ملكية وسائل الإعلام وتأثيرها في استقلالية المحتوى الصحفي: السودان نموذجًا

Ownership of Media and the Impact on the Independence of Journalistic Content: the Case of Sudan

ندى أمين| Nada Amin *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة على نحوٍ منهجي العلاقة الوثيقة بين الدور الوظيفي للإعلام وملكية وسائل الإع ماا. وتتعلق إشكالية الدراسة بمحتوى الصحافة الورقية اليومية، من حيث استقلالية الرسالة الإعلامية وحياديتها وحرية التعبير. وبما أن فرضية الدراسة تزعم وجود علاقة ارتباطية بين ملكية الصحف والمضمون الصحفي، فإنها تهدف إلى البحث والتنقيب عن إشكالية المضمون الصحفي المتعلقة بملكية الصحف الورقية، وتأثير نفوذ الملكية في تحديد القرارات التحريرية للمؤسسات الصحافية في إطار الاقتصاد السياسي للإعلام في السياق السوداني. رصدت الدراسة المضامين الصحفية، وربطت نتائج الرصد بملكية الصحف والهياكل التحريرية ونفوذ رأس المال السياسي بشقيه الحكومي والخاص. واستخلصت أن وجود صحافة تعددية لا يتناقض مع الملامح الكلاسيكية المحددة للنموذج السلطوي الذي سيقت إليه الصحف السودانية كافة، من حيث ولاؤها للسلطة الحاكمة، حتى لو كان ولاءً زائفًا أو غير مرغوب فيه في حالة الصحف الخاصة المستقلة.

Abstract

This paper methodically studies the relationship between the functions of media organizations and their ownership. The material examined by the author is the content of daily Sudanese newspapers; the hypothesis being tested, from the prism of political economy, is whether or not there is a direct correlation between the ownership of a newspaper and the bias in its content. The paper begins with a survey of editorial content from several Sudanese newspapers and explores the influence of both private sector and public sector funding on their editorial content. The author concludes that despite the presence of a diverse media environment in Sudan, a classically authoritarian power structure reigns over the Sudanese media. This remains true even in the case of privately owned, independent papers, where the loyalty paid by the media owners to the government is not desired.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

تستمد هذه الدراسة أهميتها من أهمية الموضوع الذي تتناوله. وقد تكون الوحيدة في الشأن الإعلامي السوداني من حيث مقاربتها بأسلوب منهجي العلاقة الوثيقة بين الدور الوظيفي للإعلام وملكية وسائل الإعلام. وقد ركزت الدراسات الإعلامية السابقة في السودان، على قلتها، على الجوانب السياسية والتشريعية والاجتماعية والثقافية، مع إغفالٍ تامٍ للجوانب الاقتصادية التي تكتسب أهمية متزايدة في عالم اليوم؛ نسبة إلى هيمنة الجانب الاقتصادي وتأثيره في بقاء أي وسيلة إعلامية أو فنائها. وهناك بعض المقالات والكتابات المتفرقة في هذا المجال، ولكنها مجزأة وتناولت بعدًا واحدًا في كل مرة، وكانت في الغالب غير متعمقة وقائمة على أحداث أو حالات معينة تتعلق بارتفاع مدخلات الطباعة أو انخفاض أرقام توزيع الصحف مثلً. وتتعلق إشكالية الدراسة بالمحتوى الصحفي من حيث استقلالية الرسالة الإعلامية وحياديتها وحرية التعبير. ويمكن رد هذه الإشكالية عادة إلى أسباب مختلفة، ولكن لتحقيق غرض هذه الدراسة نتناول جانب ملكية الصحافة الورقية وكيفية تأثيرها في المحتوى الصحفي. وبما أن فرضية هذه الدراسة تزعم وجود علاقة ارتباطية بين ملكية الصحافة الورقية والمضمون الصحفي، فإنها تهدف إلى البحث والتنقيب عن إشكالية المحتوى الصحفي المتعلقة بملكية الصحافة الورقية، ونفوذ الملكية في تحديد القرارات التحريرية للمؤسسات الصحافية في إطار الاقتصاد السياسي للإعلام في السياق السوداني، والذي يُعدّ فرعًا متخصصًا في الدراسات الإعلامية التي تدرس فهم العلاقة المركزية للإعلام في ظل الاقتصاد الأوسع والنظام السياسي السائد. وتتبنى الدراسة فرضية أن لملكية الصحافة الورقية قوة وسطوة تمكنانها من التأثير في السلوك الإعلامي؛ بما يضمن توافق المنتج الصحفي مع رغبات الملاك؛ من جهات حكومية أو خاصة. لذلك تتبع الدراسة نهج الاقتصاد السياسي للإعلام بعنايتها في المقام الأول بمعرفة علاقات القوة (الاقتصاد والسياسة) وإدراكها وتفكيكها وتحليلها وتأثيرها في الدور الوظيفي لوسائل الإعلام وفي نقل الأخبار والمعلومات من الإعلام إلى الجمهور. وتماشيًا مع الاهتمام العالمي المتزايد حاليًا بمراقبة محتوى وسائل الإعلام، تهدف الدراسة، استنادًا إلى الأدلة والبراهين، إلى التعريف بكيفية تأثير الملكية في تأطير مساحات الاستقلالية والحيادية في المضمون الصحفي، بالتركيز على التجربة السودانية، مع عرض نماذج وافية لدول أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وروسيا وأستراليا والهند، ودول عربية مثل مصر والمملكة العربية السعودية. كما تسلط الدراسة الضوء، مستعينة بدراسات أجريت في بلدان مختلفة، على تأثير احتكار السلطة الإعلام، وارتباطه بتدني النتائج المترتبة على ذلك في ما يتعلق باستقلالية التعبير والحريات العامة، وحقوق الإنسان ومؤشرات الصحة والتعليم، وآليات المساءلة الحكومية والمحاسبة ومحاربة الفساد.

من هذا المنطلق ونسبة إلى الأهمية المتعاظمة التي يكتسبها الإعلام يوميًا، وتزايد سطوته في تشكيل الرأي العام وتوجيه مساراته، تفرض مجموعة من التساؤلات الحاسمة نفسها في ما يتعلق بهيكلية الصحافة الورقية وملكيتها في السودان. مثلً، كيف تُنظم الصحف الورقية على النحو الأمثل من أجل تمكينها من تحقيقٍ أفضل لوظائفها التنويرية والرقابية؟ ويرتبط هذا السؤال بدوره مباشرة بمسألة ملكية وسائل الإعلام أي: أيكون من الأفضل للصحف والمحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية أن تكون مملوكة للحكومة أم للقطاع الخاص؟ وهل يجب أن تنظَّم الممارسة الإعلامية بأطر وقوانين تكرس الاحتكار؟ أم هل تنظَّم بأطر وقوانين تشجع على التنافسية والتعددية؟ وقد اتبعت الدراسة النهج الوصفي التحليلي بمساعدة الأدوات الملائمة من تحليل مضمون صحف سودانية يومية مختارة والمقابلات الشخصية والملاحظة، للعمل على إثبات فرضية تأثير الملكية أو نفيها، وذلك برصد المضامين الإعلامية، وربط نتائج الرصد بملكية الصحف الورقية والهياكل التحريرية ونفوذ رأس المال السياسي بشقيه الحكومي والخاص. وتوصلت الدراسة إلى عدة نتائج أهمها أن ملكية الصحافة الورقية في السودان ليست لديها القدرة وحدها على أن تمثّل أداة مفصلية للتحكم في حرية النشر والتعبير، واستقلالية محتوى الرسالة الإعلامية؛ إذ يتضح من خلال هذه الدراسة أن المؤسسة السياسية في السودان بمختلف فروعها السياسية والتنظيمية والقانونية والأمنية والاقتصادية، وليست الملكية، هي الجهة الرئيسة التي تمارس السيطرة على السلوك الإعلامي الذي عادة ما يَنتج منه مضمون صحفي محدد.

وعلى الرغم من أن إشكالية الحرية الإعلامية في السودان قديمة، فإن هذه الورقة تركز على النظام السياسي الحاكم حاليًا، ممثلً في حزب المؤتمر الوطني الذي جاء إلى السلطة منذ عام 1989، مع بعض الإضاءات على فترات حكم سابقة كان لها انعكاساتها على واقع الإعلام السوداني اليوم.

أولًا: الإطار النظري للدراسة

1. منهج الدراسة

بوصف علم الاتصال والإعلام أحد فروع علم الاجتماع، فإن هذه الدراسة ستخضع للبناء المنهجي لعلم الاجتماع؛ فتطبق منهجية الوصف التحليلي المستمدة من مناهج علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة الظواهر، ومن ثمّ تعتمد في منهجها على النهج الوصفي التحليلي وتستخدم الأدوات الملائمة لذلك، مثل الملاحظة والمقابلات وتحليل المضمون. وتُعدّ طريقة تحليل المضمون أداة رئيسة لرصد الأخبار والمضامين الصحفية التي وردت في الصحف المختارة لهذه الدراسة ووصفها وتحليلها. أما بالنسبة إلى أداة الملاحظة، فقد اعتمدت على البحث والمقارنة بين الصحف الورقية اليومية في السودان، انطلاقًا من شبهة وجود علاقة ارتباطية بين ملكية الصحافة الورقية والمضمون الصحفي؛ إذ استخدمت هذه الشبهة للبناء عليها للوصول إلى نتائج تنفي هذه العلاقة أو تؤكدها بغرض صياغة تعميمات علمية.

2. أسئلة الدراسة

تحاول هذه الدراسة استجلاء الأسباب الحقيقية التي حالت دون وجود صحافة حرة في السودان ومعرفتها، وذلك بالتركيز على الصحافة الورقية اليومية. ولأن فرضية هذه الدراسة تزعم وجود علاقة ارتباطية بين ملكية الصحافة الورقية والمضمون الصحفي، فهي تسعى لإيجاد إجابات لتأكيد هذا الزعم أو نفيه من خلال الأسئلة التالية: هل في المضمون الصحفي إشكالية متعلقة بمعايير الحيادية والاستقلالية وحرية التعبير؟ هل هذه الإشكالية، إن وجدت، ناتجة من وجود علاقة ارتباطية بين ملكية الصحف والمضمون الصحفي؟ هل تؤدي هذه العلاقة الارتباطية بين ملكية الصحف والمضمون الصحفي، إن وجدت، إلى تأثير سلبي في استقلالية المضمون الصحفي؟ هل يجب أن تنظَّم الم رااسة الإعلامية بأطر وقوانين تكرس الاحتكار؟ أم هل تنظَّم بأطر وقوانين تشجع على التنافسية والتعددية؟ هل تضمن تعددية ملكية الصحف تنوع المضمون؟ كيف يمكن المقارنة بين الصحف الحكومية أو الصحف الموالية للحكومة والصحف الخاصة المستقلة، في تغطية القضايا الحساسة والأحداث الساخنة (الاحتجاجات الشعبية، والفساد، والانتخابات مثلً)، إن خضعت هذه الصحف لمثل هذا التصنيف؟ هل يطغى نفوذ المؤسسة السياسية في السودان على نفوذ الملكية، من حيث السيطرة على السلوك الإعلامي، والذي عادة ما ينتج منه مضمون صحفي محدد؟ أم هل العكس هو الصحيح؟ هل يساهم نوع ملكية الصحف في زيادة الرقابة المؤسسية للصحف والرقابة الذاتية للصحافيين؟

3. فرضيات الدراسة

تُبنى هذه الدراسة على الفرضية الرئيسة التي تزعم وجود إشكالية في المضمون الصحفي للصحف الورقية اليومية في السودان، تتّصل بمعايير الاستقلالية والحيادية وحرية التعبير. ويقود هذا بدوره إلى فرضيات فرعية أخرى متعلقة بماهية الأسباب التي تؤدي إلى هذه الإشكالية، والتي قد تكون عديدة. منها على سبيل المثال أنها قد تنشأ نتيجة التودد والولاء للسلطة الحاكمة في حالة الصحف الموالية للسلطة، أو الخوف من إزعاجها وعقابها في حالة الصحف المستقلة؛ ما يُنتج مضمونًا صحفيًّا مؤيدًا لما تقوم به السلطة أو غير ناقد لها في أحسن الأحوال. كما تزعم فرضيات أخرى أن هذه الإشكالية قد يكون مردها إلى الضغوط والمؤثرات التي تتحكم في بيئة العمل الإعلامي، أو تبنّي المؤسسة الصحافية أسلوب الرقابة المؤسسية، وتبنّي الصحافيين أسلوب الرقابة الذاتية نتيجة الضغوط التي تفرضها عليهم المؤسسة السياسية. وبينما تناقش الدراسة هذه الفرضيات مجتمعة، فإنها وللإيفاء بغرضها تركّز على فرضية العلاقة الارتباطية بين ملكية الصحافة الورقية والمضمون الصحفي، بوصفها واحدة من المؤثرات الرئيسة في استقلالية المنتج الصحفي. وتتبنى الدراسة أيضًا الرأي القائل إن لملكية الصحف قوة وسطوة تمكنانها من التأثير في السلوك الإعلامي، بما يضمن توافق المنتج الصحفي مع رغبات الملاك، من جهات موالية للسلطة الحاكمة أو جهات خاصة مستقلة. كما أن الدراسة

تفترض أيضًا أن نفوذ المؤسسة السياسية الموجه إلى الخط التحريري للمؤسسة الصحافية غالبًا ما يطغى على نفوذ الملكية في تحديد القرارات التحريرية للمؤسسات الصحافية.

4. تحديات الدراسة

أكبر تحدٍّ واجه هذه الدراسة هو كيفية التصنيف المنهجي للصحف الورقية اليومية في السودان بحسب الملكية. فملكية وسائل الإعلام عمومًا والصحف الورقية خصوصًا ليست شفافة. وعلى الرغم من أنه من المعروف لدى كثير من المراقبين للمشهد الإعلامي في السودان أن هنالك صحفًا تم شراؤها، سرًّا أو علنًا بواسطة جهات حكومية أو بواسطة الموالين للحزب الحاكم؛ ما انعكس على توجهاتها التحريرية المؤيدة تأييدًا مطلقًا للحزب الحاكم وسياساته، فإنه من الصعب تصنيفها في الوقت ذاته على أنها حكومية. كما أنّ هناك صحفًا خاصة مستقلة أسسها أفراد وتنتهج خطًّا تحريريًّا مستقلً عن السلطة؛ ما يتيح لها العمل باستقلالية غالبًا ما تنعكس على مضمونها الصحفي. ويظهر هذا جليًّا في تعرضها لهجوم مستمر من السلطة، مثل صحف التيار والجريدة والأيام. وقد توقفت الأخيرة في كانون الثاني/ يناير.2018 وبغرض إنجاز هذه الدراسة تم الاتصال بالمجلس القومي للصحافة والمطبوعات، بصفته الجهة المسؤولة عن إصدار تراخيص الصحف، للحصول على معلومات دقيقة تمكن من تصنيف الصحف الورقية اليومية بحسب الملكية. وقد جاءت الإفادة أنه ليست هناك أي صحف مسجلة بأنها حكومية حاليًا، وكل الصحف مصنفة لدى المجلس بأنها خاصة، سُجّلت بصفتها شركات بحسب مقتضيات قانون الصحافة والمطبوعات لعام 1996. وقد ألزم نص هذا القانون الصحف بأن تصدر عن شركات صحافية تُسجَّل وفقًا لأحكام قانون الشركات لسنة 1925 بصفة شركات مساهمة عامة. لذلك ستكتفي هذه الدراسة بتصنيف الصحف اليومية إلى صحف خاصة موالية للحكومة وصحف خاصة مستقلة؛ وذلك بحسب ملاحظة النهج التحريري ومضامين كل صحيفة، ومدى رضا السلطة عنها في ما يتعلق بعدم تعرضها للمصادرة أو المحاسبة والعقاب. وكذلك بحسب الإفادات التي حصلت عليها هذه الدراسة من خلال آراء الخبراء في المقابلات الشخصية، أو من خلال بعض التقارير الصحافية. ولعل هذا يقودنا مباشرة إلى الإشارة إلى مقال محمد عثمان إبراهيم، وقد أشار فيه إلى قانون الصحافة والمطبوعات لعام 1996، الذي "ألزم المؤسسات الصحافية بالتحول إلى شركات، حيث بدأت مسيرة العبث والاحتيال على القانون وفقًا لشروط القانون نفسه. فالشركات التي أنشئت كحواضن للصحف ليست شركات حقيقية في الغالب، وإنما هي أسماء زائفة لشركات استوجب تأسيسها القانون. وبسبب هذا النص القانوني، أصبح حزب المؤتمر الوطني الحاكم يسيطر على جميع منافذ الإعلام الحكومي في العاصمة والولايات، ويملك بشكل مباشر عددًا من المنافذ المسجلة احتيالً على روح القانون كشركات خاصة". وقد أشار كاتب المقال إلى فشل أغلب هذه الصحف، وعزا هذا الفشل إلى أنه "لم تكن لهذه الصحف أجندة لخدمة التنوير والجمهور وتوفير المعرفة والمعلومة والترفيه. كلما غرقت صحفهم أغرقوا أنفسهم بالحوافز والمغانم، ثم تحدثوا عن منافسة الإعلام الرقمي وانتهاء عهد الصحافة الورقية"1.

5. دراسات سابقة

تشغل وسائل الإعلام حيزًا كبيرًا في حياة الناس واهتماماتهم اليومية؛ ذلك أن لها تأثيرًا ونفوذًا بالغًا في ما يتداولونه في مجالسهم وفي ما يتخذونه من قرارات. كما أن لها مقدرة هائلة على تشكيل الرأي العام، من حيث قبوله أو رفضه الكيفية التي تدير بها الحكومات الشأن العام. وترجع علاقة الشد والجذب المستمرة بين الإعلام والسلطة لما يملكه الإعلام من سطوة كبيرة في التأثير في الرأي العام، وترغيبه في قضية معينة أو رفضه لها. "ولعل اعتقاد كثيرين بمقدرة الإعلام على الإقناع وتغيير الأفكار وتوجيه السلوكيات له ما يبرهنه، وذلك من دلائل الأموال الطائلة التي تنفق على المستوى العالمي سنويًّا على الدعاية والإعلان، والترويج للأفكار والسلع والخدمات عبر الوسائل الإعلامية المختلفة"2. من هذا المنطلق ونسبة إلى الأهمية المتعاظمة التي يكتسبها الإعلام يوميًا، تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها في ما يتعلق بهيكلية وسائل الإعلام وملكيتها. مثلً، كيف يمكن تنظيم الأداء الإعلامي؟ أيكون من الأفضل للصحف والقنوات الإذاعية والتلفزيونية أن تكون مملوكة للدولة أم للقطاع الخاص؟ وهل يجب أن تُنظَّم الممارسة الإعلامية بأطر وقوانين تكرس الاحتكار؟ أم هل تُنظَّم بأطر وقوانين تشجع على التنافسية والتعددية؟ لذلك تُعدّ ملكية الأجهزة الإعلامية واحدة من الركائز الأساسية للجانب الاقتصادي لوسائل الإعلام، وقد اكتسب أهمية متزايدة في الفترة الماضية؛ إذ كان ينصبّ الحديث سابقًا على الجوانب القانونية والتشريعية والاجتماعية والثقافية لأداء الأجهزة الإعلامية. "ولكن في عالم اليوم، وبشكل متصاعد، تزداد هيمنة الاقتصاد على أداء واستمرارية أي مؤسسة إعلامية، في ما يعرف باقتصاديات الإعلام من مدخلات إنتاج وسوق إعلانية ومستثمرين ومستهلكين من قراء ومستمعين ومشاهدين"3.

  1. محمد عثمان إبراهيم، "قصة الإعلام الخاسر"، السوداني،.2018/1/11
  2. ندى أمين، "الإعلام التنموي وبرجوازية التحيز"، السوداني،.2015/2/22
  3. ندى أمين، "الصحافة الورقية والإعلام الرقمي: تنافس أم تعايش؟"، الجزيرة نت، 2017/10/2، شوهد في 2018/3/9، في: http://bit.ly/2DUvqno

والواقع أن بعض النظريات تؤيد ملكية الدولة الأجهزة الإعلامية مقابل الغالبية من الأصوات التي تنادي بضرورة استقلالية هذه الأجهزة عن الدولة بما يضمن حياديتها، بصفتها سلطة رابعة قائمة بذاتها وليست تابعة. فقد أشار فلاديمير لينين في هذا السياق إلى أن "ملكية الدولة أجهزة الإعلام ضرورة؛ لأنها تحمي العامة من المصالح الخاصة أو الأفكار المتطرفة في حال آلت ملكية هذه الأجهزة إلى أفراد"4. "ومن المثير للاهتمام أن مثل هذه الحجج قدّمتها لاحقًا إدارة هيئة الإذاعة البريطانية، دعمً لإبقاء احتكار الإذاعة والتلفزيون في بريطانيا مدعومًا من القطاع العام، وتكرر ذلك في كثير من البلدان النامية"5. في مقابل ذلك، ترى الأصوات التي تدعو إلى استقلالية الوسائل الإعلامية أنه كلما بعدت هذه الوسائل عن سطوة الدولة، يكون الدور الوظيفي للإعلام أقوى نفوذًا وفائدة. ويأتي هذا من إيمانهم بأن "الوسائل الإعلامية المملوكة للقطاع الخاص تتبنى دائمًا وجهات نظر مختلفة وعديدة يمكن أن يثُرى بها المحتوى الإعلامي، ومن ثمّ ترفد العامة بمعلومات تساعدهم في اتخاذ قراراتهم بصورة أفضل بعيدًا عن التسلط الحكومي"6. على سبيل المثال، "على الصعيد الاقتصادي توفر هذه الوسائل معلومات تساعد المواطنين والمستهلكين والمستثمرين على فهم حركة الأسواق وجودة السلع وخيارات الاستثمار وغيرها. من الناحية السياسية، وفي وقت الانتخابات مثلً، غالبًا ما تنتهج الأجهزة الإعلامية المملوكة للدولة نهجًا متحيزًا وغير محايد في إعطاء زمن أكبر من خريطتها البرامجية إلى مرشحي الحزب الحاكم، مع ميلها إلى تغطية شخصية المرشح وبرنامجه الانتخابي بصورة مثلى"7. ويتناقض هذا بالطبع مع اللوائح التي تنظم العملية الانتخابية. كما أكد تيموثي بيسلي وروبن بيرجس تأثير الإعلام الحر المتطور في سلوك الحكومات، وذلك بتحفيز الاستجابة الحكومية للقضايا التي يثيرها الإعلام. وقد ركزا في دراستهما على التجربة الهندية بتسليط الضوء على كيفية تغطية الصحف الأزمات المحلية في الهند، خاصة وسط الشرائح الضعيفة والمهمشة؛ ما يحفّز الحكومة على اتخاذ القرارات والسياسات العامة لاحتواء هذه الأزمات8. وبالمثل، في عدة حالات ترتبط ملكية الأسر للإعلام ارتباطًا وثيقًا بالدولة التي لا يمكن عدّها مستقلة. ففي كازاخستان، يشغل رئيس واحد هذا المنصب منذ استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفياتي في عام 1990؛ إذ تسيطر ابنته وزوجها على سبع من اثنتي عشرة من أكبر وسائل الإعلام في البلاد9. وقد جاء في دراسة أصدرتها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وهي منظمة مجتمع مدني مصرية، تفسير لأسباب سيطرة المملكة العربية السعودية وتحكمها في الإعلام العربي، أو نسبة كبيرة منه، عبر ملكية وسائل إعلامية كاملة من صحف وقنوات إخبارية ومحطات فضائية ترفيهية. وتجيب الدراسة عن عدد من التساؤلات المرتبطة بأسباب إنفاق المال السعودي على الإعلام العربي منها: "هل الأمر هو مجرد استثمار أم أن له أهدافًا أخرى مثل الترويج لرؤى سياسية معينة؟ وهل وسائل الإعلام المملوكة لرجال أعمال أو أمراء سعوديين تقوم بدور إعلامي موضوعي أم أنها تستهدف تمرير رسائل معينة؟"10. وتتناول الدراسة العلاقة بالقطاع الخاص المالك لوسائل الإعلام؛ ذلك أن القطاع الخاص في المملكة يمتلك نظريًّا جميع الصحف الصادرة هناك، ولكن عمليًّا تخضع تلك الصحف لسيطرة السلطة في المملكة. كما ناقشت الدراسة أسباب صدور جريدتي الشرق الأوسطوالحياة في لندن وليس في السعودية، والفارق بينهما وبين الصحف السعودية التي تصدر داخل السعودية. واستعرضت في محور التلفزيون أسباب احتلال الفضائيات السعودية الصدارة، رغم تأخر البث التلفزيوني في المملكة؛ فقد بدأ البث الرسمي للتلفزيون هناك عام 1965، وأسباب انطلاق الفضائيات السعودية كافة من خارج المملكة. وأشارت الدراسة إلى "أهم أصحاب الإمبراطوريات الإعلامية السعودية المسيطرة على الإعلام العربي، وعلى رأسهم وليد الإبراهيم مالك قنوات إم بي سي والعربية والحدث وشاهد، والوليد بن طلال مالك قنوات روتانا والرسالة". ويرى عبد الوهاب البقالي أن "الإعلام العربي وجد نفسه بجميع أنواعه وألوانه منذ عقود من الزمان خاضعًا لسيطرة الحكومات لأن الحكومات العربية تريد إعلامًا للدعاية والترويج لأفكارها ومواقفها وخياراتها وتمرير رسائلها، إعلامًا للحشد والتعبئة لبرامج غير ذات مصداقية ولا فعالية"11. وقد خلصت دراسة للبنك الدولي، أجريت في 97 دولة حول العالم، أن ملكية الإعلام تتركز بصورة أساسية في أيدي الحكومات أو الأسر

  1. Vladimir Lenin, "On the Freedom of the Press," Labour Monthly , vol. 7, no. 4 (1925), pp. 35 - 57.
  2. Anoush Begoyan, "State Versus Private Ownership: A Look at the Implications for Local Media Freedom," Article 19, "Freedom of Expression in the Local Press, the Rules of Free Competition and Media Pluralism," Conference convened under the Observatory of the Freedom of Media in Poland, October 2009, p. 5.
  3. Timothy Besley & Andrea Prat, "Handcuffs for the Grabbing Hand? Media Capture and Government Accountability," Centre for Economic Policy Research (CEPR), Discussion Paper no. 3132, London, 2002.
  4. Ibid.
  5. Timothy Besley & Robin Burgess, "The Political Economy of Government Responsiveness: Theory and Evidence from India," The Quarterly Journal of
  6. Begoyan, p. 7.
  7. إعلام الأمراء: دراسة تستعرض كيف تسيطر السعودية على الإعلام العربي"، العربي الجديد، 2017/8/27، شوهد في 2018/7/2، في: http://bit.ly/2HfN7vT 11 عبد الله البقالي، "تحرير الإعلام العربي من الاحتكار الحكومي"، ورقة مقدمة في المؤتمر العاشر لاتحاد الصحافيين العرب، القاهرة،.2004
  8. Economics , vol. 117, no. 4 (Nov., 2002), pp. 1415-1451, SSRN, accessed on 3/7/2018, at: https://bit.ly/2IFaJdE

الكبيرة12. ومن أهم النتائج التي توصلت إليها أن الدول والأسر تمتلك نصيب الأسد من المؤسسات الإعلامية؛ ذلك أن 4 في المئة فقط من هذه المؤسسات لديها هياكل ملكية أخرى. وتسيطر الأسر على 57 في المئة من ملكية الصحف، و 34 في المئة من ملكية القنوات التلفزيونية. بينما تمتلك الدول أيضًا حصصًا ضخمة تعادل تقريبًا 29 في المئة من الصحف، و 60 في المئة من القنوات التلفزيونية، و 72 في المئة من المحطات الإذاعية. وعلى هذا الأساس، قسمت الدراسة أنماط الملكية إلى ثلاثة أنواع: ملكية الدولة، والملكية الخاصة، وهياكل ملكية أخرى متمثلة في الأفراد أو شركات المساهمة العامة13 (الشكل). 1 ويشير هذا إلى الدور المتنامي للإعلام والفوائد التي يجنيها الملاك، ومن أهمها النفوذ والسيطرة السياسية والشهرة والعائد المادي، التي يمكن اكتسابها من خلال ملكية الأجهزة الإعلامية، ومن ثمّ ضمان التحكم في المضمون والأجندة التي تشكل الرأي العام. وأكّدت دراسة البنك الدولي نفسها العلاقة الوثيقة بين استقلالية الإعلام والحريات العامة وحقوق الإنسان. كما خلصت إلى أن ملكية الحكومة وسائل الإعلام عادة ما تكون مرتبطة بالحصول على أدنى النتائج الاقتصادية والاجتماعية، في ما يتعلق بمؤشرات الصحة والتعليم؛ لأن تعدد الملكية والحرية في نشر المعلومات يحسن الدور الرقابي المستقل للإعلام. وذكرت الدراسة أنه "من المعروف أن عددًا من القرارات المتخذة في المجال السياسي له نتائج اقتصادية، لذلك فإن نشر المعلومات في التوقيت الأفضل ينتج منه تقسيم أفضل وفعال للموارد"14. كما توصلت دراسة أندريا برات وديفيد سترومبريغ إلى نتيجة مقاربة، حيث ناقشت الصلة بين أنماط ملكية وسائط الإعلام وتعدديتها مقارنة بنتائج السياسات العامة للدولة. وخلصت إلى أن "البلدان التي بها ملكية حكومية أكبر لوسائل الإعلام لديها صحافة حرة أقل، وانخفاض في الحقوق السياسية للمواطنين، وحوكمة رديئة، وأسواق رأس المال الأقل نموًّا، ونتائج صحية وتعليمية منخفضة"15. كما أن منظمة الشفافية الدولية قد ذكرت أيضًا "أنه حينما تكون أغلب وسائل الإعلام مملوكة للدولة، يمكن أن تمارس الحكومة نفوذًا قويًّا وتراقب المحتوى، وتمنع التحقيقات في القضايا البارزة وحالات الفساد الحكومي، وتهدّد عمومًا حيادية التغطية الإعلامية. لذلك يمكن القول إن البلدان التي فيها ملكية حكومية أكبر لوسائل الإعلام لديها ضعف في المؤسسات العامة ووسائل المساءلة الحكومية والمحاسبة ومحاربة الفساد"16. ويوضح الشكل (2) أكثر البلدان التي فيها معدلات فساد عالية، والتي في الوقت نفسه فيها حريات إعلامية أقل. بينما يذكر محمد فريد عزت جوانب تأثير مالك الصحيفة في إدارتها؛ فهو "يحدد سياستها التحريرية، ويقوم بالإشراف على تعيين المسؤولين عن هيئة التحرير ويحدد الميزانية. لذلك تصبح نوايا المالك الحقيقية سواء أكانت الدولة أو فردًا هي التحكم في سياسة تحرير الصحيفة بغض النظر عن كل ما يقال بخلاف ذلك. وعليه تكتسب دوافع المالك وراء امتلاك المؤسسة الإعلامية أهمية قصوى"17. ويصف الأستاذ محجوب محمد صالح رئيس تحرير صحيفة الأيام سابقًا، والتي توقفت عن الصدور هذا العام (2018) بعد ما يقارب خمسة وستين عامًا، الصحافة في يد الدولة بأنها بدعة. فعند بداية نشأة الصحافة كان هذا نهجًا معروفًا، لكن تم تجاوزه منذ وقت طويل. ويضيف أن "العالم الثالث ارتد لهذه البدعة نتيجة سيطرة الحكومات الشمولية. والأصل في النظام الديمقراطي هو الملكية الخاصة للصحف. وعن تأثير الملكية الخاصة على حرية التعبير فإنه في التجربة السودانية نادر الحدوث لكنه خطر موجود لا بد من التحسب له لأن الواقع الصحفي تحدث فيه كل هذه المخاطر. ودائمًا الضمان ضد التغول هو تقوية مؤسسات الصحافيين ومنظمات حرية التعبير وبناء تقاليد راسخة للعمل الصحافي تضمن أن يكون الإعلام منبرًا مفتوحًا وفق ضوابط ومواثيق العمل الصحافي"18. وفي السياق نفسه أشار عيسى عبد الباقي إلى هذه الحقائق بالقول: "إن هنالك علاقة اعتماد متبادل بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي وكلاهما يهدف إلى ترسيخ نمط اجتماعي يسود المجتمع ويُعدّ هو مصدر التغيير في الثقافة ولا يسمح بأي تغيير إلا في ضوء ما يخدم العلاقة بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي. ومن هنا فإن وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية هما أهم أداتين لاستمرار النمط الاجتماعي المسيطر وتظل هذه الوسائل غير قادرة على الإفلات من هيمنة القوى المسيطرة لأنها مصدر شرعيتها وحمايتها ومصدرها الإعلامي والإخباري الذي يوفر لها القدرة على الاستمرار"19.

  1. Simeon Djankov et al., "Who Owns the Media?" World Bank and Harvard University (6/2001), p. 17.
  2. Ibid., pp. 18 - 19.
  3. Ibid., p. 52.
  4. Andrea Brat & David Strömberg, "The Political Economy of Mass
  5. Mariana Sosa Cordero, "Three Ways to Fight Corruption in the Media," Transparency International, 18/11/2016, accessed on 2/7/2018, at: https://bit.ly/2ILapd8
  6. محمد فريد عزت، إدارة المؤسسات الإعلامية (القاهرة: دار العربي للنشر والطباعة والتوزيع، 1994)، ص.78
  7. ملكية الصحف وأثرها على حرية التعبير"، موقع صحفي، 1970/11/11، شوهد في 2018/3/2، في: https://bit.ly/2tJ6usJ 19 عيسى عبد الباقي، الصحافة الاستقصائية وصناعة القرار السياسي (القاهرة: دار العلوم للنشر والتوزيع، 2014)، ص.28 الشكل (1) ملكية الصحف والتلفزيون المصدر: "Who Owns the Media?" World Bank and Harvard University (June 2001), p. 52. الشكل (2) مؤشر إدراك الفساد لعام 2014: نتائج المصدر: "Corruption Perceptions Index 2014: Results," Transparency International, accessed on 2/7/2018, at: https://bit.ly/1AgRivL
  8. Media," Centre for Economic Policy Research (CEPR), Discussion Paper no. DP8246, 26/11/2013, p. 13.

6. نماذج لتجارب إعلامية عالمية متعلقة بالملكية وعلاقتها باستقلالية الأداء الإعلامي

على النقيض مما قد يعتقده كثيرون، فإن الممارسة الإعلامية في المجتمعات الديمقراطية والمجتمعات غير الديمقراطية متقاربة، في معالجة الأخبار وفلترتها لعكس مضمون معيّ، على الرغم من تباعدها الظاهري في الأدوات المستخدمة للوصول إلى غاياتها. فحتى في الدول المتقدمة التي تتمتع بمناخ إعلامي يتميز بالحرية والتعددية، تستحوذ الملكية على نفوذ بالغ على قرارات التحرير. فعلى سبيل المثال، هنالك أباطرة مالكون للإعلام على المستوى الدولي لديهم مقدرة هائلة على التأثير في أجندة الأخبار، مثل الملياردير الأسترالي الأميركي روبرت مردوخ الذي يعدّ قطبًا من أقطاب التجارة والإع ماا الدولي، وهو مؤسس ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للشركة القابضة للإعلام الدولي "نيوز كوربوريشن" Corporation News، التي تعدّ ثاني أكبر تكتل لوسائل الإعلام في العالم. ويسيطر مردوخ على ثلثي سوق الصحف في أستراليا، فضلً عن ثلث السوق في بريطانيا من خلال ملكية ثلاث من أكبر الصحف اليومية البريطانية، واثنتين من أكثر صحف طبعة الأحد الأسبوعية توزيعًا20. وتوسّع أيضًا في السوق الأميركية بشرائه شبكة تلفزيون فوكس الإخبارية المعروفة بمناصرتها المطلقة لإسرائيل وعدائها الشديد للقضية الفلسطينية، والتي يأمل من خلالها تبني نهجه اليميني في صناعة الأخبار الذي يوصف بالمتشدد، إضافة إلى احتكاره عددًا من شبكات البث الفضائي في آسيا وأميركا الجنوبية التي وصل عدد مشاهديها إلى نحو 220 مليون مشاهد في آسيا وحدها21. وبحسب الصحافي ساشا أبرامسكي، فإن مردوخ "يستخدم السلطة التي أتاحتها له ملكيته وسائل إعلام بريطانية رئيسة في صنع السياسيين البريطانيين، أو في تحطيمهم ما لم يكونوا على نهجه". فعلى سبيل المثال، "أعطت صحف مردوخ مارغريت تاتشر 'تغطية صحفية متوهجة' طوال فترة حكمها بوصفها رئيسة وزراء بريطانيا. وعلى إثرها تلقى مردوخ وسام الفروسية من الدرجة الأولى، ويُعدّ بهذا واحدًا من القلائل من غير المواطنين البريطانيين الذين تحصلوا عليه. وفي مقابل ذلك حصلت تاتشر على عقد كتاب 'مربح للغاية' من دار نشر مردوخ (هاربر كولينز) بقيمة 4.5 ملايين دولار". وقال أبرامسكي: "إن صحف مردوخ تعارض باستمرار نقابات العمال والبرامج الاجتماعية التقدمية [...] في حين تدعم عقوبة الإعدام وخفض الضرائب والسياسات الخارجية المتشددة"22. وبهذا المعنى، تتمتع وسائل الإعلام بسلطة هائلة على الانتخابات الوطنية؛ لأن المرشحين المدرجين في جدول أعمال وسائط الإعلام لديهم فرصة للفوز أكثر من الذين يتم تجاهلهم. تلك القضايا الشخصية أو المتعلقة بالسياسات، والتي تُسلّط عليها الأضواء إعلاميًّا، تصبح معايير لقياس المرشحين. فعندما يحصل المرشحون على دعاية كثيفة و"مواتية" تزدهر حملاتهم23. ولعل هذا الحديث يمكن إسقاطه بصورة مباشرة على حال انتخابات السودان عام 2015؛ فعند بداية الاقتراع لاختيار رئيس وبرلمان جديدين للسودان، برزت اتهامات موجهة في أغلبها إلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم باستغلال موارد الدولة وإعلامها وتجييرها لمصلحة مرشحه الرئيس عمر البشير. وصوّب منافسون على مقعد رئاسة الجمهورية اتهاماتهم المباشرة نحو مفوضية الانتخابات، واصفين إياها بعدم الحياد والعمل إعلاميًّا لمصلحة مرشح المؤتمر الوطني الحاكم. وشكا بعض المرشحين الرئاسيين قصورًا في تغطية وسائل الإعلام الرسمية برامجهم الانتخابية، مع عدم إعطائهم مساحات زمنية كافية لشرح برامجهم "وبثها ساعة ذروة المشاهدة"، كما هي الحال مع مرشحي الحزب الحاكم؛ ما أضعف عدالة المنافسة وقدّم أفضلية مرشحي الحزب الحاكم، وفق قولهم. لكنّ مفوضية الانتخابات وأجهزة الإعلام الرسمية أكدت نفيها ذلك، كاشفة منحها كل المتنافسين فرصًا متساوية، ومقللة في الوقت نفسه من الاتهامات التي قالت إنها لا تستند إلى الواقع24. وهناك أيضًا روابط غير رسمية بين الدولة والإعلام؛ ففي روسيا مثلً، أدت العلاقة الوثيقة بين مالك إحدى المحطات التلفزيونية الرئيسة، بوريس بيريزوفسكي، والرئيس الروسي آنذاك بوريس يلتسن، إلى التسبب في فوزه في الانتخابات الروسية. ووثقه جيدًا بيريزوفسكي نفسه؛ فقد أقر ذلك في مقابلة له مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية بقوله: "ساعدنا يلتسن على هزيمة الشيوعيين في صناديق الاق اررع، وذلك باستخدام محطات التلفزيون المملوكة للقطاع الخاص"25.

  1. Deborah Brewster, "News Calls for Media Ownership Deregulation," The Australian , 13/11/1996.
  2. Douglas Gomery, "A Very High-Impact Player," American Journalism Review (July/ August 1996), p. 52.
  3. Sasha Abramsky, "Citizen Murdoch: The Shape of Things tocome?" Extra (Nov/ Dec 1995), p. 16.
  4. S. Robert Lichter & E. Noyes Richard, Good Intentions Make Bad News: Why Americans Hate Campaign Journalism (Lanham, Maryland: Rowman & Littlefield, 1995), p. 24.
  5. انتخابات السودان 2015"، الجزيرة نت، 2015/4/12، شوهد في 2018/1/5، في: https://bit.ly/2DnL0sk
  6. Boris Berezovsky, "Our Reverse Revolution: Under Yeltsin, We Helped Stop Russia from Reverting to its Old, Repre ssive Ways," The Washington Post , 26/10/2000.

ويخضع كثير من التجارب الناجحة لوسائل إعلام لملكية عامة، مع لوائح تضمن الحيادية الكاملة لسياستها التحريرية. ولعل هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، تمثّل نموذجًا ساطعًا لوسيلة إعلامية ناجحة ومستقلة، بالرغم من عدم استقلالية مواردها المادية، نتيجة عدم اعتمادها في دخلها على ريع الإعلانات التجارية؛ إذ إنها اكتسبت سمعة راسخة بوصفها وسيلة إعلامية تميزت بجودة الخدمة المقدمة والتزام معايير النزاهة والموضوعية. ولا ريب في أن حياد بي بي سي، بوصفها مؤسسة إعلامية، هو نتيجة عدم تلقيها أي دعم حكومي أو خاص، سواء من الحكومة البريطانية أو غيرها من الجهات الرسمية أو المؤسسات الخاصة؛ ذلك أن تمويلها يأتي مباشرة من المواطن البريطاني، ومن خلال الرسوم التي تضعها الدولة على كل جهاز تلفاز في بريطانيا، الذي في حال امتلاكه على مالكه أن يدفع مبلغ 147 جنيهًا إسترلينيًّا رسومًا سنوية تجمعها الحكومة البريطانية، لتشكّل ميزانية عتيدة تذهب إلى تمويل بي بي سي بفروعها المختلفة26. وتُعدّ قناة بي بي سي الإذاعية العربية التي أنشئت في عام 1938 أكبر خدمة إذاعية تبثّها بي بي سي وأقدمها بلغة غير الإنكليزية، وذلك منذ بدايتها في عام 1922. كما كانت بي بي سي أول من استشف أهمية إنشاء محطة تلفزيونية لمخاطبة الملايين من الشعوب العربية؛ فأنشأت أول قناة ناطقة باللغة العربية وممولة برأس مال سعودي مع شبكة أوربت للاتصالات في عام 1994. وقد أغلقت بعد عامين في أعقاب خلاف كبير حول استقلالية النهج التحريري للمحطة مع شبكة أوربت. ولكن أعيد إنشاء القناة التلفزيونية مرة أخرى في عام 2008. ويقول نايجل تشابمان المدير العام السابق ل "بي بي سي وورلد سيرفيس": "إن هذه التجربة لا تبطل الحاجة إلى قناة إخبارية إعلامية بالعربية، كما ادعى بعضهم، بل إنها بالأحرى تُعلّمنا أننا أخطأنا في اختيار وسيلتي التمويل والتوزيع؛ لذلك قررنا إطلاق تلفزيون بي بي سي بالعربية بتمويل كامل من الخزانة العامة، أسوة بتمويل بي بي سي الأم"27. وهذا يكشف لنا بوضوح تضارب المصالح الذي يمكن أن يطفو على السطح، إذا اختلف المساهمون أو الملاك في الكيفية التي تدار بها الوسائل الإعلامية. وقد ذكرت مقالة لصحيفة إندبندنتالبريطانية أن "محاولة هيئة الإذاعة البريطانية إنشاء قناة تلفزيونية باللغة العربية ممولة برأس مال سعودي، كانت إما شجاعة أو صاخبة أو سذاجة. فخلال فترة قصيرة من إنشاء تلفزيون بي بي سي العربية، كان هناك عدد من الاجتماعات والمحادثات الهاتفية الغاضبة مع مجموعة أوربت حول ضمانات الاستقلالية التحريرية لبي بي سي، والتي أثبتت التجربة أنها مزحة. وقد أعربت أوربت مرارًا عن عدم رضاها عن فشل بي بي سي المزعوم في مراعاة 'الحساسية الثقافية'، التي بحسب كاتب المقالة هي أي شيء لا يروق للأسرة السعودية المالكة. وقد تم نقض الشراكة كليًّا بعد أن بثّت بي بي سي حلقة عن حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية"28.

7. خلفية عن وسائل الإعلام السودانية

مع وجود هذه الأصوات المغايرة، لا بد من فهم المنظور الذي تتعامل به الحكومات مع المؤسسات الإعلامية، باعتباره مدخلً جيدًا لفهم الدور الوظيفي لهذه المؤسسات، والتي لا تنشأ أو تعمل بمعزل عن محيطها. لذا لا يمكن الحديث عن الإعلام في السودان من دون الإشارة إلى الظروف والحقائق الأساسية التي تتحكم في الوظيفة الإعلامية. غني عن الذكر أن الصحافة عمومًا تشهد قدرًا كبيرًا من الازدهار في ظل الأنظمة الديمقراطية، والسودان ليس استثناء29. فقد ازدهرت الصحافة الحرة سنوات عديدة قبل مجيء الدكتاتورية الأولى إلى السلطة في عام 1958، ثم شهدت نكسة وظلت تنعم بمساحات مقدرة من الحرية حتى الدكتاتورية الثانية في عام 1969، والتي أممت جميع الصحف. ومع بداية الديمقراطية الثانية، بعد ثورة 1985 وحتى مجيء النظام الحالي إلى السلطة، ظهر عدد من الصحف الحزبية والمستقلة على حد سواء30. وقد مورست فيها حرية مطلقة وصلت إلى حد الإسفاف والاستهداف الشخصي لرموز سياسية في بعض الأحيان، ومن منطلقات حزبية أو فئوية ضيقة. وعندما جاء حزب المؤتمر الوطني الحاكم إلى السلطة عام 1989، بعد انقلاب عسكري أطاح الحكومة المنتخبة ديمقراطيًّا، حلَّ كل الصحف الخاصة والحزبية، وأصدر صحفًا ذات ملكية حكومية خالصة، مثل صحف القوات المسلحة، والإنقاذ الوطني، والسودان الحديث، ولكن تم السماح في عام 1993 بإصدار صحف مملوكة للقطاع الخاص، مع وضع سقف لما يمكن نشره، وكانت أول صحيفة يسمح بإصدارها هي صحيفة السودانيالدولية.

  1. Mark Duell, "BBC to rake in an extra £39m-a-year as licence fee is hiked to £147 after seven years of freezes," MailOnline, 1/3/2017, accessed
  2. نبذة عن بي بي سي العربية"، بي بي سي، 2008/2/29، شوهد في 2018/7/3، في:
  3. Ian Richardson, "Media: Sand in Auntie's Face," The Independent , 29 International Media Support, Media in Sudan at a Crossroad (November 2007), p. 21, accessed on 3/7/2018, at: https://bit.ly/2u0iXrf 30 Ibid., p. 22.
  4. on 2/3/2018, at: https://dailym.ai/2tUoLCC
  5. https://bbc.in/2rFftJQ

والشاهد أنه، إبان توقيع اتفاقية السلام الشامل في عام 2005، تنفست المؤسسات الإعلامية، خاصة الصحف، عبر الممارسة الحرة، وشهدت "فورة صحافية" تمكنت من خلالها من التطرق بحرية إلى كثير من القضايا الشائكة، خاصة ما يتعلق منها بالأداء الحكومي وقضايا الفساد والحريات العامة. وبعد استقلال جنوب السودان في عام 2011، تعرضت الصحف التي رفضت الاستجابة لخط الحزب الحاكم، حزب المؤتمر الوطني، أو تنفيذ أجندته وإملاءاته، للمضايقة التي وصلت إلى حد إغلاق خمس عشرة صحيفة قسريًّا31. تُقيّم مؤسسة "فريدوم هاوس" من مقرها في نيويورك مؤشرات الحرية الصحافية في مختلف البلدان، التي تمنح الدولة المعنية درجة من مئة تضعها في خانة الدول الحرة أو الحرة جزئيًّا أو غير الحرة. وقد صنف التقرير الذي صدر عنها عام 2016 السودان ضمن مجموعة تضم 177 بلدًا بأنه لا يتمتع بحرية صحافية. وحصل السودان على نسبة مئوية وصلت إلى 86 في المئة، حيث تمثّل النسبة المئوية الأصغر البلدان الأكثر تمتعًا بالحرية الصحافية مقابل النسبة المئوية الأكبر التي تمثّل البلدان التي فيها حرية صحافية منخفضة كما هو موضح في الشكل (3)32. انتشرت وسائل الإعلام في السودان في السنوات الأخيرة، على الرغم من القيود المفروضة على الإعلام. فهناك ما يقرب من 20 صحيفة يومية – ومع الأخذ في الاعتبار أن هذا الرقم غير ثابت؛ لأن بعض الصحف تتوقف عن الصدور بينما تنشأ صحف أخرى - وتُسمّى في السودان صحفًا سياسية أو صحفًا شاملة، إضافة إلى عدد من الصحف الرياضية والاجتماعية. ومع ذلك، تخضع كلها للتدخل الحكومي والرقابة المباشرة على المحتوى. وتتمتع الصحف اليومية بقدر من الحرية يتيح لها نقد الأداء الحكومي، ومساءلة المسؤولين والوزراء، والكشف عن أوجه القصور والتنقيب عن ملفات الفساد. ولكنها في المقابل تتعرض في أحيان كثيرة لملاحقات ذات طابع أمني أو جنائي وليس قضائيًا، مثل تعليق الصدور والمصادرة بعد الطبع؛ إذ تعدّ الأخيرة وسيلة لإلحاق الخسائر المادية بالصحف المستقلة. كما يتعرض الصحافيون ورؤساء التحرير لكثير من الإجراءات العقابية التي تشمل الاعتقال أو السجن أو الغرامات المالية أو المنع من الكتابة. ويتطلب قانون الصحافة والمطبوعات من الصحافيين التسجيل لدى المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، وهو كيان تنظيمي ذو سلطات واسعة مع 40 في المئة من أعضائه تعيّنهم رئاسة الجمهورية و 20 في المئة يعيّنهم البرلمان. ومهمة المجلس تنظيم عمل الصحافة الورقية في ما يتعلق بمنح تراخيص إصدار الصحف، ومنح القيد الصحافي لممارسة المهنة، إضافة إلى سلطته في الموافقة على رؤساء التحرير، ولديه أيضًا سلطة إغلاق الصحف مدة ثلاثة أيام من دون أمر قضائي من المحكمة. ويحصل المجلس على تمويل من الحكومة، إضافة إلى الرسوم والتراخيص من المؤسسات الصحافية33.

وفي جانب آخر، تسيطر الدولة على الإعلام المرئي والمسموع سيطرة تامة؛ إذ يعدّ الثاني على وجه الخصوص المصدر الرئيس للمعلومات لكثير من السكان، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني انتشار الأمية وانعدام منافذ توزيع الصحف. وقد خلصت دراسة البنك الدولي المذكورة آنفًا إلى أن ملكية الحكومات، على نطاق العالم، تظهر بصورة أكثر جلاء في احتكارها الإعلام المرئي والمسموع أكثر من الصحافة المطبوعة. وأرجعت الدراسة هذا إلى عدة أسباب، أهمها الخطر الذي يمكن أن ينتج من البث المباشر الحي لأخبار قد تضر بمصلحة

  1. Ibid., pp. 23 - 25.
  2. Sudan Country Report 2016: Freedom of the Press , Freedom House
  3. (2016), accessed on 2/7/2018, at: https://bit.ly/2Kob4Hp الشكل (3) مؤسسة فريدوم هاوس: ملف السودان المصدر: Sudan Country Report 2016: Press Freedom Status , Freedom House, accessed on 22018/7/, at: https://bit.ly/2Kob4Hp 33 " Media in Sudan," pp. 18 - 19.

السلطة أو القادة السياسيين؛ ما يمكن أن يؤثر في الرأي العام أو يحركه ضدها34. وفي مجال الإعلام المسموع والمرئي، تقوم وزارة الإعلام بإدارة ترخيص بث المحطات الإذاعية والتلفزيونية بطريقة مسيّسة إلى حد بعيد؛ ما يسمح للمحطات الموالية للحكومة بالحصول على التراخيص بسهولة أكثر من المنافذ المستقلة. كما تخضع الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون لملكية الحكومة السودانية كليًا حتى قبل مجيء الحزب الحاكم إلى السلطة. وتكرس هذه الملكية المطلقة السلوك الاحتكاري للحكومة، في تعاملها مع هذا القطاع الحيوي الذي يفتقر إلى مساحات الاستقلالية والتعددية في تمثيل الأصوات والآراء المتباينة، والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والعرقية المتنوعة. وليست الحالة السودانية استثناء؛ فمعظم الهيئات والاتحادات القومية يخضع للملكية الرسمية خاصة في الدول العربية. ففي مصر أيضًا أشار الدكتور علي رجب السيد إلى أن "اتحاد الإذاعة والتلفزيون مملوك بالكامل للدولة المصرية، وهو ما يعني أن هذه الملكية مركزة جدًّا في يد الحكومة وهذا التركيز الشديد في الملكية يؤدي إلى سوء استغلال السلطة السياسية من خلال المالك الإعلامي (الدولة) مما يؤدي إلى ضعف تمثيل بعض وجهات النظر المهمة في هذا الإعلام وبالطبع فإن هذه الهيمنة القوية على سوق الإرسال الإعلامي تعني أنه في النهاية لا توجد فرصة تتاح لمقدمي خدمة آخرين لكي يتنافسوا ويدخلوا هذا السوق ويؤدي هذا إلى تقليص التعددية وتضييقها"35. ونسبة إلى الزخم الجماهيري الهائل الذي تتمتع به وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، عمدت الحكومة السودانية أيضًا إلى إنشاء محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية وتمويلها لتعمل على دعم سياسات الحزب الحاكم وكسب الرأي العام. فأغلبية هذه المحطات ممولة من الحكومة أو مملوكة لرؤوس أموال موالية للحزب الحاكم، وتقل فيها مساحات حرية التعبير بدرجة كبيرة. كما تخضع البرامج التلفزيونية والإذاعية لرقابة رسمية مباشرة؛ ولذلك يعكس مضمونها إلى حد بعيد وجهات النظر الرسمية للحكومة، مع غياب شبه تام للأصوات المعارضة أو المستقلة أو الرأي الآخر في مسألة الإدارة السياسية للبلاد، مع الانتشار المتنامي للمحطات الإذاعية الخاصة على ترددات إف. إم، التي تركّز على برامج المنوعات الخفيفة والموسيقى والترفيه، بدلً من الخوض في الشؤون السياسية والقضايا اليومية التي تهم المواطنين36. ومع الأخذ في الاعتبار أن الإعلام في جوهره مشروع تجاري، بمعنى أنه صناعة لها متطلبات للإنتاج وتحتاج إلى تسويق ومستهلكين حتى تبقى على قيد الحياة، تعاني معظم المؤسسات الإعلامية الخاصة في السودان أزمات اقتصادية تهدد استمراريتها وبقاءها؛ فقد أنشئت هذه المؤسسات استنادًا إلى رأس مال يسير وقاعدة اقتصادية ضعيفة، وفي الغالب بمبادرات فردية أو أسرية. إضافة إلى ذلك تُشكّل المعدلات المنخفضة للناتج القومي ومستوى المعيشة ودخل الفرد ونسبة التعليم عوامل مجتمعة، تحدّ إلى درجة كبيرة من عوائد الإعلان في الوسائل المسموعة والمرئية والمطبوعة. ويتضح هذا جليًّا وعلى نحو أكبر في حالة الإعلام المطبوع؛ ذلك أن عائد الإعلان ومبيعات التوزيع يُعدّان المصدرين الأساسيين لاستمرارية الصحف وبقائها، والتي تعاني محدودية الاثنين معًا. لذلك، في ظل مناخ اقتصادي هش ومضطرب مثل السودان وسوق إعلانية ضئيلة، من الطبيعي أن يفتقر الإعلام إلى مداخيل حقيقية تُ كنه من النمو والازدهار مستقلً، بعيدًا عن السلطة الحاكمة37.

ثانيًا: الإطار التطبيقي للدراسة

1. اختبار فرضيات الدراسة

تزعم هذه الدراسة وجود إشكالية في مضمون الصحف الورقية اليومية في السودان، تتعلق بمعايير الاستقلالية والحيادية وحرية التعبير. لهذا فإنها تزمع في هذا الجزء اختبار فرضياتها المتعلقة بماهية الأسباب التي تؤدي إلى هذه الإشكالية، وذلك بإخضاع الأسئلة والفرضيات إلى منهج التحليل الوصفي، باستخدام أدوات الملاحظة وتحليل المضمون والمقابلات الشخصية وتحليل قوانين الصحافة المتعلقة بالملكية. ويشير تحليل المضامين الصحافية إلى أن النظر إلى العناوين الرئيسة للصحف الورقية اليومية في السودان فقط يمكن أن يقدم مؤشرات على اتجاهات الصحيفة، ومدى التزامها معايير الحياد والموضوعية أو تحيزها لمصلحة السلطة الحاكمة، وغالبًا ما يحدث هذا في قضايا ليست ذات طبيعة سياسية أو أمنية. ويمكن حصر كثير من النماذج لمعالجة عدد من الصحف السودانية قضية واحدة وتغطيتها الحدث نفسه، وكيفية تعاملها معه عبر قراءة سريعة لعناوينها الرئيسة. ولتحليل المضمون، تركز هذه الدراسة على عينة من نموذجين للتغطية الصحافية للعصيان المدني، والاحتجاجات الشعبية.

  1. Djankov, p. 18.
  2. علي رجب السيد، تشكيل هيكلية وظائف الإعلام (عمان: دار غيداء للنشر والتوزيع، 2014)، ص.39
  3. Media in Sudan," p. 34.
  4. أمين، "الصحافة الورقية."

على سبيل المثال، لئن تشابهت العناوين الرئيسة لأغلبية الصحف اليومية، فقد اختلفت التغطية الصحافية المختصة بالأعمدة وصفحات الرأي في الصحف المعروفة بخطها المستقل عن السلطة عند تناولها العصيان المدني في السودان، الذي بادرت إليه مجموعات شبابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 27 - 29 تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر 2016. وجاءت الدعوة إلى العصيان المدني، بعد إعلان رفع الدعم الحكومي عن سلع أساسية مثل الوقود والدواء والكهرباء. وقد حقق العصيان المدني نجاحًا جزئيًّا؛ فلم يذهب مئات من السودانيين إلى أعمالهم والأطفال إلى مدارسهم، كما أغلق عدد من أصحاب المتاجر والمصالح التجارية مصالحهم. ومما لا شك فيه أن العصيان المدني قد ألقى حجرًا في بركة السياسة السودانية الساكنة، ويكفي أنه قد أثار حوارًا شعبيًّا واسعًا يكاد لم يخل منه بيت سوداني من مؤيد ومعارض له. وفي حين ظهرت العناوين الرئيسة للصحف الداعمة للنظام مثل: "العصيان فشل ودولاب العمل لم يتأثر"، و"مسؤولون يؤكدون فشل العصيان"، ظهرت الصحف الخاصة المستقلة التي سمح لها بالصدور بعناوين مغايرة تمامًا مثل: "الخرطوم تفاصيل يوم استثنائي: شوارع شبه خالية وارتباك في المدارس"، و"هدوء يسود في شوارع الخرطوم". ويوضح الجدول (1) عناوين الأخبار المنشورة في الصفحة الأولى يوم 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 للقصة الإخبارية نفسها في الصحف السودانية اليومية (التي توافرت في دار الوثائق القومية وتم الحصول عليها لغرض هذه الدراسة)، حيث بلغ عدد الصحف موضوع الدراسة 15 صحيفة من بين 19 صحيفة كانت تصدر في ذلك التوقيت، مع ملاحظة أنه قد صودرت صحيفتان في ذلك اليوم. وفى ثالث أيام العصيان المدني (29 تشرين الثاني/ نوفمبر)، صادرت السلطات الأمنية السودانية أربع صحف بعد الطبع، وهي التيار، واليوم التالي، والأيام، والجريدة. ولكن الكثير من المضامين يتكشف من خلال قراءة في ما وراء العناوين الرئيسة للأخبار. فالقراء عادة يبحثون عن المعلومات والحقائق، من خلال الأعمدة والتقارير والتحقيقات الصحافية وصفحات الرأي وغيرها من مواد المضمون الصحفي. وفي الوقت الراهن ومع الانفتاح والثورة المعلوماتية وزيادة الوعي لدى العامة، اكتسب القراء قدرات عالية على البحث عن الفوارق الدقيقة في اللغة المستخدمة في نقل الأخبار وكتابة الأعمدة والتحليلات الصحافية، ويمكنهم أن يتبينوا مدى صحتها من عدمها باللجوء إلى وسائل إعلام أجنبية أو دولية، أو إلى الإعلام البديل من صحف ومواقع إلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. وقد قام كتّاب الأعمدة الرئيسة في الصحف الخاصة التي يمكن أن نسمّيها هنا مستقلة بغرض هذه الدراسة مثل صحيفة التيار، بكتابة أعمدة يوم 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 عناوينها ومضامينها مؤيدة للعصيان المدني. فقد كتب الصحافي فيصل محمد صالح في مقالته أن "ما حدث أمس يعتبر تطورًا لافتًا في العمل المعارض على عدة مستويات وهو تمرين ناجح جدًّا يمكن أن يقود إلى خطوات تصعيدية"38. وقد كتبت الصحافية شمائل النور: "في ديسمبر 2013 إبان احتجاجات عاصفة ضد زيادات الأسعار، كان إعلام السلطة يعوي أن المتظاهرين مجرد 'مخربين'. فابتدع هؤلاء 'المخربون' طرقًا جديدة مثل العصيان لتخلو الشوارع من 'المخربين'، فما هي خيارات السلطة في التعامل مع هذا الأسلوب؟"39. وقد كتب رئيس التحرير عثمان ميرغني: "الحكومة في غمار سكرتها بالسلطة ما عادت تظن أن في البلاد شعبًا يستحق أن تسمع له فجاء العمل الذي أداره الشباب السوداني عبر الأثير ليمثّل صوت الشعب السوداني"40. أما كتاب الأعمدة من الصحف الخاصة التي يمكن أن نُسميها مواليةً للنظام بغرض هذه الدراسة، فقد نددوا بالعصيان في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. فعلى سبيل المثال في صحيفة ألوانكتب بخاري بشير: "لم يقتنع السودانيون بدعوات العصيان لأنهم على قناعة راسخة أن ما يتمتع به السودان من أمان واستقرار تفتقده كثير من دول الجوار القريب. ولم يقتنع أهل السودان بدعوات العصيان لأنهم على ثقة أن دعاته هم أول من يشعل فتيل البارود في الدولة والمجتمع"41. وفي صحيفة الأهرام اليوم، كتب محمد عبد الله يعقوب: "كما قلت سابقًا لن يستطيع مناضلو الكيبورد إسقاط الحكومة بهذه الطريقة، وعليهم ابتكار طريقة أخرى أكثر منطقية"42. وفي صحيفة الوفاق، ذكر محمد قسم السيد فضل المولى أن "الحكومة نجحت بدرجة الامتياز في إبطال مفعول دعوات العصيان المدني وأدخلت المعارضة في حرج جديد. أولها حرج الاعتبار مما مضى من تجارب باءت بالفشل، ثم حرج كذلك في إظهارها للرأي العام بمظهر المهزوم جماهيريًّا"43. وكنموذج آخر، أشارت الجزيرة نت، في خبر إلى الغياب التام في الصحف السودانية لأحداث الاحتجاجات الشعبية التي جرت في

  1. فيصل محمد صالح، "التمرين الأول"، التيار،.2016/11/28
  2. شمائل النور، "شوية عيال"، التيار،.2016/11/28
  3. عثمان ميرغني، "الشباب حالة انتباه"، التيار،.2016/11/28
  4. بخاري بشير، "فشل خيار الفوضى وآن أوان العمل"، ألوان،.2018/11/28
  5. محمد عبد الله يعقوب، "العصيان أضرني ولم يضر الكيزان"، الأهرام اليوم،
  6. محمد قسم السيد فضل المولى، "حجم الفارق"، الوفاق،.2018/11/28

الخرطوم يومي 16 و 17 كانون الثاني/ يناير 2018، تنديدًا بالموازنة العامة لعام 2018 التي نتجت منها زيادات غير مسبوقة في أسعار الخبز والسلع الغذائية الرئيسة، وقابلتها الشرطة السودانية بالعنف والغاز المسيل للدموع واعتقل جراءها المئات، حيث خلت تغطية الصحف السودانية اليومية – ما عدا الجريدة المستقلة - من الإشارة في عناوينها الرئيسة إلى التظاهرات44. وقد كشف رؤساء تحرير الصحف في تصريحات شفوية غير رسمية أنهم تلقوا توجيهات من السلطات الأمنية بعدم الإشارة إلى الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، على خلفية ارتفاع أسعار الخبز والسلع الغذائية الضرورية. ويوضح الجدول (2) الخبر الرئيس على الصفحة الأولى في الصحف اليومية (التي توافرت في دار الوثائق القومية وتم الحصول عليها لغرض هذه الدراسة)، في الفترة 16 - 18 كانون الثاني/ يناير 2018، والتي بلغ عددها 17 صحيفة من مجمل 18 صحيفة كانت تصدر في ذلك التوقيت. يوضح الجدول (2) الغياب شبه التام لأحداث الاحتجاجات في الصحف السودانية، ويحدث هذا في الوقت الذي بُثّت فيه أخبار وصور ومقاطع فيديو للاحتجاجات بواسطة البث الحي المباشر، وبكاميرات أجهزة الهاتف المحمول لناشطين ومواطنين عاديين على منصات التواصل الاجتماعي، والتي حازت أرقام مشاهدة وصلت إلى الآلاف داخل السودان وخارجه. وقد استعانت بهذه التسجيلات كبريات الصحف والمواقع الإخبارية والقنوات الفضائية العربية والعالمية لتغطية أحداث الاحتجاجات. وقد علّق الروائي السوداني المعروف حمور زيادة الحاصل على جائزة نجيب محفوظ للآداب في صفحته على الفيسبوك بقوله: "إن جهاز الأمن يخلق لنفسه واقعًا افتراضيًّا ووهمً جميلً يعيش فيه، وذلك بإجباره للصحف بالصدور لتقول إن كل شيء يسير على ما يرام وإن الأمور بخير".

2. تفسير نتائج الفرضيات

لاحظنا في النموذجين السابقين غياب التغطية الصحافية لقضايا مهمة تدور في الشارع السوداني، مثل العصيان المدني والاحتجاجات الشعبية. كما أن هناك تشابهًا كبيرًا في العناوين الرئيسة لأغلبية الصحف اليومية، سواء تلك المعروفة بولائها للنظام الحاكم أو الصحف ذات النهج التحريري المستقل عن السلطة. وربما يرجع إحجام الصحف السودانية، خاصة المعروفة بخطها التحريري المستقل عن السلطة الحاكمة، عن النشر في القضايا ذات الطابع الأمني أو السياسي إلى خوفها من السلطة الحاكمة. وقد درجت السلطات الأمنية على مصادرة النسخ المطبوعة للصحف في حال عدم انصياعها إلى أوامرها بغية إلحاق الخسائر المادية بها، كما أنها تحمّل رؤساء التحرير مسؤولية جميع المحتويات المنشورة في صحفهم. كما يلاحظ في معظم هذه العناوين ليس فقط ترديدها ما تقوله السلطة أو تأييدها لها، بل حرصها الشديد أيضًا على امتصاص غضب الشارع بطريقة غير مباشرة، بتركيز أغلبها على خطط الحكومة الرامية إلى كبح جماح غلاء الأسعار ومحاربة التجار، بوصفهم المتسبّبين الأساسيين في الضائقة المعيشية التي يمر بها المواطن وليس الحكومة. وبهذا تصبح الصحافة هنا أداةً في يد السلطة تستخدمها لنيل المساندة الشعبية لسياساتها الاقتصادية، بغض النظر عن تأثير هذه السياسات في الحياة اليومية للمواطنين. ومن المعلوم أن الحكومة السودانية تموّل مباشرة عددًا من الصحف، أو تدفع ببعض المنسوبين إليها من أصحاب رؤوس الأموال إلى شراء مؤسسات بعينها وامتلاكها، والذين يمكن تسميتهم الوكلاء السياسيين للنظام. فهناك صحف تم شراؤها بعد الإفقار المتعمد لأصحابها، عن طريق منع الإعلان الحكومي أو الاشتراكات، والزيادة المفرطة في قيمة الضرائب في إطار السياسة العقابية. وهذا ما حدث تمامًا مع المالك السابق لصحيفة السودانيمحجوب عروة. ففي مقابلة شخصية معه بغرض هذه الدراسة، ذكر أن صحيفته جراء نقدها السلطة الحاكمة ونشرها ملفات شائكة تتعلق بالفساد وقصور الأداء الحكومي وحال الحريات العامة في البلاد، كانت تتعرض لكثير من المضايقات والضغوط. وقال: "لقد عانيت خسائر مادية فادحة جراء منع الإعلانات والاشتراكات الحكومية، ولكن الضغوط وصلت مداها بعد أن تمت مطالبتي برسوم ضريبية باهظة وصلت إلى ما يعادل 400000 (أربعمئة ألف) دولار سنويًّا؛ مما دفع بي للتخلي عن ملكية الصحيفة مقابل ألّ أتعرض للسجن. وقد أحيلت ملكية الصحيفة بعد ذلك إلى رجل أعمال معروف بولائه للحزب الحاكم، وتم إعفاؤه من الضرائب المطالبة بها الصحيفة. ومن ثم شهدت الصحيفة تغيرًا جذريًّا في اتجاهاتها وسياساتها التحريرية ومساحات الحرية فيها"45. وفي السياق نفسه، قال الصحافي حيدر المكاشفي المسؤول السابق عن صفحات الرأي في صحيفة الصحافة، بعد أن اشترتها جهات تتبع حزب المؤتمر الوطني الحاكم: "إن الصحيفة تغيرت كثيرًا بعد بيعها. حيث تأثر كل المحتوى بالسياسات الجديدة وتأثرت صفحات الرأي أكثر من غيرها وهذا يُشكّل وضعًا سيئًا لحرية التعبير في السودان. في

  1. الاحتجاجات في الصحافة السودانية: خلت تغطية الصحافة السودانية اليوم الأربعاء
  2. منها"، موقع أخبار السودان، 2018/1/17، شوهد في 2018/1/18، في: https://bit.ly/2MBmO5L 45 محجوب عروة، الناشر السابق لصحيفة السوداني، مقابلة شخصية، الخرطوم،

الوقت الراهن، تستطيع الحكومة أن تدعي أنه لا توجد رقابة على الصحافة لأن الحكومة هي الآن الصحافة"46. أضف إلى ذلك الرعاية السياسية التي تمكّن الصحف الموالية للنظام الحاكم من البقاء من خلال الدعم المادي الحكومي، سواء كان دعمً مباشرًا يكون في أغلب الأحيان سريًّا، أو دعمً غير مباشر عن طريق الإعلانات والاشتراكات الحكومية التي تحظى بها عادة المؤسسات المصنفة بأنها صديقة للحكومة أو مؤيدة لسياساتها، إضافة إلى المنافع المادية الأخرى التي توفرها الحكومة مثل خفض الضرائب والجمارك لتسهيل مستلزمات الإنتاج. وفي المقابل، يعمد أصحاب هذه الصحف إلى تأييد كل القرارات والسياسات العامة التي تتخذها الدولة أو معظمها. وقد يصل الانصياع بصورة أساسية إلى التوجيه الحزبي في صياغة الأخبار وكتابة الأعمدة ومقالات الرأي التي تعبر عن الحزب الحاكم، وغالبًا ما تكون محشوّة بكتابات مؤيدة لهذه السياسات ومبررة لها تحت غطاء المصلحة العامة، هذا مع انحسار ظاهرة الصحف الحزبية ذات الأصوات المعارضة والرأي الآخر. وعلى قلة الصحف الحزبية الموجودة حاليًا مثل صحيفة الميدان، لسان حال الحزب الشيوعي السوداني، التي تصدر بمعدل ثلاثة أيام أسبوعيًّا وليس يوميًّا كما كان في السابق، فهي تعاني أوضاعًا مادية سيئة ورقابة مباشرة من الأجهزة الأمنية. وجدير بالذكر أنها الصحيفة الوحيدة في السودان التي تولت رئاسة تحريرها مؤخرًا نساء؛ إذ ترأست تحريرها طوال السنوات الماضية مديحة عبد الله، وتترأس تحريرها حاليًا إيمان عثمان. ونتيجة هذه الظروف والحقائق التي تتحكم في الفعل الصحافي، توقفت صحيفة الأياماليومية عن الصدور في كانون الثاني/ يناير 2018، بعد مسيرة طويلة في دروب الصحافة السودانية قاربت خمسة وستين عامًا؛ إذ صدرت عام 1953. وفي مقابلة شخصية لغرض هذه الدراسة مع مالك هذه الصحيفة ومؤسسها، محجوب محمد صالح والملقب بعميد الصحافة السودانية، قال: "إن ' الأيام ' اضطرت إلى التوقف لأنه أصبح من المستحيل المحافظة على وضع اقتصادي مستقر للصحيفة المحرومة من الإعلانات الحكومية منذ مجيء الحزب الحاكم للسلطة منذ ثلاثين عامًا. وقد سبق أن أوقفت الصحيفة عن الصدور فترات متقطعة وصلت في إحدى المرات إلى أربعة أشهر كما أنها تتعرض للمصادرة بعد الطبع بصورة متكررة مما يلحق بنا المزيد من الخسائر المالية. إن الوضع الاقتصادي للصحف يزداد سوءًا لأن المطابع أعلنت زيادة في قيمة طباعة الصحف بدءًا من شهر يونيو 2018 تصل إلى 60 في المئة من القيمة السابقة"47. في ضوء ما ذكر، لا بد من النظر إلى نتائج هذه الدراسة في سياق الاقتصاد السياسي للإعلام في السودان، الذي هو فرع معين في الدراسات الإعلامية التي تدرس فهم العلاقة المركزية للإعلام في ظل الاقتصاد الأوسع والنظام السياسي السائد؛ أي هو معرفة علاقات القوة، المتمثّلة في الاقتصاد والسياسة، وإدراكها وتحليلها وتأثيرها في الدور الوظيفي لوسائل الإعلام، وفي التأثير في نقل المعلومات من وسائل الإعلام إلى الجمهور. تناول كتاب نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان نموذج البروباغندا، وهو إطار تحليلي لفهم آلية عمل الإعلام في سياق الاقتصاد السياسي المحيط بالعمل الإعلامي في الولايات المتحدة. وأوضح الكتاب أن تشكيل هيكلية وظائف الإعلام يعتمد على خمسة فلاتر أساسية تمر بها الأخبار قبل تقديمها للجمهور، وهي الملكية، والتحكم في المعلومة عن طريق الاستعانة بمصادر محددة لنقل الأخبار وتفسيرها، والاعتماد على مصادر دخل أخرى غالبًا تأتي من المعلنين أو جماعات المصلحة، إضافة إلى نقد المعلومات المنشورة ونفيها، والوصمة الشيوعية التي غالبًا تستخدم للنيل من المعارضين الذين يتبنون التوجهات المعادية للرأسمالية وجماعات المصلحة. وذكر الكتاب أن هذه الفلاتر تعمل مجتمعة من خلال علاقات متشابكة بين من يملكون أجهزة الإعلام ومن يصنعون الخبر ولديهم المقدرة على تعريفه وتقديمه للجمهور48. وهذه الفلاتر مبنية في النظام القائم للدولة، ومن ثمّ تعمل في حالة تامة من التجانس الذي يتسم بالتلقائية المفرطة، حتى إن القائمين على أمر الإعلام يصدقون أنهم يعملون بأسس مهنية. يُعدّ هذا الكتاب مرجعية مهمة لفهم الآليات والكيفية التي يستخدم بها صناع الإعلام أدوات الفلترة لصناعة الإجماع وتطويع الرأي العام من حيث لا يدري. ويُعدّ هذا بمنزلة السياسة الإعلامية الناعمة للديمقراطيات السليمة في حالة الدول الغربية. وعلى الرغم من أن الاختلاف شاسع بين الفعل الإعلامي في السودان ونظيره في الولايات المتحدة، فإنه يمكن تطبيق نموذج البروباغندا هنا لفهم سياق الاقتصاد السياسي للإعلام في السودان؛ وذلك لقابلية تطبيق نموذج البروباغندا في أي سياق آخر، مع ضرورة إخضاعه للتكييف والتعديل بما يتواءم مع البيئة التي يعمل من خلالها الإعلام.

  1. 46 Zeinab Mohammed Salih, "Sudan's Government Silences Press through Ownership," Index on Censorship magazine, 30/9/2013, accessed on 1/4/2018, at: https://bit.ly/2tEbPld
  2. محجوب محمد صالح ناشر صحيفة الأيام، مقابلة شخصية، الخرطوم،.2018/6/16
  3. 48 Edward S. Herman & Noam Chomsky, Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media (New York: Pantheon Books, 1988), pp. 2 - 35.

وقد تكون أكبر أوجه الاختلافات في عدم وجود القوانين المقيدة للعمل الإعلامي في السياق الأميركي، لكون القوانين هناك مؤيدة إلى حد بعيد استقلالية الإعلام وحرية التعبير، وهي على النقيض من القوانين الموجودة في السودان. لذلك يمكن استخدام نموذج البروباغندا إطارًا تحليليًّا للممارسة الإعلامية في السودان، بالاعتماد على خمسة فلاتر رئيسة يتم من خلالها صناعة الأخبار وتقديمها للرأي العام. وهي تشمل فلاتر الملكية التي تم التحدث عنها باستفاضة، بوصفها محور هذه الدراسة، إضافة إلى فلاتر القوانين المتعلقة بالملكية، والاعتماد على المصادر الرسمية والإعلانات التجارية، والظروف المهنية السيئة التي يعمل فيها الإعلاميون ولا سيما الصحافيون في السودان. في السودان حرية الصحافة والتعبير محمية اسميًّا تحت المادة 39 من الدستور السوداني الانتقالي لعام 2005، الذي ما زال ساريًا حتى اليوم؛ إذ اعتُمد جزءًا من اتفاقية السلام الشامل بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان. وقد سمحت هذه الاتفاقية بمساحات كبيرة للصحافيين للتعبير بحرية عن القضايا السياسية49. ولكن مع ذلك لدى السودان عدد من القوانين التقييدية الخاصة بالإعلام، التي تسعى للحد من حرية الصحافة والنشر. وقد كتب نبيل أديب عبد الله المحامي مقالة، بمناسبة إعلان الجهات الرسمية عن مسودة لمشروع قانون جديد تم اقتراحه في تشرين الأول/ أكتوبر 2017 لتعديل قانون 2009 المعمول به حاليًا. وذكر فيها أن "تاريخ الصحافة السودانية قد شهد ثمانية قوانين مختلفة صدرت لتنظيم عملها ابتداء من عام 1930، بالإضافة لثلاثة تعديلات استندت جميعًا على قانون 1930 وقد نالت حكومة الإنقاذ الوطني ممثلة في حزب المؤتمر الوطني نصيب الأسد في هذه القوانين، فقد أصدرت حتى الآن خمسة قوانين مختلفة للصحافة في الأعوام 1993 و 1996 و 1999 و 2004 و 2009 والآن هناك حديث عن إصدار قانون سادس"50. ما زالت عملية ملكية الصحف وإصدارها في السودان خاضعة لقانون 1996 للصحافة والمطبوعات. وقد ألزم نص هذا القانون الصحف بأن تصدر عن شركات صحافية تسجل وفقًا لأحكام قانون الشركات لسنة 1925 بصفة شركات مساهمة عامة. كما يحظر القانون احتكار ملكية الشركات الصحافية لمصلحة أي فرد أو أسرة، أو باسم قبيلة أو طائفة دينية أو أي فئة أخرى ذات مصالح خاصة. وفي كل الأحوال لا يجوز لأي من العناصر المذكورة، فردًا أو أسرة، أن تمتلك أكثر من عشرين في المئة (20 في المئة) من أسهم الشركة الصحافية51. ولكن ملكية وسائل الإعلام عمومًا ليست شفافة، ولا توجد قوانين تتطلب الكشف عن معلومات الملكية52. وعلاوة على ذلك، يمتنع عدد من ملاك الصحف والمحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية الخاصة عن الاع اررف بوضعهم، من أجل التهرب من الضرائب وتجنب هجمات محتملة. لكن ما يحمد في هذا القانون هو أن هناك لوائح تنظيمية تخص الملكية وتحديد نسبة 20 في المئة من أسهم الشركة الصحافية لكل مالك. وهذه ممارسة معمول بها في عدد قليل من دول العالم، كالنرويج مثلًالتي تخضع فيها الملكية للتنظيم بلوائح تقيّد الملاك بعدم الحصول على أكثر من ثلث أسهم المؤسسات الإعلامية. وتطبق إسرائيل قيودًا مماثلة على الملكية، ولكنّ دولً كثيرة ليس لديها هذا التحديد في الملكية53. وفي السودان تظل المعضلة الحقيقية في الممارسة التي ينفذ بها شرط نسبة الملكية، ذلك أن هناك تلاعبًا كبيرًا بالكيفية التي يسجل بها بعض الأفراد الصحف؛ نظرًا إلى غياب الشفافية في هذا الأمر. لذلك هنالك حاجة حقيقية ليس فقط إلى تحديد مساحة الملكية، وإنما أيضًا ضمان شفافيتها؛ وذلك "لأن التجمعات السياسية والرأسمالية والأسرية وغيرها من التكتلات قد تكون ضارة بالقدر نفسه، إذا كانت تسيطر على قرارات التحرير أو تؤثر فيها"54. إن الاعتماد على مصادر محددة – تتعامل الصحافة مع أي معلومة من المصادر الرسمية للمسؤولين الحكوميين والخبراء ورجال المال والأعمال والشخصيات العامة البارزة أساسًا للأخبار المشروعة - يعطي أولئك الذين يشغلون مناصب سياسية وقادة الرأي والرأسماليين كثيرًا من القدرة لوضع أجندة الأخبار55. وهذه الممارسة معمول بها في السودان كما في دول أخرى؛ ذلك أنه غالبًا ما تتم الاستعانة بأسماء ثابتة ووجوه معينة في ما يعرف بالخبراء والمحللين السياسيين والاقتصاديين الذين يقومون في كثير من الأحيان بتفسير الأخبار و"إعادة تعريفها"، وتبرير القرارات الحكومية بغية تمريرها للحصول على رضا الرأي العام وقبوله.

  1. 49 " Media in Sudan," pp. 34 - 56.
  2. 50 نبيل أديب عبد الله، "من يحتاج إلى قانون جديد للصحافة؟"، التيار،.2017/10/15
  3. المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، قانون الصحافة والمطبوعات لعام 1996، شوهد في 2018/6/3، في: https://bit.ly/2KpSYof
  4. Begoyan, pp. 6 - 7.
  5. Ibid., p. 10.
  6. 54 Ibid., p. 12.
  7. 55 Herman &Chomsky, p. 19. المصدر: من إعداد الباحثة برصد مضامين الصحف التي توافرت في دار الوثائق القومية في الخرطوم، السودان بتاريخ 3 - 4 حزيران/ يونيو.2018

الجدول (1) نموذج لمعالجة الصحف السودانية اليومية قضية واحدة: العصيان المدني

اسم الصحيفةالعنوان الرئيس
الصيحةالعصيان فشل ودولاب العمل لم يتأثر
السودانيمؤسسات الدولة لن تتأثر بالدعوة إلى العصيان المدني
التيارالخرطوم تفاصيل يوم استثنائي: شوارع شبه خالية وارتباك في المدارس
الأهرام اليومالتعديلات الدستورية تمنح الرئيس سلطة حل مجلس الوزراء
أخبار اليوممصادر حكومية تستشهد ببعثات دبلوماسية على فشل العصيان المدني وتتهم المعارضة بمسك العصا من النصف
الرأي العاملا علاقة للمعارضة بقضايا المواطنين
الأيامهدوء يسود في شوارع الخرطوم
الانتباهةمسؤولون يؤكدون فشل العصيان
الصحافةحياة عادية في الخرطوم والمؤسسات تزاول أعمالها
اليوم التاليتعديلات دستورية جديدة
ألوانتحذير من تداول الشائعات ومسؤولون يؤكدون فشل دعوات العصيان
المجهر السياسيالحكومة: العصيان المدني فشل ودولاب العمل مستمر
الوطنالحزب الحاكم: الشعب صابر والمعارضة لا علاقة لها بالعمل الوطني
المستقلةحذر في الشارع والحكومة تعلن فشل العصيان
الوفاقالصحة: وفرنا 12 مليون يورو للدواء ووصول 50 صنفًا منقذًا للحياة

الجدول (2) نموذج للخبر الرئيس في الصحف السودانية اليومية في 16 - 18 كانون الثاني/ يناير 2018

الصحيفةاليومالخبر الرئيس
الرأي العام16الحكومة مستعدون لاستيراد السلع ومواجهة مضاربات التجار
17المالية تعلن طرح كميات من السكر بالأسعار الأساسية
18لا تعديل وزاري وشيك والمظاهرات السلمية لا تزعجنا
التيار16غندور استقالتي كلام بايخ
17تعديلات وشيكة في الحكومة
18القضارف تلف كميات كبيرة من الأدوية
الجريدة16تمت مصادرة عدد 16 كانون الثاني/ يناير من الجريدة
17احتجاجات بالخرطوم ضد الغلاء
18تمت مصادرة عدد 18 كانون الثاني/ يناير من الجريدة
الصحافة16البشير يوجه بضبط الأسواق وأسعار السلع والخدمات
17شلل تام للنشاط التجاري في إريتريا
18رئيس البرلمان تطبيق الحكومة للموازنة غير صحيح
المستقلة16الحكومة تهدد التجار بعقوبات صارمة وباستيراد السلع الأساسية
17تحركات إريترية على الحدود الشرقية
18رئيس البرلمان يهاجم الحكومة ويطالب بإطلق سراح المعتقلين
آخر لحظة16عدد 16 كانون الثاني/ يناير غير متوافر
17عدد 17 كانون الثاني/ يناير غير متوافر
18الرئيس يوجه بحل القضايا العالقة مع مصر
أخبار اليوم16السيسي يوجه الإعلام المصري بعدم الإساءة للسودان
17الإعلان عن توزيع السكر بالسعر الأساسي
18تنسيقية الحوار الوطني تجتمع برئاسة البشير
الصيحة16البشير يوجه بحلول عاجلة لتخفيف موجة الغلاء.. عقوبات رادعة للمضاربين
17قوات مشار تحاصر جوبا.. انشقاق 800 من أبناء أويل عن سلفا
1813 حزبًا مشاركًا تدعو للكف عن مطاردة المتظاهرين
ألوان16العدل والمساواة وقوات مصرية تهدد شرق السودان
17طرح عبوات دقيق مخفضة بولاية الخرطوم
18مسؤول إماراتي رفيع يلتقي البشير
الأخبار16الحكومة: لن نتراجع عن سطر بالموازنة والبرلمان يؤيدنا
17لجنة علي عثمان توصي بتذويب الحركة الإسلامية في الوطني أو تحويلها إلى منظمة
18عدد 18 كانون الثاني/ يناير غير متوافر
مصادر16البرلمان يعتقل وزراء القطاع الاقتصادي
17مشاورات مكثفة لتشكيل حكومة جديدة
18الوطني: خلافنا حول ترشيح البشير أمر طبيعي
الوطن16لن نسمح بالتلاعب ومستعدون لاستيراد السلع
17توقعات بعودة علي عثمان رئيسًا للوزراء
1815 حزبًا يهددون بالانسحاب من الحكومة
الوفاق16الرئاسة توجه بضبط الأسواق وعقوبات رادعة للمتلاعبين بالأسعار
17المركزي يتنازل عن نسبة في حصائل الصادر ويسهل استيراد الأدوية
18الحكومة: سنشتري أي جرام منتج من الذهب
السوداني16البشير يوجه بضبط الأسواق وأسعار السلع والخدمات
17إلغاء تجنيب %25 من حصائل الصادر وأصحاب العمل يرحبون
18البشير يوجه بحل أسباب استدعاء سفير السودان بمصر
الانتباهة16مصر: لن ندخل في حرب مع السودان وإثيوبيا
17الانتباهة تكشف شروط ديسالين لزيارة القاهرة
18الرئيس يوجه بحل القضايا العالقة مع مصر
اليوم التالي16غندور: لليوم التالي ما تردد عن استقالتي كلام بايخ
17السفير السعودي: لا علاقة لنا بالتوتر في شرق السودان
1815 حزبًا تلوح بالانسحاب من حكومة الوفاق الوطني

كما أن الصحف التي تتبع ملكية الموالين للحزب الحاكم ورئاسة تحريرهم غالبًا ما تحصل على قصب السبق في الحصول على الأخبار المهمة؛ ذلك أن هؤلاء الموالين يتمتعون بكثير من الامتيازات والأبواب المشرعة التي تتيح لهم الوصول إلى أروقة المسؤولين الكبار ومصادر المعلومات، والحصول على المقابلات الحصرية والتصريحات المهمة التي قد يُدلى بها أول مرة، في إطار تعزيز دورهم وتلميعهم بصفتهم صحافيين. كما أنهم غالبًا ما تُقدّم لهم الدعوات لمرافقة الوفود الحكومية في رحلاتهم الخارجية؛ ما يتيح لهم الاستفادة المادية ومقابلة شخصيات ذات ثقل إقليمي ودولي، إضافة إلى امتياز الحصول على الأخبار بسرعة ويسر. وغالبًا ما تستعمل السلطة الحاكمة أولوية الحصول على الأخبار مكافأةً ومحفزات للموالين لها، حتى تضمن استمرار ولائهم إضافة إلى ترغيب الآخرين ليحذوا حذوهم. وعلى الرغم من أن البون شاسع بين الممارسة الإعلامية في السودان ونظيرتها في الولايات المتحدة مثلً، فإن الحصول على المعلومات غالبًا يستخدم كالعصا والجزرة مع الإعلاميين؛ فقد هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في موجة حنقه الدائم ضد الإعلام الأميركي عددًا من وسائل الإعلام الأميركية المرموقة، مثل قناة سي إن إن وكبريات الصحف الأميركية، بعدم إعطائها فرصًا لتغطية الفعاليات السياسية من داخل البيت الأبيض. كما هدد بأنه لن يدلي لها بأي تصريحات مباشرة منه، إذا استمرت في توجيه النقد الدائم له كما زعم. وعلى الرغم من أن الدستور الأميركي يحمي حرية الإعلام، لا تستطيع أي مؤسسة إعلامية إجبار الرئيس الأميركي أو أي مسؤول آخر على إعطاء معلومات لا يرغب في الإفصاح عنها لجهة إعلامية بعينها. واللافت أن الرئيس الأميركي يخوض حربًا ضروسًا ضد الإعلام، وكتب أكثر من 180 تغريدة عمّ أسماه "الأخبار الكاذبة"، وهي الصفة التي يلصقها بالصحف والقنوات التي تنتقده، بينما كتب في الوقت نفسه 170 تغريدة لمصلحة قناة فوكس نيوز التي تسانده56. من المعروف أن الإعلانات التجارية غالبًا تُستخدم وسيلةً لإخضاع المؤسسات الإعلامية المستقلة، خاصة الصحف. ولا تُستخدم ورقة ضغط الإعلانات فقط بواسطة السلطة الحاكمة، ولكن حتى شركات القطاع الخاص تحجم عن الإعلان في الصحف المستقلة، خوفًا من تبعات ذلك؛ فالنظام يمكن أن يعاقبها بطرق غير مباشرة، مثل سحب التراخيص أو الزيادة المفرطة في الجمارك والضرائب. بل إن بعض شركات القطاع الخاص تستخدم الوسيلة ذاتها لمعاقبة الصحف التي تنتقد أداءها أو تكشف بعض أوجه الفساد فيها. ويتضح هذا جليًّا في حالة الشركات التي تختص بتقديم السلع والخدمات، مثل شركات الاتصالات الكبرى التي تتمتع بهيمنة اقتصادية مقدرة تمكنها من استخدام الإعلانات، مثلها مثل السلطة الحاكمة، بوصفها وسيلة ترغيب أو ترهيب، على حسب التغطية الصحافية التي تتناول كيفية أدائها الخدمة المقدمة للجمهور. وقد سبق أن عوقبت صحف بحرمانها من الإعلانات، إثر انتقادها من خلال التحقيقات الاستقصائية واستطلاعات الرأي أداء هذه الشركات، وسوء خدماتها، فضلً عن بطئها، مقارنة بالمبالغ الباهظة التي تتقاضاها من الجمهور. لذلك فإنه في كثير من الأحيان، قد يطغى الإعلان التجاري ومصلحة المعلن على جودة المادة التحريرية وحياديتها. وهذا ما حدث بالفعل، حين تسبب ذلك في إحجام أغلبية الصحف عن الإشارة إلى أوجه القصور في أداء شركات الاتصالات على سبيل المثال. كما يمكن أن يستحوذ إعلان تجاري من جهة حكومية أو جهة خاصة نافذة على كل مساحة الصفحة الأولى أو الأخيرة، وبذلك لا تجد أخبارًا مهمة تختص بالشأن العام طريقها إلى النشر، ومن ثمّ لا تحظى بالاهتمام الكافي. ويتطابق هذا تمامًا مع ما ذكره ماكشيسني بقوله: "إن المصالح التجارية كثيرًا ما تخترق الأخبار مباشرة ومن ثمّ تفسد سلامتها، ويشمل ذلك عرض إعلانات على الصفحة الأولى من الصحف أو تسويق الأخبار، مثل وضع أبعاد تجارية في المحتوى التحريري، مع السماح للمعلنين بالتأثير في الأخبار وكيفية تغطيتها"57. ويجادل ماكشيسني بأن مالكي أكبر شركات الإعلام هم عادة ما يكونون ملاكًا أو أعضاء مجالس إدارة في كبريات الشركات التجارية، لذلك فإن هؤلاء المستثمرين المشتركين والمجالس المتشابكة تنتج منها عادة مصالح مشتركة58. إضافة إلى ذلك، يعمل الصحافيون السودانيون في ظروف مهنية سيئة، ومقابل أجور زهيدة لا تكفي لتغطية تكاليف المعيشة. ويزعم بعض المحللين أن الظروف الاقتصادية الصعبة عززت الفساد في وسائل الإعلام، عبر تشجيع الصحافيين والمحررين على بيع التغطية المفضلة للسياسيين أو رجال المال والأعمال والنفوذ. وقد تم من قبل بطلب من اتحاد الصحافيين السودانيين إيقاف بث المسلسل الإذاعي "بيت الجالوص"، الذي كان يهدف إلى توثيق بعض الممارسات غير الأخلاقية لمنتسبي الإعلام. وهذا يبين لنا بوضوح التناقض الذي يعتري فئة الصحافيين أنفسهم؛ ففي حين يطالبون باستمرار بحرية التعبير، يسعون لحجبها عن الآخرين إذا ما مسهم منها الضرر، وكأن مهنة الإعلام مهنة مقدسة لا يوجد فيها من ينتهكون شرف المهنة أو يمارسون الفساد.

  1. 56 محمود الدنعو، "فيلم سينمائي طويل"، اليوم التالي،.2018/1/17
  2. Robert W. McChesney, The Political Economy of Media: Enduring Issues, Emerging Dilemmas (New York: NYU Press, 2008), p. 178.
  3. 58 Ibid., p. 183.

ويرجع محجوب عروة، الناشر السابق لصحيفة السوداني، بعضًا من المشكلات التي تعانيها الصحافة السودانية إلى الناشرين وإدارات الصحف والصحافيين بقوله: "إن إدارات الصحف ليس لها خيال ولا يتعاونون مع بعضهم بل يحاولون تكسير الآخرين في المهنة وبعضهم يستعين بالسلطة لضرب زملائه. كما أن الصحافيين لا يحاولون تطوير أنفسهم بالإضافةإلى أن المؤسسات الصحافية المنوط بها رعاية الصحافة ظلت منذ عقود لا تقدم شيئًا كثيرًا للصحافة مثل الاتحادات النقابية ومجالس الصحافة المتعاقبة. والحكومة لا تعطي مجلس الصحافة ميزانية كافية للتطوير والتدريب مثل بعض المؤسسات الأخرى"59.

خاتمة

تزعم فرضية هذه الدراسة وجود علاقة ارتباطية وثيقة بين ملكية الصحافة الورقية والمضمون الصحفي، لذلك، تسعى لإيجاد إجابات عن الأسئلة التي وردت في هذا الخصوص لتأكيد هذا الزعم أو نفيه. ومن أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن ملكية الصحف في السودان ليست لديها القدرة وحدها على أن تمثل أداة مفصلية للتحكم في حرية النشر والتعبير واستقلالية محتوى الرسالة الإعلامية؛ إذ افترضت الدراسة أن الصحف الخاصة المستقلة عن خط الحزب الحاكم يمكن أن تسهم في إنتاج محتوى إعلامي مستقل، وذلك على نقيض الصحف الخاصة الموالية للحكومة. ولعل النموذجين المذكورين في التغطية الصحافية للعصيان المدني والاحتجاجات الشعبية في السودان، يظهران أنه لا يوجد تنوع حقيقي أو اختلاف كبير في الأخبار والعناوين الرئيسة بين الصحف اليومية، سواء كانت صحفًا خاصة مستقلة أو صحفًا موالية للحكومة، مع بعض الاستثناءات النادرة، في معالجة القضايا الأساسية التي تهم الشارع السوداني وتُ ثّل جزءًا حيويًّا من حياته اليومية، تتمثّل في رفع الدعم الحكومي عن السلع الرئيسة وغلاء الأسعار وغيرها. وقد خلصت الدراسة استنادًا إلى تحليل مضمون الصحف اليومية إلى أنه لحرص هذه الصحف على التودد إلى السلطة الحاكمة، أو على أحسن الفروض عدم إزعاجها بحسب العلاقة بالنظام الحاكم، فإن العناوين الرئيسة والمقالات الافتتاحية غالبًا تكون مكتظة بتأييد السياسات الحكومية أو مبررة لها، تحت غطاء المصلحة الوطنية، أو غير ناقدة لها حتى لو تطلب ذلك تجاهل الحراك الاجتماعي في الشارع، ولكل ما يمكن أن يتسبب في إثارة غضب السلطة. كما أن اختلاف المحتوى بين الصحف الموالية للحكومة والصحف الخاصة المستقلة غالبًا يظهر في الأعمدة وصفحات الرأي أكثر من المواد الإخبارية والافتتاحية للصحف، كما أسلفنا. ولعل لهذا السلوك الصحافي ما يبرره؛ باعتبار أن الصحيفة عادة ما تكون معرضة أكثر للعقاب إذا سلّطت الأضواء في صفحتها الأولى على كل ما لا ترغب في سماعه السلطة الحاكمة، خاصة في القضايا الأمنية والسياسية المتعلقة ببقاء حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السلطة. كما أن كتاب أعمدة الرأي من رؤساء التحرير والصحافيين البارزين يتمتعون بقدر معقول من الحرية، تخولهم الخوض أحيانًا في قضايا شائكة من دون تعرضهم للعقاب. وترى هذه الدراسة أن هناك خطورة مترتبة على ما ذكره لينين في دراسته المذكورة من ضرورة ملكية الدولة للوسائل الإعلامية، خاصة في الأنظمة غير الديمقراطية؛ ذلك أن النخبة الحاكمة في هذه الأنظمة غالبًا تمثّل حزبًا سياسيًّا واحدًا، يهدف إلى خدمة مصالح فئوية ضيقة باحتكاره السلطة أكثر من كونه حزبًا ممثلً للجماهير العريضة، يتنافس من أجل السلطة مع الأحزاب السياسية الأخرى على أسس متساوية وعادلة. لذلك، يعمل هذا الحزب غالبًا على احتكار الأجهزة الإعلامية بما يضمن بقاءه في السلطة، من خلال تسخير الإعلام للحشد والتعبئة وكسب قبول الرأي العام له ولبرامجه. وفي ضوء النموذجين الكازاخستاني والسعودي المذكورين سابقًا والنموذج السوداني محور هذه الدراسة، فإننا توصلنا إلى أنه مع أن الملكية الموالية للحكومة أو المستقلة عنها يمكن أن تتحكم في المحتوى الإخباري، فإن تأثيرها يظل محدودًا في الدول التي لا تنتهج نهجًا ديمقراطيًّا؛ حيث تعاني الصحف افتقارها إلى الاستقلالية عن الحكومات، حتى لو استقلت برأس المال بشقيه السياسي والخاص؛ لأن الفعل الإعلامي عادة يكون خاضعًا لسيطرة الفاعل السياسي بكل سلطاته القانونية والأمنية والاقتصادية. ولذلك، فإن هامش الاستقلالية وحرية الرأي والتعبير غالبًا يكون ضيقًا ومحدودًا ومصطبغًا بألوان البيئة السياسية والاقتصادية والتشريعية والقانونية المحيطة به، التي غالبًا ما تنعكس سلبيًّا على الأداء الإعلامي وتحول دون تخلصه من أعباء الأنظمة الحاكمة. ويتطابق هذا إلى حد بعيد مع ما ذكره المفكر وعالم اللغويات الأميركي نعوم تشومسكي بقوله: "إن ما هو مهم في المسألة ليس فقط صدق الآراء المعبر عنها أو نزاهة أولئك الذين يسعون للحقائق، بل الكيفية التي يتم بها اختيار الموضوعات، وتسليط الضوء على القضايا، والمدى الذي يسمح فيه بالتعبير عن الرأي، والمساحات الحرة التي توجه كتابة التقارير والأعمدة"60.

  1. ملكية الصحف وأثرها على حرية التعبير."
  2. Noam Chomsky, Necessary Illusions: Thought Control in Democratic Societies (London: Pluto Press, 1989), p. 37.

وبالعودة إلى ماهية العلاقة الارتباطية بين الملكية والمضمون الصحفي، والكيفية التي يمكن أن تؤثر بها هذه العلاقة سلبيًّا في استقلالية المضمون الصحفي، يتضح أن المؤسسة السياسية في السودان بمختلف فروعها السياسية والتنظيمية والأمنية والاقتصادية، وليست الملكية، هي الجهة الرئيسة التي تمارس السيطرة على السلوك الإعلامي الذي عادة ما ينتج منه مضمون صحفي محدد لخدمة غرضين أساسيين: منع نشر المواد الصحفية غير المرغوب فيها. تأمين نشر المواد الصحفية المرغوب في نشرها. لذلك تستخلص هذه الدراسة أن قوانين الصحافة والنشر في السودان – وهي كغيرها في أنظمة غير ديمقراطية أخرى - لا تظهر كثيرًا من التفاصيل التي تسمح بالحكم على من يقرر السياسة التحريرية أو المضمون الإخباري للصحف الورقية. وتجادل الدراسة بأن النظر إلى القوانين وحدها يمكن أن يتسبب في حجب كثير من الحقائق القائمة في بنية النظام الإعلامي؛ لأن القوانين عادة تميل إلى تأكيد حرية الصحافة وتظهرها بأنها أكثر حرية مما هي في الواقع. وعادة لا يتم النظر بجدية إلى مجموعة من الضغوط والمؤثرات، على المستويين الرسمي وغير الرسمي والماكرو (الأكبر) والميكرو (الأصغر)، وانعكاساتها المباشرة على حرية النشر والتعبير. وقد لخصتها الدراسة في الجدول (3) في ظل سياق الاقتصاد السياسي في السودان لتشكل في مجملها منظومة متجانسة تُنتج مضمونًا صحفيًّا محددًا. وفيما يتعلق بتنظيم الممارسة الإعلامية بين الاحتكار أو التنافسية والتعددية، يتضح من خلال وصف السلوك الصحافي خطورة نفوذ الملكية وسيطرته على محتوى الرسالة الإعلامية. فتركيز الملكية في السودان في قبضة عدد صغير من الهيئات والأشخاص جعل نخبة قليلة مسيطرة على غالبية كبريات الصحف اليومية، سواء عن طريق جهات حكومية، علنية أو سرية، أو وكلاء سياسيين للنظام الحاكم. وهي تكتلات تهدف إلى خدمة المؤسسة السياسية أو تحقيق مصالح مادية خاصة بالموالين للنظام الحاكم، وتسعى في مجملها لترسيخ الملامح المرتبطة بالبنية الهيكلية المركزية للمؤسسة الإعلامية السودانية. ولعل السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة لأنه كان من أهم نتائج هذه الدراسة هو: لماذا تظهر أغلبية الصحف السودانية اليومية - حتى تلك التي في أيدي الأفراد والقطاع الخاص - متشابهة في المحتوى مع تغطية شبه متطابقة لمعظم القضايا الساخنة التي تهم الرأي العام السوداني، مثل قضية الاحتجاجات الشعبية، التي لم تغطها سوى صحيفة واحدة فقط من مجمل 18 صحيفة يومية كانت تصدر في السودان في ذلك التوقيت؟ وكيف يمكن أن تتحكم السلطة الحاكمة في الصحافة وتؤثر فيها من دون أن تقع تحت سيطرتها المباشرة، في حالة الصحف الخاصة المستقلة، ومن دون أن تمارس ذلك من خلال الوكلاء السياسيين؟ وتعزو الدراسة ذلك أساسًا إلى أن المؤسسة السياسية تستخدم نفوذها المتأتي من الصلاحيات التنظيمية للعمل الصحافي والسلطات القانونية والقبضة الأمنية التي بحيازتها للتأثير في المؤسسة الصحافية، حتى إن كانت مملوكة للقطاع الخاص ولجهات مستقلة، ومثل هذا النفوذ عادة يكون مؤثرًا وفاعلً جدًا بسبب انسداد الأفق السياسي في البلاد. لذلك تخلص الدراسة إلى أن وجود صحافة تعددية لا يتناقض مع الملامح الكلاسيكية المحددة للنموذج السلطوي الذي سيقت إليه الصحف السودانية كافة، من حيث التزام الولاء للسلطة الحاكمة، حتى لو كان مصطنعًا أو غير مرغوب فيه من جانب الصحف الخاصة المستقلة. لهذا من الواضح أن التعددية قد تكون أحيانًا زائفة؛ ليس بسبب زيف نيات الملاك أو دوافعهم، وإنما بسبب إصرار المؤسسة السياسية على استعمال الوسائل الممكنة كافة، من أجل تطويع الصحف للحصول على رضا الرأي العام وقبوله. ولعل في ما ذكر أعلاه إجابة شافية عن التساؤل: هل أن وجود تعددية في الصحف من حيث الملكية يضمن تنوع المضمون؟ فعلى الرغم من أن وجود وسائل إعلام متعددة يجعل من الممكن نظريًّا حضور عدد أكبر من وجهات النظر والآراء، فإن تعدد وسائل الإعلام لا يضمن تعددية الرسائل أو تنوع وجهات النظر كما أوضحنا سابقًا. وفي السودان، يمثّل الواقع السياسي السائد قيودًا حقيقية على حرية الإعلام واستقلاليته؛ إذ تولي النخبة الحاكمة ضمان السيطرة على الإعلام أهمية كبيرة، خاصة في ما يتعلق بتأثيره السياسي الذي يمكن أن يهدد بقاءها ومصالحها. ومن هنا جاءت ضرورة السيطرة على الأجهزة الإعلامية وإخضاعها وتدجينها باستخدام شتى المبررات وأساليب الترغيب والترهيب. ولا ريب في أن هناك مبررات مشتركة تتذرع بها عادة الحكومات غير الديمقراطية للسيطرة على الأداء الإعلامي، في مقدمتها ادعاءات أن الوطن متربص به داخليًّا وخارجيًّا، لذا فإن المصلحة الوطنية العليا لا تحتمل رفاهية الحرية الصحافية وترف الأصوات المغايرة. لذلك على وسائل الإعلام أن يكون لها صوت واحد يدعم المصلحة الوطنية ويؤيد السياسات الحكومية أيًّا كان نوعها. ويقودنا هذا بدوره إلى الحديث عن علاقة الملكية بزيادة الرقابة المؤسسية للصحف والرقابة الذاتية للصحافيين. فمن المعروف أن الحكومة السودانية مثل غيرها من الأنظمة غير الديمقراطية لا تستخدم دائمًا أساليب معلنة لممارسة ضغوطها. ففي الوقت الذي

يمكن تنفيذ العقوبات وتتبعها عادة على نحو صريح، فإن المكافآت والمنافع المادية وغيرها من المكتسبات والترتيبات غير الرسمية غالبًا تكون في الخفاء ومن الصعب اكتشافها. بل حتى التحكم المؤسسي في تدفق المعلومات مثل منح المعلومات أو حجبها من جانب الجهات الرسمية يمكن أن يستعمل مثل العصا والجزرة، مع إدارات تحرير الصحف بحسب انصياعها للتوجه الحكومي أو عدمه. وتبدو العلاقات غير الرسمية بين رجال السياسة والرأسمالية الوطنية والشخصيات البارزة والصحافيين هي المفضلة؛ لأنها تمثّل محصلة التعاون والاعتراف المتبادل للمصالح المشتركة لكل طرف من الأطراف، ولذلك تتسم بأنها أسهل وأيسر من الترتيبات الرسمية المعقدة. ووفقًا لنظرية الردع، فإن السلطة الحاكمة يمكن أن تصل إلى تحقيق النتائج المرغوب فيها عن طريق الردع؛ لذلك فإن أسلوب الردع والتهديد غالبًا يستعمل أداة أصيلة لمنع النشر في القضايا التي لا تروق السلطة61. ولأنه من المعروف أن للمؤسسة السياسية المقدرة على تنفيذ تهديداتها، فإنها يمكن أن تصل إلى تحقيق النتائج المرغوب فيها عن طريق التهديد فقط. ولعل هذا ما يفسر لنا إحجام أغلبية الصحف، حتى تلك التي يمكن وصفها بأنها خاصة مستقلة، عن تغطية أخبار العصيان المدني والاحتجاجات الشعبية، بعد تلقي أوامر شفهية بذلك؛ لأن مقدرة السلطة على الردع تساوي مقدرتها على الفعل نفسه. ومن ثمّ أدى هذا إلى نمو متزايد لما يُسمّى الرقابة الذاتية التي يمكن أن تكون رقابة ذاتية فردية يمارسها الصحافي طواعية خوفًا من العقاب، أو رقابة ذاتية مؤسسية تخضع فيها المؤسسة الإعلامية بأكملها، برضاها أو عدمه، لتوجهات الحزب الحاكم وذلك بحسب علاقتها بالنظام السياسي القائم. فأحيانًا يكون هذا الخضوع إراديًّا تمشيًا مع العلاقة الودية التي تربط المؤسسة بنظام الحكم، وأحيانًا يكون قسريًّا تمشيًا مع المخاطر التي تتخوف منها المؤسسة، إذا اختارت لنفسها نهجًا تحريريًّا مخالفًا لما يريده النظام الحاكم. وعلى الرغم من وجود عدد مهمّ من الكتاب والصحافيين المحترفين في السودان، فإن تأثير النفوذ السياسي في وسائل الإعلام والتدخل المباشر من السلطات الأمنية، إضافة إلى ضعف رأس المال والتمويل وسوق الإعلانات المنخفض، عوامل تقلّل كثيرًا من مهنية الإعلام واستقلاليته، ومن ثمّ مفهوم السلطة الرابعة للصحافة في السودان. ويتوافق هذا تمامًا مع ما ذكره ماكنير: "آلية الرقابة التي يمارسها مالكو وسائل الإعلام عمومًا، تتأتى من خلال تعيين المحررين الذين يصبحون 'صوت المالك' داخل غرفة الأخبار، بما يضمن توافق الصحافيين مع الخط التحريري المفضل. إن قوة وسائل الإعلام لا تكمن فقط في خطها التحريري، وإنما أيضًا في تغطية بعض القضايا بدلً من غيرها، وبعض الآراء دون الأخرى"62. لذلك، فإن الخاتمة الرئيسة التي يمكن استخلاصها تتمثل في أن هذه الصحف ما زالت رهينة بين أيدي السلطة، على الرغم من كثرة الصحف الورقية اليومية وتنوعها في السودان، مع ضرورة الاعتراف بوجود بعض الفروق بين أداء الصحف الخاصة الموالية للحكومة، والكيفية التي تعمل بها الصحف الخاصة المستقلة؛ لأن الأخيرة تلجأ إلى التحايل والمغامرة أحيانًا للكشف عن القضايا الساخنة وتعريف المواطن بها، ولكنها تتحمل جراء ذلك عددًا من الإجراءات العقابية. ويعود هذا إلى المؤثرات التي تحكم سياق الاقتصاد السياسي للإعلام في السودان، مع صعوبة تغيير التشريعات التي تحكم العمل الإعلامي وهشاشة هيكلية الصحف نفسها. ويقودنا هذا إلى التسليم بأن إصلاح المنظومة الإعلامية على نحو ممنهج ومتكامل هو رهن حدوث تغييرات سياسية جذرية في الطريقة التي تدير بها الحكومة السودانية شؤون البلاد، بما فيها من حقوق الإنسان والحريات العامة وحرية الإعلام؛ لأنه كلما كانت هذه الوسائل مستقلة زادت مقدرتها على تمثيل الجماهير، وعلى القيام بوظيفتها الرقابية في الدفاع عن المصلحة العامة. لا شك في قدرة الحكومات على توفير مناخ من الحرية للفعل الإعلامي، بما يضمن تحويل الإعلام من أجهزة دعائية رسمية وبوق للسلطة إلى أداة للتنوير والتغيير، وذلك من خلال انتهاج سياسات إعلامية وإجراء تعديلات شاملة في منظومة القوانين والتشريعات الموجودة حاليًا؛ لتخليصها من القيود المشددة المفروضة على حرية الصحافة والرأي والتعبير، ومن العقوبات المفروضة على الصحافيين، مثل عقوبة الحبس في قضايا الرأي والنشر. ويتأتى ذلك من خلال توسيع مساحات الحرية وتقليص القيود المفروضة على أداء الأجهزة الإعلامية، وصياغة قوانين لضمان الحق في الحصول على المعلومات والحرية في نشر الأخبار وتزويد الجمهور بها. أضف إلى ذلك أهمية الحد من التدخلات الأمنية إلا في حالات الضرورة القصوى، مثل نشر مواد تؤدي إلى الإضرار بالأمن القومي والسلامة العامة. والمؤكد أن التعديلات المستقبلية على قانون الصحافة والمطبوعات ستتماشى مع المعايير الدولية وأفضل الممارسات في مجال حرية التعبير، والسماح للصحافيين وناشطي المجتمع المدني بالمشاركة الكاملة في عملية إصلاح القوانين وإعادة هيكلة وسائل الإعلام.

  1. R. N. Lebow Jervis & Stein J. G., Psychology and Deterrence (Baltimore: John Hopkins University Press, 1985).
  2. Brian McNair, News and Journalism in the UK (London: Routledge, 1994), pp. 73 - 77. المصدر: من إعداد الباحثة في ضوء تفسير نتائج أسئلة الدراسة وفرضياتها.
المستوى"ماكرو" (الأكبر)"ميكرو" (الأصغر)
الرسميالقوانين، والمجلس القومي للصحافة والمطبوعات
(تراخيص إصدار الصحف ومزاولة العمل الصحافي، وحق
تعيين رؤساء التحرير)، ووزارة الإعلام (تراخيص البث
الإذاعي والتلفزيوني)، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني
(مصادرة الصحف، استدعاء الصحافيين أو اعتقالهم)،
ومحكمة الصحافة، والملكية، والإعلانات الحكومية.
البيانات الصحافية، وحظر النشر في قضايا
معينة، ومصادرة الصحف، والتحكم
المؤسسي في تدفق المعلومات.
غير الرسميالمالكون والمستثمرون، والمعلنون من القطاع الخاص،
والدعم الحكومي السري، والتصريح الانتقائي للمعلومات،
والرقابة الذاتية المؤسسية.
جماعات الضغط والمصالح، وأسلوب الثواب
والعقاب (المقابل النفعي أو الردع) على
المؤسسات الصحافية أو الأفراد من رؤساء
التحرير أو الصحافيين البارزين، والرقابة
الذاتية الفردية.

إن المطالبة بتوفير هذا المناخ تشريعًا وممارسة لا يمكن في المقابل أن تستقيم، إذا لم تكن مقترنة بمجموعة مسؤوليات ومبادئ لا يمكن أن يتجاوزها الإعلامي؛ أي بمعنى آخر يمكن باختصار المناداة بالحرية مقابل المهنية. وهي التي تعبر عنها الأدبيات الرائجة بميثاق الشرف الصحافي الذي يحتم على الصحافي تحمل مسؤولية الرسالة الإعلامية بصدق ونزاهة، والتزام المعايير المهنية وتحكيم أخلاقيات العمل الصحافي وتقاليده، ورفض المزايدة والابتزاز، وتجنب التشهير واقتحام خصوصية الأفراد، والابتعاد عن إثارة الفتن والنعرات الدينية والعرقية والطائفية، إضافة إلى ضرورة التزام معايير الجودة والمضمون المتعلقة بالمنتج الإعلامي؛ لأن العمل الإعلامي يحتاج إلى تخطيط وإستراتيجيات واضحة تُلتزم، حتى لا تتغير المضامين والسياسة التحريرية مع تغير القيادة الإعلامية.

المراجع

العربية

البقالي، عبد الله. "تحرير الإعلام العربي من الاحتكار الحكومي". ورقة مقدمة في المؤتمر العاشر لاتحاد الصحافيين العرب. القاهرة،.2004 السيد، علي رجب. تشكيل هيكلية وظائف الإعلام. عمان: دار غيداء للنشر والتوزيع،.2014

الجدول (3) الضغوط والمؤثرات التي تتحكم في استقلالية الصحف وحرية النشر والتعبير

عبد الباقي، عيسى. الصحافة الاستقصائية وصناعة القرار السياسي. القاهرة: دار العلوم للنشر والتوزيع،.2014 عزت، محمد فريد. إدارة المؤسسات الإعلامية. القاهرة: دار العربي للنشر والطباعة والتوزيع،.1994 المجلس القومي للصحافة والمطبوعات. قانون الصحافة والمطبوعات لعام 1996:. في https://bit.ly/2KpSYof

الأجنبية

Begoyan, Anoush. "State Versus Private Ownership: A Look at the Implications for Local Media Freedom." Article 19. "Freedom of Expression in the Local Press, the Rules of Free Competition and Media Pluralism." Conference convened under the Observatory of the Freedom of Media in Poland, 2009. Besley, Timothy & Robin Burgess. "The Political Economy of Government Responsiveness: Theory and Evidence from India." The Quarterly Journal of Economics. vol. 117. no. 4 (2002). SSRN. at: https://bit.ly/2IFaJdE

Besley, Timothy & Andrea Prat. "Handcuffs for the Grabbing Hand? Media Capture and Government Accountability." Centre for Economic Policy Research (CEPR). Discussion Paper no. 3132. London, 2002. Chomsky, Noam. Necessary Illusions: Thought Control in Democratic Societies. London: Pluto Press, 1989. Djankov, Simeon et al. "Who Owns the Media?" World Bank and Harvard University, 2001. Gomery, Douglas. "A Very High-Impact Player." American Journalism Review (July/ August 1996). Herman, Edward S. & Noam Chomsky. Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media. New York: Pantheon Books, 1988. International Media Support. Media in Sudan at a Crossroad. November 2007. at: https://bit.ly/2u0iXrf Jervis, R. N. Lebow & Stein J. G. Psychology and Deterrence. Baltiomore: John Hopkins University Press, 1985. Lenin, Vladimir. "On the Freedom of the Press." Labour Monthly. vol. 7. no. 4 (1925). Lichter, S. Robert & E. Noyes Richard. Good Intentions Make Bad News: Why Americans Hate Campaign Journalism. Lanham, Maryland: Rowman & Littlefield, 1995. McChesney, Robert W. The Political Economy of Media: Enduring Issues, Emerging Dilemmas. New York: NYU Press, 2008. McNair, Brian. News and Journalism in the UK. London: Routledge, 1994. Prat, Andrea & David Strömberg. "The Political Economy of Mass Media." Centre for Economic Policy Research (CEPR). Discussion Paper no. DP8246, 2013. Sudan Country Report 2016: Freedom of the Press. Freedom House, 2016. at: https://bit.ly/2Kob4Hp