كيف تُقاتِل ولاية سيناء؟ تحليل سياسي عسكري للأزمة السيناوية

Sinai’s Insurgency: Implications of Enhanced Guerilla Warfare

عمر عاشور| Omar Ashour *

الملخّص

تركز هذه الدراسة على تمرد ولاية سيناء، استنادًا إلى ما تقدمه الدراسات المختصة بحركات التمرد والثورات المسلحة. وتؤطر الدراسة الأسئلة الآتية: كيف دام تمرد سيناء الضعيف نسبيًا طوال هذا الوقت؟ ولماذا؟ وما تداعيات ذلك على سياسات مكافحة التمرد؟ ولماذا بقي التمرد، بل تمدد في أحيان عدة؟ وترتكز الدراسة على البحث في مسألة القدرة العسكرية للمسلحين ومواردهم، وتخبّط الجيش المصري النظامي في مكافحة التمرد، والبيئة السياسية التي تحتضن كلا العاملين. ومن ثم تنتقل إلى بحث الأنماط التكتيكية للتنظيم وإستراتيجيته الشاملة، لتستنتج أن فشل جهود مكافحة التمرد، واستمرار غياب المصالحة الوطنية، وعدم مراجعة سياسات مكافحة التمرد، وغياب الرقابة على السياسات العسكرية والأمنية، كلها عوامل تؤدي إلى تكريس بيئة يمكن تنظيم ولاية سيناء أو مثيله البقاء فيها مدة أطول، وربما التمدد أكثر.

Abstract

This paper relies on the academic literature on rebel movements and armed rebellions to better the insurrection presently underway in the Egyptian provinces of the Sinai. The paper seeks to understand the implications for counter-insurgency policies, asking why the insurgency has proven so resilient, and at times expanded. The military capabilities and resources available to the militants will also be scrutinized, along with the Egyptian Army's blundering attempts at counterinsurgency and the prevailing political environment. The paper then moves to studying the tactical patterns and the overall strategy of the ISIL affiliated group active in the Sinai. The author concludes that the failure of counterinsurgency efforts, the continued absence of national reconciliation, the failure to review and revise counterinsurgency policies serve to make the Sinai region fertile ground for insurgents.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

بدأ الجيش المصري في آب/ أغسطس 2011 عملية لمكافحة تمرد مسلح متصاعد في سيناء وإخماده، استهدف في البداية مدنيين وعسكريين إسرائيليين، إضافة إلى أنابيب للغاز. لكن خلال السنوات الست الماضية، استطاع هذا التمرد السيناوي توسيع نطاقه الجغرافي، وزيادة قدراته العسكرية، وزيادة كثافة عملياته ومددها، وتحسين نوعية إعلامه واتصالاته قبل أن ينحسر كل ذلك تدريجيًا منذ نهاية عام 2017. فكيف دام تمرد ضعيف نسبيًا طوال هذا الوقت؟ ولماذا؟ وما تداعيات ذلك على سياسات مكافحة التمرد؟ تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذه الأسئلة. تمرد سيناء محيِّ لدراسات الثورات المسلحة ودراسات مكافحة التمرد على السواء، لأسباب عدة. أولً، من الناحية الجغرافية، لا يُعدّ الساحل الشمالي الشرقي لشبه جزيرة سيناء منطقة وعرة، إذ تقع معظم جبالها المرتفعة في الجنوب، كقمتي جبل كاترين (8668 قدمًا) وجبل سيناء (7497 قدمًا)، بعيدًا عن مركز التمرد. وفي الواقع، حصلت اشتباكات في جبل حلال (5577 قدمًا) في وسط سيناء، لكنها لم تكن مسرح العمليات الرئيس. ثانيًا، سكان سيناء قليلٌ عددهم نسبيًا، إذ يبلغ عدد سكان محافظة شمال سيناء 434781 نسمة (40 نسمة في كل ميل مربع). وتحدث معظم المواجهات المسلحة في ثلاثة من مراكزها الإدارية الستة: العريش، والشيخ زويد، ورفح (وهي مراكز إدارية ساحلية منبسطة على البحر الأبيض المتوسط)، يقدر عدد سكانها بنحو 300 ألف نسمة تقريبًا. ثالثًا، الولاءات بين السكان متعددة؛ إذ يوجد تقريبًا في كل قبيلة أو عشيرة في الشمال الشرقي لسيناء أعضاء وأنصار للتمرد وكذلك مؤيدون، ومخبرون، وقبليون مسلحون موالون لقوات النظام. ولم تأخذ تلك الانقسامات حدودًا واضحة بين البدو والحضر، أو بين هويات قبلية أو جهوية - سيناوية؛ فكل من هذه التصنيفات يضمّ عناصر من كلا الجانبين. كما أن وحشية سلوكيات التنظيم وشدة تطرفه تنفران منه الشرائح المجتمعية المحيطة به. وأخيرًا، لا توجد رعاية للتنظيم من دولة معينة، فهو لا يتلقى دعمً مباشرًا من أي حكومة في المنطقة، بما في ذلك سلطات حماس في غزة. ومن ناحية أخرى تحظى قوات الجيش بتفوق هائل يقارب 100 جندي وضابط لمسلح واحد في بعض الأحيان1، إلى جانب دعم الولايات المتحدة الأميركية في التدريب والتمويل والتجهيز والاستخبارات، والدعم الذي تقدّمه إسرائيل في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية والعمل الميداني (على المستويين التكتيكي والعملياتي). والسؤال الأساسي، بالنظر إلى كل ذلك: لماذا بقي التمرد، بل تمدد في أحيان عدة؟

معضلات التمردات المزمنة

حدثت زيادة مطّردة في قدرات المتمردين/ الثوار2 المسلحين منذ الربع الأخير من القرن العشرين. وقد أظهرت دراسات أكاديمية ارتفاعًا كبيرًا في عدد انتصارات المتمردين على قوات أكبر للنظام، أو فشل الأخيرة في هزيمة ثوار أضعف بكثير من القوات النظامية. ونذكر في هذا السياق أبرز الأدبيات التي توقفت عند انتصارات المتمردين على القوات النظامية مع التطرق إلى نماذج تاريخية متنوعة وفق التالي: دراسة أندرو ماك "لماذا تخسر الأمم الكبيرة الحروبَ الصغيرة: سياسة الصراع اللامتماثل"، ودراسة إيفان توفت "كيف يفوز الضعفاء في الحروب: نظرية الصراع اللامتماثل"، ودراسة باتريك جونستون "جغرافية التنظيمات المتمردة وعواقبها على الحروب الأهلية: أدلة من ليبيريا وسيراليون"، والدراسة المشتركة لكل من جاسن لايل وإشعياء ويلسون "الغضب من الآلات: تفسير عوائد حروب مكافحة التمرد"، وكذلك كتاب كونابل ومارتن سي. ليبيكي كيف ينتهي التمرد، ودراسة سيباستيان سكوت "الجغرافية والعوائد والخسائر: نموذج موحد للتمرد"، هذا فضلً عن دراسات أخرى3. وتقدّم الدراسات المختصة بحركات التمرد والثورات المسلحة مجموعة واسعة من التفسيرات، أبرزها تلك التي تركّز على الجغرافيا والسكان والدعم الخارجي والتكتيكات العسكرية والإستراتيجية العسكرية. إذ يبُرز الزعيم الصيني ماو تسي تونغ مركزية ولاء السكان لتحقيق تمرد ناجح، فيقول إن على الثائر "أن يتحرك وسط الناس كسمكة في بحر"4. بينما يستنتج "الدليل الميداني لعمليات مكافحة التمرد لقوات مشاة البحرية في الجيش الأميركي" أن عمليات التمرد تمثل "تنافسًا على الولاء" بين جمهور لا يتبع معظمه ولاءً معينًا وبين آخرين يقفون إما إلى جانب

  1. 1 لا يشمل ذلك القوات العاملة في وزارة الداخلية، التي تشارك أيضًا في القتال، كقوات الأمن المركزي (ينوف عددها على 400 ألف ضابط وجندي ومجند إلزامي.)
  2. في هذه المقالة، لا توجد أي دلالة إيجابية أو سلبية مستترة لمصطلحي "المتمردين" أو "الثوار". كلاهما يشير إلى مجموعة مسلحة ترفض السلطة القائمة ولا تعترف بشرعيتها، وحين المواجهة تبادلها القوة بالقوة.
  3. Ben Connable & Martin C. Libicki, How Insurgencies End (Arlington: Rand Publications, 2010); Patrick B. Johnston, "The Geography of Insurgent Organization and its Consequences for Civil Wars: Evidence from Liberia and Sierra Leone," Security Studies , vol. 17, no. 1 (2008), pp. 107-137; Jason Lyall & Isaiah Wilson, "Rage against the Machines: Explaining Outcomes in Counterinsurgency Wars," International Organization , vol. 63, no. 1 (2009), pp. 67-106; Andrew Mack, "Why Big Nations Lose Small Wars: The Politics of Asymmetric Conflict," World Politics , vol. 27, no. 2 (1975), pp. 175-200; Sebastian Schutte, "Geography, Outcome, and Casualties: A Unified Model of insurgency," Journal of Conflict Resolution , vol. 59, no. 6 (September 2015), pp. 1-28; Ivan Arreguin-Toft, "How the Weak Win Wars: A Theory of Asymmetric Conflict," International Security , vol. 26, no. 1 (2001), pp. 93 - 128.
  4. 4 Mao Tse-tung, On Protracted War (Beijing: Foreign Language Press, 1938 [1967]), p. 17.

النظام أو الثوار، وأن النجاح يتطلب إقناع هذا الجمهور بالاصطفاف إلى جانب قوات النظام عبر "كسب قلوبهم وعقولهم"5. وقُدِّمت تفسيرات عن مركزية العامل الجغرافي؛ إذ أكد جيمس فيارون وديفيد ليتن، في دراسة مشتركة لهما عام 2013، أن التضاريس الوعرة أحد أربعة عوامل حاسمة داعمة للثورة المسلحة6. وأوضح نيل ماكولاي جزئيًا وتشي غيفارا في كتابه حرب العصابات) 1961(أن أعدادًا صغيرة من الثوريين المسلحين في كوبا تمكنت من استغلال التضاريس الوعرة ونوعية الطوبوغرافيا لدحر قوات أقوى بكثير وللانتقال التدريجي من إقليم في أقصى شرق الجزيرة نحو العاصمة في الغرب7. وأدخل كينيث إي بولدينغ في كتابه الصادر عام 1962 "تدرج فقدان القوة" للتفسيرات الجغرافية8. وهو يعني باختصار أنه كلما كان القتال أبعد عن المركز، وأشد في الأطراف، زاد احتمال فقدان قوات النظام قوتها على نحو متدرج. وأعاد سكوت تركيب المفهوم وعدله ليستدل على أن الدقة، وليس بالضرورة القوة، هي ما يضمحل بسبب المسافة9. وأدخل مفهوم "تدرج فقدان الدقة" الذي يعني أن هجمات طويلة المدى لقوات النظام تكون أكثر عشوائية وأقل دقةً (في قتل المتمردين) من الهجمات القصيرة المدى. ومن هنا يصبح تنفير المدنيين تابعًا للمسافة، نتيجةً لعدم الدقة والقتل العشوائي10. وأبرز باحثون آخرون دور الرعاية الخارجية. فقد برهن كونابل وليبيكي عام 2010 عبر دراسة 89 تمردًا أن التمردات التي "تستفيد من رعاية دولة معينة تنتصر إحصائيًا بنسبة 2 إلى 1 في الحالات المحسومة [نصر واضح لأحد الأطراف]"، وعند سحب الرعاية كليًا فإن نسبة النصر لصالح المتمردين تتراجع بنسبة 1 إلى 411. ولا ينطبق ذلك إلا على حالات الانتصارات الواضحة، وليس على الحالات المختلطة أو في التمردات المزمنة. وأخيرًا أوضح باحثون سبب انتصار متمردين مع أن قوتهم أضعف أو تمكنهم من الصمود عبر تفسيرات وشروح لتكتيكاتهم و/ أو إستراتيجياتهم العسكرية. فمن الناحية التكتيكية رأى لايل وويلسون عام 2009 أن "ماكينات" العسكرية الحديثة وأدواتها قوّضت قدرات قوات النظام على الانتصار؛ بسبب عدم تشكيل روابط مع السكان المحليين، وضعف تجميع معلومات استخبارية بشرية قيّمة. ورأى ديفيد كيلكولين، وهانز مارتن سيغ أن إمكانية حصول المتمردين على تكنولوجيا حديثة في التسليح والاتصالات والاستخبارات والتنقل والبنية التحتية والتنظيم أتاحت لهم تعزيز تكتيكاتهم العسكرية إلى مستويات كانت تاريخيًا حكرًا على المؤسسات المسلحة التابعة للدولة12. وهذا يزيد كثيرًا احتمال هزيمة قوات النظام، على أيدي قوات أقل منها عددًا وعدة وعتادًا. تنطبق عناصر عدة في هذه التفسيرات على التمرد السيناوي في مراحل ومفاصل زمنية مختلفة، ولا سيما تلك المتعلقة بتدرج فقدان القوة، وتدرج فقدان الدقة، والتكتيكات العسكرية والإستراتيجية. لكن مسألة استمراره وتوسعه تحيد بدرجة كبيرة عن التفسيرات والنظريات والمقاربات المطروحة مسبقًا. وربما توضح اللمحة التاريخية التالية بعض التباينات.

إنشاء "ولاية سيناء": لمحة موجزة (1982 - 2014)

ترجع الأبعاد السياسية والاجتماعية والبنيوية والأمنية والإنسانية للأزمة السيناوية إلى الفترة التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982؛ إذ وُضعت سياسات أمنية واجتماعية للمنطقة في إطار كونها تهديدًا محتملً أكثر من كونها فرصة محتملة، ونُظر إلى السيناوي على أنه مخبر محتمل، أو إرهابي محتمل، أو جاسوس محتمل، أو مهرب محتمل، بدلً من كونه مواطنًا مصريًا كاملً. ففي برقية نشرها موقع ويكيليكس، قال مسؤول كبير في الشرطة المصرية في سيناء لوفد رسمي أميركي زائر: "إن البدوي الجيّد في سيناء هو البدوي الميت"13. وتفاقمت السياسات القائمة على هذا التصور بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000. ففي ذلك الحين، كانت دوائر عدة في الأجهزة الأمنية المصرية (نخص منها أساسًا مباحث

  1. David Petraeus, James F. Amos, & John A. Nagl, The U.S. Army/Marine Corps Counterinsurgency Field Manual (Chicago: University of Chicago Press, 2007), pp. 79 - 136.
  2. العوامل الثلاثة الأخرى هي عدم الاستقرار السياسي، وعدد السكان الكبير، والفقر. انظر: James D. Fearon & David D. Laitin, "Ethnicity, Insurgency and Civil War," American Political Science Review , vol. 97, no. 1 (2003), pp. 75 - 90.
  3. Ernesto Che Guevara, Guerrilla Warfare (North Melbourne, Australia: Ocean Press, 1961); Neill Macaulay, "The Cuban Rebel Army: A Numerical Survey," The Hispanic American Historical Review , vol. 58, no. 2 (May 1978), pp. 284 - 295.
  4. Kenneth Boulding, Conflict and Defense: A General Theory (New York: Harper, 1962).
  5. Schutte, p. 8.
  6. Ibid. ومن أشهر الأمثلة عن "تدرج فقدان الدقة" في مصر هو قتل السياح المكسيكيين بواسطة مروحيات أباتشي تابعة لقوات النظام في أيلول/ سبتمبر 2015. وقتل المدنيين المصريين نتيجة "تدرج فقدان الدقة" شائع في سيناء، ولكن لا يُعلن عنه على نحو منظم ودقيق.
  7. Connable & Libicki, pp. 8 - 9.
  8. David Kilcullen, The Accidental Guerrilla: Fighting Small Wars in the Midst of a Big One (Oxford: Oxford University Press, 2009); Hans Martin Seig, "How the Transformation of Military Power Leads to Increasing Asymmetries in Warfare? From the battle of Omdurman to the Iraq Insurgency," Armed Forces and Society , vol. 40, no. 2 (2014), pp. 332 - 356.
  9. G. Gray, "Internal Security in Sinai," WikiLeaks , WikiLeaks cable no. 05CAIRO1978, 14/3/2005, accessed on 27/6/2018, at: https://bit.ly/2lDlUKw

أمن الدولة، التي يُطلق عليها الآن جهاز الأمن الوطني، وجهاز المخابرات العامة) تعتقد أن دعمً لوجستيًا مباشرًا من شمال شرق سيناء يصل إلى تنظيمات فلسطينية مسلحة عديدة في قطاع غزة. ومنذئذ باتت السمة الثابتة الرئيسة للسياسات ذات الطابع الأمني مزيجًا بين القمع ومحاولات استقطاب بعض الزعماء القبليين ليقدّموا معلومات استخبارية. تصاعدت الأوضاع إلى مستوى آخر بعد التفجيرات المتزامنة في طابا ونويبع في تشرين الأول/ أكتوبر 2004. ولم يكن لدى مباحث أمن الدولة أيّ معلومات تقريبًا عن الإرهابيين، ولذلك شنّت حملة واسعة في الشمال الشرقي لسيناء، واعتقلت بالتعاون مع قوات الأمن المركزي قرابة ثلاثة آلاف شخص، واقتادت نساءً وأطفالً من ذوي المشتبه فيهم رهائن حتى يسلّموا أنفسهم. وأفاد أحد المعتقلين السابقين: "صعقوا أعضاءنا التناسلية بالكهرباء لساعات قبل طرح أيّ سؤال. ثم تواصل التعذيب أثناء التحقيقات وبعدها. ولقد أقسم شبان عديدون على الانتقام"14. ضربت موجة أخرى من التفجيرات شرم الشيخ في تموز/ يوليو 2005. وهذه المرة، تبنّت المسؤولية "جماعة التوحيد والجهاد في سيناء"، وهي تنظيم استلهم أفكار أبي مصعب الزرقاوي في العراق، لكن معظم قادته وأعضائه من السكان المحليين. أسسه طبيب الأسنان خالد مساعد من مدينة العريش وهو ينتمي إلى قبيلة السواركة، القبيلة الأكبر في سيناء وإحدى القبائل الأقوى نفوذًا فيها. قُتل مساعد في تبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن المركزي في 28 أيلول/ سبتمبر 2005. ورغم موته، كانت له مساهمة رئيسة في تحويل تيار أيديولوجي عماده الكتب والخطابات إلى هيكل تنظيمي حقيقي له تسلسل هرمي وخلايا متعددة في خمس مدن وبلدات في ثلاث مناطق، وهي شمال شرق سيناء (العريش، ورفح، والشيخ زويد)، ووسط/ وسط شرق سيناء (جبل الحلال/ نخل) ومدينة الإسماعيلية. بعد تفجيرات عام 2005، شُنّت موجة قمع ثانية اعتقل فيها أشخاص كثر يُشتبه في انتمائهم إلى تنظيم التوحيد والجهاد ومناصرون له وكذلك أقرباؤهم ومعارفهم وجيرانهم. وقال معتقل إسلامي سابق سُجن مع من عرفوا باسم "جماعة سيناء": "التقينا بهم في السجن. معظمهم لا يعرف شيئًا عن الأيديولوجيا أو علم التوحيد أو الفقه. بل إنّ بعضهم أميٌّ وكان علينا تعليمهم القراءة. كل ما درسه أعضاء التوحيد والجهاد الفعليون هو ثلاث كراسات كتبها أبو محمد المقدسي، ما جعلهم يكفرون كثيرًا"15. كانت ظروف سيناء تشهد تغييرات كبيرة. فنتيجة لصراع غزة في عام 2007 بين حماس وفصائل فتح، ولحملة حماس لفرض النظام عام 2009 ضد السلفيين الجهاديين، لجأ ضباط سابقون في الأمن الوقائي لحركة فتح وأعضاء من جند أنصار الله وأنصارهم إلى شمال شرق سيناء هربًا من حملات حماس. وبحلول عام 2010، بدأ جهاديون في تجميع أنفسهم من جديد في هياكل تنظيمية مختلفة. وظهر تنظيم أنصار بيت المقدس أكثر التنظيمات المسلحة نشاطًا في سيناء، بين أربعة تنظيمات وشبكات نشطة أخرى على الأقل. وتركزت هجمات تنظيم أنصار بيت المقدس، في الفترة حزيران/ يونيو 2010 - تموز/ يوليو 2013، أساسًا على مهاجمة الإسرائيليين، مدنيين وعسكريين. ولكن هوجمت أيضًا مراكز شرطة ومقرات أمنية مصرية في كانون الثاني/ يناير، وشباط/ فبراير، وتموز/ يوليو 2011؛ لأسباب منها الانتقام لحملات القمع في الفترة 2004 - 2006. فمقارنة بأحداث ثورة يناير 2011 في القاهرة16، جمعت أحداث سيناء بين المسيرات الشعبية وعمليات الانتقام المسلحة من قوات الأمن. وفي أوائل شباط/ فبراير 2011، فرّت قوات الأمن من بلدتَ رفح والشيخ زويد. بين عامي 2011 و 2013، انطلقت عمليتان لمكافحة التمرد: النسر 1 (أثناء حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة)، والنسر 2 (أثناء حكم الرئيس محمد مرسي). وفشلت العمليتان في إخماد التمرد، بل بدتا في أوجه عديدة استمرارًا للسياسات السابقة بدلً من كونهما نهجًا جديدًا في مكافحة التمرد. من جهة أخرى، أثّر انقلاب تموز/ يوليو 2013 ومذبحة آب/ أغسطس 2013 لمتظاهرين في ميدانَ رابعة والنهضة في القاهرة تأثيرًا بالغًا في سيناء. وقال أحد سكان الشيخ زويد، سبق أن اعتقل بضعة أشهر في عام 2004 وأطلق سراحه من دون أن تُوجّه إليه تهمة: "كنا نعرف أن التعذيب في طريقه إلينا، وأنها مسألة وقت"17. وفي آب/ أغسطس 2013، عقد دعاة سلفيون سنّة وشخصيات مؤتمرًا عامًا في الشيخ زويد، طالب فيه أحد الخطباء بتشكيل "مجلس حرب" لدرء موجة متوقعة من القمع. بعد أحداث "رابعة"، حدث تغير كبير في خطاب المسلحين وسرديتهم وسلوكهم وتصاعدٌ لشدة العمليات ونطاقها، وكذلك في أهداف التمرد. فقد غيّ تنظيم أنصار بيت المقدس خطابه وروايته للتشديد على فكرة أنه "يدافع عن مسلمي مصر ضد هجمة 'جيش من المرتدين'". ويُعدّ ذلك خروجًا مهمً عن سردياته في عامي 2011 - 2012، عندما

  1. مقابلة شخصية، القاهرة، آب/ أغسطس.2012
  2. 15 مقابلة شخصية، القاهرة، أيلول/ سبتمبر.2012
  3. تعرض نحو 40 مركزًا للشرطة ومقرًا لمباحث أمن الدولة في الفترة كانون الثاني/ يناير - آذار/ مارس 2011 لهجوم من المتظاهرين في القاهرة للانتقام للانتهاكات والوفيات. وهوجم أكثر من 80 منها في جميع أنحاء مصر.
  4. 17 أحد سكان الشيخ زويد، مقابلة عبر الهاتف، أيلول/ سبتمبر.2014

كان يؤكد أنه يستهدف إسرائيل ومصالحها ويحاول تجنب الصراع مع الجيش المصري. وبحلول تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أدّت معظم فصائل أنصار بيت المقدس البيعة لتنظيم الدولة. وكان لأنصار بيت المقدس سابقًا انتماء غير معلن إلى تنظيم القاعدة ونهجه الجديد (المؤقت) ما بعد الثورات العربية في عام 2011 (مزيج من العنف السياسي والخدمات الاجتماعية لكسب تأييد السكان المحليين) المتمثل في جماعات تابعة للقاعدة، كجبهة النصرة في سورية، وأنصار الشريعة في اليمن. وفي الفترة تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 - شباط/ فبراير 2017، تصاعد التمرد في سيناء إلى مستوى جديد من القدرات العسكرية والتعقيد.

ولاية سيناء والقدرة على البقاء

إن أسباب ديمومة التمرد عديدة. وينصبّ التركيز في هذا السياق على ثلاثة عوامل حاسمة: القدرة العسكرية للمسلحين ومواردهم، وتخبّط قوات النظام في مكافحة التمرد، والبيئة السياسية التي تحتضن كلا العاملين. وثمة عوامل أخرى مهمة حقيقة، مثل بروباغندا ولاية سيناء وسرديتها، واعتقاد فئات محيطة من المجتمع أنّ للمواجهة المسلحة مع النظام شرعيةً وفاعلية. وستشير الدراسة إلى هذه العوامل، لكن لن يُركَّز عليها بسبب ضيق المجال. وللسبب نفسه، لن يتم التطرق إلى أطروحات من قبيل نظريات "المؤامرة"، و"العميل الاستفزازي"، و"العلم المزيف"، و"الأهداف المحدودة"، وملخص الأخيرة هو أن هدف الجيش احتواء التمرد وإضعافه في الأطراف البعيدة وليس تدميره. وأسباب هذا الهدف المحدود هي الحفاظ على الشرعية الدولية، وتحويل الانتباه عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والحفاظ على تدفق الدعم اللوجستي، بما في ذلك الأسلحة، والمعدات والأموال، على أساس أن النظام لا يزال في صراع مع تنظيم متطرف ذي قدرة عسكرية تابع لتنظيم الدولة الأشد تطرفًا وفتكًا في المنطقة.

القدرة العسكرية

لم يشهد تاريخ حركات التمرد في مصر مثيلً للقدرة القتالية لتنظيم ولاية سيناء، بما فيها التمرد المسلح في صعيد مصر في الفترة 1997-199218، ومواجهات الفترة 1952 -1954 في القاهرة الكبرى19. فالتنظيم يستخدم أساسًا نوعين من التكتيكات والعمليات الميدانية؛ الأول هو التكتيكات الشائعة في عمليات "إرهاب المدن"، مثل السيارات المفخخة والهجمات الانتحارية والاغتيالات الفردية. والثاني هو حرب المغاوير، وفيه تتبع وحدات متحركة صغيرة تكتيكَ "اضرب واهرب" ضد أهداف أمنية وعسكرية. وعادةً ما تكون أسلحتها خفيفة وتتجنب أي مواجهة مباشرة ممتدة مع قوات النظام.

تكتيكات حروب المغاوير ليست جديدة في مصر. الجديد هو نوعية التكتيكات والعمليات الميدانية المستخدمة في التمرد السيناوي. فهم يقاتلون بطريقة مشابهة لقوات خاصة نظامية20. وقد استخدم تنظيم ولاية سيناء منذ أوائل عام 2014 مدافع هاون متوسطة (120 ملم) وخفيفة (60 ملم)، وصواريخ أرض - أرض موجهة وغير موجهة، وصواريخ أرض - جو موجهة، ورشاشات ثقيلة وقناصة لتغطية تقدمٍ أو تراجع لتشكيلات مشاة مكوّنة من عشرات المسلحين (بحسب العملية). جرى تدعيم تكتيكات حرب المغاوير المستخدمة بتدريبات وتجهيزات من جانب "الولاية". ففي كانون الثاني/ يناير 2014، أسقط تنظيم أنصار بيت المقدس طائرة مروحية من طراز Mi-17 تابعة للجيش الميداني الثاني؛ ما أسفر عن مقتل جميع أفراد طاقمها الخمسة. كان السلاح المستخدم صاروخ أرض - جو موجهًا بالأشعة تحت الحمراء من طراز إيغلا روسي الصنع (SA-1621 أو SA-1822 الطراز الأحدث والأدق والأطول مدى). وكانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ المصري التي تُسقط فيها جهة مسلحة غير حكومية مروحيةً للدولة بواسطة صاروخ. واستولى التنظيم، في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، على كمية كبيرة من الأسلحة، بعد هجوم مزدوج على نقاط تفتيش عسكرية في كرم القواديس (الشيخ زويد) ومدينة العريش. وقتل التنظيم في المواجهة أكثر من 30 جنديًا ودمّر دبابة من طراز Patton M-60 وعربة مدرعة

  1. Omar Ashour, Maha Azzam & Claire Spencer, "The De-radicalisation of Jihadists," Meeting Summary , Chatam House, 10/12/2009, pp. 45-63, accessed on 27/6/2018, at: https://bit.ly/2Knasxn
  2. Omar Ashour, "Collusion to Collision: Islamist-Military Relations in
  3. ضم أنصار بيت المقدس وولاية سيناء أفرادًا منشقين عن الجيش النظامي، ونشير خصوصًا إلى الرائد هشام العشماوي والنقيب عماد عبد الحميد والنقيب أحمد عامر.
  4. تسمية وزارة الدفاع الأميركية لصاروخ Igla.1E 9K310 22 تسمية وزارة الدفاع الأميركية لصاروخ Igla.9K38
  5. Egypt," Brookings Papers , no. 14 (March 2015), pp. 9 - 16.

M-11 أميركيتي الصنع. وبثّ التنظيم في تشرين الثاني/ نوفمبر شريطًا مصورًا بعنوان "صولة الأنصار"، عُرضت فيه بعض الأسلحة المستولى عليها، وبينها مدفع هاون متوسط.)120(ملم زادت كثافة الهجمات وتوسع نطاقها في كانون الثاني/ يناير 2015، عندما استهدف تنظيم ولاية سيناء في وقت واحد 11 موقعًا عسكريًا وأمنيًا في ثلاث مدن: العريش، والشيخ زويد، ورفح. والهجوم المتزامن على هذا العدد الكبير من الأهداف كان سابقة في تاريخ مصر، حتى مقارنةً باشتباكات القوات الملكية البريطانية مع الثوار المسلحين المصريين في مدن القناة في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته. واستخدم التنظيم في هجماته مدافع هاون خفيفة (60 ملم)، ومدافع رشاشة ثقيلة (12.7 ملم)، وأنواعًا مختلفة من العبوات الناسفة بينها عبوات تنفجر عن بعد. واستخدم التنظيم أيضًا أسلحة مضادة للدبابات غير موجّهة من أجيال أقدم، مثل RPG-7 وRPG-29.23 لكن ترسانته من الأسلحة المضادة للدروع تطورت في عام 2015 لتشمل صواريخ كورنيت روسية الصنع، وهذا الصاروخ مضاد للدروع متطور وموجه بالليزر يستطيع اختراق من 1100 إلى 1200 ملم من الفولاذ. اتسمت أهداف هجمات كانون الثاني/ يناير 2015 بالقوة؛ لأنها كانت مسلحة جيدًا ومحروسة بكثافة. وشملت معسكر الكتيبة 101 في العريش، وفيه مقر احتجاز تستجوب فيه الشرطة العسكرية والمخابرات المشتبه فيهم، ويدعوه السكان المحليون باسم "غوانتانامو سيناء". وبثّ التنظيم، في أيار/ مايو 2015، شريط "صولة الأنصار – الجزء الثاني" الذي وثّق بعناية هجمات متزامنة على سبعة أهداف عسكرية في نيسان/ أبريل 2015. لكن هجمة التنظيم الأشدّ تعقيدًا جرت في 1 تموز/ يوليو 2015، واستهدفت 21 موقعًا عسكريًا وأمنيًا على نحو متزامن، ونجحت في تدمير نصفها تقريبًا، واحتلت بلدة الشيخ زويد مدة قاربت 12 ساعة. إجمالً، شن تنظيم ولاية سيناء وسلفه أنصار بيت المقدس أكثر من 880 هجومًا بين بداية عام 2014 ونهاية عام 2016. وحصلت أكثر الهجمات تطورًا من حيث التكتيكات العسكرية وأعداد المسلحين في أواخر 2014 و 2015. واستهدفت أغلبية الهجمات قوات عسكرية وأمنية، قرب الطريق الساحلي بين العريش ورفح. وشُنّت هجمات أخرى ضد إسرائيل أو أهداف مدنية سهلة مثل خطوط أنابيب الغاز. كما تمكّن التنظيم من تنفيذ هجمات كبيرة خارج سيناء، وعلى الأخص في القاهرة ووسط الدلتا وشمال صعيد مصر. ويقدّر عدد الضباط والجنود الذين قتلوا في شمال سيناء حتى نهاية عام 2016 بأكثر من 100024، مقارنةً ب 401 قتلوا في العمليات التي جرت في جميع أنحاء مصر في الفترة 1997-199225. ومن الصعب أكثر التحقق من عدد المسلحين القتلى، لكن بجمع الأرقام الواردة في بيانات المتحدث العسكري الرسمي منذ عام 2011، يتجاوز عددهم 3 آلاف (مقارنةً ب 425 في تمرد التسعينيات). وثمة خلاف أيضًا على هوية المتوفين. فمن الواضح أن بعضهم مدنيون قتلوا في عمليات قصف جوية ومدفعية، أو اعتقلتهم قوات الأمن وأدرجت أسماءهم في قوائم "التكفيريين"26القتلى في المواجهات، إضافةً إلى عمليات القتل الانتقامية التي تقوم بها قوات النظام في أعقاب أيّ هجوم ناجح وتستهدف عادة أقرباء المسلحين المعروفين. على صعيد موارد التنظيم، يمثّل التسليح والتدريب والتجنيد الأركان الأهم في تدعيم نشاطاته المسلحة. يتهم النظام ليبيا وقطاع غزة بأنهما مصدرا السلاح، ويتهم تركيا وقطر وإسرائيل والولايات المتحدة بالتآمر مع المسلحين27. لكن إضافةً إلى مسألة ليبيا28، فإن كمً كبيرًا من أسلحة التنظيم استولت عليه القوات النظامية عبر هجمات محلية. ويستمد التنظيم قدرًا من قدراته العسكرية من ثلاث فئات من أعضائه؛ الفئة الأولى أفراد منشقون عن القوات المسلحة المصرية (القوات الخاصة، والبحرية وسلك الشرطة29. الفئة

  1. يُعد RPG-29 سلاحًا مضادًا للدروع أكثر تطورًا. وهو أحد الأسلحة القليلة في الصناعة الروسية الذي يقال إنه قادر على اختراق الهياكل الأمامية لدبابات معارك مدرعة غربية، مثل الدبابة البريطانية 2 Challenger والدبابة الأميركية Abrams M1. وقد استخدمه بفاعلية
  2. قُدر العدد استنادًا إلى مصادر إعلامية محلية، ومؤكدة غالبًا من بيانات لناطق عسكري رسمي، أو بيانات لتنظيم ولاية سيناء ومصادر محلية.
  3. نبيل عبد الفتاح وآخرون، الحالة الدينية في مصر (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 1997)، ص 71. تستند الأرقام إلى مجموعات من المنشورات مفتوحة المصدر، كالبيانات الرسمية، وبيانات المتمردين (مجمّعة خلال الفترة 2017-2010)، وقاعدة البيانات العسكرية لتنظيم الدولة (قاعدة معطيات خاصة بالمؤلف عن تنظيم الدولة). والأرقام هي تقديرات لصعوبة التحقق منها، ولكون صدقية الأرقام الواردة في بيانات المتحدث العسكري الرسمي وكذلك المسلحين توضع موضع الشك. ويكاد يكون من المستحيل في هذه اللحظة إجراء تحقيق مستقل من باحثين وصحافيين ومنظمات حكومية محلية ودولية أو منظمات غير حكومية محلية ودولية بسبب الظروف على الأرض.
  4. يستخدم النظام المصطلح لوصف المسلحين. وهو لا يتوافق مع المفاهيم العلمية الشائعة ل "التكفير" من حيث هو أيديولوجيا. وتستخدمه قوات النظام ووسائل إعلامه مصطلحًا ازدرائيًا لنزع الشرعية عن المتطرفين.
  5. انظر مثلً: اتهامات اللواء أركان حرب رفيق حبيب مساعد وزير الداخلية الأسبق للولايات المتحدة على قناة الجزيرة، في: "النافذة المسائية.. انفجار أمن الدولة وخسائر في البورصة المصرية"، يوتيوب، 2015/8/20، شوهد في 2018/6/26، في: https://goo.gl/7dtBzr
  6. Michelle Nichols, "Libya arms fueling conflicts in Syria, Mali and beyond: U.N. experts," Reuters , 10/4/2013, accessed on 26/6/2018, at: https:// goo.gl/FfXALf 29 انظر مثلً: أحمد محمد حسن، "الانشقاق عن الصفوف أكثر ما يثير حفيظة الجيش المصري"، رويترز، 2015/10/16، شوهد في 2018/6/26، في: https://bit.ly/2IqD3jD
  7. المقاتلون العراقيون في الفترة 2003 - 2007، ومقاتلو حزب الله عام 2006 ضد الدبابات الغربية والإسرائيلية على التوالي.

الثانية هم متمردون متمرسون في المعارك تدربوا في ساحات قتال خارجية كقطاع غزة وسورية والعراق. ففي شريط "صولة الأنصار – الجزء الثاني" يقول أحدهم: "جئنا إليك [السيسي] من بلاد الشام". أما الفئة الثالثة فهم متمردون محليون راكموا خبرة كبيرة على مدى العقد الماضي في المواجهة مع القوات النظامية وفي بناء شبكات دعم لوجستي. ونظرًا إلى الأخطاء في مكافحة التمرد وسياسات النظام الحالية والبيئة السياسية، فإن التنظيم لم يواجه مصاعب كبيرة في التجنيد قبل عام 2015 سواء من سيناء أم من وادي النيل. ويظهر هذا في شهادات محلية، إذ صرح أحد الصحافيين المحليين بقوله30: "عرفنا في قريتي في عام 2012 خمسة شبان انضموا إلى تنظيم أنصار بيت المقدس، والآن [عام 2015]، نعتقد أنهم أصبحوا أكثر من ثلاثين". ويضيف الصحافي أن لدى تنظيم ولاية سيناء، إضافةً إلى التجنيد المباشر، شبكة تجسس فعالة "فهم يتلقون تحذيرات قبل وصول طائرات الأباتشي والمدرعات إليهم [...] فلديهم أصدقاء كثر هنا"31. إن الشعور بالظلم والمرارة وحتى العدائية تجاه قوات النظام، نتاج أساسي لسياسات مكافحة التمرد، وهي أحد العوامل الأهم في خلق هذه "الصداقات".

مكافحة التمرد في سيناء: مشكلات مزمنة

قامت سياسة الدولة المصرية في مكافحة التمرد على ثلاثة أركان: القمع المكثف، والمخبرين/ المخابرات، والبروباغندا. وكانت تلك السياسة متغيرة في شدتها وفتراتها طوال العقد الماضي. فكانت ردة الفعل بالقمع الشديد، الذي غالبًا ما يكون عشوائيًا، سمة مميزة للسياسة في الشمال المضطرب32. وثمة هدف عقلاني لسمتَي الشدة والعشوائية، رغم كونه غير أخلاقي وغير قانوني، وهو إرهاب مجتمع يعتبرونه ثائرًا محتملً، ومن ثم إخضاعه. ومع ذلك، وفي حالات عديدة، لا سيما عندما تترافق الشدة والعشوائية مع ردة فعل على عملية مسلحة، فإنهما تصبحان انعكاسًا لانتقام لاعقلاني، وعقوبات جماعية، وعُقَد نفسية فوقية33. وشملت التكتيكات المستخدمة تعذيب المشتبه فيهم، وإعدام معتقلين ومشتبه فيهم خارج نطاق القضاء، وتهديم المنازل وحرقها، والإجلاء القسري، وتدمير الممتلكات والمزارع، وقصف المناطق السكنية بالمدفعية الثقيلة والطائرات34. نتيجة لذلك، تجاوزت الأعداد الرسمية لقتلى المسلحين الحد الأعلى لتقديرات حجم التمرد. فادّعى المتحدث العسكري الرسمي أن أكثر من 3 آلاف "تكفيري" قتلوا خلال الفترة 2015-201135، بينهم 438 زُعم أنهم قتلوا في عشرة أيام في أيلول/ سبتمبر 2015، و 232 في أربعة أيام في آب/ أغسطس 2015، و 241 في أربعة أيام في تموز/ يوليو 2015، و"أكثر من 170" فردًا زُعم أنهم قتلوا في أسبوع واحد في شباط/ فبراير 201536. لكن لجنة حقوق الإنسان في سيناء في المرصد المصري للحقوق والحريات، والمرصد السيناوي وهما منظمتان محليتان غير حكوميتين، تنتقدان سجل الحكومة المصرية في مجال حقوق الإنسان في سيناء، لديهما رواية مختلفة. فلقد أصدرت كلتاهما تقارير تفيد أن بعض المشتبه فيهم من القتلى كانوا معتقلين عند الجيش أو قوات الأمن. ومن الأمثلة المشهورة قضية عمار يوسف الزريعي37، الذي أعلن المتحدث العسكري أنه اعتُقل مع "تكفيريين" آخرين في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 علن بعدها أنه قُتل في، وأُ مواجهة مسلحة خلال عملية عسكرية في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014. ووقع حادث شائن آخر في كانون الثاني/ يناير 2017، إذ قُتل 10 شبان بعد هجوم لتنظيم ولاية سيناء على نقطتي تفتيش أمنيتين في مدينة العريش38، وأعلن المتحدث العسكري أنهم مسؤولون عن الهجوم وقتلوا في المواجهات. مع أن محاميهم وأقرباءهم وأصدقاءهم أفادوا أنهم أوقفوا في وقت سابق في تشرين الأول/ أكتوبرُ 2016 وأنه لم يُطلق سراحهم مطلقًا40. تبع ذلك تظاهرات ودعوات إلى إضراب عام في العريش. وينتمي الضحايا الشباب إلى عشائر وأحياء ينحدر منها بعض قادة التنظيم.

  1. صحافي سيناوي، مقابلة عبر الهاتف، آب/ أغسطس.2015
  2. 31 المرجع نفسه.
  3. Muhammad Hafez, Why Muslims Rebel? Repression and resistance in
  4. رائد سابق في قوات الأمن المركزي خدم في سيناء، مقابلة شخصية، إسطنبول، آب/ أغسطس.2016
  5. ابحثوا عن وطن آخر"، هيومن رايتس ووتش، 2015/9/22، شوهد في 2018/6/27، في: https://bit.ly/2EONdd5؛ اللواء عبد الحميد عمران، مقابلة شخصية، لندن،.2015/9/29
  6. العدد على أساس البيانات الصادرة من آب/ أغسطس 2011 (عملية النسر 1) إلى أيلول/ سبتمبر 2015 (عملية الشهيد الأيمن 2). الرقم بالضبط هو 3241، مع أنه جرى حذف العديد من البيانات من صفحات المتحدثين باسم الجيش، بما يوحي أن الرقم يحتاج إلى مراجعة.
  7. محمد طنطاوي، "حصاد 11 يوم"، اليوم السابع، 2015/9/18؛ "قتلى للجيش المصري و'ولاية سيناء' يحرق آليات عسكرية"، الجزيرة نت، 2015/9/12، شوهد في 2018/6/26، في: http://goo.gl/mbw53l؛ "المتحدث العسكري: مقتل 170 إرهابي في سيناء"،،MBC 2015/3/1، شوهد في 2018/6/26، في: http://goo.gl/7NoqC9؛ عمرو عاطف: "المتحدث العسكري: مقتل 241 من العناصر المسلحة في سيناء خلال خمسة أيام"، أخبارك، 2015/7/8، شوهد في 2018/6/26، في: http://goo.gl/VLenZu
  8. 37 عيد المرزوقي، ناشط سيناوي، مقابلة شخصية، الدوحة، تشرين الأول/ أكتوبر 2015؛ عيد المرزوقي، "مأساة سيناء في قصة يوسف زريعي"، العربي الجديد، 2015/3/6، ص.6
  9. " لليوم الثاني، تتحول جنازات الشباب الذين قتلهم الأمن إلى مظاهرات"، العربي الجديد، 2017/1/15، ص.1 39 المرجع نفسه.

وإجمالً، ادّعى تقرير صادر عن المرصد المصري للحقوق والحريات أن الجيش أعدم 1347 شخصًا خارج نطاق القضاء، واعتقل 11906 أشخاص، ورحّل قسرًا 26992 شخصًا بين أيلول/ سبتمبر 2013 وحزيران/ يونيو 201541. وورد في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن تهديمًا جماعيًا شمل 3255 منزلً على الأقل، وأن "الجيش المصري لم يقدّم تحذيرًا مكتوبًا على عملية الإخلاء الوشيكة، وأن العديد من السكان سمعوا بعمليات الهدم من دوريات للجيش، أو من الجيران، أو عبر الإعلام"42. أثّرت الأشكال الأخرى للقمع تأثيرًا بالغًا في السكان المحليين. فقد أدى قصف قرى صغيرة وبلدات بمقاتلات F16 ومروحيات الأباتشي إلى خسائر بين المدنيين، ومنهم أطفال. والأمر الأكثر إشكالية هو أن "الأضرار الجانبية"43 مسموح بها إلى حد بعيد في ثقافة المؤسسات المسلحة المصرية (الجيش، والأمن والشرطة، والمخابرات). ولذلك فإن الإنكار وزيادة القمع هما الردان الأكثر شيوعًا على الصحافيين المحليين الذين يعلنون الأضرار44. تُعد البروباغندا دعامة أخرى في إستراتيجية الحكومة المصرية. ولكن كان لنوعيتها أثر سلبي في صدقية الجيش النظامي. فمثلً، أعلن النظام مرات عدة موت كمال علام القيادي في تنظيم ولاية سيناء، في حين يواصل الظهور في أشرطة مصورة جديدة للتنظيم. وينطبق الأمر نفسه على شادي المنيعي، وهو قائد أعلن موته مرات عدة أيضًا، قبل أن ينشر التنظيم صورة يظهر فيها المنيعي وهو يقرأ نعيه على كمبيوتر محمول45. وينطبق عدم الدقة والتضليل في معلومات الجيش على البيانات الصادرة عن تطورات العمليات، ومقتل جنود ومدنيين ومسلحين، و"الأضرار الجانبية"، وحتى على إغراءات التعاون. وتستند سياسات الجيش في الاتصالات عمومًا إلى فرضية ترجع إلى ستينيات القرن الماضي وهي أن النظام الحاكم يحتكر المعلومات والسرديات، وهي فرضية لم تتحطم فقط عبر وسائل التواصل الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين وعبر عدد من الصحافيين والناشطين المحليين، بل أيضًا عبر مقاطع فيديو وصور موثقة بحرفية أنتجها المتمردون أنفسهم ونشروها46. ويُشار أيضًا إلى أن الأركان الثلاثة لسياسة النظام (قمع، ومخابرات، وإعلام) يقوّض كل منها الآخر بطرق عديدة. فنوع القمع المستخدم، مع أزمة صدقية ناشئة عن بروباغندا رديئة المستوى، يقوضان التعاون مع قوات النظام. يقول أحد سكان الشيخ زويد راويًا تجربة جاره: "عندما تذهب إليهم [نقطة تفتيش عسكرية] لإخبارهم بوجود قنبلة بجوار منزلك، فإنهم يخبرونك أنك أنت الذي زرعتها وأنك بدوي قذر، ومن ثم يضربونك أو يعتقلونك"47. إضافةً إلى هذه التناقضات في سياسة النظام، فإن نوعية تدريب الجنود وروحهم المعنوية هما أيضًا معضلة. فالكثير من الجنود الذين يخدمون في شمال سيناء هم مجندون إلزاميون أرسلوا إلى المنطقة في الأشهر الأخيرة من خدمتهم العسكرية. ولا يُقارن هذا النوع من الجنود بالمسلحين الملتزمين أيديولوجيًا والمتجذرين محليًا. ويتّهم النظام ووسائل إعلامه المسلحين بكونهم مرتزقة أجانب. لكن التصورات المحلية في سيناء بعيدة جدًا عن ذلك. وثنائية "المرتزق" مقابل "الشهيد" التي يروّجها الإعلام الرسمي لتمجيد الجنود القتلى، تلقى آذانًا صاغية لدى الحكومة المصرية والقريبين منها، لكن ليس بالضرورة في شمال شرق سيناء، حيث ينظر بعض السكان إلى هذه الثنائية بطريقة مختلفة: "المرتزق" هو الجندي القادم من وادي النيل ليدمر منازلهم ويسلب ممتلكاتهم، و"الشهيد" هو البدوي المحلي الذي يموت في أرض الأجداد التي لا يمكنه امتلاكها قانونيًا بسبب سياسات الدولة في شبه الجزيرة48. يكاد يكون من المستحيل في الوقت الحالي إجراء مسح لسكان سيناء، وقياس مستويات التأييد الشعبي للأطراف المتحاربة بحرية، إذ يحاول كل طرف مضاعفة مؤشرات التأييد في إعلامه. ففي

  1. المرصد المصري للحقوق والحريات، "سيناء، عامان من الجرائم"، كلمتي،.2015/6/15
  2. ابحثوا عن وطن آخر"، ص.13
  3. مصطلح عسكري (أميركي الأصل) يستخدم لوصف القتلى المدنيين والأضرار المادية الأخرى التي تنتج من عدم الدقة في إصابة الهدف بالقصف الجوي أو المدفعي أو بأسلحة أخرى.
  4. ومن أشهر هذه الحالات قضية أحمد أبو دراع، وهو صحافي حاز جوائز ومؤيد للجيش قدّم رواية مختلفة عن الجيش. ففي أيلول/ سبتمبر 2013، أعلن المتحدث العسكري أنهم قصفوا قرية المقاطعة، ووفقًا للمتحدث فإن عشرة مسلحين قتلوا ودُمّر مخزنٌ للأسلحة. لكن أبو دراع الذي يتحدر من القرية أورد في تقريره أنه لا وجود لمسلحين بين القتلى، وأنه دُمرت خمسة بيوت لمدنيين ومسجد القرية، وأصيبت أرملة وثلاثة أطفال. وإثر هذا التقرير، اعتُقل أبو دراع، وأعلن أنه "إرهابي" في وسائل الإعلام الموالية للنظام، وأخيرًا واجه محكمة عسكرية حكمت عليه بالحبس ستة أشهر لنشر معلومات خاطئة.
  5. أنصار بيت المقدس تنفي مقتل أحد قياديها بمصر"، جريدة النهار الكويتية، 2014/5/25، في: https://goo.gl/UAGyUo
  6. لعل الحالة الأوضح هي الفرقاطة البحرية المصرية التي استهدفها صاروخ كورنيت في تموز/ يوليو 2015. ادعت الرواية الرسمية أن حادثًا عرضيًا وقع عندما طارد زورق سريع لخفر السواحل "إرهابيين"، ومن ثم اندلع "حريق عرضي" في الزورق. لكن تنظيم ولاية سيناء نشر مقطع فيديو ظهر فيه مقاتل يستهدف الفرقاطة من تلة على الشاطئ بصاروخ كورنيت. لم تحدث مطاردة أبدًا، ولا وجود لزوارق سريعة، ولم يحصل أي "حريق عرضي".
  7. أحد سكان الشيخ زويد، مقابلة عبر الهاتف،.2015/8/29
  8. يحظر القانون ملكية البدو الأراضي في العديد من المناطق في شبه الجزيرة، خاصة في شمال شرق سيناء. ولا تزال المؤسسة العسكرية هي المالك الرئيس وتنظم ملكية الأرض في سيناء، انظر مثلً: Abdul Fattah Barayez, "This Land is Their Land: Egypt's Military," Jadaliyya, 25/1/2016, accessed on 27/6/2018, at: https://bit.ly/2lCTdO9; Yezid Sayigh, "Above the State: The Officers Republic of Egypt," Carnegie Papers , Carnegie Middle East Center, 1/8/2012, pp. 16-17, accessed on 27/6/2018, at:https:// goo.gl/F1HxDx

آب/ أغسطس 2013، أظهر مقطع فيديو لأنصار بيت المقدس (وأكده صحافيون محليون)، جنازة حاشدة مع موكب من مئات الشاحنات الصغيرة وسيارات رباعية الدفع، لدفن أربعة من أعضاء التنظيم قُتلوا بواسطة طائرة إسرائيلية من دون طيار بينما كانوا يحاولون إطلاق صاروخ ضد إسرائيل. وفي أيلول/ سبتمبر 2015، طافت قافلة ضمّت نحو 20 سيارة تحمل مسلحين يرفعون أعلام تنظيم ولاية سيناء بأرجاء القرى، واصطف قرويون (بينهم أطفال) على جانبي الطريق لتحية المسلحين. وأمر كهذا لا يحدث كثيرًا لقوات النظام بسبب تكتيكات مكافحة التمرد المذكورة أساسًا. وهذا لا يعني أن التطرف الأيديولوجي للتنظيم أو أساليبه المتوحشة يحظيان بقبول شعبي. فعوامل الانتماء القبلي أو المظلومية تقدم تفسيرًا أفضل. لكن ما يعنيه ذلك هو أن "المنافسة على الولاء" لا تفوز بها قوات النظام على نحو حاسم49. والمعضلة الأكبر أنه ليس ثمة أيّ مؤشرات على تغيير هذه السياسة، ومن ثمّ هذه النتيجة، في المستقبل القريب.

البيئة السياسية

على المستوى الوطني، كان للتصعيد المنفلت في الأزمة السياسية في مصر منذ الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013، ومستويات القمع غير المسبوقة التي تلته، تداعيات كبيرة على الوضع الأمني في مصر عمومًا، وفي سيناء على وجه الخصوص. فالدماء في مجزرة رابعة (قرابة ألف ضحية)50، وعمليات القتل الجماعي الأخرى مثل الحرس الرئاسي في 8 تموز/ يوليو 2013 (51 ضحية)، ومدينة نصر في 27 تموز/ يوليو 2013 (106 ضحايا)، وميدان النهضة في 14 آب/ أغسطس 2013 (87 ضحية)، يُرجَّح أن تؤثر في حاضر مصر ومستقبلها، كما فعلت بالضبط المجازر ذات الدوافع السياسية في أماكن مختلفة51. ومع أن أزمات سيناء أقدم بكثير من أزمة القاهرة في عام 2013، فالأخيرة كان لها عواقب سلبية على الأولى. أولً، أدّت أزمة القاهرة ونتائجها إلى ظهور أجنحة وسياسات استئصالية داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية52. واعتقدت هذه الأجنحة أن أزمة سيناء مثلً يمكن حلها عبر القضاء على المعارضين وإخضاع المعارضين المحتملين بواسطة القوة المفرطة. ويعتقد قادة هذه الأجنحة أن الخطأ الرئيس لمبارك وللمشير طنطاوي أنهما كانا "متساهلين"53. ثانيًا، خلقت حملة القمع التي تلت تموز/ يوليو 2013 بيئةً أصبحت فيها الأسلحة أداة أساسية للبقاء ولبلوغ "العدالة" المتصورة. وقال يحيى عقيل، النائب السابق عن شمال سيناء في مجلس الشورى المنحلّ (مجلس الشيوخ): "لا ينتسب العديد من الشبان الذين يحملون السلاح في سيناء اليوم إلى أي تنظيم، وإن الانقلاب وما تكشّف عنه، يعني بالنسبة إليهم العودة إلى أيام ما قبل عام 2011 من التعذيب والسجن من دون تهمة. وهم يفضلون الصحراء والبندقية على ذلك"54. ثالثًا، استفاد متمردو ولاية سيناء استفادةً كبيرة من بيئة كهذه. وكما ذكرنا، فإن لدى التنظيم حساسية عالية للتطورات المحلية. وبناءً عليه، فقد غيّ خطابه ليقوي مساعي التجنيد، ويدعم تجميع أنصاره، ويضفي الشرعية على وجوده وعلى ضرورة تكتيكاته المتوحشة.

كيف تقاتل "ولاية سيناء"؟

كما رأينا، فإن قدرة التنظيم على البقاء تقوم أساسًا، وليس حصريًا، على قدرات عسكرية لا سابقة لها مقارنةً بكل الكيانات المسلحة المصرية الأخرى غير التابعة للدولة. ويعرض هذا القسم لمحة عامة عن الأنماط التكتيكية للتنظيم وإستراتيجيته الشاملة، استنادًا إلى منشوراته وتصريحات قادته.

1. البعد التكتيكي

ادّعى تنظيم ولاية سيناء مسؤوليته عن 286 عملية في سنة وجوده الأولى (تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 -يررن ت الأول/ أكتوبر)201555، و 476 عملية في سنته الثانية

  1. Petraeus, Amos & Nagl, p. 312.
  2. Human Rights Watch, "All According to Plan: The Rab 'a Massacre," Human Rights Watch Reports , 12/8/2014, accessed on 27/6/2018, at: https://bit.ly/1NaCcCS
  3. على الصعيد العالمي، عادةً ما يكون لمجازر بهذا المستوى من سفك الدماء عواقب اجتماعية وسياسية كبيرة. فالموت المأساوي لأربعة عشر متظاهرًا في يوم "الأحد الدامي" في عام 1972 في إيرلندا الشمالية، ولّد سنوات "الاضطرابات" ومواجهة طويلة الأمد عسكرية وسياسية بين السلطات البريطانية والجيش الجمهوري الإيرلندي وقوى جمهورية أخرى. وأسفرت مذبحة فاطمة، وهي الأسوأ في "الحرب القذرة" الأرجنتينية، عن 30 حالة وفاة مأساوية في عام 1976؛ ما أدى إلى اندلاع مواجهات مديدة مسلحة وغير مسلحة بين الطغمة العسكرية ومجموعات المعارضة المختلفة. أما في العالم العربي، فإن عدد ضحايا المجازر كان
  4. Youssef Chaitani, Omar Ashour & Vito Intini, An Overview of the Arab Security Sector amidst Political Transitions: Reflections on Legacies, Functions and Perceptions , United Nations' Economic and Social Commission for West Africa (UN-ESCWA), (New York: United Nations Publications, 2013); Ashour, pp. 9 - 16.
  5. لواء ركن في وزارة الداخلية المصرية، مقابلة شخصية، القاهرة،.2013/4/13
  6. النائب السابق يحيى عقيل، مقابلة عبر الهاتف،.2015/4/6 54 استنادًا إلى بيانات عن التنظيم جمعها المؤلف، قسم من قاعدة البيانات العسكرية لتنظيم الدولة.
  7. أكبر بكثير كمجزرة ليمان طرة في مصر عام 1957، ومجزرة الدجيل في العراق عام 1982، وأبو سليم في ليبيا عام 1996. وكان لها جميعًا عواقب سياسية وأمنية واجتماعية كبيرة.

(تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 - تشرين الأول/ أكتوبر 2016 أي)، بزيادة 66 في المئة في نشاطات العمليات (وليس بالضرورة في شدة فتكها)56. ويظهر استعراض تفاصيل عمليات التنظيم في شمال سيناء خلال الفترة تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 - تشرين الأول/ أكتوبر 2016، بضعة أنماط تكتيكية. ويبيّ الجدول (1) التكتيكات والأسلحة التي استخدمها التنظيم في سنته الأولى. أصدر تنظيم ولاية سيناء في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 نشرته السنوية الأولى للعمليات العسكرية، التي تشابهت أو قلدت البيانات العسكرية للجيوش النظامية. ادّعى التنظيم أنه من 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2014 حتى 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، قَتل أكثر من ألف عنصر من عناصر النظام، بينهم ضباط وجنود في الجيش والشرطة ورجال قبائل محليين متهمين بكونهم "مخبرين" أو "متعاونين". وادّعى التنظيم أيضًا أنه دمّر أكثر من 140 دبابة وعربة مدرعة، وأنه دمر كليًا 30 مقرًا للجيش والشرطة وبيوتًا لمخبرين مزعومين. وأدرجت قوائم الإحصائية في ست فئات: "صيادو المدرعات، استهداف أفراد، اقتحام مقرات ونسفها، دكّ الحصون، عمليات نوعية، الغنائم"57. اعتمد التنظيم كثيرًا على صعيد التكتيكات، على العبوات الناسفة (28 في المئة) والاغتيال عن قرب (32 في المئة). استهدفت العبوات آليات مدرعة ونقاط تفتيش ثابتة، ودمّرت 24 دبابة أميركية الصنع من طراز M-60، و 17 مركبة مدرعة من طراز M-113، و 17 عربة همر بحسب ادعاءات التنظيم58. وادّعى التنظيم أيضًا أنه اغتال 130 مدنيًا لكونهم "مخبرين" بأسلوب الاغتيال الفردي المباشر حصرًا59. واستخدم التنظيم أيضًا صواريخ "كورنيت" روسية الصنع موجهة مضادة للدروع، وقذائف RPG-7 غير موجهة لتدمير 7 دبابات وآليات مدرعة60. لكن أكبر خسائر أوقعها التنظيم أُدرجت في تقريره السنوي الأول بعنوان "الاقتحامات"، وهي عمليات حرب عصابات معقدة يتقدمها عادة سيارة مفخخة أو أكثر تقلّ انتحاريين، لمهاجمة نقاط ثابتة ومقرات أمنية وعسكرية. وزُعم أن عدد ضحايا هذه العمليات بلغ قرابة 800 جندي61. أما من ناحية ما يسميه "الغنائم"، فقد استطاع التنظيم الاستيلاء على كمية كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة من القوات النظامية، وعرض العديد منها في أشرطته المصورة، وتشمل قذائف هاون متوسطة (120 ملم)، ومدفعين من طراز ZU-23 مضاد للطائرات (25 ملم)، وخمسة مدافع رشاشة من طراز دوشكا (14.5 ملم)، وأكثر من خمسين بندقية هجومية من طراز الكلاشينكوف62. والأرقام عمومًا، ليست بعيدة عما ورد في تقارير لصحافيين محليين، وهي في بعض الحالات المعدودة، تتطابق مع الحصيلة الرسمية التي أوردها المتحدث العسكري في عام 201563. حصلت في السنة الثانية للتنظيم (تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 - تشرين الثاني/ نوفمبر 2016) زيادة كبيرة في العمليات المسلحة مقارنةً بالسنة الأولى، مع أن عمليات مكافحة التمرد التي يقودها الجيش كانت متواصلة بشدة. وحدث أيضًا تغيّ كبير في تكتيكات التنظيم واستخدامه الأسلحة. ويبيّ الجدول (2) التكتيكات والأسلحة التي استخدمها التنظيم في السنة الثانية من العمليات. يظهر الجدول (2) تزايد اعتماد التنظيم كثيرًا على العبوات الناسفة، والقنص، والسيارات المفخخة، وهجمات حرب المغاوير. إذ تضاعف تقريبًا عدد الهجمات المعلن عنها باستخدام عبوات ناسفة من 146 إلى 263. وتنطبق الملاحظة نفسها على هجمات حرب المغاوير (من 18 إلى 38). وزادت هجمات السيارات المفخخة والقناصة، كل منها عشرة أضعاف. أصدر التنظيم في كانون الأول/ ديسمبر 2015 تقريرًا يظهر "تخريج" مجموعة من القناصة المدربين. لكن صور التقرير لم تُظهر إلا ثلاثة ملثمين بالزي العسكري الكامل. كانوا يتدربون على نوعين من بنادق القنص: دراغونوف الروسية، وشتاير HS-50 النمساوية المعدلة مع كواتم صوت ومناظير متنوعة، فضلً عن أنواع مختلفة من بنادق الكلاشينكوف الآلية. وربما يعكس هذا استثمار التنظيم في استخدام القناصة. إثر ذلك، نفّذ التنظيم حملة عمليات قنص بلغت ذروتها بين كانون الثاني/ يناير وآب/ أغسطس.2016

  1. المرجع نفسه.
  2. الحصاد السنوي للعمليات العسكرية لعام 1436 هجرية"، المكتب الإعلامي لولاية سيناء،.2015/11/12
  3. 57 المرجع نفسه.
  4. باستخدام أنواع مختلفة من المسدسات (مع كاتم للصوت أو من دونه)، ومسدسات أتوماتيكية، وبنادق رشاشة، وبنادق هجومية، وعادة ما يجري الهرب على دراجات نارية أو سيارات صغيرة.
  5. 59 كورنيت، هو صاروخ متطور مضاد للدروع موجه بالليزر مع القدرة على اختراق 1100 إلى 1200 ملم من صفيح مدرع من الفولاذ الصلب
  6. " الحصاد السنوي للعمليات العسكرية لعام 1436 هجرية"، انظر المذكرة.81
  7. المرجع نفسه. عُرضت كل الأسلحة المذكورة أعلاه في مقاطع فيديو إعلامية وتقارير مصورة. وفي بعض الحالات، تضمّن ذلك الرقم التسلسلي للسلاح ليظهر أنه مستولى عليه من الجيش النظامي.
  8. 62 مع العلم أن عدد الضحايا المعلن من جانب المتحدث العسكري يختلف اختلافًا كبيرًا عما يعلنه التنظيم. المجموع 530 المصدر: "الحصاد السنوي للعمليات العسكرية على مدى عام 1436 هجرية"، المكتب الإعلامي لولاية سيناء، 2015/11/12. وأجريت بعض التعديلات على الأرقام الواردة في قائمة "الحصاد"، وذلك بعد مقارنتها بالبيانات الصادرة عن المتحدث العسكري، ووسائل إعلام محلية، وتصويبات مصادر سيناوية محلية. المصدر: "الحصاد السنوي للعمليات العسكرية لعام 1437 هجرية"، المكتب الإعلامي لولاية سيناء، 2016/11/10. وأجريت بعض التعديلات على الأرقام الواردة في قائمة "الحصاد." وذلك بعد مقارنتها بالبيانات الصادرة عن المتحدث العسكري، ووسائل إعلام محلية، وتصويبات مصادر محلية شمال سيناوية.

الجدول (1) التكتيكات والأسلحة الموثقة التي استخدمها تنظيم ولاية سيناء خلال الفترة تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 - تشرين الأول/ أكتوبر 2015

النسبة المئوية للاستخداممرات الاستخدامالتكتيك/ السلاح
28%146عبوات ناسفة
0.1%1سيارات مفخخة
2.3%12سيارات مفخخة لانتحاريين
2.2%11قناصة
1.3%7صواريخ موجهة مضادة للدروع
0.4%2أنظمة دفاع جوي محمولة
7%38صواريخ غير موجهة
15%81ماادفعية خفيفة ومتوسطة
32%167ااغتيالات عن قرب ومحاولات اغتيال
3%18تااشكيلات مغاوير
6%32تشكيلات مغاوير انتحارية (انغماسيون)
2.8%15ممدافع آلية مضادة للطائرات
100%530المجموع

الجدول (2) التكتيكات والأسلحة التي استخدمها تنظيم ولاية سيناء، خلال الفترة تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 - تشرين الأول/ أكتوبر 2016

النسبة المئوية للاستخداممرات الاستخدامالتكتيك/ السلاح
47%263عبوات ناسفة
1.8%10سنايارات مفخخة
2.0%11سيارات مفخخة لانتحاريين
20%110قناصة
2.0%12صواريخ موجهة مضادة للدروع
00أرنظمة دفاع جوي محمولة
5.5%31صواريخ غير موجهة
0.5%3ماادفعية خفيفة ومتوسطة
13%74االاغتيال عن قرب ومحاولات اغتيال
7.0%38تااشكيلات مغاوير
0.7%4تشكيلات مغاوير انتحارية (انغماسيون)
0.7%4مدافع آلية مضادة للطائرات
100%560المجموع

يلاحظ من ناحية أخرى تضاؤل اعتماد التنظيم على المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة، والاغتيال الفردي، والهجمات بتشكيلات انتحارية. وأفادت بيانات صادرة عن الجيش وجود خسائر للتنظيم بمدافع الهاون64؛ ما يفسر جزئيًا تراجع استخدامها. وقد عرض التنظيم عددًا محدودًا من أنظمة الدفاع الجوي المحمولة في مقاطع فيديو، مع العلم أنه لم يستخدمها إلا مرتين فقط منذ تأسيسه، وربما يكون السبب هو ترسانته المحدودة جدًا. لكن تراجع عمليات الاغتيال يستحق الاهتمام. فالمخبرون أهداف سهلة نسبيًا، واغتيالهم ليس معقدًا مقارنة بتكتيكات أخرى. وليس لدى التنظيم نقص في المسدسات أو كواتم الصوت أو السكاكين أو البنادق الهجومية أو أيّ أسلحة أخرى تُستخدم في هذه العمليات. بيد أن الاستهداف الكثيف في السنة الأولى لمخبرين ومتعاونين محليين (167 هجومًا مبلغًا عنها في السنة الأولى 2015-2014)، نجح إلى حد معين في تقويض شبكة الاستخبارات المحلية لقوات الأمن في تلك السنة. ويبدو أنه أدى إلى تراجع عدد المتعاونين المحليين، ومن ثم انخفاض عدد المخبرين65. وربما يفسر ذلك جزئيًا التراجع الملحوظ في الاغتيالات بأكثر من النصف (من 167 هجومًا إلى 74). ومع ذلك، قد يرتفع الرقم مرة أخرى في السنة الثالثة، نظرًا إلى تصاعد الأعمال العدائية بين التنظيم وعدة عشائر وأفراد من قبيلتي الترابين والسواركة، وهما من القبائل الأربع الأكبر في شمال شرق سيناء. ثمة ملاحظة أخيرة بشأن تكتيك استخدام الصواريخ غير الموجهة. فقد انخفض عددها انخفاضًا طفيفًا من 38 في السنة الأولى إلى 31 في السنة الثانية. لكن بخلاف السنة الأولى، تركّز معظم هجمات السنة الثانية على فترة زمنية محددة بين كانون الأول/ ديسمبر 2015 وشباط/ فبراير 2016، تبعها خمود طويل حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2016 عندما هاجم التنظيم معبر العوجا/ نيتسانا على الحدود المصرية - الإسرائيلية بصاروخين من نوع غراد. ويبدو أن التنظيم كان يعاني نقصًا في الصواريخ غير الموجهة في الخريف والصيف عام.2016

2. الإستراتيجية العسكرية لتنظيم ولاية سيناء

يُظهر نمط عمليات تنظيم ولاية سيناء في أول سنتين من عمره القصير أن لديه إستراتيجيتين غير معلنتين: الأولى هجومية هدفها التمدد، والثانية دفاعية تهدف إلى الصمود. ويمكننا تحديد ثلاثة أهداف لتحقيق "الصمود"، هي: التجنيد، والسيطرة، والإعماء. فالمقاطع الإعلامية السمعية والبصرية، والخطاب ال درري، وأقسام من الأيديولوجيا، والحساسية العالية للمظالم المحلية، والثقافة المحلية، والأوضاع الاجتماعية والسياسية، تستهدف جميعها التجنيد والتعبئة. ولأن المجندين الجدد يحتاجون إلى مرافق تدريب، فإن السيطرة على القرى والطرق الصحراوية وشبكات الأنفاق جنوب الشيخ زويد ورفح والعريش، أمور حاسمة في قدرة التنظيم على البقاء. ويبدو أن اعتماد التنظيم على عناصر أجنبية مدربة خيار أقل جدوى وأغلى تكلفةً، وذلك منذ أوائل عام 2016 على الأقل، بسبب التطورات الإقليمية. والهدف الثالث للإستراتيجية الدفاعية هو "إعماء" قوات النظام عبر استهداف شبكة مخبريه المحليين، بمن فيهم بعض المتعاونين المحميين في القاهرة66. ويجري ذلك بصرف النظر عن الانتماء القبلي للمتعاون؛ ذلك أن قائمة الضحايا تضم أشخاصًا من القبائل نفسها لقادة في التنظيم.

في مجال الهجوم، يهدف التنظيم إلى الاستنزاف والإرهاب. فمواصلة الاشتباك مع قوات النظام في حرب استنزاف طويلة تشبه الإستراتيجية التي استخدمتها وحدات قليلة الموارد نسبيًا في تنظيم الدولة في أماكن مثل ديالى في العراق أو ريف حماة في سورية. ويتحقق هدف "الإرهاب" باستخدام تكتيكات تخريبية لإضعاف الروح المعنوية للجنود النظاميين، كما ورد في دراسات التمرد على الطريقة الماوية67. ويجري ذلك عبر استهداف مستمر لقوات النظام، وعبر إعدامات وحشية لضباط وجنود أسرى لزرع الخوف بهدف ضعضعة إرادة الجنود للقتال وتحطيمها، وليس بالضرورة قدرتهم عليه. وتُنفذ الإستراتيجية الهجومية بوسيلتين: إرهاب المدن، وتكتيكات حرب المغاوير (وضمنيًا تشكيلات الانغماسيين الانتحارية). وأضيف

  1. الجيش يكتشف 500 قذيفة هاون و 11 مدفع هاون من مستودع في الشيخ زويد"، المصري اليوم، 2016/7/3، ص.1
  2. ضابط متقاعد في المخابرات الحربية المصرية، مقابلة شخصية، إسطنبول،.2016/11/6
  3. من الأمثلة على ذلك، قضية خالد المنيعي الذي اغتيل في القاهرة في أيلول/ سبتمبر 2015. وهو إحدى الشخصيات المعروفة المؤيدة للعسكر من قبيلة السواركة ويمتّ بصلة قربى للقيادي في التنظيم شادي المنيعي، المذكور آنفًا.
  4. Mao Tse-tung, On Guerrilla Warfare (Champaign: University of Illinois Press, 1937); Tse-tung, On Protracted War.

بعدٌ عسكري تقليدي إلى تكتيكات حرب المغاوير منذ أوائل عام 2014. وتُستخدم التكتيكات التقليدية عادةً عندما يكون الهدف السيطرة على المنطقة. وقد ظهر ذلك في محاولة السيطرة على الشيخ زويد في تموز/ يوليو.2015 تمثل الإستراتيجيتان بجمعهما معًا تنويعًا محدودًا لإستراتيجية تنظيم الدولة الواردة في كتابإدارة التوحش68. وبعبارة بسيطة، تركز التكتيكات والسياسات الواردة في ذلك الكتاب على كيفية إدارة عدم الاستقرار والحكم الضعيف بطريقة تسمح لتنظيم الدولة حصريًا بالاستفادة من الوضع ومنع أي جهة أو جهات أخرى من ذلك (بما فيها مثلً جهات قبلية مسلحة غير تابعة لتنظيم الدولة، أو جهات مسلحة أخرى غير تابعة للدولة، أو قوى مناصرة للديمقراطية، أو عناصر موالية للنظام أو قوى النظام). وحتى الآن، ما زال تنظيم ولاية سيناء في المرحلة الأولى من هذه الإستراتيجية، يحاول تأمين معاقل ليبقى فيها. وعلى خلاف بعض "ولايات" تنظيم الدولة الأخرى، فإن ولاية سيناء ليس لديها قدرة تقليدية ولا غير تقليدية على الانتصار العسكري.

الخلاصة والآثار المترتبة على السياسات

تحدى تنظيم ولاية سيناء (وتنظيم الدولة عمومًا) استنتاجات عدة مؤكدة في أدبيات التمرد ومكافحته. فاستنتاج ديفيد غالولا مثلً أن الجغرافيا إذا كانت غير مساعدة، فإن التمرد محكوم عليه بالفشل قبل بدئه، لا يفسر على نحو كافٍ حالتنا هذه69. إضافةً إلى تحدي التفسيرات القائمة على الجغرافيا، فإن المقاربات التي تركّز على السكان وعلى تأييد الدول أو قوى خارجية تفشل أيضًا في تفسير استمرار التمرد. في حين أن تدرج فقدان الدقة والتفسيرات الأخرى التي تتمحور حول القمع مفيدة في فهم ديناميات التجنيد والتطرف، ومفيدة أيضًا لفهم سبب اعتقاد بعض المحليين أن تنظيم ولاية سيناء "أقل شرًا" من قوات النظام في بعض المناطق، لكن هذه التفسيرات لا توضح تمامًا تمدد التنظيم وقدرته على البقاء. كما أن سياسة الأرض المحروقة التي تستخدمها جزئيًا القوات النظامية منذ أيلول/ سبتمبر 2013، وفشلها في إنهاء التمرد، يقدمان تحديًا آخر لاستنتاجات الأدبيات. فإذا وضعنا الأخلاق والقانون جانبًا، فإن دراسات عدة خلصت إلى أن تكتيكات الأرض المحروقة هي إحدى الإستراتيجيات الأكثر فاعلية لهزيمة تنظيمات تستخدم إستراتيجية حروب المغاوير70. لكن ذلك يظل بعيدًا عن حالة تنظيم ولاية سيناء وحالات كثيرة أخرى. لقد استمر التمرد أساسًا لأسباب أخرى. فأحد العوامل الحاسمة كان البناء الناجح لقدراته العسكرية قياسًا على أسلافه منذ مطلع القرن الحالي حتى الآن، وهو ما عجز عن تحقيقه متمردون آخرون. فالجمع بين حرب المغاوير وتكتيكات حروب المدن، إضافة إلى تطوير التخطيط والتنفيذ، يؤديان إلى تقويض معنويات القوات النظامية وقدراتها، مع العلم أن نجاحاتها محدودة تاريخيًا في الحرب التقليدية71 وفي الحروب غير التقليدية كمكافحة التمردات المسلحة. واستطاع التمرد أيضًا البقاء بسبب سياسات النظام في شبه جزيرة سيناء وخارجها. وحتى عندما كان المتمردون يشنّون حرب عصابات فعالة، كان النظام يشنّ حملات مكافحة تمرد غير فعالة. تعني الطبيعة المتنامية المتعددة الأبعاد للأزمة السيناوية أنها تحتاج إلى سياسة مكافحة تمرد معقدة، تتضمن مقاربات دينامية وغير دينامية. وهذه المجموعة الأخيرة من المقاربات ضرورية خصوصًا في الأجلين المتوسط والطويل. وهذا بعيد عن سياسات القمع المكثف المتبعة حاليًا لمعالجة الأزمة السيناوية. فكما استعرضنا أعلاه، فإن عواقب سياسات كهذه معروفة جيدًا في أدبيات مكافحة التمرد: القمع العشوائي المكثف الذي تتبعه قوات النظام هو الوسيلة الأكثر فاعلية في دفع السكان إلى أحضان المتمردين. تعمل أركان السياسة الحالية (القمع، والمخبرون، والبروباغندا) على تقويض بعضها بعضًا. فنوع القمع المستخدم يؤثر سلبيًا في المخبرين أو المتعاونين أو المؤيدين المحتملين، وكذلك الأمر مع نوع البروباغندا. ومن ثمّ، فإن التكتيكات تحبط الهدف الإستراتيجي (تهدئة المنطقة وهزيمة التنظيم). ولذلك تتواصل تغذية التمرد عبر حلقة مفرغة من القمع المكثف الآني والمتسم بردة الفعل. ويتعيّ على أي سياسة شاملة لمكافحة التنظيم أن تحدد التهديدات، وطبيعتها، وظروفها الداعمة، والتكتيكات المضادة الفعالة والشرعية، والإستراتيجيات المضادة. ويتعيّ أيضًا أن تعالج احتياجات التنمية الطويلة

  1. أبو بكر ناجي، إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة (سورية: دار التمرد،)][د.ت.
  2. 68 David Galula, Counterinsurgency Warfare: Theory and Practice (London: Policy Studies Institute-PSI, 2006), p. 23.
  3. Arreguin-Toft, pp. 94-100; Douglas Porch, Counterinsurgency: Exposing the Myths of the News Way of War (Cambridge: Cambridge University Press,
  4. Kenneth Pollack, Arabs at War: Military Effectiveness, 1948–1991 (Lincoln: University of Nebraska Press, 2002), pp. 55-73; Norvell De Atkine, "Why Arabs Lose Wars?" Middle East Quarterly , vol. 4, no. 4 (December 1999), pp. 1 - 5.
  5. 71 Dana Adams Schmidt, Yemen: The Unknown War (New York: Holt, Rinehart, & Winston, 1968).

الأمد لشبه الجزيرة بما في ذلك أبعاد المسألة من النواحي القبلية والاقتصادية - الاجتماعية والسياسية والهوياتية والديموغرافية. ومن الجوهري، على المدى القصير، تغيير الخطاب الإعلامي المؤيد للنظام، لكونه مؤشرًا على تغير السياسات حيال شمال سيناء. والامتناع عن القولبة النمطية السلبية في الحملات الإعلامية أمر مطلوب من الناحية الأخلاقية والعملية. أما بخصوص الأرضية التعبوية، فإن تعزيز صدقية بيانات قوات النظام وسياساتها المستدامة أمر أساسي لبناء شبكات استخبارات وتأييد محلية أقوى. وزيادة الاعتماد على هذه الشبكات، إلى جانب قوات خاصة مجهزة ومدربة جيدًا، مع الحد من استخدام المدفعية الثقيلة والقصف الجوي في المناطق السكنية، سيؤثر إيجابيًا في أهداف الحملة إجمالً. ويتعيّ تنفيذ ذلك بالتوازي مع سياسة "كسب القلوب والعقول" التي تبدأ بتعويض مناسب لسكان المنازل المهدمة، وأصحاب المزارع المدمرة، مع الاعتراف ب "الأضرار الجانبية" التي تسبب فيها الجيش. أما على المديين المتوسط والطويل، فيتعين ألا تعامَل سيناء باعتبارها تهديدًا أمنيًا جيوستراتيجيًا للقاهرة، بل تتأكد مراجعة ما يقوم على افتراضٍ كهذا من سياسات وتدابير عملية معيارية وتعديلها. وأحد جوانب مشكلة سيناء نابع كذلك من أزمة المصالحة الوطنية في مصر، ومن البيئة السياسية الشديدة الاستقطاب، ومن غياب آليات حل غير عنفي للصراعات، والافتقار إلى إصلاح القطاع الأمني، وغياب عملية عدالة انتقالية ذات صدقية، ومن العجز البنيوي في العلاقات المدنية - العسكرية. وترتبط المسألة الأخيرة على وجه التحديد بضعف الرقابة على صياغة سياسة الأمن القومي، وعلى تنفيذها، إضافةً إلى غياب المساءلة عمومًا عند فشل هذه السياسات أو تسببها في تفاقم الأزمات. لم تحصل مطلقًا مراجعة شاملة للسياسات العسكرية والأمنية في سيناء، لكن المناقشة المفتوحة الوحيدة بشأن سيناء حصلت في الفترة الانتقالية القصيرة بين شباط/ فبراير 2011 وحزيران/ يونيو 2013، ولم تسفر عن أي سياسة تنفيذية تذكر، وتوقفت بسرعة بعد الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013. وهذا كله يجب أن يتغير. فعمليات التمرد عمومًا لا تمثّل تهديدًا خطيرًا للحكومات الشرعية التي تقوم على المؤسسات وتتبع سياسات مكافحة تمرد ملائمة. والحال في مصر ليست كذلك، حيث الشرعية مثار خلاف، وسياسات مكافحة التمرد بعيدة عن المثالية. ويمكننا القول إجمالً، إن فشل جهود مكافحة التمرد يتطلب في جميع الحالات تقريبًا إصلاحات محلية كبيرة وتغييرًا في السياسات. ويؤدي استمرار غياب المصالحة الوطنية، وعدم مراجعة سياسات مكافحة التمرد، وغياب الرقابة على السياسات العسكرية والأمنية، إلى تكريس بيئة يمكن تنظيم ولاية سيناء أو مثيله البقاء فيها مدة أطول، وربما التمدد أكثر.

المراجع

العربية

عبد الفتاح، نبيل وآخرون. الحالة الدينية في مصر. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية،.1997 ناجي، أبو بكر. إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة. سورية: دار التمرد، [د.ت].

الأجنبية

Arreguin-Toft, Ivan. "How the Weak Win Wars: A Theory of Asymmetric Conflict." International Security. vol. 26. no. 1 (2001). Ashour, Omar. "Collusion to Collision: Islamist- Military Relations in Egypt." Brookings Papers. no. 14 (March 2015). Ashour, Omar, Maha Azzam & Claire Spencer. "The De- radicalisation of Jihadists." Meeting Summary. Chatam House. 10/12/2009, at: https://bit.ly/2Knasxn Boulding, Kenneth. Conflict and Defense: A General Theory. New York: Harper, 1962. Chaitani, Youssef, Omar Ashour & Vito Intini. An Overview of the Arab Security Sector amidst Political Transitions: Reflections on Legacies, Functions and Perceptions. United Nations' Economic and Social Commission for West Africa (UN-ESCWA). New York: United Nations Publications, July 2013. Connable, Ben & Martin C. Libicki. How Insurgencies End. Arlington: Rand Publications, 2010. De Atkine, Norvell. "Why Arabs Lose Wars?" Middle East Quarterly. vol. 4. no. 4 (December 1999). Fearon, James D. & David D. Laitin. "Ethnicity, Insurgency and Civil War." American Political Science Review. vol. 57. no. 1 (2012). Galula, David. Counterinsurgency Warfare: Theory and Practice. London: Policy Studies Institute-PSI, 2006.

Guevara, Ernesto Che. Guerrilla Warfare. North Melbourne, Australia: Ocean Press, 1961. Hafez, Muhammad. Why Muslims Rebel? Repression and resistance in the Islamic world. Boulder, CO: Lynne Rienner, 2003. Human Rights Watch. "All According to Plan: The Rab'a Massacre." Human Rights Watch Reports. 12/8/2014, at: https://bit.ly/1NaCcCS Johnston, Patrick B. "The Geography of Insurgent Organization and its Consequences for Civil Wars: Evidence from Liberia and Sierra Leone." Security Studies. vol. 17. no. 1 (2008). Kilcullen, David. The Accidental Guerrilla: Fighting Small Wars in the Midst of a Big One. Oxford: Oxford University Press, 2009. Lyall, Jason & Isaiah Wilson. "Rage against the Machines: Explaining Outcomes in Counterinsurgency Wars.'' International Organization. vol. 63. no. 1 (2009). Macaulay, Neill. "The Cuban Rebel Army: A Numerical Survey." The Hispanic American Historical Review. vol. 58. no. 2 (May 1978). Mack, Andrew. "Why Big Nations Lose Small Wars: The Politics of Asymmetric Conflict." World Politics. vol. 27. no. 2 (1975). Petraeus, David, James F. Amos & John A. Nagl. The U.S. Army/Marine Corps Counterinsurgency Field Manual. Chicago: University of Chicago Press, 2007. Pollack, Kenneth. Arabs At War: Military Effectiveness, 1948–1991. Lincoln: University of Nebraska Press, 2002. Porch, Douglas. Counterinsurgency: Exposing the Myths of the News Way of War. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Sayigh, Yezid. "Above the State: The Officers Republic of Egypt." Carnegie Papers. Carnegie Middle East Center. 1/8/2012, at: http://ceip.org/2KqId48 Schmidt, Dana Adams. Yemen: The Unknown War. New York: Holt, Rinehart, and Winston, 1968. Schutte, Sebastian. "Geography, Outcome, and Casualties: A Unified Model of insurgency." Journal of Conflict Resolution. vol. 59. no. 6 (September 2015). Seig, Hans Martin. "How the Transformation of Military Power Leads to Increasing Asymmetries in Warfare?" Armed Forces and Society. vol. 40. no. 2 (2014). Tse-tung, Mao. On Guerrilla Warfare. Champaign: University of Illinois Press, 1937. ______. On Protracted War. Beijing: Foreign Language Press, 1938.