سياسة البحث بوصفها عملية مبنية اجتماعيًا: مقاربة بنائية للرياضة بين التعددية والنسبية
The Politics of Research as a Socially Constructed Process: A Constructivist Approach to Sport
الملخّص
يوفّر تطبيق المقاربة البنائية عددًا من الرؤى التعدّدية في دراسة الرياضة، بوصفها ظاهرة اجتماعية معقّدة. فبدءًا من شروط الحداثة، التي تعرَّف عادة بأنها منتج غربي، وهيمنتها على السرديات المحيطة بظهور الرياضة وعقلنتها، بات الغرب هو الذي يحدّد منطقة الرياضة وتاريخيتها. ومع أن هناك اعترافًا بالإسهام الغربي في التحديث، فإن المرء يحتاج أيضًا إلى النظر في تأثير الثقافات والحضارات الأخرى في نشأة الحداثة، من خلال المعرفة والعلم والابتكار. ثم إن هناك اختلافات داخل الغرب نفسه، فيما يتعلّق بمفاهيم الجسد (والروح بالمعنى الروحي والديني) والإنتاجية، وكيفية التعبير عنها في التقاليد الرياضية. يجعل هذا الأمر مثلًا التمرّن على إيجاد معيار للمسح الخاص بالثقافة الرياضية وممارستها، في أوروبا الغربية وخارجها، مهمّة ليست سهلة. تهدف هذه المقدمة إلى تقديم النكهة التي يتمتّع بها ثراء الإبستيمولوجيا البنائية وتحدّياتها، بوصفها مدخلًا يساعدنا في دراسة الرياضة. ويشمل ذلك تسليط الضوء على مفاهيم التعدّدية والغيرية في الدراسات الرياضية، وتطبيق تحليل الخطاب لدراسة الرياضة في مختلف التقاليد الثقافية واللسانية، وممارسة النقد حين يتعلّق الأمر بنسبيّتها المحتملة.
Abstract
The constructivist approach provides several perspectives to study sports as a complex social phenomenon. Beginning with the conditions of modernity, which is usually defined as a Western product, and its dominance over narratives surrounding the emergence and rationalisation of sports, the West has traditionally defined the region and history of sports. While recognising Western contributions to modernisation, this paper addresses the need to consider the influence of other cultures and civilizations in the genesis of modernity through knowledge, science, and innovation. In the West itself, differences prevail regarding the concepts of the body (and the soul in the spiritual and religious sense) and productivity, and how to express them in sporting traditions. Any kind of general assessment of sporting culture and practice in Western Europe and beyond is thus no easy task. This short introduction provides an overview of the richness and limitations of constructivist epistemology as an entry point to studying sports. It discusses the concepts of pluralism and otherness in sports studies, applying discourse analysis to the study of sports in different cultural and linguistic traditions, and engages in criticism regarding its potential relativity.
- البنائية
- الغيرية
- دراسات الرياضة
- Constructivism
- Otherness
- Sports Studies
The Politics of Research as a Socially Constructed Process: A Constructivist Approach to Sport between Pluralism and Relativism
أولا: التعددية والغيرية
تغلغلت دراسات الرياضة، التي تشمل علومًا مختبرية واجتماعية، في عدد من الجامعات والثقافات. ومع عولمة هذه الدراسات، برزت أسئلة بحثية وتقاليد مختلفة لمساءلة الرياضة، تنطلق من منظورات متنوّعة: فلسفية، ولسانية، وسوسيو-اقتصادية، وثقافية، فضلً عمّ أتاحته هذه العولمة من فرص جديدة للتعددية والغيرية والبينذاتية، لتجد طريقها إلى دراسة الرياضة، من حيث هي ظاهرة اجتماعية معقّدة.
تعني الغيرية فهم آخرية الآخر، في "السعي للتماثل واحترام التنوّع"، بتعبير يورغن هابرماس Jürgen Habermas1. ولعل من الأمثلة التي ترد في دراسات الرياضة، ويمكن استعمالها هنا لتوضيح المقصد، دراسة السمنة خارج نطاق الأبعاد الفيزيولوجية والسريرية، وذلك بالتركيز على الجوانب الاجتماعية والنفسية التي تؤدّي إليها؛ إذ إنّ مفهوم "زيادة الوزن" يتباين من مجتمع إلى آخر، ومن رياضة إلى أخرى، ففي بعض المجتمعات تكون السمنة مرادفة للثروة والجمال. وفي بعض الألعاب الرياضية، يُفضَّ ل أن يكون وزن الرياضي زائدًا، وأن تكون بنيته الجسدية مطابقة للشروط المطلوبة، كما في رياضات الرغبي ورفع الأثقال والملاكمة في فئة الوزن الثقيل، على سبيل المثال. تنطلق البنائيةConstructivism في العلوم الاجتماعية من هذا المبدأ، وهي تسعى لإنشاء معرفة عن العالم، تقوم على وقائع Realities متعددة، لا حقيقة واحدة، هي التي تنشئها في العادة ما يسمّى "مناهج البحث الموضوعية والعقلانية". إن معرفتنا وخبرتنا بالرياضة هي نتاج للعلاقات والتفاعلات الاجتماعية. وبعبارة أخرى، إن وقائع الرياضة، بوصفها تنظيمً وحدثًا وشكلً من أشكال الممارسة، لا تحدث أو توجد على نحوٍ مستقل عن معرفة الباحث/ الدارس بالعالم، وعن الترابط الوثيق بين السياق الاجتماعي والفرد. يحتاج المرء، مثلً، وهو يدرس الرياضة في بلد ما، أن يأخذ في اعتباره دور أيديولوجيا الدولة وطبيعتها في تشكيل النظام الرياضي الوطني وممارسة الرياضة فيه. فبريطانيا، على سبيل المثال، حيث الاقتصاد الذي تحرّكه السوق ومقاربتها الخاصة بتسليع الرياضة، تختلف عن فرنسا ذات التقاليد اليعقوبية المركزية، حيث تتدخّل الدولة في الشؤون الرياضية. أما الدول الملَكية، فيكون تدخّلها في الرياضة مختلفًا. وهناك تراث طويل من حضور الملوك وعائلاتهم في الرياضة، على هيئة رؤساء اتحادات رياضية ولجان أولمبية وطنية، من دون أن يُعرّف ذلك، بالضرورة، وبمعايير الحكم الرشيد والاستقلالية، بوصفه تدخّلً مباشرًا من الدولة في الرياضة. وهكذا، ثمة عدد من المستويات والأبعاد التي ينبغي مراعاتها. لا تزعم المقاربة البنائية أو تتظاهر بأن نتائج بحوثها قابلة للتعميم، لكن يمكنها أن تساعد في تفسير التعددية وتقديم رؤى أكثر عمقًا للظاهرة المدروسة، سواء على مستوى تجارب الرياضيين، أو المسؤولين عن القطاع الرياضي، أو المشاركين في الفعاليات الرياضية، أو الكيانات الرياضية (العامة، أو شبه العامة، أو الخاصة، أو غير الربحية، وما إلى ذلك). يمرّ الرياضيون والكيانات الرياضية بمسارات مختلفة، ويتفاعلون مع شتى أصحاب المصالح، في لحظات وأشواط مختلفة. فرياضات النخبة Elite Sport، على سبيل المثال، إذا قيست بمقاييس الأداء المعتادة وقواعده، يمكن وضع معايير لها، ولكن، يمكن أن تساعد تجربة كل رياضي من أعضاء هذه الرياضات (الوطنية، والثقافية، والجندرية) في الكشف عن خبرات مختلفة ومعقّدة. إن أسس نظام رياضات النخبة وركائزه، ربما تكون متشابهة في أنحاء العالم كافة، ولكن تطبيق النظام قد يختلف من دولة إلى أخرى. لا يمكن أن تتظاهر البلدان الصغيرة ديموغرافيًا بقدرتها على التمويل والمنافسة في الألعاب الرياضية كلها، الأمر الذي يدفعها إلى عدم إعطاء الأولوية إلا للرياضات التي يتاح لها الحدّ الأدنى من الموارد. أما الرياضات الأخرى التي لا تتوفّر على الموارد اللازمة، فيمكن معها اللجوء إلى سبل أخرى، مثل استيراد الرياضيين الموهوبين وتجنيسهم. وعلى الرغم من أنه قد يكون للبلدان الكبيرة ديموغرافيًا مزيد من
الخيارات لاستدعاء رياضيين محليين في شتى الرياضات، فإن جودة الأداء في رياضات متنوّعة (فردية وجماعية، وداخلية وخارجية) يمكنها أن تقلّ بفعل عوامل أخرى. إن المنافسة الخارجية، والثمن المرتفع للحفاظ على الرياضات ذات الأداء العالي، يمكن أن يرفعا التكلفة المالية على مستوى الرياضيين الذين تستدعيهم منتخباتهم الوطنية، ويتعيّ عليهم التضحية كثيرًا، من أجل احترافهم الرياضي. أما أولئك الذين لا تستدعيهم منتخباتهم، فيتعيّ عليهم التعايش مع الوضع وتغيير مسارهم الاحترافي أو جنسيتهم، للمنافسة على الصعيد الدولي. إن تغيير جنسية رياضيي النخبة، أو الحصول على جنسية مزدوجة، لا يكون دائمًا مدفوعًا بالانتهازية والربح، بل يمكن أن يكون الخيار الأخير المتاح من دون أن يعني ذلك بالضرورة إضعاف الولاء لبلد الأصل والولادة. وعلى مستوى الرياضة الوطنية، يمكن أن يُعدّ نظام إنتاج كبار الرياضيين، وتصديرهم للمنافسة باسم دول أخرى، مؤشًّا على الجودة أيضًا. ويمكن أن تقدّم المقاربة البنائية، أيضًا، منظورًا أفضل لدراسة الأقليات الإثنية، يتفادى بعض الاعتبارات الجاهزة عما يمكن أن تسهم به الرياضة في تقبّل تلك الأقليات ثقافيًا ودمجها في المجتمع. إن عدم مشاركة بعض الأقليات في الرياضات الرسمية والمُأمَ سسة لا يشكّل دائمًا علامة على عدم الاندماج مع المعايير الثقافية للمجتمع أو رفضها، بما في ذلك معايير ممارسة الرياضة. ولا ريب في أننا نحتاج إلى دراسات تعتمد عيّنات كبيرة وفئات بحثية محدّدة سلفًا، لفهم الاتجاهات العامة في استهلاك الرياضة والمشاركة فيها، مع أن بعض الفئات والتعريفات قد لا تكون قابلة للتطبيق على الجميع. إن كون الفرد جزءًا من أقلية يدفعه إلى تنمية إدراكه بالوجود في ثقافات متباينة، بما في ذلك ثقافة الأسرة وثقافة الأصل، والثقافة السائدة في المجتمع الأوسع، فضلً عن الثقافة الكونية. وتميل بعض الأقليات إلى اتباع غريزة البقاء على قيد الحياة، وحماية أفرادها اجتماعيًا واقتصاديًا، فتفضّ ل متابعة إنجازات على مستوى التعليم على المشاركة في المشاركة في الرياضة على مستوى التسلية أو كمهنة وهذا لا يمنع أفراد هذه الأقليات من متابعة الفعاليات الرياضية، وتشجيع الأندية، وما إلى ذلك. وثمة أقليات تنخرط في الرياضات المنظّمة والرسمية، على نحو محدود، ولكنها تفضّ ل زيادة الاستثمار في الرياضات غير الرسمية داخل مجتمعاتها المحلية، لتتفادى شبح الإقصاء. ومن ثم، ينشأ وضع (ولا سيما في مجتمعات المهاجرين) لا يقبل الأفراد فيه أن يكونوا جزءًا كاملً من ثقافة الأقلية بكل ما تنطوي عليه، ولا يرفضون ثقافة الأصل، حتى لا يسقط حقهم في المطالبة بالانتماء الكامل إلى جنسية بلد المولد. يصدق هذا على الجيلين الثالث والرابع من المواطنين ذوي الأصول المهاجرة، ويشمل الرياضيين الذين يُحكَم على ولائهم بناءً على اختيارهم تمثيل بلد المولد، أو بلد أصل الوالدين. حين سُئِل نجم الكرة الفرنسية زين الدين زيدان: أتشعر بأنك فرنسي أكثر من كونك جزائريًا أم العكس؟ أجاب: أن تخيّ ني بين فرنسا والجزائر، يعني أنك تخيّ ني بين أمي وأبي. وحين يُنقَل النقاش في موضوع الهوية والتساؤل عنه وتفكيكه (هوية المجتمع، على نحو عام، والهوية في الحقل الرياضي خصوصًا) إلى قاعة الدرس، تنشأ بعض التحديات، فمن خلال ممارستي التدريس في المملكة المتحدة والشرق الأوسط، وجدت أن ترويج طرائق متنوّعة في التفكير والمعرفة عن الرياضة يمكن أن ينتج منه بعض مشاعر عدم الارتياح في قاعة الدرس. لقد درّستُ موضوعات من قبيل الإدارة الرياضية، والسياسة/ السياسات الرياضية، والثقافة الرياضية والمجتمع، وانطلقتُ في ذلك من فكرة مفادها تبنّي مقاربة (بنائية) عميقة لتعليم كيفية بناء (وإعادة بناء) الهوية، وكيفية اختراعها (وإعادة اختراعها)، وكيفية فهمها. أما ما يتعلّق بالرياضة، فقد أعدت النظر نقديًا في طريقة التشكيك في مكانتها في المجتمع (المجتمعات)، بما في ذلك المجتمعات العربية وثقافتها، من هنا، كان هدفنا اعتماد مقاربة عميقة للتعلّم والبحث عن عن معنى الرياضة في السياقات المتعددة, الأمر الذي دفع الطلاب إلى محاولة ربط المفاهيم المتعددة للرياضة بالخبرات الحالية، فضلً عن الحقائق الاجتماعية والجيوسياسية. وسيشمل ذلك فهم الحقائق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للممارسة الرياضية والبيئة في المنطقة. ليست الفكرة هنا رفض كل ما يأتي من الغرب، لا لشيء إلا لأنه غربي المنشأ. ينبغي تفادي الوقوع في فخّ ما يسمّيه محمد أركون "أزمة المعاني"، ذاك الذي يستبدل الرؤية المبسّطة للمشرق أو الشرق (الاستشراق) برؤية تبسيطية وعقائدية للغرب2.
ثانيًا: التقاليد الخطابية
"لدي لغة واحدة لا غير. إنها ليست لغتي [...] ولن تكون لغتي قط؛ غير أنها اللغة الوحيدة التي قُدّر لي أن أتحدّثها ما دام يمكنني الكلام في الحياة والموت. أنت ترى أن تلك اللغة لن تكون لي قط. والحق يُقال: إنها لم تكن كذلك قط"3. يلخّص السياق الجزائري، بصفة مثالية، ما يتحدث عنه جاك دريدا، الفيلسوف اليهودي الفرنسي – الجزائري. وكنتُ قد واجهت ذلك
عند دراسة الاحتراف في كرة القدم الجزائرية، اصطلاحًا ومفهومًا وممارسة، فالأمر يتعلّق بمن تتّجه إليه بالسؤال؛ أهو الناطق بالعربية أم الفرنكفوني؟ أهو القومي العلماني أم الإسلامي؟ تحتاج قضية تحديث الرياضة في الجزائر، بالمعنى الإداري، إلى أن تُفحَص بموشورات السياسات اللغوية وموقعها بين الحداثة والتراث والانقسامات المحلية والعالمية، أي نظام احترافي ينبغي تطبيقه في حقل الرياضة في الجزائر؟ أهو النموذج الغربي الفرنسي الذي يُعتَقد أنه قائم على الربح والاستغلال، الأمر الذي يتردّد صداه في الذاكرة الجمعية الجزائرية الخاصة بالماضي الاستعماري، أم هو نموذج آخر أكثر قابلية للتطبيق على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للجزائر، لكنه لم يوجَد بعد؟ ماذا يعني، بمنظور العقيدة الإسلامية، أن تكون رياضيًا محترفًا؟ أيمكن عدّ الرياضة مهنة كالمهن الأخرى، أم أنها محض نشاط ترفيهي وتسلية، بمعنى أنها تصرف الأفراد والجمهور عن الانجذاب (بالمعنى الأخلاقي - الديني) إلى القضايا ذات الأولوية الخاصة بالسياسات وحقوق المواطنة مثلً؟ ومن جهة أخرى، تتنقل البحوث عن الرياضة في المجتمع الجزائري بين الفرنكفونية (التي تعني، في السياق الجزائري، تبني موقف علماني مؤدلج) والعربية (التي يمكن أن تشير إلى نزعة محافظَة، قومية ودينية). وهذا الأمر ذو دلالة، حين يفحص الباحث وثائق السياسة الرياضية والبيانات العامة المتعلّقة بالمسؤولين وموظفي الخدمة المدنية الخاصة بالرياضة4. إن إتقان الفرنسية في الجزائر، وهي منتشرة على نطاق واسع بين رجال الأعمال والنخبة السياسية، يرمز إلى السلطة والمؤسسة، فالفرنسية هي إرث التاريخ الاستعماري في الجزائر (أي إنها لغة الحداثة). وبالمثل، يُنظر إلى إتقان العربية بوصفه أداة لتخليص الجزائر والعقل الجزائري ما بعد الاستقلال من إرث الاستعمار، فضلً عن إعادة البلاد إلى موقعها في العالم العربي، بعد أكثر من 130 سنة من الاستعمار الفرنسي5. أما الباحثون الذين يفحصون وثائق السياسات واستراتجيات الرياضة في الأنظمة السياسية نفسها، أو يقارنون بين الأنظمة السياسية المختلفة Discourse As Policy، فإنهم يحتاجون إلى النظر في الديناميكيات وعلاقات القوة، التي تولد الوثيقة في سياقها، ترافقها سردية تتشكل، لتخدم أجندات سياسية معينة وجماعات مصالح معينة. من هنا، وإن كانت البنائية تسهم في الكشف عن حقائق متعدّدة عن الرياضة وحولها، فإنها تُنتقَد بأنها فتحت النقاش في موضوعات، ولكن من دون أن تقدّم بدائل وحلولً قابلة للتصوّر. ومن ثم، فهي تتساوى مع مناهج بحث أخرى لا تتّسم ب "الصرامة"، ومن ثم "العلمية".
ثالثًا: النسبية
لا أجد أنّه من المقبول الآن القول إن عالمًا ما (بما في ذلك عالم الرياضة) هو مبني اجتماعيًا، ولا يوجد مستقلً عن معرفتنا (أو إدراكنا). إن دراسات الرياضة، اليوم، تشكّلها وتهيمن عليها علوم اللياقة البدنية Science Exercise، التي تهتم بمسائل الصحة، إلى جانب دراسات الإدارة، التي تهتم بتطوير الكفاءة والممارسة في هذا المجال، وبدرجة أقل، تأتي الدراسات السوسيولوجية والسيكولوجية، التي تقدّم مخرجات قائمة على الأدلة. ومع كل الجهود التي بُذلت في سبيل قيام دراسات متعددة ومتداخلة التخصّصات، تقدّم منظورات مختلفة (من العلوم المختبرية إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية)، وتسمح ب "التفكير خارج الصندوق" (على نحو ما يقال) في مجال الأسئلة البحثية، فإن الحقول الوضعية لا تزال تسيطر على دراسات الرياضة وتحدّدها. وب شك، فإن إتقان النقاش النظري والمفاهيم الرئيسة في حقل التخصص أمر ضروري جدًا، ولكن حين يُطلب إليّ تقديم (أو تسويق، بالأحرى) نفسي وتحديد موقعي بوصفي باحثًا وأكاديميًا، لا أجد أنّه من الملائم أن أعرَّف بوصفي مختصًا في سوسيولوجيا الرياضة فقط، أو في حقل الإدارة/ السياسات الرياضية فقط، أو في دراسات الشرق الأوسط والأقليات الإثنية فيه فقط. الرياضة ظاهرة معقّدة، وهي تُ ارَس وتُجرّب وتُستهلَك في عالم معقّد وسريع التغيّ.
العالم هنا حقيقي (وبوقائع متعددة)، وافتراضي على نحوٍ متزايد، في الوقت نفسه (أو بوصفه نسخة Simulation أو نسخًا Simulacra من الواقع، بتعبير جان بودريار6). لقد أخذ تحليلي هذا شكله من علماء غربيين، وكذلك من آخرين من الثقافات العربية والإسلامية وسواهم ممن يعيشون بين فضاءات إنتاج المعرفة المختلفة هذه. إن الوجود البَيني In-betweenness يعني التموضعَ (على نحوٍ مريح إلى حدّ ما) بين الثقافات والأنظمة السياسية المتعددة, وبين هنا وهناك، بتعبير إدوارد سعيد. بين الهنا والهناك، بتعبير إدوارد سعيد7. وهكذا، يمكن أن تكون البنائية، في سعيها للإنتاج المعرفي، تحرّرًا من تقسيم المعرفة إلى أقاليم ومناطق. سعت هذه الدراسة للكشف عن الكيفية التي مهّدت بها العولمة الرياضية ودراستها، من منظورات ثقافية مختلفة، الطريقَ أمام تبنّي المقاربة البنائية، بوصفها أداة لتفكيك الخطاب السائد عن الرياضة بأنها نتاج الحداثة والتاريخ والحضارة الغربية. وفضلً عن ذلك، ألقيتُ الضوء على الحقائق المتعددة والمتنوّعة للرياضة، والكيفية التي بها تُعرَّف معاييرها وقيمُها وتُطبَّق في ثقافات مختلفة، تؤثر في ذلك عواملُ عدة، من قبيل الجغرافية السياسية، واختلاف الأنظمة السياسية، والتكوين الإثني للمجتمع، ثم أخيرًا وليس آخرًا، التاريخ الاستعماري (وما يعنيه للمستعمِر والمستعمَر). وإلى جانب هذا، ثمة حاجة إلى النظر في سلطة اللغة ودورها في تشكيل المعرفة عن الرياضة والتواصل بشأنها والتشريعات الخاصة بها، وكذلك عملية بناء الشرعية والصدقية، اللتين يسعى لأن يحوزهما أولئك الذين يرتبطون بالرياضة، سواء كانوا حكومات، أو هيئات تحكم الرياضة، أو شركات أعمال راعية، أو رياضيين، أو مدرّبين رياضيين، أو معلّمي تربية بدنية، أو عشاق رياضة ومشجعين، أو مستهلكين، أو مسوّقين رياضيين، أو صحافيين رياضيين، أو غيرهم. لا يزال في إمكان الباحث في مجال دراسات الرياضة أن يكون براغماتيًا؛ فيستجيب لطلبات المؤسسات المختلفة بغية الوفاء بأجندات البحث. لكن يتعين عليه أن يجعل دراساته ونصوصه فرصة لفتح نقاشات عن التعددية، ليس من منظور النسبية بالضرورة، بل من أجل إعطاء وتوفير صوت لمن لا صوت لهم.
المراجع
العربية
بورادوري، جيوفانا. الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا. ترجمة خلدون النبواني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013
الأجنبية
Arkoun, Mohamed. "Islam, The West, and Human Rights." Index on Censorship. vol. 18, no. 5 (May 1989). Benrabah, Mohamed. Language Conflict in Algeria. From Colonialism to Post-Independence. Bristol: Multilingual Matters, 2013. Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulation (The Body, in Theory: Histories of Cultural Imperialism). Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 1995. Derrida, Jacques. Monolinguism of the Other or the Prosthesis of Origin. Patrick Mensah (trans.). Stanford, CA: Stanford University Press, 1996. Henry, Ian et al. "A Typology of Approaches to Comparative, Analysis of Sports Policy." Journal of Sport Management. vol. 19, no. 4 (2005). Edward W. Said. Reflections on Exile and Other Essays. Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2002.