في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟
"What is Populism?"
الملخّص
عنوان الكتاب: في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ عنوان الكتاب باللغة الإنكليزية: What is Populism? المؤلف: عزمي بشارة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: الدوحة، بيروت. سنة النشر: 2019. عدد الصفحات: 215 صفحة.
Abstract
عنوان الكتاب: في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ عنوان الكتاب باللغة الإنكليزية: What is Populism? المؤلف: عزمي بشارة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: الدوحة، بيروت. سنة النشر: 2019. عدد الصفحات: 215 صفحة.
- الشعبوية
- الديمقراطية
- الليبرالية
- Populism
- Democracy
- Liberalism
عنوان الكتاب في لغته: في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ عنوان الكتاب باللغة الإنكليزية: What is Populism? المؤلف: عزمي بشارة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: الدوحة، بيروت. سنة النشر:.2019 عدد الصفحات: 215 صفحة.
مقدمة
سبق لنائب رئيس بوليفيا ألفارو غرسيا لنيراÁlvaro García Linera أن قال: "الشعبوية وعاءٌ يضعون فيه كل شيء لا يفهمونه"1. ويُفهم من ذلك أن الشعبوية أضحت نعتًا يوصف به كل سياسي يتملّق الشعب أو يلبس لباسَه أو يتكلم كلامه، إلى غير ذلك من الممارسات التي يقوم بها بعض السياسيين من أجل الحصول على دعم الجمهور في الاستحقاقات الانتخابية. انطلاقا من هذا الالتباس الحاصل في تحديد الشعبوي من الديماغوجي أو من الشعبي أو من الدكتاتوري أو من غيرهم، ألِّفَت العديد من الكتب والدراسات العلمية التي توخت الإجابة عن سؤال أساس هو: "ما الشعبوية؟". وتتفرع من هذا السؤال أسئلة تروم تحديد شروط ظهور هذه الظاهرة السياسية، وآثارها في الأنظمة السياسية التي يصعد فيها نجمها. وإذا كانت الكتابات الغربية عديدة ومتنوعة، فإن الكتابات العربية فيها نزرة إن لم تكن منعدمة. فباستثناء تناولها البسيط في كتاب لمنى خويص2، لم يُكْتَب، على حد علمي، كتاب عربي يتناول هذه الظاهرة بالتحليل والتفسير والنقد3. ومعظم المقالات التي كتبت عن الشعبوية إلى حدود عام 2019 كانت تنظر إليها باعتبارها استراتيجية سياسية لا غير. ولا تكلف نفسها عناء الحديث عن أسبابها وعلاقاتها بالديمقراطية وصفات الشعبويين وأنماطهم. ونزعم أن السبب في ذلك يرجع إلى اعتقاد خاطئ مفاده أن الشعبوية ظاهرة غربية بالأساس ولا علاقة لها بالعالم العربي، لا سيما أنها ارتبطت أساسًا بزعماء دول أميركا اللاتينية وأوروبا الغربية. وهذا ما جعل الدراسات العربية تُعنى بأنظمة الحكم السياسية في الوطن العربي وبالانقلابات العسكرية وغيرها من الظواهر التي رأت أنها جديرة بالدراسة. بيد أن الأمر سيعرف تغيرًا مع صدور كتاب عزمي بشارة في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟، إذ يبدو مُدرِكًا خطر هذه الظاهرة، وراهنيتها، وضرورة تمييزها من غيرها من الأنظمة السياسية العربية. لذلك حدّد ثلاثة رهانات أساسية في كتابه، هي: إماطة اللثام عن الغموض الذي يسم استعمال مصطلح الشعبوية. الإسهام النظري في نقاش ظاهرة الشعبوية بالنظر إلى إمكانية اكتسابها "راهنية في الانتقال إلى الديمقراطية في الوطن العربي". تحديد الشعبوية وإبراز خطرها على الديمقراطيات الوليدة والديمقراطية الليبرالية بصفة عامة. تبرز هذه الرهانات وعيًا بأنّ الشعبوية ظاهرة مؤثرة في أنظمة الحكم العربية، وأنها كانت ولا تزال وستظل مؤثرة في هذه الأنظمة. وينبغي الوعي بها وبمكمن قوّتها لتجنب مخاطرها مستقبلً. وما نود أن نقوله هنا هو أنّ الكتاب يستحق منا كل العناية والدراسة، بالنظر إلى أنّ الشعبوية ترهن حاضرنا ومستقبلنا. ولعل التجارب المصرية والتونسية والمغربية خير دليل على قوة الخطاب الشعبوي وآثاره السلبية في المجتمعات العربية، لا سيما إن كانت الدول التي يبرز فيها ديمقراطية وليدة، وكان الزعيم الشعبوي فيها تدعمه فئة قوية، كالعسكر مثلً. يتناول بشارة ظاهرة الشعبوية تناولً مفصّلً في أربعة محاور؛ يحاول الأول تحديد شروط ظهورها الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية، ويسهم المحور الثاني في تعريف الشعبوية، ويفحص المحور الثالث أثر الشعبوية في الأنظمة الديمقراطية الراسخة بصفة عامة، والوليدة بصفة خاصة باتخاذ تونس ومصر نموذجين، ويعرض في المحور الرابع فشل الليبرالية في استيعاب الجانب اللاعقلاني لدى المجتمعات البشرية، ومن ثم خلق فجوة يتقن الشعبويون استثمارها في الصراع من أجل السلطة. بعبارة أخرى، يعرّف الكتاب الشعبوية، مبرزًا شروط ظهورها، ثم يدرس آثارها. ولا يكتفي بذلك بل يقدّم نقدًا للديمقراطية الليبرالية نفسها في محاولة للبحث عن حلول جذرية لمخاطر الشعبوية. وسنفصّل في كل بعد من أبعاد هذا الكتاب، مناقشين إياه في ضوء مجموعة من الأدبيات حول الشعبوية في العالم الغربي.
أولا: ما الشعبوية؟
يتوخى بشارة في كتابه هذا الإجابة عن سؤال "ما الشعبوية؟" ولا يُعدّ طرح هذا السؤال ترفًا ذهنيًا، بل هو سؤال علمي صعب جدًّا؛ بالنظر إلى تعدّد تعريفات الشعبوية، وتعدد أشكالها وأنماط زعاماتها. وقد ميز بول تاغارت في كتابه الشعبوية بين سمات خاصة بماهية الشعبوية وأخرى تتعلق بوظيفتها. وهو ما يمكن أن نورده في الجدول.)1(تشير هذه السمات إلى استعصاء الشعبوية على التعريف؛ فهي تتَّسم بعدم الثبات من حيث الماهية وبالتناقض من حيث الوظيفة. وقد عبّ أشعيا برلين Berlin Isaiah )1997-1909) عن هذه الصعوبة حينما شبَّه محاولة إيجاد تعريف موحَّد ودقيق للشعبوية بمحاولة إيجاد قدَم تلائم "حذاء سندريلا"4. وينبغي فهم هذه الصعوبة
سمات تتعلق بالوظيفة
ثورية. إصلاحية. غير قادرة على تقديم إصلاحات جذرية.
في سياق وجود شعبويات كثيرة؛ إذ نجد شعبويات زراعية وأخرى فلاحية أو سياسية، إضافة إلى شعبويات يمينية وأخرى يسارية، وشعبويات تحمل شعارات إثنية وعرقية وإقصائية وأخرى تحمل شعارات اقتصادية وإدماجية5. وقد أشرنا إلى هذا الأمر لنفِّسِّ في ضوئه تعريف بشارة للشعبوية. فهو تعريف مركّب في طبيعته. ويظهر النص التالي، المقتطف من كتابه، هذه الطبيعة التركيبية: "ظاهرة الشعبوية السياسية نمط من الخطاب السياسييتداخل فيه المستويان الخطابي والسلوكي بشكل وثيق. وقد يتفاعل هذا الخطاب مع عفوية تقوم على مزاج سياسي غاضبلجمهور فقدَ الثقة بالنظام والأحزاب السياسية القائمة والنخب الحاكمة، كما يوظّف بوصفه استراتيجية سياسيةً في مخاطبة هذا المزاج، هادفةً إلى إحداث تغيير سياسي عبر الوصول إلى الحكم. ويتحولهذا الخطاب إلى أيديولوجيا في الحالات المتطرفة" (ص. 17)6. يشير النص السابق إلى أربعة تعريفات للشعبوية، فهي "خطاب سياسي"، ثم "مزاج سياسي"، ثم "استراتيجية سياسية"، ثم "أيديولوجيا". واللافت في هذا التعريف هو إضافة تعريف للشعبوية بأنها "مزاج سياسي"، أما باقي التعريفات فهي مشهورة في الأدبيات الغربية، التي تميز بين الجدول (1) سمات الشعبوية عند بول تاغارت
سمات خاصة بالماهية
غير عادية. لا تمتلك سمات الأيديولوجيا الكاملة. مرنة. تفتقد الثبات. تفتقد السمات التي تجعلها ملموسة. من الصعب التحكم فيها أو تنظيمها.
التعريف الاستراتيجي للشعبوية، والتعريف الخطابي، والتعريف الفكري. لكن بشارة يضيف مصطلح المزاج في تعريفه للشعبوية. ويوضح هذا المصطلح قائلً: "وإذا صح تصنيفي لها [أي الشعبوية] باعتبارها مزاجًا سياسيًا، أضيف إلى ذلك أنه مزاج سياسي غير ودود لليبرالية عمومًا " (ص. 84)7. ولنا أن نتساءل هنا: ما الذي يقصده بشارة بالمزاج؟ وما الفرق بين المزاج والأيديولوجيا؟ وما علاقة المزاج والأيديولوجيا بالخطاب؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، يمكننا الانطلاق مَّمَّ صاحب كلمة "مزاج" في تعريف بشارة، وأساسًا كلمة "غاضب" و"غير ودود لليبرالية". فمعنى ذلك أن المزاج عنده هو تصورات معينة لدى الناس، وتندرج التصورات ضمن مفهوم الإدراكCognition الذي يضم الأيديولوجيات والمواقف والآراء والمعارف. وما دام الأمر كذلك، فهي تمثلات جماعية مشتركة بين مجموعة من الناس. وقد يكون هؤلاء الناس أغلبية في بلد معين أو فئات اجتماعية متضررة. ويعزز هذا الأمر صفة الغضب المرتبطة بالمزاج. وبعبارة أخرى، نفهم أن المزاج من وجهة نظر بشارة هو مواقف معيّنة تعتقدها مجموعة اجتماعية متضررة من وضع اجتماعي ما. وهذا ما يبرّر قوله إن الشعبوية قد تتحول إلى أيديولوجيا في حالات متطرفة، فالمواقف قد تتحول بالفعل إلى أيديولوجيا، كما وضّ ح ذلك بالتفصيل تون فون دايك في نظريته حول الأيديولوجيا8.
يأتي الخطاب ليرسم علاقة جدلية مع المزاج. وهذه الجدلية مسألة خلافية في حقل تحليل الخطاب بصفة خاصة، والعلوم الاجتماعية بصفة عامة؛ فأرنستو لاكلو Laclau Ernesto (2014-1935) وشانتال موف Mouffe Chantal مثلً، يؤمنان بأنّ الخطاب يخلق الواقع الاجتماعي، بينما يعتقد الماركسيون، خلاف ذلك، أن الخطاب نتاجٌ للواقع الاجتماعي9. ويقف المحللون النقديون للخطاب موقفًا أ. وسطًا، فالخطاب ينتج المزاج الغاضب، وهو في الآن نفسه نتاج ذلك المزاج10. ومعنى ذلك أن السياسي يبالغ في تصوير شعور مجموعة اجتماعية بالاستياء ويربطه بقضايا اجتماعية أو سياسية معينة من أجل كسب أصوات هؤلاء المستائين في الاستحقاقات الانتخابية. وبهذا يعمل الخطاب على تعزيز الاستياء وتحويله إلى مواقف معادية لفئات اجتماعية أو مؤسسات سياسية أو نخب حاكمة، إلى غير ذلك. حينما لا يتحول المزاج إلى أيديولوجيا، فهو بحسب بشارة يوظَّف استراتيجيةً للحصول على السلطة والصراع من أجلها. فهو في هذه الحالة استراتيجية لا يترتّب عليها أي سياسات متطرفة تجاه فئات من الساكنة. ولو أردنا توضيح ذلك لقلنا إنّ الشعبوية تصبح أيديولوجيا في أوروبا الغربية، فالشعبويون هناك يتوعدون بسنّ تشريعات معادية للمهاجرين والمؤسسات، كالاتحاد الأوروبي ومؤسساته المتعددة، بينما الشعبويون في أميركا اللاتينية يوظفونها استراتيجيةً لتعبئة الشعب والحصول على السلطة من دون أن تترتّب على ذلك إجراءات تعسّفية تجاه مجموعات اجتماعية ما، سواء أكانوا سودًا أم سكانًا أصليين أم مهاجرين11. صفوة القول إن بشارة يقدّم تعريفًا إجرائيًا مَرِنًا يتكيّف مع أشكال الشعبوية المتعددة؛ فهي استياء اجتماعي يعزِّزه الخطاب ويحوِّله إلى مزاج غاضب من الوضع القائم، ويوظفه السياسيون من أجل الحصول على السلطة، وفي حالات متطرفة يبلورون منه موقفًا من العالم السياسي ومن ثم يوظفونه في اتخاذ القرارات السياسية وسنّ التشريعات.
ثانيًا: ما شروط ظهور الشعبوية؟
عُنِي كتاب بشارة بمسألة ثانية تتمثل في تحديد ال وررط التي تحفِّز ظهور الشعبوية في الأنظمة السياسية. وقد ركز على الشروط الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ونعرض هذه الشروط وفق الترتيب التالي: 1. الشروط الأيديولوجية: المقصود بها مجمل التصورات التي يحملها الشعبويون تجاه السياسة، والتي تسهم في بروز الشعبوية. ويمكن تكثيفها في تصورين، هما: رفض السياسة: يكمن الإشكال الأساسي في تصور الشعبويين للسياسة في أنهم لا يحدّدون طبيعة السياسة التي يريدونها، فرفضهم للتمثيل واستبداله بالعلاقة المباشرة بين الزعيم والشعب فيه إلغاءٌ للسياسة. فهذه الأخيرة سلسلة من الصراعات والتحالفات والمفاوضات والمساومات والتنازلات التي تحكم عملية صنع القرار. واعتماد نظام الاستفتاءات يفرغ العملية السياسية من محتواها. وقد انتقد بشارة هذه النزعة "اللاسياسية" لدى الشعبويين بقوله: "ثمة وهم عند الحركات الشعبوية للتمثيل المباشر، وفي الحقيقة لا يوجد شيء اسمه تمثيل مباشر؛ إذ إن كل تمثيل هو غير مباشر. ولكن ثمّة أنواع من التمثيل غير المباشر تزعم أنها وحدها الناطقة باسم الشعب، وتدّعي لنفسها سلطات لا يستحقها غيرها ممن لا يمثلون الشعب مباشرة، وفق المنظور الشعبوي. فهذا التواصل المباشر بين القائد والقاعدة الشعبية دون أجسام وسيطة هو تواصل خطير، لأنه يقود في النهاية إلى منع التعددية أو اعتبارها فائضًا عن الحاجة" (ص. 40-41) ب. رفض السياسيين: يميل الشعبويون إلى عدم تقدير الأحزاب أو الحاجة إلى أفراد لديهم رؤى وخبرات سياسية يعملون على تطبيقها من أجل إدارة الشؤون العامة، بل يدعي الشعبويون أن الأحزاب السياسية تمثِّل عائقًا يحول دون التعبير عن الإرادة الحقيقية للشعب، ويقوم هذا التصور على مفهوم "الأغلبية الصامتة" وعلى كون الأغلبية البرلمانية لا تمثّل الأغلبية الصامتة. ويصطدم هذا التصور الشعبوي بمفهوم السياسة في الديمقراطية الليبرالية التي تعدُّه نشاطًا يتطلب معارف سياسية وعملً مخططًا له، ويتحقَّق بوساطة أحزاب تمثّل تجمُّعًا للآراء والأولويات الشعبية12. ولقد نبَّه بشارة إلى هذه المسألة خلال كتابه برمّته. ونسوق للتدليل على ذلك النصوص التالية: "ي زرر السياسي الهاوي المعتمِد على العلاقات العامة والنجومية [...]، ما يؤدي إلى إضرار كبير بالمؤسسات
الديمقراطية. وطبعًا لا ينجح هؤلاء في إعادة الثقة، بل يعمّقون عدم الثقة بالمؤسسات الديمقراطية" (ص. 40) "قد يدفع النفور من النخب السياسية عمومًا إلى انتخاب رجل أعمال فاسد عديم الأيديولوجيا همّه الثروة والسلطة وممارسة نرجسيته ويتكلم لغة 'الشعب البسيط' لمجرد مجيئه من خارج المؤسسات السياسية والأحزاب، مثلما حصل في حالتَي ترامب وبرلسكوني. وهو في الحقيقة يستخدم الخطاب الشعبوي، إضافة إلى المال والإعلام، للحصول على الأصوات، لا أكثر ولا أقل" (ص. 77-78) "الحالة الشعبوية تجلّت بوضوح في رفض السياسة والسياسيين، وتشظي الحالة الحزبية وغياب الثقة بالبرلمان، وتجسّد التطلعات الشعبية في شخص المرشح للرئاسة باسم الشعب" (ص. 135) تبُرز هذه النصوص رفض الشعبويين السياسة والسياسيين ومن يساندهم من الشعب؛ حيث يشيعون مزاجًا عامًا من انعدام الثقة بين الساكنة والسياسيين. وهو أمر يعرف الشعبويون كيف يستغلونه، فضلً عن أنه يشكّل بيئة خصبة لبروز الشعبوية. 2. الشروط الاجتماعية: المقصود بها الخصائص الاجتماعية للأفراد والمجموعات التي تسهّل ظهور الشعبوية، ويمكن التمييز فيها بين شروط اجتماعية تتعلق بالأفراد وشروط اجتماعية تتعلق بالمجموعات وهو ما يمكن توضيحه في ما يلي: أ. التركيز على الأفراد وخصائصهم النفسية والاجتماعية: تتحدد هذه الخصائص في معاناة الأفراد من العزل والتغريب السياسييَن وحاجتهم إلى روابط عاطفية عمودية (الانجذاب إلى زعيم شعبوي) وأفقية (الانخراط في عصيان شعبوي)، علاوة على إحساسهم بالإقصاء الاجتماعي الناتج من عدم انخراطهم في تجمعات دينية أو ثقافية أو مهنية أو انخراطهم السلبي في هذا التجمعات. وتؤدي هذه الخصائص إلى الرغبة في الانضمام إلى تجمعات بديلة مما يجعلهم عرضة للنزعة الشعبوية التي تستقطبهم مقدِّمةً لهم فضاء بديلً لتجربة الانخراط والمشاركة. وفي هذا السياق، يعزو بشارة تأييد الشعبويين اليمينيين في أوروبا إلى "انتشار الشعور بالاغتراب عن السياسيين والشعور العام بعدم المشاركة في الحكم وعدم تعبير الحكام عن هوية الناس" (ص. 42) ب. الظروف الاجتماعية العامة لمجتمع معين: تتحدد هذه الظروف في استياء اجتماعي نتيجة الإقصاء الاجتماعي الذي تمارسه التنظيمات الحزبية على الأغلبية الصامتة، مما يؤدي إلى بروز قلق جماعي من البطالة والتغيرات السياسية غير المتوقعة وتحديات الهوية، وغير ذلك، وهو ما يخلق بنية ملائمة لبروز الشعبوية. وقد عبر عن ذلك بشارة في حديثه عن "الخوف على نمط الحياة ومستوى المعيشة"، و"التعرض لدعاية قوى ديماغوجية تطرح حلولً سهلة"، وأن الشعبوية "تخاطب الغرائز ضد الآخر المختلف"، وتبثّ مشاعر القلق والجزع (ص. 42) 3. الشروط الاقتصادية: هيمنت العوامل الاقتصادية والاجتماعية طوال القرن الماضي، على فهم الدارسين لبروز الشعبوية؛ حيث حاجّوا بأنها تبرز من التهديد الذي يحس به العمال نتيجة زيادة التنافس الداخلي الذي يؤججه المهاجرون والمنتجون الأجانب في سياق المنافسة الدولية13. وقد انتهى بشارة في خلاصته التاسعة من كتابه إلى أن ما يميز الشعبوية اليمينية في الغرب هو "نشوء توترات اجتماعية شديدة أهمها عدم استقرار الطبقة الوسطى، والتأثيرات الاقتصادية والثقافية والمعنوية للعولمة ونقل المشاريع إلى الخارج وتدفق الهجرة" (ص. 191) تجدر الإشارة إلى أن بشارة أشار إلى شروط أخرى مساعدة على ظهور الحركات الشعبوية، ولعل أهمها: تهافت الانقسامات الحزبية بين اليمين واليسار بسبب العولمة، وأزمة التجمعات السياسية التقليدية التي تعكسها نسب التصويت المنخفضة، وزيادة شخصنة الحياة العامة باعتبارها بديلً من الأيديولوجيا والأحزاب السياسية (كما يتمثل ذلك بوضوح في حالة تونس التي انتخبت قيس سعيّد رئيسًا لها، ص 142-120)، والدور الملحوظ لوسائل الإعلام في تغيير قواعد اللعبة السياسية بتأديتها دور الأحزاب السياسية، من تعبئة وتوجيه للرأي العام وتزويد للمواطنين بالمعلومات عن السياسة والأفعال السياسية. يبدو لنا من خلال هذه الشروط أنها ترتبط بما هو سياسي بدرجة كبيرة؛ إذ حالما يحس المواطنون بأن السياسيين لا يمثلونهم، يزهدون في السياسة ويشكّلون أغلبية صامتة تتوق إلى زعيم كاريزمي يعيد لها إرادتها العامة وينقذها من مشاعر الخوف والقلق المرتبطة بما هو ثقافي واقتصادي. وعلى الرغم من أهمية العامل السياسي في بروز الشعبوية فإنّ العوامل كلها مجتمعةً تعمل على إنتاج مناخ معادٍ للسياسة يصوِّرها بعيدةً عن هموم الناس ويصوّر السياسيين عاجزين وفاسدين، وهو ما يؤدي إلى عزوفٍ انتخابي والبحث عن بدائل تتصف بالراديكالية كالشعبوية التي تَعِد بتحقيق الديمقراطية.
ثالثًا: في علاقة الشعبوية بالديمقراطية
يشير معنى كلمة "الديمقراطية"، أي "حكم الشعب" إلى ارتباطٍ وثيق بالشعبوية المأخوذة من كلمةPopulous اللاتينية التي تعني "الشعب"، وهو ما يدلّ على وجود رابط قوي بينهما. غير أن هذا الارتباط نُظِرَ إليه نظرات مختلفة، بل أحيانًا متناقضة تبعًا لوجهات النظر التي ينطلق منها الأكاديميون والسياسيون والصحفيون؛ فرئيس المجلس الأوروبي السابق هيرمن فان رومباي Rompuy van Herman صرَّح بأن الشعبوية هي "الخطر الأكبر على أوروبا"، مشيرًا إلى صعود الأحزاب اليمينية المعادية للأجانب في عدد من الدول الأعضاء للاتحاد الأوروبي14. وأشار كورك هوكينز Kirk Hawkinsإلى أن معظم الأدبيات العلمية نظرت إلى الشعبوية بوصفها فشلً للعقلانية، وعرضًا مرضيًا للديمقراطية، و"ذهنيةً ارتيابية" تصيب المواطنين والسياسيين (لا سيما الذين هم أقل تعلمً ومن الطبقات الدنيا)، وخداعًا للجماهير غير المتعلمة بدلً من الاستجابة المسوّغة والواعية للفساد والفشل السياسي15. وقد دفع هذا الأمر مجموعة من الدارسين في علم الاجتماع وعلم السياسة إلى دراسة علاقة الشعبوية بالديمقراطية، فاعتبروا ظهور الشعبوية مؤشرًا على انحراف النظام الديمقراطي16، بل منهم من اعتبر ظهورها دليلً على عجز النظام الديمقراطي17، في حين قال بعضهم إنّ الشعبوية هي الشكل الحقيقي الوحيد للديمقراطية18. ناقش بشارة هذه التصورات المتضاربة حول وظيفة الشعبوية في الأنظمة الديمقراطية. وعرض في هذا الصدد تصور فرانسيس فوكوياماFrancis Fukuyama وشانتال موفChantal Mouffe من جهة المدافعين عن الشعبوية، وعرض مواقف نادية أوربيناتي Urbinati Nadia من جهة المتخوفين من الشعبوية. وقد تبنّى الموقف الثاني من حيث دفاعه عن الديمقراطية الليبرالية بوصفها النظام الأصلح للمجتمعات اليوم. فها هو في معرض حديثه عن جاذبية النظام الديمقراطي يقول: "وقد أكد العديد من المنظرين للديمقراطية على أن تفوّقها ليس أيديولوجيا، ومن ناحية شرعية النظام فحسب، بل إنه أيضًا اقتصادي وعسكري وفي مستوى الحياة ونوعيتها، وأن جاذبيتها تنبع من هذا التفوق" (ص. 175). ولفت النظر في معرض نقده للنظامين السياسييَن الصيني والروسي إلى أن "ازدهار الصين اقتصاديًا واستقرار نظام بوتين لا يعنيان أن النظامين في البلدين أصبحا جذابين لمواطني الدول الديمقراطية، أو حتى لمواطني الدول النامية. فأي مواطن عربي، مثلً، معجب باقتصاد الصين أو بمواقف بوتين يفضل العيش مع ذلك في الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية" (ص. 186-187) في السياق نفسه، يرى بيير روزنفالون Rosanvallon Pierre أنّ الشعبوية قلبٌ معكوس لمثُلِ الديمقراطية التمثيلية وإجراءاتها19، ويحاجُّ بأن الشعبوية يجب أن تفهم على أنها عرضٌ مَرضيّ للديمقراطية تتجمّع فيها طائفة من المعجبين حول زعيم "يقاتل" ضد النخب وحكم الأقليات، وضد الأجانب. ويرى أنّ الديمقراطية تعني أن كل فرد لديه حقوق، وأن المؤسسات هي حامية تلك الحقوق. إن المحاكم الدستورية والسلطات المستقلة التي تعدّ مهمة للديمقراطية تكرهها الحركاتُ الشعبوية والأنظمة الشعبوية، وبهذا المعنى نفهم قوله إنها قلبٌ معكوس لمثُل الديمقراطية20. ويحذّر جون فرانكو باسكوينوGianfranco Pasquino من التأثير السلبي للشعبوية في الديمقراطية؛ فهي، في نظره، لم تكن يوما مقوِّية للديمقراطية؛ بل عملت، على العكس من ذلك، على جعل الديمقراطية غير مستقرة وأسهمت في تآكلها من الداخل والخارج، وهو تآكل، كما في حالة أميركا اللاتينية، من الصعب ترميمه للعديد من الأجيال السياسية المقبلة21. تجدر الإشارة إلى أنّ موقف الباحثين من الشعبوية في ارتباطها بالنظام الديمقراطي فيه موقف محايد يمثله طرح كاس موده وكريستوبل روفيرا كالتواسر؛ إذ يجادلان بأنّ الشعبوية في حد ذاتها ليست سيئة ولا جيدة بالنسبة إلى الديمقراطي؛ لذلك يمكن أن تعامل بوصفها تهديدًا للديمقراطية أو تصحيحًا لها. وهي مثلها مثل الأيديولوجيات الأخرى يمكن أن يكون لها أثر إيجابي أو سلبي في الديمقراطية22. ويمكن تلخيص تصوراتهما حول الآثار الإيجابية والسلبية للشعبوية في الديمقراطية في الجدول.)2(ويمكن فهم موقف بشارة من الشعبوية بربطها بمفهوم الانتقال الديمقراطي، لا سيما أن تأليفه لكتابه جاء في "سياق التفكير في الديمقراطية والانتقال إليها" )ص. 12). ويقدم لنا موده وكالتواسر
| الآثار السلبية | الآثار الإيجابية |
|---|---|
| استغلال مفهوم حكم الأغلبية للالتفاف على حقوق الأقليات. | إعطاء الصوت للمجموعات التي تحسّ أنّ النخبة السياسية لا تمثّلها. |
| استغلال مفهوم السيادة الشعبية لتشويه سمعة مؤسسات حماية الحقوق الأساسية. | تعبئة المجموعات المستبعدة من المجتمع، ودمجها في النظام السياسي. |
| تشجيع الانشقاقات السياسية مما يعوق تشكيل تحالفات سياسية ثابتة. | رفع سرعة استجابة النظام السياسي لمطالب الفئات المقصاة من المجتمع. |
| تخليق السياسة إلى درجة جعل الوصول إلى اتفاقات أمرًا صعبًا للغاية إن لم يكن مستحيلً. | زيادة المساءلة الديمقراطية بجعل القضايا والسياسات جزءًا من المجال السياسي. |
تفسيرًا لدور الشعبوية في الانتقال الديمقراطي، واصفيَن إياه بأنه دور ملتبس. ويوضح الشكل خلاصة آرائهما حول مجمل الآثار الإيجابية والسلبية للشعبوية في الأنظمة السياسية. يرى موده وكالتواسر، من خلال الشكل أدناه، أن ظهور الشعبوية يسهم في حركية الأنظمة السياسية وتحوّلها من نظام إلى آخر، وأنّ
الاستبدادية الاستبدادية الشاملة التنافسية
الجدول (2) الآثار الإيجابية والسلبية في الديمقراطية الليبرالية بحسب موده وكالتواسر
هذه التغيرات تنعكس في مفاهيم "تطبيق الليبرالية" أو "الانتقال الديمقراطي" أو "التعزيز الديمقراطي" من جهة، و"بداية انهيار الديمقراطية" أو "سقوط الديمقراطية" أو "القمع" من جهة أخرى. وهما يقرّان بأن الشعبوية ليست ضد الديمقراطية، بل هي على خلاف مع الديمقراطية الليبرالية، ويقترحان أنّ الشعبوية تميل إلى أن تؤدي دورًا
شكل يوضح الآثار الإيجابية والسلبية للشعبوية في الديمقراطية
عملية الد قراطية
الد قراطية الدقراطية الانتخابية الليبرالية
عملية الحد من الدقراطية
إيجابيًا في تشجيع الديمقراطية الانتخابية لكنها تؤدي دورًا سلبيًا فيما يخصُّ تشجيع التطور نحو نظام ديمقراطي ليبرالي مكتمل التبلور23. إن الخلاصة التي انتهى إليها موده وكالتواسر هي التي يمكن أن نفهم في إطارها استهلال بشارة كتابه بالقول إن "الديمقراطية في عصرنا هي الديمقراطية الليبرالية، ولا يستحق غيرها هذه التسمية" (ص. 13). فالديمقراطية الليبرالية تجمعها علاقة سلبية بالشعبوية، فهي تَحُول دون تعزيز الديمقراطية. وحديث بشارة عن قدرة الديمقراطيات الليبرالية الراسخة على احتواء الحركات الشعبوية مردُّه إلى وجود ثلاثة متغيرات تحكم علاقة الشعبوية بالديمقراطية، أشار إليها موده وكالتواسر في كتابهما عن الشعبوية، وهي: 1. السلطة السياسية للفاعل السياسي: يتعلَّق هذا المتغيّ بموقع الشعبويين في السلطة، حكومةً أو معارضة؛ فإن كانوا في المعارضة فهم يميلون إلى مزيد من الشفافية ومزيد من الديمقراطية لتكسير التحكم المزعوم للنخبة، أما إن كانوا في الحكومة فإنهم يدافعون عن حكم الأغلبية ويستعملون الأدوات الاستفتائية. 2. نوع النظام السياسي: يسهّل النظام الرئاسي على الشعبوي الوصول إلى السلطة لكنّه يفقد الدعم في المراحل الأولى لفرض أجندته بسبب غياب تنظيم حزبي قويّ يدعمه، أما إن كان النظام برلمانيًا، فهو يحدّ من سلطة الشعبوي عن طريق التحالفات الحكومية. 3. السياق الدولي: يصعب على الدول المنتمية إلى شبكة قوية من الديمقراطيات الليبرالية أن تقوّض الشعبوية فيها الديمقراطية الليبرالية من دون شجب باقي الدول الأخرى، عكس الدول التي ليست لها روابط قوية بديمقراطيات ليبرالية24. نفهم في ضوء هذه المتغيرات سياق وصول الشعبويين إلى السلطة في الأنظمة الرئاسية، وصعوبة ذلك في الأنظمة السياسية التي يكون برلمانها قويًا. وحتى إن وقع ذلك، فإن البرلمان القوي والشبكة القوية من الديمقراطيات الليبرالية يسهمان في الحد من تأثير الشعبوية. ولبشارة تأويل آخر لافت في هذا الباب، فالديمقراطيات الراسخة لها القدرة على مواجهة الشعبوية لأن الناس تعوّدوا الحريات بوصفها مكونًا من نمط حياتهم (ص. 67-68) إن كانت الديمقراطيات الراسخة قادرة على استيعاب الحركات الشعبوية، فإن الديمقراطيات الوليدة في الدول النامية لا تمتلك هذه القدرة. والدليل على ذلك ما وقع في مصر وتونس؛ ففيهما استطاع شعبويان إجهاض عملية الانتقال الديمقراطي والرجوع بالدولتين إلى نظامين استبداديين. ويرجع بشارة أسباب ذلك إلى: 1( عدم تمييز الشعوب العربية بين الحكومة والنظام السياسي، 2) ارتفاع التوقعات مقابل فشل أو إفشال البرامج الإصلاحية، 3( استخفاف البيروقراطيين بالمسؤولين الديمقراطيين الجدد، 4) تأليب الشعب من جانب الفئة المتضررة من قيام النظام الديمقراطي الوليد ضد الحكام الجدد، ونشر خطاب التخوين وعدم الثقة بالسياسة وبالسياسيين. ويلخص الباحث هذه الأسباب في عدم دعم الديمقراطية، وتأسيسها الديمقراطية قبل "تأسيس الحريات المدنية وحقوق المواطن في بنية الدولة وفي ثقافة النخب ثم الثقافة الشعبية (ص. 117)
رابعًا: صفات الشعبويين وأصنافهم
تناول بشارة مسألة أخيرة، نرى ضرورة تفصيلها، وهي ما يرتبط بسمات الزعماء الشعبويين وأصنافهم. فقد أسند إليهم في كتابه مجموعة من السمات؛ سواء ارتبطت بشخصياتهم أو بأصنافهم. وسنعرض السمات الشخصية الأساس للشعبويين، ونورد ثلاثة أصناف أشار إليها في كتابه. 1. السمات الشخصية: تتمثل السمات الشخصية للفاعل الشعبوي في مجموعة من الجوانب، يحتل فيها الجانب الأخلاقي بعدًا مهًّمًّ؛ نظرًا إلى الدور المركزي الذي تؤديه الأخلاق في الحركات الشعبوية، لا سيما أن ما يميّز الشعبوي من النخبة قائم بالأساس على الجانب الأخلاقي، فالشعبوي في الأدبيات الشعبوية يتميز بالشفافية وعدم الغموض والبساطة والوضوح. وقد عبّ ت عن ذلك مارغريت كانوفان Canovan Margaret "اللغة البسيطة والمباشرة ليست كافية لوسم سياسي بكونه شعبويًا، إلا إذا قدّم تحليلاتٍ سياسية واقترح حلولً هي الأخرى بسيطة ومباشرة. ويحبّ الشعبويون الشفافية ولا يثقون بالغموض، ويستنكرون الاتفاقات التي تجري خلف الكواليس، والتسويات الغامضة، والإجراءات المعقدة، والمعاهدات السرية، والتقنيات التي يستطيع الخبراء وحدهم فهمها"25. ومن السمات الشخصية التي أسندها بشارة للشعبويين صفة الفساد، وذلك نحو قوله: "يتسلل إلى السياسة رجال أعمال فاسدون، ولكنهم في نظر الجمهور مؤهلون لأنهم جمعوا ثروتهم خارج المنظومة السياسية، ولأنهم يتكلمون لغة البسطاء (ليس بسبب بساطتهم بل بسبب قلة ثقافتهم و/ أو ديماغوجيتهم: برلسكوني وترامب نموذجين)" (ص. 39). والملاحظ في هذا القول أنّ ما قد يميز الشعبويين "فسادهم"، وأنهم أيضًا قدموا من خارج المنظومة السياسية. وهذا يقودنا إلى أصناف الشعبويين.
2. أصناف الشعبويين: يصنّف موده وكالتواسر الشعبويين خمسة أصناف: "الزعماء الكاريزميون"، و"النساء الشعبويات"، و"المقاولون"، و"الزعماء الإثنيون"، و"الداخليون والخارجيون". وقد أشار بشارة في النص السابق إلى برلسكوني وترامب. وهما يندرجان وفق موده وكالتواسر ضمن ما سمّياه بالشعبويين المقاولين. وهما، في نظرهما، عرضة للتجاهل في البحوث الأكاديمية، ويجدون صعوبة في إقناع الناس بأنهم من الشعب. غير أنهم يستغلون كون الشعبوية لا تتأسس على معيار اجتماعي واقتصادي، بل على معيار أخلاقي بالأساس، وهكذا يقيمون روابط مع الشعب باستثمار أموالهم في ذلك. وتتحدد هويتهم في كونهم "سياسيين من الخارج" لا تربطهم بالنخب رابطة معينة، وأنهم عصاميون جمعوا ثروتهم بالعمل الجاد على الرغم من إزعاج النخب الفاسدة. إنهم رجال أعمال صادقون لم ينخرطوا في السياسة لحماية مصالحهم، بل لخدمة الشعب؛ إذ لا يحتاجون إلى المال أصلً. يقول برلسكوني في هذا الصدد: "لست في حاجة إلى الحكم إن كان ذلك من أجل السلطة؛ فلي منازل في كل أنحاء العالم وعندي بواخر فخمة [...] وطائرات تذهب بالعقول وزوجة جميلة وعائلة رائعة [...] إنما أنا هنا لأقدم تضحيات من أجل هذه البلاد"26. إنّ البناء الخطابي لهوية الشعبويين المقاولين يجعلهم نزهاء وعصاميين وقادمين من خارج النسق السياسي المعروف بفساده. ويتداخل صنف الشعبويين المقاولين في الحقيقة مع الشعبويين الخارجيين الذين يتميزون بالندرة، فهم في الأصل لا يمتلكون أيّ رابط اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي بالنخبة، كما أنهم يبنون مسارهم المهني بالكامل خارج الاتجاه السياسي السائد، ومن أمثلتهم هوغو تشافيز (2013-1954) الذي كان مجرد ضابط في الجيش، وألبرتو فوجيموري Fujimori Alberto الذي كان رئيس جامعة. ويرى موده وكالتواسر أن الشعبويين من الخارج يمكنهم النجاح في الأنظمة السياسية الشخصانية التي توجد في أميركا اللاتينية، لكن نجاحهم يتضاءل كثيرًا في الأنظمة السياسية الثابتة والبرلمانية ذات الهيمنة الحزبية كما هو موجود في أوروبا الغربية27. وقد أشار بشارة إلى هذا الأمر في حديثه عن عبد الفتاح السيسي ضابط الجيش المصري وقيس سعيّد الأستاذ الجامعي في تونس، فما ساعدهما على الوصول إلى الرئاسة هو كونهما "خارجيين" علاوة على ضعف النظام البرلماني في بلدَيهما. أما الصنف الثالث الذي أشار إليه بشارة فهو "الشعبوي الإثني" الذي يتمركز أساسًا في أوروبا الغربية. وقد وسم شعبوية هذه المنطقة بأنها إثنوقراطية، وحدّد سماتها في: التشديد على حكم الأغلبية، ونقد الأحزاب القائمة، ورفض العولمة، ورفض الاتحاد الأوروبي، وفوبيا الإسلام، والعداء للهجرة والمهاجرين. وهذا خاص بالشعبوية الأوروبية، أما شعبوية أميركا اللاتينية فهي غير إقصائية للمجموعات الإثنية الأخرى. ويتضح البعد غير الإقصائي وغير المعتمد على الهوية في شعبوية أميركا اللاتينية في نموذج هو ألبرتو فوجيموري الذي يعدّ من أقلية يابانية في البيرو، وعلى الرغم من ذلك استطاع أن يصل إلى سدة الحكم ويخلق رابطًا قويًا مع الشعب في مواجهة النخبة.
خاتمة
يقدّم كتاب في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ رحلة غنية ومفيدة وعميقة حول ظاهرة الشعبوية في العالم الغربي والعالم العربي. وهي رحلة متكاملة من حيث فصول الكتاب التي حاولت أن تحدد ظروف نشأة الشعبوية في الأنظمة الديمقراطية الراسخة منها والوليدة، ثم تعرّف الشعبوية تعريفًا يراعي طبيعة الشعبوية المتقلبة باعتبارها مزاجًا يرسخه الخطاب، ويوظفه السياسيون، ويتحول في حالة متطرفة إلى أيديولوجيا؛ ثم علاوة على البعد النظري ذي الإسهام المفيد، نجد بعدًا عمليًا في دراسة حالتين هما حالة تونس ومصر، بإبراز الدور السلبي للشعبوية في نظاميهما السياسيين. ثم نجد في الأخير مساءلة بديهيات الديمقراطيات الليبرالية، وتقديم حلول تسهم في الحد من المد الشعبوي الذي يتهدَّد العالم بأسره. وأهم هذه الحلول إعادة الاعتبار للجانب الثقافي للمجموعات الاجتماعية، وترسيخ العدالة الاجتماعية. يمكن تكثيف الخلاصات التي توصّل إليها بشارة في كتابه في خمسٍ نوردها كما يلي: الشعبوية خطاب سياسي يستفيد من التوتر بين الديمقراطية والليبرالية، وبين المؤسسات الديمقراطية المنتخبة وغير المنتخبة، وبين المواطن والمؤسسات الوسيطة التي تفصله عن عملية صنع القرار. الشعبوية مزاج سياسي ناجم عن غضب فئات اجتماعية متضررة ومهمّشة نتيجة التغيرات الاقتصادية والسياسية والثقافية. يتميز الخطاب الشعبوي بسمات عدة لعلّ أهمها احتكار التكلم باسم الشعب، والتشكيك في مبدأ التمثيل وفائدة الأحزاب والبرلمانات والنخب السياسية، وتفضيل نمط التواصل المباشر بين الزعيم والجمهور، وتقسيم المجتمع مجموعتين متقاطبتين "نحن" و"هم"، مما يعرقل التعددية الثقافية.
يشكل الخطاب الشعبوي خطرًا على الديمقراطيات الوليدة، أما الديمقراطيات الراسخة، فيمكنها احتواؤه. والسبب في ذلك هو رسوخ مبادئ الليبرالية، ولا سيما الحريات والحقوق المدنية في الديمقراطيات الراسخة، وعدم تمييز سكان الديمقراطيات الوليدة بين الحكومة والنظام الديمقراطي. تفرض التوترات الاجتماعية التي عرفتها أوروبا في العقدين الأخيرين، لا سيما العولمة والهجرة والتداخل الثقافي وتطور وسائل الإعلام، على النظم الديمقراطية الليبرالية إيلاء الاهتمام الكامل للفئات المتضررة من هذه التوترات والاستجابة لمطالبها.
References المراجع
العربية
بكار، سعيد. "الشعبوية في الخطاب السياسي المغربي (2018-2011): دراسة تحليلية نقدية". رسالة دكتوراه. جامعة ابن زهر. أكادير،.2021 خويص، منى. رجال الشرفات: دراسة تحليلية للظاهرة الشعبوية. بيروت: دار الفارابي،.2012
الأجنبية
Akkerman, Tjitske. "Populism and Democracy: Challenge or Pathology?" Acta Politica. vol. 38 (2003). Albertazzi, Daniele & Duncan McDonnell (eds.). Twenty-First Century Populism: The Spectre of Western European Democracy. New York: Palgrave Macmillan, 2008. Canovan, Margaret. "Trust the People! Populism and the Two Faces of Democracy." Political Studies. vol. 47, no. 1 (1999). ________. Populism. London: Junction, 1981. Dijk, Teun van. "Ideology and Discourse: A Multidisciplinary Introduction." English Version of an Internet Course for the Universitat Oberta de Catalunya (UOC) (July 2000). at: https://bit.ly/3FOzMsR Hawkins, Kirk A. Venezuela's Chavismo and Populism in Comparative Perspective. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. J ǿ rgensen, Marianne & Louise J. Phillips. Discourse Analysis as Theory and Method. London/ Thousand Oaks/ New Delhi: SAGE Publications, 2002. Laclau, Ernesto. On Populist Reason. London/ New York: Verso, 2005. _________. Politics and Ideology in Marxist Theory: Capitalism- Fascism- Populism. London: NLB, 1977.
Mudde, Cas & Cristóbal Rovira Kaltwasser. "Exclusionary vs. Inclusionary Populism: Comparing Contemporary Europe and Latin America." Government and Opposition. vol. 48, no. 2 (2013). ________. Populism: A Very Short Introduction. New York: Oxford University Press, 2017. Mudde, Cas. On Extremism and Democracy in Europe. London/ New York: Routledge, 2016. Taggart, Paul. Populism. Philadelphia: Open University Press, 2000.