خيار الدولة الاتحادية في اليمن: الخلفيات والمبررات وتحديات الانتقال
The Federal State Option in Yemen: Backgrounds, Justifications and the Challenges of Transition
الملخّص
تعالج هذه الدراسة شكل الدولة اليمنية، مع التركيز على خيار الدولة الاتحادية، وتهدف إلى البحث في أسباب تبنّي خيار الدولة الاتحادية، كما تبحث في خلفيات المطالبة بذلك ومبرراتها وتحديات الانتقال إلى هذا الشكل. تقسم الدراسة إلى خمسة محاور؛ يهتم أولها بمفهوم الدولة الاتحادية، ويتناول الثاني البدايات الأولى لمطالب تغيير شكل الدولة، ويستعرض الثالث تبلور المطالب الداعية إلى تبني شكل الدولة الاتحادية. في حين يعرض الرابع الرؤى المختلفة للقوى السياسية لشكل الدولة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل. ويناقش الخامس مخاوف التحول إلى الدولة الاتحادية وتحدياته. وتخلص الورقة إلى أن أي تسوية سياسية لتجاوز الوضع السياسي الراهن ستفضي بالضرورة إلى الاتجاه نحو الدولة الاتحادية. ولهذا توصي بأنه، لنجاح عملية التحول نحو الدولة الاتحادية، لا بد من الانتقال التدريجي وضرورة إيجاد توافق تام بين مكونات المجتمع اليمني.
Abstract
This study tackles the structure of the Yemeni state, focusing on the potential for federalism (or the "unionist" model) in the country. The first of five sections conceptualizes the federal state, the second deals with early demands to change the state structure while the third reviews the crystallization of these demands, and the fourth presents different political forces' visions of the state structure in the comprehensive National Dialogue Conference. The final section addresses the concerns and challenges regarding the transition to federalism. The author concludes that any political settlement to the conflict in Yemen will inevitable move the structure of the Yemeni state towards federalism and recommends that for the transition to the federal state to be successful, it must be gradual and win unanimous support from across Yemeni society.
- اليمن
- الدولة الاتحادية
- اللامركزية
- Yemen
- Federal State
- Decentralization
مقدمة
في سياق الأوضاع المضطربة والمراحل الانتقالية التي أعقبت الثورات في بعض الدول العربية بداية عام 2011، تنامى الحديث حول تغيير شكل الدولة، وتعالت الأصوات المطالبة بتبني الشكل الاتحادي. وتباينت دوافع تلك المطالب وأهدافها، أبرزها الرغبة في التخفيف من المركزية السياسية بما يحقق تطلعات المكونات الاجتماعية التي عانت التهميش والإقصاء من السلطة وغياب التوزيع العادل للثروة، فضلً عن إعادة إحياء بعض المطالب التي شهدتها تلك الدول في بداية تطورها السياسي والتاريخي. لم يكن اليمن ببعيد عن مطلب تغيير شكل الدولة الذي جرى حوله حوار مكثف، بوصفه قضية رئيسة تم تناولها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي انعقد باعتباره أحد استحقاقات المرحلة الانتقالية بعد ثورة 11 شباط/ فبراير 2011، والذي انتهت مخرجاته إلى تبني النظام الاتحادي شكلً للدولة في اليمن. تتمحور مشكلة هذا البحث حول التساؤل الرئيس التالي: لماذا جرى تبنّي خيار الدولة الاتحادية في اليمن؟ وتتفرع من هذا التساؤل عدة أسئلة، يحاول البحث الإجابة عنها، هي: ما خلفيات المطالبة بتبني الشكل الاتحادي للدولة في اليمن؟ وما الذي جعل تغيير شكل الدولة إحدى القضايا الرئيسة لدى القوى السياسية المعارضة قبل ثورة 11 شباط/ فبراير 2011؟ وما تصورات المكونات السياسية في مؤتمر الحوار الوطني الشامل لشكل الدولة؟ وما مبررات تبني النظام الاتحادي؟ وما تحديات الانتقال إليه؟ بناءً على ما سبق، ينقسم البحث إلى خمسة محاور: يهتم أولها بمفهوم الدولة الاتحادية، ويتناول الثاني البدايات الأولى لمطالب تغيير شكل الدولة، ويستعرض الثالث تبلور المطالب الداعية إلى تبني شكل الدولة الاتحادية. في حين يعرض الرابع الرؤى المختلفة للقوى السياسية لشكل الدولة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل. ويناقش الخامس مخاوف التحول إلى الدولة الاتحادية وتحدياته.
أولًا: الدولة الاتحادية: التشكّل التاريخي ودلالات المفهوم
يتخذ تشكّل الدولة الاتحادية مسارين رئيسين: فمن الناحية التاريخية، فإن الدول الاتحادية، كالولايات المتحدة الأميركية (1787)، وسويسرا (1848)، وألمانيا (1871)، نشأت تقليديًا نتيجة رغبة مشتركة في بلوغ مرحلة متطورة من التعاون بين دول منضوية في اتحاد كونفدرالي لتصبح دولة اتحادية لها شخصية دولية واحدة مع احتفاظ تلك الوحدات باستقلالها الداخلي. وتتسم هذه الدول بمساحتها الكبيرة وكثرة سكانها، باستثناء سويسرا التي تعدّ المساحة المحدودة، وقلة عدد السكان غير المتجانس في اللغة والمذهب والعرق، أبرز خصائصها. في المقابل، لم تنشأ، في التاريخ المعاصر، الدولة الاتحادية من تجميع عدد من الوحدات السياسية المستقلة، باستثناء الإمارات العربية المتحدة (1971)، بل أخذت طريقًا مختلفًا للتحول من دول بسيطة إلى دول اتحادية. وقد كان من أسباب تحول معظم الدول الاتحادية التي ظهرت بعد مرحلة الحرب الباردة، الرغبة في حل الصراعات وتجاوز أزماتها السياسية والاقتصادية التي عانتها بعض تلك الدول البسيطة (الموحدة)، بسبب المركزية الشديدة في ممارسة السلطة وشعور جزء كبير من سكانها بالتهميش وعدم مشاركتهم السياسية في إدارة شؤونهم المحلية في ظل الدولة المركزية، وأمثلة ذلك البوسنة والهرسك (1995)، وإثيوبيا (1995)، والصومال (2001)، والعراق (2003)، والسودان (2005). وبخلاف ما يحدث في النشأة التقليدية لتشكل الدولة الاتحادية من تنازل دول الاتحاد الكونفدرالي عن شخصيتها الدولية مع احتفاظها باستقلالها الداخلي، فإنه في النشأة المعاصرة للدولة الاتحادية تحصل وحدات الدولة البسيطة على الاستقلال في إدارة شؤونها الداخلية وفقًا لترتيبات دستورية متفق عليها بين المكونات السياسية في الدولة، تفضي إلى منح تلك الوحدات سلطات تشريعية وتنفيذية، ومن ثم تعدد مستويات الحكم.
وأيًا كانت طريقة تشكّل الدولة الاتحادية/ الفيدرالية، فإن تعريفها ينصرف إلى غايتها وإلى الترتيبات الدستورية في توزيع السلطات والاختصاصات بين مكونات الدولة الاتحادية؛ إذ يعرّفها البعض بأنها نظام حكومي متعدد المستويات يضم عناصر من الحكم المشترك والحكم الذاتي في الأقاليم، يجمع ما بين الوحدة والتعددية، ويعمل على استيعاب الهويات المتمايزة والحفاظ عليها وتعزيزها ضمن اتحاد سياسي أكبر حجمً، جوهره ترسيخ الوحدة واللامركزية
والمحافظة عليهما في آن واحد1. وتُجْمِع معظم التعريفات على أن الدولة الاتحادية تعني تقسيم السلطة والسيادة في الدولة بين عدة مستويات للحكم بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية وتقيم الحكومة المحلية علاقة مباشرة بالمواطنين2. وفي هذا السياق، يمكن تعريفها وفقًا لتطور المفهوم بأنها شكلٌ من أشكال الدول، ينشأ بموجب ترتيبات دستورية تستوعب مطالب المكونات الاجتماعية والسياسية في إعادة توزيع السلطات التشريعية والتنفيذية بين الحكومة المركزية والوحدات المكونة للدولة، غايتها توسيع قاعدة المشاركة السياسية وإعادة توزيع السلطة والثروة وتحقيق العدالة في المجتمع.
ثانيًا: مطلب الدولة الاتحادية في اليمن من الثورة إلى الوحدة
خضع اليمن للحكم العثماني الذي سيطر على شماله والاستعمار البريطاني الذي احتل الجنوب. وبعد انتهاء السيطرة العثمانية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، تمكّن الإمام يحيى حميد الدين من فرض سيطرته على معظم المحافظات الشمالية، وحاول إقامة اتحاد يمني يشمل المناطق الجنوبية والشرقية التي خضعت للاحتلال البريطاني، بحيث تتمتع كل الأقاليم فيها باستقلال داخلي، إلا أن تلك اللامركزية ارتبطت لدى كل من الإمام وسلاطين تلك المناطق بالرغبة في التفرد بقرارها، لذلك لم تنجح تلك المحاولات3. وظهر أول المطالب بتحقيق اللامركزية في اليمن الشمالي في عام 1956، انطلاقًا من أن مشكلة الإدارة والحكم في اليمن تكمن في أن السلطة متجمّعة في يد واحدة، لذلك فإن الأمر يستلزم توزيع الاختصاصات بين الحكومة المركزية والهيئات المحلية، بحيث يكون للأخيرة استقلال إداري وأعضاؤها ينتخبهم السكان، وذات استقلال مالي يتمثل في وجود مالية مخصصة لكل هيئة من الهيئات4. وفي شباط/ فبراير 1959، أقامت بريطانيا اتحاد إمارات الجنوب العربي بدعاوى وضع حد للتجزئة وإقامة سلطة مركزية، وهو الاتحاد الذي نشأ استجابة للتغيرات الإقليمية بعد الحرب العالمية الثانية، وأملته المصالح البريطانية في المنطقة. ويعده البعض من الناحية السياسية نوعًا من التبعية لبريطانيا5، فقد هدفت من ورائه إلى استباق أي تطورات تهدد مصير وجودها6.
وقد توارى الحديث عن ال مااركزية إثر الثورة في ش لاا اليمن في 26 أيلول/ سبتمبر 1962 والاستق لاا في الجنوب في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967؛ إذ اتجه النظامان السياسيان إلى فرض سيطرتهما على السلطة في ظل مناخ سياسي يدعم سلطة الدولة المركزية، وخطاب سياسي يدعو إلى تحقيق الوحدة الوطنية بين الشطرين، وأصبحت المطالبة باللامركزية بمنزلة الدعوة إلى التجزئة في النظامين. وانعقدت عدة لقاءات في هذا الشأن بين قيادات الشطرين، كان لبعض الدول العربية إسهام في عقدها، وسميت الاتفاقيات التي وقعت بأسماء عواصم الدول التي بذلت مساعيها لوقف الاقتتال بين الشطرين. كان جوهر تلك الاتفاقيات هو المطالبة بتوحيد اليمن. وتُعدّ اتفاقية القاهرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1972 أولى تلك الاتفاقيات7، إذ نصت في مادتها الأولى على: "تقوم وحدة بين دولتي الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تذوب فيها الشخصية الدولية لكل منهما في شخص دولي واحد وقيام دولة يمنية واحدة". وهو أمر أكده بيان طرابلس في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه بأن "يقيم الشعب العربي في اليمن دولة واحدة تسمى الجمهورية اليمنية"8. وهو ما يشير ضمنًا إلى شكل الدولة الاندماجية (البسيطة). غير أن أول إشارة للنظام
الاتحادي إلى دولة الوحدة وردت في أول اتفاق بعد استقلال الجنوب في 1967، واستقرار النظام الجمهوري في الشمال إثر اندحار حصار الملكيين للعاصمة صنعاء في 1968. فقد اتفقت قيادتا الشطرين في مدينة تعز في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 على البدء في اتخاذ إجراءات تكوين اتحاد فيدرالي يجمع الدولتين9، وبهذا جرى نقل قضية الوحدة من الواقع الشعبي إلى المجال الرسمي وورودها في دستوري الدولتين أول مرة10.
11 الوحدة والمرحلة الانتقالية
قدّم المؤتمر الشعبي العام الحزب الحاكم في الشمال في أيلول/ سبتمبر 1989، والحزب الاشتراكي اليمني الحزب الحاكم في الجنوب في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، مشروعيهما لشكل دولة الوحدة؛ تضمن مشروع "المؤتمر" عشر نقاط تقوم على أساس الفيدرالية، في حين قدم الحزب الاشتراكي مشروعًا يتضمن إنشاء اتحاد مؤقت بين الشطرين مع استمرار ازدواجية الشخصية الدولية، بحيث تسبق الوحدة الكاملة فترة انتقالية11. إلا أن التطورات الدولية المواتية والمتسارعة، المتمثلة في انتهاء الحرب الباردة، دفعت قيادتي الشطرين إلى تبني صيغة الوحدة الاندماجية، وتجاهل الخيارات الأخرى لشكل الوحدة – الدولة؛ بوصفها مسألة تجاوزتها المشاعر الوحدوية الجارفة التواقة إلى توحيد شطرين يسكنهما شعب واحد. وإذا كان هناك من قائل بأن هناك تسرعًا في إعلان الوحدة بصيغتها الاندماجية، فلا يمكن محاكمة اللحظة التاريخية المحكومة باعتبارات إقليمية ودولية مواتية كان يصعب تفويتها. كما أن المتابع يلحظ أنه خلال ثمانية عشر عامًا انعقد أكثر من لقاء بين قيادتي الشطرين، وشُكّلت لجان وحدوية كانت مقدمات ضرورية سبقت تحقيق الوحدة في شكلها الاندماجي. لكن في المقابل، فإن توقيت إعلان الوحدة المفاجئ قد أضاع فرصة للتريث في عملية التحول، فبدلً من أن يجري تحقيق الوحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1990 بحسب اتفاق عدن التاريخي، جرى التعجيل بها لتكون في 22 أيار/ مايو.1990 ولذلك، فإن شكل الدولة لم يحتل سُلّم الأولويات. فمع تصديق القيادتين السياسيتين على م وررع دستور دولة الوحدة الذي أنجزته اللجنة الدستورية المشتركة عام 1981 وإحالته إلى المجلسين التشريعيين في الشطرين للموافقة عليه، جرى تجاوز الأطروحات حول شكل الدولة، فقد تضمن الدستور مبدأ إنشاء دولة وحدة (اندماجية)12. وهو ما ورد في المادة الأولى من اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية في أن "تقوم بتاريخ 22 من مايو عام 1990 م الموافق 1410/10/27 ه بين دولتي الجمهورية العربية اليمنية، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (شطري الوطن اليمني) وحدة اندماجية كاملة تذوب فيها الشخصية الدولية لكل منهما في شخص دولي واحد يسمى الجمهورية اليمنية، وتكون للجمهورية اليمنية سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية واحدة"13. لكن، لم يحُل ذلك دون الحديث عن شكل الدولة أثناء الأزمة السياسية بين الحزبين الحاكمين؛ فقد طرح حينها سالم صالح محمد الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني عضو مجلس الرئاسة فكرة الفيدرالية شكلً للدولة14، وهو ما قوبل بانتقاد قيادة المؤتمر الشعبي العام التي وصفته بأنه تمهيد للانفصال. وقد مهّد ذلك لطرح المسألة موضع النقاش. فمع اشتداد الأزمة السياسية في اليمن جرى تشكيل لجنة الحوار الوطني، ونتج منها وثيقة العهد والاتفاق في شباط/ فبراير 1994، وتبنّت تلك الوثيقة تقسيم البلاد من 4 - 7 وحدات إدارية تسمى "مخاليف" (أقاليم)، وتوزيع الثروة توزيعًا عادل15، وهي صيغة في جوهرها تقع ما بين صيغة اللامركزية الإدارية والمالية واللامركزية السياسية للدولة في شكلها الاتحادي.
اللامركزية المالية والإدارية بعد حرب صيف 1994
أفضى سوء إدارة المرحلة الانتقالية، والشكوك المتبادلة التي طفت على السطح بين شريكي تحقيق الوحدة، إلى اندلاع حرب في صيف 1994، والتي كان من نتائجها خروج الحزب الاشتراكي اليمني من السلطة، وتشكيل الائتلاف الثنائي الحاكم (المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح)، وهو الائتلاف الذي خاض الحرب في مواجهة الحزب الاشتراكي تحت شعار "الوحدة أو الموت" وعدّها حربًا لتثبيت الوحدة، والقضاء على محاولة الانفصال16.
حينها، لم يكن شكل الدولة في وارد تفكير الائتلاف الثنائي الحاكم، بل تنكّر لوثيقة العهد والاتفاق، وجرى وصفها بوثيقة "الغدر والخيانة". وذهب حزبا الائتلاف إلى إجراء تعديلات دستورية تستوعب مصالحهما ورؤيتهما للإصلاح السياسي. ومثلت تلك التعديلات تراجعًا عن دستور الوحدة، فقد تضمنت تعيين قيادات المجالس المحلية واختيارها بدلً من انتخابها. في مقابل ذلك، اقتصرت مطالب قيادات الحزب الاشتراكي اليمني بعد انتهاء الحرب على المطالبة بإصلاح مسار الوحدة من دون أي إشارة إلى شكل الدولة. لقد ألقت حرب صيف 1994 بتبعاتها السلبية على التوازن السياسي، وعلى إدارة العملية السياسية التي اتسمت بتركيز السلطة في مناخ سياسي قرن الوحدة بالمركزية وما عداها من أشكال اللامركزية الإدارية والسياسية بالانفصال. وتلكأ الائتلاف الثنائي الحاكم في الشروع في إجراء انتخابات مجالس السلطة المحلية بحسب ما ورد في الدستور، وصدر قانون السلطة المحلية متأخرًا في 2000 ليعكس التراجع الذي تضمنه الدستور في طريقة تشكيل هيئات السلطة المحلية ما بين انتخاب أعضائها وتعيين قياداتها. ولم ينتج من الممارسة تطبيق حقيقي للامركزية المالية والإدارية، فقد نشأ من تضارب الصلاحيات بين القوانين عدم التناغم بين أجهزة السلطتين المركزية والمحلية وازدواجية المهمات والوظائف بين السلطتين، وأعاق عمل المجالس المحلية وأفقدها الغاية من وجودها17؛ فانتهت إلى لامركزية مشوّهة لا تلبي الحد الأدنى من المطالب التي تضمنتها المنظومة القانونية للسلطة المحلية. وهو أمر عكس نفسه في مقررات المؤتمرات السنوية الأربعة للمجالس المحلية وتوصياتها18، ولم ينفذ الجزء الأعظم منها19. لذلك تضمنت الإستراتيجية الوطنية للحكم المحلي التي أقرتها الحكومة، يوم 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2008، رؤيةً وتشخيصًا لعملية إصلاح نظام السلطة المحلية. وعلى الرغم من قرار مجلس الوزراء بضرورة إعداد برنامج وطني للتنفيذ حتى 2020، فإنه لم تُتخذ أي إجراءات لتطوير المنظومة التشريعية للسلطة المحلية وفقًا لما ورد في الإستراتيجية21.
ثالثًا: مطالب الإصلاح السياسي وشكل الدولة
مطالب الإصلاح السياسي (2004 - 2010)
أدى استحواذ المؤتمر الشعبي العام على ثلاثة أرباع مقاعد البرلمان في الانتخابات البرلمانية الثالثة في عام 2003، ومن ثم إحكام هيمنته على مجريات العملية التشريعية، إلى عدم إمكان تحقيق التعددية السياسية غايتها من تداول سلمي للسلطة. ودفع اليأس من عدم استجابة النظام الحاكم إلى مطالب الإصلاح السياسي، ومنها إصلاح مسار الوحدة، قيادات جنوبية إلى التقدم بمقترحاتها ومطالبها لحل أوضاع الجنوب المأساوية التي نتجت من الحرب، وتمثلت في إزالة آثار الحرب، وإصلاح مسار الوحدة، والمصالحة الوطنية الشاملة22. وقد بلغت تلك المطالب سقفها الأعلى بمطالبة أحد المكونات السياسية المعارضة في الخارج بتقرير المصير23. وقد تشكّلت في المحافظات الجنوبية جماعات سياسية تبنت في البداية مطالب حقوقية انتهت بإعلان الحراك الجنوبي السلمي عن نفسه في أواخر 2007 دعا إلى تقرير المصير وفك الارتباط24. وأسهم تزايد الضغوط الدولية، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وفي أعقاب الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، بتبني إصلاحات ديمقراطية، في صدور عدد من مبادرات الإصلاح السياسي في الفترة 2004 -2007. والملاحظ أن المبادرات الصادرة من الأحزاب السياسية في المعارضة لم تشر إلى شكل الدولة، في حين تضمنت المبادرات التي تقدمت بها شخصيات سياسية واجتماعية مستقلة المطالبة بتقسيم اليمن إلى أقاليم. وفي وقت لاحق، تبنت المبادرات الفردية النظام الاتحادي شكلً للدولة25. وأدى إحكام المؤتمر الشعبي العام قبضته على السلطة، واستمرار احتفاظه بمنصب رئاسة الدولة، وهيمنته على مقاعد المجالس المحلية في المديريات والمحافظات في الانتخابات الرئاسية والمحلية في
أيلول/ سبتمبر 2006، وتصاعد الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، ومنها الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية، إلى تبني الأحزاب السياسية في المعارضة رؤيتها للإنقاذ الوطني، وأجملت موقفها في تشخيصها الوضع بأن جذر الأزمة في اليمن يتلخص في "الحكم الفردي المشخصن العائلي والمركزية العصبوية"26، ووضعت الشكل الاتحادي للدولة بوصفه أحد ثلاثة خيارات لإعادة النظر في شكل الدولة27. وعلى الرغم مما عكسه ذلك من تباين الأحزاب وعدم قناعة بعضها بالفيدرالية/ الدولة الاتحادية، فإنها أول مرة تتبنى شكل الدولة بوصفه أحد مطالب الإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، عدّ البعض جوهر الأزمة الوطنية البنيوي يعود إلى نتائج حرب صيف 1994 وآثارها، واحتكار السلطة والثروة عبر مركزية الحكم، وتركيز السلطة، وأن ذلك يتطلب تقديم حلول جذرية تحقق التغيير، وفي المقدمة تغيير شكل الدولة إلى اتحاد فيدرالي وانتقال السلطة سلميًا28.
الثورة الشبابية الشعبية السلمية وشكل الدولة
أسهم تصاعد الأزمات السياسية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في تأثر الشباب اليمني وتفاعلهم السريع مع ما جرى في محيطهم العربي من اندلاع الثورة في تونس ومصر في بداية 2011، ليعلنوا الثورة التي تمثل مطلبها الرئيس في إسقاط النظام. ولما اتسمت به الثورة في اليمن من غياب قيادة لها، وهي سمة مشتركة لثورات الربيع العربي، فقد اتخذت أهدافها وقتًا للتبلور في ساحات الثورة، استغرق عشرة أشهر؛ إذ لم يكن مطلب تغيير شكل الدولة من ضمن أهدافها، اعتقادًا بأن إسقاط النظام كفيل بحل الأزمات جميعها التي يعانيها اليمن. وفي الفترة التي أعقبت توقيع المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وقبل عقد مؤتمر الحوار الوطني، عبّ بعض مكونات شباب الثورة المستقلين في إحدى ساحاتها عن مطلبهم بتغيير شكل الدولة إلى الشكل الاتحادي29. ويشير ذلك إلى أن شكل الدولة لم يعد موضوعًا يقتصر تناوله على المستوى النخبوي، فقد أتاح المناخ الثوري المجال لأن يصبح مطلب الدولة الاتحادية قضية عامة تتصدر المطالب السياسية الأخرى. وفي السياق نفسه، أكد قرار مجلس الأمن الدولي الأول رقم 2014 الصادر في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 أن أفضل حل للأزمة الراهنة في اليمن يكمن في عملية انتقال سياسية شاملة يقودها اليمن، تستجيب لمطالب الشعب اليمني وتطلعاته المشروعة إلى التغيير. وأكد المجلس التزامه القوي بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه30. وهي عبارة جرى تكرارها في قرارات المجلس التسعة جميعها بشأن اليمن، وتم تأكيدها في الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية31 التي وضعت في الوقت نفسه الأساس لطرح موضوع شكل الدولة للنقاش، وقد نصت على أن من مهمات الرئيس وحكومة الوفاق "تأسيس عملية للإصلاح الدستوري تعالج هيكل الدولة والنظام السياسي"، على نحو يعني أن شكل الدولة من ضمن القضايا التي ينبغي مناقشتها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل. وقد استبقت بعض القيادات الجنوبية في الخارج توقيع المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية بعقد مؤتمرها الأول في القاهرة تحت شعار "معًا من أجل حق تقرير المصير لشعب الجنوب" في الفترة 21‐19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011. انتهى المؤتمر إلى أن الحل العادل للقضية الجنوبية هو الاعتراف والقبول الصريح بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره عبر الوسائل الديمقراطية، وأنه لا بد من إعادة صوغ الوحدة في دولة اتحادية/ فيدرالية تتكون من إقليمين شمالي وجنوبي في حدود 21 أيار/ مايو 1990، وبما يحقق مقومات النجاح والشراكة والثقة لفترة خمس سنوات، وبعدها يتم إجراء استفتاء لأبناء الجنوب لإعطائهم الحرية الكاملة في تحديد مستقبلهم32.
رابعًا: رؤى القوى السياسية حول شكل الدولة في مؤتمر الحوار الوطني
11 التصورات الأولية
أبدت بعض المكونات السياسية الجنوبية عدم تفاعلها مع ثورة 11 شباط/ فبراير 2011، خاصة مع انضمام جزء من مكونات النظام السابق التي كان لها دور في حرب 1994 إلى الثورة. على الرغم من أن الثورة حملت كثيرًا من التطلعات، ودفعت بجميع المطالب السياسية كقضايا السلطة، والثروة، والمركزية في الحكم إلى الواجهة، فإن ما تضمنته قرارات مجلس الأمن الدولي والآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية من تأكيد وحدة اليمن واستقراره، يوحي بعدم تعاطف القوى الإقليمية والدولية مع انفصال الجنوب. وقد حصرت المكونات السياسية جميعها في مشاركة ممثلين لأبناء الجنوب في مؤتمر الحوار الوطني الشامل33 الذي ضم المكونات السياسية كافة والفئات جميعًا من المستقلين والشباب والمرأة، شارك الجنوبيون بنسبة 50 في المئة من قوام مؤتمر الحوار الوطني البالغ عدد أعضائه 565 عضوًا، ومن مقاعد فرق المؤتمر التسعة ومنها فريق القضية الجنوبية الذي تكوّن من 40 عضوًا34. واستوعبت مقررات المؤتمر ومخرجاته مطالب الإصلاح السياسي قبل الثورة، ومنها تبني نظام القائمة النسبية في الانتخابات البرلمانية، والانتقال من الدولة البسيطة إلى الدولة الاتحادية بوصفه حلً لمشكلة السلطة والثروة في سياق التوصل إلى حل القضية الجنوبية35. وقد قدمت معظم المكونات السياسية تصوراتها الأولية حول شكل الدولة وفقًا لما يبينه الجدول (1). يتضح من الجدول (1) إجماع المكونات السياسية على اللامركزية، مع وجود تباين في رؤاها حول شكل الدولة. ويظهر ذلك التفاوت لدى أحزاب تكتل اللقاء المشترك36، إذ قدّم الحزب الناصري خيارين أحدهما خيار الدولة الاتحادية، واتصف موقف حزب الإصلاح وحزب البعث بعدم الوضوح حول شكل الدولة، فتبنى الأول خيار اللامركزية، ونحت الثاني مصطلحًا جديدًا هو "دولة بسيطة مختلطة". وكان حزب الرشاد السلفي - تأسس بعد ثورة شباط/ فبراير 2011 - أوضح بتبنيه خيار الدولة البسيطة مع تطبيق اللامركزية ذات الحكم المحلي "كامل الصلاحيات". في حين عدَّ مكون الحراك الجنوبي شكل الدولة شأنًا تحدده مخرجات فريق القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار استنادًا إلى مبدأ حق تقرير المصير لشعب الجنوب. في المقابل، تبنت خمسة مكونات سياسية الدولة الاتحادية، منها مكونان جديدان: حزب العدالة والبناء ومكون "أنصار الله"؛ تأسس الأول أثناء الثورة ويُعدّ الكتلة الثالثة في البرلمان نتيجة انشقاق بعض أعضاء حزب المؤتمر الشعبي العام، وأعلن الثاني عن نفسه في بداية انعقاد مؤتمر الحوار الوطني.
22 الإجماع على شكل الدولة الاتحادي
مع نهاية تموز/ يوليو 2013، بدأت رؤى القوى السياسية تتبلور أكثر حول شكل الدولة في مؤتمر الحوار الوطني؛ إذ تبنى حزب الإصلاح خيار الدولة الاتحادية، وأكد ضرورتها "لمعالجة البعد السياسي للقضية الجنوبية، وضمان تحقيق الشراكة الوطنية في السلطة والثروة بين كل اليمنيين"37. ولم تتبدل رؤية حزب المؤتمر الشعبي العام حول شكل الدولة في أن تكون "الجمهورية اليمنية دولة اتحادية [...] تتكون من إقليم مدينة عدن الاقتصادي وعدد من الأقاليم تديرها حكومات محلية"38. وتبنى الحزب الاشتراكي خيار الدولة الاتحادية حلً للقضية الجنوبية، على "أن يبقى الجنوب كيانًا موحدًا (إقليمً واحدًا) يضمن له الاستقرار وعدم التفكك، بعكس الشمال الذي لا يخشى عليه من أي تقسيم فيدرالي له ينطوي على مخاطر التجزئة والانفصال"39. وحسم التنظيم الناصري تردده بين الحكم المحلي والفيدرالية بوصفها حلً للقضية الجنوبية، إذ دعا إلى ضرورة الاتفاق على شكل جديد للدولة، يحول دون تركيز السلطة واحتكارها، ويصون الوحدة الوطنية، ويكرس الاندماج الاجتماعي، ويحقق مصالح كل أفراد الشعب، وأن الشكل الملائم لتحقيق ذلك هو الدولة الاتحادية المتعددة الأقاليم40. وتبنت الحركة الحوثية؛ مكوّن "أنصار الله"، "الدولة الاتحادية/ الفيدرالية، يقوم دستورها على المبادئ والمعايير والأسس الوطنية السليمة ويفتت تركز السلطة واحتكار الثروة، ويضمن حق أبناء الجنوب في المشاركة العادلة في إطار مؤسسات الدولة الاتحادية [...] وحق كل إقليم بوضع دستور خاص به يحدد هيكل سلطاته وصلاحياته، وبما لا يتعارض مع الدستور الاتحادي"41.
ويلاحظ مما سبق إجماع المكونات السياسية في مؤتمر الحوار الوطني على النظام الاتحادي، باستثناء مكوِّن الحراك الجنوبي الذي اتجه إلى رفع سقف مطالبه بدولة اتحادية للجنوب العربي، على أن تسبقها فترة انتقالية يقرر خلالها شعب الجنوب هويته الوطنية واسم دولته عبر استفتاء شعبي عام، وأن تكون دولة اتحادية فيدرالية حدودها ما قبل 22 أيار/ مايو 199042.
33 مبررات تبني الشكل الاتحادي للدولة
لم تكن الممارسات الخاطئة، أثناء الفترة الانتقالية 1990 - 1993، ناشئة من صيغة الوحدة الاندماجية، بقدر ما كانت راجعة إلى عدم الانتقال إلى الوحدة تدريجيًا. فقد أفضت تلك الممارسات إلى بلوغ الصراع ذروته بين الحزبين الحاكمين ومن ثم إزاحة الحزب الاشتراكي من السلطة بالقوة في 1994، وهو ما شجع حزب المؤتمر الشعبي العام على احتكار السلطة، وفرض أسلوبه في إدارة الدولة. وقد مثل ذلك البدايات الأولى لنشوء القضية الجنوبية، وجعل مطلب تقرير المصير أحد خيارات بعض مكوناتها السياسية قبل أن يصبح النظام الاتحادي خيارًا آخر للحل. وقد خلص البعض إلى أن القضية الجنوبية مثّلت الأساس لمعالجة جملة من التشوهات والممارسات غير العادلة في بنية الدولة ووظيفتها، وأنه لولا القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار لما خرج المؤتمر بحل التوجه إلى دولة اتحادية، وأن الميل نحو الشكل الاتحادي للدولة هو انعكاس لثلاثة عوامل مهمة43: الطابع التسلطي للدولة البسيطة في المرحلة السابقة؛ أي دولتي الشمال والجنوب وفي دولة الوحدة. إن الدولة البسيطة لا تعكس التجربة التاريخية للدولة في اليمن شمالً وجنوبًا، فقد كان النموذج اللامركزي هو الغالب في تاريخ اليمن. كما أن الدولة البسيطة لا تعترف بالهويات السياسية العابرة التي تطورت على مدى بضعة عقود، مثل الهوية الشمالية والهوية الجنوبية، أو تلك الهويات التاريخية الثقافية التي تطورت على مدى آلاف السنين (نتيجة لأسباب اقتصادية أساسًا)، وتلك الهويات التاريخية الثقافية هي من الغرب إلى الشرق. ويشير البعض، بهذا الشأن، إلى أنه "تبين عمليًا، خلال أكثر من عشرين عامًا مضت على قيام الوحدة الاندماجية، فشل الدولة البسيطة في الحفاظ على الوحدة [...] وأن العوامل الجغرافية والثقافية والسكانية والحضارية في اليمن تصب كلها في صالح الدولة المركبة لا البسيطة"44. إدراك غالبية المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني عجز المؤسسات والبني الدستورية عن منع تركز السلطة واستشراء الفساد في الدولة البسيطة التي تعتمد على الدخل الريعي من الموارد الطبيعية والمعونات الدولية، ولذلك فهي ليست في حاجة إلى الاستجابة لمواطنيها وتنمية قدراتهم الاقتصادية في اليمن45. وفي الحصيلة، فإن أهداف الدولة الاتحادية هي المعالجة العادلة للقضية الجنوبية والحفاظ على الوحدة الوطنية، والتخلص من مركزية السلطة ومنع التسلط، وخلق نظام تنافسي وتعاوني بين الأقاليم من جهة، وبين الولايات والأقاليم من جهة أخرى46. فضلً عن ذلك، فإن ما عكسته مؤتمرات المجالس المحلية من إخفاق تجربة السلطة المحلية قد عزز القناعة بالتوجه نحو تبني الحكم المحلي بالتوازي مع التحول إلى النظام الاتحادي. وبهذا الشأن، يرى البعض أن أعضاء مؤتمر الحوار الوطني عندما درسوا وضع نظام السلطة المحلية واللامركزية المالي والإداري اكتشفوا أن هذا النظام ترهّل ولا يرجى إصلاحه في ظل الدولة المركزية؛ ما جعلهم أشد ميلً إلى الأخذ بالنظام الاتحادي47. ويرى البعض أن تبني الدولة الاتحادية هو الحل المناسب لمسار التطورات في اليمن وللأزمة الوطنية بتعقيداتها الناتجة من المركزية الشديدة، وأنه لم يعد في الإمكان التعامل مع أهم القضايا، ومنها القضية الجنوبية من دون تغيير شكل الدولة48. من جانب آخر، لا ينبغي النظر إلى مدى توافر الشروط النظرية بمفهومها التقليدي مبررًا لتبني الشكل الاتحادي للدولة في الحالة اليمنية التي تتسم بشدة التجانس السكاني في اللغة والعرق والدين، وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل وجود اختلافات ثانوية مذهبية، غير عميقة، تتطابق مع الجغرافيا ومع تقسيم السلطة، وهويات فرعية سياسية شمالية وجنوبية أوجدت عبر الزمن تباينات
ثقافية واقتصادية واجتماعية تعزز تبنّي الدولة الاتحادية، وهي هويات أسهمت في خلقها الجغرافيا اليمنية التي تتسم بالتنوع ما بين السهل والجبل والصحراء. كما تعكس تضاريسها الجبلية الصعبة نفسها في توزع السكان وتشتتهم الكبير جدًا في تجمعات سكانية كثيرة، بلغ عددها 133931 تجمعًا سكانيًا49، ما يجعل قدرة السلطة المركزية على إدارة تلك التجمعات أمرًا بالغ الصعوبة، ويزيد من تكاليف التنمية في دولة شحيحة الموارد. وهي عوامل تجعل التحول إلى الدولة الاتحادية ممكنًا، إضافة إلى ما يحققه الشكل الاتحادي للدولة من تقريب مؤسسات الحكم إلى تلك التجمعات السكانية وما يخلقه من تنافس بين الأقاليم في مجالات التنمية.
44 معضلة تحديد الأقاليم وعددها
على الرغم من إجماع المكونات السياسية حول الشكل الاتحادي للدولة، فإن مؤتمر الحوار الوطني لم يستطع حسم قضية تقسيم الأقاليم وتحديد عددها، ووقف أمامها طويلً بسبب اختلاف التصورات التي قدمتها الأحزاب السياسية. وقد أوكلت إلى فريق القضية الجنوبية مسألة البت في شكل الدولة بوصفها إحدى القضايا الرئيسة في مؤتمر الحوار الوطني وآخر القضايا التي تم حسمها50. فقد تقدم حزبا المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح بمقترح مفاده أن يكون عدد الأقاليم ستة، في حين كان مقترح الحزب الاشتراكي اليمني بأن يجري تقسيم اليمن إلى إقليمين، وهي فكرة تقترب من رغبات بعض المكونات الجنوبية التي تطالب باستعادة الهوية الجنوبية وتقرير المصير عبر استفتاء شعبي، إذ يعدّ الحزب الاشتراكي نفسه ممثلً للجنوب، بوصفه حزبًا حاكمً قبل تحقيق الوحدة، ويرى أن تقسيم اليمن إلى عدة أقاليم أمر يؤدي بالضرورة إلى تقسيم الجنوب إلى إقليمين، ومن ثم يسهل تفككه (الجنوب). من جانب آخر، فإن تقسيم الدولة إلى أكثر من إقليمين ينطلق من عدم إمكان استمرار الدولة البسيطة القائمة على المركزية الشديدة في الحكم، وهو يتفق مع مضمون ما تضمنته وثيقة العهد والاتفاق في 1994 من تقسيم اليمن إلى أكثر من "مخلاف" أي إقليم، ومع ما تضمنته مبادرات الإصلاح السياسي قبل.2011 لم يتمكن فريق القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني من حسم قضية تقسيم الأقاليم، فجرى تشكيل فريق مصغر من المكونات السياسية كافة، انتهى إلى وضع تصور بأن يكون عدد الأقاليم ما بين إقليمين إلى ستة أقاليم، على أن يشكّل رئيس الجمهورية لجنة برئاسته بتفويض من مؤتمر الحوار الوطني لتحديد عدد الأقاليم، ويكون قرار اللجنة نافذًا51. وبموجب ذلك أصدر رئيس الجمهورية قرارًا بتشكيل لجنة لتحديد الأقاليم في 10 شباط/ فبراير 2014. وفي فترة تقل عن أسبوعين من تاريخ التشكيل أصدرت اللجنة قرارها بتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، وهي فترة قصيرة بالنظر إلى أهمية هذه القضية التي احتد الخلاف حولها52. وقد جرى النص على مسميات تلك الأقاليم في مسودة الدستور الجديد. ويبين الجدول (2) مساحة تلك الأقاليم وعدد سكانها.
يمثل إقليم آزال ما نسبته 19 في المئة من مجمل سكان الجمهورية إذا جرى استبعاد سكان أمانة العاصمة التي سيكون لها وضع خاص وفقًا لمسودة الدستور الجديد بوصفها عاصمة اتحادية. يبين الجدول (2) حجم التفاوت بين الأقاليم من حيث المساحة وعدد السكان. ويظهر التفاوت الكبير بين إقليمي الجند وحضرموت. إذ يبلغ سكان إقليم الجند المتكون من محافظتين (ولايتين) ما يقارب ربع سكان الجمهورية، ويعد أصغر الأقاليم مساحة بنسبة 3.3 في المئة من مساحة الجمهورية، ويمثل أكبر الأقاليم كثافة سكانية (353 في الكيلو متر مربع). في حين تزيد مساحة إقليم حضرموت على نصف مساحة الجمهورية، ويمثل سكانه ما نسبته 8.1 في المئة من سكان الجمهورية، ويتكون من أربع محافظات تعد من أكبر المحافظات مساحة في الجمهورية باستثناء محافظة جزيرة سقطرى، وبذلك يعد أقل الأقاليم كثافة سكانية (6.5 في الكيلو متر مربع). ولم يكن هذا التفاوت في حجم الأقاليم السبب الرئيس وراء المواقف المعارضة قرار لجنة تحديد الأقاليم، وإنما هناك أسباب مختلفة، إذ أبدى الحزب الاش ارركي موقفه الرافض لعددها اتساقًا مع موقفه
السابق بهذا الشأن من إصراره على تحديد عدد الأقاليم بإقليمين53، الأول شمالي والثاني جنوبي، وهو ما يلتقي مع رغبات مكون الحراك الجنوبي، ولكن وفقًا للحدود الجغرافية للدولتين السابقتين54. في حين انطلقت معارضة مكون "أنصار الله" من أن الصيغة التي اعتُمِدت تكرّس تقسيم اليمن إلى "أغنياء وفقراء"55، وبدعاوى أن القرار لم يأخذ في الحسبان العوامل الجغرافية والاقتصادية. إذ إن إقليم آزال الواقع في نطاق نفوذ الحركة الحوثية، لا تتوافر فيه الموارد النفطية وليس له إطلالة على البحر56 (انظر الخريطة). وهذه الاعتراضات قد لا يكون لها منطق في دولة اتحادية قائمة فعلً إذا تأملنا في بعض الدول الاتحادية التي لا تطل بعض أقاليمها على البحار ويفتقر بعضها الآخر إلى الموارد الطبيعية، أما دولة تنشد التحول نحو النظام الاتحادي فإن الأمر لا يخلو من وجاهة. إلا أنه لا ينبغي إغفال أن من أهم أسباب نشأة الدولة الاتحادية هو إعادة توزيع تلك الموارد وإدارتها بالعدل بين الوحدات المكونة للدولة والحكومة المركزية، ويكون للأخيرة اختصاصات حصرية في إدارة المنافذ البحرية لارتباطها بسيادة الدولة.
خامسًا: الدولة الاتحادية وتحديات الانتقال
ملامح الدولة الاتحادية في مسودة الدستور
تشير المادة الأولى من مسودة الدستور إلى شكل الدولة "جمهورية اليمن الاتحادية دولة اتحادية مدنية ديمقراطية"57. وحددت المادة (391) عدد أقاليمها بستة أقاليم، أربعة في الشمال واثنين في الجنوب، مبينة تفاصيلها في الجدول (2). وحول النظام السياسي للدولة، جرى تبني النظام الرئاسي58؛ إذ نصت المادتان (180، 181) على أن تتكون السلطة التنفيذية من رئاسة الجمهورية والمكونة من رئيس ونائب منتخبين معًا في قائمة واحدة في انتخابات عامة ومباشرة وسرية وتنافسية مدة خمس سنوات، ولا يجوز إعادة انتخاب الرئيس إلا مرة واحدة فحسب، على ألا يكونا من إقليم واحد. ونصت المادتان (202، 203) على أن للدولة "حكومة اتحادية وزراؤها مسؤولون عن أداء مهامهم أمام رئيس الجمهورية". وتنص المادة (3/191) على أن الرئيس هو الذي يقوم بتعيينهم وإعفائهم وعزلهم. وتتكون السلطة التشريعية كما تنص المادتان (138، 141) من مجلسين: مجلس نواب يتكون من 260 عضوًا، والثاني المجلس الاتحادي (المجلس الأعلى) الذي يتكون من 84 عضوًا، يمثل كل إقليم ب 12 عضوًا59. ويُنتخب أعضاء المجلسين بنظام القائمة النسبية، ويمثلان الجمعية الوطنية. ويُعدّ الإقليم المستوى الثاني للحكم، وله سلطة تشريعية تتكون من عدد من الأعضاء لا يزيد على 80 عضوًا ينتخبون وفقًا لنظام القائمة النسبية وبما يضمن التمثيل العادل للمحافظات. وتنص المواد (239، 240، 242، 243) على أن تتألف السلطة التنفيذية للإقليم من حاكم يعتبر المسؤول التنفيذي الأول في الإقليم، ويجري انتخابه من أغلبية ثلثي أعضاء مجلس نواب الإقليم. ويتقدم حاكم الإقليم بقائمة مرشحيه للحكومة إلى مجلس نواب الإقليم للحصول على الثقة بموافقة أغلبية أعضاء المجلس60. كما تُعدّ المحافظة المستوى الثالث للحكم بعد الإقليم. وتوزع مسودة الدستور الاختصاصات: منها اختصاصات مشتركة بين سلطات الاتحاد وسلطات الإقليم، وأخرى اختصاصات حصرية لثلاثة مستويات للحكم (الحكومة المركزية، والإقليم، والمحافظة)، وهو ما سيؤدي حتمً إلى تضخم الجهاز الإداري للدولة، ومن ثمَّ ارتفاع التكاليف المالية لإدارته، فضلً عن نشوء تنازع الاختصاصات بين مستويات الحكم الثلاثة، على الرغم من أن مسودة الدستور نصت على صلاحيات حصرية لكل مستوى. ويعد ذلك تحديًا محتملً ستواجهه الدولة الاتحادية في المستقبل. فقد عانته الحكومة المركزية التي عجزت عن معالجة عدم التناغم بين أجهزة السلطة المركزية والمحلية كما أسلفنا. وهو ما كان من الممكن تجنبه بتبني مستويين للحكم (الحكومة المركزية، والأقاليم)، بأن تصبح المحافظات أقاليم بدلً من كونها في مسودة الدستور مستوى ثالثًا للحكم.
الجدول (1) تصورات المكونات السياسية في مؤتمر الحوار الوطني لشكل الدولة
| المكون السياسي | التصور حول شكل الدولة |
|---|---|
| المؤتمر الشعبي العام | اتحادية |
| التجمع اليمني للإصلاح | لا مركزية |
| الحزب الاشتراكي اليمني | اتحادية |
| التنظيم الوحدوي الناصري | الخيار الأول: الحكم المحلي كامل الصلاحيات الخيار الثاني: الفيدرالية بين أكثر من إقليمين (3 إلى 5) أقاليم |
| حزب البعث العربي الاشتراكي القومي | دولة بسيطة مختلطة (أقاليم، حكم محلي كامل الصلاحيات). |
| الحركة الحوثية «أنصار الله» | اتحادية |
| حزب الرشاد (السلفي) | الدولة البسيطة اللامركزية ذات الحكم المحلي «الكامل الصلاحيات» ماليًا وإداريًا |
| حزب الحق | فيدرالية من إقليمين جنوبي وشمالي |
| حزب العدالة والبناء | اتحادية |
| حزب التجمع الوحدوي اليمني | اتحادي - فيدرالي يتكون من إقليمين، إقليم شمالي وإقليم جنوبي بحسب حدود ما قبل الوحدة 1990م |
| الحراك الجنوبي السلمي | تتحدد بحسب مخرجات فريق القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار وبالاستناد إلى مبدأ حق تقرير المصير لشعب الجنوب |
الجدول (2) المساحة والسكان في الأقاليم المقترحة للدولة الاتحادية في اليمن
| الكثافة السكانية نسمة/ كم2 | السكان % | عدد السكان بالألف | المساحة % | المساحة كمم 2 | العاصمة | عدد المحافظات (الولايات) | الإقليم |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 6.5 | 8.1 | 1988 | 62.60 | 304467 | المكلا | 4 | حضرموت |
| 23.5 | 6.3 | 1558 | 13.60 | 66178 | مأرب | 3 | سبأ |
| 79.8 | 11.3 | 2781 | 7.20 | 34839 | عدن | 4 | عدن |
| 353 | 22.9 | 5604 | 3.3 | 15873 | تعز | 2 | الجند |
| 177.8 | * 28.4 | 6962 | 8 | 39165 | صنعاء | 4 | آزال |
| 219 | 23 | 5634 | 5.3 | 25719 | الحديدة | 4 | تهامة |
| 50.40 | 24527 | 486240 | 21 | الإجمالي |
22 مخاوف الانتقال وتحدياته
يأتي تفكك الدولة على رأس المخاوف من تحول اليمن إلى الدولة الاتحادية في ظل تعالي مطالب الانفصال في المحافظات الجنوبية. ويعارض البعض وجهة النظر تلك بالقول بأن الدولة الاتحادية لا تعني الانفصال، فالدولة المركزية تمثل أخصب البيئات السياسية للانفصال، إذ تقوم على تجميع قواها وسلطانها حول المركز. ولأن "الفيدرالية" يمكن أن تكون تجربة نجاح أو إخفاق، تمامًا كالوحدة ذاتها، وأنه لتجنب الانفصال من الأفضل ألا تتطابق خطوط الدولة الاتحادية مع خطوط جغرافية سياسية شطرية موروثة من فترة سبقت الوحدة. ولحل المعضلة اليمنية (معضلة الوحدة ومعضلة الدولة على حد سواء)، يتطلب الأمر ألا تقوم الدولة الاتحادية فيها من إقليمين، وإنما من أقاليم متعددة وبما يكفل تحقيق التوازن السليم بين الحقوق السياسية والحقوق الاجتماعية للمجتمع61. وفي السياق نفسه، يؤكد البعض أن خيار الإقليمين يحمل مخاطر حقيقية على مستقبل الوحدة اليمنية من جهة، وقد يؤدي إلى معارضة فكرة الدولة الاتحادية من الأساس، أثناء التصويت على الدستور الاتحادي، وأثناء مرحلة الانتقال إلى شكل الدولة الجديد؛ لما يولده ذلك من انطباع بأن مشروع الدولة الاتحادية مشروع تآمري يسعى لإجهاض الوحدة ويعمل على جر اليمن إلى الصراع62. ويرجع البعض مخاوفه من تفكك الدولة إلى ضعف الدولة المركزية،
وضرورة النص صراحة في الدستور على أنه لا يجوز لأي إقليم أو وحدة إدارية أو غيرها من المكونات المطالبة بمنحها حكمً ذاتيًا، ولا المطالبة بالانفصال63. وهو ما يذهب إليه البعض عبر تفضيل أن ينص الدستور على تجريم انفصال أي إقليم كأحد الضمانات لإنهاء مخاوف البعض، خاصة الإسلاميين، من تحول الدولة الاتحادية إلى كيانات مستقلة64. ستواجه الدولة الاتحادية جملة من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية65، نشأ معظمها من الممارسات السلبية للأنظمة السابقة، إلا أن هناك تحديات تعيق عملية التحول، لكنها في الوقت نفسه، تؤكد مبررات تبنّي النظام الاتحادي شكلً للدولة، وتتمثل في: لا يعكس إجماع المكونات السياسية على تبني خيار الدولة الاتحادية قناعة حقيقية لدى البعض، خاصة لدى القوى المضادة للثورة التي ترى في الدولة الاتحادية مساسًا باستمرار هيمنتها السياسية واستئثارها بالسلطة والثروة، وعائقًا أمام طموحاتها في الوصول إلى السلطة، فقد اتخذت من القرار المتسرع الخاص بتقسيم الأقاليم ذريعة لتقويض عملية الانتقال السياسي والبوح بمعارضتها للدولة الاتحادية. ويُعدّ دخول الحركة الحوثية إلى العاصمة صنعاء والسيطرة عليها بالقوة في 21 أيلول/ سبتمبر 2014، والذي توج باتفاق السلم والشراكة الذي وقعته المكونات السياسية جميعها66، أكبر التحديات لما يمثله من إعاقة للعملية السياسية واستكمال إجراءات إقرار مسودة الدستور الجديد الذي تم الانتهاء من صوغه في 15 كانون الثاني/ يناير 2015؛ فقد اتجهت الحركة الحوثية عبر تحالفها غير المعلن مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح إلى إحكام سيطرتها على السلطة67، ما قاد إلى اندلاع الحرب في اليمن بعد أن أعلن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية التدخل العسكري في 26 آذار/ مارس 2015. وقد مثلت الحرب فرصة لتحالف "الحوثيين – صالح" للتصريح بمواقفه الرافضة تقسيم الأقاليم بدعاوى أنه سيعمل على تفكك اليمن، في تناقض صريح مع خطاب الحركة الحوثية عشية دخولها العاصمة بأن أهم أهدافها يتمثل في تنفيذ مخرجات الحوار التي من ضمنها تبني الدولة الاتحادية. كما أفصحت الحرب عن أن اعتراض الحركة على قرار لجنة تقسيم الأقاليم لم يكن سوى ذريعة لتحقيق هدفها في الوصول إلى السلطة. مع اتجاه السلطة الشرعية إلى عقد اجتماعات لمحافظي المحافظات للإعلان عن تدشين الأقاليم في الأقاليم: تهامة، الخاضع كاملً لسيطرة الحوثيين، وعدن، وسبأ، وبعد أيام قليلة من عقد "مؤتمر حضرموت الجامع" في 22 نيسان/ أبريل 2017 الذي مثّل خطوة استباقية للانتقال إلى الدولة الاتحادية68، برز تحدٍ آخر للحكومة الشرعية، لا يقل خطورة عن سابقه، تمثل في إعلان عدن في 4 أيار/ مايو 2017 الذي تضمن تفويض محافظ عدن (العاصمة المؤقتة) المقال بتمثيل القضية الجنوبية، وجرى تشكيل المجلس الانتقالي المطالب باستقلال الجنوب69. وهو ما ووجه بالرفض القاطع من رئاسة الجمهورية في بيان لها، لتنافي تلك التصرفات كليًا مع المرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرار مجلس الأمن الدولي 2216 والقرارات ذات الصلة. وعلى الرغم من ظهور نزعات الهيمنة في الشمال ومطالب الانفصال في الجنوب في ظل ظروف الحرب70، فإن تقسيم الجنوب إلى إقليمين وفقًا لقرار لجنة تحديد الأقاليم، جعل من إمكان انفصال الجنوب أمرًا بالغ الصعوبة. كما أن الحرب كشفت النقاب عن النيات الحقيقية للقوى الرافضة للدولة الاتحادية.
وفي الحصيلة، فإن ما يقلل من صعوبة التغلب على تلك التحديات أنها تحديات ناشئة في الأصل من ممارسات الأنظمة السياسية التي اعتمدت المركزية الشديدة أسلوبًا في إدارة العملية السياسية، وتحديدًا النظام السابق الذي خلق مبررات قيام الثورة عليه، وجعل تبني الشكل الاتحادي للدولة أحد الحلول المتاحة للتغلب على تلك التحديات منها القضية الجنوبية. كما أن تجربة السلطة المحلية على الرغم من المثالب التي صاحبتها، فإنها بما مثلته من تمكين المواطنين على إدارة الشأن المحلي، ستسهم في تيسير الصعوبات التي ستكتنف عملية الانتقال إلى الدولة الاتحادية. فضلً عن ذلك، فإن الممارسة الديمقراطية التي شهدها اليمن خلال عقدين من الزمن من عقد دورات انتخابية عديدة (رئاسية، وبرلمانية، ومحلية)، وإن لم تسفر عن تداول السلطة، ستجعل قدرة أبناء الأقاليم على انتخاب قادتها أمرًا معتادًا.
خاتمة
أسهمت التطورات العالمية المتسارعة، المتمثلة في انتهاء الحرب الباردة، في تحقيق الوحدة اليمنية الاندماجية في 1990، ومثل ارتباط الوحدة بالديمقراطية الشرط الضروري للتغلب على الصعاب المحتملة في طريق نجاحها. إلا أن الثقافة الاستبدادية للقيادات السياسية لشطري اليمن قد سحبت نفسها على سلوك القيادات التي حققت الوحدة، تجلى ذلك في محاولة كليهما التفرد بالسلطة والاستئثار بها عبر الآلية الديمقراطية أو بالقوة، وهو ما أفضى إلى اندلاع الصراع المسلح بين تلك القيادات في حرب صيف 1994، وأغرى الطرف المنتصر بالسعي للاستئثار بالسلطة وإحكام سيطرته على مقاليدها، ما ولّد مطالب رافضة للدولة المركزية عكستها مبادرات الإصلاح السياسي في تبني اللامركزية السياسية التي تعددت خياراتها، وكانت الدولة الاتحادية إحداها، وهو خيار أجمعت عليه المكونات السياسية في مؤتمر الحوار الوطني الشامل في أواخر 2013، بوصفه نقطة التقاء بين مطالب أبناء المحافظات الشمالية الذين عانوا مركزية السلطة والاستئثار بها وتتويجًا لنضالهم الذي بدأ قبل ثورة أيلول/ سبتمبر 1962، وأبناء المحافظات الجنوبية الذين رأوا في تغيير شكل الدولة أدنى الحلول التي يمكن القبول بها لحل القضية الجنوبية، وبما يمثله تبني الدولة الاتحادية من إعادة صوغ للوحدة اليمنية، ومنع إساءة استخدام السلطة والثروة واحتكارهما، ووقف حالة الفساد التي كانت نتاجًا لمركزية السلطة. لقد عملت بعض القوى السياسية على مجاراة المناخ السياسي العاصف الذي ولّدته الثورة الشبابية الشعبية السلمية في 11 شباط/ فبراير 2011، وتحينت الفرصة للانقلاب على العملية السياسية التي قادت إلى اندلاع الصراع المسلح الذي بلغ ذروته بإعلان التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية التدخل عسكريًا في اليمن في 26 آذار/ مارس 2015 تحت أهداف معلنة منها عودة الشرعية، وأهداف غير معلنة مرتبطة بمصالح دول التحالف. وقد أسهمت الحرب كما أدارها التحالف، في إضعاف الحكومة الشرعية، وبلوغ النزعات الانفصالية في المحافظات الجنوبية أشدها وإطالة أمد الحرب. وفي الختام، فإن أي تسوية سياسية ستعمل على إنهاء الحرب الدائرة وتجاوز آثارها، فإنها بالضرورة ستفضي إلى الاتجاه نحو الدولة الاتحادية، خيارًا يتجاوز بقاء شكل الوحدة القائمة على المركزية السياسية أو الاستئثار بالسلطة والثروة، أو مطالب الانفصال الذي يقود إلى تفكك الدولة. ولنجاح عملية التحول نحو الدولة الاتحادية لا بد من الانتقال التدريجي وضرورة إيجاد توافق تام حول معضلة تقسيم الأقاليم بالشكل الذي جرى إقراره والذي اتخذته القوى المضادة للثورة ذريعة للانقلاب على العملية السياسية.
المراجع
العربية
الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني الشامل. رؤى المكونات السياسية حول القضية الجنوبية. ج 3. صنعاء: ابن خلدون للطباعة والدعاية والإعلان، [د.ت]. ابن حارب، عبد الرحمن يوسف. الوحدة اليمنية: التاريخ، الواقع، المستقبل. الشارقة: دار الثقافة العربية،.1990
التوهمي، علي. "الشباب اليمني 'المستقل' يتطلع لدولة مدنية ديمقراطية بنظام 'فيدرالي'". ورقة مقدمة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل: بالحوار نصنع المستقبل. صنعاء، في:2013/8/21. https://goo.gl/NX3Jjh الجمهورية اليمنية. مؤتمر الحوار الوطني الشامل. وثيقة الحوار الوطني الشامل. صنعاء).2014‐2013(. الجمهورية اليمنية، كتاب اليمن الواحد. سلسلة وثائقية عن الوحدة اليمنية. العدد 4. صنعاء: مكتب شؤون الوحدة،.1990
الحبشي، محمد عمر. اليمن الجنوبي: سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. ترجمة إلياس فرح وخليل أحمد خليل. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1968
الحراك السلمي الجنوبي. "محتوى القضية الجنوبية". رؤية مقدمة إلى فريق القضية الجنوبية. مؤتمر الحوار الوطني. صنعاء. 25 أيار/ مايو.2013
الحوثي، محمد محسن. "شكل الدولة اليمنية: رؤى ومبادرات القوى والتنظيمات الحزبية والشخصيات السياسية والأكاديمية". الثوابت. العدد 68. صنعاء (نيسان/ أبريل – حزيران/ يونيو.)2012
الصراف، علي. اليمن الجنوبي: الحياة السياسية من الاستعمار إلى الوحدة. لندن/ قبرص: رياض الريس للكتب والنشر،.1992
الطويل، ناصر محمد علي. "ملامح الدولة الاتحادية في مخرجات الحوار الوطني". شؤون العصر. السنة 18. العددان 52، 53. المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية. كانون الثاني/ يناير – حزيران/ يونيو.2014
عبده، علي محمد. لمحات من تاريخ حركة الأحرار اليمنيين. ج. 2 صنعاء: منتدى النعمان الثقافي للشباب، المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية،.2002
علي، محمد أحمد. التغيير. الإصلاح الديمقراطي في اليمن: ضروراته ومعوقاته. صنعاء: الآفاق للطباعة والنشر،.2011
الغفاري، علي عبد القوي. الوحدة اليمنية: الواقع والمستقبل. كتاب الثوابت 10. صنعاء: مؤسسة الكتاب المدرسي،.1997
القاسمي، خالد بن محمد. الوحدة اليمنية: حاضرًا ومستقبلً. ط. 3 الشارقة: دار الثقافة العربية،.1988
الكميم، عبد العزيز محمد ناصر. الوحدة اليمنية: دراسة سياسية في عوامل الاستقرار والتحديات. صنعاء: الآفاق للطباعة والنشر،.1996
لجنة صياغة الدستور. مسودة دستور اليمن الجديد. اليمن: الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني، كانون الثاني/ يناير.2015
مجلس الأمن الدولي. التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن. 26 كانون الثاني/ يناير.2018
مجموعة مؤلفين. الثورة اليمنية: الخلفية والآفاق. تحرير فؤاد عبد الجليل الصلاحي. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012
محي الدين، أم محمد وأحمد نعمان ال كرراني. الخصائص الديموغرافية للسكان في الجمهورية اليمنية. صنعاء: مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية،.2010
مشروع رؤية للإنقاذ الوطني. صنعاء: اللجنة التحضيرية للحوار الوطني،.2009
المقطري، صلاح ياسين. "الاقتصاد السياسي للريع: الحالة اليمنية (جدلية العلاقة بين الريع والفساد السياسي)". مجلة كلية التجارة والاقتصاد. العدد 48 (أيلول/ سبتمبر.)2017
المقطري، عدنان ياسين. "الإصلاح السياسي في اليمن: 2010-1990
م". مجلة كلية التجارة والاقتصاد. العدد 48. (أيلول/ سبتمبر.)2017
واتس، رونالد ل. الأنظمة الفدرالية، ترجمة غالي برهومة وآخرون. أوتاوا-كندا: منتدى الاتحادات الفيدرالية،.2006
وثيقة العهد والاتفاق. عدن: منشورات الثوري، مطابع اليمن،.1994
وزارة الإدارة المحلية. الإستراتيجية الوطنية للحكم المحلي 2020
م. صنعاء: تشرين الثاني/ نوفمبر.2008
وزارة الإدارة المحلية. وثائق وأدبيات المؤتمر السنوي الرابع للمجالس المحلية. صنعاء: 17 - 19 حزيران/ يونيو.2006
الوزير، زيد بن علي. نحو وحدة يمنية اتحادية لا مركزية. ط. 3 صنعاء: مركز التراث والبحوث اليمني،.2011
الأجنبية
AL-Akhali, Rafat. "The Challenge of Federalism in Yemen." Issue Brief. Atlantic Council, Rafik Hariri Center for the Middle East (May 2014). Gaston, Erica. Process Lessons Learned in Yemen's National Dialogue. Special Report no. 342. Washington/ DC: United States Institute of Peace, 2014. Law, John. "How Can We Define Federalism?" Perspectives on Federalism. vol. 5. no. 3 (Italy: Centro Studi sul Federalismo, 2013). Schmit, Charles. "Yemen's National Dialogue." Policy Papers Series. no. 1. Middle East Institute (February 2014). at: https://bit.ly/2KVbcKI