تنظيم الدولة المكنّى "داعش": إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة

The Islamic State of Iraq and the Levant (Daesh): A General Framework and Critical Contribution to Understanding the Phenomenon

عزمي بشارة| Azmi Bishara *

الملخّص

يمثل هذا النص مقدمة كتاب صدر راهنًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالعنوان نفسه، تنظيم الدولة المكنّى "داعش". كتب عزمي بشارة الجزء الأول منه، بعنوان فرعي إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة، وأشرف على الجزء الثاني الذي ورد بعنوان فرعي التشكل والخطاب والممارسة، وأسهم في كتابة فصوله عدد من باحثي المركز. تتناول المقدمة حزمة الأسئلة المنهجية ذات الصلة بفهم ظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وتذهب إلى أن ظاهرة مركّبة، سياسية واجتماعية ودينية، مثل داعش، تستدعي رؤية مركّبة وتعددية في زوايا النظر، ومن ثم، مقاربة منهجية تكاملية تتداخل فيها الاختصاصات وتعبرها في آن واحد، تضع ظاهرة داعش في سياقها، ولا تهمل مميزاتها الفكرية والدينية. وتحاجّ المقدمة بأن "دولة داعش" ليست قائمة إلا في عملية التمدّد والحرب؛ فحالما يتوقف التمدد يبدأ الاندثار، فهي نظامٌ لا يقوم إلا على أن محيطه نقيضٌ له، والحالة التي تبقيه قابلًا للحياة هي حالة مستمرة من "التمدد والانحسار".

Abstract

* مفكر عربي، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. * Arab Public Intellectual, General Director of the Arab Center for Research and Policy Studies.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

يمثل هذا النص مقدمة كتاب صدر راهنًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالعنوان نفسه، تنظيم الدولة المكنى "داعشّ." كتب عزمي بشارة الجزء الأول منه، بعنوان فرعيإطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة، وأشرف على الجزء الثاني الذي ورد بعنوان فرعيالتشكل والخطاب والممارسة، وأسهم في كتابة فصوله عدد من باحثي المركز. تتناول المقدمة حزمة الأسئلة المنهجية ذات الصلة بفهم ظاهرة تنظيم الدولة الإسامية "داعش"، وتذهب إلى أن ظاهرة مرك بة، سياسية واجتماعية ودينية، مثل داعش، تستدعي رؤية مرك بة وتعددية في زوايا النظر، ومن ثم، مقاربة منهجية تكاملية تتداخل فيها الاختصاصات وتعبرها في آن واحد، تضع ظاهرة داعش في سياقها، ولا تهمل مميزاتها الفكرية والدينية. وتحاجّ المقدمة بأن "دولة داعش" ليست قائمة إلا في عملية التمدّد والحرب؛ فحالما يتوقف التمدد يبدأ الاندثار، فهي نظامٌ لا يقوم إلا على أن محيطه نقيضٌ له، والحالة التي تبقيه قابلًا للحياة هي حالة مستمرة من "التمدد والانحسار."

تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال: كيف نفهم ظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"؟ أي، ما هي زاوية (أو زوايا) النظر الملائمة للبحث فيها؟ فهل يكفي تصنيفها بوصفها حركة سلفية جهادية، أو حركة تمرّد، أو حركة طائفية، أو ردّة فعل على الحداثة، أو ظاهرة من ظواهر الحداثة وليست ردّة فعل عليها فقط، كما يصُرّ بعض الباحثين؟ أم أن زوايا النظر هذه كلها قد تُغني عملية البحث في الموضوع؟ ينطلق البحث من أن فهم ظاهرة مركّبة سياسية واجتماعية ودينية مثل تنظيم الدولة الإسلامية يستدعي رؤية مركّبة وتعددية في زوايا النظر، وهو ما يُفضي إلى نوع من مقاربة منهجية تكاملية تتداخل فيها الاختصاصات وتعبرها في آن واحد. فلا يمكن الإمساك بظاهرة من هذا النوع من دون النظر إليها من زاوية النظر التأريخية والسوسيولوجية والفكرية والسياسية، ومن دون تحليل الخطاب ونقد الأيديولوجيا، فضلً عن فهم موقعها ونشوئها وتطوّرها ووظائفها في سياق الصراع السياسي في ظلّ ضعف الدولة وصعود الهويات الطائفية وتسييسها. والتحليل، وفق المنهج الذي يتّبعه المؤلف، إذا كان مثابرًا يتحوّل إلى عملية نقد الظاهرة. والنقد يرتقي إلى مستوى تحليل الظواهر إذا توافر فيه شرط المنهجية العلمية. أثار التنظيم في صعوده العاصف وقدراته القتالية الهجومية وتمدّده السريع وفهمه النظري والعملي السلوكي للدين وزعمه أنه أصبح دولةً لا تتطلَّب اعترافًا من أحد واهتمامه بتفصيلات الحياة اليومية للناس الذين يعيشون تحت سيطرته وفق فهمه للإسلام، وشغفه بعرض عنفه ودمويّته مشهديًا، قلق عموم الناس ومخاوفهم الدفينة. وكما هو متوقّع، جذب التنظيم اهتمام الصحافة والإعلام في العالم بأسره في عصر تكنولوجيا الاتصالات؛ كما أثار اهتمام السياسيين وحيرتهم في كيفية فهمه والتعامل معه في الوقت ذاته.

داعش في منظور مراكز التحليل السياسي

لا شك في أن الحركات السياسية الإسلامية، والتيار الإسلامي عمومًا، تمرّ بأزمة عميقة نتيجة انكشاف نهج هذا التنظيم وحجم ارتكاباته، وآثاره السلبية في مجمل الحركات الإسلامية وليس في من يعتنقون أفكاره التي لم تثر نفور ما يُسمّى الرأي العام العالمي فحسب، بل أثارت نفور الأغلبية الساحقة من المسلمين أيضًا. أصيبت الحركات الإسلامية بانتكاسات عدة. لكنّ فشل تجربة الإخوان المسلمين القصيرة جدًا في حكم مصر بالانتخاب، واختتامها بانقلاب عسكري، ثم اتضاح معالم تجربة داعش (النقيضة لتجربة الإخوان الانتخابية في مصر) وتنفيرها الناس من العمل السياسي الديني عمومًا، هما مكوّنا الانتكاسة الأعمق للتيار الإسلامي بمعناه الواسع، وهي الانتكاسة الراهنة. فهي تجمع بين ضربتين قاصمتين لتوجّهين أساسيين متنافرين في العمل السياسي الديني تقع بينهما أغلبية اتجاهات التيار السياسي الإسلامي؛ إذ ما عاد أي من التوجّهين قادرًا على الادعاء أنه يشكل بديلً من الثاني، فكلاهما ساق ممارساته إلى نهايتها القصوى عبر ممارسة السلطة وإدارة المجتمع. وكلاهما فشل في ذلك في سياق تفاعل ظروف داخلية وخارجية، ذاتية وموضوعية أحبطتهما. وكانت النتائج وخيمة1. فلا بدّ إذًا من مراجعة نقدية شاملة لمجمل الفكر والتجربة. مع أن الكاتب يميل إلى عدم شمل تنظيم الدولة داخل الحركات الإسلامية السياسية أو ما يسمّى خطأ "الإسلام السياسي"، لأن هذا التنظيم في الحقيقة مناهضٌ للسياسة وأدوات العمل السياسي؛ أي يفتقر إلى الحدّ الأدنى المطلوب لتسميته حركة سياسية، لرفضه التعامل مع الدولة أو العمل السياسي في إطارها، أو حتى السيطرة عليها. فهو لا يهدف إلى السيطرة على مؤسسات دولة قائمة، بل يقيم دولة بديلة منها على حدّ زعمه. أما براغماتيته البالغة في استخدام العنف وتبرير الوسائل بالأهداف من دون أي اعتبارات أخلاقية، بهدف إخضاع خصومه أو التقدم عليهم، فلا يكفيان لاعتباره حركة سياسية بالمعنى أعلاه، في رأيي. لوحظ على مستوى أوراق مراكز التحليل السياسيThink Tanks وندواتها، وعلى مستوى البحث الأكاديمي العلمي الأكثر رصانة منها، تنافسٌ في محاولة فهم التنظيم وخلفياته وبيئته وتاريخ نشوئه، وفي تبرير مواقف أيديولوجية مختلفة من الصراعات التي تغذّى منها أيضًا، والقضايا التي تنقسم حولها المجتمعات التي يعمل فيها خلال ذلك. ومن ضمن ذلك أذكر تبرير بعض الباحثين الاستبداد والاستكانة له، لأن البديل قد يكون قوى مثل تنظيم الدولة، وتثبيت آراء مسبقة عن الإسلام والمسلمين، وترسيخ مواقف تشكيكية حول قابلية المجتمعات الإسلامية للديمقراطية. كما صدرت أبحاثٌ تقوم على مواقف مضادة تدين الاستبداد الذي نمت في ظلّ عنفه وسياساته القمعية مثل هذه التيارات وتمدَّدت في ظلّ فشله.

  1. سبقت هذه الأزمةَ قبل عقدين أزمةٌ أخرى تلخّصت بفشل التجربة السودانية للحركة الإسلامية التي وصلت إلى الحكم بانقلاب عسكري ولم تحقق وعودها، وانتهى الأمر إلى نظام سلطوي. أما في الجزائر، فانتهى الأمر إلى تجربة دموية وسمَت العقد الأخير من القرن العشرين. لكنّ الأزمة التي نصفها هنا أعمق وأشمل وأكثر تأثيرًا في رأيي لأسباب عدة؛ منها، تطوّر دور الإعلام وحجم التجربة ذاتها والدول ذات العلاقة، ولا مجال للتفصيل فيها في هذا المقام. وفي المقابل، قدّمت حركة النهضة في تونس نموذجًا لمراجعة ممكنة لطريق الحركة الإسلامية إلى المساهمة في الحكم (أو المعارضة) والمجال العمومي بشكل عام.

من الواضح أن الفضول الشديد والرغبة في الحصول على معلومات عن تنظيم الدولة، وحاجة الإعلام إلى سرديات تفسيرية سهلة لممارساته وفكره، كانت من أهم دوافع العمل البحثي حول التنظيم، والتقى ذلك مع منهج مراكز التحليل السياسي. ولم تكد هذه المراكز والمؤسسات الأكاديمية تتمكن من تلبية طلب سوق الإعلام والنشر. لذلك لوحظ في الإصدارات تكرار سيرة التنظيم نفسها، وسرد قصّته مع إضافة بعض المعلومات، ولا سيما بعد قيام مؤسسات أمنية وسياسية أميركية بنشر تقارير داخلية أو تسريبها. كما لوحظت محاولات لتحويل مقالات جيدة إلى كتب ولو بالحشو والتكرار؛ ذلك أن دور النشر الأجنبية كلّفت كُتّابًا بالتأليف للتجاوب مع طلب السوق. ولبّى هؤلاء الطلب حتى عندما لم يكن لديهم ما يملؤون به مئات الصفحات. فظاهرة تنظيم الدولة في النهاية ظاهرة محدودة، لا يمكن أن تصدر عنها في عام واحدٍ مئات المقالات وعشرات الكتب، جلّها بعد سقوط الموصل، إلا إذا كان قسم كبير منها لا يضيف شيئًا، أو يكرّر ما قيل في بعض الكتب والدراسات التي صدرت في البداية. وأصبحت ظاهرة تنظيم الدولة إعلامية عالمية بامتياز قبل أن يُتاح إمكان الدخول إلى عالمها أو اختراق مجال المناطق التي تقع تحت سيطرتها؛ ما جعل كل ما يكشف عن الحياة في ظلّ التنظيم، ولو من مصدر خارج نطاق التنظيم، مادةً تُبنى عليها الفرضيات، وأصبح يجري التعامل مع أي معلومات، رغم هامشيتها، باعتبارها أساسية لفهم هذا التنظيم. وربما كان مصدر ذلك هو الغموض الذي أحاط بالتنظيم منذ البداية، ولفّ التنظيم نفسه به. فأصبحت المعلومات عنه شبيهة بالأخبار القليلة التي تتسرّب من كوريا الشمالية وتُبنى عليها صورة كاملة. في كثير من الحالات، التقى الموقف الأيديولوجي المرتبط بمصلحة اجتماعية أو سياسية محدّدة مع الاختزالية والتبسيط في بحث الظاهرة؛ وذلك برؤيتها من زاوية واحدة لا غير، أو في ادّعاء تفسيرها بمعادلة سحرية، أو حتى بفك شيفرتها و"كشف سرّها". وهو غالبًا من نوع الأسرار التي تُفشى في مجالس الثرثرة. وليس الفرق كبيرًا بين الكشف عن سرٍّ كامن خلف الظاهرة، وتفسيرها باستخدام عُدّة مصطلحية علمية أو شبه علمية، إذا سخّرت هذه للاستخدام بحصرها في زاوية واحدة فحسب. ونجد أمثلةً على ذلك في الافتراض أنّ الظاهرة امتداد للفكر المتطرّف في الإسلام وأحد تجلّيات السلفيّة الدينية، واستمرار لتقاليد الجهاد الفقهية التاريخية، ولا سيما تقليد أحمد بن تيمية، بتفسيره - أي الفكر المتطرف - الذي يقصره على العنف والقتال، أو باعتبارها حركة طائفية أو ظاهرة احتجاج وتمرّد جرت أسلمتها، أو في مقاربة الظاهرة بوصفها ظاهرة سياسيّة فحسب، حيث قد يصل اختزالها هذا إلى حدّ ادعاء اعتمادها على دعم هذه الدولة أو تلك، وتفسير صعودها بهذا الدعم. انتشر في بعض الإعلام العربي المستقطب في المرحلة الراهنة ادّعاء مفاده أنه لا يمكن فهم الظاهرة من دون دعم إيران ومحورها، كونها المستفيد في النهاية من إجهاض تنظيم الدولة الثورة في سورية ومنْع تحوّل "الحراك السنّي" إلى نضال مدني ضد النظام الطائفي في العراق، في حين ادّعى مؤيدو النظام السوري وإيران أنّ تنظيم الدولة صناعة بعض الأنظمة الخليجية أو حتى الاستخبارات الأميركية، وذلك ضمن مؤامرة كونية. تُبعد الادّعاءات هذه، بغض النظر عمن تستهدفه، المراقب عن فهم الظاهرة، وتصل في بعض وسائل الإعلام إلى حدّ الهراء. ليست هذه ال "بروباغندا" نتاج نظرية مؤامرة يؤمن مروّجوها بها، بل نتاج تقاطع ثقافة سياسية تبيح نسب أي شر إلى الخصم باعتباره مصدره، وتروّج حبكات قصصية عن مؤامرات، هي ذاتها لا تؤمن بها؛ وهي أيضًا نتاج استخفاف بوعي الجمهور باعتباره "جاهلً " يصدّق أي شيء، ويعني في الحقيقة تجهيله بتكرار مثل هذه التفسيرات.

داعش المتعدد

تطول قائمة زوايا النظر المختلفة الممكنة لمقاربة الموضوع. وفي رأينا، لا يمكن فهمُ ظاهرةٍ من نوع تنظيم الدولة داعش باختزالها في ميزة واحدة أو أكثر تجمعها مع ظواهر أخرى، كما لا يصح اختزالها في ما يميّزها من باقي الظواهر، فقد تشترك مع ظواهر أخرى في صفات لا غنى عنها لفهمها. ويمكن الاقتراب من إعادة إنتاج الظاهرة بحثيًا (وهذا أوسع وأغنى من تشخيص الصفات التي تميزها) فحسب بأخذ زوايا نظر عدّة في الحسبان، وهذا يستوجب تداخلً في مناهج علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية وعلم النفس والتاريخ الاجتماعي وتاريخ الأفكار وغيرها؛ إذ لا يمكن مثلً فهم تنظيم داعش باعتباره امتدادًا للسلفيّة، أو تمظهرًا لفكرة خلافة إسلامية تبرز وتختفي في مراحل تاريخية مختلفة، بحسب بعض الباحثين الذين اندفعوا لعرض فكرة الخلافة وانتشارها لفهم هذا التنظيم، فأخفقوا في رأيي، مثلما أخفق الذين حاولوا اشتقاق تنظيم الدولة من النصوص الدينية والإيمان الحرفي بها، أو من وقائع وأحداث من التاريخ الإسلامي، مع أن التنظيم يستند إليها في تبرير ممارساته. ثمّة منهج أكثر تركيبًا يرى في التنظيم نتاج فشل الدولة في المشرق العربي مثلً، وآخر يرى أن اجتذابه بعض الشباب في الغرب وجزءًا منهم في الشرق ناجمٌ عن توفيره بديلً من الماركسية والقومية

وغيرهما، لتأطير المتطرّفين وتمرّدهم الجيلي أو حتى النفسي في بعض الحالات الخاصة بالجيلين الثاني والثالث من أبناء المهاجرين والمتحوّلين الجدد إلى الإسلام. وهذه زوايا نظر مفيدة تتجاوز احتكار المتخصصين بما يسمى "الإسلام السياسي" للموضوع. لكن لا يجوز أن تهمل هذه الزوايا البعدَ السلفي الجهادي ولقاءه مع الاستقطاب الطائفي، فهذا اللقاء بين هذين البعدين من أهم مكوّنات خصوصية الظاهرة. من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل استخدام التنظيم نصوصًا إسلامية، متجاوزًا الأداتية منها ومركّزًا على الفكري – الفقهي، حتى إن كانت هذه النصوص انتقائية تخدم أغراضه المعاصرة، فالتنظيم هو حركة دينية أيضًا، وتعمل في ظلّ ثقافة دينية، وفي مجتمعات متديّنة، وتحاول إعادة تقديم الأحكام والفتاوى الفقهية وتنزيلها على "نوازل" معاصرة بغض النظر عن الشروط التاريخية التي حكمت إنتاجها. وكذلك، لا يمكن فهم عنف التنظيم من دون أن نأخذ في الحسبان أنماط العنف السائدة في دول الاستبداد، وفي بعض المجتمعات العربيّة خلال مراحل الثورة المضادة والحروب الأهليّة أيضًا. كما يصعب فهم خصوصية الاستعراضية في العنف والتباهي به لأجل التأثير الإعلامي والنفسي في الآخرين فحسب، ومن دون تفسير نفسي ما لمنفذيه والآمرين به، لأنّ هذه الظروف نفسها تعرّض لها ملايين البشر وعشرات الآلاف من الإسلاميين السلفيين، ولم يصل جميعهم إلى ارتكاب هذه الأفعال أو الأمر بتنفيذها. ثمّة، إذًا، عناصر متعلّقة بالخلفية الشخصية، سواء أكانت خلفية اجتماعية أم نفسية للأفراد.

على الرغم من أنّ السلفيين ليسوا كتلة واحدة صلبة، بل هم متنوعون ومختلفون، وعلى الرغم من أن أغلبية السلفيين في إطار هذا التنوع ليست جهادية، وأغلبية أتباع الفكر السلفي لا تحمل السلاح في النهاية، فإنه لا يمكن إغفال أنّ الفكر الديني الذي يتبنّاه التنظيم يُعلن عن نفسه بوصفه فكرًا سلفيًا جهاديًا ويستند إلى مصادره ذاتها. وازدادت حصّة الفكر السلفي في المركب السلفي الجهادي بالانتقال من الجهاد "الكلاسيكي" ضدّ السوفيات في أفغانستان في الثمانينيات بوصفهم عدوًا كافرًا محتلًّ لبلد مسلم ودفاعًا عن هذا البلد، إلى تنظيم القاعدة، ومنه عبر التجربة العراقية إلى تنظيم الدولة. ولا شك في أن حرص الأخير على الاقتباس من مصادر الفكر السلفي، ولو انتقائيًا لتبرير أفعاله فحسب، هو أكبر من حرص تنظيم القاعدة الأكثر اهتمامًا، على الرغم من سلفيته، بإستراتيجية الجهاد، ومن ثم بالسياسة والعلاقات الدوليّة، والأقل ميلً إلى تكفير المجتمعات. ربما يمكن فهم التنظيم من خلال تقاطعات تطوّر السلفية والجهادية إلى "السلفية الجهادية" في تفاعل حركيين إسلاميين مع السلفية بتسييس الأخيرة وسلفنة الأوائل خلال تجربة الجهاد في أفغانستان والسجون والملاحقة في بعض الدول العربية (السجون مكان للتفاعل بين السلفيين والشباب الراغبين في الانتقام من الإذلال والتعذيب الذي تعرّضوا له، ولا سيما في حالات نفسية تتمثل بالتهاب جرح نرجسي2. وهي كلها تجارب معاصرة حكمتها شروط معاصرة، فالسجون من أهم ورش تصنيع الجهاديين. يُضاف إلى ذلك تجربة الكفاح المسلّح في المناطق النائية في أفغانستان واليمن وجبال الأطلس وتخوم الصحراء في شمال أفريقيا، وتقاطع التنظير الجهادي السلفي مع تجربة السجون الأميركية وسجون الأنظمة في سورية والعراق، وتجربة العنف الطائفي وعنف الاستبداد والاحتلال في العراق وسورية وغيرها. لكن هذا كلّه قد يصنعُ "عصبةً" من المتطرفين الذين لا يمكن إلا أن يكونوا حركة هامشية في الدول القويّة التي تحظى أنظمتها بشرعية، وتنفذ وظائفها بدرجةٍ معقولةٍ من النجاح. لكن ما يسمح بانتشارها بهذا الشكل هو فشل الدولة. لا يكفي فشل الدولة وحده أيضًا لفهم لماذا من ملأ الفراغ وانتشر خطابه بسرعة، هو هذه الحركات تحديدًا وليس غيرها. ومن الضروري فهم عوامل فشل تيارات أيديولوجية أخرى كانت مهيمنة، وكذلك طبيعة النظام الحاكم الذي فشل، ففي كثير من الحالات ساهمت طبيعة النظام في تحديد طبيعة قوى المعارضة، فضلً عن الطائفية السياسية الممأسسة في حالة العراق واللونية الطائفية المهيمنة على مراكز الجيش والاستخبارات التي تغلغلت في إدارات الأجهزة المدنية في سورية. ولا يمكن فهم هذه أيضًا من دون فهم الغبن الطائفي، أو الظلم الاجتماعي - السياسي الذي فُهم على مستوى الإدراك الشعبي في هذه الدول على أنه ظلم طائفي. لا بديل إذًا من فهمٍ مركبٍ للظاهرة، يضعها في سياقها الاجتماعي والتاريخي والسياسي من دون إهمال مميزاتها الفكرية والدينية أيضًا.

  1. هذا في حد ذاته لا يكفي لشرح الظاهرة طبعًا، لكن لا بدّ من أخذه في الحسبان، ولا سيما في حالة بحث العلاقة بين التعذيب والإذلال وردة الفعل الانتقامية العنيفة لدى بعض الأفراد.

مصطلح الجهاديين، مثل مصطلح الإسلاميين، غير معروف في تاريخ الإس ماا؛ إذ نجد ألفاظًا مثل مسلم ومجاهد، لكننا لا نعثر على "جهادي" و"إسلامي". هذه الكلمات تدل على تغلّب نشاط إنساني ما، يقوم به شخص أو جماعة، على باقي أوجه الحياة والنشاط، من نوع تحويل ممارسة ما إلى مهنة أو تفرّغ أو أيديولوجيا. فالجهادي يحوّل الجهاد إلى أيديولوجيا موجِّهة للممارسة وليس إلى ممارسة فحسب، كأن يقصر الجهاد مثلً على القتال ويجعله فريضة دينية تفوق في أهميتها الفرائض الأخرى، أو يجعل الجهاد تفرّغًا يكاد يكون مهنةَ الجهاديّ المتنقل من ثغر إلى آخر من ثغور المواجهة مع "أعداء الإسلام والمسلمين"؛ مثلما لا يكفي الإسلامي التعاطي مع الإسلام بوصفه دينًا، ولا حتى فرائض يمارسها وقيمً أخلاقية موجِّهة له في الدنيا كحال المتديّن النموذجي، بل يتعامل معه أساسًا بوصفه أيديولوجيا موجِّهة في العمل السياسي، ويُخضِ ع القيم الدينية ذاتها لهذه الأيديولوجيا (خلافًا للمتديّن العادي الذي يفترض أن يفعل العكس.)

نحن إذًا أمام ظاهرة مركّبة، اجتماعية سياسية دينية، من الضروري تناولها من هذه الزوايا كلها إذا أردنا أن نفهمها ونصل إلى نتائج مفيدة، سواء أكان الهدف من ذلك مواجهة الظاهرة أم لا. ولا شك في أنّ القوى الراغبة في مواجهة الظاهرة وإلحاق الهزيمة بنواتها التنظيمية والعسكرية نتيجةً للضرر الذي تُلحقه بالبلدان والمجتمعات التي ابتُليت بها، تبحث عن أداةٍ ناجعة وسريعة قدر الإمكان. لكن لا يجوز أن يُغرى الباحث بتقديم وصفات جاهزة، ليس لأن هذه ليست وظيفته فحسب، بل أيضًا لأنّه يُضلّل السائل إذا منحه إجابة كهذه؛ فغالبًا ما تؤدي الحلول السحرية والوصفات "الناجعة والسريعة" إلى مفاقمة الظاهرة، وربما إنتاج ظواهر أخرى أسوأ منها، كما تدل تجربة الحرب على الإرهاب في أفغانستان والعراق وغيرهما حتى الآن. إنّ الاعتقاد المتمثل بتقسيم الوظائف بين الغرب والشرق، حيث يقوم الغرب بالقصف من الجو (بالطائرات والإعلام والأبحاث)، في حين يجب على الشرق مكافحة الظاهرة دينيًا لأنّها متجذّرة في الإسلام، ووظيفته إصلاح الإسلام، وكأنّه سلاح مشاة في معركة الغرب، هو تقسيمٌ ساذجٌ لا يؤدّي إلى نتيجة في مصلحة المجتمعات المقصوفة من الجو، ويشوّه فهمنا لمجتمعاتنا. فمواجهة الظاهرة يجب أن تجري على خلفية جهدٍ متواصلٍ لتغيير الواقع الذي أنتجها وإصلاح الدولة التي أدّى فشلها إلى تمدّد الظاهرة إلى ما يفوق مقاييسها الطبيعية في أيّ منظومةٍ سياسية اقتصادية اجتماعية حديثة. أما إصلاح الدين، فوظيفة المتديّنين والفقهاء الإصلاحيين، وليس وظيفة مراكز الأبحاث العلمانية بحكم تعريفها، خصوصًا إذا كانت موضوعات البحث هي الدين والتديّن والحركات الدينية. وفي رأينا، تجري خلال مكافحة تنظيم الدولة مراجعات لفهم الدين، ليس أهمها ذلك "المأمور به"، أو المطلوب بضغط من الخارج، بل ما يمرّ به المسلم المؤمن المتوسط، وحتى الناشط في تيار سياسي إسلامي حين يرى ما يقترفه تنظيم مثل داعش باسم النصوص التي يؤمن هو أيضًا بها، والضرر الذي جلبه على المسلمين، والظلم الذي ألحقه بهم. ولا شك في أن التنظيم يضع الفكر الإسلامي الديني أمام تحدي مواجهة نتائج تسييس مطلب تطبيق الشريعة والتكفير والولاء والبراء والفرقة الناجية وغيرها، وتديين مصطلحات مثل الدولة والأمة... إلخ.

لا يبقى إذا لم يتمدد

مسخَ داعش الطوبى التراجعية التي يُكثّفها دلاليًا حديث "خير القرون" (أو الأوتوبيا الماضوية التي يؤمن بها حتى المسلم العادي بشأن المرحلة النبوية والخلافة الراشدة من دون التعامل معها بوصفها برنامجًا سياسيًا)، والتي كانت تحملها الحركات الإسلاميّة كأيديولوجيا، وذلك حينما جعلها برنامجًا فعليًا للتطبيق والممارسة في الواقع، حيث لا تبقى مثالً في الأذهان، ولا حتى أيديولوجيا تعبوية، أو أداة في نزع الشرعية من النظام السياسي أو الواقع الاجتماعي القائم. وحينما حاول أن يطبّق الطوبى في الواقع، انقلبت إلى محنة للمسلمين الذين تعرّضوا لعملية فرضها عليهم، وتحوّلت الجنّة الدنيوية إلى جحيم أرضي. كما عمّق التنظيم أزمة الفكر التكفيري حين حوّل التكفير إلى سلاح ضد التنظيمات الإسلامية الأخرى، وفي مقدمها التنظيمات "الجهادية" التي تختلف معه في الفروع السياسية وليس في الأصول الاعتقادية "الجهادية"، مثلما هي الحال بينه وبين جبهة النصرة (القاعدة) في سورية أيضًا. فهذه توانت في محاربة داعش أو تردّدت طويلً قبل محاربته، ولم تفعل ذلك بتصميم ومثابرة وشراسة حتى حاربها بشراسة ومثابرة، وغدر بها المرة تلو الأخرى؛ وذلك لأنّها لم تكفّره، في حين لم يتردد هو في تكفيرها.

صحيح أنّ تنظيم داعش قبل بهُدَن (وليس تحالفات) في مراحل ضعفه، كما حصل حين كان في أسوأ أحواله في العراق من مطاردة الجيش والصحوات له، حين التقى بحركات مقاومة بعثية في عام 2008 في العراق، أو تهادن مع فصائل "إسلامية" مسلحة في سورية عندما كادت تُجهِز عليه. لكن هذا كان في مرحلة ضعفه الشديد الذي اضطره إلى "التهادن"، وربما توهّم الطرف الآخر أنّ هذا كان تحالفًا فعليًّا ضد الاحتلال. وجرّبت فصائل المقاومة العراقية فكرة التحالف المرحلي مع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ثم تنظيم دولة العراق الإسلامية، أو الاتفاق معه على نقاط مثل مقاومة المحتل، على الرغم من الاختلاف معه على قتل المدنيين، لكن تبيّ في كل مرة أن عقلية تنظيم الدولة لا تعرف المراحل وتحييد الخلافات جانبًا لمصلحة المتفق عليه من تناقض أساسي مرحلي، وأن شمولية تفكيره سارية في كل زمان ومكان، والآخرون في كل نقطة زمنية هم إما معه أو ضده، ولا توجد مراحل، ولا تحالفات على الرغم من الخلافات. إن المراحل الوحيدة التي يعرفها التنظيم هي هُدَن مؤقتة إذا اضطر إليها، لكنها لا تُقلّل من عدائيته تجاه المتهادن معهم، ولا تُحيده عن هدفه. ولم تتعلم الفصائل السورية من التجربة العراقية، وكان عليها أن تمر بنفسها بتجربة مشابهة. إذا كان وضع الشريعة فوق الأمّة في سلوك التنظيمات الأخرى، والأمّة الإسلاميّة المتخيّلة فوق المسلمين الحقيقيين الفعليين من بين ما يميز الحركات السلفية الجهادية التكفيرية، فإنّ تنظيم داعش وضع جماعته الإسلامية الصغيرة فوق الأمّة والمسلمين وباقي التنظيمات؛ إنه "الفرقة الناجية." إن طرح التنظيم نفسه باعتباره دولة، ورفع فكرة الدولة فوق التنظيمات الأخرى، أي استغلال فكرة الدولة لفرض الولاء على التنظيمات الأخرى، هو استغلال لفكرة حديثة أداتيًا في فرض فكره التكفيري. فبإنفاذه مبدأ الولاء والبراء سياسيًا (أي الولاء للتنظيم - الجماعة والبراء ممن يخالفه)، ليس دينيًا فحسب، وذلك من خلال قلبه المعادلة ودنيوَتِها وتسييسها، اكتسب قوة سياسية؛ إذ تحرّر من أي اعتبارات أخلاقية وحتى أيديولوجية، عندما تخلّ عن الاعتبارات الدينية الأخلاقية لمصلحة جدلية العدو والصديق التي تميّز الفكر السلطوي الشمولي في عصرنا. فالناس إما معه أو ضدّه، ولا توجد مناطق رمادية. ومن هو ضدّه لا تسري عليه أي معايير، فدمه مباح وحرماته وأملاكه مستباحة. إنه في الحقيقة يعمل بموجب مبدأ واحد هو أن الغاية تبرر الوسيلة، وتأتي الفتاوى والاستشهادات من السلف المُنتقى لتبرر الممارسات بأثر رجعي، كما أن الممارسات تستفيد من تراث قائم، تراكمَ من تبريرات لممارسات سابقة. يوازي الفصل بين الدين والأخلاق في أدلجة الدين عند حركات السلفية الجهادية الفصل بين التقنيات (الفهم الأداتي للعقل) والأخلاق في الحداثة الأوروبية؛ وهو الذي أدّى إلى ارتكاب أفظع الجرائم في حالة الأنظمة الشمولية بإخضاع الوسيلة للهدف على نحو مطلق قبل تحوّل الوسيلة ذاتها إلى هدف لناحية حسابات النجاعة في التنفيذ عند العقل الأداتي. وبقدر ما هي جزء من الحداثة وردة فعل عليها في آن معًا، فإن السلفية الجهادية (وتنظيم الدولة على نحو متطرف) تحوِّل الدين إلى مجرد أيديولوجيا تتضمن وسائل خاضعة للأهداف الأيديولوجية والسياسية، وقد تتحول الوسائل في حدّ ذاتها إلى أهداف، لكنها مفصولة عن الأخلاق. وهذا مس بالدين ورسالته. إضافةً إلى العنف المتطرّف والقسوة وانعدام الروادع في توظيفها، استخدم التنظيم الحيَل والخداع إلى درجة محيّ ة للبعض، حيث حفّز الخيال التآمري لدى الإعلام وعموم الناس. فمثلًالتقت المصالح بين النظام السوري وتنظيم الدولة؛ إذ كان لهما في المرحلة الأولى من نشاطه عدوٌ مشترك هو المعارضة السورية. وركّز النظام جهوده في جنوب سورية ووسطها وغربها، بينما ركّز التنظيم على مناطق شرق سورية وشمالها الشرقي. وما إن تمكّن من فرض نفسه على خصومِه (المعارضة والقوات الكردية)، حتى شنَّ هجومًا على جميع القواعد العسكرية التابعة للنظام في تلك المناطق3. فتنظيم الدولة لا يميّز بين "النظام المرتد" والفصائل المخالفة له والمعترضة عليه، وهي "مرتدة" أيضًا بالنسبة إليه. وقد يفضّ ل مهاجمة الثانية والقضاء عليها، وحتى طعنها في ظهرها إذا سنحت الفرصة، فليست لديه اعتبارات أخلاقية؛ وهو بهذا أكثر "سياسية" (باختزال السياسة في الغاية تبرر الوسيلة)؛ وهو إضافة إلى ذلك أقل أخذًا بالاعتبارات الدينية من التنظيمات الإسلامية الأقل تطرفًا منه. فكان جاهزًا لمهاجمتها، منتهزًا حصارها من النظام، أو تعرّضها إلى قصفه في أيام سابقة، ولحصد نتائج أعمال النظام. وحين كانت المعارضة تتقدّم على حساب النظام وتُنهك، كان التنظيم يأتي لضربها واحتلال المواقع التي حازتها من النظام. لفت التنظيم الأنظار باحتجاز الرهائن الغربيين (صحافيون عاملون في وكالات أجنبية وغيرها) لأغراض التبادل أو تحصيل الفديات المالية، وأثار ضجةً بأسلوب إعدامهم وتصوير مشاهد الإعدام وتوزيعها مرفقة بخطابات نارية وموسيقى تصويرية تُعملِق القاتل وتُقزِّم الضحية لإثارة الخوف والرعب، وذلك بصقل أسلوب الزرقاوي (محمد أحمد الخلايلة) "فنيًا" وإخراجه مشهديًا. لا يعترف التنظيم بأي شخص غير مسلم (أو مسلم غير مؤيد للتنظيم) مناصر لقضايا المسلمين المضطهدين الذين يدّعي تمثيلهم، بل يُغضبه

  1. Charles Lister, "Profiling the Islamic State," Brookings Doha Center, Analysis Paper , no. 13 (November 2014) , p. 20, accessed on 18/1/2018, at: http://brook.gs/2nkVmiM

وجود مثل هؤلاء، فمثل هذا التداخل بين الألوان يفسد نهجه الذي يقسم العالم إلى دار إسلام وهجرة ودار حرب، ومسلمين وكفار4. يخطئ من يعتقد أن التنظيم عميل للنظام أو لدول تدعم المعارضة. فهو يعتبرهم أعداء بالدرجة نفسها، وقد يتهادن مع طرف ويحارب آخر، فيبدو أنه يحاربه في خدمة الأول، لكنه يعود وينقَضُّ على من هادنه سابقًا ما إن تسنح الفرصة له. إن فكرة العمالة لإيران أو السعودية أو أميركا (بحسب القائل المتضرر أو المستفيد من داعش) هي فكرة سخيفة لا أساس لها. وهي في الوقت ذاته تعبير عن كسل أو عجز فكري عن تحليل جذور الظاهرة الاجتماعية والسياسية، أو يخشى الوصول إلى الحقائق ومواجهتها. عمل التنظيم على التخلّص من المجموعات المسلّحة الأخرى الموجودة في العراق تدريجًا، وبدا كأنه يحالف بعضها عند توسّعه في الأنبار ونينوى، لكن كان يشترط أن يعمل الجميع تحت إمرته. وحينما سيطر وحكم، قام بذلك وحده. فحالما استطاع استكمال سيطرته، أي تمكّنه بالمصطلح الإسلامي، على مدينة الموصل وإخراج الجيش العراقي منها، أصدر "وثيقة المدينة" التي فرضت الأحكام المعمول بها في الرقة، والتي يسمّيها التنظيم "أحكام الشريعة." من معالم تسييس التنظيم (بمعنى واحد هو إخضاعه كل شيء لهدف التفرد بالسيطرة) أنه خلال ما يسمّى "إدارة التوحّش"، ومن ضمن الأساليب التي يعتبرها مبتكِرُ هذا المصطلح مشروعةً وشرعيّة، تأليف قلوب زعماء القبائل وكبار القوم بالمال والمناصب في البداية، إلى أن تختلط قواعدهم الموالية لهم بناشطي الحركات الجهادية وأعضائها، فيتأثرون بها وتصبح دوافعهم الولاء للدين (والمقصود هو التنظيم الذي يفترض أنه الممثل الحصري للدين) وليس لزعماء القبيلة. لكن، وبحسب أبي بكر ناجي، لا بأس بداية بما يسمّيه تأليف قلوب الزعماء بالمال، أي شراء الولاءات بدفع الرشوة بكلمات حديثة5 إلى أن يحصل هذا الاختلاط. وهذا ما قام به التنظيم فعل. تميّز تنظيم الدولة "داعش" من القاعدة بعدم الاكتفاء بالجهاد تحت راية حكم الشريعة (ضدّ العدو البعيد أو القريب)، بل بادعاء إقامة دولة تفرض أحكام الشرع وتقيم حدوده وتولي حاجات السكان في أي منطقة تتمكّن فيها ("السلطة في أي منطقة تحرَّر" بلغة اليسار الثوري)، وحتى إعلان خلافة، يُطالَب باقي الفصائل بمبايعتها. واختلف عن حركة طالبان في أنه لم يستولِ على مؤسسات دولة قائمة وأرضها وحدودها؛ إذ لم ينجح في ذلك في أي مكان. وهو، أصل يرفض مفهوم الدولة/ الأمّة، أي الدولة الوطنية، كما يرفض فكرة التقدم بطلب عضوية في الأمم المتحدة، خلافًا لطالبان. فدولة داعش ليست قائمة إلا في عملية التمدّد والحرب. وهي غير مُعدّة إطلاقًا لحالات السلم والتعايش مع المحيط باعتبارها دولة ذات حدود؛ فحالما يتوقف التمدد يبدأ الاندثار. إنه نظامٌ لا يقوم إلا على أن محيطه نقيضٌ له، فتعريفه لذاته يستمد من الآخر المحيط به، والحالة التي تبقيه قابلً للحياة هي حالة مستمرة من (التمدد والانحسار). يعني توقّف التمدد والعمليات القتالية أنه بدأ في عملية الاندثار، تمامًا مثل التمدد الزائد الذي ليس بوسعه تدبّره. وليس بوسعه أن يتحوّل إلى دولة بمهمات الدولة بما يتجاوز مهمات إدارة الأزمة أو تعبئة الفراغ (بديل فوضى). وهذا يذكّر بالعشيرة التي تعيش على اقتصاد الرعي والغزو، فإذا توطّنت وارتبطت بالأرض والزراعة، تبدأ في التفكك داخليًا. إنه ينشئ "دولة"، بمعنى أنه يُقيم حدود الشريعة حيثما وطئت أقدام "جنود الخلافة" أراضي دولٍ قائمة ومعترف بها، ولا يتوقف خلال ذلك عن الدعوة إلى الهجرة والجهاد الأممي، أي إنه حول القاعدة إلى طالبان، وطالبان إلى تنظيم قاعدة. وكل ذلك في مركب واحد هو تنظيم الدولة "داعش" الذي طمح إلى الجمع بين الدولة وتكفير الدول والنظام الدولي، وكونه التنظيم الجهادي الذي يرفع نفسه فوق باقي التنظيمات باعتباره خلافة بالتغلب ولا بدّ من مبايعتها.

المراجع

العربية

ناجي، أبو بكر. إدارة التوحّش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة. سورية: دار التمرد، [د.ت.].

الأجنبية

Dallal, Ahmad. The Political Theology of ISIS: Prophets, Messiahs, & "the Extinction of the Grayzone." Washington DC: Tadween Publishing, 2017. Lister, Charles. "Profiling the Islamic State." Brookings Doha Center. Analysis Paper. no. 13 (November 2014). at: http://brook.gs/2nkVmiM