الوقائع الفلسطينية
Palestine Over Two Months
الملخّص
28 Heydemann, "Upgrading Authoritarianism in the Arab World," p. 5. 29 يوضح عالم الاجتماع هشام شرابي طبيعة المجتمع وتطوره في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واصفًا إياه ب "المجتمع الأبوي الجديد". ويعرّف مفهوم النظام الأبوي الجديد بأنه يستمد معناه من مصطلحين: الأبوية والحداثة، على النحو التالي: "النظام الأبوي الجديد، من وجهة نظر كل من الحداثة والتقاليد، ليس حديثًا ولا تقليديًا، فهو بوصفه تكوينًا اجتماعيًا يفتقر، مثلً، على حد سواء إلى السمات المشتركة للجماعة (Gemeinschaft) والسمات الحديثة للمجتمع (Gesellschaft). يمكننا تعريف المجتمع الأبوي الجديد بأنه تكوين اجتماعي إنتروبي يتميز بطبيعته المؤقتة وبأنواع معينة من التخلف واللاحداثة، ويمكن ملاحظته في اقتصاد دوله وبنيتها الطبقية وكذلك في تنظيمها السياسي والاجتماعي والثقافي". Hisham Sharabi, Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society (New York: Oxford University Press, 1988), p. 4. 30 Ibid.; Basam Tibi, "The Simultaneity of the Unsimultaneous: Old Tribes and Imposed Nation-state in the Modern Middle East," in: Philip S Khoury & Joseph Kostiner (eds.), Tribes and State Formation in the Middle East (Berkeley/ Los Angeles/ Oxford: University of California Press, 1990), pp. 146-149; Oliver Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt: Ursachen, Trends und internationale Demokratieförderung , pp. 102-108. 31 النيوباتريمونيالية، كما عرّفها إردمان وإنجل، هي: "مزيج من نوعين من الهيمنة. عناصر الهيمنة البيروقراطية الموروثة والعقلانية القانونية بحيث يتداخل كل منهما مع الآخر. التمييز بين المجالين الخاص والعام موجود رسميًا، ولكنه غير ملاحظ في الممارسة الاجتماعية والسياسية غالبًا. ويتعايش بهذا نظامان بدورين أو بمنطقين، إرث العلاقات الشخصية والبيروقراطية للعلاقات القانونية-العقلانية غير الشخصية. يخترق النظام الوراثي النظام العقلاني القانوني ويؤثر في منطقه ومخرجاته، لكنه لا يتحكم حصريًا في المنطق القانوني
Abstract
العقلاني. ومثاليًا، يتمتع الناس بدرجة معينة من الاختيار فيما يتعلق بالمنطق الذي يريدون استخدامه لتحقيق أهدافهم بأفضل طريقة ولتحقيق مصالحهم". Gero Erdmann & Ulf Engel, "Neopatrimonialism Revisited: Beyond a Catch- All Concept," GIGA Working Paper , no. 16 (2006), pp. 18-19. 32 Peter Pawelka, "Der Orientalische Staat im 21. Jahrhundert: Zur Reinkarnation des vormodernen Staates in einer globalisierten Welt," in: Peter Pawelka (ed.), Der Staat im Vorderen Orient: Konstruktion und Legitimation politischer Herrschaft (Baden-Baden: Nomos, 2008), pp. 42-38; B rownlee, p p. 35-36 ; Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt , pp. 110-116. 33 Hazim Beblawi, "The Rentier State in the Arab World," in: Hazim Beblawi & Giacomo Luciani (eds.), The Rentier State (London/ New York/ Sydney: Groom Helm, 1987), p. 62; Michael L. Ross, "Does Oil Hinder Democracy?" World Politics , vol. 53, no. 3 (April 2001), pp. 356-357; Rolf Schwarz, "The Political Economy of State-Formation in the Arab Middle East: Rentier States, Economic Reform, and Democratization," Review of International Political Economy , vol. 15, no. 4 (October 2008), pp. 599-600; Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt , pp. 116-132. 34 Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt , pp. 123-129.
- فلسطين
- إسرائيل
- الصراع العربي - الإسرائيلي
- Palestine
- Israel
- Arab- Israeli Conflict
هي: 1( الاستيلاء على المجتمعات المدنية واحتواؤها، 2) إدارة الخلاف السياسي، 3( جني فوائد الإصلاحات الاقتصادية الانتقائية، 4) السيطرة على تقنيات الاتصال الجديدة، 5) تنويع الروابط الدولية35. علاوة على ذلك، أوضح الباحثون العوامل البنيوية والنظمية الأساسية، والتي سمحت لهذه الأنظمة باتباع الآليات والاستراتيجيات المذكورة سابقًا وتنفيذها. وفي حين يبدو أن ثمة جدلً ضئيلً بين الباحثين حول الطبيعة السلطوية للأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثمة خمس حجج وافتراضات مختلفة وراء عجز الديمقراطية الليبرالية، يمكن تلخيصها على النحو التالي:
تعيق الهيمنة المستمرة لقيم النيوبطريركية36 والعلاقات الاجتماعية (القرابة) والقبلية والجماعات الدينية أو الإثنية، فضلً عن المنطق الواسع والمهيمن للتفاعلات الاجتماعية الرأسية السلطوية والتفاعلات غير الرسمية داخل المجتمعات، وتشكيل وتنمية بنى أفقية للمجتمعات المدروسة، مثل البنية الطبقية، والتي تُعدّ ضرورية لبناء الديمقراطية والحفاظ عليها37.
عززت البنية السياسية المهيمنة للنيوباتريمونيالية38 في المنطقة، والتي تتسم بالنزعة الشخصانية والنظام الرئاسي والزبائنية والمحسوبية،
فضلً عن استخدام الموارد العامة لتحقيق المنفعة السياسية الخاصة، وهيمنة السلطة واستقرار الأنظمة السلطوية في المنطقة؛ ما أعاق بدورهِ التطور الطبيعي للتنظيم الاجتماعي المستقل والضروري لأي انتقال ديمقراطي39.
كان للبنية الريعية أو شبه الريعية المهيمنة في المنطقة تأثير ملموس في طبيعة الدولة ودورها، وكذلك في علاقاتها مع المجتمع. فالمستوى المرتفع للإيجارات الخارجية للدولة، يتيح التمتع بمستوى عالٍ من الاستقلال المالي ودرجة نسبية من الاستقلال الذاتي عن المجتمع ودعمه. ويجعل أثرُ البنية الريعية (الضرائب والإنفاق وتشكيل المجموعات)، أيضًا، فضلً عن أثر القمع في النزعة الريعية، النظامَ السياسي قادرًا على الحفاظ على الترتيبات الاجتماعية والسياسية؛ ما يمنع أي فرصة لتحقيق الانتقال الديمقراطي40.
تؤدي العديد من العوامل والأسباب دورًا حاسمً في منع التحول الديمقراطي، مثل المصالح الجيوسياسية والاقتصادية للفاعلين الدوليين في المنطقة والاستمرار في إعطاء الأولوية لاستقرار وثبات الحكومات المحلية على الديمقراطية، والتي زادت على نحوٍ ملحوظ في أعقاب عولمة القضايا الأمنية (أي ظهور الحروب الجديدة والحرب على الإرهاب)41، والصراعات الإقليمية المستعصية على الحل (الصراع العربي/ الفلسطيني- الإسرائي)لي و/ أو الصراعات الداخلية (الحروب
الأهلية وقضايا الأقليات مثل الأكراد)، والتي لم يجْر حلّها منذ فترة طويلة بسبب تأثرها بالتدخل الخارجي42.
5. العامل الديني (الإسلامي) أو الثقافي (العربي)
لا يوجد فصل بين الدين والدولة في الإسلام، وهو الأمر الذي لم يؤثر في الأنماط السياسية والاقتصادية فحسب43، بل منَع أيضًا الاعتراف بالحقوق الفردية؛ ما جعل الإسلام يبدو غير متوافق مع الديمقراطية الليبرالية44. ونظرًا إلى التاريخ الطويل للتنظيم السياسي السلطوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أشار باحثون آخرون إلى أنهم لا يرون المشكلة في "الإسلام"، بل في "الثقافة العربية" التي تُعدّ عائقًا في وجه الديمقراطية أو معادية لها45. ألقى عدد من الباحثين الضوءَ على عوامل بنيوية أخرى تؤدي إلى فشل الديمقراطية في المنطقة، رافضين بذلك العوامل الثقافية/ الدينية (أي الإسلام والثقافة العربية)، لأنها غير مقنعة منهجيًا46، أو لأنها تنبع من تفكير مركزي أوروبي47. فقد أبرزت بيلين عوامل مثل النزعة الريعية والباتريمونالية والدعم الدولي للأنظمة48. وأكّدت شقير - فيزوسو السياق الإقليمي باعتباره عائقًا محوريًا في وجه الانتقال الديمقراطي في المنطقة49. وأكد إبراهيم البدوي وسمير المقدسي الدور المهم للنفط والصراعات الإقليمية (لا سيما الصراع العربي - الإسرائيي، وأيضًا الحروب الأهلية والدولية الأخرى)50. وحاجّ أوليفير شلمبرغر بأنه لا يمكن أيًّا من العوامل التالية: البنية السياسية أو البنية الاجتماعية أو الإطار الاقتصادي، أن يعيق الانتقال الديمقراطي وحده. وبدلً من ذلك، يقترح أن الجمع بين هذه العوامل الثلاثة مع السياق الدولي والإقليمي وتأثير الفاعلين الخارجيين (عامل رابع) قد يفسر غياب الانتقال الديمقراطي في المنطقة51. أدَّت إحدى هذه الحجج أو جميعها بالفعل إلى اقتناع العديد من الباحثين بقوة بمقاومة المنطقة للانتقال الديمقراطي. وفي الوقت نفسه، مع استمرار السلطوية في المنطقة، اعتبُرت العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مستقرة وآمنة عدة عقود52. ومع اندلاع موجة الثورات العربية، بدا أن هذا الاستقرار أو الأمن كان ظاهريًا وهشًا، فقد كانت تلك الدول أكثر استقرارًا من الناحية السلطوية53. ومن اللافت للنظر أن مثل هذه الأنواع من دراسات الأوتوقراطية قد هيمنت على نطاق التحليل خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وحتى اندلاع الثورات العربية في المدة 2011-2010، والتي فاجأت العديد من المراقبين والباحثين. من بين الاستثناءات القليلة لهذه المقاربات البنيوية في دراسة المنطقة كانت دراسات ما يسمى مقاربة "السياسة من أسفل". بالنسبة إلى الباحثين الذين اتبعوا هذه المقاربة، فإن ديناميات السلطة في سياق السلطوية المتشددة تكون أشدّ تعقيدًا مما تظهره المقاربات البنيوية. وقد ركزوا، بناءً على ذلك، على دراسة الدولة والحكم السلطوي، ولكن "من أسفل"، من خلال التركيز على السياسة الجزئية والمؤسسات غير الرسمية والممارسات اليومية للدولة والمواطنة على المستوى المحي والتي تتجاوز مركز السلطة54.
ثانيًا: الثورات العربية وأزمة شرعية الدولة
بعد أن فوجئ الباحثون بالثورات العربية55، بيّنوا جملة من الأسباب الرئيسة وراء هذه التطورات السياسية الجديدة. وهنا، اعتبُرت المفاهيم السابقة لدراسات الأوتوقراطية (النيوباتريمونيالية ونتائجها على نحوٍ بعيد) أسبابًا رئيسة خلف الثورات، مثل ارتفاع معدل البطالة بين الشباب على وجه الخصوص، والفساد، والمحسوبية، والقمع الوحشي خاصة الذي تمارسه الأجهزة الأمنية، والإقصاء السياسي، إلى جانب الأشكال المختلفة للتمييز الإثني/ الديني ضد بعض الجماعات56. علاوة على ذلك، تحدّث البعض عن استفحال أزمة الدولة في المنطقة57. فقد نُظر إلى أسباب مثل أزمة النظام الاقتصادي وإبراز الجوانب المختلفة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحرمان من الاحتياجات الأساسية وعلاقاتها بالنظام الاقتصادي العالمي، كما هو الحال في مصر وتونس58، على أنها المحرك لهذه الثورات. يمكن تلخيص ما سبق على النحو التالي: بعد التحول نحو النيوليبرالية الذي بدأ في السبعينيات في بعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مدفوعًا بالتأثير المتزايد للمنظمات المالية الدولية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) والتي طلبت تعديلات بنيوية اقتصادية لضمان الدعم المالي، وبسبب نهاية العالم ثنائي القطب لصالح النظام أحادي القطب، والذي أجبر الدول على البحث عن مصدر بديل للتمويل، فقد أدى كل ذلك إلى الحد من قدرة الدول على صنع سياسات مستقلة، وبدأ دور الدولة يتغير من "الدولة المقدِّمة للرعاية" إلى الدولة المخصخصة كليًا أو جزئيًا (أي رأسمالية المحاسيب59). وهنا أخذت الدولة تفشل في أداء وظيفتها الاجتماعية، ولم تعد قادرة على توفير الاحتياجات الإنسانية الأساسية لمواطنيها كما كانت من قبل. وقد تسبب ذلك في تفكك العقد الاجتماعي الشعبي الضمني بين النظام السلطوي والمجتمع (أو ما يسمى بالصفقة السلطوية: الأمن الاقتصادي مقابل التخي عن الحقوق السياسية)، والتي كانت توفر مستوى معينًا من الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي. ونظرًا إلى أن هذا العقد الاجتماعي الضمني توقف عن أداء وظيفته المنوطة به أداءً فعالً (أي إن الناس صاروا يتلقون خدمات عامة أساسية أقل جودة، مثل الرعاية الصحية والتعليم، مصحوبة بتفاوتات دخل متزايدة وفقر متفشٍ) ونظرًا إلى التقاء ذلك مع سياسات الدولة المهمِّشة أو المميِّزة ضد بعض المجموعات على طول الخطوط المناطقية/ الإثنية/ الدينية، صار ولاء الناس للنظام السلطوي أقل؛ ونتيجة لذلك، صارت شرعية الأنظمة الحاكمة موضع تساؤل أمام العديد من المواطنين. ومن ناحية أخرى، كان باحثون آخرون قد سلطوا الضوء على الأبعاد الاجتماعية والسياسية وتحدثوا عن أزمة النظام السياسي أو أزمة شرعية الاقتصاد السياسي للعنف كما هي الحال في سورية وليبيا60، والتي تلخَّصت على النحو التالي: بعد التحول عن النظام الشمولي الشعبوي السابق للحكم (أي الاشتراكية القومية العربية) إلى نظام استئثاري خاص (يسمى ما بعد الشعبوي، ويتأثر بالتحول العالمي إلى النيوليبرالية)، فقد شُكِّك في الأهداف الأيديولوجية لهذه الأنظمة إضافة إلى التشكيك في تعريفها الأيديولوجي المفروض للمجتمع عند كثير من شرائح مجتمعاتها والتي شعرت بالاستبعاد أو التهميش من حيث الوصول السياسي والاعتراف المجتمعي أو الرفاه الاجتماعي
شكل يوضح الثورات العربية وأزمة شرعية الدولة
أزمة شرعية النظام الاقتصادي
المجتمع
الدولة
المجتمع في مقابل الدولة/ النظام
خسارة الثقة/ الاعتراف، ومن ثمّ خسارة الشرعية والاستقرار
والفرص الاقتصادية. دفع هذا الأمر، الذي تفاقم بسبب الممارسات القسرية للأجهزة الأمنية وفساد النخب الحاكمة، كثيرًا من الناس إلى التشكيك في الشرعية السياسية للأنظمة وحتى الدعوة إلى إسقاطها. وظهرت أزمة شرعية النظام السياسي بصفة أوضح في الرفض الاجتماعي للأعلام الوطنية والرموز السياسية للنظام/ للدولة، كما حصل في سورية وليبيا، أو خلق صراعًا أيديولوجيًا لاحقًا حول "العوالم المفاهيمية - Vorstellungswelten" المتعلقة بتعريف/ تصنيف الدولة والمجتمع (مثل القومية والعلمانية والإسلاموية والليبرالية والديمقراطية) بين النظام والمعارضة في البداية، وفيما بعد بين القوى السياسية المختلفة. وبإلقاء نظرة فاحصة على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي شهدت ثورات شعبية في المدة 2011-2010، يمكن رؤية كلا الجانبين من الأزمات (الاجتماعية الاقتصادية والاجتماعية السياسية) إلى حد مختلف في هذه الدول وخاصة في الجمهوريات، مقارنة بالأنظمة الملكية. وفي حين كانت أسباب الثورة ودوافعها اجتماعية اقتصادية بطبيعتها في مصر وتونس (تلتها بعد ذلك تعبئة اجتماعية سياسية)،
أزمة شرعية النظام الاقتصادي
الأنظمة السياسية
كانت الأسباب والدوافع أشدّ ارتباطًا بشرعية النظام السياسي والاقتصاد السياسي للعنف في سورية وليبيا (أدّت الجوانب الاجتماعية الاقتصادية دورًا أيضًا، لكن التعبئة كانت مدفوعة بعوامل اجتماعية سياسية في المقام الأول). (ينظر الشكل).
ثالثًا: الثورات بوصفها لحظة للتأمل
شكّلت الثورات العربية على نحوٍ مفاجئ لحظة تأمل ومراجعة لدى كثير من الباحثين61. فمن ناحية أولى، ولفهمٍ أفضل للمسببات المباشرة لهذه الثورات، وكذلك لمستقبل سياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، راجع بعض الباحثين الإحصائيات وجمعوها من المقاربات التحليلية السابقة. كان هذا الأمر مهمًّ في دراسات التحول الديمقراطي؛ أي عبر التركيز على الجوانب الجديدة، مثل المقاربات
العابرة للحدود، وصار النظر إلى الوسائل الرقمية لا يقتصر على دورها بأنها مصدر للمعلومات فحسب، بل أيضًا بصفتها وسيلة للتعبئة أو للتحليل المتمحور حول المجتمع62. وقد رأينا مثل هذه المراجعات في دراسات الأوتوقراطية، وذلك عبر الدعوة إلى مراجعة مفهوم السلطانية63 أو التركيز أكثر على الانتشار والتعاون السلطوي العابر للحدود الوطنية (أي دراسات الانتشار)64. وفي هذا الإطار، كانت حجة سيلجا هاردرز وكريستوف كونيج مختلفة؛ إذ أشارا إلى أن التركيز على المقاربات البنيوية (المرتبطة باستقرار النظام والتغيير) محدودة في فهمها للثورات العربية: "لا يمكن 'الأزمات القديمة' أن تفسر موجة 'الاحتجاجات الجديدة"'65. فمن وجهة نظرهما، الأسباب البنيوية معروفة منذ عدة عقود، وفتح هيكل الفرص السياسية لا يمكن أن يوفر تفسيرًا لوقوع الاحتجاجات أو استمرارها في بعض الدول، لكنه يوفّر تفسيرًا في دول أخرى. ولذلك، اقترحا محاولة فهم الثورات العربية، من منظور ديناميات القمع والتحالف (أي التفاعل بين المعارضين والموالين للنظام، والتحالفات المعارضة للنظام والتعبئة الجماهيرية، وديناميات القمع لدى النظام)66. ولأن القوات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدّت دائمًا دورًا حاسمً في تطوير الدولة والمجتمع وأيضًا خلال الثورات على نحوٍ أوضح، اتجه البعض إلى دراسة الديناميات المدنية والعسكرية67. ومن ناحية أخرى، أخذ بعض الباحثين الإشكالية إلى ما هو أبعد من دراسات الديمقراطية ودراسات الأوتوقراطية، معتمدين على دعوة ليزا أندرسون في عام 2006 إلى اعتبار سياسة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أنها "علم السياسة الحقيقي"68. وإلى جانب دعوتهم إلى فهم أنظمة الحكم والسياسة في المنطقة – بما في ذلك التماسك الاجتماعي وشرعية النظام السياسي والاقتصاد السياسي للعنف، وأيضًا الثقافة السياسية ومعنى السياسة والمواطنة عند الناس69 – دعوا أيضًا إلى استخدام مقاربات مثل "علم الاجتماع التاريخي" لفهم نتائج الثورات العربية وسياسة المستقبل في دولها70. ولدراسة مسألة الإدماج والإقصاء بين السلطة والنخبة والجماهير، أعيد اقتراح مفاهيم البولياركية (التعددية): تنافس النخبة والادماج الاجتماعي باعتبارها مقاربة تحليلية71. ونظرًا إلى تعقد ديناميات السلطة، فقد أعيد النظر في مدى أهمية استكشاف الدولة والحكم "من أسفل" (السياسة الجزئية)، من خلال تقليل التركيز على المؤسسات الرسمية ونخب النظام (من دون إهمال أهميتها) وزيادة التركيز على المؤسسات غير الرسمية والممارسات اليومية للدولة والمواطنة خارج المركز صاحب الامتيازات72. ولا ينبغي أيضًا حصر قضية الأمن في بعد الأمن الدولي، بل يجب دراسة القوى الداخلية لوسائل القمع الشرعية73. مع تميع الخطوط الفاصلة بين الدولة والنظام، وكذلك بين النظام وبعض مكونات المجتمع (الجماعات الطائفية أو القبائل أو العائلات)، لا يمكن اعتبار بعض الفاعلين غير الحكوميين، مثل منظمات المجتمع المدني ونخبة رجال الأع لاا، بوصفهم عوامل أو وكلاء مباشرين للتغيير الديمقراطي. وبدلً من ذلك، جرى تأكيد أهمية التعامل مع المفاهيم الغربية للمجتمع المدني والتكوين الطبقي بحساسية نقدية أعلى عند تطبيقها في سياق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا74. واقترح البعض النظر إلى ما وراء مؤسسات المجتمع المدني الرسمية وحركاته، من خلال البحث في الأشكال غير الرسمية للنشاط والمشاركة السياسييَن75. وجرى بالمثل تأكيد أهمية التمييز
بين الدولة والنظام، وفشل الدولة (بالإشارة إلى البعد الوظيفي) وانهيار الدولة (بالإشارة إلى البعد المؤسساتي)76؛ بل طالب باحثون آخرون بإعادة فتح النقاش حول الدولة (أي المبالغة في/ التقليل من تقدير الدولة)77. وبهذا الخصوص، تساءل البعض عن كيفية النظر إلى الدولة: بصفتها فاعلً مستقلً أم أداة للجماعات الطائفية أم فضاء لهيمنة العائلة78، بينما أعاد باحثون آخرون فحص ديناميات العلاقات بين المجتمع والدولة، مثل إعادة النظر في نهج جويل مغدال "الدولة في المجتمع" (الدول الضعيفة والمجتمعات القوية)، والتي درست تأثير مجموعات مجتمعية معينة، مثل القبيلة أو الطائفة، في تطور الدولة ودورها، وأيضًا حللت تشكيل الطائفية (التطييف Sectarianization) في المنطقة وآثارها في سياسة الدولة والمجتمع الحالية. فضلً عن ذلك، ونظرًا إلى أن التقسيم التقليدي للدولة مقابل المجتمع أو الرؤية الكلاسيكية لتشكل الطبقات كان يعتبر محدودًا في استيعابه تأثير الفاعلين العابرين للحدود في سياسة المنطقة، فقد اقتُحت الرأسمالية والطبقية محاورَ حاسمة لتحليل الهيراركيات المتغيرة على المستويات الدولية والإقليمية وتأثيراتها في التكوين الاجتماعي على المستوى الوطني. وفقًا لذلك، لا ينبغي إهمال ديناميات العولمة مثل المقاربات العابرة للحدودوالتقاطعية (أي فهم العوامل الخارجية والإقليمية وكذلك العوامل الوطنية والمحلية) في أي تحليل للقضايا المحلية.
خاتمة
جرى استكشاف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل الثورات العربية في الغالب، إما من وجهة نظر دراسات التحول الديمقراطي أو دراسات الأوتوقراطية، والتي تأثرت بهيمنة القوى الغربية المتزايدة في السياسة العالمية. فمن ناحية، أظهرت دراسات التحول الديمقراطي أن التحولات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العقود الماضية كانت مظللة، بل إن اللبرلة الاقتصادية والسياسية الجزئية أدت في الواقع إلى تعزيز السلطوية، بدلً من أن تشكّل فرصة لإحداث تحول ديمقراطي حقيقي. ومن ناحية أخرى، أوضحت دراسات الأوتوقراطية استراتيجيات الأنظمة السلطوية (أي المزج بين القسر والاستيعاب وتنويع الروابط الدولية) والعوامل البنيوية (أي البنية الاجتماعية العمودية للأبوية الجديدة، والنيوباتريمونيالية الجديدة والريعية والسياقان الدولي والإقليمي) وراء استقرارها ومطواعيتها.Resilience لاحقًا، ومع موجة الثورات العربية، باتت شرعية النظام الاقتصادي و/ أو السياسي لهذه الأنظمة موضع تساؤل لدى قطاعات واسعة من المجتمع نتيجة لتفاقم المشكلات الاجتماعية الاقتصادية و/ أو الاجتماعية السياسية في هذه الدول. كما كانت الثورات العربية أيضًا لحظة للتأمل ومراجعة المقاربات التحليلية السابقة لدى كثير من الباحثين. حتى دعا البعض إلى النظر بعيدًا عن المقاربات التقليدية في دراسة المنطقة. وعلى الرغم من تمثيل جوانب مختلفة ومفاهيم تحليلية جديدة، فإن العديد من الدراسات لم تظهر خروجًا كبيرًا عن نطاق دراسات الديمقراطية في مقابل دراسات الأوتوقراطية. وركزت دراسات قليلة على شرح تعقد قضايا المنطقة، من خلال اتباع التفكير المنهجي والتحليل الشامل. فضلً عن ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه نادرًا ما جرى أخذ احتياجات الأشخاص المدروسين ومصالحهم في الاعتبار؛ وبدلً من ذلك، لا يزال البحث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مفرطًا في العمومية ويتبع النموذج من أعلى إلى أسفل، متأثرًا بهيمنة القوى الخارجية (القوى الغربية أساسًا) على السياسة المحلية. وأخيرًا، من المهم الإشارة إلى أن هذه التحليلات حول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكذلك الثورات العربية تكون مفيدة لأخذ نظرة عامة عن هذه المنطقة والسياسة فيها، فلا بد من التأكيد أن النتائج المقدمة في هذه الدراسة عامة، ولذلك تستحق مزيدًا من البحث مع إيلاء كل دولة وسياق خصوصية أكبر.