نهاية سياسة الهند المترددة تجاه غرب آسيا
The End of India’s Reluctant West Asian Policy
الملخّص
تتناول هذه الدراسة التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الهندية في منطقة غرب آسيا، ولا سيما السعي لتحقيق التوازن بين القوى الإقليمية في المنطقة العربية، في ظل التنافس بين دول غرب آسيا لفرض نفوذها في المنطقة العربية. وترى الدراسة أن الدول العربية عبّرت عن رغبتها في أن تؤدي الهند دورًا أكبر في الحفاظ على السام وتثبيت الاستقرار فيها، إلا أن الخيارات الإستراتيجية الهندية في المنطقة تبدو محدودة، فهي لا تحتاج إلى تعاون ثنائي مع المنطقة فحسب، بل تتطل ب منها أيضًا تسويغ عاقات التنافس التي تقيمها على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وتجادل الدراسة بأن على الهند إعادة صوغ رؤيتها الإستراتيجية تجاه المنطقة، فضل ا عن شراكاتها الإقليمية والعالمية مع الصين وباكستان وروسيا والولايات المتحدة الأميركية؛ وهي عملية لا شك في أن ها ستكون لهاّ تداعيات على سياسة الانكفاء التقليدية التي اعتمدتها الهند تجاه غرب آسيا.
Abstract
This study explores the challenges facing Indian foreign policy in West Asia, especially the attempt to balance the forces in the Arab Region in light of competition between West Asian states to spread their influence. It argues that Arab countries have demonstrated a willingness to see India undertake a greater role in maintaining peace and stability in the region. But Indian strategies seem limited, not only requiring bilateral collaboration, but also to rationalize their competitive relations at the regional and global levels. The study argues that India must redraw its strategic vision of the region, as well as its regional and global partnerships with China, Pakistan, Russia and the United States, a process that will undoubtedly have repercussions for India's traditional reluctant West Asia policy.
- الهند
- غرب آسيا
- إسرائيل
- حركة عدم الانحياز
- القومية الهندوسية
- India
- West Asia
- Israel
- Non-Aligned Movement
- Hindu-Nationalism
مقدمة
تمحور الخطاب السياسي الهندي في منطقة غرب آسيا حول احتياجاتها من الطاقة والأمن ورفاه سبعة ملايين هندي يعيشون في المنطقة، وما يوفرونه من تحويلات مالية ضخمة، فضلً عن حجم التجارة المتنامي، والروابط الثقافية والحضارية. بيد أن مسألة مكافحة الإرهاب أصبحت، في العقد الأخير، عنصرًا رئيسًا آخر في تحديد المصالح الثنائية. لذلك، تعمّق التعاون في المسائل الأمنية. ومع ذلك، فإن سياسة الهند في غرب آسيا تواجه انتقادات داخلية، ذات صلة بثلاثة محاور هي: مدى تحقيقها الموازنة بين السعودية وإيران وبين إسرائيل وفلسطين، وموقفها من دور القوى الدولية في المنطقة، ومكانتها في التنافس على النفوذ في غرب آسيا خاصة بعد الثورات العربية. وقد أضفت الديناميات السياسية الداخلية للهند بعدًا جديدًا على سياستها الخارجية، اكتسب فيه المنظور الوطني أهمية كبرى في أغلب المداولات عن السياسات الخارجية. وقد بلغ عدد اللقاءات العامة التي توجّه فيها رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى الجاليات الهندية في بلدان إقامتها رقمً قياسيًا، ويشمل هذا دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية ودولة قطر. وتشمل تلك الديناميات أيضًا كيفية إعادة تعريف مصالح الهند الأمنية والإستراتيجية في ظل التهديد الصيني المتصاعد والإرهاب العابر للحدود من باكستان، وهما عنصران من عناصر المخاطر السياسية الداخلية الهائلة التي تهدّد الهند. ومن جانب آخر، أصبحت الفجوات التنموية واضحة بصورة متنامية في الهند؛ على نحو يتسبّب في توتر بين خطة السياسة الخارجية المتمحورة حول التنمية وتلك المتمحورة حول الأمن. وتعكس الثقافة الديمقراطية النابضة بالحياة في الهند، عاطفيًا وعقلانيًا، صدى كثير من هذه التوترات. ووفق الخطوات الأخيرة لتعزيز العلاقات في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والتعاون الدفاعي، أظهرت المنطقة استعدادها لاضطلاع الهند بدور أكبر في الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة. ولكن خيارات الهند الإستراتيجية تبقى محدودة، فهي تسعى للقيام بدور جديد في المنطقة، لا يقتصر على التعاون الثنائي، بل يتطلب عقلنة علاقاتها التنافسية العديدة في المنطقة، إضافة إلى علاقاتها ضمن مصفوفة القوى العالمية. وبغية إعادة بلورة رؤيتها الإستراتيجية تجاه المنطقة، على الهند إعادة صوغ علاقاتها بالسعودية وإيران وإسرائيل وعلاقاتها التنافسية مع الصين وباكستان، فضلً عن شراكاتها العالمية مع روسيا والولايات المتحدة، وهي عملية لا تخلو من آثار في سياستها التقليدية المترددة في غرب آسيا. هل تُصنّف الهند قوة عظمى أم قوة عالمية أم قوة متوسطة أم قوة صاعدة لكنها مترددة؟ يرى الباحث الهندي بَارات كارناد، على سبيل المثال، أن الهند ليست قوة عظمى بعد، وهي تفتقر إلى الكثير من القدرات لتصبح كذلك في المستقبل القريب1. فقد شهد تطوّر السياسة الخارجية الهندية مسارًا صعبًا منذ أيام كفاحها من أجل الاستقلال. في حين تجد الباحثة الألمانية ساندرا ديسترادي أن ألمانيا والهند قوتان مترددتان لا تزال كل واحدة منهما تتلكأ في تحمل مسؤوليات أكبر في منطقتها2. ومع استمرار مودي في السلطة منذ عام 2014، يرى خبراء السياسة الخارجية والمجتمع الإستراتيجي في نيودلهي حاليًا أن الهند قد تشهد نذر الانتهاء التدريجي لسياستها الخارجية المترددة. وتجري مطابقة زعامة مودي الفاعلة والتي تنعم ببعد دولي مع زعامة جواهر لال نهرو3 في الوقت الذي يواصل فيه النقاد التشكيك في قدرة السياسة الخارجية الهندية على تأمين مصالحها الوطنية الأساسية؛ ويرجع ذلك أساسًا إلى "غياب الرؤية الإستراتيجية"، و"عدم وجود إستراتيجية شاملة للأمن القومي" و"الافتقار إلى الأفكار الجديدة والتآزر"4. ويجب تحليل السياسات الخارجية الهندية في الوطن العربي ومنظورها لغرب آسيا في سياق تردد الهند الطويل الأمد ومحدِّداته، وكيف أنه ربما يكون قد حان موعد وضع حدّ لهذا التردد.
أولا: السياق الإقليمي - العالمي
لا بد أن يكون التغيير الذي طرأ على بنية القوى العالمية منذ نهاية الحرب الباردة، والأحداث التي تلت ذلك، بل حتى الأحداث الكبرى في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة، قد أحدثت تغييرًا في طريقة التفكير التي اعتاد عليها صانعو السياسة في الهند، وخلّفت طريقًا معقّدة لاعتمادها، ليس بالنسبة إلى الهند فحسب، بل أيضًا بالنسبة إلى
الأعضاء الآخرين في حركة عدم الانحياز، التي كانت الهند أحد أعمدتها. فالثورة الإسلامية في إيران، والحرب الإيرانية - العراقية، والغزو السوفياتي لأفغانستان وانسحابه المهين، وتدهور الوضع الأفغاني لاحقًا وصول إلى الفوضى، والعدوان العراقي على الكويت والتدخلات العسكرية الأميركية اللاحقة في عامي 1991 و 2003 لإطاحة صدام حسين، كل ذلك زعزع تمامًا نموذج السياسة الخارجية لحركة عدم الانحياز. فقد طبّعت مصر، وهي لاعب أساسي في حركة عدم الانحياز كذلك، علاقاتها مع إسرائيل وبدأت في تلقي المساعدات العسكرية والتنموية الأميركية. في حين تزامن سقوط الاتحاد السوفياتي مع صعود قوى إقليمية مثل تركيا وإيران والسعودية ومصر وإندونيسيا. وقد اكتسب معارضو حركة عدم الانحياز في الهند، من قبيل حزب بهاراتيا جانا سانغ BJS ومنظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ (جمعية المتطوعين الوطنية RSS) - اللذَين غالبًا ما كانا ينتقدان ما يصفانه ب "سياسات أحادية الجانب مؤيدة لفلسطين" - أهميةً جديدة بعد نهاية الحرب الباردة. بدا واضحًا أن منطقة غرب آسيا كانت مقبلة على المزيد من الانقسامات، وأن الخصومات داخل المنطقة هي التي ستحدّد الأمن الإقليمي، وطغت المنافسات بين إيران والسعودية، وإيران والعراق، والعراق والكويت، والخصومات داخل دول الخليج، على القضية الفلسطينية التي طالما أيّدتها حركة عدم الانحياز. وأظهر الغزو الأميركي للعراق عام 2003 نقاط الضعف القديمة في المنطقة، كالطائفية، والنزاعات الإثنية، والصراع من أجل الموارد الطبيعية. ثم هزت الثورات المنطقة منذ أواخر عام 2010؛ على نحو دفع الأنظمة إلى إعادة التفكير في أسلوب حكمها الذي تحدّته الجماهير المتمكّنة بوساطة وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الأزمة لم تصل بعد إلى نهايتها المنطقية، إذ لا تزال الحروب الأهلية تجر ليبيا وسورية واليمن نحو مستقبل مجهول.
ثانيًا: سرديات محلية متغيّرةّ
لم تتأثر السياسات الداخلية الهندية بالمشاعر الشعبية، إلا في حالات قليلة، تمكنت فيها الحركات المناهضة للحرب والمجموعات المؤيدة للفلسطينيين من تنظيم احتجاجات ضد الحرب ومناهضة للاحتلال. أمّا في بقية القضايا، فقد كان تأثير الرأي العام في الهند أو ضغط الشارع محدودًا في بلورة السلوك الخارجي للدولة أو تحديده. لكن الجماهير الهندية ذات التاريخ المعادي للاستعمار ظلت على العموم مشككة في القوى العالمية ومنتقدة لها. وبقي الوعي في مرحلة ما بعد الاستعمار في معظمه مناهضًا للغرب والاستعمار؛ ولذلك ظلت الحروب والتدخلات الأميركية في الشرق الأوسط لا تحظى بشعبية بين الأحزاب والأيديولوجيات. وجلبت نهاية الحرب الباردة وبروز النظام الاقتصادي النيوليبرالي وعيًا جديدًا وذكريات جديدة إلى الطبقة الوسطى الهندية الأكثر طموحًا والساعية إلى توكيد ذاتها؛ بحيث إنها انتقدت نموذج السياسة الخارجية لعدم الانحياز الذي اتبعته الهند، ودعت إلى تعزيز العلاقات بالولايات المتحدة وإسرائيل. وبدأت السرديات السياسية الداخلية أيضًا في الانعطاف نحو اليمين؛ باعتبار أن الطبقة الوسطى الجديدة بطموحاتها الجديدة أرادت أن ترى الهند تتصرف على نحو مختلف عما كان سائدًا. ومن هنا، فإنّ صعود حزب بهاراتيا جاناتاBJP لم يكن صعودًا للطموحات الهندوسية فحسب، بل كان أيضًا تعبيرًا عن تزايد الإحباط بين أفراد الطبقة الحاكمة الهندية الساعية إلى إيجاد دور قوي وواثق للهند على الخريطة العالمية. تقدمت لغة الحزم والتوكيد تدريجيًا في البيانات الانتخابية لحزب بهاراتيا جاناتا من عام 1989 إلى عام 2014. ففي بيانه الانتخابي لعام 1989، يقر هذا الحزب بالأهمية المتغيرة لعدم الانحياز والحاجة إلى سياسة اقتصادية خارجية، وقد جاء فيه: "إن السلوك الدبلوماسي لحكومة راجيف غاندي ترك سياسة الهند الخارجية في حالة يرثى لها. فلم يسبق أن واجهت البلاد الكثير من العداوة من جانب العديد من جيراننا كما هو الحال اليوم. تقوم رؤية حزب بهاراتيا جاناتا على أن التحديات التي نواجهها في مجال العلاقات الخارجية تنشأ من إعادة تأكيد الأهمية المتغيرة لعدم الانحياز، كمفهوم، في عالم يتحول بسرعة. فمن وجهة نظرنا، علينا التركيز على نحو متزايد على السياسة الاقتصادية الخارجية في إطار مفهوم عدم الانحياز الذي أثبت جدواه. ومن الحيوي الانتقال بالعالم نحو تعاون أكبر بين الشمال والجنوب وبين الجنوب والجنوب"5. وفي بيان الحزب الانتخابي عام 2004، تُظهر لغة الحزم والتوكيد المزاج المتغير للسياسة الهندية التي تبدو في حاجة إلى دور عالمي راسخ. كانت تطلعات الجماهير معروفة لحكومة حزب المؤتمر، وعكست قراراتُ سياستها الخارجية المزاج العام، على الرغم من أن حزب بهاراتيا جاناتا خسر هذه الانتخابات وبقي خارج السلطة طوال السنوات العشر التالية. جاء في بيان عام 2004: "نحن أمة قديمة تنعم بحضارة عمرها أكثر من 5000 سنة. لقد ورثنا تراثًا ثقافيًا مجيدًا يحظى بإعجاب العالم بأسره. لقد أظهرت الهند مرارًا وتكرارًا مرونة لا مثيل لها أتاحت لها التغلب على تقلبات التاريخ والنهوض من جديد. حان وقت عصر النهضة الهندية مرة أخرى. لقد مهدنا الطريق لاستعادة إرثنا الشرعي بصفتنا قوة عظمى تساهم في التقدم الشامل للإنسانية"6.
نشأت سردية السياسة الخارجية هذه من تأكيد قومي لهوية هندية تلتف حولها الجماهير الهندوسية المحافظة، والطبقة الوسطى الجديدة الناشئة. وكان البيان السياسي لحزب بهاراتيا جاناتا أفضل تعبير عن آمال الطبقة الوسطى الهندية الآخذة في الاتساع وطموحاتها، أكثر من أي خطاب لحزب سياسي آخر. وأفضل ما يعب عن ذلك هو التواصل المباشر لرئيس الوزراء مودي بالجاليات الهندية في الخارج بشأن قضايا متعلقة بشؤون الهند الداخلية. أما الأسباب التي دفعت رئيس الوزراء مودي إلى المبادرة إلى الاهتمام فعليًا بالجاليات الهندية في الخارج، فشملت مسألة ربط سرديّات حزبه المتعلّقة بالسياسة الهندية، بسياسته الخارجية. أصبحت السياسات المتعلقة بالجاليات الهندية في الخارج أهم من أي وقت مضى لجميع الأحزاب السياسية في الهند، على الرغم من اعتراض خصومه في أكثر الأحيان على التحدث عن السياسة في الدول الأجنبية. يُضاف إلى ذلك أن العنصر الأيديولوجي في إعادة إحياء هوية الجاليات الهندية في الخارج يؤدي أيضًا دورًا حاسمً؛ حيث إن جماعات مثل منظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ تقودهم من الخلف7. يعتمد تغيير سردية السياسة في الهند على فهم محكم لتاريخ الهند ومستقبلها بلورته منظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ ومثقفوها منذ إنشائها في عام 1929. وكانت أول عملية في سياق تغيير السردية هي تفكيك السرديات القديمة وتخليصها من المخيال الحضاري والتاريخي المناهض للاستعمار والإمبريالية. لقد ظلت "الروابط التاريخية والثقافية والحضارية العميقة " و"استمرارية حضارة السند/ دلمون منذ العصور القديمة وصولً إلى الإيمان المشترك بمناهضة الاستعمار في العصر الحديث"8 عنصرًا رئيسًا محدِّدًا لمنظور الهند لغرب آسيا. وقد استمر هذا المنظور، على الرغم من التحفظات التي عبّ ت عنها الحكومة القومية الجديدة بقيادة مودي. ويقوم هذا المنظور الهندي تجاه غرب آسيا على تاريخ النضال من أجل الاستقلال الذي قاده حزب المؤتمر؛ وقد وجد قادته قواسم مشتركة في الآمال والطموحات الساعية لتقرير المصير، خارج حدود الهند في العديد من الدول العربية التي يحكمها البريطانيون. وقد اعترفت "لجنة مؤتمر عموم الهند AICC"، وهي الهيئة المركزية التي تتولى صناعة القرار في حزب المؤتمر الوطني الهندي، بالنضال من أجل الحرية في العديد من الدول الأفريقية والآسيوية، ونظمت العديد من المؤتمرات الدولية التي دعت إليها العديد من المناضلين البارزين من أجل الحرية من جميع أنحاء العالم. وفي هذا السياق، سياق النضال ضد الاستعمار، نشأت "حركة الخلافة" في الهند في الربع الأول من القرن العشرين، التي كانت تدافع عن الخلافة الإسلامية في تركيا، والحركة المعارضة للصهيونية. وفي وقت ما، نصح القادة الهنود زعماء الحركة الصهيونية بعدم دعم الخطط البريطانية في المنطقة والتفاوض مع الجيران بدلً من ذلك. إلا أن اعتماد الحركة الصهيونية الأساسي على القوى الاستعمارية أفقدها شعبيتها وجعلها تبدو غير جذابة بالنسبة إلى الهنود. وللسبب نفسه عارضت الهند توسّع حكم آل سعود الذين أرادوا الاستيلاء على الحجاز من شريف مكة. ففي مؤتمر عقد في مكة عام 1930، تحدث محمد علي جوهر، وهو مناضل هندي مسلم بارز من أجل الحرية، ضد الخطط السعودية الساعية لهدم الأضرحة العثمانية؛ لأنه رأى يدًا بريطانية وراء السعوديين9.
كانت الهند تتضامن مع مختلف الحركات والجماعات الاشتراكية والقومية في الوطن العربي، تضامنًا أشبه بالتضامن الأيديولوجي، وذلك بسبب نبرتها القوية المناهضة للاستعمار. فعلى سبيل المثال، كان القادة الأساسيون للنضال الفلسطيني اشتراكيي النزعة. ولذلك، حصلوا على دعم العالم الاشتراكي، من روسيا إلى كوبا إلى الهند. وقد سعى جواهر لال نهرو، أول رئيس للوزراء، لإقامة علاقة خاصة مع مصر وقائدها جمال عبد الناصر، ودعم مطلبه ب "السيادة الكاملة" على قناة السويس. وبعد انتهاء الحكم الاستعماري، وسّعت الهند دعمها ليشمل جميع الدول المستقلة في المنطقة، عن طريق إعادة التكيف مع الوقائع الجديدة. وشكّل دعم الاستقلال الفلسطيني، ونضال نيلسون مانديلا ضد نظام الفصل العنصري في أفريقيا، ومعارضة الحروب والتدخلات الأميركية في العراق، وأفغانستان، وإيران أو أي مكان آخر، استمرارًا للمنظور التاريخي لصانعي
السياسة الهنود القائم على رأيهم في التدخلات الخارجية، وعدم الانحياز، ومناهضة الاستعمار. وبعد الاستقلال أيضًا، طمحت الهند إلى التطوّر في عالم مثالي، معتمدة دبلوماسية حركة عدم الانحياز النشطة التي عرفها الدبلوماسي الهندي ف. ك. كريشنا مينون Menon Krishna K. V. بأنها "ليست حيادية" ولكنها "غير منحازة"10. كان التركيز الرئيس لسياسة حركة عدم الانحياز الخارجية هو "دعم النضال من أجل تقرير المصير والاستقلال الوطني وسيادة الدول وسلامة أراضيها؛ ومناهضة الفصل العنصري؛ وعدم التزام الاتفاقات العسكرية المتعددة الأطراف، واستقلال بلدان عدم الانحياز عن تأثيرات القوى العظمى وتنافساتها أو تكتلاتها؛ والنضال ضد الإمبريالية بكل أشكالها ومظاهرها؛ والنضال ضد الاستعمار والاستعمار الجديد والعنصرية والاحتلال والهيمنة الأجنبيين؛ ونزع السلاح؛ وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والتعايش السلمي بين جميع الدول؛ ورفض استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية؛ وتعزيز دور الأمم المتحدة؛ وجعل العلاقات الدولية ديمقراطية؛ والتنمية الاجتماعية الاقتصادية؛ وإعادة هيكلة النظام الاقتصادي الدولي؛ والتعاون الدولي على قدم المساواة بين الأمم"11. وبمرور الوقت، أصيبت السيطرة الفكرية والتنظيمية لحزب المؤتمر بالوهن، وتحدت الأحزاب السياسية نظامَ حكم الحزب الواحد الذي مثله حزب المؤتمر. فجاءت المعارضة الفكرية الرئيسة من حزب جانا سانغ الذي أسسته مجموعة من القادة الذين ينتمون إلى منظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ، وهي مجموعة قومية هندوسية وحدوية. وكان لدى المجموعة رؤية مختلفة للعلاقات الخارجية للهند تهدف إلى توحيدها مرة أخرى، واعتماد سياسة خارجية أكثر استقلاليّة، رأت أنها يجب أن تنعكس على موقف الهند من العلاقات العربية - الإسرائيلية. وغداة الحرب العربية - الإسرائيلية عام 1967، أصدرت لجنة العمل المركزية في باهاراتيا جانا سانغ قرارًا، في 30 حزيران/ يونيو 1967، طالبت فيه ب "أن تراجع حكومة الهند سياستها في غرب آسيا بهدف كسب صداقة العرب والإسرائيليين وتوفير سلام مستقر في المنطقة. وفي هذا السياق، يود حزب جانا سانغ تأكيد مطالبته حكومة الهند لاتخاذ خطوات نحو إنشاء علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل". وانتقد حزب بهاراتيا جانا سانغ "دعم الحكومة المفرط في حماسه للعرب" الذي قال الحزب إن منبعه هو هاجس الحزب الحاكم من "التصويت المحلّ "، في إشارة إلى دعم المسلمين الهنود لحزب المؤتمر. وقد كان حزب بهاراتيا جانا سانغ محبطًا من حياد الدول العربية إزاء النزاع بين الهند وباكستان، واقترح أن تكون الهند صديقة جيدة لإسرائيل مع الحفاظ على صداقتها مع الدول العربية، ولا سيما مصر وسورية. ومع ميل السياسة العالمية أكثر إلى مصلحة الدول الغربية، ظل الاقتصاد الهندي منعزلً عن السوق النيوليبرالية الصاعدة بسرعة بقيادة الدول الغربية. ونتيجة لذلك، أصبحت السياسة الداخلية أكثر تشكيكًا وانتقادًا للسياسة الخارجية القائمة على حركة عدم الانحياز. ففي سبعينيات القرن الماضي ضمّت الحكومات التي لم يشكلها حزب المؤتمر، ولا سيما حكومة حزب جاناتا، جميع الأحزاب المناهضة لحزب المؤتمر سواء من اليسار أو اليمين. وفي ذلك الوقت، دعا وزير الخارجية من حزب بهاراتيا جانا سانغ اليميني إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع دولة إسرائيل. وفي عام 1979، ووفقًا لتقرير نشرته الوكالة التلغرافية اليهودية في 13 حزيران/ يونيو 197912، سهّل زعيم الحزب أتال بيهاري فاجبايي ووزير الخارجية في حكومة حزب جاناتا زيارة سرية لنظيره الإسرائيلي موشي ديان إلى الهند، وفي السنوات اللاحقة، أخذت مجموعة منظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ القومية الهندوسية على عاتقها تسهيل علاقات الهند بإسرائيل، واستخدم زعيمها ديفرا Deoras M.D. ديبلوماسيته الشخصية لإقناع حزب المؤتمر والأحزاب اليسارية بموازنة علاقات الهند بالوطن العربي عبر إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل13. وكان الوقت المثالي لذلك عندما حررت الهند اقتصادها وأعادت النظر في علاقاتها بالولايات المتحدة، ومن ثمّ، أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل في عام 1991. ومنذ ذلك الحين، تبادل الجانبان عدة زيارات، وإن كانت بعيدة عن ضجيج وسائل الإعلام. وقد توصل قادة من مختلف الأحزاب السياسية إلى توافق في الآراء بشأن هذه القضية. ولم يكن الذين زاروا إسرائيل، توكيدًا لتغير العلاقات الهندية بها، ينتمون إلى حزب بهاراتيا جاناتا أو حزب المؤتمر فحسب؛ إذ زارها أيضًا الزعيم الشيوعي جيوتي باسوJyoti Basu الذي أصبح لاحقًا رئيس وزراء ولاية البنغال الغربية، وكذلك زارتها نجمة هبة الله Najma Heptullahالزعيمة المسلمة البارزة في حزب المؤتمر الوطني الهندي عام 2000. وفي عام 2006، زارها زعيم حزب
المؤتمر القومي شاراد باوار Pawar Sharad. يضاف إلى ذلك قادة في المجتمع الإسلامي، مثل الباحث أختر الواسي Wasey Akhtarul من الجامعة الملّية الإسلامية، وعمير إلياسي Ilyasi Umair من منظمة أئمة مساجد عموم الهند، ومحمود الرحمن نائب سابق لرئيس الجامعة الإسلامية في عليكَرة، وعزيز بورني14 المحرر في قناة ساهارا ساماي Samay Sahara، وقد بادروا أيضًا إلى زيارة إسرائيل سعيًا لإنشاء جو من الانسجام الاجتماعي جنبًا إلى جنب مع تحسين الانسجام السياسي بين البلدين. وبالمثل، عُقدت مؤتمرات يهودية - هندوسية متبادلة في نيودلهي وتل أبيب لتقريب المجتمعين15. وفي عام 2006، عقد الاجتماع الأول لمجموعة الصداقة البرلمانية الهندية - الإسرائيلية في نيودلهي.
لقد أدى حزب بهاراتيا جاناتا، وحزب جاناتا السابق، دورًا قياديًا في تغيير الرأي العام وتفكيك سردية السياسة الخارجية القديمة التي منعت الهند من امتلاك سياسة جريئة نحو إسرائيل. فعلى سبيل المثال، كان البيان الانتخابي لحزب بهاراتيا جاناتا هو البيان الوحيد من بين بيانات الأحزاب السياسية الذي اتخذ موقفًا واضحًا بشأن نموذج السياسة الخارجية القديم، ونأى بنفسه عن تأييد سياسة نهرو الخارجية التي ربما كانت رومانسية إلا أنها كانت المفضّ لة فترة طويلة. وفي عام 2014، طرح حزب بهاراتيا جاناتا وثيقة رؤيته التي حملت نقدًا تفصيليًا للسياسة الخارجية لحزب المؤتمر. وضع البيان الأساس لسياسة خارجية جديدة لحكومة مودي المقبلة بشأن النقاط التالية: "يدرك حزب بهاراتيا جاناتا أنه لا يمكن لأي دولة صوغ سياساتها الداخلية أو الخارجية إلا إذا كان لديها فهم واضح لذاتها، وتاريخها، وجذورها، ونقاط قوتها وضعفها. ففي عالم سريع التغير وبالغ العولمة، لا بد للوطن من معرفة جذوره التي توفر الاستدامة لشعبه". ويضيف البيان: "بعد تحقيق الاستقلال، فقد القادة الممسكون بزمام الأمور الروح والرؤية اللتين أثارتهما الحركة نحو تحقيق الحرية. لقد تجاهلوا الرؤية واعتمدوا الإطار المؤسسي للإدارة الذي أنشأه البريطانيون وهو الغريب تمامًا عن نظرة الهند إلى العالم. ومن المؤسف أن هؤلاء القادة لم يتمكنوا من فهم حيوية الهند الداخلية التي كانت القوة الرئيسة المسؤولة عن بقاء الهند على الرغم من الهجمات العديدة والحكم الأجنبي المديد، ومن ثمّ أخفقوا في إحياء روح الهند. [... و] لم تتمكن البلاد على الرغم من مضي سبعة عقود على الاستقلال من اكتشاف حيويتها الفطرية وإحساسها بالزمن وإرادة العمل. ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من كونها أقدم حضارة وجمهورية شابة، فإننا نغرق في أزمة متعدّدة الأبعاد، أزمةٍ شملت جميع مناحي الحياة". ويرى البيان أنه "إذا كان للهند أن تبقى وطنًا، وهذا ما يجب أن تكونه، كي تؤدي دورًا في مجتمع الأمم، وإذا أرادت أن يكون صوتها مسموعًا لدى بلورة نظام عالمي سلمي ومتكافئ، يتعين علينا التصدي للتحديات عاجلً وتصميم حلول ملائمة لها وإيجادها. من المؤسف أن يكون لدينا قيادة فاقدة للمعنويات ترأس جهاز الدولة، عاجزة عن معالجة المشكلات الحالية. إن المطلوب اليوم هو التوصل إلى إجماع بشأن 'فكرة' الهند، ولا بد أيضًا من التفكير في مقاربتنا لها وإعادة صوغها بحيث تعكس صدى آمال الشعب الهندي وتفضيلاته". يؤمن حزب بهاراتيا جاناتا، بحسب ما جاء في البيان، بأن "الهند المنبعثة يجب أن تحصل على مكانها الصحيح في مجتمع الأمم والمؤسسات الدولية. وتتمثل الرؤية في استنهاض أهداف السياسة الخارجية ومحتواها وسيرورتها جذريًا ومن ثم إعادة توجيهها، وذلك بطريقة تضع مشاركة الهند الإستراتيجية العالمية في إطار نموذج جديد وعلى أوسع نطاق، وهذا لا يقتصر على الدبلوماسية السياسية فحسب، بل يشمل أيضًا مصالحنا الاقتصادية والعلمية والثقافية والسياسية والأمنية، الإقليمية والعالمية على حد سواء، استنادًا إلى مبادئ المساواة والتبادلية بحيث يؤدي كل ذلك إلى هند أقوى من الناحية الاقتصادية، ومسموعة الصوت في المحافل الدولية"16. ومن المثير للاهتمام أن الكثير من السجالات القديمة عن الإسلام والمسلمين عادت إلى الظهور، خلال إعادة رسم سياسات الهند الداخلية والخارجية؛ فمثلً، نظرية "الغزو المسلم" هي واحدة من أكثر العناصر الأيديولوجية تعريفًا للقوميين الهندوس الأوائل ومنهم، على سبيل المثال، كان فير سافاركار الذي يتمتع بثقافة بريطانية، وغورو غولفالكار ورفاقهما من المفكرين والكتّاب الهندوس المؤثرين، يرون أن العرب والفرس والأتراك، وربما جميع أعراق المسلمين، الذين جاؤوا إلى الهند
من أي جزء من العالم واستقروا هنا هم "غزاة". إن سردية "الغزو الإسلامي" بالغة التأثير حتى أنها تهيمن على الخطاب السياسي اليومي للقوميين المتطرفين. ففي أحد خطاباته، توجه غولفالكار بوضوح إلى بعض المسلمين محددِّا الإسلام والمسلمين ب "الأجانب"، يقول: "أيها الأصدقاء الأعزاء، لقد انقضت أيام بادشاهي المغولي17 القديمة. والآن سيضطر كلانا للعيش كإخوة في نهاية المطاف، بوصفنا شركاء في هذه الحياة الوطنية. ففي النهاية، أنتم أيضًا تنتمون إلى العرق نفسه الذي ننتمي إليه، وإلى الدم نفسه مثلنا، إلا أنكم اعتنقتم الإسلام تحت حدّ سيف المغول والأتراك والأعراق الأجنبية الأخرى. والآن، لا مجال للاستمرار في ربط أنفسكم ذهنيًا بهؤلاء المعتدين الأجانب ومحاولة اتباع خطواتهم. عليكم أن تنسوا هذه الذكريات الانفصالية كلها، وتندمجوا في حياة هذه الأرض"18.
ثالثًا: مودي وتحدي غرب آسيا
عندما تولى ناريندرا مودي السلطة حمل عبء أيديولوجيا تتبنى منظورًا تاريخيًا مختلفًا. أما دعم حزب بهاراتيا جاناتا على مستوى القواعد الشعبية فنابع من دعم هذه الأخيرة منظمته الأم، منظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ، حيث تتم الإشارة إلى "العالم الإسلامي" و"المسلم" و"العربي" في الغالب بروايات سلبية للغاية. فعلى سبيل المثال، نشرت الصحيفة الأسبوعية Panchjanya التي تصدرها منظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ مقالً كتبه أجاي ساهيني، وهو خبير في مكافحة الإرهاب في الهند، يعرّف فيه النضال الفلسطيني الذي يتزعّمه ياسر عرفات بأنه نشاط يعود لمجموعة إرهابية. جاء في المقال: "في عام 1960 انطلق الإرهاب الفلسطيني وانتشر في جميع أنحاء المنطقة. ما الذي فعلوا إزاءه؟ لقد أحضروا الإرهابي ياسر عرفات إلى منبر الأمم المتحدة وصنعوا منه قائدًا عالميًا. اعتنق إرهابيون آخرون فكرة أنهم أيضًا قد يصبحون قادة تمامًا مثل عرفات. في ذلك الوقت، كان الإرهاب الفلسطيني علمانيًا إلى حد ما، إلا أن فكره العلماني بات تدريجيًا أقرب إلى الإسلام. وهكذا ظهر الإرهاب الإسلامي. لقد أرسل الجهاد الأفغاني رسالة مفادها أن هذا هو انتصار الإسلام. وأصبح الإرهاب الإسلامي على استعداد لتدمير العالم كله"19.
رابعًا: سياسة مودي: تحدي غرب آسيا
إن المعاملة الخاصة التي تتلقاها باكستان من بعض الدول العربية، من دون اعتبار المخاوف الجدية لدى الهند، تعزز المنظور القومي بشأن "الآخر". فقد سعت الهند على سبيل المثال إلى الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي عندما تلقت من ملك المغرب دعوة لحضور القمة الإسلامية الأولى لكن باكستان أحبطت مسعاها في عام 196920. إن استبعاد الهند، بناء على طلب من باكستان، جعل الهند تبدو بلدًا "غير مسلم" على الرغم من حقيقة أن الهند هي موطن لأحد أكبر تجمعات السكان المسلمين عبر التاريخ. وطوال عدة عقود لاحقة، أصدرت المنظمة قرارات متتالية تتعلق بشؤون الهند الداخلية، وأغلبيتها تتعلّق بولايتَي جامو وكشمير، من دون اعتراض الدول العربية، وهذا منح باكستان في نهاية المطاف ميزة غير مستحقَّة في هذه المنظمة. وقد أعربت سكرتيرة وزارة الخارجية السابقة سوجاثا سنغ عن خيبة أملها من "الموقف العام" للدول العربية تجاه مشكلة كشمير، وهو الموقف الذي شكّل أحد الأسباب الرئيسة التي أدّت إلى إنشاء علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل. وفي اجتماع مع السفراء العرب في نيودلهي، ذكّرت السكرتيرة بأن "الهند لم تتلق أي معاملة بالمثل في قضية كشمير على الرغم من دعمنا طويل الأمد للعديد من الدول الإسلامية"21. وكلما توسّعت العلاقات الثنائية وتنوعت، ازداد تأثير القضايا المهمة في تطبيع الهند لروابطها الحضارية وذلك انطلاقًا من براغماتية متبادلة. وفي الواقع، باتت الروابط الحضارية للهند حاليًا تشمل إسرائيل أيضًا، إذ رأى سكرتير وزارة الخارجية الهندي السابق جايشانكار Jaishankar S. إن "وجدت اليوم الهند وإسرائيل، وهما مجتمعان يعتبران نفسيهما من مهود الحضارة، أساسًا معاصرًا للعلاقة بينهما"22. وضمن هذا السياق، قد لا تعارض الهند اعتماد المرونة نماذج حل النزاع التي قد تتفق عليها الأطراف في النزاع العربي الإسرائيلي، بدلً من أن تكون ملزمة بأي حل محدّد. ويشمل البيان السياسي الجاري الإشارة إلى القدس الشرقية عاصمة مستقبلية لفلسطين، إلا أن هذا الموضوع حذف من بعض التصريحات الرسمية ما يشير إلى أن القدس الشرقية هي أيضًا قابلة للتفاوض وأن وضعها النهائي يحدّده الطرفان. فقد أيّدت الهند تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس والاعتراف بالمدينة عاصمة لإسرائيل.
ومن اللافت أن السياسة الداخلية للدول العربية وأزماتها الاقتصادية المستمرة ألقت بظلالها على العمّ ل الهنود وانعكست على آفاقهم الاقتصادية. وتناقصت أعداد المهاجرين، في حين أن حالات التمييز ضدّهم وانتهاك حقوقهم العمالية باتت تُناقش بصوت أعلى من ذي قبل. وقد أدى تنفيذ برنامج "نطاقات" إلى عودة آلاف من العمال الهنود من السعودية وباتت إعادة تأهيلهم قضية مهمة في السياسة الداخلية الهندية. ويحظى اليوم رفاه مواطني الجاليات الهندية في الخارج بمزيد من الاهتمام الإعلامي في وسائل الإعلام العامة التقليدية السائدة أو وسائل التواصل الاجتماعي. يُضاف إلى ذلك أن التنافس الشرس بين دول الخليج لكسب المزيد من عقود التجارة والطاقة مع الهند يمثل اختبارًا أيضًا لسياسة التوازن الدبلوماسي التي تنتهجها الهند. ويكمن التحدي الذي يواجه رئيس الوزراء مودي في إيجاد توازن بين التوقّعات الأيديولوجية للقواعد الشعبية التي تدعمه من جهة، والفرص التي توفرها المنطقة والمخاطر التي تتطلب الحيطة والحذر من جهة أخرى. في هذا السياق، يجب دراسة ردّ فعل الهند على النزاع الإقليمي بعناية. إذ لم تتفاعل الهند دبلوماسيًا مع الخلافات بين إيران وقطر وغيرها من الخلافات البينية العربية. فقد توقّع رد الفعل الرسمي أن تحلَّ الأطراف المعنية الاختلافات بصفتها خلافات "داخلية"23. وفي الأزمة الدبلوماسية السابقة أيضًا (2014)، ظلت الهند بعيدة عن الاصطفاف مع أي جهة وأعربت عن رغبتها في مواصلة تعاونها المستمر مع جميع الدول. لكن الأزمة مع قطر، في حزيران/ يونيو 2017، صدمت السلطات الهندية؛ إذ إن الهند كانت ستتأثر بالانعكاسات الخطيرة لهذه الأزمة، لو أنها تحوّلت إلى نزاع عسكري. صحيح أنه جرى تفادي خطر الأزمة العسكرية، إلا أن العلاقات السياسية والاقتصادية لم تشهد أي تحسّن، بل إنها تدهورت. فقد لحق رجال الأعمال والمستثمرين الهنود في مجال التجارة والاستثمار ضررٌ كبير، واضطروا إلى البحث عن طرق بديلة لتتوافق أعمالهم مع العقوبات المفروضة على قطر. فقد أدت الأزمة إلى تعقيد سياسة نيودلهي في الخليج، وشكّلت تحديًا لمدى جدوى النهج الإقليمي القائم تجاه دول الخليج وهدّدت استمراريته. ويمكن القول إن التنافسات والخلافات العربية البينية منحت الهند فرصة لتعيد النظر في مقاربتها الإقليمية الراهنة وتعتمد صيغة ثنائية نشطة تتيح لها توطيد علاقاتها الثنائية بكل دولة على حدة في المنطقة. ولا بد للمقاربة الجديدة من التغلب على التردّد الذي طال أمده، والمبادرة إلى تأسيس علاقات أكثر تنوعًا بدول المنطقة.
خامسًا: تقويم مودي
يسعى مودي في بلورته لجدول أعمال جديد عن غرب آسيا للعثور على إجابات عن أسئلة محدّدة. فإذا كان يجب النظر إلى العلاقة بغرب آسيا على أنها تتجاوز إمدادات الطاقة والموارد البشرية، فيجب في هذه الحالة تنويعها لتشمل المجالات المتعلقة بالتجارة ومكافحة الإرهاب ورفاه المواطنين الهنود والأمن والاستقرار في المنطقة، فضل عن دعم الدور الإقليمي والعالمي للهند، وذلك بطريقة مفيدة للطرفين. ففي هذه السنوات التي تشهد مباحثات دبلوماسية نشطة مع الدول العربية، تسعى الهند وبلدان المنطقة لوضع أساس لمجموعة متنوّعة وقابلة للتوسّع من العلاقات الثنائية والمتعدّدة الأطراف. اتّسمت إجابات مودي عن هذه الجوانب بالتوازن الدقيق بين نظرياته الأيديولوجية والفرص التي يتعيّ على الهند الاستفادة منها لتحقيق التنمية والأمن الخاصيّن بها. يتضمّن تقويم مودي حتى اليوم الجوانب التالية:
1. المقاربة الثنائية
بما أن التنافس العربي بلغ أكثر مراحله تعقيدًا؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على مجموعتين من المتنافسين، بل يشمل مجموعات متعدّدة تتنافس فيما بينها، اختار مودي اعتماد مقاربة ثنائية حذرة، وعلّق المقاربات الإقليمية. فعلى سبيل المثال، جرى تجميد اتفاقية التجارة الحرة بين الهند ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو المناقشات بشأن التعاون الهندي - العربي. وكانت الحكومة السابقة (حكومة مانموهان سينغ) قد باشرت بتبنّي هذه الممارسة عندما لم يكن الحوار بين جامعة الدول العربية والهند أو الحوار بين الهند ومنظمة المؤتمر الإسلامي يشكلّان أولوية. وفي الوقت نفسه، شهدت العلاقات بين الهند والسعودية، والهند والإمارات، والهند وقطر، والهند ومصر، تقدمًا ملحوظًا من خلال المنتديات الثنائية. إن جدوى النهج الثنائي مفيدة أيضًا للهند من أجل الحفاظ على علاقات متكافئة مع إسرائيل والدول العربية.
2. التعاون في مكافحة الإرهاب
نجحت الهند من خلال المقاربة الثنائية في كسب تعاون دول مجلس التعاون بشأن قضايا مكافحة الإرهاب التي كانت تشكّل مصدرَ قلق قديمًا للهند. فعلى سبيل المثال، شهدت علاقات الهند والسعودية من جهة، والهند والإمارات من جهة أخرى، التقدّم الأبرز في مجال مكافحة الإرهاب. إذ ضمنت الهند الحصول على مساعدة كلا البلدين في منع المجاهدين الهنود وغيرهم من الجماعات المشتبه فيها من لتحويل استخدام القنوات المالية القائمة في دول مجلس التعاون
الأموال24. وأصبحت آلية تبادل المعلومات الاستخبارية المتعلقة بالتهديدات الإرهابية وتسليم المجرمين والمتهمين بالإرهاب أسهل. وبعد هجمات مومباي الإرهابية (تشرين الثاني/ نوفمبر 2008)، استطاعت الدبلوماسية الهندية المعنية بمكافحة الإرهاب إقناع دول مجلس التعاون بالمخاوف الهندية، وبات تعاونها أمتن. وقد وقّعت الهند والسعودية مذكرة تفاهم بين وحدة الاستخبارات المالية في الهند ووحدة الاستخبارات المالية في السعودية على التعاون في تبادل المعلومات الاستخبارية المتعلّقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم ذات الصلة. وفي 15 كانون الأول/ ديسمبر 2016، أبرم مدير الإنتربول السعودي، اللواء محمد بن علي الزبن، اتفاقية تعاون جديدة مع الخطوط الجوية العربية السعودية تتيح للإنتربول والخطوط الجوية تنسيق عملية نقل الأشخاص المطلوبين والمدانين. وفي عام 2010، وقع البلدان "إعلان الرياض" التاريخي عندما زار رئيس الوزراء مانموهان سينغ الرياض. وتشهد العلاقات بين الهند والإمارات العربية المتحدة شراكة إستراتيجية شاملة، وجرى تأسيس لجنة التعاون الدفاعي المشترك بشأن المسائل الأمنية. ومع قطر أيضًا، تمكنت الهند من الحفاظ على الحوارات رفيعة المستوى وتبادل الأفكار؛ ما جعل البلدين يتعاونان في مجالات الدفاع والأمن. وجرى توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي بين الهند وقطر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008 التي أسست أيضًا لجنة التعاون الدفاعي المشترك التي عقدت اجتماعها الأول عام 2015 في نيودلهي.
3. أمن الطاقة
اعتمدت الهند طويلً على المنطقة بسبب حرصها على أمن الطاقة؛ ما جعلها حساسة تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي وقضايا المنطقة الإقليمية مدّة طويلة. إلا أن سياسة أمن الطاقة الجديدة التي تنتهجها الهند تجعلها أكثر اعتمادًا على المنطقة، وتسعى لتنويع مصادر الطاقة إضافة إلى جانب مصادر أخرى للاستيراد. وحتى الآن، ارتفع صافي واردات الهند من النفط الخام من 111.50 طنًا متريًا في 2006 / 2007 إلى 202.85 طنًا متريًا في 2015 / 2016، بزيادة تبلغ 7.08 في المئة. وازداد إجمالي الواردات من الغاز الطبيعي من 6.81 مليارات متر مكعب في 2006 / 2007 إلى 16.58 مليار متر مكعب في 2015 / 2016، مسجلً معدل نمو سنوي مركب يبلغ 9.3 في المئة25. وأصبح التعاون مع الهند في مجال الطاقة المتجددة أحد جوانب الحوارات الثنائية. ففي آذار/ مارس 2018، انضمت مصر وسلطنة عمُان والسعودية والسودان والإمارات واليمن إلى التحالف الدولي للطاقة الشمسية الذي أنشأته الهند. وتجدر الإشارة إلى أن الهند عضو في الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ومقرها الإمارات. وفي السابق، عانت علاقات الهند بالبلدان المصدّرة للطاقة عجزًا صافيًا في الميزان التجاري، وتجري تغطية العجز من خلال التجارة الثنائية.
4. الأمن البحري
أعادت الهند مؤخرًا تعريف أمنها البحري الشامل، وأعادت تنشيط النقل البحري عبر حدودها البحرية الطبيعية. فالمحيط الهندي، وبحر العرب، والخليج العربي، والبحر الأحمر، وخليج عدن من أكثر الطرق البحرية ازدحامًا في مجال التجارة العالمية، كما أنها تشكّل هدفًا للشبكات الإرهابية العالمية والقراصنة. وقد أدى تعاون الهند مع جميع بلدان الخليج في حماية الطرق البحرية إلى تشكيل رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي في عام 1997، وقد انضمت إليها أيضًا إيران وسلطنة عمُان والإمارات واليمن. ويكتسي المحيط الهندي أهمية قصوى بالنسبة إلى أمن الهند؛ لأن 90" في المئة من حجم التجارة الخارجية للهند و 70 في المئة من قيمة تلك التجارة، منقولة بحرًا، وهذا يمثل 42 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للهند." وارتفعت واردات الهند من النفط إلى نحو 80 في المئة من إجمالي الطلب. ولا تزال منطقة الخليج مفتاحًا للأمن البحري الهندي، وتعد عملية الإنقاذ التي نفذتها الهند في اليمن واحدة من أنجح العمليات؛ إذ قامت بإجلاء 4 آلاف شخص من بينهم 900 من الرعايا الأجانب. وقد نشرت الهند ما لا يقل عن أربع سفن بحرية مدة شهر في الخليج.
5. التجارة غير النفطية
في الواقع، تميل التجارة الثنائية الحالية بين الهند والوطن العربي لمصلحة البلدان المصدرة للنفط التي تستورد منها الهند إمداداتها من الطاقة. لكن التوجهات الأخيرة نحو تنويع التجارة أظهرت أن الطرفين يسعيان لتجاوز تجارة النفط. فقد بلغ حجم التجارة غير النفطية بين الهند وإيران 4.74 مليارات دولار في /2016 201726. في حين تصل التجارة غير النفطية بين الهند والإمارات إلى أعلى مستوياتها إذ يبلغ حجمها 36 مليار دولار، علمً أن إجمالي التجارة الثنائية يصل إلى 50 مليار دولار27. ومع الكويت أيضًا، ارتفع حجم التجارة
غير النفطية من 1897.44 مليونًا في 2012 / 2013 إلى 2490.45 مليونًا في /2016 201728. تتطلب مبادرات التنويع الاقتصادي في دول مجلس التعاون تعاونَ الهند في المجالات الاقتصادية والتقنية والبشرية، وقد كان هذا جانبًا مهمً في التبادلات الثنائية الأخيرة.
6. الدفاع والأمن
إذا كان مستوى التبادل الحالي ومجالاته مؤشرًا على تعزيز العلاقات الهندية - العربية، فإن تفاعلهما المنتظم في مجالَ الدفاع والأمن يتمتع بطبيعة موضوعية للغاية. يدرك كلا الجانبين طبيعة التحديات والقيود في هذا المجال، ومع ذلك، تتقلص الفجوة بسرعة بين تصوراتهما. فبعد توقيع اتفاقية للتعاون الدفاعي في عام 2014، تدرس الهند والسعودية التعاون في مجال الإنتاج الدفاعي المشترك. ومع قطر، عقد في عام 2015 الاجتماع الرابع للجنة التعاون الدفاعي المشترك، وذلك بموجب اتفاق التعاون الدفاعي عام 2013. في حين لم تثمر بعد كثيرًا حتى الآن المحاولات الصينية لتعزيز علاقاتها الدفاعية بالدول العربية، خاصة بدول مجلس التعاون؛ وذلك بسبب الخلافات الإستراتيجية بين الجانبين بشأن قضايا مختلفة، ويشمل ذلك قرب الصين من إيران.
7. الجالية الهندية في الخليج
اتبعت الحكومة الجديدة في نيودلهي سياسة نشطة نحو الجاليات الهندية من خلال الوصول إلى نحو سبعة ملايين هندي يعيشون في دول مجلس التعاون. فقد عقد رئيس الوزراء شخصيًا عدة لقاءات عامة مع العمال الهنود في السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمُان، ويُعدّ هذا تحوّلً عن نهج الحكومة السابقة التي ابتعدت عن الانخراط المباشر في قضايا المغتربين الهنود هناك. إذ باتت الجاليات الهندية تشكّل جسرًا بين الهند وهذه الدول، وهي أحد الأسس المهمة للنشاط الدبلوماسي. وقد ساعد ذلك الهند على حل المشكلات اليومية لهؤلاء العمال الذين يجدون صعوبة في حلّها بأنفسهم. وتساعد السياسة الجديدة التي تنتهجها الحكومة مع العمال الهنود على تنظيم إقامتهم وتأمين استفادتهم من خطط الضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية في الخارج.
خلاصة
بيّنت الدراسة أن الهند لا ينبغي لها الاستمرار في التردد إزاء الانخراط في العلاقات بدول غرب آسيا، مبرزة أسباب ذلك وكيفيته. إذ تحتاج الهند إلى صوغ سياسة جديدة تتسم بالمبادرة والحزم وتتمحور حول المصالح. وقد وفرت الضغوط السياسية الداخلية، والدعم القومي الكبير لحكومة مودي، البيئةَ الملائمة لوضع مثل هذه السياسة. فهذه الحكومة تنطلق من خلفية أتاحت لها الإجابة بجدية عن سؤال: كيف ينبغي للهند أن ترى نفسها على الخريطة العالمية؟ وتتضمن سرديات السياسة الخارجية الحالية منظورًا مختلفًا لصلات الهند الحضارية بدول غرب آسيا، لا يُعد فيه الإسلام والمسلمون الروابط الأساسية، بل يشمل العديد من الهويات الأخرى، عالميًا وإقليميًا، ما ينبغي للهند أن تربط نفسها بها، بما في ذلك اليهود. يتطلّب إنهاء السياسة المترددة توسيع دائرة العلاقات وتنويعها، وهو ما سرّعت به الحكومات الأخيرة، سواء برئاسة حزب بهاراتيا جاناتا أو حزب المؤتمر. ويشكّل التركيز على التجارة غير النفطية، وتوسيع العلاقات في مجالات الدفاع والأمن وتكنولوجيا المعلومات، وتطوير المهارات والأمن البحري، الميادين الرئيسة التي يناقشها الطرفان. وقد قبل العرب ألّ تؤثر علاقات الهند بإسرائيل سلبيًا في العلاقات العربية - الهندية. وتُصاغ حاليًا ردود الفعل الهندية على الصراعات العربية - الإسرائيلية عبر مواقف غير ملزمة. وعلى أي حال، تبيّ أن التخوف من تأثر تجارة الهند مع البلدان العربية، إذا سعت إلى توثيق علاقاتها بإسرائيل، هو تخوفٌ في غير محله. إن المبدأ الرئيس للعلاقة بين الهند وإسرائيل مفاده أن العلاقات الهندية - الإسرائيلية مستقلة عن أي علاقات أخرى. وقد عبّ القادة الفلسطينيون في تصريحات سابقة، عن الثقة في الهند وطلبوا منها التوسط لإيجاد سلام دائم. وكانت الوزيرة السابقة لشؤون الأقليات نجمة هبة الله، وهي زعيمة مسلمة بارزة في حكومة مودي، قد ردت بالقول إن الهند يمكن أن تتوسّط من أجل إحلال السلام بين الجانبين29. ولا يُعرف بعد ما إذا كانت الهند قد باشرت ببذل جهود للوساطة. ولا يُعرف إن كانت الأطراف المعنية راغبة في رؤية الهند تؤدي دور الوسيط، ولم يعلّق أي بلد آخر حتى الآن على مثل هذه التوقعات. أما التحوّل المهم الثاني في منظور الهند لعلاقتها بدول غرب آسيا فيبلوره هدف يتمثل في منع التهديدات الأمنية تجاه الهند، سواء من الإرهاب القادم عبر الحدود أو من السلوك العدواني لباكستان والصين. لقد وجدت الجماعات الإرهابية أنه من السهل جمع الأموال وتمريرها لتنفيذ نشاطات إرهابية عبر دول الخليج، وقد تكفلت علاقات الهند المتنامية بهذه البلدان في معالجة هذا الأمر بنجاعة. لكن ينبغي للتعاون الأمني في المنطقة مع الهند، المتعدد الأطراف أو الثنائي، إيجاد العديد من الضمانات التي لا ترغب الهند في الرد عليها.
تنكبّ الهند حاليًا على إعداد رؤية إستراتيجية جديدة لسياستها الخارجية، وتتضمن هذه الرؤية توسيع البنية الأمنية للهند عبر المحيط الهندي وبحر العرب. وتبقى مسألة كيفية توفيق الهند بين مصالحها مع إسرائيل والولايات المتحدة والمنطقة القضية الرئيسة في صوغ النموذج النهائي للرؤية الإستراتيجية الجديدة للهند. لقد نجحت مبادرة الحزام والطريق الصينية على الرغم من مواطن ضعفها الجوهرية في تحقيق المزيد من التواصل الدبلوماسي أكثر مما تحقق عبر الاقتصاد والتجارة. ولن تكون إيران في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي كما كانت قبله، ولا تزال مشكلاتها مع جيرانها بعيدة عن الحل، وهؤلاء الجيران هم الذين على الهند أن تستمر في تعزيز علاقات جيدة معهم. ولا بد أيضًا من مراقبة نهج إيران تجاه الهند؛ لأن ممارسة سياسة التوازن بين إيران والخليج بقيادة السعودية تبدو بعيدة عن النجاح. إذا وفّقت الرؤية الإستراتيجية الجديدة بين مصالح الهند الأساسية مع إسرائيل والولايات المتحدة والخليج، فهذا يعني أنه يتعين على الهند إعادة التفكير في سياستها المترددة التي طال أمدها، وممارسة سياسة خارجية حازمة قائمة على المصالح.
المراجع
Destradi, Sandra. "Reluctance in International Politics: a Conceptualization." European Journal of International Relations. vol. 23. no. 2 (2017). Fields, Jeffrey R. State Behavior and the Nuclear Nonproliferation Regime. Athens: University of Georgia Press, 2014. Government of India, Ministry of Statistics and Programme Implementation, Central Statistics Office. "Energy Statistics 2017." (Twenty Fourth Issue). at: https://bit.ly/2P3ENTo Karnad, Bharat. Why India is Not a Great Power (yet). Oxford: Oxford University Press, 2015. Guru Golvalkar. "The Bunch of Thought." Banglore: Sahitya Sindhu Prakashana, 1966. Savarkar, Veer. "Essentials of Hindutva." 1922. at: https://bit.ly/2BwprmM