإن من حقه العيش بأمن وسلام". في الوقت ذاته، "حماس" هي من يحول دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفقًا لرأي ريتشارد أوتاواي، النائب عن دائرة جنوب كرويدن. وعلى الرغم من سخطه الشديد وعدم تفهمه، بصفته صديقًا دائمًا لإسرائيل، لسياساتها الاستيطانية، فقد امتنع من التصويت لمصلحة مشروع القرار حول الاعتراف بفلسطين، بسبب آلاف الصواريخ التي تُطلَق من قطاع غزة على إسرائيل، واستخدام المدنيين هناك دروعًا بشرية، واستغلال المواد التي يُسمَح بدخولها للقطاع من أجل بناء الأنفاق وتعزيز العداء لإسرائيل، في إشارة صريحة إلى "حماس"، على نحو يؤكد عدم جاهزية الفلسطينيين للدولة50. علاوة على ذلك، أضاف اللورد ديفيد غولد المنتمي إلى الحزب نفسه خصائص جديدة إلى صورة "حماس" في مجلس اللوردات، باعتبارها تهديدًا ثابتًا لإسرائيل وللسلام في المنطقة، وأنها تقتل معارضيها، وتُحكم سيطرتها على غزة بيدٍ لا تعرف الرحمة، فضلً عن أن ميثاقها يدعو إلى تدمير دولة إسرائيل51. هذا التصور الذي بناه هؤلاء النواب المحافظون عن "حماس" نابع من نظرة أحادية الجانب، تأخذ الرواية الصهيونية بشكل مسلَّم به من دون أن تُعمل النظر في حقيقة ما يجري على الأرض من جانب دولة الاحتلال بحق غزة وعموم الأراضي الفلسطينية، ومن دون أن تحقق في طبيعة المهمات النضالية المنسجمة مع القانون الدولي التي تقوم بها حركات المقاومة الفلسطينية، ومنها "حماس"، في مواجهة المحتلين.
33 الحزب القومي الإسكتلندي
يعد الحزب القومي الإسكتلندي نصيرًا تاريخيًّا لفلسطين؛ إذ تجمعه بالحالة الفلسطينية عمومًا قواسم مشتركة تتعلق بالبحث عن الاستقلال وتقرير المصير، بعيدًا عن الهيمنة الخارجية. وقد كان أعضاء كثيرون في الحزب هدفًا لهجوم اللوبي الصهيوني والمنظمات ووسائل الإعلام التي تدور في فلكه، باعتبارهم معادين للسامية، حتى إنهم اتُّهِموا بأنهم مؤيدون ل "ح ساا". وقد كان أليكس سالموند، زعيم الحزب حتى عام 2014، أشدّ هجومًا على السياسات الإسرائيلية، وأكثر صراحة وجرأة في التعبير عن مواقفه من القضية الفلسطينية من وريثته في زعامة الحزب، نيكولا ستيرجن التي تحاول الظهور بمظهر الأكثر دبلوماسية وحكمة في التعامل مع الأحداث الدولية المختلفة. في أثناء الحرب على غزة، دعا سالموند، بوصفه رئيس وزراء الحكومة الإسكتلندية، إلى حظر بيع السلاح لإسرائيل، وهو من الأصوات القليلة التي حملت لواء الدعوة إلى هذا الإجراء52. ومما يؤكد عمق المناصرة للشأن الفلسطيني في الأوساط الإسكتلندية صدور 260 حراكًا عن البرلمان الإسكتلندي بين الأعوام 2014-2011 تتعلق بالشؤون الدولية، منها خمسون حراكًا متعلقًا
بالقضية الفلسطينية على وجه التحديد (أي ما نسبته 19 في المئة.) علاوة على ذلك، فقد صدر عن الحكومة الإسكتلندية في غضون شهر واحد من حرب عام 2014 على غزة ثمانية بيانات تتعلق بما يجري فيها، بينما لم يصدر عنها سوى أربعة بيانات تتعلق بالشأن السوري في إطار عشرين شهرًا من الأزمة المتفجرة هناك، ويؤكد هذا عمق المشاعر التي يحملها الحزب تجاه عدالة القضية الفلسطينية، ومنها المقاومة الفلسطينية، متمثلة ب "حماس" التي مثلت الطرف الأبرز في مواجهة إسرائيل إبان الحرب على غزة53. وفقًا لتصريح أعلنه 30 نائبًا إسكتلنديًّا في مجلس العموم البريطاني من أصل 54 عضوًا في المجلس (أي ما نسبته 54 في المئة من برلمانيي الحزب)، عبروا عن دعمهم لمجموعة داعية إلى إعطاء الفلسطينيين حق تقرير المصير، تحمل عنوان "الحملة من أجل تحقيق العدالة للفلسطينيين"، مبدين تأييدهم الكامل لمجموعة أنصار فلسطين في الحزب القومي الإسكتلندي، وداعين إلى انسحاب إسرائيل، وإخلاء المستوطنات غير الشرعية، ودعم حق العودة54. تؤكد هذه الشواهد وغيرها، بما لا يدع مجالً للشك، أن المزاج العام الإسكتلندي يتعامل مع الشأن الفلسطيني بطريقة مغايرة لتعامل الآخرين، وهو ما يعني بالضرورة وجود تفهم للمقاومة الفلسطينية وممثليها على الأرض. وقد عزز الفوز الساحق الذي أحرزه الحزب القومي الإسكتلندي في الانتخابات البريطانية التي جرت في عام 2015 هذا التأييد بقدر كبير، وهو الحزب الذي تمكَّن من إزاحة حزبي العمال والمحافظين من المشهد، جاعلً منطقة إسكتلندا "منطقة خالية من ضغط اللوبي الصهيوني" على حد تعبير بعض الكتّاب55. إلا أن وجود حماس على قائمة الإرهاب الأوروبية ربما يجعل البوح بالمشاعر الحقيقية تجاه الحركة أمرًا محرجًا بالنسبة إلى كثيرين من أعضاء الحزب. ويُلحَظ أن سجل أعضاء الحزب، عمومًا، يخلو من الهجوم على "حماس" أو وصفها بالإرهاب؛ فعلى سبيل المثال، أعلن ستيوارت هوسي، عضو الحزب في مجلس العموم عن دائرة شرق دندي، في خطابه المتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، رفضه إطلاق الصواريخ من غزة نحو إسرائيل، ولكنه لم يصف حماس بالإرهاب كما فعل بعض نظرائه من حزبي العمال والمحافظين. وعلى العكس، ركَّز جهوده على تحميل إسرائيل مسؤولية الكوارث التي خلفتها في غزة خلال حروبها هناك. أما ستيوارت ماكدونالد، النائب عن دائرة جنوب غلاسكو، فقد طالب بمحاكمة نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، معتبرًا دولة الاحتلال دولة أبارتهايد، داعيًا إلى مقاطعتها وسحب الاستثمارات منها، بينما شن منافسه في الدائرة من حزب العمال هجومًا عليه من زاوية ما اعتبره تأييدًا منه ل "حماس" وما تمثله من "إرهاب" معيق لحل الدولتين56.
44 الليبراليون الديمقراطيون والخضر
كان الليبراليون الديمقراطيون متقدمين في مواقفهم من "حماس" مقارنةً بغيرهم من الأحزاب البريطانية؛ إذ قام 24 نائبًا منهم من أصل 62 نائبًا هم مجموع أعضاء الكتلة النيابية في مجلس العموم (أي ما نسبته 39 في المئة من أعضاء الكتلة) بتوقيع "مذكرة ال 127" المشار إليها سابقًا، في عام 2007، وهي التي أطلقت في البرلمان البريطانيُ، ودعت إلى فتح اتصالات مع "حماس". ومقارنةً بالأحزاب الأخرى، بلغت نسبتهم بين موقعي المذكرة 22 في المئة، في حين وصلت تلك النسبة إلى 23 في المئة ممن وقعوا مذكرة ال 48 في عام 2009، وهما نسبتان كبيرتان مقارنةً بنسبة من وقعوا المذكرتين من حزب المحافظين وهي 0.06 في المئة و 0.02 في المئة على التوالي. وهذا في حد ذاته مؤشر واضح إلى الموقف الليِّ نسبيًّا للحزب تجاه "حماس." ومن المثير للانتباه أن نك كليغ، زعيم الحزب الذي استقال في أيار/ مايو من عام 2015 كان متقدمًا على نظرائه من رؤساء الأحزاب الأخرى حينما تجرأ على دعوة إسرائيل إلى فتح حوار مباشر مع "حماس"، قائلً إنه "حان الوقت كي تتحدث إسرائيل مع القيادة السياسية ل 'حماس' في غزة، وإن على إسرائيل مراجعة سياسة المقاطعة التي تنتهجها ضد حكومة الوحدة التي شكَّلها عباس"، مؤكدًا أن "صواريخ 'حماس' لن تكسر عزيمة إسرائيل، كما أن قنابل إسرائيل لن تُنهي المقاومة الفلسطينية. حتى إن استطاعت إسرائيل تدمير 'حماس'، فستخرج حتمً منظمة مشابهة لها من واقع الفقر المدقع واليأس الموجودين في غزة"57. وقد كان استعماله كلمة "مقاومة" مثيرًا للاهتمام؛ إذ إنه مصطلح يحمل في طياته معاني المواجهة المشروعة، وتكمن أهميته في هذا السياق في كونها كانت مقترنة ب "حماس"، وهو ما لا يؤكد فقط مواقف قائلها، ولكن مواقف كثير من السياسيين أيضًا ممن هم مقتنعون بأن "حماس" هي حركة
مقاومة، وليست حركة إرهابية كما تحاول إسرائيل وأنصارها تصويرها. في السياق ذاته، يعد استنتاجه بتعذر تدمير "حماس"، وافتراضه أن تغييبها سيجلب من هو أكثر تشددًا منها، استنتاجًا يدل على فهم متقدم لطبيعة الصراع في فلسطين ومآلاته الحتمية. الشخصية الأخرى الأبرز في تاريخ الحزب التي كان لها إسهام في رسم صورة "حماس" عبر مشوارها السياسي الطويل في مجلس اللوردات هي البارونة جيني تونج؛ إذ كانت لها مواقف مشابهة، بل أكثر تقدمًا مما ورد على لسان زعيم الحزب السابق؛ فهي أسبق منه في التعبير عن مواقفها المتفهمة لمعاناة الفلسطينيين التي تسبب فيها الاحتلال. وقد دفعت مقابل تلك المواقف أثمانًا على يد حزبها؛ إذ تمت إقالتها من إحدى المسؤوليات التي كانت موكلة لها في مجلس العموم في عام 2004، حينما أفادت بأنها "لو كانت تتعرض لما يتعرض له الفلسطينيون فلربما فكرت في القيام 'بعملية انتحارية"'58. وفي عام 2010، أقيلت كذلك من مسؤوليتها المناطة بها من الحزب في مجلس اللوردات حينما وجهت انتقادًا للجنود الإسرائيليين الذين دعوا إلى "تقديم العون لهاييتي بعد الزلزال الذي ضربها في الوقت الذي يتورط فيه هؤلاء الجنود في الاتجار بأعضاء البشر"59. وفي معرض سؤالها الذي طرحته في مجلس اللوردات، على سبيل المثال، تحدثت مطولً عن غزة وأوضاعها، وعن "حماس" وخياراتها. وأشارت البارونة إلى أن "حماس" فازت في انتخابات ديمقراطية ونزيهة وشفافة جرت برعاية دولية غير مشكوك فيها، إلا أن المجتمع الدولي تنكّر لها، ومنه الحكومة البريطانية. وقد مثّلت تونج الرواية المقابلة لما مثّله أعداء "حماس" في مجلسَ العموم واللوردات حين أوضحت في السياق ذاته أن الحركة مدَّت يدها لإسرائيل والمجتمع الدولي حينما عرضت وقفًا طويل الأمد لإطلاق النار على أساس الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967. ولكن يد "حماس" الممدودة لم تقابلها إسرائيل والأمم المتحدة والحكومة البريطانية بخطوات مماثلة. ومن ثم، فإن "إطلاق 'حماس' صواريخها من داخل السجن المفتوح المسمى غزة، هو شكل من أشكال الدفاع عن النفس أجبرت عليه الحركة." جاء الدعم القوي الذي حصلت عليه "حماس" حينما قدمت البارونة إحصاءاتها حول من قُتِلوا جراء الصواريخ بين الطرفين، مؤكدةً أنه لا وجه للمقارنة بين من قتل 67 جنديًّا إسرائيليًّا وستة من المدنيين الإسرائيليين فقط، في إشارة إلى "حماس" أثناء الحرب على غزة في عام 2014، وبين آلة القتل الإسرائيلية الوحشية، على حد قولها، التي قتلت آلالاف الأطفال والمدنيين الغزيين. استخدام البارونة هذا الوصف في حديثها عن صواريخ "حماس" يعد سابقة لم يجرؤ أي متحدث في غرفتي البرلمان، اللوردات والعموم، على التفوه بها من قبل. وعلى الرغم من أن هذا الموقف ليس معبرًا بالضرورة عن رأي حزبها، فهو يشير إلى وجود عناصر في المؤسسة الرسمية للحزب تتحلى بالشجاعة، وتضع في حساباتها ما يختلف عن ذاك الذي يضعه كثيرون من نظرائها. في الإطار ذاته، واستطرادًا في محاولات رسم المشهد المحيط ب "حماس" في ذهنية صانع القرار، دعا لورد سالتير، وليام والاس، وهو من الحزب ذاته، حكومات أوروبا، ومنها حكومة المملكة المتحدة، إلى بذل الجهد لعقد هدنة بين "حماس" وإسرائيل، معتبرًا أن المسألة تستحق من الأوروبيين بذل الجهد في ظل وجود تهديدات كثيرة في المنطقة، في إشارة إلى تنظيم "داعش" وغيره من الحركات الموسومة بالتطرف والعداء للغرب. أما حزب الخضر فقلمّا تناول موضوع "حماس" أو الصراع العربي - الإسرائيلي، لاعتبارات تتعلق باهتمامات الحزب وأولوياته، إلا أن المواقف التي عبر عنها عضو حزب الخضر البريطاني، الرئيس المساعد لمجموعة مبادرة السلام المنبثقة عن الأحزاب المختلفة في البرلمان الأوروبي، بصدد فوز "حماس" في عام 2006 وآليات التعامل معها، كانت إيجابية. فمن وجهة نظره، "يجب احترام نتيجة الانتخابات التي أتت ب "حماس"، من دون وضع شروط مستحيلة التطبيق على الحركة، ومن دون المخاطرة بزيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وتأخير مسألة تعزيز الديمقراطية فيها لسنوات... ف 'حماس' فازت في انتخابات سلمية ومنظمة بدعم من جمهور انتخابي كبير... على الاتحاد الأوروبي والرباعية الدولية احترام ذلك". يعبر هذا الموقف وغيره عن زاوية نظر تغافل عنها كثيرون في التعامل مع المسألة على الساحة الأوروبية عمومًا، ويؤكد مجددًا وجود توجهات أكثر استماعًا إلى الرواية الفلسطينية من غيرها ممن يكتفون بالاستماع إلى الرواية الصهيونية القائمة على حسابات التاريخ والدين.
خلاصة
لا توجد بيانات صادرة عن الأحزاب البريطانية بعنوان "الموقف من حماس"، لكن تصريحات رؤساء الأحزاب ومجموع البرلمانيين
المنتمين إليها يمكن اعتبارها مؤشرًا صريحًا إلى ذلك الموقف. وهنا، يمكننا الجزم، وفقًا للمعطيات التي أوردناها في هذه الدراسة، بأن هناك فروقًا بين الأحزاب عمومًا في حدّة الموقف من "حماس"؛ إذ يظهر المحافظون في هذا السياق على أنهم الأكثر تطرفًا في مواقفهم تجاه الحركة، بينما يبدو أقلهم سلبية تلك الأحزاب الصغيرة نسبيًّا، كالليبراليين الديمقراطيين، والقوميين الإسكتلنديين، والخضر، في حين يحتل العمال موقع الوسط في ذلك. غير أن موقف الحكومات من "حماس" لم يتغير في جوهره بتغير الأحزاب التي شكَّلتها، وكان آخرها ما صدر في هذا الصدد خصوصًا عن حكومة كاميرون المستقيلة. في الوقت الذي تشكلت فيه صورة "حماس" في العقل الجمعي الرسمي البريطاني جرّاء تلك التصورات المستندة إلى قراءات أحادية الجانب، تولي الاعتبار للرواية الصهيونية، من دون أن تعطي الرواية الفلسطينية ما تستحقه في المقابل من اهتمام، فإن سياسات بريطانيا تجاه "حماس" وعموم قوى المقاومة الفلسطينية تغدو مفهومة؛ إذ لا يمكن في أعقاب صورة مرسومة هكذا في الذهنية السياسية البريطانية عن "حماس" أن نتوقع غير المقاطعة والتجريم. ويتبيَّ لنا أيضًا أن المواقف الحزبية من "حماس" عمومًا ظلت خاضعة للسقف الذي وضعته الحكومات البريطانية؛ إذ لم يجرؤ أي من تلك الأحزاب على اختراقه، أو على معاكسة الرواية الحكومية صراحة في هذا الصدد. ومع ذلك، توافرت محاولات فردية ومبادرات غير مألوفة للاقتراب من الموضوع بطريقة مغايرة، بيد أنها لم ترق إلى أن تشكِّل ظاهرة مهمة في أوساط الفكر المهيمن، علاوة على أنه لم يتم البناء عليها. في الوقت ذاته، يمكننا أن نلحظ أن الموقف من "حماس" قد بُنِي في الغالب على تصورات الأحزاب عن سلوكيات الحركة النضالية، لا سيما العمليات التي تستهدف المدنيين، وإطلاق الصواريخ، وحفر الأنفاق، وحكم غزة، ورفض مسيرة التسوية، وعمليات الاختطاف والقتل، إضافة إلى بعض التصريحات غير المريحة للغرب الصادرة عن قيادات في الحركة. لذا، فإن تغيُّ الموقف من "حماس" مرتبط بتغيرات إستراتيجية تتعلق بما ذُكِر. في الوقت ذاته، تجاهلت تلك الأحزاب في حكمها على الحركة القانون الدولي الذي يبيح للشعوب التي تقع تحت الاحتلال المقاومة بكل أشكالها، كما يعطيها الحق في الدفاع عن النفس. وبقيت متأثرة بالموقف العام من إسرائيل، على اعتبار أنها ذات خصوصية في العقل الجمعي البريطاني المستند إلى الإرث الاستعماري. بيد أن هناك تفهم كبيرًا من جانب الكلِّ البريطاني لعدالة القضية الفلسطينية على قاعدة حل الدولتين، ووحدانية التمثيل الفلسطيني ممثلً بالسلطة الفلسطينية بقيادتها الحالية، غير أن "حماس" لا تحتل موقعًا ملموسًا على نطاق واسع في إطار هذا التفهم والقبول. ويعني وجود عشرات النواب من جميع الأحزاب ممن دعوا إلى عقد اتصالات مع "حماس" أو الحوار معها، وإن لم ينفوا كونها حركة إرهابية أو يسكتوا عن الأمر في أحسن الأحوال، أن هناك كوَّة يمكن عبرَها مد الجسور مع صانعي السياسة البريطانية، لا سيما أن هناك شبه تسليم باستحالة حسم الصراع بين "حماس" وإسرائيل بالقوة لمصلحة إسرائيل. وفي الحصيلة النهائية، يمكن الخلوص إلى أن هناك استفرادًا كبيرًا بصناعة صورة "حماس" في أوساط صناع القرار البريطاني من جانب المحسوبين على اللوبي الصهيوني العابر للأحزاب، بينما يغيب تمامًا صوت "حماس" ذاتها، شأنها شأن نظيراتها في المقاومة الفلسطينية، أو أيّ من المدافعين عنها أو المروجين لروايتها عن تلك الأوساط.
المراجع
European Union. “Updating Common Position 2001931//CFSP on the application of specific measures to combat terrorism and repealing Common Position 2003482//CFSP.” Official Journal of the European Union. L 229 / 42. 132003/11/. at: https://goo.gl/EnxMPM Jackson, Robert & George Sorensen. Introduction to International Relations: Theories and Approaches. 3 rd ed. New York: Oxford University Press, 2007. UK Government. “Consolidated List of Financial Sanctions Targets in The UK.” 27/09/2016, at: https://goo.gl/5M6bor ________. “Proscribed Terrorist Organizations in the UK.” 27/9/2017. at: https://goo.gl/zdjyMw UNGA. “Importance of the Universal Realization of the Right of Peoples to Self Determination and of the Speedy Granting of Independence to Colonial Countries and Peoples for the Effective Guarantee and Observance of Human Rights.” A/RES/3246. XXIX. 29 November 1974. ________. “Importance of the Universal Realization of the Right of Peoples to Self-Determination and of the Speedy Granting of Independence to Colonial Countries and Peoples for the Effective Guarantee and Observance of Human Rights.” A/RES/33/24. 29 November 1978. Wendt, Alexander. “Constructing International Politics.” International security. vol. 20. no. 1 (1995).