عن السياسة ما بعد الدولية: تعايش بين نظامين أم عصر وسيط جديد؟
On Post-international Politics: Two Coexistent Systems or Neo-medievalism?
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لاستكشاف مضامين ما يعتبره جيمس روزنو بردايمًا قائمًا بذاته؛ بردايم السياسة ما بعد الدولية، وذلك عبر قراءة مقارنة في مفهومي التعايش بين نظام متمركز حول الدول ونظام متعدد المراكز، في مقام أول، ومفهوم العصر الوسيط الجديد في مقام ثان؛ بغية تقديم تأملات في الخصائص الأساسية التي يمكن لكلا المفهومين المساهمة بها لتحسين فهمنا سياسة ما بعد الدولية في حقبة من التعقد المتزايد. تقسم الدراسة مبحثين رئيسين. يقدّم الأول مفهوم السياسة ما بعد الدولية، ويشخّص أبرز الافتراضات التي يستند إليها ما سمّاه روزنو بردايم الاضطراب (وهو مرادف آخر لبردايم السياسة ما بعد الدولية). أما المبحث الثاني، فيقدّم مفهوم العصر الوسيط الجديد الذي يمكن تعقّب استخدامه المبكر، عودةً إلى هادلي بول، باعتباره وصفًا ملائمًا لنظام تتراجع فيه باستمرار قدرة الدولة على احتكار ممارسة العنف، خاصة تحت وطأة التأثير المتنامي الذي تقوم به الجيوش (أو الشركات الأمنية) الخاصة التي تعدّ نظيرًا معاصرًا للجيوش المرتزقة التي ميّزت العصر الوسيط الأول.ُ
Abstract
This article explores what James Rosenau had founded as a post-international politics paradigm. It does so through a comparative reading of the two concepts of the two coexistent systems, state-centic and multicentric, on the one hand; and neo- medievalism on the other. The article aimes at offering some reflections on the essential characteristics that both concepts can contribute to improving our understanding of post-international politics in an era of increasing complexity. The article is divided into two sections. The first section introduces the concept of post-international politics, from Rosenau's perspective, and identifies the most prominent assumptions on which Rosenau called turbulence (another label for the post-international politics paradigm). The second section introduces the concept of neomedievalism, which traces back to Hadley Bull, as an appropriate depiction for a system within which the state's monopoly of violence is constantly declining, especially under the growing influence of private armies/security companies, which are considered a contemporary example of the mercenary armies that characterized the first medieval period.
- السياسة ما بعد الدولية
- النظام المتعدد المراكز
- النظام المتمركز حول الدول
- العصر الوسيط الجديد
- بردايم الاضطراب
- Post-international Politics
- Multi-centric System
- State-centric System
- Newmedievalism
- Turbulence Paradigm
ع ىل الرغم من التطور الذي شهدته أفكار جيمس روزنو (2011-1924)، لم يجد حرجًا في العودة، مرارًا وتكرارًا، وطوال مس ريته، إلى العديد من الأسئلة نفسِها1.
مقدمة
لا تعني نسبة السياسة الدولية إلى الدولة، بوصفها فاعلً رئيسًا فيها، فهمَ لفظ الدولي على سبيل النعت الذي يعود إلى الدولة. يعود أول استخدام لمصطلح International الذي يقابله في اللغة العربية الدولي، إلى فيلسوف القانون الإنكليزي جيريمي بينثامJeremy Bentham (1832-1748) الذي استخدمه في نهاية القرن الثامن عشر للتمييز بين القانون المحلي (أي الوطني) والقانون الدولي الذي جرت العادة في اللغة الإنكليزية آنذاك على تسميته قانون الأمم2 nations of Law. ولمّا كانت الدولة في تلك الحقبة من التاريخ الأوروبي مرادفةً للأمة، جاء المصطلح على هذا النحوInternational لوصف كل ما يتصل بالعلاقات بين الأمم أو الدول3. ولم يواجه منذئذ عقبات تُذكَر ليتحوّل إلى مصطلح راسخ، خاصة مع شيوع مصطلح آخر يعبّ عن الفاعل الرئيس في ما صار يُعرف بالنظام الدولي، هو الدولة-الأمة.nation-state في اللغة العربية، ينبغي التمييز بين التفكير في الدولي باعتباره ما يتعلق بالدولة أو ما يُنسب إليها من ناحية أولى4، وباعتباره ما يتصل بالعلاقات بين الدول، أو بالأحرى بين مجموعة من الدول، من ناحية ثانية (وهو المفهوم من مصطلح السياسة الدولية)، ومن ناحية ثالثة، باعتباره العالمي الذي يشمل دول العالم كلها؛ ففي حين أن اعتبار المياه دوليةً يعني أن تلك المياه تكون فيها حقوق الدول كلها متساوية، بمعنى أنها تخص دول العالم كلها؛ وفي حين أن تسمية وحدة القياس دولية، يعني أن تلك الوحدة يتعامل بها المنتجون والمستهلكون في كل مكان من العالم؛ ولا يناسب هذا المعنى القاضي بأن المنعوت بالدولي يشمل دول العالم كلها مصطلحات جمة في العلاقات الدولية، فالاتفاقية/ المعاهدة الدولية قد تقتصر على مجموعة محدَّدة من الدول (قد لا تتعدى الدولتين)، والعقوبات الدولية لا تتبنّاها بالضرورة دول العالم كلها. هذا ما جعل باري بوزانBarry Buzan وريتشارد ليتلRichard Little يُقرَّان بأن مصطلح ما بين الدولinterstate5، أقدمُ استخدامًا من مصطلح الدولي international، قد يكون أدق دلالةً وأفصح تعبيرًا عن النظام الدولي كما يجري تداوله في حقل العلاقات الدولية. ومع ذلك، نجدهما يثنيان على "مرونة" مصطلح الدولي الذي سكّه بينثام، ويؤكدان في الوقت نفسه أن هذا النعت "ما عاد يشير إلى العلاقات بين [مجموعة من] الدول فحسب، لكنه يغطي أي علاقة تمتد عبر حدود [مجموعة من الدول]، سواء أكانت مباراة 'دولية 'في كرة القدم أو هجرة 'دولية' للأفراد"6؛ فمباراة كرة القدم الدوليةُ لا تجمع فرقَ العالم الوطنيةَ كلها (بل في الواقع لا تجمع أكثر من فريقَي دولتيْ اثنتيْ)، مثلما أن حركة الهجرة الدولية للأفراد لا تتخطى ملايين الكيلومترات من الحدود التي تفصل دول العالم كلها، إحداها عن الأخرى. هذه المناقشة الاصطلاحية المقتضبة ضرورية لفهم كيف أن ما صار يُعرف بالاندماج الإقليمي، على سبيل المثال، إنما سُمّي اندماجًا دوليًا
في بدايات التنظير المبكّرة له7، على الرغم من أنه لم يعنِ حينها سوى ثلّة قليلة من دول أوروبا الغربية؛ كما أن هذه المناقشة ضرورية لفهم الكيفية التي يستخدم بها بوزان وليتل مفهوم الأنظمة الدولية المتعددة systems international multiple، بصيغة الجمع، نقدًا للنزعة السائدة، المتمركزة حول أوروبا، التي تقصر مفهوم النظام الدولي على حقبة القرون الثلاثة ونيّف التي تلت توقيع معاهدة وستفاليا المؤسِّسة للدولة-الأمة (عام 1648)، حجر زاوية النظام الدولي الحديث؛ حيث يجادلان في أن "تحديد أصول هذا النظام يقتضي فحص التاريخ الكامل الذي عرفته الأنظمة الدولية المتعددة التي تشكلت على مدى أكثر من خمسة آلاف عام"، فيقتفيان أثر هذه الأصول إلى غاية نظام الدول-المدن السومرية city-states في منطقة ما بين نهري دجلة والفرات، باعتباره أول نظام دولي مكتمل معروف لدينا8. ما يهمنا هاهنا من قراءة بوزان وليتل هو أن الوحدات التي يتشكل منها النظام الدولي لا تقتصر بالضرورة على الدول-الأمم؛ إذ يمكن أن تكون الدول-المدن، أو الإمبراطوريات، أو تشكيلة هجينة من وحدات غير متماثلة، مثلما هي عليه حال النظام الدولي المعاصر. ثمة مراجعات عديدة تسائل ما نعنيه حين نسمي السياسة الدولية دوليةً. وتقول الحجة الأساسية، والسائدة ربما، أن مصطلح الدولي بات أضيق من أن يشمل جميع الفاعلين والتفاعلات التي ينبغي أن يغطيها حقل السياسة الدولية. تدعو باتريشا أوينز Owens Patricia وآخرون، على سبيل المثال، إلى استبدال مصطلح السياسة الدولية بالسياسة العالمية، لأنها تشمل البحث في السياسة والعمليات والتفاعلات السياسية التي تجري في العالم ككلّ، ولا تقتصر على تلك التي تجري بين الدول، كما تدل عليه عبارة السياسة الدولية (أو العلاقات الدولية9). لا يعني ذلك أن العلاقات بين الدول غير مهمة، بل هي أساسية في السياسة العالمية المعاصرة ومؤسِّسة لها. غير أن الاهتمام ينبغي أن ينصبَّ أيضًا على العلاقات بين المؤسسات والمنظمات التي قد لا تكون دولً؛ مثل الشركات المتعددة الجنسيات والجماعات الإرهابية العابرة للحدود والطبقات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية وغيرها. فالعلاقات والتفاعلات بين هذه الأخيرة (بينها في حد ذاتها أو بينها وبين الدول)، يمكن أن تحظى بالأهمية نفسها التي يحظى بها ما تفعله الدول أو لا تفعله10(أو ربما تفوقها أهمية في بعض الأحيان). لكن، هل يمكن اعتبار ذلك حجاجًا كافيًا لإزاحة الدولة عن قلب السياسة الدولية؟ ثمة وفرة من الأدبيات التي تسعى لإعادة تعريف دور الدولة وصعود الفاعلين غير الدول وتنامي دورها في السياسة العالمية، ومن أبرزها كتابات جيمس روزنو الرائدة، وهو أول من استعمل عبارةً ملأت الدنيا وشغلت الناس لاحقًا لتغدو أساسًا في تعريف الحوكمة العالمية، هي عبارة "الحكم من دون حكومة"11. وقد حاجّ روزنو بأنها المفهوم الأكثر ملاءمة لوصف التعقد المتزايد الذي باتت السياسة الدولية تتّسم به، مثلما يُعدُّ الأكثر ملاءمة لفهم "الفعل السياسي" في عالم ما بعد الدولة-الأمة على حد تعبير فيليب ميولر وماركوس ليدرر12، أو في عالم السياسة ما بعد الدولية على حد تعبير روزنو نفسه13. إن هذه المسألة ليست اصطلاحية فحسب بل تتعلق أكثر بتحولات إبستيمولوجية وأنطولوجية في الوقت نفسه؛ إذ تعبّ المصطلحات الجديدة عن تحول في طبيعة الواقع (السياسة الدولية)، وتعبّ في الوقت نفسه عن تحوّل في الكيفية
التي ينبغي لنا أن نتصوّر بها هذا الواقع (نظريات السياسة الدولية.) ويشير المضمون الإبستيمولوجي إلى التحول من التحليل على المستوى ما بين الدول إلى التحليل على المستوى العالمي، أما المضمون الأنطولوجي فيشير إلى التحوّل من التعامل مع العلاقات ما بين الدول إلى التعامل مع شبكات عالمية متزايدة التعقد من التفاعلات، لا بين الدول فحسب بل بين طيفٍ واسع من الفاعلين، من الدول ومن غير الدول. ولا يكمن ما يبرر هذا التحول في ظهور وانتشار الفاعلين غير الدول، على اختلاف أشكالها، فحسب، بل يكمن أساسًا في أنّ تنامي دور هؤلاء الفاعلين يؤدي إلى، وفي الوقت نفسه ينتج من، تشتت موارد السلطة العالمية، حيث تتحوّل الدولة إلى مجرد فاعل يتقاسم السلطة مع فاعلين آخرين يتحكم كلٌّ منهم في نمط معيَّن من أنماط موارد السلطة العالمية. ومع تعدد فضاءات السلطة العالمية واستمرارها في الابتعاد عن الدولة، ما عادت السياسة "الدولية" مج لً محتكرًا من الدولة والفاعلين الذين يستمدون سلطتهم وشرعيتهم منها actors state،
مثل المنظمات الدولية ما بين الحكومية. تكمن الميزة الأساسية للسلطة العالمية في خضوعها المستمر لعمليات إعادة التموضع relocation وإعادة التوزع redistribution، فهي تتموضع بعيدًا عن السياسي نحو الاقتصادي، وأحيانًا نحو الاجتماعي (حين يتعلق الأمر بعمليات صنع المعايير وحيازة الفاعلين الشرعيةَ)، وأحيانًا أخرى حتى نحو البيروقراطي (حين يتعلق الأمر بعمل شبكات المنظمات الدولية المتزايدة التعقد، الحكومية وغير الحكومية). فضلً عن ذلك، تتوزّع السلطة العالمية من المحور الوطني-الدولي نحو المحور المحلي-عبر الوطني، ومن الدولة نحو أنماط مختلفة ومنوعة وهجينة من التشكيلات التجزيئية للدولة. ولا تنتقل السلطة العالمية إلى أيدي الفاعلين الجدد بسبب إعادة تحديد دور الدولة وتفويضها باستمرار جزءًا من سلطتها محليًّا (لمصلحة فاعلين ما دون الدولة) و/ أو عالميًّا (لمصالح فاعلين ما فوق الدولة) فحسب، بل إنها أيضًا تستمر في الابتعاد عن الدولة، لأن الفاعلين الجدد يحوزون مع مرور الوقت قدرةً أكبر على جذب موارد السلطة من مجالها التقليدي واستقطابها14. يحاجّ روزنو بأن هذه التحولات تدفع الباحث نحو التحليل على مستوى ما بعد دولي postinternational (أو على مستوى يتجاوز الدولة). ويفترض أنّ مرحلة السياسة ما بعد الدولية تتميز بالتعايش بين نظامين: نظامٌ متمركز حول الدولة state-centric، يقتصر على الدول والفاعلين الخاضعين لسيادتها، ونظامٌ متعدد المراكز multi-centric يعج بفاعلين متحررين من سيادة الدولة، ولديهم القدرة على إنتاج عمليات وبنى وقواعدَ خاصة بهم. ويتفاعل هؤلاء الفاعلون المتحررون من سيادة الدولة ويتعاونون ويتنافسون و/ أو يتصارعون مع الفاعلين الخاضعين لسيادة الدولة، فرادى أو مجتمعين بعضُ هم مع بعض. تكمن المفارقة في أن النظام المتعدد المراكز، على خلاف النظام المتمركز حول الدولة، يفتقر إلى الحد الأدنى المقبول من القابلية للضبط regulated less، ذلك أن من بين الفاعلين الذين يعجّ بهم هذا النظام، ثمة الشبكات اللاشرعية التي تشمل الجماعات المسلحة (خاصة منها الإرهابية أو التي تمارس العنف خارج سلطة الدولة وتنازعها تعريفها الفيبري التقليدي بوصفها محتكرًا للعنف المشروع) وجماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود بمختلف أشكالها15. ولا تنفك تلك الشبكات تكسب المزيد من المساحة والقوة بتعاظم قدرتها على عبور الحدود والفعل ما وراء الحدود في منحى عكسي، مع تزايد عدم قدرة الدول على مراقبة مختلف التدفقات وضبطها، داخل الحدود التي تفصلها بعضها عن بعض وعبرها. ثمة مشكلة تكمن في أن الانخراط المتزايد للفاعلين غير الدول، في المناطق غير المستقرة أمنيًا، لا يقتصر على شبكات الجماعات الإرهابية والميليشيات وتنظيمات الجريمة المنظمة فحسب، بل يشمل أيضًا الشركات الأمنية الخاصة التي تمثل بدورها فاعلين أو كيانات هجينة، فهي شركاتٌ ربحية يحكم سلوكَها منطقُ التنافس التجاري، لكن بوصفها شركات أمنية (عسكرية)، فهي تمارس عنفًا مشروعًا بحكم العقود القانونية التي تربطها بالحكومات التي توظّفها. غير أنها في الوقت نفسه تتعرّض للرفض على نطاق
غير حكومي واسع بسبب قدرتها على التنصل من الالتزام بأحكام القانون الدولي الإنساني، لأن الجهة الوحيدة المخوّلة بمساءلة أفعال موظفيها هي الشركاتُ نفسُها. يؤدي تزايد نشاط هذه الشبكات والشركات الأمنية الخاصة إلى تقويض قدرة الدولة على ضبط ما سمّ ه روزنو النظام المتعدد المراكز. ومع نهاية الحرب الباردة وانفجار النزاعات الأهلية والإثنية، فضلً عن انتشار مظاهر متعددة للعنف، ما عادت الدولة قادرة على ضبطها، ظهر العديد من الأدبيات التي تسعى لإعادة بعث أطروحة هادلي بول (1985-1932)، الذي حاجّ في نهاية سبعينيات القرن الماضي، استنادًا إلى تأملات سابقة تعود إلى أرونولد وولفرز16، بأنّ العالم قد يلج حقبةً جديدة من القرون الوسطى17. غير أن هذه الأطروحة لم تحظ بالترحيب الكافي حينها، لأن الدولة الوستفالية بدت متماسكة في أثناء الحرب الباردة، وقادرة نسبيًّا على الوفاء بالوعود المنتظرة منها. وتحاجّ هذه الأدبيات بأنّ مفهوم العصر الوسيط الجديد neo-medievalism يمكن أن يزوّدنا بمقاربة نظرية ملائمة لفهم حالة الاضطراب التي يعرفها النظام السياسي الدولي في حقبة السياسة ما بعد الدولية. هذه الدراسة استكشاف لبردايم السياسة ما بعد الدولية. وهي تقدّم قراءةً مقارنة في مفهومَي التعايش بين نظامين، نظام متمركز حول الدول ونظام متعدد المراكز، من ناحية أولى، ومفهوم العصر الوسيط الجديد من ناحية ثانية؛ وفيها مبحثان رئيسان: يقدّم المبحثُ الأول لمفهوم السياسة ما بعد الدولية، من منظور روزنو، وما تنطوي عليه من تعايش وتزامن بين النظامين المتمركز حول الدول والمتعدد المراكز. فضلً عن ذاك، يشخص هذا المبحث أبرز الافتراضات التي يستند إليها ما سمّ ه روزنو بردايم الاضطراب (وهو مرادف آخر لبردايم السياسة ما بعد الدولية)، حيث يعرض أبرز مصادر الاضطراب في السياسة ما بعد الدولية، بدءًا بالتزايد المستمر في عدد الأفراد والانتشار المتزايد للفاعلين غير الدول، وصولً إلى تعاظم الاضطراب في بنية النظام السياسي الدولي، حيث تجد أطروحة التقهقر نحو عصر وسيط جديد ما يبرر مزاعمها. أما المبحث الثاني، فيقدّم لمفهوم العصر الوسيط الجديد باعتباره وصفًا ملائمًا لنظام تتراجع فيه باستمرار قدرة الدولة على احتكار ممارسة العنف، خاصة تحت وطأة التأثير المتنامي الذي تقوم به الجيوش/ الشركات الأمنية الخاصة التي تُعدّ مثيلً معاصرًا للجيوش المرتزقة التي ميّزت العصر الوسيط الأول.
أولا: السياسة ما بعد الدولية: تعايش بين نظامين؟
ما بعد الدولي ليس مجرد نعت لغوي، لكنه رؤية للعالم worldview، وسنتجاوز هاهنا النقاش بشأن إن كانت نظريةً أم مقاربةً أم بردايمًا، أم غير ذلك18؛ فهذا النوع من النقاشات لا يعني ما بعد الدولي فحسب، بل تقريبًا جلّ محاولات التنظير في حقل العلاقات الدولية. يحاجّ روزنو بأن مفهوم "العلاقات الدولية" قد عفا عليه الزمن في مواجهة تيار واضح يتكشف فيه المزيد والمزيد من التفاعلات التي تعزّز السياسة العالمية من دون مشاركة مباشرة من الدول. لذلك، ثمة حاجة إلى مصطلح جديد يعبّ عن وجود بنى وعمليات جديدة. ومن ثم، يقترح السياسة ما بعد الدولية بوصفها التسمية المناسبة، ويسوغها بجملة التحليلات التي غزت العلوم الاجتماعية حينها، والتي تتسمى مجتمع ما بعد الصناعة، وما بعد الرأسمالية، وما بعد الاشتراكية، وما بعد الأيديولوجيا، وما بعد الماركسية، وما بعد الحداثة، وعصر ما بعد المسيحية، والعديد من المابعديات الأخرى. وهكذا، يحاجّ بأن التغيرات العميقة التي تشهدها الشؤون العالمية إنما تشكل السياسة ما بعد الدولية19. لكنه، في الوقت نفسه، يشدد على أن استخدام هذا المصطلح ينطوي على أكثر من مجرد مواكبة للموضة؛ إن "السياسة ما بعد الدولية تسمية مناسبة لأنها تشير بوضوح إلى تراجع أنماط التفاعلات طويلة الأمد، من دون الإشارة، في الوقت نفسه، إلى ما قد تؤدي إليه تلك التغييرات. فهي تعبّ عن التدفق والانتقال، مثلما تشير إلى استمرار البنى المستقرة في الوجود وأداء وظيفتها. إنها تسمح بملاحظة الشواش chaos مثلما تلمح لوجود التماسك. إنها تذكرنا بأن الشؤون 'الدولية' قد لا تكون بعد اليوم البعدَ المهيمن للحياة العالمية، أو هي تذكرنا على الأقل بانبثاق أبعاد أخرى تتحدى التفاعلات بين الدول- الأمم. أخيرًا، وليس آخِرًا، هي تسمح لنا بتجنب أي حكم مبكّر على ما إذا كان الاضطراب الذي يشهده النظام الحالي ينطوي على ترتيبات نظُمية دائمة، أم أنه مجرد حالة انتقالية"20. نشر روزنو كتابه المرجعي، الاضطراب في السياسة العالمية: نظرية في التغير والاستمرارية21، في عام 1990، حين أشرفت الحرب الباردة
على نهايتها. وقد لاحظ سنوات بعدها، رفقة ماري دورفي، أن العالم ما عاد قادرًا على التعافي من اضطرابات نهاية الحرب الباردة واستعادة أنماط السياسة الدولية المألوفة: فالدول ما عادت قادرة على استعادة هيمنتها على التفاعلات، ولا قادرة على مراقبة وضبط تدفق الأفراد والسلع والأموال داخل وعبر الحدود التي تفصلها بعضها عن بعض؛ والمنظمات الدولية ما بين الحكومية - بما فيها منظمة الأمم المتحدة - ما عادت قادرة على الاستمرار في تقديم نفسها بوصفها فضاءات ملائمة لتنظيم علاقات القوة بين الدول والحدود بين السياسة الدولية (الخارجية) والسياسة الوطنية (الداخلية) المستمرة في الانجراف، وما عاد مبدأ السيادة قادرًا على الاستمرار في منع التدخل الخارجي داخل الدول، وهكذا. لذلك، يجادل روزنو بأن العالم بات في حاجة إلى بردايم جديد يمكن من خلاله فهم ما يجري22. يطلق روزنو على هذا البردايم الجديد اسم بردايم الاضطراب paradigm turbulence، الذي تبدو من خلاله السياسة ما بعد الدولية عرضة على نحو متزايد لديناميات لا تنتج سوى المزيد من النزاعات والتوترات، والمزيد من التطورات غير المتوقعة، والمزيد من اللايقين الدائم، والمزيد من التغيرات السريعة والمفاجئة. ويؤكد أيضًا أن مفهوم الاضطراب ليس مجردَ استعارة لغوية للكناية على سمتي اللاانتظام واللايقين، بل هو منظور سبر ديناميات الاضطراب الكامن في السياسة ما بعد الدولية على نحوٍ منهجي. وللقيام بذلك، يصنف هذه التغيرات في ثلاث مجموعات، يسمّيها براميترات/ مقاييس السياسة العالمية23: المقياس الكلّmacro parameter الذي يتضمن البنية الشاملة للسياسة العالمية، والمقياس الجزئي parameter micro الذي يتضمن قدرات الأفراد، والمقياس الكلي-الجزئي parameter macro-micro الذي يتضمن بنى السلطة التي تربط بين المستويين الكلّ والجزئي. ويحاجّ روزنو، استنادًا إلى هذا المنظور، بأن "المعايير الثلاثة كلها تخضع لتعقدٍ ودينامية واسعَي النطاق، وأن العالم يشهد فترة اضطرابه الأولى منذ بداية الحقبة التي تُوّجت بمعاهدة وستفاليا قبل ما يزيد على 350 عامًا"24. يحدث الاضطراب، ضمن هذا النموذج، حين يصير استمرار الأنماط الجوهرية الملازمة للحياة الدولية - بما في ذلك عدد الفاعلين على المستوى الدولي وأنواعهم وكثافة تفاعلاتهم وروابط الاعتماد المتبادل بينهم - عرضة لدرجات عالية من الدينامية والتعقد، حيث تغدو غير قادرة على الاستمرار في إعادة إنتاج نفسها وتكرارها. حينها، يمكن المرء الاستنتاج أن العالم (ي)دخل مرحلة من الاضطراب. في هذا السياق، يجادل روزنو بأن المقاييس الثلاثة تتعرض، منذ نهاية الحرب الباردة، وعلى نحو متزامن، لجملة من الديناميات المعقدة والشاملة، حيث ما عاد النظام المتمركز حول الدولة راسخًا كما كان عليه طوال ما يزيد على القرون الثلاثة التي تلت معاهدة وستفاليا؛ إذ بفضل التغيرات العميقة التي حلّت بقدرات الأفراد (المقياس الجزئي)، فضلً عن الأزمات التي حلّت بأنماط السلطة على مختلف المستويات (المقياس الكلي-الجزئي)، فقد تعرّض هذا النظام إلى شكل من أشكال التشعب25 bifurcation إلى نظامين يتعايشان ويتزامنان معًا: نظامٌ متمركزٌ حول الدولة، ونظامٌ متعددُ المراكز (الشكل). وبذلك، يستنتج روزنو أن العالم بات يعرف أول مرحلة اضطراب حادة منذ معاهدة وستفاليا26. مع أن تشعب نظام السياسة العالمية، على هذا النحو، لم يدفع الدول إلى حافة الساحة العالمية، فإنها ما عادت الفاعل الرئيس الوحيد؛ فهي لا تزال تشكل تحالفات وتكتلات تجعل بنية النظام شبيهة بالبنى الثنائية، أو المتعددة الأقطاب التي سادت في الماضي، لكنها صارت اليوم تواجه أيضًا تحديًا جديدًا، يتمثل في التعامل مع منافسين مغايرين من عالم آخر، إضافة إلى التحديات التي يفرضها نظراؤها في عالمها التقليدي27. وهذا ما يؤكد فرضية التعايش بين النظامين
العا» المتمركز حول الدول
بضع مئات
المتمركز حول الدول والمتعدد المراكز، أي إن النظام المتعدد المراكز لا يحلُّ محلَّ النظام المتمركز حول الدول بأي حال من الأحوال؛ وهذا ما يسوغ أيضًا تسمية السياسة الدولية عند هذه الحقبة من الاضطراب سياسة ما بعد دولية، فهي تتجاوز مركزية الدولة، لكنها لا تنفي دورها في الوقت نفسه. تتميز ديناميات الاضطراب بالتفاعل والتزامن والتعايش بين نزعتين تبدوان أول وهلة متعارضتين، وتلغي إحداهما الأخرى، نزع الطابع المركزيdecentralizing من جهة وإضفاؤهcentralizing من جهة أخرى؛ إضفاء الطابع المحلي localizing من ناحية، وإضفاء الطابع العالمي globalizing من ناحية أخرى؛ التفكُّك fragmenting من جهة، والاندماج integration من جهة أخرى28. شكل يوضح السياسة ما بعد الدولية: التعايش بين نظام متمركز حول الدول ونظام متعدد المراكز
العا» متعدد المراكز
عدة مئات من الآلاف عدد الفاعل
وقد سكّ روزنو مصطلحات وظيفية، من قبيل glocalization وfragmegration، لوصف التزامن والتعايش بين النزعتين29. فعلً، من دون هذا البردايم يصير من غير الممكن فهم التزامن التاريخي، على سبيل المثال، بين تفكك (بعض) جمهوريات أوروبا الشرقية على نفسها مع نهاية الحرب الباردة، واندماج (بعض) دول أوروبا الغربية بعضها مع بعض - في إطار الاتحاد الأوروبي - مع نهاية الحرب الباردة كذلك، وعلى نحو غير متوقع البتَّة في كلتا الحالتين. فضلً عمّ سبق، يحدد روزنو مجموعة من العوامل السببية بوصفها مصادرَ للاضطراب في السياسة العالمية، هي في الوقت نفسه مصادر للتعقّد في السياسة ما بعد الدولية. ويميز بين نوعين من المصادر، داخلية المنشأ، تأتي من العمليات السياسية في حد ذاتها، وخارجية المنشأ، تأتي من العمليات الديموغرافية، التكنولوجية، الاقتصادية والثقافية30. نعرض في ما يلي مظاهر الاضطراب التي ينتجها الانتشار المستمر والمتنامي للفاعلين بوصفها خاصية جوهرية للسياسة ما بعد الدولية. على أن الاستنتاج الذي يمكن المرء الخروج به لا ينبغي له أن يقفز على مقولة روزنو، نفسه، أن النظام المتعدد المراكز لا يحلّ محلّ النظام المتمركز حول الدولة، لكنهما يتزامنان ويتعايشان.
1 - التزايد المستمر في عدد الأفراد31
يعتبر "الانفجار الديموغرافي" المستمر في العالم مصدرًا لعدد متزايد من الديناميات والتعقيدات التي تخضع لها السياسة ما بعد الدولية؛ إذ يمكن الحديث عن الديناميات التالية: أولً، الضغط المتزايد المتوقع على جهود التنمية؛ ثانيًا، مشكلة "الارتفاع العنيد" في عدد السكان المسنّين وما له من آثار في أعباء الضرائب وتوفير الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الاجتماعية، فضلً عن تقويض القوة العاملة التي يستند إليها الاقتصاد العالمي الراهن؛ ثالثًا، الضغط المتزايد على موارد الطاقة وعلى مختلف الموارد الطبيعية الحيوية، مثل المياه النظيفة والغذاء الصحي وفضاءات الحياة غير الملوثة، أو على الأقل متدنية التلوث؛ رابعًا، تفاقم المشكلات الناجمة عن الهجرة، ما دامت أسبابها قائمة وتتفاقم؛ خامسًا، تزايد عدد المدن العظمى والتحديات الشاقة التي تطرحها إدارتها، فضلً عن تفاقم مشكلة انعدام التوازن في التوزيع العالمي للسكان بين المناطق الحضرية والريفية، وفضلً أيضًا عن تزايد الأحياء العشوائية الفقيرة التي تنمو على أطراف المدن، وهي مصدر للقلق المتواصل بشأن مختلف التهديدات الاجتماعية والأمنية، المحلية والعابرة للحدود، القادمة منها؛ سادسًا، يرتبط التزايدُ المستمر المتوقَّع لعدد سكان العالم بالتطور المستمر في تكنولوجيات الإعلام والاتصال والحواسيب الجديدة التي تعزّز باستمرار قدرة الأفراد والجماعات على التنظيم والتأثير، فضلً عن الانخفاض المستمر كذلك في أسعار الحواسيب والأجهزة الذكية، وأسعار أجهزة تخزين المعطيات عالية القدرة. من المتوقع أن يترافق ارتفاع عدد السكان في العالم مع تحسن معدلات استخدام الحواسيب والهواتف الذكية الموصولة بشبكة الإنترنت، سواء تعلّق الأمر بنسب المستخدمين أو بنوعية الاستخدام. لكن ينبغي الانتباه إلى أن مثل هذا التطور لن يسمح بتحسين ظروف الحياة وتعزيز أدوات مكافحة الفساد وتكريس الشفافية فحسب، لكنه سيسمح أيضًا بتوسُّع الشبكات اللاشرعية العابرة للحدود العاملة في مجالات الجريمة والإرهاب وأعمال الاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة.
2 - الانتشار المتزايد للفاعلين غير الدول32
الفاعلون غير الدولnonstate actors هم فاعلون لا يمثلون الدول، ولا يمتثلون لها، حيث يجرّدهم الشق الأول في التعريف من البعد السيادي، في حين يضفي عليهم الشق الثاني بُعد الاستقلالية (النسبية) عن الدول، سواء من حيث التمويل أو من حيث الرقابة والضبط. لكن الأهم بالنسبة إلى مفهوم السياسة ما بعد الدولية هو أن هؤلاء الفاعلين غالبًا ما ينخرطون ويتفاعلون ضمن شبكات عابرة للحدود، ما ينتج تأثيرًا متفاوت الحدّة في العلاقات بين الدول و/ أو في العمليات السياسية ضمن دولة واحدة، أو دول عدة، أو ضمن المؤسسات الدولية، سواء حدث هذا التأثير على نحو مقصود أو عرضَي، أي كعرَض من أعراض النشاط الذي يمارسه الفاعلون.
أ- المنظمات غير الحكومية
عرف عدد المنظمات غير الحكومية ومجالاتُ نشاطها نموًّا متسارعًا بفعل عوامل عدة، أبرزها: التقدم المتسارع في تكنولوجيات الإعلام والاتصال والنقل، والنمو المتسارع للاقتصاد العالمي، حيث يمكن ملاحظة وجود تناسب طردي بين زيادة مستويات عولمة الاقتصاد الدولي وزيادة عدد هذه المنظمات وأنواعها، والتغيُّر المتسارع في البنية الديموغرافية للعالم (نمو المناطق الحضرية) وما يرافقه من تغُّيُّ في طبيعة الوعي العالمي بجدية المخاطر والتحديات المشتركة التي تتطلب فعلً عالميًا مشتركًا، وصعودُ الاهتمام العالمي بقضايا التحول الديمقراطي والسلام العالمي والبيئة وحقوق الإنسان وتحوّلها إلى قضايا سياسية عابرة للقوميات، فضلً عن تطوّر أرضية قانونية ومعيارية غير مسبوقة بشأن تلك القضايا. لذلك، يمكن المجادلة بأن الاطّراد في انتشار المنظمات غير الحكومية سيبقى مرتبطًا بالاطراد في زيادة حجم تدفق المعلومات وقدرة الأشخاص على التنقل والتواصل عبر الحدود، وهو ما يجعل عمليات المنظمات غير الحكومية العابرة للحدود وتحالفاتها أسهل وأقل تكلفة. وسيبقى هذا الاطّراد مرتبطًا باستمرار ظهور وتعقّد المشكلات والقضايا العالمية المشتركة/ العابرة للحدود التي "تثقل كاهل قدرات الترتيبات المؤسساتية بين الدول"، لأن ظهور هذه المنظمات يأتي في الأساس استجابة للمشكلات الناجمة عن اتّساع عمليات العولمة وتعمّقها33. تستمر المنظمات غير الحكومية في كونها مظهرًا واضحًا للتشتت المتزايد في السلطة العالمية بعيدًا عن الدولة، وهو ما يؤكد فرضية العالَمين - عالمٌ متمركز حول الدولة وعالمٌ متعدد المراكز - التي اقترحها روزنو. ما عادت السلطة العالمية تتركز في أيدي حكومات الدول والشركات المتعددة الجنسيات، لكنها باتت متعددة المراكز وتنتشر على نحوٍ أفقي (غير هرمي) بين الأفراد والمنظمات غير الرسمية، بفضل التمكين غير المسبوق الذي صاروا يحظون به من خلال الاستغلال المكثف لتكنولوجيات الإعلام والاتصال الجديدة. كما صارت تنتقل إلى المستويات الرسمية الأدنى من الحكومات المركزية، بما في ذلك المدن34.
ب- الشركات المتعددة الجنسيات
تهيمن هذه الشركات على ما يربو على تسعة أعشار حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر العالم، ما يعني قدرة هائلة على ممارسة الضغط والتأثير في السياسة العالمية. كما تتحكم في ما يزيد على ثلثي حجم التجارة العالمية، ما يجعلها تهيمن بوضوح على النظام التجاري العالمي الذي ما عاد دوليًا في جوهره. أبعد من ذلك، تكرّس الشركات المتعددة الجنسيات اعتمادًا متبادلًاقتصاديًّا عابرًا للحدود، يتجاوز مجالَ المالية والتجارة العالمية، ليشمل مختلف مجالات الإنتاج. وتحوّلت الشركات المتعددة الجنسيات، بفضل اتّساع عملياتها واتّساع الفضاءات المكانية التي تمتد عليها، إلى فاعلين "إمبرياليين" بحكم الواقع، بل من الناحية الجغرافية أكثر "إمبريالية" من أي إمبراطورية سبق لها أن وجُدت في التاريخ، على حد تعبير روبرت غيلبين Gilpin Robert35. يتجاوز تأثير هذه الشركات البعدَ الاقتصادي ليصل إلى البعد السياسي، حيث في إمكانها أن تموّل الحملات الانتخابية، أو أن تدفع بأحزاب أو شخصيات سياسية معيّنة إلى سدة الحكم، في مقابل استجابتها لاحقًا لمطالبها، إضافة إلى رعاية جماعات ضغط تابعة لها تضغط بطريقة روتينية على المؤسسات التشريعية والتنفيذية، على حدّ سواء، لمصالح سياسات عامة معيّنة، أو ضد أخرى، هذا فضلً عن لجوئها إلى القنوات غير الشرعية بمختلف أشكالها، مثل تقديم الرشاوى وتكريس الفساد السياسي والإداري. وإذا كانت الشركات المتعددة الجنسيات قد باتت تمارس سلطة موازية، على نحو متزايد، لسلطة الحكومات، كما لاحظت سوزان سترينج36، فإن النفوذ السياسي الناجم عن هذه السلطة لم يقتصر يومًا على الدول الضعيفة، بل يشمل أيضًا الدول القوية، وإن على نحو متفاوت.
ج- الشبكات غير الشرعية
تشمل هذه الشبكاتُ الجماعاتِ الإرهابيةَ وجماعاتِ الجريمة المنظمة العابرة للحدود بأشكالها المختلفة37. وتمثل شبكات أكثر مما تمثّل فاعلين مستقل بعضُ هم عن بعض، وذلك بسبب الاعتماد المتبادل المتزايد بينهم، حيث تترابط نشاطات وموارد هذه الجماعات القادرة على عبور الحدود وتتداخل، سواء كانت تعمل في مجالات الجريمة والإرهاب والاتجار بالبشر والمخدرات، و/ أو الأسلحة. وكما لاحظت آنيت لومان،
باتت الحدود الفاصلة بين الجريمة المنظمة والإرهاب، وعلى نحو متزايد، غير واضحة38. والواقع أن هذه الشبكات لا تنفك تكسب المزيد من المساحة والقوة بسبب التزايد في حدّة افتقار أقاليم واسعة من العالم إلى الحكم ungovernable، حيث تتعاظم قدرتها على عبور الحدود، وعلى الفعل ما وراء الحدود في منحى عكسي مع تزايد عدم قدرة الدول على مراقبة مختلف التدفقات وضبطها، داخل وعبر الحدود التي تفصل بعضها عن بعض. ولا يمثل تزايد حجم التهديدات والتحديات، التي تفرضها التنظيمات/ الشبكات الإرهابية، عاملً من عوامل الاضطراب في السياسة ما بعد الدولية فحسب. العلاقة بين المتغيرين معقدة جدًا، ولا تظهر في اتجاه واحد. فالإرهاب العابر للحدود لا يؤدي إلى زيادة الاضطراب فحسب، بل تُعَدُّ زيادة الاضطراب بدورها عاملً من عوامل انبثاق تنظيمات إرهابية جديدة و/ أو تشعّب تنظيمات جديدة عن تنظيمات قائمة أصلً. يسلك الفاعلون غير الشرعيين سلوك الشبكات المعقدة، فهم في نهاية المطاف ليسوا فاعلين مستقلً بعضُ هم عن بعض؛ ولا يعني ذلك الاهتمام ببعدها العابر للحدود فحسب بل يعني أيضًا الاهتمام بخاصية التعقّد الملازمة لها. فهي هجينة، ومتشعبة/ قابلة للتشعّب، ولا تخلو من خاصية الانبثاق والقدرة على التكيّف وتوظيف الفرص والتسهيلات والإمكانات نفسها التي يوظّفها الفاعلون الشرعيون، والقدرة في الوقت نفسه على استغلال ما لا تشمله آليات الضبط والحوكمة المحلية و/ أو العالمية. من ناحية أخرى، لا بد من تأكيد الاطراد في التناسب بين زيادة الاضطراب في السياسة ما بعد الدولية، وزيادة الحدة في خاصية التعقد التي تميّز فاعلي الشبكات غير الشرعية. يمكن المرء التفكير في تزايد أنماط الهجرة، أو استمرار التطور النوعي في تكنولوجيات الإعلام والاتصال الجديدة وتزايد قدرة الأفراد والجماعات على الوصول إليها واستعمالها في تعزيز قدرتها على التنظيم والتأثير، مثلما يمكن التفكير في نمو المناطق الحضرية العشوائية، وغيرها من العوامل التي ستبقى تساهم في اطراد التوسع في هذه الشبكات.
3 - الاضطراب المتزايد في بنية النظام السياسي الدولي39
غداة نهاية الحرب العالمية الثانية، كان عدد الدول ذات السيادة لا يتجاوز 74 دولة (51 منها أعضاء في الأمم المتحدة)، الآن، وبعد استقلال جنوب السودان، صار عددها 193 دولة، مع وجود دول/ أقاليم عدة لا تحظى باعتراف دولي كامل40، بمعنى أن هناك على الأقل دولة واحدة لا تعترف باستقلالها. فضلً عن ذلك، وتحت وطأة الحدود الإقليمية ما بين الدول ذات السيادة، تعجّ جغرافيا العالم بإثنيات لا تحظى بكيانات سياسية خاصة بها (تعدُّ نفسها أممً من دون دول)، بعضُ ها مشتت بين حدود دولتين أو عدة دول41، ويصل عدد أفراد بعضها إلى عشرات الملايين، مع أن نصف عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تقريبًا لا يتجاوز عدد سكانه عدة ملايين من الأشخاص. ومن شأن هذه المضامين المرتبطة بدور الدول باعتبارها وحدات مكوّنة للنظام السياسي الدولي، أن تستمر في الضغط على الاستقرار السياسي للنظام الدولي، المنكشفِ أصلً أمام مصادر الاضطراب الأخرى. على هذا النحو، باتت الدولة في حد ذاتها، على الأقل منذ نهاية الحرب الباردة، مصدرًا للاضطراب في البنية السياسية للنظام الدولي، وما عادت تمثل وحدته الناظمة والضابطة كما كان - ولا يزال - يُعتقد منذ معاهدة وستفاليا. في نهاية سبعينيات القرن الماضي، جادل هادلي بول (1985-1932)، استنادًا إلى تأملات سابقة تعود إلى أرونولد وولفرز (1968-1882)42، بأنّ العالم قد يلج حقبة جديدة من العصور الوسطى، بسبب انتشار مظاهرَ متعددة للعنف، ما عادت الدولة قادرة على ضبطها43. غير أن هذه الأطروحة لم تحظ بالاهتمام الكافي حينها، لأن الدولة الوستفالية بدت متماسكة خلال فترة الحرب الباردة، وقادرة نسبيًّا على تحقيق الوعود المنتظرة منها. فضلً عن ذلك، ناقش بول نفسُه خمسة معايير لاختبار إمكان أن يكون العالم فعلً يعرف عصرًا وسيطًا جديدًا44: الاندماج الإقليمي للدول (وينبغي أن ننتبه إلى أن بول لم يعاين شيئًا لا مَّمَّ آل إليه الاندماج الإقليمي في أوروبا بعد نهاية الحرب الباردة، ولا من الإقليميات الجديدة regionalisms new التي اجتاحت العالم بعدها بسنوات)، وتفكك الدول (والملاحظة نفسُها تسري على ما حدث في أثر انهيار الاتحاد السوفياتي وما انبثق
منه من دول ربما ما كان عددها ليخطر على بال بول)، وعودة العنف الدولي الخاص (أي الذي يمارسه فاعلون خواص غير الدول، وقد كانت الشركات الأمنية الخاصة والمرتزقة الجدد لمَّا تظهر على الساحة على عهد بول)، وانتشار المنظمات عبر الوطنية، وتوحيد التكنولوجيا للعالم (وهذه أيضًا لم يشهد منها بول غير النزر اليسير). خلص بول إلى نتيجة مفادها أن فترة السبعينيات شهدت بعض هذه الاتجاهات الكبرى، لكنها ما كانت كافية للجزم بأن تلك الفترة شهدت حقًّا انتق لً نحو عصر وسيط جديد45. كان وولفرز بدوره وعلى غرار بول، مؤمنًا بفكرة أن النظام الدولي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان لا يزال نظامًا وستفاليًا، مختلفًا عن نظام العصور الوسطى، لأن الدولة الوستفالية كانت لا تزال تمسك بزمام السياسة الدولية آنذاك، غير أنه توقع أن من شأن حركة تصفية الاستعمار وتزايد عدد دول العالم الثالث أن يدفع نحو اضطراب النظام الوستفالي القائم. وجادل على نحو مثير للاهتمام بأنّ الأجيال القادمة (بالنسبة إلى المرحلة التي كان يكتب فيها) ستجد أن من شأن المستقبل أن يشبه الماضي أكثر مما يشبه الحاضر، وأن الحدود الفاصلة بين السياسة الداخلية والخارجية، ستغدو أقلّ وضوحًا مما بدت عليه حينها46، ما يؤدي إلى التحوّل نحو عصر وسيط جديد. قبل أن نمضي قدمًا في فحص مفهوم العصر الوسيط الجديد، دعونا نُلْق قليلً من الضوء على الكيفية التي تعكس بها حالة التعايش بين النظامين تصوّر روزنو للنقاش الذي ينبغي أن يجمع، من الناحية الأولى، بردايم السياسة ما بعد الدولية، ومن الناحية الثانية البرداميَن السائدين مع نهاية ثمانينيات القرن العشرين وبداية تسعينياته، أي الواقعية والليبرالية. يؤكد روزنو أن البردايم الأول لا ينفي الآخرين، ولا يدّعي الحلول محلّهما. يفترض روزنو أنّ فهم السياسة الدولية يعتمد اعتمادًا كبيرًا على البردايم الذي نستخدمه لتأويل مسار الأحداث؛ فالحقائق، في رأيه، "لا تتحدث عن نفسها، والشؤون العالمية ليست بدهية، وما نعرفه يعتمد على كيفية تنظيم الأحداث واتجاهاتها التي نقدّر أنها مهمة" في تأويلاتنا47. وحين يقارن بين البردايمات الثلاثة (ينظر الجدول )1)48(، فهو لا يبتغي تحديد أيّها أفضلُ، أو أيها على صواب، إنما يفعل ذلك ليبيّ التشابه والاختلاف بينها، وليثبت أن المسألة تتعلق بالمعاني والمضامين المتعددة التي قد يضفيها ملاحظون مختلفون على الأحداث نفسها. حسبُه أن يبيّ كيف أن النظرية المبنية على استمرارية النظام الدولي )أو المتمركز حول الدول( الفوضوي )الواقعية( تعطي صورة مختلفة عن تلك المبنية على رصد التحولات التي أذكتها الأسواق المفتوحة، أو الحريات الفردية، أو التعاون بين الدول )الليبرالية(، ومختلفة تمامًا عن تلك المبنية على سبر التغيرات الناتجة من توسع مهارات الأفراد وقدراتهم وتعاظم الاستعداد لدى الأفراد والجماعات لتحدي مراكز السلطة التقليدية في النظام الدولي )الاضطراب أو السياسة ما بعد الدولية)49. من الناحية النظرية، ولمَّا يتعلق الأمر بفهم السياسة ما بعد الدولية، تتعايش البردايمات الثلاثة تمامًا، كما يتعايش النظام المتمركز حول الدول والنظام المتعدد المراكز.
ثانيًا: السياسة ما بعد الدولية: عصر وسيط جديد؟
بعد عشرين عامًا من صدور كتاب بول، المجتمع الفوضى50، أعادت آن ماري سلوتر بعث أطروحة العصر الوسيط الجديد في دراسة لها على صفحات مجلة السياسة الخارجية51، مجادِلة بأنّ العالم يلج مرة أخرى حقبة جديدة من العصور الوسطى، بفعل فقدان الدولة القدرةَ على ضبط العولمة الاقتصادية، ومحاجّة كذلك بأن نموذج العصر الوسيط الجديد يقدم بديلً تحليليًّا لنموذج النظام الدولي الليبرالي، المتمركز حول الدول والمؤسسات الدولية. في هذا الصدد، أحالت سلوتر على نحو أساسي إلى دراسة أخرى نشرتها جيسيكا ماثيوز في وقت سابق52، ناقشت فيها كيف تتحوّل السلطة باستمرار من مركز النظام الدولي (الدولة) عالميًّا نحو الأعلى، ومحليًّا نحو الأسفل، وعلى نحو عشوائي نحوَ مختلف الفاعلين غير الدول، بعضُ ها - لمَّا يتعلق الأمر بالفاعلين المحليين ذوي المطالب الهوياتية مثل - يذهب إلى حد منازعة الدولة خاصيتَي الشرعية والولاء.
الجدول (1) مقارنة بين بردايمات الواقعية والليبرالية والسياسة ما بعد الدولية
| الواقعية | الليبرالية | السياسة ما بعد الدولية | |
|---|---|---|---|
| عدد الافتراضات | معدودات | معدودات | متعددة |
| مدى تعقد البردايم | متدني التعقد | متدني التعقد | عالي التعقد |
| وحدات اختبار الفرضيات | الأحداث | القضايا/ المشكلات | سلاسل من الأحداث المتعاقبة |
| البنى العالمية | نظام دولي فوضوي | مؤسسات منوعة | بنية متشعّبة إلى نظام متمركز على الدول ونظام متعدد المراكز |
| سيادة الدولة | مستقرة | متآكلة | متأكلة |
| بنية الدولة | فاعل موحد | متعددة | متشظّية |
| دور بنية المجتمع | غير مهم | محوري | محوري |
| دور الأفراد | غير مهم | محدود | محوري |
| مصادر القلق لدى الجماعات | معضلة الأمن | معضلة السلطة | معضلة الاستقلالية |
| اتجاه التنافس | المكاسب النسبية | المكاسب المطلقة | المكاسب المطلقة |
| الحدود بين الداخلي والخارجي | صلبة وراسخة | سهلة الاختراق | سهلة الاختراق |
| التكنولوجيا ووسائل الاتصال | تسهل سيطرة الدولة | تميّز الولوج إلى بنى الدولة | تقليص سيطرة الدولة |
| التحالفات المتشكلة | الأحلاف | الجماعات ذات المصالح المتقاطعة | تجمعات فضفاضة من الفاعلين |
| إدارة الدول للاقتصاد | الحكومات تتعاون ضمن اجتماعات القمم | الحكومات مقيدة بأدوار المنظمات غمير الحكومية | تعاون/ صراع بين فاعلي النظامين المتمركز حول الدول ومتعدد المراكز |
| دور الدولة في حماية الفرد من العولمة | ممارسة الضبط والرقابة على حركة التجارة والأموال لحماية الوظائف | ليس أمامها سوى الاستفادة من ديناميات الأسواق الحرة | على الدولة توفير شبكات الحماية وحماية أولئك الذين يعانون مع توسع نطاق العولمة |
| الحساسية للتغير | متدنية | معتدلة | عالية |
الحساسية للتغير
من ناحية أخرى، حاجَّ سين ماكفايت بأن العالم يزداد تقهقرًا نحو عصر وسيط جديد، بتزايد عدم قدرة الدولة على احتكار ممارسة العنف (في تعريف ماكس فيبر الكلاسيكي للدولة)، وذلك تحت وطأة التأثير المتنامي الذي صارت تخلّفه الجيوش (أو الشركات الأمنية) الخاصة التي تعتبر مثيلً معاصرًا للجيوش المرتزقة التي ميّزت العصر الوسيط الأول؛ ما يعني، في نهاية المطاف، تقهقر النظام السياسي الدولي نحو حقبة ما قبل وستفاليا. لكنها في الوقت نفسه تبدي خصائص جديدة، من شأنها أن تسوّغ أطروحة العصر الوسيط الجديد، فتعاظم دورها لا يرتبط بتراجع دور الدولة فحسب، بل يرتبط أيضًا بتعاظم أدوار المنظمات الدولية، الحكومية وغير الحكومية، فضلً عن الشركات المتعددة الجنسيات، بفضل تزايد الطلب على خدماتها في مجال الحماية والتأمين. وبوصفها شركات متعددةَ الجنسيات في حدّ ذاتها، تُعَدّ الشركاتُ الأمنية الخاصة مظهرًا جوهريًا من مظاهر العصر الوسيط الجديد، لأنها لا تدين بالولاء لأي دولة، بما في ذلك الدول المضيفة لها، فما بالك بالدول المتعاقدة معها، تمامًا كما كانت عليه حال شركة الهند الشرقية البريطانية (أسّست في عامُ 1600)، أو شركة الهند الشرقية الهولندية (أسّست في عامُ 1602)، فالولاء الوحيد الذي تدين به هذه الشركات هو الولاء لحاملي أسهمها، سواء أكانوا جماعات ضغط منظمة، أم أفرادًا همُّهم الوحيد الربح53.
تقوّض دينامياتُ العصر الوسيط الجديد النظامَ الوستفالي عبر ثلاثة مسارات أساسية: أولً، إعادة صوغ الإقليمي اعتمادًا على معايير متداخلة تجمع بين المكوّنات العرقية والدينية والثقافية. فقد شهدت الخريطة السياسية للعالم اضطرابًا شديدًا منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تطورت حركاتٌ انفصالية تسعى لتأسيس دول جديدة، وأخرى إلحاقية irredentist تدعو إلى ضم أقاليم تزعم أحقية تاريخية فيها، وأخرى اندماجية على مستوى إقليمي، ما يؤكد تراجع الثقة بقدرة النظام الوستفالي على تأمين تطلّعات الأفراد والجماعات؛ ثانيًا، بروز تحديات تواجه النظام المتمركز حول الدول، القائم على احتكار الدولة لصفة الفاعلية agency في السياسة الدولية، حيث صار الفاعلون غير الدول ينافسون الدولة خاصيتَي الشرعية والولاء اللتيْ كانتا حكرًا عليها؛ ثالثًا، انتشار مظاهر ما قبل حداثية في نظام يقدم نفسه على أنه نظامٌ حداثي بامتياز، مثل التعصب القبلي والتطهير العرقي والإبادات الجماعية والتطرف الديني. إضافة إلى ذلك، يتقوض النظام الوستفالي، بحسب برتراند بادي، تحت تأثير خطابين متعارضين: الأول هو خطاب العولمة الذي يدعو إلى التخلّ عن الدولة، لأنها فقدت القدرة على أداء دورها التقليدي في ظل التحولات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي أضحت تفرضها العولمة؛ والثاني هو خطاب التفكك الذي يدعو بدوره إلى التخلّ عن الدولة لأنها ما عادت قادرة على تلبية تطلّعات مواطنيها الذين صاروا أكثر التفافًا حول مرجعيات محلية تقليدية، مثل التشكيلات القبلية والطائفية والعرقية، ظنًا منهم أنها كفيلة بتحقيق مواطنة فعلية، لا مجرد مواطنة بلاغية54. غير أن التعارض بين الخطابين لا ينفي وجود تداخل وتراكب بين النزعتين. وهنا تلتقي هذه الأطروحة مع رؤية روزنو التي طرقها المبحث السابق. بحسب أنصار أطروحة العصر الوسيط الجديد، لا تختلف هذه الحالة جوهريًّا عن التداخل الذي ساد في أثناء العصر الوسيط الأول بين النزعة الإمبريالية، ممثلةً دينيًّا في الكنيسة وسياسيًّا واقتصاديًّا في الإمبراطوريات55، والممالك التوسعية من ناحية، والنزعة الإقطاعية المحلية، ممثلةً في الإمارات والمدن من ناحية ثانية، والنزعة العابرة للحدود ممثلة في الأديرة monasteries ونقابات التجار والصناع guilds من ناحية ثالثة. ويضيف يورغ فريديريكس أنه في الوقت الذي اتسم العصر الوسيط الأول بوجود سلطات متداخلة وولاءات متعددة، حيث تتجاذب هذه السلطات الجميعَ عبر ادّعاءات امتلاك الشرعية والقدرة على تحقيق خلاص الفرد، سواء عبر السلطة السياسية (الإمبراطورية) أو عبر السلطة الدينية (الكنيسة)، يبدو العصرُ الوسيط الجديد وكأنه يتّسم بإعادة بعث حالة "السلطات المتداخلة والولاءات المتعددة"56، حيث تتجاذب الفردَ عدةُ قوى دافعة/ جاذبة عبر ادّعاءات امتلاك الشرعية والقدرة على تحقيق خلاصه عبر سيادة الدولة من جهة، وعبر فاعلية السوق الاقتصادية العالمية من جهة أخرى. في هذا السياق، يذهب بول إلى التشديد على أن العبرة ليست بتعدّد الفاعلين فحسب، بل بالقرائن التي تدل على أن نظام الدول قد يفسح الطريق أمام نظام جوهره تشظّي السلطة وتداخلها، تمامًا مثلما كانت عليه حال العصور الوسطى57. استخدمت سوزان ستراينج في خاتمة تحليلها تشتت السلطة في المجتمع والاقتصاد العالمي، ما يعرف بمعضلة بينوكيو problem Pinocchio's أداةً لتيسير فهم ما تعنيه هذه الظاهرة لنا نحن، بوصفنا أفرادًا. تقول ستراينج: "لقد بدت لي الخيوط التي ربطت كًّلًّ منا بالدولة شبيهةً بالخيوط التي رُبط بها بينوكيو؛ تلك الخيوط التي جعلته دمية في أيدي قوى لا يستطيع لا السيطرة عليها ولا التأثير فيها. في نهاية القصة، ما عادت مشكلته كامنة في أنه كلما تفوّه بالأكاذيب زاد أنفه طولً؛ فقد سبق له أن تعلم أنّ الأكاذيب كانت كاذبة58. لقد باتت مشكلته حين تحوّل أخيرًا، وبطريقة سحرية، من دمية خشبية إلى ولد حقيقي، أنه ما عادت ثمة أيّ خيوط تتحكم فيه. كان عليه أن يقرر بنفسه ما يجب أن يفعله والسلطة التي يجب عليه احترامها، والتي يجب عليه تحدّيها ومقاومتها. لو لم يكن لدينا الآن نظامٌ للحوكمة العالمية، أيًّا كان شكله، وكانت لدينا مجموعة متداعية من مصادر السلطة ينازع بعضُ ها بعضًا، لكنّا نواجه مشكلةَ بينوكيو نفسَها. لمن ندين بالطاعة والولاء والبيعة؟ من الواضح أننا لا نفعل ذلك دومًا للسلطة نفسِها. فأحيانًا لحكومة دولة معينة؛
وأحيانًا أخرى لشركة، وأحايين أخرى لحركة اجتماعية عابرة للحدود؛ تارة لعائلة، وأخرى لجيل بعينه، وثالثةً لرفاق الحرفة أو المهنة. مع نهاية الحرب الباردة، وانتصار اقتصاد السوق، تلاشت اليقينيات والمطلقات مجددًا. وهكذا، وفي عالم تتشتت فيه السلطة على مراكز عدة، نكتشف أن كًّلًّ منا يتقاسم بينوكيو المعضلة نفسَها. ليس للفرد مرشِدٌ غير وعيه الخاص به"59. يحاجّ فريدريكس بأن العصر الوسيط الجديد، بوصفه مفهومًا مستجدًا في العلوم الاجتماعية ككل، لا يمثل عرضًا لأحجية جديدة على الباحثين، بل هو تعبيرٌ دقيقٌ عن حالة من الارتباك الناجم عن تحولات عميقة تدكّ أوصال النظام الوستفالي المتمركز حول الدولة، على أن للجوء إلى العصور الوسطى ما يبرره، فقد كانت هذه الفترة تتسم بأنها نظام من السلطات المتراكبة والولاءات المتعددة التي تتفاعل في ما بينها في ظل ثنائية من ادعاءات تتنافس حول الشرعية، طرفاها الإمبراطورية الرومانية والكنيسة الكاثوليكية. إن الهدف من تشبيه عالم ما بعد الحرب الباردة بعالم يتّجه رأسًا صوب عصر وسيط جديد، بحسب فريدريكس، هو السعي للتغلب على العمى التصوّري الذي رُحنا ضحايَا له بسبب العادات العقلية القوية التي أكسبتنا إياها الحداثة60، ومن ذلك التعلق بمنطق التقدم الخطّي الثابت والمستمر. وقد عبّ روزنو عن ذلك ببلاغة حين دعا مرارًا وتكرارًا إلى الإفلات مما سمّ ه الأقفاص المفهومية التي ما انفكت دراسة السياسة الدولية تقبع خلف أسوارها61. لا بد أنّ بول تمكّن من أن يبرح الأقفاص المفهومية التي جاء عليها روزنو، وتمكّن أيضًا من أن يتجاوز حالة العمى التصوري التي أتى عليها فريدريكس، فلم تُعْمِ عقيدةُ التقدم الخطّي بصيرتَه عن المحاجَّة بأن نظام الدول ذات السيادة (أو النظام المتمركز حول الدول بتعبير روزنو) حين ينهار، قد لا تحلّ محلّه حكومةٌ عالميةٌ بحسب ما تشيعه تلك العقيدة، بل يحلّ تنظيمٌ سياسي عالمي حديث وعلماني شبيه لما كان موجودًا في العالم المسيحي الغربي في أثناء العصور الوسطى؛ "إنه نظام حيث ما من حاكم أو دولة تكون لها السيادة الأسمى على إقليم معين وشريحة معينة من السكان المسيحيين؛ فكلٌّ منها تتقاسم السلطة، أدناها، مع المُقطَعيِن vassals62، وأعلاها، مع البابا و (في ألمانيا وإيطاليا) مع حاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة". وينافح بول عن فرضية أن هذا النظام هو ما قد يحلّ محلّ نظام الدول الذي ما برح يخفق في تجسيد الحكومة العالمية63. فسردية العصر الوسيط الجديد، إذًا، تتفق في الأساس مع مفهوم السياسة ما بعد الدولية، بمعنى تلك التي يتشارك/ يتنافس في صنعها عدة فاعلين، ولا يكون الحسم فيها بالضرورة للدولة. قد يبدو من أول وهلة أن عالمًا كهذا سيؤول إلى انتفاء للنظامdisorder الضروري للاستقرار، بدلً من انتفاء التراتبية hierarchy المعهودة منذ معاهدة وستفاليا، لكن ذلك يبقى بعيدًا عن الدقة. فالعصر الوسيط الأول في أوروبا شهد تداخلً في السلطات والولاءات، إلّ أن التنافس بين الإقطاع (المحلي) والكنيسة الكاثوليكية (باعتبارها سلطة أسمى) لم يَقُدْ إلى حالة من انتفاء النظام، بل حدث توازن مستقر طوال عدة قرون (في الإمبراطوريات والممالك القائمة)64. تكشف الفترة التي تصاعدت فيها حدة العولمة (ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته) عن بعض التماثل بين العصرين. ويعود الفضل في الاستقرار النسبي الراهن، قياسًا إلى أفول العامل الناظم وهو الدولة، إلى التجاذبات بين طرفَ نقيض، فالمواطن يسعى للاستفادة من مزايا العولمة، لكنه في المقابل يتمسك بالدولة لحمايته من سلبياتها. ومن ثمّ، فإنّ المبدأ الناظم في هذه الحالة هو التوازن المتأرجح بين النزعة الاقتصادية (مقتضيات السوق) والنزعة الاجتماعية (مقتضيات الهوية)، والاختلاف بين العصر الوسيط الجديد والقديم، هو أن النزعة الاقتصادية صارت قوة جذب خارجية، بينما صارت النزعة الاجتماعية قوة جذب محلّية65. يبيّ الجدول (2) أوجه التشابه البنيوي بين العصرين الوسيط الأول والجديد، فثمة قوى جذب في كليهما تدّعي كل منها الشرعيةَ والقدرةَ على تخليص الفرد من مشكلاته المختلفة (الإمبراطورية/ الكنيسة، السوق/ الدولة)، مع فارق أن العصر الوسيط الجديد يشهد صراعًا، قواعدُ اللعبة فيه معلمنة secularized، فالسوق والدولة كلاهما يستند إلى أسس علمانية صريحة. وإن كانت إرهاصات بروز الدولة-الأمة قد شوهدت مبكرًا حين كانت الإمبراطورية في آخر مراحل صراعها مع الكنيسة، فإن الصراع الحالي لا يبدو أنه سيفضي
| العصر الوسيط الأول | العصر الوسيط الجديد |
|---|---|
| تميَّز بوجود سلطات متداخلة وولاءات متعددة، تتجاذب الجميع عبر ادعاءات امتلاك الشرعية والقدرة على تحقيق خلاص الفرد عبر السلطة السياسية (الإمبراطورية) أو عبر السلطة الدينية (الكنسيّة). | يتميّز بإعادة إحياء واقع السلطات المتداخلة والولاءات المتعددة. والقوى الدافعة هذه المرة تتجاذب الجميع عبر ادعاءات امتلاك الشرعية والقدرة على تحقيق خلاص الفرد عبر سيادة الدولة من ناحية، وفاعلية السوق (العالمية) من ناحية أخرى. |
| تمثلت النواة الاجتماعية للسرديات "العلمانية"، المتعلقة بادعاءات الشرعية في العصر الوسيط الأول، في الطبقة الإقطاعية الأرستقراطية. | تتمثل النواة الاجتماعية للسرديات "السياسية"، المتعلقة بادعاءات الشرعية في العصر الوسيط الجديد، في النخبة من صناع السياسة العالمية والبيروقراطيين الدوليين. |
| تمثلت النواة الاجتماعية للسرديات الدينية في طبقة رجال الدين المنضوين تحت قبة الكنيسة الكاثوليكية، حيث كانوا يحظون بقدرة كبيرة على التواصل الاجتماعي لا تحدّها العوائق الجغرافية. | تتمثل النواة الاجتماعية للسرديات الاقتصادية في طبقة رجال الأعمال العابرين للحدود، ويحظى هؤلاء بدورهم بقدرة كبيرة على التواصل الاجتماعي، وما عادت الجغرافيا تشكل عقبة في طريقهم. |
| اعتمدت السرديات الدينية على التيولوجيا الدينية التي بشّ بها مناصرون معروفون لدى العامة، والشيء ذاته في السرديات العلمانية المناوئة، وإن بدرجة أقل. | تعتمد منظومتا الدولة-الأمة واقتصاد السوق على نخبة تستند إلى المعرفة، أي إلى جماعة إبستيمية تتشكل من مثقفين ومؤلفين معروفين لدى العامة. |
| ادعت كلتا الشرعيتين المتنافستين التفوق، لكن كلتيهما انهارت في النهاية، فاسحتين المجال لظهور الدولة.-الأمة | تدّعي الشرعيتان المتنافستان التفوق، لكن من غير الواضح ما سيؤول إليه هذا التنافس. |
إلى خيار ثالث بمعالم واضحة، ومن هنا تنبع شرعية التساؤل عمّ إذا كان العصر الوسيط الجديد (أو الحالي) سيقودنا إلى نهضة إنسانية جديدة، كما كانت عليه الحال مع العصر الوسيط الأول، أم أنه سيجعلنا نتقهقر إلى عصر ظلمات آخر66.
خاتمة
حاولت الدراسة فحص المضامين النظرية التي ينطوي عليها التحول نحو السياسة ما بعد الدولية، وذلك بمناقشة مفهوم التعايش بين النظام المتمركز حول الدول والنظام المتعدد المراكز، ومفهوم العصر الوسيط الجديد. يمكن، عبر هذين المفهومين، تصورُ أنماط إعادة تموضع وإعادة توزع السلطة في النظام العالمي من الدول (والمؤسسات الدولية) نحو الفاعلين غير الدول، وهو جوهر تعريف روزنو للسياسة ما بعد الدولية. ويعيد المفهومان كلاهما توجيه الجدول (2) الفروقات بين العصر الوسيط الأول والعصر الوسط الجديد
البحث في حقل العلاقات الدولية بعيدًا عن المقاربات المتمركزة حول الدولة، نحو التفكير في السياسة العالمية باعتبارها نظامًا بلا بنية محددة unstructured، تتنازع فيه، وفي الوقت نفسِه، تتعايش سلطاتٌ متداخلة وولاءاتٌ متعددة من ناحية، ويتزامن فيه ويتعايش نظامان، أحدهما متمركز حول الدول والفاعلين الخاضعين لسيادتها، وآخر متعدد المراكز من ناحية أخرى. إذا كانت الدولة، مثلما بات واضحًا، ما عادت مصدرًا وحيدًا للسلطة في السياسة ما بعد الدولية، فهذا لا ينفي دورها باعتبارها مصدرًا من بين مصادر أخرى لتلك السلطة. لذلك، نعيد التشديد على أن النظام المتعدد المراكز، في بردايم السياسة ما بعد الدولية (أو بردايم الاضطراب) الذي طوّره روزنو، لا يلغي النظام المتمركز حول الدول، ولا يحل محله، لكنهما يتعايشان معًا. وإذا كان من الضروري التشديد على أن السيادة، في مفهوم العصر الوسيط الجديد، تتأكل من الداخل، بقدر ما تتأكل من الخارج، فمن الضروري أيضًا تأكيد أن عوامل التأكل من الخارج لا تأتي من المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة أو حلف شمال الأطلسي، أو من الشركات المتعددة الجنسيات فحسب، بل تأتي أيضًا من دول أخرى، قد تكون أكثر سطوة أو أشد هشاشة مما ينبغي أن تكون عليه في النموذج الوستفالي التقليدي. لذلك، يُبقي مفهومُ العصر الوسيط الجديد على دورٍ حاسم لسلطة الدولة في الإبقاء على النظام العالمي بعيدًا عن حافة الانهيار الذي قد تسبّبه نهاية الدولة، حيث يمكن ملاحظة شكل من أشكال التجاذب الثابت والمستقر بين طرفي نقيض، فالمواطن يسعى للاستفادة من مزايا العولمة، لكنه في المقابل يتمسك بالدولة لحمايته من مخاطرها، وباستثناء الجماعات المسلحة الخارجة على القانون التي تتحدى نظام الدولة نفسَه (سواء تعلق الأمر بالجماعات الإرهابية أم بحركات التمرد)، يبدو أن الفاعلين غير الدول يتبنون الموقفَ الهجين نفسَه من الدولة، فهم (قد) يعملون على تقويض سلطتها، لكن ليس إلى الحد الذي قد تختفي معه. لا بد، أخيرًا، من تبديد الشكوك التي قد تلوح في أذهاننا حيال نموذج العصر الوسيط الجديد، تلك الشكوك التي تبثّها الصورة التاريخية التي قد تبقى لصيقةً به، توحي بشيوع الفوضى وشحّ الأمن والنظام واليقين، وتُبِينه حقبةً مظلمة حالكة Age Dark. وقد سبق أن صوَّره روبرت كابلان على هذه الهيئة، في نصّ ذائع الصيت نشره تحت عنوان "الفوضى القادمة"، حين قال: "إننا نلج عالمًا متشعبًا إلى عالميْ: جزءٌ من الكوكب يقطنه رجلُ هيغل وفوكوياما الأخيرُ موفور الصحة والطعام، مُرفَّه بالتكنولوجيا؛ أما الجزء الآخر الأوسع، فيقطنه رجل هوبز الأول محكوم عليه بعيش حياة قصيرة، تطفح بالعزلة والفاقة، والقذارة والوحشية". ثم أبعد من ذلك، تنبأ كابلان أن يعمّ العالمَ نموذجُ الحروب الأهلية البشعة في غرب أفريقيا، فتتداعى الحضارة ولا يظل أمام المرء سوى الاستثمار في تشييد قلعة على شاكلة قلاع القرون الوسطى إذا أراد البقاء والصمود خلال القرن الحادي والعشرين67. تعرّضت أطروحة كابلان للنقد بطبيعة الحال68، غير أن ما يهمنا، كما ذكرنا، هو تبديد الشكوك في المزايا التحليلية التي يوفرها لنا مفهوم العصر الوسيط الجديد بوصفه نموذجًا نظريًا لا نموذجًا تاريخيًا؛ وهو مثلما بيّنته هذه الدراسة أشدُّ ثراءً وتعقدًا من النموذج الوستفالي المتمركز حول الدولة. ومن خلال مقارنته بمفهوم روزنو عن التعايش بين النظامَيْ، المتمركز حول الدول والمتعدد المراكز، يتضح لنا أن هذا الأخير لا يقل ثراءً وتعقدًا.
References المراجع
العربية
حمشي، محمد. "نظرية التعقد في العلاقات الدولية: النظام الدولي كنظام معقد وشواشي السلوك". المستقبل العربي. العدد 484 (حزيران/ يونيو.)2019 ________. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 خيّ، شهرزاد ومحمد حمشي. "الحوكمة العالمية والسلطة الخاصة". المجلة الجزائرية للأمن والتنمية. مج 10، العدد 3.)2021(زقاغ، عادل. "العصر الوسيط الجديد وتداعياته على النظرية والممارسة في العلاقات الدولية". مجلة المفكر. العدد).2012(7 غيلبين، روبرت. الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية. ترجمة مركز الخليج للأبحاث. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2004
الأجنبية
Baylis, John, Steve Smith & Patricia Owens )eds.). The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations. 8th ed. New York: Oxford University Press, 2020. Brown, Chris. Understanding International Relations. 3rd ed. New York: Palgrave Macmillan, 2005. Bull, Hedley. The Anarchical Society. New York: Palgrave,
Buzan, Barry & Richard Little. International Systems in World History: Remaking the Study of International Relations. New York: Oxford University Press, 2000. Cerny, Philip. Rethinking World Politics. Oxford: Oxford University Press, 2010. Dalby, Simon. "The Environment as Geopolitical Threat: Reading Robert Kaplan's 'Coming Anarchy'." Ecumene. vol. 3, no. 4 (1996). Ferguson, Yale H. & R. J. Barry Jones (eds.). Political Space: Frontiers of Change and Governance in a Globalizing World. New York: State University of New York Press, 2002. Ferguson, Yale H. & Richard W. Mansbach. "Post- internationalism and IR Theory." Millennium - Journal of International Studies. vol. 35, no. 3 (2007). ________. Remapping Global Politics: History's Revenge and Future Shock. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. Friedrichs, Jörg. European Approaches to International Relations Theory. London: Routledge, 2004. ________. "The Meaning of New Medievalism." European Journal of International Relations. vol. 7, no. 4 (2001). Haas, Ernst B. "International Integration: The European and the Universal Process." International Organization. vol. 15, no. 4 (1961). Hobbs, Heidi H. (ed.). Pondering Postinternationalism: A Paradigm for the Twenty-First Century. Albany; New York: State University of New York Press, 2000. Little, Richard & John Williams (eds.). The Anarchical Society in a Globalized World. Basingstoke, UK: Palgrave Macmillan, 2006. Lohmann, Annette. Who Owns the Sahara? Abuja, Nigeria: Friedrich-Ebert-Stiftung, 2011. Mathews , Jessica. "Power Shift. " Foreign Affairs. vol. 76, no. 1 (1997). McFate, Sean. "Durable Disorder: The Return of Private Armies and the Emergence of Neomedievalism." A PhD. dissertation. London School of Economics and Political Science. 2011. Minahan, James. Nations without States. Westport, CT: Greenwood Publishing, 1996. Müller, Philipp & Markus Lederer. Criticizing Global Governance. New York: Palgrave Macmillan, 2005.
Nye, Joseph S. & John D. Donahue (eds.). Governance in a Globalizing World. USA: Brookings Institution Press, 2000. Ó Tuathail, Gearóid et al. (eds.). The Geopolitics Reader. London: Routledge, 1998. Rogers, Damien. Postinternationalism and Small Arms Control: Theory, Politics, Security. Farnham, England/ Burlington, VT: Ashgate Publishing, 2009. Rosenau, James N. Turbulence in World Politics: A Theory of Change and Continuity. Princeton: Princeton University Press, 1990. Rosenau, James N. & Ernst-Otto Czempiel (eds.). Governance without Government: Order and Change in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1992 [2000]. Rosenau, James N. & Mary Durfee. Thinking Theory Thoroughly: Coherent Approaches to an Incoherent World. Boulder, CO: Westview Press, 2000. Slaughter, Anne-Marie. "The Real New World Order." Foreign Affairs. vol. 76, no. 5 (1997). Strange, Susan. The Retreat of the State: The Diffusion of Power in the World Economy. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Suganami, Hidemi. "A Note on the Origins of the Word 'International.'" British Journal of International Studies. vol. 4 (1978). Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Boston: Addison-Wesley, 1979. Willetts, Peter. Non-Governmental Organizations in World Politics. London: Routledge, 2011. Wolfers, Arnold. Discord and Collaboration: Essays on International Politics. Baltimore: John Hopkins University Press, 1962.