تجربة التكنوقراط الفلسطينية: حكومات الحمد الله نموذجًا
The Experience of Palestinian Technocrats: The Governments of Hamdallah as a Case Study
الملخّص
تناقش الدراسة معضلة الحكومات الفلسطينية، وتقدّم قراءة في ملامحها وإشكالاتها، بالتركيز على الحكومات الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة، بعد مرور خمس سنوات على تولّي رامي الحمد الهل رئاسة مجلس وزراء هذه الحكومات، منذ حزيران/ يونيو 2013. يبحث القسم الأول نشأة الحكومات الفلسطينية وتطورها منذ عام 1994. ويناقش الثاني تشكَُّل الحكومات الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة وخططها. ويدرس الثالث إخفاقات الحكومات الفلسطينية وانعكاسها على المشهد الفلسطيني. ويقرأ القسم الأخير الرهانات التقليدية للنظام السياسي الفلسطيني. تجادل الدراسة أن المعضلة التي يعانيها منشأ النظام السياسي الفلسطيني منذ عام 1994 تقيّد أدوار الحكومة الفلسطينية ومهماتها، وبما يكرّس حدة الأزمات التشريعية والاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها الفلسطينيون في الأرض المحتلة عام 1967، على نحو يجعلنا نفهم أنّ التطور التدريجي لهذه المعضلة بوجود حكومات تكنوقراط أدى إلى "تعظيم الأزمة" السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الفلسطينيين اليوم بوصفه أمرًا واقعًا.
Abstract
This study discusses successive Palestinian governments and provides a reading of their features, focusing on the 15th, 16th and 17th governments, five years after Rami Hamdallah became prime minister. The first section examines the emergence and development of governments since 1994. The second section gives an overview of the three cabinets in question and their agendas while the third section examines the failures of these governments and the impact of that failure on the Palestinian political scene. The final section examines the traditional operating assumptions of the political system. The study argues that the origin of the problem lies in the political system that has emerged since 1994 which restricts the operations of Palestinian governments, and that the formation of "technocratic" cabinets has only exacerbated the Palestinian political crisis.
- الحكومة الفلسطينية
- رامي الحمد الله
- تكنوقراط
- The Palestinian government
- Rami Hamdallah
- Technocrats
مقدمة
مع توقيع اتفاق أوسلو، المعروف رسميًا باسم إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي، عام 1993، بدأ الحديث عن أهمية إنشاء حكومات تمارس دورًا تساند فيه السلطة الفلسطينية، في إطار تطبيق نظام حكم ديمقراطي نيابي يعتمد التعددية السياسية والحزبية وينتخب فيه الشعب رئيس السلطة انتخابًا مباشرًا، وتكون فيه الحكومة مسؤولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي. ولهذا أصدرت السلطة الفلسطينية عام 2002 قانونًا اعتبرت فيه الحكومات جسمً إداريًا تنفيذيًا يُناط به الحكم ويخضع لرقابة السلطة التشريعية ومسؤوليتها ويرأسها رئيس السلطة الفلسطينية1. وفي أعقاب فصل منصب رئيس السلطة الفلسطينية عن منصب رئيس الوزراء عام 2003، توسعت صلاحيات الحكومات ومهماتها، لتشمل وضع السياسة العامة وتنفيذها، ووضع الموزانة وتنفيذها، والإشراف على أداء الوزارات، وحفظ الأمن والنظام العام، وإنشاء اختصاصات الهيئات والسلطات العامة وإلغاءها وتحديدها، بغرض إصلاح النظام السياسي الفلسطيني2. غير أن الانتقال باستحداث منصب رئيس الوزراء وتوسيع مهمات الحكومة وأدوارها وتعيين وزراء من فئة "تكنوقراط" لبناء الدولة الفلسطينية المعاصرة، لم يوقف الإخفاقات المتراكمة التي تعانيها الحكومات منذ عام 1994 فحسب، بل أطال عمر الأزمة التي تعانيها الحالة الفلسطينية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تطرح هذه الدراسة، أن حكومات التكنوقراط الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة، التي أشرف رامي الحمد الله3 على رئاسة مجالس وزرائها وإدراتها واختيار أعضائها، لم تؤدِّ الدور المنوط بها في مواجهة الأزمات والضغوطات فحسب، بل وقفت في وجه آمال الشعب الفلسطيني لتحقيق حلمه بالتحرر، وذلك استنادًا إلى إخفاقها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما نسميه هنا "تعظيم الأزمة"، ويعتبر قيمةً إضافيةً تسعى الدراسة لتقديمها. بطبيعة الحال، وقف النظام السياسي الفلسطيني بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، والاتفاقيات الاقتصادية المصاحبة له، أمام تطلّعات الشعب الفلسطيني ومطالبه ومواصلة حقوقه؛ إذ اكتسبت السلطة الفلسطينية الناشئة والنخب الممثلة لها قوة كبيرة لصناعة تسَلُّطٍ جديد؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة حدّة الأزمة. وبعد ذلك استجابت السلطة الفلسطينية للضغوط الدولية بالدفع بحكومات كفء تطبّق الحكم الرشيد وتكافح الفساد وتسعى لإصلاح النظام السياسي؛ إذ برزت إحدى الأطروحات مفادها أن حكومات "التكنوقراط" هي القادرة على بناء دولة فلسطينية حديثة تنقذ النظام السياسي من الفساد والمحسوبية. ولهذا، فإن مقاربة هذه الإشكالية وما تطرحه من تساؤلات تتطلب الانطلاق من تكليف رئيس النظام السياسي الفلسطيني ورئيس السلطة محمود عباس في 6 حزيران/ يونيو 2013، رامي الحمد الله بصفته شخصية تمثل فئة التكنوقراط، بإدارة الحكومة الخامسة عشرة، خصوصًا أنه، بعد أسبوعين من تكليفه، تقدّم باستقالته إلى الرئيس الذي قبِل الاستقالة وكلّفه بتسيير أعمال الحكومة مدة ثلاثة أشهر إلى حين تشكيل الحكومة السادسة عشرة. كلّف الرئيس، في 18 أيلول/ سبتمبر 2013، الحمد الله بتشكيل الحكومة السادسة عشرة، ومن ثم كلّفه من جديد في 2 حزيران/ يونيو 2014، بتشكيل الحكومة السابعة عشرة "حكومة التوافق الوطني"، في أعقاب توصل حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحركة التحرير الفلسطيني "فتح" عام 2014، إلى "اتفاق الشاطئ"؛ وهو وثيقة تفاهم بين الحركتين بشأن تنفيذ بنود المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني. وبعد جدل واسع استمر قرابة ثلاثة أعوام، لم تستطع فيه حكومة "التوافق الوطني" إنهاء الانقسام، وقّعت الحركتان مجددًا اتفاق مصالحة في القاهرة عام 2017 تتسلم بموجبه حكومة "التوافق الوطني" السلطة في قطاع غزة. في ضوء ما ورد ولأغراض الدراسة، نبحث ضمن منهج تتبع المسار وتطورهPath Development في نشأة الحكومات الفلسطينية منذ عام 1994 قبل أن نبحث في ملامح الحكومات الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة من حيث شكلها وأولوياتها وخططها، وأبرز الإخفاقات التي واجهتها، وانعكاسات أدائها على المشهد الفلسطيني، ونختم البحث بالرهانات التقليدية في الحالة الفلسطينية منذ عام 1994، لا سيما أن الفلسطينيين اليوم باتوا على عتبات ربع قرن من تشكيل أول حكومة فلسطينية، وخمس سنوات على رئاسة رامي الحمد الله الحكومات الثلاث الأخيرة.
أولًا: نشأة الحكومات الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو
مثّل قيام "سلطة الحكم الذاتي" عام 1994 بالنسبة إلى القيادة الفلسطينية في الخارج تجربةً فريدة؛ على اعتبار أنها أول ممارسة فلسطينية للحكم وإدارة شؤون الفلسطينيين مباشرة في الأرض
المحتلة عام 19674. وسبق نشوء السلطة، لا سيما في نهاية عام 1987، "الانتفاضة الفلسطينية الأولى"، التي أسهمت في نقل مركز الاهتمام بالقضية الفلسطينية إلى داخل الأرض المحتلة5. مثّلت الانتفاضة الأولى والمتغيرات الدولية وتداعياتها على المستوى الإقليمي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وانعكاسها على القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، عوامل ضاغطة للدفع نحو التسوية السياسية مع إسرائيل عام 19936. ونتيجةً لذلك، سعت السلطة منذ نشأتها لتشكيل كيان سياسي له سمة "دولة" على الأرض المحتلة عام 1967، تدعمها مؤسسات اقتصادية وتشريعية وأمنية، تقوم بالوظائف المنوطة بها تجاه الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1967، وذلك استنادًا إلى بنود اتفاق أوسلو الموقّع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل7. عبَّ اتفاق أوسلو، الذي أجّل القضايا المعقدة وأبقى القضايا المتفق عليها في صيغة عامة، عن نموذج يقوم على مزيج من "الحكم الذاتي" الشامل في غزة وأريحا - لم يتم الاتفاق على تعريفه - وعلى أن ينتقل هذا النموذج إلى باقي المناطق المحتلة عدا المستوطنات الأساسية، على نحو لا يسمح بنشوء سيادة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى أن تتولى إسرائيل مفاوضة الفلسطينيين بدءًا بإعادة نشر الجيش الإسرائيلي وحماية المستوطنات، وانتهاءً بالتنسيق الأمني والاقتصادي مع المؤسسات الفلسطينية الناشئة، وهذا يعني أن حق الفلسطينيين في إقامة شرطة على سبيل المثال، سيخضع للتفاوض والتنسيق مع الإسرائيليين بدءًا بعدد الأفراد والتسليح وانتهاءً بدورها وعلاقتها بالإطار العام؛ والإطار هنا هو أمن إسرائيل8. ولهذا اعتبُرت السياسات الإسرائيلية المشوّه الأول لسياسات الحكومات الفلسطينية، إلا أن ذلك لا ينفي تورط السلطة الفلسطينية منذ نشأتها عام 1994 في القيام بدور مساند لهذا التشويه9. عمليًا، أدى اتفاق أوسلو إلى تخبط الحكومات الفلسطينية في إدارة مناطق "الحكم الذاتي" في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 1994. وما زاد الحالة سوءًا، اعتماد السلطة الفلسطينية على فئة "التكنوقراط" لبناء الدولة الفلسطينية؛ وقد برز جدلٌ مهم في الساحة الفلسطينية بأن هذه الفئة من الأفراد، ونظرًا إلى عدم ارتباطها بالمصالح السياسية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية، فإنها قادرة على بناء مؤسسات فلسطينية، فضلً عن قدرتها على حل إشكالية الفساد الإداري والمالي وتطبيق النزاهة والشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد. وبالفعل، مالت الطبقة الوسطى مع نشأة السلطة الفلسطينية إلى البحث عن دورٍ لها في الحياة السياسية، سعيًا لتحسين أوضاعها ومكانتها الاجتماعية وتطويرها10؛ وبهذا نمت نخبة فلسطينية جديدة من الخبراء والأكاديميين والتقنيين الساعين لدخول النظام السياسي وتحقيق تغيير وإصلاح حقيقيّيَن باستعمال خبرتهم الواسعة والمتخصصة ومستعينين بدعمهم دوليًا. تُعرف حكومات التكنوقراط بأنها الحكومات غير الحزبية11، كما تُعرف بأنها "حكم الفني أو التقني"؛ أي إنها أحد أشكال الحكومات التي يتم اختيار ممثليها على أساس المهارة والخبرة المهنية والتقنية؛ إذ يستند هذا النوع من الحكومات إلى فكرة اختيار الخبراء الأخلاقيين في الحكم (المهرة) بدلً من حكم الجمهور من أجل اتخاذ القرارات على أسس تقنية ومهنية لا على أسس الديمقراطية التقليدية، وكما يُناط بهذه الحكومات مهمات إصلاح النظام السياسي والاجتماعي ومكافحة الفساد12. وبناءً على ذلك، غالبًا ما تكون هذه الحكومات تحظى بدرجة مخفّضة من الشخصيات الحزبية؛ ولهذا يمكن وضعها في خانة الحكومات غير الحزبية، لكن ذلك لا ينفي مسؤوليتها
أمام البرلمانات والمجالس التمثيلية. ويستند هذا النوع إلى جملة من الخصائص الرئيسة في شكلها المثالي، من أبرزها: أن القرارات لا يتخذها مسؤولو الحزب المنتخبون، وأن السياسة العامة للدولة لا تُقرّ داخل مقارّ الأحزاب السياسية، ولا يتم تعيين كبار المسؤولين الحزبيين في مناصب الوزراء ورئيس الوزراء13. تؤدي حكومات التكنوقراط دورًا مهمً في رفد العمل العام بنخبة من الخبراء والتقنيين، وبذلك تطفو أزمةٌ لا بدّ منها، وقد يحدث تغييب مهم للمواطنين، وقد يترتب على ذلك أزمة تمثيلية؛ إذ إن التكنوقراط تعني حكم الخبراء وليس حكم الناس14. وبذلك فإن تعريف التكنوقراط بدقة يعطي السلطة السياسية القوة في تغييب شريحة واسعة من المواطنين، ويؤدي هذا إلى صعود طبقة حاكمة من ذوي المهارات الفنية والتقنية15. وبهذا فإن واحدة من أهم الوظائف المعاصرة للسياسة التكنوقراطية في غياب الديمقراطية، لا ترتكز على صعود التكنوقراط إلى السلطة فحسب (بالمعنى التقليدي للمصطلح)، بل على حماية النخبة من الضغوط السياسية من أسفل16. وبهذا فإن القضية الغائبة هنا، ليست من يكتسب القوة ولكن من يفقدها، فالتكنوقراط ليست صعودًا للخبراء، بل هي تراجعٌ للمواطنين. إن إدارك الرأي العام للمواطنين الفلسطينيين أزمة حكومات التكنوقراط الفلسطينية، التي برزت في السنوات الأخيرة، يقوم على أطروحة رئيسة مفادها أن المؤسسات الفلسطينية أخفقت في إدارتها السلطة التنفيذية بشقيها المدني والأمني، والسلطة القضائية، وتقديم الخدمات الحكومية، وسياساتها الخارجية والاقتصادية17. وعلى الرغم من سعي فئة التكنوقراط المتسللة إلى الحياة السياسية لإصلاح النظام السياسي وتحسين ظروف معيشة الشعب الفلسطيني، فقد باتت إصلاحًا مضادًا.
1. علة البدايةّ(1994 - 2003)
اعتُبِ ت المرحلة الأولى لقيام نظام "الحكم الذاتي الفلسطيني" في الضفة الغربية وقطاع غزة إشارةً مباشرة إلى اعتماد السلطة الفلسطينية ومؤسساتها على السلطة التنفيذية؛ وذلك من خلال تركيز جلّ الصلاحيات السياسية والاقتصادية والتشريعية والاجتماعية بيد الرئاسة الفلسطينية18. على مستوى السلطة التنفيذية، شكّل ياسر عرفات رئيس السلطة، أول حكومة في 5 تموز/ يوليو 1994، برئاسته، وأوكل إلى هذه الحكومة ممارسة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وذلك وفقًا للمادة الرابعة من اتفاقية غزة – أريحا19. واستمر عرفات رئيسًا للحكومة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة؛ إذ غلب على تشكيلة هذه الحكومات وجود شخصيات سياسية ووطنية وأقلية من فئة التكنوقراط. وقد حافظ عرفات على منصب رئيس الحكومة ورئيس السلطة الفلسطينية20، على الرغم من تأكيد المجلس التشريعي الفلسطيني الأول عام 1997 حيثيات التقرير الصادر عن هيئة الرقابة العامة الفلسطينية حول مظاهر الفساد في وزارات السلطة ومؤسساتها وأجهزتها، وغياب الهيكل التنظيمي، ووجود التضخم الوظيفي، وإهدار المال العام، فضلً عن سوء التنظيم الإداري في مؤسسات السلطة21. على مستوى السلطة التشريعية، انتُخب أول مجلس تشريعي في 20 كانون الثاني/ يناير 1996 من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وتحت إشراف ورقابة محليَيّن ودوليَيّن، وتكوّن المجلس من 88 عضوًا جلّهم من حركة فتح. واستند، بصفته جسمً برلمانيًا وله صلاحيات تشريعية ورقابية، إلى القانون الأساسي الفلسطيني الصادر عام 1997. وفيما يتعلق بعلاقته بالسلطة التنفيذية، أوكِل إلى المجلس التشريعي الرقابة على أداء الحكومة وحق حجب الثقة عنها ومتابعة ميزانيتها العامة، إلا أن دوره في إعداد القوانين وإقرارها والرقابة على
الحكومة، واجه عديد التحديات، نظرًا إلى تمركز غالبية الصلاحيات في يد السلطة التنفيذية، وقد تكرر ذلك مع السلطة القضائية؛ فعلى الرغم من المبادئ الرئيسة المعمول بها وفق القانون الأساسي المُقرّ من المجلس التشريعي الأول الذي يضمن للقضاء استقلاليته، أسهمت العقدة ذاتها أيضًا في إضعاف دور الجهاز القضائي في فض المنازعات وفرض سيادة القانون22.
مع إنشاء المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، اعتمدت سلطة "الحكم الإداري الذاتي"، المحدودة والمقيدة، على الدعم الدولي الخارجي من المؤسسات المالية الدولية ووكالات التنمية الغربية. وقد أدى ذلك تدريجيًا إلى إعادة تصميم الاقتصاد الفلسطيني، بناءً على منظور المؤسسات المالية الدولية ورؤيتها. وفي حقيقة الأمر، انعكس توقيع اتفاق أوسلو إيجابيًا على الاقتصاد الإسرائيلي بدلً من الاقتصاد الفلسطيني؛ فخلال الفترة 1994 -2000 ارتفعت مؤشرات معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل إلى 14.2 في المئة، بينما، على الرغم من التمويل الدولي الهائل للسلطة الفلسطينية، كان الاقتصاد الفلسطيني في تدهور مستمر، وذلك في ظل ارتفاع نسب البطالة والفقر وانخفاض معدل الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.8 في المئة خلال الفترة نفسها. بالفعل، اعتبُر اتفاق أوسلو، نتيجةً للضخ الهائل للمنح والمعونات والمساعدات الدولية، "نقطة تحول في شكل وأسلوب الهيمنة الاستعمارية على الموراد والمقدرات الفلسطينية، بحيث تم إعادة إنتاج السيطرة من شكلها القسري المباشر إلى تبعية ممأسسة وتوافقية معترف بها عربيًا ودوليًا، وساهم في خروجها إلى حيز الوجود إقرارها من قبل طرف فلسطيني يتمتع بصفة التمثيل الشرعي"23. في ضوء ما ورد، شهد النظام السياسي بعد اتفاق أوسلو جملةً من التحولات لصالح السلطة التنفيذية؛ بصفتها وكيل توزيع الدعم والمنح والمساعدات الدولية على الفلسطينيين، ومن أبرزها، انتقال صناعة القرارات السياسية من منظمة التحرير إلى السلطة؛ وهو الأمر الذي بدا بمنزلة نقل صلاحيات رئيس المنظمة ومهماته إلى رئيس السلطة التنفيذية، والعمل على تسريع نمو ظاهرة البيروقراطية والتضخم الوظيفي في القطاع العام الفلسطيني لا سيما القطاع التنفيذي؛ فعدد موظفي السلطة بلغ عام 2003 نحو 100 ألف موظف منهم قرابة 40 ألف عنصر أمن؛ بما يعادل 40 في المئة من إجمالي القوة العاملة الفلسطينية24. وبدا هذا الأمر انعكاسًا حقيقيًا لسطوة السلطة التنفيذية ونموًا لطبقة جديدة من البيروقراطية الفلسطينية.
2. عقدة الإصلاح (2003 - 2007)
اتسمت المرحلة الثانية للحكومات الفلسطينية التي امتدت من الحكومة السادسة إلى الحكومة الحادية عشرة، خلال الفترة نيسان/ أبريل -2003 حزيران/ يونيو 2007، بأنها مرحلة الضغوط الخارجية، وذلك في أعقاب فصل منصب رئيس الوزراء عن منصب رئيس السلطة الفلسطينية، بهدف إصلاح النظام السياسي25. إضافةً إلى ذلك، أسهم عدم تحديد مهمات كل منصب وصلاحياته في تصاعد الخلافات بين منصبَي الرئيس ورئيس الوزراء، وبرز ذلك على وجه الخصوص مع تعيين محمود عباس، أول رئيس للوزراء عام.2003 على عكس المرحلة الأولى، شهدت هذه المرحلة التي تغيّ فيها مجلس الوزراء الفلسطيني ست مرات، ضغطًا سياسيًا إسرائيليًا وأميركيًا من أجل تخفيف سطوة رئيس السلطة التنفيذية؛ وظهر ذلك من خلال استحداث منصب رئيس الوزراء عام 200327، وطلب المؤسسات الدولية المانحة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الإشراف على إعادة إعمار البنية التحتية، لا سيما بسبب ما خلّفته الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2004-2000). بدا في حينه، أن هذه الضغوطات التي تُ ارس على السلطة الفلسطينية تعدّ تخفيفًا لهيمنة السلطة التنفيذية، لكنّها في الحقيقة مهّدت لارتهان الفلسطينيين في وقت لاحق لمزيد من ضغوط المؤسسات الدولية والدول المانحة28. شهدت هذه المرحلة مقدمةً لمطالبات دولية من أجل إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص في مهمات
الوزراء المختارين لتولّ مناصب في الحكومة الفلسطينية وصلاحياتهم. واتخذت هذه الإصلاحات شكل الضغوطات، وهذا ما اتضح جليًا في محطتين؛ تتمثل الأولى في إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون في لقاء مشترك مع الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في 7 أيار/ مايو 2002 أن "مستقبل التسوية السياسية بين إسرائيل والسلطة متوقف أساسًا على قيام السلطة بإصلاحات بنيوية لمؤسساتها، لا سيما إصلاحات مالية وإدارية وأمنية"29. وتتمثل المحطة الثانية في إعلان الإدارة الأميركية خطة "خريطة الطريق" في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2002، التي أتت بوصفها محاولة دولية للضغط على الفلسطينيين من أجل الإقرار بإصلاح المؤسسات الفلسطينية في حال رغبت القيادة الفلسطينية في تحقيق تسوية سياسية شاملة للقضية الفلسطينية والاعتراف بحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 196730.
لكن النظام السياسي، المستند منذ النشأة إلى مفردات سياسية لإدارته، والمرتبط ارتباطًا مباشرًا بالسطوة السياسية الشاملة لرئيسه ياسر عرفات، يشير إلى أن المؤسسات الفلسطينية أضحت عصية على الإصلاح منذ تأسيسها؛ إذ باتت جزءًا من تشكيلة السلطة التنفيذية والرئاسية ومرتهنةً له، وذلك يعود إلى الكاريزماتية والفرادنية والشخصانية التي تمتع بها مؤسس النظام السياسي31. مع ارتفاع حدة المطالبات الدولية والإسرائيلية، مثّل فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، قبل تشكيلها الحكومة الفلسطينية العاشرة في 27 آذار/ مارس 2006 والحكومة الحادية عشرة في 17 آذار/ مارس 2007، صدمةً لدى المجتمع الدولي. إذ برزت تحولات جديدة تفيد أن النظام السياسي الفلسطيني لن ينجح في تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي، وعلى وجه الخصوص "خطة خريطة الطريق"، إلا في حال خروج "حماس" من النظام السياسي، لا سيما بعد مقاطعة المجتمع الدولي والمانحين هاتين الحكومتين32. وهذا يعني أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي بدأ المجتمع الدولي في فرضها على السلطة الفلسطينية، على وجه الخصوص بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، انتقلت من كونها إصلاحات تهدف إلى تخفيف هيمنة السلطة التنفيذية ورئيسها على وجه الخصوص إلى إصلاحات تهدف إلى عزل حركة حماس عن المشهد السياسي الفلسطيني؛ الأمر الذي فتح المجال لولادة صراع سياسي جديد بين حركة فتح وحركة حماس، وقاد هذا الأمر المشهد الفلسطيني من أزمة إلى أزمة.
3. بناء الدولة قبل التحرر (2007 - 2013)
شهدت هذه المرحلة التي أدارها رئيس الوزراء، سلام فياض (2013-2007)، في الضفة الغربية إبان الانتفاضة الثانية والانقسام الفلسطيني، مشروعًا تنمويًا وسياسيًا لبناء "دولة فلسطينية"، مدعومة بحكومة أغلب طاقمها من فئة تكنوقراط إضافةً إلى بعض الشخصيات السياسية، ومرتكزة في عملها على أسس "السلام الاقتصادي" مع إسرائيل، والتنمية الاقتصادية التقنية المعتمدة على معايير المؤسسات الدولية وسياساتها؛ كالتحرير الاقتصادي والخصخصة القائمة على اعتبار القطاع الخاص محركها الرئيس الدافع33. بدأت السلطة خلال هذه المرحلة في الضفة الغربية، ووفقًا لخطط الإصلاح والتنمية المفروضة من المؤسسات الدولية، بدعم تبنّي نموذج حكومات التكنوقراط بهدف الحصول على دعم دولي ودبلوماسي غربي وتعزيز الثقة بالسلطة الفلسطينية ومؤسساتها من أجل تطبيق سياسات الخصخصة، وسياسات تمكين قطاع الأمن، بوصفها أساسًا لبناء الدولة الفلسطينية. واعتقدت الحكومة في حينه أن تحسين الظروف الاقتصادية والأمنية للإسرائيليين والفلسطينيين سيمثل خطوة نحو إيجاد بيئة يمكن فيها تحقيق مشروع السلطة34. وتمثلت هذه الخطوة في تبنّي الحكومة الفلسطينية وثيقة تأسيسية تدعى "الأمن أولً "، وهي التي ترى أن "نقطة البداية الأساسية لإعادة بناء الثقة الإسرائيلية بالمبادرات الفلسطينية الرامية إلى منع الإرهاب، هي تقديم جهد لإضفاء الطابع المهني على قوات الأمن الفلسطينية،
وهذه الطريقة الأكثر فاعلية لإقناع إسرائيل بالسماح بزيادة 'الحكم الذاتي الفلسطيني'، وتخفيف احتلالها الضفة والقطاع، على أساس تسهيل عملية التفتيش عند الحواجز الإسرائيلية، وزيادة وجود القوات الفلسطينية، وتحسين التنسيق مع الجيش الإسرائيلي"35. وفي حقيقة الأمر، أثّر هذا النهج في انزياح الفلسطينيين نحو تبديل معادلتهم التاريخية "التحرير قبل الدولة" لتصبح "الدولة قبل التحرير"36، فنهج "الدولة أولً " وقبل التحرير حمل معه خطورة كبيرة على الم وررع الفلسطيني بإجماله، تتمثل في "تحويل أي مفاوضات مع الإسرائيليين إلى مفاوضات بين دولة ودولةState to State"؛ ما يعني أن الصراع على الأرض أصبح كالخلاف الحدودي بين دولتين37. حظي رئيس الوزراء س ماا فياض بصفته وحكومته من فئة "التكنوقراط" بمكانة مهمة محليًا وإقليميًا ودوليًا؛ بسبب قدرته على الحد من الفساد وتخفيف جزء من سطوة السلطة التنفيذية، لكن ذلك لم يحظَ بقبول الرئاسة الفلسطينية وبعض القوى المؤثرة في القرار السياسي الفلسطيني داخل حركة فتح، بسبب ممارسة رئيس الحكومة أدوارًا سياسية مهمة، برزت مع خطته "بناء الدولة وإنهاء الاحتلال" عام 200938. ويعني هذا أن وجود شخصية تكنوقراط لها طموح سياسي غير مسبوق منذ نشأة السلطة الفلسطينية مثّل هاجسًا للقوى المؤثرة في النظام السياسي، لا سيما أن فياض منذ الانقسام الفلسطيني مكّن نفسه من خلال رئاسته الحكومة وتحكّمه في الأموال التي تأتي من الدول المانحة، بتخطي السلطة التنفيذية، وتهديد مكانة بعض المؤثرين داخل النظام السياسي الفلسطيني39. على الجهة المقابلة، اعتمد قطاع غزة، الذي تديره حركة حماس منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007، على حكومة من شخصيات سياسية، وتعتمد في إدارتها القطاع على المنح والمساعدات المالية الدولية والعربية، لا سيما القطرية؛ إذ تشير التقديرات أن قطر من أكثر الدول توزيعًا للمساعدات على القطاع، بحيث وصلت قيمة المساعدات حتى عام 2014 نحو 800 مليون دولار أميركي، وخُصصت جميعها لتلبية احتياجات الفلسطينيين الإنسانية مثل الإسكان والصحة والتعليم وتخفيف الفقر40. واعتمدت الحركة أيضًا على نموذج "اقتصاد الأنفاق" أساسًا لتحصيل الواردات المالية، وتوفير منفذ للصادرات من القطاع، وباستثناء القرنفل والفراولة، فإن إسرائيل تمنع القطاع من تصدير أي منتج حتى إلى الضفة الغربية41.
وبناءً عليه، بدا أن الرئاسة الفلسطينية، بعد مرور ست سنوات على الانقسام وتولّ فياض رئاسة الحكومة، بحثت عن استعادة مكانتها وصلاحياتها وأدوارها المعتادة؛ وذلك بتعيين حكومة يرأسها ويمثلها شخصية تكنوقراط وبلا طموح سياسي. ومن هنا، عمل النظام السياسي بعد استقالة فياض على إعادة التحكم في المشهد الفلسطيني، وفرض وصايته على الحكومة الفلسطينية؛ ما يعني ضبطًا لنظام "الحكم الذاتي" وشكل إدارته. وسنركز على هذه النقطة خصوصًا في القسم الثاني، عندما نتطرق إلى تشكيلة الحكومات وأولوياتها وخططها.
ثانيًا: حكومات الحمد الهل الثلاث: شكلها وخططها
1. تشكيل الحكومات الثلاث
تسلَّم رامي الحمد الله الحكومة الخامسة عشرة في ضوء تركة سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة؛ وذلك خلفًا لسلفه سلام فياض الذي تولى رئاسة الوزراء مدة ست سنوات منذ عام 200742.
ونظرًا إلى غياب المجلس التشريعي الفلسطيني منذ الانقسام بين الضفة والقطاع، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أصدر قرارًا بقانون لمنح الحكومة الثقة43. وتكوّنت الحكومة الخامسة عشرة من أربعة وعشرين وزيرًا؛ منهم من تولى مناصب حكومية سابقة، ومنهم المستقلون، ومنهم المتحزبون لحركة فتح وبعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، ومنهم الأكاديميون من جامعتَي القدس والنجاح الوطنية44. ويعني هذا حكومة تتسم بأنها توافقية تجمع بين قوى فصائلية وطنية ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية وفئة من التكنوقراط العاملين في الضفة الغربية. وقد أصبحت حكومات التكنوقراط شائعةً في الحالة الفلسطينية، منذ تولي فياض رئاسة الحكومة، في ضوء قدرتها على تطبيق سياسات تتواءم مع سياسات المؤسسات الدولية المانحة. استحدثت تشكيلة التكنوقراط الجديدة منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. وهو منصب لم تشهده الحكومات السابقة منذ نشأة السلطة الفلسطينية، ويقدم انطباعًا عن استمرار عملها بالنموذج الاقتصادي الحر الذي اتخذته الحكومات نهجًا لها منذ نشأتها45، استمرارًا للنهج "الفياضي"؛ نسبة إلى رئيس الوزراء، سلام فياض. وعاد منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون السياسية الذي شغله زياد أبو عمرو، بوصفه نائبًا سياسيًا من قطاع غزة، مجددًا إلى الحكومة الفلسطينية بعد انقطاع طوال فترة رئاسة فياض الحكومة الفلسطينية46. بعد أسبوعين على ممارسة الحكومة مهماتها، قدّم رئيس الحكومة استقالته إلى الرئيس؛ مبررًا ذلك بتدخّل نواب رئيس الوزراء في صلاحياته ومهماته، خصوصًا نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية47. ولكن لم تمنع استقالة الحمد الله، قيام الرئيس الفلسطيني، بعد انتهاء فترة تسيير الأعمال التي امتدت ثلاثة أشهر، من العودة مجددًا لمنح الثقة للحمد الله لتشكيل الحكومة السادسة عشرة في 18 أيلول/ سبتمبر 201348، من دون أن يطرأ أي تغيير على شكل الحكومة الخامسة عشرة وتركيبتها؛ إذ يظهر أن حكومة الحمد الله الجديدة أ رغمتُ على إعادة هذين المنصبين مع إيلاء المهمات والصلاحيات الاقتصادية أهمية، على نحو غير مسبوق في الحالة الفلسطينية. وجّه الرئيس رسالة إلى رامي الحمد الله ب ورررة بقاء منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بحيث لم يتم استثناء هذا المنصب في عملية إعادة تشكيل الحكومة السادسة عشرة، فالأمر بدا طموحًا إلى بقاء محمد مصطفى في منصبه؛ كأن أزمة تدخّل نواب رئيس الوزراء في صلاحيات رئيس الحكومة لم تكن عائقًا أمام ممارسة الحكومة مهماتها49. والمراد هنا المحافظة على شخصية اقتصادية ذات فكر اقتصادي نيوليبرالي يقوم على "تعزيز مسار البناء الاقتصادي عبر بناء حكومة تخدم المواطن الفلسطيني وقادرة على الحكم بشكل فعال، وعلى تلبية احتياجات المجتمع المحلي كالأمن والسلع الغذائية، ومعتمدةً على المؤسسات الدولية المانحة في توفير الخدمات، ومستندةً على الخصخصة وتحرير التجارة والأسواق"50. أما فيما يتعلق بالحكومة السابعة عشرة التي أتت في أعقاب توقيع حركتَي فتح وحماس في قطاع غزة اتفاق المصالحة الفلسطينية المعروف ب "اتفاق الشاطئ" عام 2014، فقد عدّل الحمد الله في شكل الحكومتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة وتركيبتيهما، ولكنه حافظ على شكلهما بوصفهما حكومتَي تكنوقراط؛ إذ حافظ على نواب رئيس الوزراء بمن فيهم نوابه للشؤون الاقتصادية والسياسية وأولْاهم حقائب وزارية أخرى، وقلّل عدد الوزراء من ستة وعشرين وزيرًا
إلى سبعة عشر وزيرًا، من بينهم خمسة من قطاع غزة، وبمجموع عشرين حقيبة وزارية، ودمج ست وزارات في حقائب وزارية أخرى، وضمّ ثمانية وزراء من الحكومة السادسة عشرة؛ محتفظين بحقائبهم الوزارية، وأوكل إلى بعضهم مهمات إضافية، مقابل انضمام وزراء من حكومات سابقة إليها51. أتت هذه الحكومة إعلانًا عن انتهاء الانقسام الفلسطيني، وشملت وزراء مقربين من حركتَي فتح وحماس. واتُفق على أن تكون حكومة ذات طابع انتقالي تكنوقراطي تتمثل مهمتها الرئيسة في الإعداد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في غضون ستة أشهر52. إلا أن الأزمة الحقيقية والفعلية التي واجهتها تكمن في الدور السياسي المنوط بحكومة يغلب على تشكيلتها وزراء تكنوقراط، وهذا موضوعيًا سبب أزمتها، إذ لا يمكنها الضغط على القوى السياسية لتحقيق المصالحة. وقد أفضت التعقيدات التي مرت بها المصالحة بعد عام على تولي الحكومة السابعة عشرة مهماتها، إلى تعديل الرئيس شكل الحكومة، وإضافة خمسة وزراء جلّهم تابعون لحركة فتح53. وهو أمر رفضته حركة حماس واعتبرته انقلابًا على "اتفاق الشاطئ" للمصالحة، وفرصة لتشكيل لجنة لإدارة شؤون القطاع في آذار/ مارس 201754. في ضوء ما ورد، بات شكل الحكومات التكنوقراط منذ تولّ رامي الحمد الله رئاسة مجلس الوزراء ضمانًا سياسيًا بيد الرئاسة الفلسطينية يُطمح من خلاله إلى تعميق التبعية الإدارية والسياسية والاقتصادية للسلطة التنفيذية ورغبة منها في نزع صلاحيات باقي السلطات ومهماتها55. وبالعودة إلى أزمة استحداث منصب رئيس الوزراء عام 2003، وما سببته من نزاع حول صلاحيات الرئيس ورئيس الوزراء، بدا اليوم أن تشكيلة حكومات التكنوقراط، بعد أكثر من عشرة أعوام على الانقسام وخمسة عشر عامًا على استحداث منصب رئيس الوزراء، حيّدت الصراع التقليدي بشأن الصلاحيات والمسؤوليات بين منصبي الرئيس ورئيس الوزراء، حتى أصبح بلا قيمة، وذلك في ظل قدرة الرئاسة ونفوذها السياسي والتشريعي والقضائي على تطويع تشكيلة الحكومة ورئيسها ودخوله في دائرة التابعين لها.
2. خطط الحكومات الثلاث وأولوياتها
قدّم رئيس الحكومة الفلسطينية، رامي الحمد الله في 25 أيلول/ سبتمبر 2013، إضافة إلى نائبه للشؤون الاقتصادية، محمد مصطفى، خطة الحكومة الفلسطينية وأولوياتها للأعوام 2014 - 2016، وذلك أمام مؤتمر المانحين الدوليين الذي انعقد في نيويورك على هامش أعمال الدورة 68 للجمعية العامة للأمم المتحدة56. وارتكزت خطط الحكومة وأولوياتها على الصعيد السياسي وإص حاا المؤسسات وسيادة القانون على "إنشاء دولة فلسطينية ذات دور مؤثر، والتأكيد على حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والسعي لدعم جهود الولايات المتحدة الأميركية في عملية السلام، والعمل على بناء مؤسسات الدولة والقيام بالإصلاحات المالية والشفافية وسيادة القانون، وإعداد استراتيجية للعمل ضمن مناطق 'ج'، وبناء نظام سياسي ديمقراطي، وتعزيز البناء المؤسسي للسلطة والأجهزة الأمنية، والضغط لإعادة فتح معبر رفح، ودعم وتعزيز صمود المقدسيين". وعلى الصعيد الاقتصادي حددت الحكومة أولوياتها ب "إنشاء اقتصاد وطني مستقل، والعمل على تحسين الأداء الاقتصادي، والتأكيد على أهمية المبادرة الاقتصادية التي قدمتها اللجنة الرباعية، والتركيز على ترشيد النفقات وزيادة الإيرادات". وعلى المستوى الاجتماعي "تطوير إمكانية المؤسسات لتقديم خدمات عالية، ودعم المناطق المهمشة والمهددة بسبب الجدار، ومحاربة الفقر والبطالة"57. على المستوى الدولي، قدّم الحمد الله التزامًا رسميًا للمانحين الدوليين واعترافًا لهم بقدرته على تحقيق المطالب الدولية التي تفرضها المؤسسات المانحة، كما عمل مع مستشاره الاقتصادي على تسويق أنهما من التكنوقراط وفي إمكانهما تحقيق إدارة المال العام بكفاءة وفاعلية من خلال تنمية الإيرادات الحكومية والضرائب،
وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتمكين الدولة الفلسطينية، وتبنّي منظومة ضريبية منافسة وناجعة وفاعلة58. أما على المستوى الإقليمي، فقد بعث الحمد الله رسالة مفادها أن علاقاته الطيبة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، خاصة الكويت والسعودية وقطر، ستكون مفيدة لإرساء أسس ثابتة لزيادة التفاعل بين المجتمع الإقليمي والسلطة الفلسطينية59. وبهذا طمأن الحمد الله المجتمع الدولي والإقليمي والمحلي أنه شخصية تكنوقراط وبلا طموح سياسي وفي إمكانه إدارة المرحلة القادمة.
واستمرارًا في النهج نفسه، ركّز الحمد الله في خطته وأولوياته للأعوام 2017 - 2022 على أجندة اعتبر فيها "المواطن: أولً " وذلك التزامًا منه بتأكيد وضع المواطن الفلسطيني جوهر الخطة الوطنية. وشملت خطة الحكومة السابعة عشرة على الصعيد السياسي تجسيد الدولة المستقلة وإنهاء الاحتلال، والوحدة الوطنية، وتعزيز مكانة دولة فلسطين عالميًا، وتوفير حكومة فعالة وكفء تستجيب لمتطلبات المواطنين وتقوم على تعزيز المساءلة والشفافية في إدارة المال العام. وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي تحقيق الاستقلال الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وتعليم جيد وشامل، ورعاية صحية ذات جودة عالية، ومجتمع قادر على الصمود والتنمية60. في ضوء ما ورد، فإن الحكومات الثلاث، وإن وعد فيها الحمد الله بإصلاح النظام السياسي وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ظلّت الخطط فيها والإصلاحات برامجَ وأجندات لا تتخطى مستوى اعتبارها وعودًا سياسية من دون توافر قدرة حقيقية على تنفيذها، فلم تستطع الحكومات إيجاد حلول لارتفاع معدلات الفقر والبطالة والعجز والمديونية. وبدا أن الأهم في مرحلة الحمد الله، هو قدرته، بوصفه تكنوقراطيًا، على العمل ضمن رؤى السلطة التنفيذية لا سيما الرئاسة الفلسطينية وسياساتها وأولوياتها.
ثالثًا: إخفاقات الحكومات الثلاث وانعكاساتها على الحالة الفلسطينية
قبل وقوع الانقسام الفلسطيني، كان النظام السياسي في أعقاب أوسلو مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالسطوة السياسية الشاملة لمؤسسه ورئيسه ياسر عرفات. ومع وقوع الانقسام، تعمّقت سطوة هذه السلطة، وأخذ الصراع معه شكلً جديدًا؛ ففي كل لقاء مصالحة بين فتح وحماس والاتفاق على تشكيل حكومة "توافق وطني"، كانت الحركتان توكلان مهمات رئاسة الحكومة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى أعضائها، إلى شخصيات من صنف التكنوقراط، ولهذا ظلت العوائق التي تعترض المصالحة الحقيقية بين الحركتين كبيرة وملحوظة، لعدم قدرة هذه الحكومات على إحراز تقدّم في مجال التغييرات الأمنية والمؤسسية والسياسية، فهذه الحكومات تصطدم في كل مرة بالعقبة السياسية التي تدير المشهد الفلسطيني، والمتمثلة في أن الأزمة ذات بعد سياسي وليس "تقنيًا"، وتابعة مباشرة لرئاسة السلطة التنفيذية في الضفة الغربية61. أما في قطاع غزة، فبدا أن حركة حماس منذ الانقسام الفلسطيني تقدّم مرونة سياسية في التعامل مع الرئاسة الفلسطينية في اتفاقات المصالحة بين فتح وح ساا، وهذا ما ظهر في "اتفاق القاهرة" عام 2017 كما في الاتفاقات الخمسة السابقة التي وُقّعت بين الطرفين62؛ فهذه الاتفاقات تجنبت دومًا معالجة القضايا التي تعوق المصالحة مثل: المساهمة في تسهيل عملية عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، والتوافق على برنامج سياسي مشترك، وتحديد مهمات الحكومة وصلاحياتها بشأن المؤسسات المدنية والأمنية في الضفة والقطاع، وإيجاد حل للقضايا الخلافية قبل توقيع الاتفاق بين الطرفين63. وهذا ما انعكس على الرأي العام الفلسطيني الذي عبّ عن ثقة سلبية بالأحزاب السياسية في فلسطين في المؤشر العربي لعام /2017 2018؛
إذ أفاد 27 في المئة أنهم يثقون بالأحزاب السياسية، مقابل 69 في المئة قالوا إنهم لا يثقون بها، ومن الجدير بالملاحظة أن المعدل العربي للثقة بالأحزاب السياسية بلغ 29 في المئة للأعوام نفسها. إن مقارنة مستويات ثقة المواطنين بالأحزاب السياسية لعام /2017 2018 بنتائج المؤشر العربي في استطلاعات سابقة تشير إلى أن مستويات الثقة تراجعت من 40 في المئة في استطلاع /2012 2013 إلى 38 في المئة في استطلاع 2014، ولتنخفض إلى 32 في المئة في استطلاع 2015، ومن ثم إلى 30 في المئة في استطلاع 2016، ولتصل إلى 27 في المئة في استطلاع /2017 201864. في ضوء ما ورد، بدا أن مستويات الثقة بالأحزاب الفلسطينية تتراجع، كلما فقد الفلسطينيون الأمل في تحقيق المصالحة. ولهذا يُفهم أن المراوغة السياسية التي أبدتها حركتا حماس وفتح، بأن تشاركا في حكومة "التوافق الوطني" التي يديرها رامي الحمد الله عام 2014، والتي تضم شخصيات مستقلة وتكنوقراط وتعمل من دون برنامج سياسي، كانت ذريعة يتهرب بها الطرفان من مسؤولياتهما تجاه مواجهة أزمة الانقسام، بهدف مقايضة خروجهما من الحكومة ببقائهما في السلطة؛ الأمر الذي يضمن لهما البقاء في الحكم والسيطرة على المؤسسات المدنية والأمنية في الضفة والقطاع. وبعبارة أخرى، فإن الحكومات، منذ الانقسام الفلسطيني، انتقلت من مرحلة تطويع الرئاسة لتشكيلة الحكومة ومنصب رئيس الوزراء إلى استخدامها أداة لتكثيف الاستقطاب حول الانقسام الفلسطيني. ولأغراض الدراسة، سيتم التركيز في هذا القسم على الإخفاقات التشريعية والاجتماعية والاقتصادية وانعكاسها على الحالة الفلسطينية.
1. إخفاق في المجال التشريعي
بعد أكثر من عشرة أعوام على الانقسام الفلسطيني، أضحت الحكومات الفلسطينية تواجه أزمة تفكُّك المؤسسات في الضفة الغربية عن قطاع غزة؛ فقد راكم الانقسام مجموعة ضخمة من القوانين والتشريعات منذ عام 2007؛ على نحو بات يعني مأسسة للانقسام الفلسطيني65. وقد اختارت الحكومة الفلسطينية، منذ إصدار الرئيس الفلسطيني قرارًا بتاريخ 14 حزيران/ يونيو 2007 قضى بإعلان حالة الطوارئ مدة ثلاثين يومًا في الضفة الغربية وقطاع غزة، تشكيل واقع قانوني مؤسساتي جديد؛ فتعطَّل المجلس التشريعي الفلسطيني وتولَّ الرئيس إصدار قرارات بقوانين موكلة له من الحكومة66. استنادًا إلى جريدة الوقائع الفلسطينية الرسمية، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حزيران/ يونيو 2007 إلى كانون الثاني/ يناير 2018 نحو 190 قرارًا بقانون؛ ويصل هذا العدد إلى ضعف القوانين التي أقرها المجلس التشريعي طوال فترة انعقاده من عام 1996 إلى عام 2007 والتي يبلغ عددها 90 قانونًا، وقد صدر 80 قانونًا من بين 190 خلال السنوات التي تولّ فيها فياض رئاسة الوزراء؛ وبمعدل 13 قانونًا في العام الواحد، أما خلال السنوات التي تولّ فيها الحمد الله رئاسة الوزراء، فقد صدر قرابة 120 قانونًا؛ بمعدل 22 قانونًا في العام الواحد67. وفي مقابل ذلك أصدر المجلس التشريعي التابع لكتلة "التغيير والإصلاح" في قطاع غزة، 160 قانونًا طبقت جميعها على مواطني القطاع، واستند المجلس التشريعي في إصدار هذه القوانين إلى المادة 47 من القانون الأساسي الفلسطيني والمادة 67 من النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني68. اصطدمت اتفاقات المصالحة بالأزمة التشريعية المتمثلة في نشاط قانوني ضخم في الضفة الغربية وقطاع غزة. في الحصيلة، أدى تفرد طرفي الانقسام بإصدار قوانين وتشريعات في ظل غياب المجلس التشريعي إلى تأزيم العلاقة بين مؤسسات الضفة والقطاع، وتغيير ملامح العملية التشريعية في فلسطين؛ فإلى جانب الآثار السياسية برزت العديد من الآثار القانونية69. وقد بدا، من خلال هذه القوانين التي زادت وتيرتها في السنوات الخمس الأخيرة من الانقسام، أن رئاسة السلطة التنفيذية تستخدم القرار بقانون وسيلةً من أجل تكريس هيمنتها وسلطتها في الضفة الغربية، وتعزيز مصالحها الاقتصادية وضبط الحريات العامة؛ ما يعني من جهة مناكفة سياسية بين فتح وحماس بصيغة مؤسساتية وفق قوانين وتشريعات وسياسات، ومن جهة أخرى تأزيم دور الحكومة وصلاحياتها ومسؤولياتها، سواء في الضفة أو غزة. ونتيجةً لذلك، ساعدت القوانين الصادرة في بروز قوى
اجتماعية وسياسية واقتصادية استفادت من حالة غياب المجلس التشريعي، وعقّدت المنظومة القانونية، ووضعت الفلسطينيين أمام طبقة جديدة من القوانين، فضلً عن ذلك صعّبت إمكانية إصلاح المنظومة القانونية وضيّقت الخناق على الحكومة الفلسطينية، حتى باتت سلطة مقيّدة حول رئاسة السلطة التنفيذية70.
2. إخفاق في المجال الاجتماعي
يعاني القطاع أزمة إنسانية معقدة. وما يهمّنا في هذا السياق معدلات الفقر والبطالة العالية التي تعود إلى الحصار المفروض منذ أحد عشر عامًا (2007)، والحروب الإسرائيلية71، والسياسات العقابية الصادرة عن الرئاسة72، وسياسات الإهمال الحكومي تجاه القطاع73. وتعاني الضفة أزمة سياساتية، تعمّقت في السنوات الخمس الأخيرة، وتتركز في معدلات فقر وبطالة غير مسبوقة، سجّلت في نهاية عام 2017 أعلى معدل لها منذ خمسة عشر عامًا74. في قطاع غزة، تواجه حكومة الحمد الله فشل إنهاء الانقسام بإصدار عقوبات بحق القطاع، تصاعدت تدريجيًا على نحو غير مسبوق منذ عام 201775. وتشير الأرقام أن نسبة البطالة في القطاع بلغت قرابة 42.7 في المئة76، ووصل الفقر إلى معدلات غير مسبوقة، وذلك على الرغم من أن قرابة 80 في المئة من سكان القطاع يحصلون على شكل من أشكال المعونة77، ولا تزال السلطة أيضًا تخفّض مرتبات الموظفين المدنيين في القطاع والبالغ عددهم 60 ألف موظف؛ وهم يشكلون نحو 30 في المئة من جلّ موظفي القطاع78. وفضلً عن ذلك، فقد ارتفعت أعداد المرضى المحوّلين إلى مستشفى الطب النفسي في غزة بنسبة 21 في المئة مقارنةً بعام 2016، وارتفع عدد المرضى المترددين على مراكز الصحة النفسية الحكومية بنسبة 69 في المئة مقارنةً بعام 2016. وكما تآكلت مستويات الحماية الاجتماعية والأمن الغذائي؛ فقد ارتفعت أعداد الأطفال المرتكبين لمخالفات قانونية، وبلغ عددهم 429 طفلً في عام 2017 بزيادة نسبتها 41 في المئة عن عام 2016، وتعاظمت التحديات في الحصول على غذاء كافٍ. كما طرأ انخفاض على حالات الزواج، بنسبة 10.8 في المئة مقارنةً بعام 2016. وتعمّقت أزمة انقطاع التيار الكهربائي؛ إذ أصبح برنامج الكهرباء اليومي أربع ساعات وصل مقابل 20 ساعة فصل، وفي أحسن الأحوال قد يصبح ستّ ساعات وصل79. ظاهريًا، تبرر الحكومة أفعالها في غزة بعدم القدرة على الإيفاء بالتزامها تجاه القطاع لنقص المساعدات الخارجية لا سيما منذ عام 2012، ولهذا بدت اتفاقات المصالحة فرصة تستخدم فيها السلطة التنفيذية معاناة الفلسطينيين في القطاع، من أجل الضغط على حركة حماس للتخلي عن الحكم، حتى لو أدى ذلك إلى تأزيم المشهد الاجتماعي في القطاع، وانهياره تمامًا، ومفاقمة أزمته الإنسانية80. أما في الضفة الغربية، فبلغت معدلات البطالة والفقر أرقامًا غير مسبوقة، إذ وصلت معدلات البطالة إلى 11 في المئة لدى الذكور و 25 في المئة لدى الإناث وبمجموع 17 في المئة، وكذلك أظهر آخر مسح عام 2011 أن 25.8 في المئة من سكان الضفة والقطاع يعيشون في فقر، بينهم 17.8 في المئة في الضفة، ومن بينهم 12.9 في المئة من
الأفراد الذين يعيشون في "فقر مدقع"؛ وهم الأفراد الذين يعيشون على أساس دخل شهري أقل من 500 دولار أم كيرر81. إجمالً، حافظت معدلات البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 2001 على معدلات ارتفاع تتجاوز 20 في المئة؛ وهي نسب عالية مقارنة بالبلدان العربية، ففي عام 2001 بلغت نسبة البطالة 25.3 في المئة، وارتفعت إلى 31.2 في المئة عام 2002، ونحو 25.5 في المئة عام 2003، وفي عام 2004 بلغت 26.8 في المئة، وتراجعت إلى 23.5 في المئة عام 2005، وصعدت إلى 23.7 في المئة عام 2006، و 21.7 في المئة عام 2007، و 26.6 في المئة عام 2008، وفي عام 2009 بلغت 24.5 في المئة، وتراجعت إلى 23.7 في المئة عام 2010، و 20.9 في المئة عام 2011، ولترتفع من جديد إلى 23 في المئة عام 2012، ومن ثم 23.4 في المئة عام 2013، و 26.9 في المئة عام 2014، و 25.9 عام 2015، و 26.9 في المئة عام 2016، و 29.2 في المئة عام 2017؛ وهي النسبة الأعلى منذ انتهاء الانتفاضة الفلسطينية الثانية82. وفي سياق ذي صلة، واجهت حكومات الحمد الله احتجاجين كبيرين، وهما: احتجاج موظفي وكالة تشغيل وغوث اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، عام 2014 وهو احتجاج واسع شارك فيه العاملون في "الأونروا"، انتهى بعد خمسة وستين يومًا من الإضراب. واللافت هنا، إشارة المفوض العام فيليبو غراندي إلى أن الإضراب انتهى بعد "الطلب الحازم للرئيس محمود عباس إنهاء ووقف الإضراب"83. وأما الحركة الاحتجاجية الثانية وهي للمعلمين الفلسطينيين، فقد واجهت الحكومة عام 2016، أوسع وأطول احتجاج نقابي منذ نشأة السلطة؛ فقد مضى قرابة 40 ألف معلم في مدن الضفة الغربية في إضراب واجه الحكومة ونقابة المعلمين، وتحوّل من إضرابٍ إلى أشبه ما يكون بحالة ثورة لها مطالب اقتصادية واجتماعية، ومنظمٍ في هيئات تنسيقية منتخبة في كل محافظات الضفة الغربية84. وبعد فشل الحكومة في حل الأزمة85، تدخّل الرئيس عباس لينهي الإضراب الأطول في تاريخ المعلمين الفلسطينيين، وبكلمة وجّهها عبر تلفزيون فلسطين86. بدا أن السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع تواجه أزمات اجتماعية وحركات احتجاحية غير مسبوقة ضدها، تصاعدت وتيرتها في السنوات الأخيرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة حاولت إيجاد حلول، وإن كانت مؤقتة، وبتدخّل مباشر من رئاسة السلطة التنفيذية في الضفة الغربية من دون القطاع، وذلك لتفادي أيّ انفجار احتجاجي، نظرًا إلى عدم قدرتها على السيطرة على الإخفاقات الاجتماعية المتراكمة، وهذا على عكس سياسة الحكومة تجاه أزمات القطاع.
3. إخفاق في المجال الاقتصادي
تعاني الحكومة اقتصادًا ضعيفًا ومجزأ أنهكته سياسات السلطة منذ توقيع اتفاق أوسلو، واستنزفته سياسات حكومات فياض87، وأرهقته سياسات حكومات الحمد الله التي شهدت تراجعًا في المساعدات الدولية للحكومة بنسبة تصل إلى 50 في المئة، وتشير الأرقام إلى أن السلطة لم تتلقَ سوى نصف المساعدات المعتادة من واشنطن خلال السنوات الأربع الأخيرة88. أما عن الاتحاد الأوروبي، ثاني أكبر ممول للسلطة، فقد قلّل مساعداته نحو 45 في المئة، فهو ليس بمنأى عن اتجاه دولي لخفض المساعدت الموجّهة إلى الحكومة. يعود الانخفاض الأوروبي الجزئي إلى زيادة الضغط على ميزانيات الاتحاد الأوروبي من الأزمة الإنسانية الناجمة في المنطقة العربية، وغضبها من سياسة إسرائيل المتمثلة في تسريع التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي التي تعني للأوروبيين قتلً لحل الدولتين89. تواجه حكومة رامي الحمد الله أزمةً اقتصادية صعبةً؛ فرغم النمو الاقتصادي من 2.2 في المئة عام 2013 ليصل إلى 3.5 عام 2017، سجّلت معدلات النمو عام 2017 تراجعًا بمعدل 0.6 في المئة عن عام 2016، و 7.5 في المئة عن عام 201190. وبخصوص عجز
الموازنة المالية للحكومة، تشير الأرقام إلى أنه بلغ نحو مليار دولار أميركي عام 2018 مقارنة ب 328 مليون دولار عام 2016؛ ويعود هذا الارتفاع الصاروخي إلى إقرار الحكومة أكبر موزانة في تاريخها عام 2015 نظرًا إلى إدماج موازنة المنح التطويرية والمنح المخصصة لإعادة إعمار القطاع ضمن بنود الموازنة العامة. وبخصوص المديونية، بلغ الدين العام الحكومي نحو 2.5 مليار دولار أميركي عام 2017 مقارنة ب 2.2376 مليار دولار أميركي نهاية عام 2013، ما يعني 20.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي ونحو 50 في المئة من الموازنة العامة91. يمكن فهم الأزمة الاقتصادية التي تواجه الحكومة الفلسطينية، والتي تؤدي إلى عجز في الموازنة، استنادًا إلى مصادر إيرادات السلطة الفلسطينية، والتي يمكن تعريفها على أنها "ريع سياسي"؛ فما يزيد على 34 في المئة من موازنة السلطة الفلسطينية خلال الأعوام 2004 - 2014 مصدرها الدعم الدولي92. وفي ضوء ذلك، يمكننا فهم أن ما يزيد من حدة الأزمة الاقتصادية يكمن في عدم قدرة الحكومة على سد الديون والعجز المالي المتراكم سنويًا، وذلك بسبب تراجع الدعم الدولي الذي يؤدي مباشرةً إلى رفع مستوى تحكم الاقتصاد الإسرائيلي في الاقتصاد الفلسطيني على نحو أكبر بسبب التبعية الاقتصادية التي كرستها "اتفاقية باريس الاقتصادية" منذ عام 1994، لا سيما اعتماد الحكومة على التحويل غير المستقر "لأموال المقاصة"؛ وهي الفروق التي تخصمها إسرائيل من أموال الجمارك والضرائب والتي تساهم في إيرادات الخزينة العامة للحكومة الفلسطينية بنسبة 65 في المئة. ولهذا تلجأ الحكومة الفلسطينية لتعويض مصادر إيراداتها إلى زيادة معدلات الضرائب على الفلسطينيين93. وقد استنزف هذا الوضع الاقتصادي المواطن الفلسطيني الذي بات يشكو ارتفاع الضرائب، من بينها ضريبة القيمة المضافة التي أصبحت 16 في المئة بدلً من 15 في المئة عام 2013، وبدلً من 1 في المئة عندما بدأ العمل بها مع إنشاء السلطة. وتبرر السلطة سبب الرفع الدائم المتواصل لهذه الضريبة بأن اتفاقية باريس تفرض عليها أن يكون الفارق بين الضريبة في "إسرائيل" ومناطق الضفة والقطاع لا يتجاوز نسبة 2 في المئة94. وكذلك الحال بالنسبة إلى ضريبة الدخل، فالقرار بقانون القاضي بتعديل قانون ضريبة الدخل الفلسطيني عام 2015 يواجه إخفاقات تكمن في عدم تحقيقه العدالة الضريبية من جهة95، وعدم قدرته على معالجة أزمة التهرب الضريبي، لا سيما للشركات الفلسطينية الكبيرة؛ إذ تشير الأرقام إلى أن نسبة التهرب الضريبي في فلسطين تقدّر بين 40 و 65 في المئة96. انعكس هذا الارتفاع التدريجي في الضرائب مباشرة على انكماش الاقتصاد الفلسطيني وارتفاع مستوى التضخم في الأسعار الذي بلغ منذ 2007، 47.16 في المئة، ورغم انخفاضه خلال عام 2016 مقارنة بعام 2007 بنسبة 0.22 في المئة، لا يزال يسجل ارتفاعًا ملحوظًا منذ تراجع المساعدات الدولية للحكومة الفلسطينية عام 201297. عمليًا، أسهمت هذه الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة في تعظيم الأزمة، ويستدل عليها من تراجع معدل ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسسات السلطة والحكومة الفلسطينية للفترة 2012 - 2018. إذ يوضح الجدول مصفوفة تقييم الرأي العام لمؤسسات الدولة وأداء الحكومة التي يعتمدها المركز العربي في قياس رأي المواطن العربي تجاه مؤسسات دولته وحكومته وخدماتها. وكما تشير البيانات، فإن المعدل العام (بحسب السنة) لتقييم الرأي العام الفلسطيني لمؤسسات دولته وحكومته تراجع من 45.4 في المئة في استطلاع /2012 2013 ليصل إلى 40.7 في المئة في استطلاع /2017 2018. وعند مقارنة المتوسط العام للثقة بين فلسطين والدول العربية في استطلاع /2017 2018، فإننا نلاحظ أن ثقة الفلسطينيين بمؤسسات السلطة الفلسطينية وأداء الحكومة أقل من جميع الأقطار العربية، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، لعل أهمها الارتفاع الملحوظ في معدلات البطالة الذي يعتبر الأعلى عربيًا؛ إذ وصلت مؤخرًا إلى نحو 29 في المئة، وهي التي صعدت في استطلاع /2017 2018 إلى أعلى نسبة منذ 15 عامًا، كما أن معدلات البطالة في قطاع غزة تعتبر الأعلى عالميًا، وهي التي تصل إلى قرابة 54 في المئة. أضف إلى ذلك انسداد
الأفق السياسي للقضية الفلسطينية لا سيما بعد قرابة ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو وقرابة العقد على الانقسام الفلسطيني؛ إذ بات الفلسطينيون اليوم أمام تهديد جديد لتحقيق حلمهم بالتحرر من الاستعمار في ضوء غياب الخيارات التي يمكن أن تنتهجها السلطة الرسمية أو الفصائل الفلسطينية للمواجهة خلال المرحلة المقبلة، في ظل وضع عربي وإقليمي ودولي يسعى لتحقيق تسوية "صفقة" لإنهاء القضية الفلسطينية. ونلاحظ، من خلال الجدول، أن ثقة الفلسطينيين بمؤسسات السلطة الفلسطينية هي ثقة محدودة (أقل من متوسطة) وتصل إلى 43.2 في المئة. كما أن المعدل العام (بحسب المؤشر) لتقييم ثقة الفلسطينيين بمؤسسات السلطة الأمنية والتنفيذية ممثلة في الحكومة، هي ثقةٌ متوسطة؛ إذ تصل إلى 52.1 في المئة للمؤسسات الأمنية و 50.4 في المئة للمؤسسات التنفيذية. كما تجدر الإشارة إلى أن تقييم الفلسطينيين سياسات حكومتهم الخارجية والاقتصادية والتنموية تقييم سلبي أو إيجابي بتحفظ. ويكاد يجمع الفلسطينيون على الثقة بجهاز القضاء وبنسبة أعلى من المتوسط؛ إذ تصل إلى 60.8 في المئة، في المقابل، لا يثق الفلسطينيون بتطبيق القانون بالتساوي ولا بحصولهم على محاكمة عادلة.
رابعًا: الرهانات التقليدية في النظام السياسي الفلسطيني
لم تستطع حكومات التكنوقراط الفلسطينية حل رهان تكديس الصلاحيات والمهمات بيد السلطة التنفيذية، وبناءً عليه، لم تستطع تنفيذ خطط إصلاح النظام السياسي الفلسطيني طوال ربع القرن الماضي، كما لم تستطع إيجاد حلول للإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما أوحت الدراسة. ولذلك يدرج رهان "تعظيم الأزمة" المستعصي الذي غلب على حكومات التكنوقراط الفلسطينية، منذ الانقسام عام 2007، ليُضاف إلى الرهانات التقليدية في الحالة الفلسطينية؛ إذ إن الحقائق الموضوعية بالتبعية لسلطات الاحتلال، وانتشار الفساد في المؤسسات الفلسطينية، جعلت الحكومات الفلسطينية ومؤسساتها وتفاعلاتها الداخلية والخارجية أقرب إلى نظام مرهون للحالة السلطوية منه إلى سلطة ونظام ديمقراطي وتعددي. واستنادًا إلى الأدبيات النقدية في الحالة الفلسطينية، مثّل اتفاق أوسلو واتفاقية باريس الاقتصادية الرهان الأول للمؤسسات الفلسطينية، وهما تعدّان تكريسًا استعماريًا لسياسات المستعمِر على المستعمَر، بالتوسع الاستيطاني في الضفة والقطاع، والتربّح من التنمية المحلية، وتعزيز التبعية الاقتصادية98؛ إذ مثّل اتفاق أوسلو ضمانًا حقيقيًا، يعكس الانتقال في البنية الاستعمارية من مبدأ الاستعمار المباشر إلى الاستعمار غير المباشر، فهذا الاتفاق لا يعني إنهاء السيطرة على الفلسطينيين، بل تغيير النظام من نظام قائم على إدارة حياة السكان المحتلين إلى نظام لم يعد مهتمً بحياة السكان الفلسطينيين. وفي الحصيلة، لم تعد إسرائيل تقدّم أي نوع من "الحساب" للظروف التي يعيشها الفلسطينيون99. أعطى عدم تبنّي مؤسسات السلطة الفلسطينية برنامجًا تنمويًا بعد أوسلو، الجهات المانحة كالبنك الدولي والمستثمرين من القطاع الخاص، فرصةً لطرح برامجهم التنموية وإعادة الإعمار وفق أجندة المؤسسات الدولية وبمنظورٍ نيوليبرالي100. وفي الحصيلة، عملت سلطات الاحتلال والمنح والمساعدات الدولية على إحداث تغييرٍ بنيوي في تركيبة الاقتصاد الفلسطيني، ويستدل على ذلك؛ أن جزءًا رئيسًا من دخل الإنسان الفلسطيني يجب ألّ يأتي من الإنتاج الذي يساهم في بناء اقتصاد وطني مستقل، بل يفترض أن يأتي من خارج مساهمة الاقتصاد المحلي، وعبر جهتين، الأولى: العمل في إسرائيل؛ وهي التي عملت على بناء مستوطنات في مختلف مناطق الضفة والقطاع؛ بهدف كسر حاجز الوحدة الجغرافية واستيعاب أكبر قدر ممكن من العمالة الفلسطينية. والثانية: الاعتماد على المساعدات والمنح الدولية في تحقيق التنمية المحلية101، وهذا ما جرّد إمكانية التحرر من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي رغم محاولات الفلسطينيين تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وقد أعطى ذلك سلطات الاحتلال منذ اتفاقية باريس التحكم في إيرادات الاقتصاد الفلسطيني تحت إشرافها ولمصلحتها. عمليًا، يؤخذ على سلطة ناشئة محدودة ومقيّدة باتفاقات موقعة مع سلطات الاحتلال، أنها أخفقت في إدارة مؤسساتها؛ إذ باتت مؤسسات السلطة الفلسطينية أمام نظام متجدد من الفساد، ولعلّ سمته الرئيسة في إعادة إنتاج الفساد تقوم على مفهوم "التنفيع"، وهذا يعتبر الرهان الثاني للمؤسسات الفلسطينية. ويرتبط "التنفيع" في هذه المؤسسات بالنخبة السياسية الحاكمة التي تستخدمه أداةً للسيطرة على الفلسطينيين، بهدف شراء الولاءات السياسية. وفي أعقاب توقيع اتفاق أوسلو أصبح هذا النظام (التنفيع) ركيزةً أساسية في بناء المؤسسات الحكومية، ما أسهم في تعزيز نظام الهيمنة الفردية غير الآبه بالمساءلة والشفافية102.
تقييم الرأي العام الفلسطيني مؤسسات الدولة وأداء الحكومة الفلسطينية% *
| المعدل العربي لعام 2018 /2017 | المعدل العام الفلسطيني بحسب المؤشر | /2017 2م018 | 2016 | 2015 | 2014 | 2013/2012 | المؤشر/ العام |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 73 | 52.1 | 48.5 | 50.5 | 50.5 | 55 | 56 | الثقة بمؤسسات الدولة |
| 68 | 60.8 | 58 | 59 | 58 | 64 | 65 | الثقة بجهاز القضاء |
| 55 | 50.4 | 46 | 48 | 48 | 54 | 56 | الثقة بالحكومة |
| 50 | 40.8 | 37 | 39 | 44 | 46 | 38 | الثقة بالسياسة الخارجية للحكومة |
| 38 | 36.8 | 32 | 34 | 36 | 40 | 42 | الثقة بالسياسة الاقتصادية للحكومة |
| 46 | 44.6 | 45 | 46 | 42 | 46 | 44 | الثقة بخدمات الحكومة الأساسية |
| 28 | 13 | 10 | 11 | 14 | 14 | 16 | الثقة بتطبيق القانون |
| 59 | 47.4 | 49 | 53 | 45 | 44 | 46 | الثقة بمحاكمة عادلة |
| 52.1 | 43.2 | 40.7 | 42.5 | 42.2 | 45.4 | 45.4 | المعدل العام الفلسطيني بحسب السنة |
ولعل السلطة منذ قيامها سعت لكسب ولاء قواعدها الشعبية بتوفير فرص اقتصادية لفئة محددة وليس استنادًا إلى برامجها وسياساتها، مستغلةً بذلك غياب المجلس التشريعي، وغياب الرقابة على صرف الموزانة الحكومية، وغياب المعارضة السياسية، وغياب الرقابة على القطاع الخاص والقطاع غير الحكومي؛ الأمر الذي عزز من سيطرة السلطة التنفيذية على القواعد الشعبية، لا سيما مع استخدام المال الذي تملكه السلطة لتعزيز قدرتها الأمنية؛ من أجل حفظ الاستقرار السياسي في الضفة الغربية، في مقابل إقصاء قطاع غزة، والمساهمة في تعزيز الحصار عليه103. واستنادًا إلى التقرير الذي أطلقه الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) عن مقياس نظام النزاهة في فلسطين لعام 2017، أظهرت النتائج رسوب الفلسطينيين في مكافحة الفساد؛ إذ حصلت المؤسسات الفلسطينية علامة إجمالية وصلت إلى 552 نقطة من أصل 1000، وهو مؤشرٌ على أن الفلسطينيين لم ينجحوا في تجاوز عتبة النجاح أو لم يكادوا، وأن تقييمهم أقرب إلى الحدود الدنيا التي تعني أنه سيئ أو ضعيف. ويضيف التقرير أن سبب ارتفاع معدلات الفساد في المؤسسات الفلسطينية يعود إلى ممارسات المؤسسات؛ وهي التي لا تقوم بإصدار تقارير وحسابات ختامية مثل الموازنة العامة، فضلً عن رقابتها على مؤسسات الإعلام وتدخّلها فيها. بناءً عليه، سعى النظام السياسي لاستغلال حكومات التكنوقراط التي لا يمكنها التدخل والتأثير في الحالة السياسية، من أجل ضبط مهمات هذه الحكومات وصلاحياتها ومسؤولياتها، مستغلً غياب
المجلس التشريعي من جهة وغياب المعارضة السياسية من جهة ثانية، وبهدف التحكم في المشهد الفلسطيني، وهذا يعتبر الرهان الأخير والمركزي لدى النظام السياسي الراهن، الأمر الذي أسهم في "تعظيم الأزمة"؛ إذ كَفل للسلطة الفلسطينية من جهة إعادة إنتاج الهيمنة والفردانية اللصيقتين بالنظام السياسي منذ نشأته، فضلً عن دحض إمكانية إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، ومن جهة أخرى كفل لحركتي فتح وحماس إطالة عمر الانقسام وتأجيل المصالحة الفلسطينية. ولهذا، فإن عدم قدرة حكومات التكنوقراط على تجاوز التحديات والضغوطات التي تكبّل النظام السياسي الفلسطيني، أضعف قدرتها على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في المؤسسات الفلسطينية. فعلى الرغم من سعي فئة التكنوقراط لتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، فإنها أخفقت في تحقيق التنمية والإصلاح المؤسسي، حتى بات أخطر ما في السياسات الحكومية الحالية، ما نسميه هنا "تعظيم الأزمة" التي لا يقف تأثيرها على منشأ السلطة الفلسطينية فحسب، وإنما مراكمتها الأزمة في المجالات السياسية والتشريعية والاقتصادية والاجتماعية.
خاتمة
لم تعمل هذه الدراسة على تقديم الإخفاقات التي تعانيها الحكومات الفلسطينية الثلاث فقط، بل قدّمت تفكيكًا لأزمة فشل الحكومات الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني منذ نشأته عام 1994. وبناءً عليه، كان الاستدلال على ذلك يقوم مباشرة على فهم السطوة السياسية الشاملة لمؤسس النظام السياسي الفلسطيني ووريثه وتفسيرها، حتى بات المشهد الفلسطيني بأكمله، لا سيما القطاع العام مرتهنًا بإرادته السياسية، وهذا ما ساعدنا على فهم تعثر الحالة الفلسطينية في المجالات السياسية والتشريعية والاجتماعية والاقتصادية. إزاء الواقع القائم في الحالة الفلسطينية، فنحن أمام حكومات فلسطينية تتسم بأنها تكنوقراط وتقوم بأدوار تقنية ومن دون صلاحيات سياسية، كما تتسم بأنها توافقية محليًا، فهي تجمع بين وزراء ينتمون إلى بعض القوى والفصائل الوطنية والإسلامية أو مقربين من هذه القوى أو مقربين من المنظمات غير الحكومية والأهلية. وقد أضحت هذه الحكومات شائعة في حالتنا الفلسطينية. ويحظى هذا النوع من الحكومات بأهمية قصوى نظرًا إلى قدرته على تطبيق سياسات تتماشى مع رغبة المؤسسات المالية الدولية، لا سيما أن بعض الوزراء المكلّفين بالعمل في هذه الحكومات ينتمون إلى هذه المؤسسات. وعلى الرغم من رفع الحكومات الفلسطينية شعارات الحكم الرشيد والكفاءة والجدارة والفاعلية والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان في إدارة المؤسسات، فهي تواجه أزمة فعلية متمثلة في عدم وجود قدرة حقيقية لتنفيذ هذه الشعارات، وعدم وجود إرادة سياسية حقيقية لدعم هذه الحكومات؛ إذ إن عدم امتلاك هذه الحكومات القدرة على التأثير في بنية النظام السياسي الفلسطيني المأزوم يُبقي إمكانية إصلاح النظام السياسي بروباغندا فلسطينية أمام المجتمع المحلي والدولي. ثمة، إذًا، حاجة إلى الوقوف أمام الأزمة البنيوية السياسية الداخلية، من أجل مواجهة الرهانات المستعصية في الحالة الفلسطينية والضغوط الإسرائيلية والإقليمية والدولية التي تعانيها القضية الفلسطينية. وهذا يحتاج إلى وقفة جدية أمام الرهانات التقليدية في الحالة الفلسطينية والمتمثلة في التبعية السياسية والاقتصادية لسلطات الاحتلال، والفساد المنتشر في المؤسسات العامة، وأمام رهان "تعظيم الأزمة"؛ إذ أضحت الحالة، إجمالً، تقوم على نخب حاكمة في الضفة وغزة تحافظ على مصالحها السياسية والاقتصادية، ولا تأبه لزيادة إرهاق طاقات المواطن الفلسطيني ومقدراته واستنزافها.
المراجع
العربية
الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان. مقياس نظام النزاهة في فلسطين لعام 2017 (رام الله: 2018:). في https://goo.gl/daGYcn أبو مطر، محمد عبد الله. إصلاح النظام السياسي الفلسطيني: بين المطالب الداخلية والضغوطات الخارجية. سلسلة أطروحات الدكتوراه 102. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 "أجندة السياسات الوطنية 2022-2017: المواطن أولً ". مجلس الوزراء الفلسطيني. كانون الأول/ ديسمبر في:2016. https://goo.gl/1T1L4E "أداء حكومة رامي الحمد الله: عقبات وإنجازات 6 حزيران/ يونيو 6–2013 أيار/ مايو 2014 ". معهد السياسات العامة. مجلة سياسات. العدد 28.)2014("الإحصاء الفلسطيني يعلن النتائج الأساسية لمسح القوى العاملة للربع الرابع 2017 دورة )تشرين الأول–كانون الأول، 2017(". الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. في: https://goo.gl/kQWnuF بشارة، عزمي. "من أجل تجنب نهاية ساخرة لإحدى مآسي القرن". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 4. العدد 16 )خريف.(1993 تطورات الدين العام الحكومي 2011 - 13 20. رام الله: سلطة النقد الفلسطينية - دائرة الأبحاث والسياسات النقدية،:2014. في https://goo.gl/2Ko4FU
الجرباوي، علي. "الحكومة الفلسطينية من أزمة إلى أزمة". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 26. العدد 104 )خريف.(2015 الخالدي، أحمد سامح. "تقويم نقدي لبرنامج بناء الدولة أولاً". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 20. العدد 80 -81 )خريف/ شتاء.(2009 الخالدي، رجا وصبحي سمور. "النيوليبرالية بصفتها تحررًا: الدولة الفلسطينية وإعادة تكوين الحركة الوطنية". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 22. العدد 88 )خريف.)2011 الخولي، لطفي. الانتفاضة والدولة الفلسطينية. القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر،.1988 دعنا، طارق. "الفساد في فلسطين: نظامٌ متجدد". شبكة السياسات الفلسطينية. 2015/8/18:. في https://goo.gl/CCv7Bd ________. "نحو اقتصاد سياسي لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية". ورقة مقدمة في ندوة مستقبل الم وررع الوطني الفلسطيني. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة..2015 زريق، إيليا. "المساعدات الإنسانية القطرية لفلسطين". سياسات عربية. العدد 29 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2017 سلامة، عبد الغني. "إضراب المعلمين السياق والحيثيات وعثرات الأداء". معهد السياسات العامة. مجلة سياسات. العدد).2016(35 شاهين، خليل. "حكومة تكنوقراط رهينة التوافق الفصائلي خارجها". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 25. العدد 99 )صيف.(2014 صالح، محسن. "حكومة سلام فياض". تقارير. الجزيرة نت. 2010/11/14:. في https://goo.gl/Sd3R3j ________. القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2012 عمرو، وفاء. "غزة – أريحا بعد عودة الرئيس: بدايات التجربة". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 5. العدد 19 )صيف.(1994 فرسخ، ليلى. "ماهية التنمية الاقتصادية الفلسطينية: نقلات نوعية في فهم الاقتصاد الفلسطيني". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج. 26 العدد 101 )شتاء.(2015 "القانون الأساسي المعدل". المقتفي: منظومة القضاء والتشريع في فلسطين. 2003/3/18https://goo.gl/9ChXnZ:. في "القانون الأساسي لسنة 2002". المقتفي: منظومة القضاء والتشريع في فلسطين. 2002/5/29:. في https://goo.gl/PF6BRg "القوانين الفلسطينية". المجلس التشريعي الفلسطيني. )غزة -2008 2018:(. في https://goo.gl/wpHzdU قطيط، أنس. "السلطة الفلسطينية والدولة الريعية". سياسات عربية. العدد 26 )أيار/ مايو.(2017 كساب، سماح ديب. "الانقسام الفلسطيني في عامه العاشر )مأسسة تتعمق)". تقدير موقف. المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية - مسارات. 2016/9/25:. في https://goo.gl/ZAmRJx مجموعة مؤلفين. الحالة التشريعية في فلسطين: 2012-2007 الآليات، الآثار والحلول. سلسلة القانون والسياسة 1. بيرزيت: معهد الحقوق،.2012 مجموعة مؤلفين. تجديد الهوية الوطنية الفلسطينية: الخيارات مقابل الوقائع. تحرير بيري كاماك وناثان ج. براون ومروان المعشر. بيروت: مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي،.2017 مجموعة مؤلفين. دراسات نقدية في واقع التنمية في فلسطين. تحرير ناجح شاهين. رام الله: مركز بيسان للبحوث والإنماء،.2012 مجموعة مؤلفين. ما بعد الأزمة: التغيرات البنيوية في الحياة السياسية الفلسطينية، وآفاق العمل. رام الله: مواطن- المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،.1998 مسح القوى العاملة دورة الربع الرابع (تشرين الأول - كانون الأول، 2017). رام الله: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني،.2017 مصطفى، محمد. "الاقتصاد الفلسطيني: نحو مقاربة جديدة." ورقة مقدمة في مؤتمر التحديات الاقتصادية والسياسية في المنطقة وآفاق توسيع التعاون الفلسطيني الكوري. معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) والمعهد الكوري للسياسات الاقتصادية الدولية KIEP (معهد GCC). رام الله، فلسطين،.2015 "ملخص لأوراق العمل حول: التهرب الضريبي". الإتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان. نيسان/ أبريل 2017:. في https://goo.gl/FN7Xzs المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي /2017 8 201. الدوحة: 2018:. في https://bit.ly/2LadHMF نعيرات، رائد وسليمان بشارات. النظام السياسي الفلسطيني: إشكاليات الإصلاح وآليات التفعيل. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2016 ________. "محطات رئيسية في تطور وتقييم الفكر الاقتصادي الفلسطيني". ورقة مقدمة في مؤتمر التعاون من أجل التنمية في فلسطين: قيود وآفاق. مؤسسة التعاون. رام الله، فلسطين،.2013 النقيب، فضل. الاقتصاد الفلسطيني في الضفة والقطاع: مشكلات المرحلة الانتقالية وسياسات المستقبل. ط 2 وررت: مؤسسة. ب الدراسات الفلسطينية،.1999 هلال، جميل. "النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو: دراسة تحليلية نقدية". المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،.2006 ________. "الوطنية الفلسطينية في مواجهة تهافت السياسة". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 24. العدد 95 (صيف.)2013
"واقع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في قطاع غزة خلال العام 2017 ". مركز الميزان لحقوق الإنسان. تقارير ودراسات. 2018/3/18:. في https://goo.gl/UUfhCB "ورقة موقف بشأن التشريعات الناشئة عن الانقسام الفلسطيني." مركز الميزان لحقوق الإنسان. وحدة المساعدة القانونية. 2018/1/4. ف:ي https://goo.gl/2kLo7u
الأجنبية
Barakat, Sultan & Omar Shaban. "Back to Gaza: A New Approach to Reconstruction." Brookings Doha Center. Policy Briefing (January 12, 2015). Crouch II, J. D., Montgomery C. Meigs & Walter B. Slocombe. Security First U.S. Priorities in Israeli- Palestinian Peacemaking. Washington Institute Strategic Report (2008). at: https://goo.gl/DZq5dK Duncan, Donnell & Marco Valbruzzi. "Defining and Classifying Technocrat-led and Technocratic Governments." European Journal of Political Research. vol. 53. no. 4 (2014). Gilley, Bruce. "Technocracy and Democracy as Spheres of Justice in Public Policy." Springer Science and Business Media. New York. Policy Section. July 18, 2016. Gordon, Neve. From Colonization to Separation: exploring the structure of Israel's occupation. Taylor and Francis online. 3/12/2007. at: https://bit.ly/2md9kCh "Humanitarian Impact of the Gaza electricity crisis." United Nations. May 2017. at: https://goo.gl/wmG71w Inbari, Pinhas. "Can Palestinian Ports Be Developed in Gaza to Relieve the Humanitarian Crisis?" Jerusalem Center for Public Affairs. Articles. no. 616 (February 6, 2018). at: https://goo.gl/uVy3N5 Laird, Frank N. "Technocracy Revisited: Knowledge, Power and the Crisis in Energy Decision Making.' Organization and Environment. vol. 4. no. 1 (1990). Levitt, Matthew & Neri Zilber. "Palestinian Reconciliation: Devil in the Details?" The Washington Institute for Near East Policy. Policy Watch. no. 2258 (May 28, 2014). at: https://goo.gl/GGdm72 Makovsky, David. "New Palestinian Prime Minister Is a Victory for Fatah." The Washington Institute for Near East Policy. Policy Watch. no. 2084 (June 4, 2013). at: https://goo.gl/Gt6Yoe "On the Eve of International Population Day." PCBS. 10 July 2014. at: https://goo.gl/35h7GD "Palestine's Economic Outlook - October 2017." The World Bank. October 2017. at: https://goo.gl/3udQvG Pelham, Nicolas. "Gaza's Tunnel Complex." Middle East Report. vol. 41. no. 261 (Winter 2011). Ribbhagen, Christina. Technocracy within Representative Democracy: Technocratic Reasoning and Justification among Bureaucrats and Politicians. Gothenburg: University of Gothenburg, 2013. Royle, Stephen. "Above all, a Prime Minister for Palestinian Unity?" The Foreign Policy Center. FPC Briefing. May 2, 2014. at: https://goo.gl/fp45fv "Statement by the UN Humanitarian Coordinator in the oPt, Robert Piper, on the rapidly deteriorating humanitarian situation in Gaza." OCHA. June 2017. at: https://goo.gl/PYvgY6 Tartir, Alaa. "Why PA's new prime minister heads a papier-mâché government." The Electronic Intifada. June 19, 2013. at: https://goo.gl/j46rWR UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory. Geneva: UNCTAD, 2017.