اللعبة المتمرّدة: تاريخ سياسي لكرة القدم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين العالمي والمحلّي

The Rebellious Game: A Political History of Football in the Middle East and North Africa

يان بوس| Jan Busse *

رينيه وايلدانجل| René Wildangel **

الملخّص

عزز المستعمِرون البريطانيون، في أكثر الأحيان، المصالح السياسية والاقتصاديةّ والعسكرية لوطنهم الأم، وفعلوا ما اعتادوا فعله؛ ممارسة كرة القدم التي كانت - إذا استثنينا أهميتها في قضاء أوقات الفراغ - أداةً استعمارية في "تثقيف" الشعوب المستعمَرة و"ضبطها". وقد لجأت الأندية الأولى في شمال أفريقيا والمشرق إلى الحدّ من عضوية غير الغربيين، وغير البيض. لكنّ كرة القدم لدى الحركات الاستقلالية سرعان ما باتت أيضًا مرسِ لًا عابرًا للحدود الوطنية، لتغدو الملاعب الرياضية فضاءات اجتماعية مهمّة على المستويين المحلّي والوطني. وحافظت كل أنحاء المنطقة على سلطة كرة القدم التحرّرية، من العصر الاستعماري إلى الانتفاضات العربية. لكن الثروة الهائلة لدول الخليج، وقرارها الاستثمار في القوة الناعمة لكرة القدم، أسهما في تغيير المعادلة. من هذا المنطلق، ستحاول هذه الدراسة أن تصف، من خلال منظور طويل الأمد، الاتجاهات التحرّرية، والاتجاهات المضادّة للتحرّر في تاريخ كرة القدم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

Abstract

​It was mostly British colonisers who came to consolidate the political, economic and military interests of the motherland and did what they used to do: play football. Apart from spending their time, football worked as a colonial instrument both "civilising" and "disciplining" the colonised populations. The first clubs in North Africa and the Levant restricted membership for non-Westerners and non-whites, but soon football also became a transnational transmitter of independence movements, the stadiums becoming important social spaces on the local and national levels. Such was the emancipatory force of football that it has been preserved across the region ever since the colonial era, prominent again in the Arab Uprisings. However, the massive wealth of the Gulf States and their decision to invest in football's soft power has changed the equation. The article thus describes emancipatory and counter-emancipatory trends in MENA football history from a longue durée perspective.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

تاريخ سياسي لكرة القدم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين العالمي والمحليّ

The Rebellious Game

A Political History of Football in the Middle East and North Africa between the Global and the Local

مقدمة

تُ ثّل استضافة دولة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 مناسبة وفرصة متجددة للتأمل في دور هذه الرياضة في المنطقة، وهو دورٌ غامض يراوح بين كونه تمثّلً لمفهوم "مُغربن" ل "الحداثة"، وميدانَ لعبٍ بالنسبة إلى الهوية الوطنية والتمكين الذاتي. وترتبط جذور عولمة كرة القدم الحديثة ارتباطًا وثيقًا بعصر الاستعمار في نهاية القرن التاسع عشر. وتكمن السمة الثابتة لتسييس كرة القدم، على نحو ما سنرى، في الديناميكيات المتزامنة للتمكين والاضطهاد، التي يمكن ملاحظتها في الأوضاع التاريخية والمعاصرة. ومن ثم، سيتجه السؤال البحثي الرئيس لهذه الدراسة إلى كيفية ظهور السمات القمعية والتحرّرية لكرة القدم، في شتى السياقات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وسيَسير تحليلنا، في هذا الشأن، مع التيار الذي يدعو إلى التوسع في دراسة الرياضة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكرة القدم على نحو خاص، لأنها تضيف الكثير إلى فهمنا المتعلق بتاريخ المنطقة، سواء كان ذلك من النواحي الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية1. ومع أن ظهور كرة القدم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جاء نتيجة التوسّع العالمي للإمبراطورية البريطانية، فإننا نحاجُّ – في هذا السياق - بأن عولمة القومية الحديثة مرتبطة بكرة القدم بالقدر نفسه، بعد أن أصبحت هذه اللعبة وسيلة مهمة للتعبير عن التطلّعات القومية في مواجهة قوى الاستعمار. وهكذا، لا ينبغي أن نتعامل مع الانتشار العالمي لكرة القدم، في أي حال من الأحوال، بوصفه انتشارًا أحادي الجانب أدّى إلى التجانس، ولا ينبغي أيضًا أن ندرس التفاعل القائم بين كرة القدم والسياسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من دون ربطه بالسياق العالمي الأوسع. يقدّم مثال كرة القدم حجّة دامغة على الوجود المتزامن للديناميكيات العالمية Global والمحلّية، وهي الحالة التي أطلق عليها رولاند روبرتسون وريتشارد جيوليانوتي – في حقل الرياضة - مصطلح "العالم -محلية" Glocalization، ناقلَيْ المفهومَ الذي أطلقه روبرتسون نفسه في العلوم الاجتماعية مطلعَ التسعينيات من القرن العشرين إلى حقل دراسات الرياضة2. من هنا، نقترح وصف انتشار كرة القدم، سواء كان ذلك في المستوى العالمي أو في الشرق الأوسط، بأنه ترجمةُ معيارٍ عالمي إلى سياق محلّ؛ ما يتيح لنا الحديث، أيضًا، عن "النزعة المحلية Localization "3. ولذلك، نتّفق مع ديفيد غولدبلات حين يقول: "لا ينبغي تفسير احتضان كرة القدم الأوروبية بأنه شكل بسيط من أشكال الاستعمار الجديد. لقد أثبتت شعوب هذه المنطقة، منذ وقت طويل، أنها لا تقلّد 'السادة' الإمبريالييّن العابرين، بل إن لها مقاومة ومرونة كافيتين لاستيعاب [الأشكال الاستعمارية] وترويضها. وهكذا، لمسنا سرعة بلدان شمال أفريقيا والمشرق، بوجه خاص، في تبنّي كرة القدم - وهي لعبة المستعمِر الأوروبي - ثم نَشْها بوصفها تحدّيًا رمزيًّا للحكم الإمبريالي، وأداةً عملية للتنظيم والتثقيف السياسي الذاتي"4. وينبغي لنا في الوقت نفسه التشديد على أن النتائج التي وصلنا إليها لا تُعدّ سمات تتفرّد بها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فعوضًا عن ذلك، وانسجامًا مع تركيزنا على الترابط بين المستويين العالمي والمحلّ، نؤكد أن التباين بين قوة كرة القدم التعبوية وقيودها وضوابطها الصارمة من بين سمات تاريخ كرة القدم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، شأنها في ذلك شأن المناطق الأخرى5. ومن أجل الكشف عن خط النقاش الخاص بنا، سيتناول القسم الثاني من هذه الدراسة التشابكات الاستعمارية التاريخية التي شهدتها كرة القدم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أما القسم الثالث، فسيعالج كرة القدم بوصفها ظاهرة جماهيرية وساحة للتعبئة الوطنية، في حين يسلّط القسم الرابع الضوء على دور الدعاية والعنف في سياق كرة القدم. وبعد ذلك، نقدّم نظرة معمّقة للإمكانات التحرّرية التي توفّرها كرة القدم. أمّا الخاتمة، فهي تلخّص الأفكار الرئيسة التي عُرضت في هذه الدراسة.

القوى الاستعمارية تجلب كرة القدم إلى الشرق الأوسط

منذ نهاية القرن التاسع عشر، بدأت القوى الاستعمارية الأوروبية تنشر كرة القدم في القارات كلّها، لتكون جزءًا من طموحاتها

  1. Shaun T. Lopez, "On Race, Sports, and Identity: Picking up the Ball in
  2. Richard Giulianotti Roland Robertson, "The Globalization of Football: A Study in the Glocalization of the 'Serious Life,'" The British Journal of Sociology , vol. 55, no. 4 (2004), pp. 545–568.
  3. Amitav Acharya, "How Ideas Spread: Whose Norms Matter? Norm Localization and Institutional Change in Asian Regionalism," International Organization , vol. 58, no. 2 (2004), pp. 239–275.
  4. David Goldblatt, The Age of Football: The Global Game in the Twenty- First Century (London: Macmillan, 2019), S? 118. 5 لتكوين نظرة عامة عن الموضوع، يُنظَر: James M. Dorsey, The Turbulent World of Middle East Soccer (London: Hurst Company, 2016); Alon Raab Issam Khalidi (eds.), Soccer in the Middle East (London: Routledge, 2015); Danyel Reiche Tamir Sorek (eds.), Sport, Politics and Society in the Middle East (London: Hurst Company, 2019).
  5. Middle East Studies," International Journal of Middle East Studies, vol. 41, no. 3 (2009), pp. 359–361.

الإمبريالية6. وقد ارتبط ظهور هذه الرياضة الحديثة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتباطًا وثيقًا بهذه القوى، ولا سيما بريطانيا التي نصّبت نفسها، في الوقت نفسه، "موطنًا لكرة القدم" ومصدرًا لعمليات التطوّر السريع للعولمة. كانت الأهمية الاقتصادية المتنامية للمنطقة، بمواردها الهائلة من الطاقة، الضرورية لتوسيع الاقتصاد العالمي، عاملً مهًّمًّ في هذا الشأن. ومع أن الدافع الرئيس للسيطرة الاستعمارية المستمرّة هو استغلال هذه الموارد، فإنه يمكن القول إن الموارد نفسها شكّلت حجر الزاوية في النشوء المستقبلي للدول المستقلّة في الخليج التي شهدت ظهور شعور جديد بالتمكين الذاتي والثقة بالنفس. ونتج من ذلك تزامنُ وصول كرة القدم إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع بروز اتجاهات واسعة تؤمن بمفهوم معيّ للحداثة العربية أو الإسلامية7، وهو أمرٌ أسهم فيما سمّ ه المؤرخ التركي مراد يلدز "النهضة الرياضية" Nahda Sport8، مستعملً تعبير "النهضة" العربي بالحرف اللاتيني، في إشارة إلى المفهوم والتمثل الخاصَيّن اللذين ظهرا في البلدان العربية والإسلامية للنهضة الأوروبية. في نهاية القرن التاسع عشر، لم تكن كرة القدم "لعبة شعبية" يمارسها الجميع (فمثلً، ليس ثمّة آنذاك حديث عن النساء بوصفهن متفرّجات أو لاعبات)، أو لعبة الطبقة العاملة كما أصبحت لاحقًا9. وفي بداية الأمر، كانت النخبة الحضرية هي التي جلبت كرة القدم إلى عواصم الجنوب العالمي، ومن ثم إلى الشرق الأوسط أيضًا، سواء كنّا نتحدّث عن إسطنبول أو القاهرة أو طهران. ولم تكن الغايات الاستعمارية تقتصر على ممارسة السيطرة الاقتصادية والسياسية على الأراضي المستعمَرة وأسواقها، بل كانت تهدف أيضًا إلى تصدير "التقدّم" والثقافة الأوروبية، التي تدّعي أنها متفوّقة، إلى المنطقة10. لقد مرّت كرة القدم بتحوّل فعلي عميق في وطنها الأم، بريطانيا، حين سيطرت الإمبراطورية البريطانية على مصر في نهاية القرن التاسع عشر، ثم على فلسطين والأردن والعراق بعد الحرب العالمية الأولى (1918-1914)، بوصفها سلطة انتداب. في المقام الأول، شهد عام 1863 في إنكلترا انفص لً بين لعبتَي الركبي Rugby وكرة القدم، ولكن اللعبة الأولى حافظت على روح إقصائية ونخبوية أكثر من الثانية. لقد أصبح الشرق الأوسط خاضعًا للاستعمار البريطاني بعد هذا الانفصال مباشرة، بخلاف جنوب أفريقيا أو أستراليا مثلً، حيث أدّت لعبة الركبي دورًا أكبر كثيرًا من دور كرة القدم، ولكن لم يكن لها حضور في الشرق الأوسط. وإذا نظرنا إلى السياق نفسه من زاوية أخرى، فإننا نجد أنّ كرة القدم بدأت تصبح نشاطًا نموذجيًا للطبقة العاملة في المملكة المتحدة أولً، ثم أخذت طريقها إلى العمال في المستعمرات البريطانية، وهي واقعة لم تتحقّق إلا بعد التوسّع المتوالي في مجال حقوق العمال، فتقليل أيام العمل دفع العمال غالبًا إلى قضاء أوقات فراغهم في ممارسة كرة القدم أو مشاهدة مبارياتها. ثمّ إن بساطة قواعد هذه اللعبة، والمرونة المتعلّقة بساحات اللعب، وانعدام الحاجة إلى شراء معدّات باهظة الثمن، أسهمت كلّها في زيادة شعبيتها بسرعة11. لم يستعمل الاستعمار، في محاولته تصدير القيم الغربية، القوة والإكراه فحسب، بل استعمل أيضًا "القوة الناعمة"، ليضفي بُعدًا ثقافيًّا في مشروعه لحكم البلدان المستعمَرة. ومع ذلك، ينبغي القول إنه كان ثمة دائمًا بعض الغموض في المقاربة الاستعمارية للثقافة والرياضة؛ ذلك أنّ المستعمِرين استعملوها لإثبات "تهذيبهم"، وينبغي القول أيضًا إنّ ثمة روحًا تربوية تكمن خلف مهمّتهم. وفي الوقت نفسه، استُعمِلت هذه المجالات بفعالية؛ لتشتيت الكيانات المستعمَرة، وتهدئتها، والتحكّم فيها. ففي أحيان كثيرة، كما هي الحال في أفريقيا مثلً، استعملت الإداراتُ الاستعمارِية الرياضةَ، بتعبير أحد المسؤولين في هذا الإدارات، من أجل "منح السكان الأصليين مكانًا جذّابًا لقضاء أوقات فراغهم بطريقة بنّاءة"12، وأُنشِئت كذلك إدارات رياضية محلّية من أجل التحكّم في تطوير الهياكل المستقلّة والحدّ منها. ومع أن الأصل في كرة القدم أنها هواية النخب الأجنبية في المقام الأول، فإنّ البريطانيين، تجّارًا ومعلّمين وجنودًا وبحّارة، كانوا قد

  1. Matthew Taylor, "The Global Spread of Football," in: Robert Edelman Wayne Wilson (eds.), The Oxford Handbook of Sports History (Oxford: Oxford University Press, 2017); Lauren Dubois, "Diffusion and Empire," in: Robert Edelman Wayne Wilson (eds.), The Oxford Handbook of Sports History (Oxford: Oxford University Press, 2017), pp. 183-196.
  2. Wilson Chacko Jacob, Working Out Egypt: Effendi Masculinity and: ينظر 7 Subject Formation in Colonial Modernity, 1870-1940 (Durham, NC: Duke.University Press, 2011)
  3. Murat C. Yıldız, "Mapping the 'Sports Nahda': Toward A History of Sports in the Modern Middle East," in: Danyel Reiche Tamir Sorek (eds.), Sport, Politics and Society in the Middle East (Oxford University Press, 2019):
  4. Gabriel Kuhn, Soccer vs. the State: Tackling Football and Radical: ينظر 9. Politics (Oakland, CA: PM Press, 2011)
  5. Brian Stoddart, "Sport, Cultural Imperialism, and Colonial Response in the British Empire," Comparative Studies in Society and History, Cambridge University Press, vol. 30, no. 4 (1988), pp. 649–673.
  6. Christian Koller Fabian Brandle, Goal!: A Cultural and Social History of Modern Football (Washington, D.C: The Catholic University of America Press, 2015), pp. 38-41.
  7. Phyllis M. Martin, "Colonialism, Youth and Football in French Equatorial Africa," The International Journal of the History of Sport , vol. 8, no. 1 (1991), pp. 56-57, 71.

قدّموا كرة القدم إلى النخب المحلّية في عواصم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ إذ اكتسبت اللعبة في بريطانيا، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قواعدَ ثابتة، وشهدت اهتمامًا جماهيريًّا متعاظمً. وبخلاف المستعمِرين الفرنسيين في شمال أفريقيا، الذين جعلوا اللعبة حكرًا على الأوروبيين خلال مدة طويلة، سمح البريطانيون للطبقة المصرية الراقية بالمشاركة في الأندية التي أنشؤوها وخوض مباريات كرة القدم الأولى، فضلً عن أنهم أدخلوا التربية البدنية درسًا إلزاميًّا في المناهج الدراسية13. وقد كان الهدف الرئيس من ذلك هو تعليم السكان المحليين "القيم الأوروبية" المفترضة للانضباط (التي تتماشى، إلى حدّ بعيد، مع الروح العامة للمؤسسات التعليمية الفيكتورية)، واحترام السلطة الحاكمة؛ وهي السلطة الاستعمارية، بطبيعة الحال. وهكذا، تمكّن السكان المحليون تدريجيًّا من ممارسة كرة القدم، في تلك الأجزاء الواقعة تحت السيطرة البريطانية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكما هي الحال في أجزاء أخرى من الإمبراطورية البريطانية، كانت كرة القدم – إلى جانب القيم الاستعمارية المميّزة التي نُقِلت إلى المنطقة – أداةً مهمّة في السيطرة الاستعمارية من خلال النّظُم التعليمية في المقام الأول14. لكن العكس هو الذي حدث في مستعمرات المستوطنين الفرنسيين والإيطاليين في المغرب العربي؛ إذ مثّلت كرة القدم وسيلة للتمييز بين المستعمِرين الأوروبيين والسكان المحلّيين، وتعبيرًا عن التفوّق الأوروبي في الوقت نفسه. عَمِل البريطانيون على إيصال كرة القدم إلى العراق، من خلال الإمبراطورية التجارية البريطانية، كما حدث في كثير من الأماكن الأخرى في العالم؛ فقد خاض بحّارة السفن التجارية مباريات ضد فرق محلية في مدينة البصرة15، ومن خلال سلاح الجو الملكي الذي أدّى دورًا فاعلً في انتشار هذه اللعبة في العراق. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، احتل البريطانيون أجزاءً واسعة من العراق، على النحو الذي هو عليه هذا البلد في الوقت الراهن، وحصلوا على تفويض من عصبة الأمم ليشكّلوا "سلطة انتداب"؛ بمعنى أن يكونوا كيانًا إداريًّا يُسمح له بالسيطرة السياسية والاقتصادية على العراق سيطرةً كاملة تقريبًا. ولتحقيق السيطرة، استندوا أساسًا إلى قوّاتهم الجوية التي أنشأت مقرّها في قاعدة الهنيدي جنوب بغداد (ستُعرَف، لاحقًا، باسم "معسكر الرشيد"). ولمّا كانت كرة القدم هواية مهمّة بالنسبة إلى الجنود في القاعدة، فإنه لن يكون مفاجئًا أنّ نادي القوة الجوية هو نادي كرة القدم الأول الذي أنشأه أعضاء في القوة الجوية العراقية عام 1931، بعد بضعة أسابيع من إنشائها هي نفسها16. وفي موازاة ذلك، أسهمت شركات النفط البريطانية في انتشار كرة القدم وترسيخها في العراق، كما هي الحال في شبه الجزيرة العربية. ربما لا يمكن أن تُلخَّص العلاقة الوثيقة بين كرة القدم العراقية والإمبراطورية البريطانية على نحو أفضل من تلخيص بيرسي لينسدال، بحسب حسنين مبارك في تأريخه لكرة القدم العراقية. وُلِد لينسدال في بغداد عام 1927 لأمّ عراقية وضابط بريطاني، ولعب في فريق كرة القدم الأول التابع لكلية بغداد اليسوعية، ثم عمل في شركة نفط البصرة، وكان أحد اللاعبين في فريق كرة القدم في هذه الشركة. وبعد تشكيل الاتحاد العراقي لكرة القدم، اختيِر لتمثيل المنتخب العراقي الأول عام 1951. ثم انتقل إلى إنكلترا في وقت مبكّر من عام 1952، لكنّه لم يمارس فيها سوى كرة القدم الترفيهية17. وفي غضون ذلك، انتشرت كرة القدم في فلسطين في بدايات القرن العشرين من خلال المدارس المسيحية في مدينة القدس التي أسّست حينئذ فرقَها الخاصة، فأسهمت في انتشار كرة القدم. ففي عام 1908، شكّلت كلية روضة المعارف الوطنية فريقًا لكرة القدم، وشهد العام نفسه تأسيس مدرسة سان جورج فريقًا لكرة القدم، وهو الفريق الذي فاز، عام 1909، على نخبة من الجامعة الأميركية في بيروت كانت تُعدّ في ذلك الحين من أفضل جامعات المنطقة18. وانتشرت كرة القدم في فلسطين، أيضًا، من خلال الأندية التي أسّستها الحركة الصهيونية الأوروبية، بوصفها جزءًا من المشروع الصهيوني في فلسطين، وكانت تتبع تيارات سياسية صهيونية محدّدة19. وحين احتلت بريطانيا فلسطين، في أثناء الحرب العالمية الأولى، ومنحت عصبة الأمم بريطانيا شرعيةً للسيطرة على بعض بلدان المنطقة بوصفها سلطة انتداب، حاولت

  1. Suzan Gibril, "Egypt," in: Jean-Michel De Waele et al. (eds.), The Palgrave International Handbook of Football and Politics (London: Palgrave
  2. Christopher Ferraro, "The Bulldog, the Pharaoh, and the Football: British Imperialism and Egypt's National Sport and Identity, 1882-1934," in: Michael J. Gennaro Saheed Aderinto (eds.), Sports in African History, Politics, and Identity Formation (London/ New York: Routledge, 2019), pp. 181–195.
  3. David Goldblatt, The Ball is Round: A Global History of Football (London: Viking Penguin, 2006), chap. 5.
  4. Hassanin Mubarak, Birth of the Lions of Mesopotamia. The early years of football in Iraq (UK: Hassanin Mubarak, 2020), pp. 16-17, 42–49. 17 Ibid., pp. 246-248.
  5. Macmillan, 2018), pp. 68, 347-348.
  6. Issam Khalidi, "Sports and Aspirations: Football in Palestine, 1900–1948," Jerusalem Quarterly , vol. 58, no. 75 (2014), pp. 74–88.
  7. Haim Kaufman Yair Galily, "Sport, Zionist Ideology and the State of Israel," Sport in Society , vol. 12, no. 8 (2009), pp. 1013–1027; Haggai Harif Yair Galily, "Sport and Politics in Palestine, 1918–48: Football as a Mirror Reflecting the Relations Between Jews and Britons," Soccer & Society , vol. 4, no. 1 (2003), pp. 41–56.

بريطانيا، بكل بالوسائل، الحفاظ على سيطرتها السياسية، وخصوصًا عبر تطبيقها استراتيجية "فرّق تسُد"، وقامت شرطتها وقواتها العسكرية بإجراءات قمعية كبيرة. وقد وجدت الإدارة الاستعمارية البريطانية أن كرة القدم يمكن أن تؤدي دورًا انضباطيًّا في المجتمع، وأنها يمكن أن تكون عنصر توازن بين السكان المحليين في أثناء تنامي التوتّرات20. لقد عَمِل الوجود البريطاني في فلسطين على زيادة شعبية كرة القدم، فأسّست وحدات الشرطة والجيش أنديتَها الخاصة. ونظّمت سلطةُ الانتداب، في المدة 1947-1931، مباريات شاركت فيها أندية محلّية وأخرى بريطانية. ومع ذلك، شهدت ملاعب كرة القدم تعبيرًا عن أعمال عدائية ضد البريطانيين؛ إذ كان يتنامى النظر إليهم بوصفهم سلطة احتلال معادية، ولا سيما مع ظهور محاولات بريطانية وصهيونية متكررة لبدء مسابقات مخصصة حصريًّا للمشاركين اليهود، وتهميش الأندية العربية؛ ولا سيما أنه لم يكن يُسمح لها بالمشاركة في البطولات الرياضية. وفي عام 1928، أسّس ناشطون صهيونيون "الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم"، الذي حصل – بعد عام واحد - على اعتراف الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا). وكان الشرط المسبق لهذا الاعتراف هو أن يقبل الاتحاد الجديد رسميًّا عضويةَ المواطنين العرب، وألّ يكون مقتصرًا على اليهود والإنكليز. وكان أول "بطل" للدوري الفلسطيني هو نادي الشرطة البريطاني عام 1932. واستنادًا إلى اعتراف الفيفا، شارك الفريق الذي يمثل الاتحاد الفلسطيني في التصفيات المؤهّلة لبطولة العالم في عامَي 1934 و 1938. وخسر الفريق في التصفيات أمام مصر عام 1934، وأمام اليونان عام 1938. وقد حاول هذا الاتحاد عرقلة إقامة مباريات بين أندية فلسطينية وأندية من الدول العربية المجاورة، بحجة أن الأندية الفلسطينية لا تملك عضوية الاتحاد الفلسطيني21. وبسبب ذلك، تأسّس "الاتحاد الرياضي العربي الفلسطيني"، في عام 1931، ليواجه الاتحاد الفلسطيني، ويعبّ عن تطلّعات وطنية متنامية نحو الاستقلال. وفي أعقاب الثورة العربية الكبرى عام 1936، أغلق الانتداب البريطاني كثيرًا من الأندية العربية، وأوقف نشاط الاتحاد الرياضي العربي الفلسطيني، وهو الأمر الذي تكرر على نحو مشابه، في الانتفاضة الأولى عام 1987، عندما قمعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي كرة القدم الفلسطينية والمجتمع عمومًا. وفي كل الأحوال، نظّم الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، عام 1942، دوريًّا مكوّنًا من 27 ناديًا22. وفي عام 1944، تأسّس اتحاد عربي فلسطيني جديد يهدف إلى توحيد الأندية العربية كلّها تحت مظلة واحدة. أما في المغرب وتونس والجزائر، فقد نشأت حركة كرة قدم متميّزة ومنظّمة على نحو متزايد في ظل الحكم الاستعماري الفرنسي. ويسلّط ديفيد غولدبلات الضوء على أن المنافسة الدولية بين الأندية الكبرى، في هذه المستعمَرات، كانت بعد الحرب العالمية الأولى أكثر تطوّرًا مما كانت عليه الحال في أجزاء كثيرة من القارة الأوروبية23. ومع ذلك، لم يُسمح للسكّان المحلّيين بالمشاركة في المباريات. ومن ثم، شكّل تأسيس السكّان المحلّيين للأندية الأولى، مثل الترجّي الرياضي التونسي عام 1919، عملً من أعمال المقاومة والتحرّر في مواجهة السلطة الاستعمارية24. وأدّت الدوافع الجمهورية والوطنية دورًا مركزيًّا في تأسيس الأندية المحلّية في الجزائر وتونس. وفي مقابل ذلك، نجح النظام الملكي المغربي، بعد تأسيس نادي الوداد البيضاوي عام 1937، في ترسيخ أحد أشكال الوطنية على نحو كان فيه قريبًا من الدولة، هادفًا إلى الانسجام مع النظام الملكي25. وقد عارض الوداد، الذي كان يميل إلى الطبقة المغربية الراقية، تأسيس الرجاء البيضاوي عام 1949، باعتباره النادي الرئيس للطبقة العاملة. ومنذ ذلك الحين، تنافس الأنداد المحلّيون من أجل التفوّق في الدوري الوطني، وفاز كل منهم بدوري أبطال أفريقيا مرارًا وتكرارًا. وفيما يتعلّق بالتقاليد الغنيّة لكرة القدم في العالم العربي، والحقيقة القائلة إن كرة القدم كانت عاملً مهًّمًّ في تشكيل الهويات وتعزيز التحرّر، يسهل القول إن موعد تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم في العالم العربي قد تأخّر. لكن إقامة كأس العالم 2022 في دولة قطر الخليجية، من بين كل الأماكن الأخرى، ينطوي على مفارقة، لأن مراكز اللعبة كانت تقع على مدى عقود في دول شمال أفريقيا، مثل مصر والمغرب وتونس والجزائر، ثم بلاد الشام بدرجة أقل. لقد امتلأت ملاعب كرة القدم بعشرات الآلاف في تلك البلدان، وتطوّرت ثقافات المشجّعين الناشطين، واكتسبت كرة القدم الوطنية أهمية اجتماعية كبيرة. وفي مقابل ذلك، كان وجود كرة القدم في شبه الجزيرة العربية، طوال عقود، غالبًا ما يتّسم بالغموض. ففي الخليج، تأخّرت المواجهات الأولى مع كرة القدم كثيرًا مقارنةً بمصر أو المغرب العربي. ولا توجد تقارير موثّقة عن كرة القدم في دول الخليج ذات المساحة الجغرافية الصغيرة قبل الحرب العالمية الثانية (1945-1939)؛ إذ كانت الكويت وقطر والإمارات والبحرين خاضعة لاتفاقيات حماية مع بريطانيا، استغلتها للسيطرة على احتياطيات النفط والغاز الكبيرة وتأمين الوصول إليها. يقول توم كلايتون، وهو عامل بريطاني اشتغل في مجال

  1. Tamir Sorek, Arab Soccer in a Jewish State: The Integrative Enclave (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 16.
  2. Khalidi, pp. 74–88.
  3. Ibid., p. 82.
  4. Goldblatt, The Ball is Round , pp. 489-490.
  5. Mahfoud Amara, Sport, Politics and Society in the Arab World (New York: Palgrave Macmillan, 2011), p. 74.
  6. Goldblatt, The Ball is Round , pp. 489-490.

النفط في قطر بدايةً من عام 1948، في شهادة قدّمها عام 2018 عن بدايات تعرّف المجتمعات الخليجية إلى كرة القدم: "في البداية، كان العمال الهنود يلعبون مع عدد قليل من مهندسي الإنتاج البريطانيين الذين تعيّ عليهم أن يعلّموهم قواعد اللعبة". وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي، خاض عمال صناعة النفط في قطر مبارياتهم ودوريّاتهم الخاصة. ويذكر كلايتون أن بعض القطريين انضمّوا إلى اللعبة في مرحلة مبكّرة: "كان لدى شركة تطوير بترول قطر برنامج تدريبي كبير للسكان المحلّيين. لقد شجّعناهم على المشاركة، وقد فعلوا ذلك"26. في هذه المرحلة أيضًا، أنشأ السكّان المحلّيون أندية كرة القدم الأولى، مثل نادي النجاح الرياضي، وهو أول نادٍ قطري أسِّس في الدوحة عامُ 1950، وبات يسمّى النادي الأهلي الرياضي. وإذا قارنَّا ذلك بنادي الاتحاد في جدة بالسعودية الذي أسِّس عامُ 1927، أو نادي المحرّق الرياضي في البحرين الذي أسِّس بعد ذلك بعام واحد، فإن التأسيس تأخّر في قطر. كانت قطر ودول الخليج الأخرى محميّات بريطانية آنذاك؛ ما منعها من تقرير المصير، سواء على المستوى السياسي، أو فوق أرض الملعب. لكن فعاليات كرة القدم انطلقت بسرعة في هذه البلدان في أوائل السبعينيات، بعد الاستقلال مباشرة، لتنضم اتحادات كرة القدم فيها، التي كانت موجودة حتى قبل الاستقلال، إلى الفيفا. ولم تمضِ سوى بضعة أشهر على إعلان استقلالهما، حتى لعبت قطر والإمارات أولى مبارياتهما الدولية بوصفهما دولتين تتمتّعان بالسيادة، وذلك في 17 آذار/ مارس 1972، حينما شاركتا في كأس الخليج العربي وواجهتا بعضهما مباشرة27.

كرة القدم بوصفها ظاهرة جماهيرية وساحة للتعبئة القومية

نشأت الفكرة القومية في أوروبا في مطلع القرن التاسع عشر. وانتقلت، بقوة، إلى الشرق الأوسط، حتى قبل الاستعمار الفعلي في مطلع القرن العشرين. وأصبحت النزعة القومية دافعًا أساسيًا لجهود التحرّر في المنطقة، وعزّزت التعبئة المتنامية لدى شعوبها، ورغبتها في تقرير مصير أوطانها، مع أن الاستقلال لم يتحقق، في أغلب الحالات، إلا بُعيد الحرب العالمية الثانية، بسبب محاولة القوى الاستعمارية إطالة أمد حكمها، من خلال وعود مماطلة.

لقد أسّست القوى الاستعمارية كرة القدم كي تكون رمزًا للتحديث والتقدّم، وقد تبنّاها القوميون أنفسهم حينئذ؛ خدمةً لغاياتهم الخاصة. لكنّها تحوّلت، في الوقت نفسه، من هواية تمارسها النخبة إلى ظاهرة جماهيرية. وبات عدد كبير من الأندية الجديدة يواجه الأندية القديمة التي كانت في أغلبها تحت سيطرة البريطانيين. وفي العراق، مثلً، أصبحت الأندية الرياضية التي ظهرت في ظل الوجود العسكري البريطاني - مثل نادي القوة الجوية المذكور آنفًا - رموزًا للاستقلال الذي تحقّق حديثًا. أمّا مصر، فهي مثال مركزي للدور الذي أدّته كرة القدم في التمكين الوطني. والمثال الأبرز في الحالة المصرية للنادي الفاعل في مناهضة الاستعمار هو نادي الأهلي الرياضي، الذي أسِّس في القاهرة عام 1907، ليكون أول نادٍ "مصري للمصريين". ودفعت شعبية الأهلي المتنامية في مصر إلى تأسيس منافسه اللدود عام 1911؛ نادي الزمالك الرياضي، الذي كان يُسمى آنئذ "نادي قصر النيل"، ثم أعِيدت تسميته فيما بعد ليصبح "نادي القاهرة المختلط"؛ لأنه سمح للأوروبيين والمصريين معًا بالحصول على عضويته. وقد نالت مصر استقلالها الشكلي عام 1922، لكنها ظلّت تستند إلى المملكة المتحدة في ظل حكم الملك فؤاد الأول الموالي لبريطانيا. وبخلاف النادي الأهلي، كان الزمالك نادي الطبقة المصرية الراقية والنادي المفضّ ل بالنسبة إلى الملك فاروق الذي أعاد تسميته ب "نادي الفاروق"، إلى أن جرت إطاحة النظام الملكي بعد انقلاب جمال عبد الناصر في عام 1952. لقد أصبحت ساحة كرة القدم ملعبًا سياسيًّا متنازَعًا عليه، في سياق مناهضة الاستعمار؛ فحين بلغ المنتخب المصري دور النصف النهائي في أولمبياد

  1. Anthony Harwood, "The Man Who Helped Bring Football to Qatar: British Former Oil Worker, 92, and his Indian Colleagues Played the Beautiful Game in Front of Baffled Local Tribesmen in the Middle East More Than 70 Years Before the 2022 World Cup," Mail Online , 22/11/2018, accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/3AQIQgw; "Take 4 Minutes Out of your Day to Watch This... @CarrieBrownTV Caught Up With Tom Clayton, 92, Who Arrived in #Qatar in 1948 and Helped Introduce #Football to the Middle East," Twitter-Post from beIn Sports, Twitter, 8/12/2018, accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/3ENrJxt
  2. Ali Khaled, "The Birth of UAE Football: Class of '72 Acted as a Springboard to Bigger Things," The National , 7/9/2015, accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/3OMTwmj

عام 1928، وجد عدد كبير من المصريين في ذلك دليلً على أنهم باتوا متساوين مع بريطانيا العظمى؛ القوة الاستعمارية السابقة28. ثمّ إنّ المنتخب المصري تأهّل لاحقًا لكأس العالم، في عامَي 1934 و 1938، وهو أمرٌ عزّز تطلّعات المصريين نحو الاستقلال الوطني. هذا المثال المصري يناظره مثال مغربي؛ فحين هُمِشّت الهيمنة الفرنسية، هُمِشّت على أرض الملعب أيضًا، بعد أن أحرز نادي الوداد البيضاوي بطولة شمال أفريقيا لكرة القدم ثلاث مرات متوالية خلال المدة 1950-1948. وفي الجزائر، كان للأندية التي عُرفت باسم "الأندية الإسلامية" (الأندية التي أسّسها السكان المحلّيون بشكل مستقل عن الإدارة الاستعمارية) دور مركزي في النضال من أجل الاستقلال عن فرنسا29. وقد كان مؤسسو هذه الأندية يسعون للتعبير عن هويتهم الإسلامية؛ كما يتضح ذلك من أسماء الأندية نفسها. وبالفعل، أسهمت هذه الأندية في تكوين هوية وطنية جزائرية منفصلة. وهكذا، صارت الملاعب أماكن للتعبئة الوطنية؛ إذ استطاع الجزائريون أخيرًا التعبير بحرية عن رفضهم للحكم الأجنبي الفرنسي. وحاولت فرنسا كبح تلك التطلّعات من خلال إصدار أمر يقضي ب ورررة أنْ يضمّ كل نادٍ ما لا يقلّ عن خمسة لاعبين أوروبيين. وفي أثناء الثورة الجزائرية وحرب التحرير (1962-1954)، أسّست جبهة التحرير الوطني منتخبها القومي عام 1958، تعبيرًا عن الاستقلال الوطني. وقَبِل رشيد مخلوفي، وهو أشهر لاعب كرة قدم جزائري، التعايش مع حقيقة أنه لن يتمكّن من اللعب في "مونديال" السويد مع المنتخب الفرنسي، لأنه كان عضوًا في المنتخب القومي الجديد الذي أسّسته جبهة التحرير الوطني. وقد رفض الفيفا ومعظم الدول الغربية الاعتراف بهذا المنتخب، فبدأ مخلوفي جولة مكثّفة في بلدان الكتلة الشرقية ودول عدم الانحياز. وفي نهاية الأمر، حدث تغيير سياسي أعقب الرغبة في استقلال الملاعب؛ إذ حصلت الجزائر على استقلالها في آذار/ مارس 1962، واعترف الفيفا بذلك بعد عام واحد30. لم تكن فرنسا وبريطانيا السلطتين الاستعماريتين الوحيدتين اللتين عَمِلتا من أجل السلطة والنفوذ في شمال أفريقيا. كانت أجزاء من ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي في المدة 1943-1911. وقد خاضت القوات الإيطالية حربًا دموية ضد المقاومة الليبية في المدة 1932-1911، واستخدمت في أثناء ذلك الغازات السامّة والإعدامات الجماعية. أرادت إيطاليا تحويل ليبيا إلى مستعمرة استيطانية للمهاجرين الإيطاليين، لذلك تعاملت مع السكان العرب والبربر المحلّيين بالطّرد والإبادة الوحشية. وقد نظر النظام الفاشي الإيطالي بقيادة بينيتو موسوليني إلى الرياضة بوصفها لبنة أساسية في تثقيف السكان على وفق الأيديولوجيا الفاشية، وسدًّا في وجه الاضطرابات الاجتماعية، وهو أمرٌ انعكس في "ليبيا الإيطالية" أيضًا. أسّس المستعمِرون الإيطاليون اتحادات كرة القدم الخاصة بهم في أواخر عشرينيات القرن الماضي، وكانت موزّعة على المناطق الإدارية الاستعمارية في برقة وطرابلس. وحين وقعت ليبيا تحت سيطرة قوات التحالف عام 1943، شهد الاستعمار الإيطالي نهايته الرسمية. وبعد حصول ليبيا على استقلالها عام 1951، أسّست دوريّها الرياضي ومنتخبها الوطني، ولعبت مباراتها الأولى عام.1953 لقد أسهمت ثماني دول من أوروبا الغربية في تأسيس الفيفا، لكن بحلول عام 1939 ارتفعت العضوية فيه إلى 56 دولة، من بينها مصر ولبنان وسورية. وبعد الاستقلال الوطني الذي تمتّعت به كثير من الدول في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لم تنضمّ تلك الدول مباشرة إلى عضوية الأمم المتحدة فحسب، بل إلى الفيفا أيضًا. وقد حصلت بعض الدول، ومنها فلسطين مثلً، على عضوية الفيفا على الرغم من أنها ليست دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة. وقد مُنِحت فلسطين صفة مراقب عام 2012، بوصفها دولة غير عضو في الأمم المتحدة، لكن الفيفا قَبِل عضويتها عام 1998. أصبحت كرة القدم رمزًا وطنيًّا قويًّا، ويمثّل اعتراف الفيفا خطوة مهمة في طريق التحرّر الوطني. يشير محفوظ عمارة إلى أن الرياضة شكّلت في نهاية الأمر مؤشًّا مهًّمًّ في الدلالة على المشاعر الوطنية، وأنها أسهمت في تعزيز التضامن العربي (من خلال دورة الألعاب العربية التي بدأتها جامعة الدول العربية في خمسينيات القرن العشرين) والتعاون السياسي والاقتصادي الإقليمي31. ومع ذلك، يسلّط عمارة الضوء أيضًا على أن "الدول المستقلّة حديثًا قد قَبِلت أن تتبنّى النموذج الرياضي الاستعماري، مع قليل من النقد أو التكيّف مع الخصوصية المحلّية"32. وهكذا،

  1. Alon Raab "The Universe is Shaped like a Football: Football and Revolution," The International Journal of the History of Sport, vol. 31, no. 7 (2014), pp. 795-799, 814.
  2. Mahfoud Amara Youcef Bouandel, "Algeria," in: De Waele et al., pp. 329–330, 345.
  3. 30 ينظر خصوصًا: Kader Abderrahim, L'indépendance comme seul but (Paris: Paris- Méditerranée, 2008); Michel Nait-Challal, Dribbleurs de l'indépendance: L'incroyable histoire de l'équipe de football du FLN algérien (Paris: Editions Prolongations, 2008); Philip Dine, "France, Algeria and Sport: From Colonisation to Globalisation," Modern & Contemporary France , vol. 10, no. 4 (2002), pp. 495–505; Pierre Lanfranchi Alfred Wahl, "The Immigrant as Hero: Kopa, Mekloufi and French Football," The International Journal of
  4. Amara, pp. 7-11. 32 Ibid.
  5. the History of Sport , vol. 13, no. 1 (1996), pp. 114–127.

أدت كرة القدم دورًا غامضًا في منطقة المواجهة مع المفاهيم الغربية للحداثة، فكانت محرّكًا للوطنية وأداةً لها في سبيل الاستقلال، فضلً عن كونها إرثًا دائمًا للعصر الاستعماري وعنصرًا تكامليًّا في الهياكل والتوازنات القائمة في إدارة الرياضة العالمية والمجتمع الدولي برمّته.

الدعاية والعنف

لم تكن كرة القدم وسيلة وطنية لمناهضة الاستعمار فحسب؛ إذ سرعان ما أدرك الحكّام المستبدّون، الذين استولوا على مقاليد السلطة في كثير من دول الشرق الأوسط، قدرة كرة القدم على صرف الانتباه عن المظالم السياسية وتعزيز شرعيّتهم. وفضلً عن ذلك، أدرك كثير من الحكّام أهمية السيطرة على كرة القدم، بغية نشر دعاية النظام القائم ومَنْع ظهور فضاء للتعبير الحرّ. فعلى سبيل المثال، اكتسبت النجاحات الكثيرة التي حقّقها المنتخب المصري في كأس أفريقيا، أهميّتها لدى الرئيس حسني مبارك؛ فهذه النجاحات كانت فرصة للاحتفال بالأمة المصرية، على الرغم من تنامي الاستياء من الفساد والأزمات الاقتصادية والعنف البوليسي المتفشّ. ولذلك، كان مبارك يبذل جهودًا كبيرة لتنظيم احتفالات انتصارات المنتخب المصري وفوزه ونجاحاته. وفي الأردن، افتتح الملك عبد الله الثاني، بعد أشهر قليلة من وصوله إلى العرش، دورة الألعاب العربية في عمّ ن، خلال صيف عام 1999، التي كُرّست لذكرى والده الملك حسين، المتوىَّفَّ قبل أشهر من البطولة. وعندما فاز المنتخب الأردني في نهائي مسابقة كرة القدم بركلات الترجيح ضد العراق، احتفل عبد الله الثاني في الملعب على نحو حماسيٍّ، وقد كان حاضرًا المباراة كاملة، مرتديًا قميصَ المنتخب الوطني الأردني (عليه الرقم.)99 وفي العراق، كان عدي، نجل الرئيس صدام حسين، يشغل منصب رئيس اللجنة الأولمبية في العراق، وكان يلقي بلاعبي منتخب كرة القدم في السجن ويعاقبهم، مع بعض التعذيب أحيانًا، في حال تعرضهم لهزيمة في بعض المباريات المهمة (على نحو ما حصل بعد فشل المنتخب العراقي في التأهل لبطولة كأس العالم عام 1994 مثل)33؛ وهذا الأمر اضطر الفيفا إلى فتح تحقيق ميداني بعد انتشار مزاعم التعذيب الخطِرة34. وقد أجبرت سمعة عدي السيئة، بوصفه مرتكبًا لأفعال ساديّة، والده على أَّلَّ يكلّفه بمهمات سياسية ذات أهمية، على نحو ما فعل مع شقيقه الأصغر، قصي، وظل دوره في الشأن العام محصورًا في المجالين الرياضي والثقافي/ الإعلامي. أما في ليبيا، فقد سيطر الساعدي؛ نجل مُعمّر القذافي على كل جوانب كرة القدم الليبية، بوصفه رئيسًا لاتحاد كرة القدم، فضلً عن كونه رئيسًا لنادي أهلي طرابلس. وفي "ديربي" العاصمة، الذي جمع ناديَي أهلي طرابلس والاتحاد الليبي في تموز/ يوليو 1996، احتسب الحكم هدفًا للأهلي في مشهد مشكوك فيه، قبل نهاية المباراة بلحظات. كان الساعدي يحضر المباراة، واشتبه الفريق المنافس في حدوث خطأ مُتعمّد، صبّ في مصلحة فريق القذافي. فاقتحم مشجعو الاتحاد الغاضبون الملعب، وهم يهتفون بشعارات مناهضة للنظام. وفي أثناء الاضطرابات التي تلت ذلك، تسرّبت معلومات قالت إن حراس القذافي الشخصيين قتلوا ثمانية أشخاص، على الأقل، فضلً عن إصابة العشرات35. وامتدّت سيطرة الساعدي القذافي من المباراة إلى أرض الملعب أيضًا؛ ففضلً عن كونه مسؤولً رياضيًّا، نزل بنفسه إلى الميدان للعب بوصفه قائدًا لأهلي طرابلس، ووُعِد زملاؤه بالحصول على مكافآت إذا مرّروا إليه الكرة، وصدرت توجيهات للمعلّقين بألّ يذكروا إلا اسمه في أثناء بثّ المباراة. أما اللاعبون الآخرون، فكان يُفترَض أن يذكر المعلّقون أرقام قمصانهم فحسب36. حصل

  1. Philip Sherwell, "Saddam's Son Tortured Defeated Footballers," The Telegraph , 5/11/2000, accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/3VjTtR6
  2. Suzanne Goldenberg, "Footballers Who Paid the Penalty for Failure," The Guardian , 19/4/2003, accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/3GVd45P
  3. Amara, p. 11. Andrew Gumbel, "Gadaffi's Soccer Foes Pay Deadly Penalty," Independent , 14/7/1996, accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/3UiYUi7; Goldblatt, The Age of Football , S. 118.
  4. Goldblatt, The Age of Football , S. 118-119.

الساعدي على لقب "لاعب العام في ليبيا" في المدة 2003-2001. وقد انتهت مسيرة المدرّب الإيطالي فرانكو سكوليو في تدريب المنتخب الليبي عام 2002، بعد أن رفض إشراك الساعدي في مباريات الفريق. وبعد ثورة 2011، أصبحت كرة القدم ساحةَ تنافس بين طرابلس العاصمة وبنغازي، عاصمة إقليم برقة (شرق ليبيا)، التي كانت – في عهد القذافي – معقلً للمعارضة؛ إذ اختزن أهلها الشعور بالمظالم، وبأنها فقدت مكانتها. كان النادي الأساسي في بنغازي هو النادي الأهلي، الذي أسّسه أنصار عمر المختار؛ البطل القومي الذي كان قائدًا للمقاومة الليبية ضدّ المستعمِرين الإيطاليين، وهو يشترك مع الأهلي (طرابلس) في الاسم. والنادي الأخير دعمه الساعدي، وانتدب إليه أفضل اللاعبين في الدوري، وكان الحكّام غالبًا ما يحابونه في قراراتهم. من هنا، كان النادي الأهلي (بنغازي) يمثّل مشكلة بالنسبة إلى الساعدي القذافي. وفي صيف عام 2000، عندما كان الأهلي يواجه خطر الهبوط إلى دوري الدرجة الثانية، حُسِم مصير النادي بقرار تحكيمي مثير للجدل؛ ما فجّر احتجاجات جماهيرية ضد نظام القذافي، أفضت إلى اعتقال نحو 80 مناصرًا للأهلي وتعذيبهم، وحُكِم على 32 مشجّعًا بالسجن، وعلى ثلاثة منهم بالإعدام. ولم يكتفِ الساعدي القذافي بذلك، بل حاول القضاء على منافسه الرياضي من خلال هَدْم ملعبه، ودَكّ مقرّه، وحلّه، وحَظْر استخدام ألوانه (الأحمر والأبيض) علنًا37. في العقود الأخيرة، اكتشفت دول الخليج العربية، التي تمتلك موارد ضخمة من النفط والغاز، أهمية كرة القدم بوصفها أداة ل "القوة الناعمة". ولمّا كانت نهاية الوقود الأحفوري تلوح في الأفق، أدركت قطر والإمارات والسعودية أن الاستثمارات في كرة القدم فرصة لمزيد من الاعتراف العالمي والنفوذ ودعم المصالح السياسية الأمنية. وبناءً على ذلك، أصبحت قطر المالك الفعلي لنادي باريس سان جيرمان، في حين استحوذت الإمارات الريادة على نادي مانشستر سيتي عام 2008. ويُعد "شراء" السعودية نادي نيوكاسل يونايتد عام 2021 أحدث تطوّر في هذه الديناميكية التي تحيط بها استثمارات ضخمة في الرعاية أيضًا؛ سواء كان ذلك في حالة طيران الإمارات التي ترعى أرسنال اللندني، أو طيران الاتحاد مع مانشستر سيتي، أو الخطوط الجوية القطرية في حالة نادي برشلونة. وفي الوقت نفسه، ثمة أملٌ متعلق بأن تكون كرة القدم، في هذه الحالة، محرّكًا للتحديث الاجتماعي38. لقد وجدت المنافسات الإقليمية مكانًا في ملاعب كرة القدم؛ إذ شهدت تصفيات كأس العالم 2010 بين مصر والجزائر توتّرات كانت تُقارَن، في أحيان كثيرة، بما يُسمّى "حرب كرة القدم" بين هندوراس والسلفادور عام 1969. فجّرت الأجواء الساخنة في الألعاب الرياضية، مواجهات دبلوماسية وأعمال شغب عنيفة في القاهرة، أجّجها أيضًا الرئيس المصري مبارك، وخاصة نجله جمال. وفي مثال آخر، أسهم الصراع في الشرق الأوسط في تأجيج نزاع في الفيفا؛ إذ يحاول الفلسطينيون لفت الانتباه إلى الاحتلال المستمرّ لفلسطين وانتهاكات حقوق الإنسان التي ينطوي عليها؛ فمثلً، لا يستطيع لاعبو كرة القدم في غزة السفر لحضور المباريات بسبب الحصار الإسرائيلي المتواصل، ثم إن الاحتلال الإسرائيلي المستمرّ يعوق بشكل خطير تنظيم أنشطة كرة القدم الفلسطينية محليًّا ودوليًّا. ومثلما احتلّت سياسات كرة القدم في شبه الجزيرة العربية مركز الصدارة خلال الأزمة الخليجية (2021-2017)، كانت الأنشطة الهادفة إلى تعطيل استعدادات قطر لاستضافة كأس العالم وإكمال البنية التحتية الرياضية (بما في ذلك قرصنة قناتها الرياضية الرئيسة "بي إن سبورتس") جزءًا من الحملة الموجّهة ضد قطر.

القوة الانعتاقية لكرة القدم

أصبحت الملاعب الرياضية، في سياق الانتفاضات العربية وقبلها، مراكز لقوى الاحتجاج السياسي، فقد شهد عام 2007 تأسيس الألتراس المصري بقيادة "الأهلاوي"، وهو ألتراس النادي الأهلي، ليمثّل حقًّا مجموعة بارزة قبل مجيء الربيع العربي، خلقت ثقافتها السرية عبر الطبقات الاجتماعية، حتى إنّ أشكالها التعبيرية وُجّهت ضد الدولة ومؤسسة

  1. Juliane von Mittelstaedt, "A Revolution Foreshadowed on the Pitch of Benghazi," Spiegel , 15/7/2011, accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/3UmqV8m
  2. Mehran Kamrava et al., "Ruling Families and Business Elites in the Gulf Monarchies: Ever Closer?" Research Paper, Middle East and North Africa Programme, Chatham House, London, November 2016, accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/2BbAUYx

كرة القدم الرسمية. وقد نظر نظام مبارك إلى عرض الألتراس للثقافة المضادّة بوصفه "تهديدًا تخريبيًّا لسلطة الدولة"39. ولذلك، حصلت بعد إنشائه مواجهات مستمرة مع الشرطة، أسفرت عن اعتقالات سياسية. وأسهمت المواجهات، نتيجةً لذلك، في تسييس الألتراس على نحو أكبر؛ وهو أمرٌ صار يتجاوز القضايا المتعلّقة بموضوع كرة القدم40. وفي الانتفاضات العربية في عام 2011، باتت القدرات التمكينية التي تتّسم بها كرة القدم ومجموعات المشجّعين، واضحة منذ نهاية عام 2010. وقد أدّى أعضاء مجموعات الألتراس دورًا بارزًا في احتجاجات ميدان التحرير ضد حكم مبارك استنادًا إلى تجاربهم في قتال الشوارع. لكنهم كانوا أيضًا ضحايا واحدة من أكثر المذابح الوحشية في التاريخ المصري؛ إذ قُتِل 47 فردًا من مشجّعي النادي الأهلي في ملعب بورسعيد عام 2012، في حين اكتفت قوات الأمن بمراقبة عملية القتل التي قِيل إن الدولة خطّطت لها41. وشارك الألتراس في الاحتجاجات التي أسفرت عن إطاحة الدكتاتور زين العابدين بن علي في تونس. وفي سياق هذه الحالة، انضمّ تحالف تخريبي من ناشطي الإنترنت عام 2010، إلى مجموعتَي تكريز وألتراس اللتين نشطتا في الاحتجاجات في الاحتجاجات ضدّ النظام التونسي في كانون الأول/ ديسمبر 201042. ينبغي كذلك رصد قوة كرة القدم في الاندماج والمساواة على المسرح الدولي. ومثال العراق مهمّ في هذا السياق؛ إذ كان نجاح المنتخب العراقي لكرة القدم يقدّم البديل للانقسامات الطائفية والإثنية التي طغت في البلاد، ويقدّم رؤية أخرى للأمة أيضًا، وهو ما فعله فوز منتخب عراقي مُكوّن من شيعة وسنّة وكرد بكأس أمم آسيا عام 2007، في ذروة الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد (2008-2006)43. وتُعدّ المباريات التي جمعت جمهوريتي اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته مث لً آخر، حين كانت دبلوماسية كرة القدم جزءًا من انفراج تدريجي أدّى في نهاية الأمر إلى توحيد الدولتين عام 1990. ويوضح توماس ب. ستيفنسون وعبد الكريم العوج كيفية مرور كرة القدم بتحوّل في اليمن الجنوبي؛ من كونها أداةً استعمارية مشتركة إلى فاعل في مناهضة الاستعمار ومصدر للتضامن المحلّ، وأنها ارتبطت، إلى حدّ بعيد، بالأيديولوجيا الاشتراكية للدولة المستقلّة عام 196744. وفي اليمن الشمالي، بدأت كرة القدم بوصفها رمزًا للحداثة والتقدّم، وظلّت فضاءً لمعارضة القيادة الدينية. لقد بقيت كرة القدم، في ظلّ المشهد اليمني المعقّد، مصدرًا للهوية في مستويات شتى؛ ما وفّر في نهاية الأمر ملعبًا مهًّمًّ لهوية وطنية يمنية مشتركة. وقد حافظت كرة القدم، في كل ذلك، على كونها واحدة من الأطر المنظّمة القليلة للتبادل الثنائي الوثيق بين شطري الدولة المنقسمة، لتصبح لاحقًا رمزًا لتمثيل كلا الجانبين تمثيلً "عادلً " بعد الوحدة، عندما انقسم المنتخب الوطني قسمين، وقدّم الطرفان 50 في المئة من اللاعبين إلى المنتخب الذي مثّل اليمن في أولمبياد برشلونة عام 1992. وإذا كان يمكن أن تُظهر مثل هذه الحالات القوةَ الاندماجية لكرة القدم، فإنّ الإسهام الإجمالي في بناء الهوية الوطنية والإمكانات الانعتاقية النهائية لكرة القدم يبقى مستندًا، إلى حد بعيد، إلى السياق السياسي45.

خاتمة

قد تكون السلطة الانعتاقية والاندماجية لكرة القدم أكثر وضوحًا في المستوى الاجتماعي، فقد شهدت العقود الأخيرة اعترافًا رسميًا بكرة القدم النسائية، على الأقل، في كل دول المنطقة التي طالما اعتبرت تلك اللعبة "غير إسلامية"، على الرغم من أن طريق الترويج لها وانتشارها ما زال طويلً. وفي إيران، تواصل المشجّعات معركتهن من خلال حملة ذات أهمية كبيرة، هادفة إلى السماح لهن بالوصول إلى الملاعب، ولكن لم تؤدّ معركتهن إلا إلى نجاح جزئي46. وفي احتجاجات عام 2022

  1. Ronnie Close, Cairo's Ultras: Resistance and Revolution in Egypt's Football Culture (Cairo: The American University in Cairo Press, 2019), p. 18.
  2. Ibid., pp. 10, 19-20.
  3. Carl Rommel, Egypt's Football Revolution: Emotion, Masculinity,: ينظر 41. and Uneasy Politics (Austin: University of Texas Press, 2021)
  4. John Pollock, "Streetbook: How Egyptian and Tunisian Youth Hacked the Arab Spring," MIT Technology Review (2011), accessed on 29/7/2022, at: https://bit.ly/3FbWX2v
  5. Simon Freeman, Baghdad FC: Iraq's Football Story (London: John: ينظر 43.Murray, 2005)
  6. Thomas B. Stevenson Abdul Karim Alaug, "Football in Newly United Yemen: Rituals of Equity, Identity, And State Formation," Journal of Anthropological Research , vol. 56, no. 4 (2000), pp. 453–475; Thomas B. Stevenson Abdul Karim Alaug, "Sports Diplomacy and Emergent Nationalism: Football Links between the Two Yemens, 1970-1990," Anthropology of the Middle East, vol. 3, no. 2 (2008), pp. 1–19.
  7. Stevenson Alaug, "Football in Newly United Yemen," pp. 453–475; Stevenson Alaug, "Sports Diplomacy and Emergent Nationalism," pp. 1–19.
  8. Houchang E. Chehabi, "The Juggernaut of Globalization: Sport and Modernization in Iran," The International Journal of the History of Sport , Routledge, vol. 19, no. 2–3 (2002), pp. 275–294; Houchang E. Chehabi, "The Politics of Football in Iran," Soccer & Society , vol. 7, no. 2–3 (2006), pp. 233–261; Fozooni Babak, "Religion, Politics and Class: Conflict and Contestation in The Development of Football in Iran," Soccer & Society , vol. 5, no. 3 (2004), pp. 356–370.

الواسعة النطاق التي أعقبت مقتل مهسا أميني، الشابة التي اعتُقِلت بتهمة ارتداء الحجاب "بشكل غير لائق"، لم تبقَ كرة القدم في الهامش؛ إذ عبّ نجوم مشهورون - من بينهم علي دائي وعلي كريمي - عن تضامنهم في هذا الشأن، في حين أغلقت الحكومة الإيرانية مباريات الدوري أمام الجماهير خوفًا من تصاعد حدّة الاحتجاجات. وبعد الحماسة التي أشعلتها الثورات العربية، التي طالبت ب "الكرامة"، ومن ذلك المشاركة في ملاعب كرة القدم، عادت البنى السلطوية إلى حالها التي كانت عليها قبل الثورات. وفي مصر، مثلً، امتدّت محاولات السلطة المتجدّدة في تقييد حرية التعبير إلى ملاعب كرة القدم ثانية. ففي عام 2017 درِج اللاعب محمد أبو تريكة، وهو، أُ واحد من أبرز اللاعبين في تاريخ كرة القدم المصرية، في قائمة الإرهاب، بسبب علاقته المزعومة بالإخوان المسلمين. وفي عام 2018، أضيف ألتراس أهلاوي إلى القائمة، فضلً عن قرار إقامة مباريات الدوري المحلي والكأس من دون جمهور طوال ستة مواسم (2018-2012)، بعد حادثة مشجّعي النادي الأهلي المذكورة آنفًا. وقد كانت أزمة الإغلاق بسبب ظروف جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، في المدة 2021-2020، فرصة لتجديد هذا القرار. توضّ ح كل هذه الأمثلة المأخوذة من تاريخ كرة القدم في الشرق الأوسط ما تتضمنه، على نحو يكاد يكون مستمرًا، من تعارضات بين ديناميكيات انعتاقية وثورية من جهة، وقوى مضادّة من جهة أخرى. تظلّ كرة القدم "لعبة متمرّدة"؛ يمكن أن تروّج لرموز وهويات محدّدة، غير أنها تبقى مستندة إلى السياق السياسي والديناميكيات السياسية، محليًّا وعالميًّا. وقد يكون هذا أحد أسباب عدم بروز منتخبات بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عالميًا. ومع ذلك، ما تزال هذه المنطقة مث لً مهمًّ د لًّ على بيئة متقلّبة وسريعة التغيّ تشهد أدوارًا مختلفة جدًّا مرتبطة بكرة القدم. وقد يكون كأس العالم في قطر آخر التجسيدات لهذه الأدوار المختلفة.

المراجع

Abderrahim, Kader. L'indépendance comme seul but. Paris: Paris-Méditerranée, 2008. Acharya, Amitav. "How Ideas Spread: Whose Norms Matter? Norm Localization and Institutional Change in Asian Regionalism." International Organization. vol. 58, no. 2 (2004). Amara, Mahfoud. Sport, Politics and Society in the Arab World. New York: Palgrave Macmillan, 2011. Babak, Fozooni. "Religion, Politics and Class: Conflict and Contestation in The Development of Football in Iran." Soccer & Society. vol. 5, no. 3 (2004). Chehabi, Houchang E. "The Juggernaut of Globalization: Sport and Modernization in Iran." The International Journal of the History of Sport. Routledge. vol. 19, no. 2–3 (2002). ________. "The Politics of Football in Iran." Soccer & Society. vol. 7, no. 2–3 (2006). Close, Ronnie. Cairo's Ultras: Resistance and Revolution in Egypt s Football Culture. Cairo: The American University in Cairo Press, 2019. Danyel Reiche Tamir Sorek (eds.). Sport, Politics and Society in the Middle East. London: Hurst Company, 2019. Dine, Philip. "France, Algeria and Sport: From Colonisation to Globalisation." Modern & Contemporary France. vol. 10, no. 4 (2002). Dorsey, James M. The Turbulent World of Middle East Soccer. London: Hurst Company, 2016. Dubois, Lauren. "Diffusion and Empire." in: Robert Edelman Wayne Wilson (eds.). The Oxford Handbook of Sports History. Oxford: Oxford University Press, 2017. Edelman, Robert Wayne Wilson (eds.). The Oxford Handbook of Sports History. Oxford: Oxford University Press, 2017.

Freeman, Simon. Baghdad FC: Iraq's Football Story. London: John Murray, 2005. Gennaro, Michael J. Saheed Aderinto (eds.). Sports in African History, Politics, and Identity Formation. London/ New York: Routledge, 2019. Giulianotti, Richard Roland Robertson. "The Globalization of Football: A Study in the Glocalization of the 'Serious Life.'" The British Journal of Sociology. vol. 55, no. 4 (2004). Goldblatt, David. The Ball is Round: A Global History of Football. London: Viking Penguin, 2006. ________. The Age of Football: The Global Game in the Twenty-First Century. London: Macmillan, 2019. Haggai Harif Yair Galily. "Sport and politics in Palestine, 1918–48: Football as a Mirror Reflecting the Relations Between Jews and Britons." Soccer & Society , Routledge. vol. 4, no. 1 (2003). Jacob, Wilson Chacko. Working Out Egypt: Effendi Masculinity and Subject Formation in Colonial Modernity, 1870-1940. Durham, NC: Duke University Press, 2011. Kamrava, Mehran et al. "Ruling Families and Business Elites in the Gulf Monarchies: Ever Closer?" Research Paper. Middle East and North Africa Programme. Chatham House. London. November 2016. at: https://bit.ly/2BbAUYx Kaufman, Haim Yair Galily. "Sport, Zionist Ideology and the State of Israel." Sport in Society. vol. 12, no. 8 (2009). Khaled, Ali. "The Birth of UAE Football: Class of '72 Acted as a Springboard to Bigger Things." The National. 7/9/2015. at: https://bit.ly/3OMTwmj Khalidi, Issam. "Sports and Aspirations: Football in Palestine, 1900–1948." Jerusalem Quarterly. vol. 58, no. 75 (2014). Koller, Christian Fabian Brandle. Goal!: A Cultural and Social History of Modern Football. Washington, D.C: The Catholic University of America Press, 2015. Kuhn, Gabriel. Soccer vs. the State: Tackling Football and Radical Politics. Oakland, CA: PM Press, 2011. Lanfranchi, Pierre Alfred Wahl. "The Immigrant as Hero: Kopa, Mekloufi and French Football." The International Journal of the History of Sport. vol. 13, no. 1 (1996). Lopez, Shaun T. "On Race, Sports, and Identity: Picking up the Ball in Middle East Studies." International Journal of Middle East Studies. vol. 41, no. 3 (2009). Martin, Phyllis M. "Colonialism, Youth and Football in French Equatorial Africa." The International Journal of the History of Sport. vol. 8, no. 1 (1991). Mubarak, Hassanin. Birth of the Lions of Mesopotamia. The early years of football in Iraq. UK: Hassanin Mubarak, 2020. Nait-Challal, Michel. Dribbleurs de l'indépendance: L'incroyable histoire de l'équipe de football du FLN algérien. Paris: Editions Prolongations, 2008. Pollock, John. "Streetbook: How Egyptian and Tunisian Youth Hacked the Arab Spring." MIT Technology Review (2011). at: https://bit.ly/3FbWX2v Raab, Alon Issam Khalidi (eds.). Soccer in the Middle East. London: Routledge, 2015. Raab, Alon. "The Universe is Shaped like a Football: Football and Revolution." The International Journal of the History of Sport. vol. 31, no. 7 (2014). Reiche, Danyel Tamir Sorek (eds.). Sport, Politics and Society in the Middle East. Oxford University Press, 2019. Rommel, Carl. Egypt's Football Revolution: Emotion, Masculinity, and Uneasy Politics. Austin: University of Texas Press, 2021.

Sorek, Tamir. Arab Soccer in a Jewish State: The Integrative Enclave. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Stevenson, Thomas B. Abdul Karim Alaug. "Football in Newly United Yemen: Rituals of Equity, Identity, And State Formation." Journal of Anthropological Research. vol. 56, no. 4 (2000). Emergent and Diplomacy "Sports Nationalism: Football Links between the Two Yemens, 1970-1990." Anthropology of the Middle East. vol. 3, no. 2 (2008). Stoddart, Brian. "Sport, Cultural Imperialism, and Colonial Response in the British Empire." Comparative Studies in Society and History. Cambridge University Press. vol. 30, no. 4 (1988). Waele, Jean-Michel De et al. (eds.). The Palgrave International Handbook of Football and Politics. London: Palgrave Macmillan, 2018.