الإعلام والرياضة أداتان لبناء السمة الوطنية والتسويق لها: الاستراتيجية القَطرية نموذجًا

Media and Sports as Tools for National Branding and Brand Marketing: Case Study of Qatar's Strategy

كمال حميدو| Kamal Hamidou *

الملخّص

اعتمادًا على مقاربة سيمون أنهولت، التي تقوم على تقييم عمليات بناء السمة الوطنية استنادًا إلى وجود، أو غياب، ثلاثة عوامل يشترط حضورها؛ هي: استراتيجية واضحة المعالم، وجوهر تقوم عليه الاستراتيجية، وخطوات رمزية مرافقة، تتناول الدراسة الاستراتيجية القَطرية القائمة على توظيف الإع ماا والرياضة أداتين من أدوات الدبلوماسية العامة الهادفة إلى بناء صورة ذهنية دولية إيجابية عن بلد حديث النشأة وصغير بجغرافيته، لكنه بات من ضمن كبار الفاعلين المؤثرين في العالم. وتستعرض خصائص الاستراتيجية القطرية التي جمعت بين تنظيم الفعاليات الرياضية الضخمة والمشاركة فيها، وبناء المنشآت الرياضية ذات الصيت العالمي، والاستثمار الإعلامي في الأحداث. وتكمن أهمية الدراسة في كونها تتناول موضوع بناء السمة الوطنية، وتهدف إلى معرفة خصائص الاستراتيجية القطرية في مجال توظيف الإعلام والرياضة لبناء السمة الوطنية والصورة الذهنية الإيجابية عنها قُطريًّا، وإقليميًّا، ودوليًّا، مع تحديد أهم المراحل والخطوات التي قطعتها دولة قطر في سبيل تحقيق الغايات المنشودة من تلك الاستراتيجية.

Abstract

​Simon Anholt evaluates the processes of building a national brand based on the presence, or absence, of three necessary factors: a well-defined strategy, the substance on which the strategy is based, and accompanying symbolic steps. Building on Anholt's work, this study explores Qatari strategy, which utilises media and sports as two public diplomacy tools to create a positive international reputation of a newly emerging country that, despite its size, has become a major global actor. The paper reviews Doha's strategy to combine organising and participating in huge sporting events, build state of the art sports facilities, and invest media presence in events. The study unpacks characteristics of this strategy in building the national brand through media and sports, while identifying the most important steps taken to achieve the goals of this strategy.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

ما فتئت جهود بناء الصورة الذهنية والسمة الوطنيةNation Branding تتزايد خلال السنوات القليلة الماضية؛ إذ تعاظمت الجهود التي تسخّرها الأمم لبناء سمتها القومية عبر مساعٍ عادةً ما تجمع بين السياسات الحكومية من جهة، والخطط والاستراتيجيات التي يرسمها للحكومات مستشارو وكالات العلاقات العامة من جهة أخرى، ضمن حملات تهدف إلى الترويج لتلك السمة. وقد أسهم هذا الواقع في جعل عمليات بناء السمة الوطنية والصورة الذهنية مج لً دراسيًا بات يحظى باهتمام المختصين في الإعلام والعلاقات العامة والتسويق1. وغالبًا ما يأتي بناء صور الأمم الذهنية وسماتها الوطنية خدمةً لغرضين؛ الأول ذو أبعاد محلية، والثاني ذو أبعاد دولية. فعلى المستوى المحلي، يُستخدم بناء السمة الوطنية لإدارة الإجماع الوطني من خلال تشجيع التصورات الإيجابية لدى شعوب البلدان المعنية بشأن القرارات الوطنية والدولية التي تتخذها حكوماتها، خاصة حين تكون تلك القرارات مُكلفة ماديًا أو تُشكّل عبئًا اقتصاديًا. أما على المستوى الدولي، فمن شأن هذه المساعي أن تلبّي حاجتين: فإما أن تأخذ شكل الفعل الاستباقي الهادف إلى تسهيل اندماج دول بعينها في مجموعات أو تكتلات دولية أو إقليمية، أو أن تأخذ شكل رد الفعل بهدف تحسين السمعة حين تتضرر من جرّاء انعكاسات استخدام القوة الخشنة؛ أو من جرّاء سياسات سابقة كان لها تأثير سلبي، أو أن تأتي ردةَ فعل على حملات تهندسها جماعات ضغط أو تشنّها وسائل إعلام دولية مناوئة للدولة المعنية2. حين تُبنى مساعي بناء السمة الوطنية على استراتيجية اتصالات واضحة المعالم وتطبّق من خلال خطوات ومبادرات عملية مدروسة، فإنها تتيح للحكومات تحقيق إدارة أفضل من جهة، وتمكّنها من التحكم في الصورة التي تعرضها للعالم من جهة أخرى. فضلً عن أن تلك الجهود تسهم، لا محالة، في جذب الأنواع المناسبة من الاستثمارات، وتزيد من فرص التدفق السياحي والتجاري، وتوسّع من القدرة على استقطاب المواهب، بما يسمح للدول المعنية بمنافسة مجموعة متنامية من الفاعلين الدوليين الذين يتهافتون على عدد محدود ومتضائل من الموارد والفرص المتاحة3. وعلى غرار العديد من البلدان الصغرى التي يمكن أن نطلق عليها مسمى الدول الصغرى المتنفذة اقتصاديًا، سعت دولة قطر سعيًا حثيثًا لإرساء القدرة على التأثير العالمي، أسوةً بدول أخرى منافسة في منطقة الخليج العربي. فمع بداية تشكّل الطموحات القطرية لتأدية أدوار متقدمة في الساحة العالمية منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وضعت الحكومة القطرية متطلبات الدبلوماسية العامة والتأثير الناعم - خاصة ذلك الذي يقوم على الإعلام والرياضة - على رأس القطاعات التي راهنت عليها كوسائط علاقات عامة دولية، تستخدمها بوصفها أدواتِ تسويقٍ من أجل بناء الصورة الذهنية الإيجابية عنها لدى دول العالم وشعوبها، ولدى مختلف المنظمات الدولية. لقد أدرك صناع القرار القطريون مبكرًا أهمية توظيف الرياضة والإعلام في التسويق للسمة الوطنية للدولة ضمن استراتيجية بعيدة المدى، هدفها الأساسي وضع الدولة الصغرى والفتية، ذات الموارد الاقتصادية الضخمة، على خريطة الأمم التي تؤدي أدوارًا أولى على الصعيد العالمي، ليس اقتصاديًا فحسب، بل أيضًا سياسيًا وإعلاميًا وثقافيًا ورياضيًا. وحققت دولة قطر في مساعيها تلك نجاحات ملموسة؛ إذ جاء تصنيفها في المؤشر العالمي لقياس القوة الناعمة في المرتبة الثالثة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متقدمة من المرتبة 31 إلى المرتبة 26 عالميًا. وقد تمكنت من تحسين ترتيبها، خاصة، في مؤشرات السمعة المرتبطة بركائز الأعمال والتجارة (المرتبة 21)، وبالحوكمة (المرتبة 25)، وبالثقافة والتراث (المرتبة 38)، وبمؤشر الناس والقيم (المرتبة 34). ومن المتوقع أن يتحسن هذا الترتيب خلال السنوات القادمة في ظل المساعي القطرية لتحقيق رؤيتها الوطنية 2030، التي تركّز على تنمية المجتمع، بما يمكنها من دعم التنمية الاجتماعية، والإدارة البيئية، والنمو الاقتصادي4.

أسئلة الدراسة

تتناول هذه الدراسة استراتيجية دولة قطر لإعادة بناء الصورة الذهنية المعولمة عنها، في سياق خارجي يضع أمامها جملة من التحديات الإقليمية والدولية، على غرار المنافسة القوية من دول مجاورة لديها الطموحات والمقومات نفسها تقريبًا، وتنافسها على المكانة نفسها. ثم بسبب التأثير السلبي لمحتويات إعلامية دولية مناوئة، تنتشر بين الفينة والأخرى، في شكل حملات إعلامية تسعى للتقليل من شأن المساعي القطرية لإعادة بناء صورتها الوطنية، أو تسعى للتشكيك في مقاصدها.

  1. Göran Bolin Per Ståhlberg, "Mediating the Nation-State: Agency and The Media in Nation-Branding Campaigns," International Journal of Communication , vol. 9 (2015), p. 3065.
  2. Melissa Aronczyk, "'Living the Brand': Nationality, Globality, and the Identity Strategies of Nation Branding Consultants," International Journal of Communication , vol. 2 (2008), p. 42.
  3. Ibid.
  4. Global Soft Power Index 2021: Qatar Ranks 26th," Brand Finance, 25//2/2021, accessed on 22/7/2022, at: http://bit.ly/3GJfXXs

وتهتم الدراسة بفحص استراتيجيات توظيف موارد القوة الناعمة في رسم الصورة الوطنية، عبر تحليل الكيفية التي يجري بها إعادة بناء الصورة الذهنية النمطية التي كثيرًا ما حاولت بعض وسائل الإعلام المؤثرة، وخاصة الغربية منها، تأطير قطر ضمنها. وعادة ما يقدّم الإعلام الغربي قطر باعتبارها مجرد إمارة نفطية خليجية، لا فضل في وجودها سوى لاقتصاد ريعي يقوم على عوائد تصدير الغاز والنفط. ويستند خط التحرير في هذا النوع من الإعلام إلى منطلق حكم قيمي يحاجّ بأن قطر لا تملك رؤية تنموية استراتيجية أو حتى المقومات الكافية لضمان قيامها بأدوار مؤثرة في العالم. تناقش هذه الدراسة، إذًا، الكيفية التي استخدمت بها قطر أداتي الإعلام والرياضة جزءًا من إطار عمل أشمل للدبلوماسية العامة، بهدف الوصول إلى قلوب شعوب العالم وعقولها، سعيًا منها لتغيير الأحكام المسبقة التي ترسّخت عنها. وتطرح الدراسة أربعة أسئلة أساسية: هل من مؤشرات دالّة على وجود استراتيجية قطرية لبناء سمة وطنية خاصة بها؟ وما الأسس التي قامت عليها الاستراتيجية الإعلامية القطرية لاقتحام المشهد الإعلامي الدولي والتموضع فيه؟ وكيف شكّلت الرياضة جزءًا مهمً من الاستراتيجية القطرية لبناء القوة الناعمة وحشد موارد التسويق والتأثير الدوليَيّن؟ وكيف وظّفت دولة قطر الرياضة والاتصال المناسباتي الرياضي إعلاميًا بهدف فرض سمتها الوطنية على المستويين الإقليمي والدولي؟

ما السمة الوطنية؟

يقع مفهوم السمة الوطنية، أو ما يصطلح البعض على تسميته العلامة التجارية للأمم، ضمن دراسات الاتصال العمومي. ويهدف هذا النوع من الجهد الاتصالي إلى الترويج للهوية الوطنية لبلدٍ ما باستخدام أدوات التسويق والعلاقات العامة. وعرف هذا المجال البحثي الحديث انطلاقته الحقيقية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين وبداية تسعينياته في المملكة المتحدة تحديدًا، مع بروز جهود إعادة وضع تصور أعمق لما يمكن أن تفعله العلامة التجارية للأشخاص والمنتجات، فضلً عن الحقل السياسي5. وقد نجح هذا التخصص في فرض نفسه مع ظهور الوكالات المخصّصة في التسويق الإقليمي، وكذلك مع زيادة السلطات المحلّية في الأقاليم الميزانيات المخصّصة لمثل هذه الحملات. لم يُجمع الباحثون على تعريف واحد للسمة أو الصورة الوطنية. وتباينت التعريفات بتباين الخلفيات التخصّصية التي بُذلت ضمنها الجهود لوضع تعريف للمفهوم، بين تلك التي صاغت تعريفات متأثرة بتخصص التسويق، وأخرى صاغتها في سياق تخصص العلاقات العامة والإعلان أو الإعلام عمومًا، وغيرها صاغتها متأثرة بتخصصي الاتصال الدولي والعلاقات الدولية. عرّف جيم بانستر وجون ساندرس السمة الوطنية بأنها "صورة شاملة تتكون من عدة متغيرات، مثل منتجات البلد الخاصة، وتطورها الاقتصادي والسياسي، وأحداثها التاريخية، وعلاقاتها، وتقاليدها، ومستوى تصنيعها وتطورها التكنولوجي"6. أما مايكل كونزيك فقال إنها تتشكل "من خلال عملية اتصال معقدة جدًا تتضمن مصادر معلومات متنوعة [...] غير أن أشد ما يؤثر في صناعة الصورة التلفزيونُ والإذاعاتُ الدولية، ثم الصحف والمجلات، وبرامج التبادل الثقافي، والإعلانات التجارية، والكتب والخدمات الإخبارية. إضافة إلى التعليم والسفر، بمعنى درجة الخبرة الشخصية المتعلقة بثقافات أجنبية معيّنة، والتي يكون لها أيضًا دور مهمّ في بناء الصورة"7. أمّا بيتر فيرلغ وجان بنديكت شتينكمب فيعرّفانها بوصفها "قراءة عقلية مشكَّلة عن سكان بلدٍ ما وعن منتجاته وثقافته ورموزه الوطنية"8. في حين يرى إرفين راين وزميلاه أنها "مجموع المعتقدات والأفكار والانطباعات حول بلد معين"9. ومن جهته، عرّفها يِنغ فان بقوله إنها "عملية إنشاء صورة الدولة أو تعديلها ومراقبتها وتقييمها وإدارتها بشكل استباقي من أجل تعزيز سمعة الدولة بين الجمهور الدولي المستهدف"10. أما سيمون أنهولت فيرى أن مفهوم السمة الوطنية يتجاوز في معناه الجهد الاتصالي أو التسويقي لبناء سمعة الدول إلى أدوات الفعل الحقيقية، المتنوعة، والممتدة التأثير بشكل يضمن للقائمين على عملية بنائها تحقيق الأهداف المرجوة11.

  1. 5 Carolin Viktorin et al., "Beyond Marketing and Diplomacy: Exploring the Historical Origins of Nation Branding," in: Carolin Viktorin et al. (eds.), Nation Branding in Modern History (New York/ Oxford: Berghahn Books, 2018), p. 1.
  2. Jim P. Bannister John A. Sanders, "UK Consumers' Attitudes Towards Imports: The Measurement of National Stereotype Image," European Journal of Marketing , vol. 12, no. 8 (1978), p. 570.
  3. Michael Kunczik, Images of Nations and International Public Relations (New York: Routledge, 1997), p. 41.
  4. Peeter Verlegh Jan-Benedict Steenkamp, "A Review and Meta-analysis of Country-of-origin Research," Journal of Economic Psychology , vol. 20, no. 5 (1999), p. 523.
  5. Irving Rein, Philip Kotler Donald Haider, Marketing Places: Attracting Investment, Industry, and Tourism to Cities, States, and Nations (New York: The Free Press, 1993), p. 141.
  6. Ying Fan, "Branding the Nation: Towards a Better Understanding," Place Branding and Public Diplomacy , vol. 6, no. 2 (2010), p. 101.
  7. 11 Simon Anholt, "Beyond the Nation Brand: The Role of Image and Identity in International Relations," Exchange: The Journal of Public Diplomacy , vol. 2, no. 1 (2013), p. 7.

نلاحظ في معظم التعريفات، الواردة سابقًا، تداخلً بين مفهومي الصورة الذهنية والسمة الوطنية، وهذا ما نسعى لتجنّبه في تعريفنا الإجرائي الذي نقترحه لمفهوم الصورة الوطنية. ونحاجّ بأن الصورة الوطنية تتشكل عبر الجهد التسويقي وجهد إدارة سمعة البلد، باستخدام فنون الاتصال المقترنة بالترويج للسلع والخدمات، وعبر إلقاء الضوء على خصائص ومميّزات بعينها، قد تكون سياحية أو ثقافية أو إعلامية أو رياضية أو صناعية أو تكنولوجية أو سياسية أو عسكرية، أو قد تتشكل من كل ما سبق. ويقابل ذلك الجهد تشكّل مجموعة من الأحكام والانطباعات التي يكوّنها أو يكتسبها المتلقي حول ذلك البلد، والتي يمكن أن نسميها الصورة الذهنية المكوّنة عنه، علمً أنها تتشكل على نحو معقد من مجمل ما يُنقل إلى الفرد و/ أو ممّ يختبره بنفسه من سمات ذلك البلد، و/ أو ممّ يكتنزه من معارف و/ أو خبرات حول ثقافته وتاريخه، وحول قدراته الخلّ قة التي تتجسد في مخرجات ملموسة ثقافيًا، أو صناعيًا، أو تكنولوجيًا، أو إعلاميًا، أو رياضيًا، أو سياسيًا، أو عسكريًا، أو من مجموع تلك المخرجات، بما يساعده في تشكيل صورة ذهنية محددة عمّ بَلغته عبقرية ذلك البلد. ويمكن أن تتأثر تلك الصورة بالأحكام المسبقة التي تغذيها وسائل الإعلام والذاكرة الجماعية عن ذلك البلد، كما يمكنها أن تتشكّل من جرّاء وصول المخرجات التي سبق ذكرها - كلها أو بعضها - إلى أقطار جغرافية محددة، فتصبح تلك المخرجات عاملً من عوامل تشكيل الصورة الذهنية القومية عن البلد المعني، أو أن تتشكل من جرّاء احتكاك الأفراد مباشرة مع شعوب ذلك البلد ومظاهر أسلوبه المختلفة في الحياة، أو نقلها عبر محتويات إعلامية على نحو عرضي (عبر الأفلام مثلً)، أو عبر محتوى إعلامي مقصود، يجري بثه في شكل حملات إعلامية أو حملات علاقات عامة موجهة، مدروسة الأهداف والوسائل. ولإزالة اللبس عن التداخل بين مفاهيم السمة الوطنية والقوة الناعمة والدبلوماسية العامة، لا بد من توضيح أن السمة الوطنية أداة من أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية العامة، بوصفهما مظلّتين تشملان تحتهما السمة الوطنية. فالقوة الناعمة بحسب تعريف جوزيف ناي، الذي صاغ المفهوم أول مرة، هي "القوة التي تتمتّع بها المجتمعات لجذب الآخرين لدعم السياسات التي تنتهجها حكوماتهم"12، وهي في جوهرها مرتبطة بقدرة البلد على التأثير في توجهات شعوب بلدان أخرى وخياراتها وفي مكوناتها الفاعلة فيها، اعتمادًا على جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسّساتها، بدلً من استخدام أدوات الإكراه والتهديد. في حين تشير الدبلوماسية العامة، بحسب تعريف إيان هال، إلى "فن تغيير العقول، الذي يمكن أن يتكون من دعاية بسيطة، غير أنه يكون أكثر نجاحًا إذا كان يهدف إلى بناء علاقات ثقة دائمة بين الحكومات والجماهير الأجنبية"13.

مقاربة الدراسة

تستخدم هذه الدراسة المقاربة التي صممها سيمون أنهولت، التي اقترح فيها تقييم عمليات بناء الصورة الوطنية استنادًا إلى وجود، أو غياب، ثلاثة عوامل يفترض أن تشكّل أيّ مسعى لبناء السمة الوطنية وتحقيق الأهداف المرجوة منها، ف "السياسات وحدها، حتى لو نُفِّذت بفاعلية، لا تكفي لإقناع الجماهير الأجنبية بالتخلي عن جملة التحيزات والتصورات التي يحملونها، والتي عادة ما تُبدي مقاومة شديدة للتغيير حين يتعلق الأمر بالصورة الوطنية"14. لذلك، يرى أنهولت15 ضرورة أن تقوم أيّ عملية بناء وتسويق للعلامة الوطنية على ثلاث ركائز أساسية: أولً، أن تكون ثمة استراتيجية Strategy محددة المعالم تخضع لها عملية بناء السمة الوطنية. ثانيًا، أن تتسم بوجود جوهر Substance يشكّل أساس عملية بنائها. ثالثًا، أن تُحدَّد الإجراءات والخطوات الرمزية المرافقة actions Symbolic، التي يجب أن تكون حاضرة على نحو مستمر ومتكرر إن كان المنشود أن تؤدي تلك العملية إلى تحقيق سمعة أفضل. وي حرر أنهولت التجليات العملية للركائز الثلاث بقوله إن "الاستراتيجية، في أبسط مفاهيمها، هي معرفة مَن تكون الأمة ومكانتها اليوم (سواء في الواقع أو وفقًا للتصورات الداخلية والخارجية)، مع ضرورة معرفة المكان الذي تريد أن تصل إليه ومعرفة كيف ستصل إلى ذلك المكان"16. ثمة تحديان رئيسان يواجهان تطوير الاستراتيجية، بحسب أنهولت، هما: التوفيق بين احتياجات ورغبات مجموعة واسعة ومختلفة من الفاعلين الوطنيين لتبنّي وجهة تكاد تكون واحدة؛ ثم تحديد هدف استراتيجي ملهم وقابل للتنفيذ، وهما ميزتان عادة ما تكونان متضاربتين"17. أما مفهوم الجوهر، فيقصد به أنهولت مدى القدرة على "التنفيذ الفعال لتلك الاستراتيجية في صورة نشاط اقتصادي وقانوني وسياسي

  1. Joseph S. Nye Jr, Soft Power: The Means to Success in World Politics
  2. Ian Hal, "India's New Public Diplomacy: Soft Power and the Limits of Government Action," Asian Survey , vol. 52, no. 6 (2012), p. 1091.
  3. Simon Anholt, Places: Identity, Image and Reputation (New York: Palgrave Macmillan, 2010), p. 13.
  4. Ibid.
  5. Ibid. 17 Ibid.
  6. (New York: Public Affairs, 2004), p. 5.

واجتماعي وثقافي وتعليمي جديد؛ أي الابتكارات الفعلية، والهياكل، والتشريعات، والإصلاحات، والاستثمارات، والمؤسسات، والسياسات الفعلية التي من شأنها تحقيق التقدم المنشود"18. في حين حدّد أنهولت الأفعال الرمزية بوصفها "نوعًا خاصًا من المواد التي لها قوّة تواصل جوهرية" قد تتأتى "في شكل ابتكارات، أو هياكل، أو تشريعات، أو إصلاحات، أو استثمارات، أو مؤسسات، أو سياسات ملهمة بشكل خاص، تتفرد بكونها متميزة، ولا تنسى، وخلّ بة، وجديرة بالإشهار بها، وموضوعية، وشاعرية، ومؤثرة، ومثيرة للدهشة أو درامية، والأهم من ذلك كله أن تكون رمزًا للاستراتيجية بحكم أنها تشكّل مكوّنًا من مكوّنات القصّة الوطنية وأداة روايتها في آن واحد"19. بناءً على ما سبق، تسعى هذه الدراسة إلى تقييم مدى توظيف الشروط الثلاثة التي أوردها أنهولت في حالة قطر ومساعيها لبناء سمتها الوطنية الخاصة بها؛ وذلك من خلال فحص مدى حضور استراتيجية واضحة المعالم لبناء السمة الوطنية القَطرية، ثم من خلال معرفة مدى وجود جوهر حقيقي يرافق عملية البناء تلك، مع تحديد مدى ملاءمته للأهداف المسطّرة، ثم لمعرفة مدى إرفاق تلك العملية بالأفعال الرمزية المناسبة لإنجاح خطة بناء السمة الوطنية والتسويق لها، مع فحص مدى نجاعتها. وللقيام بذلك، تحاول الدراسة رصد أهم الخطوات التي أطلقتها قطر منذ تسعينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا، في سبيل زيادة تأثيرها الناعم عبر عملية التسويق لسمتها الوطنية، مع التركيز على الجهود التي قامت على الفعل الإعلامي والرياضي، بوصفهما أبرز المجالات والوسائط التي استثمرت فيها قطر وراهنت عليها في سبيل بلوغ الأهداف التي سطّرتها لنفسها بتوظيف أدوات التأثير الناعم عبر وسائل الإعلام في المجال الأول، وبالدبلوماسية الرياضية في المجال الثاني.

الأدبيات

بدأ موضوع قوّة قطر الناعمة يلقى اهتمام الأكاديميين بين نهاية تسعينيات القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة، مع تنامي الدور القَطري في الساحة الدولية. وتعاظم هذا الاهتمام أكثر فأكثر بعد أن حصلت قطر على حق تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022. وتميّزت الدراسات التي نشُرت في هذا الموضوع بانقسامها بين دراسات ركّزت على بيان محدودية عوائد الجهد القطري لتسويق علامتها الوطنية، ودراسات ركّزت على نجاعة خططها للتسويق لنفسها. ومن بين أولى الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع تلك التي نشرها جي إي بيترسون بعنوان "قطر والعالم: بناء السمة الوطنية لدولة صغيرة"20. وبخلاف ما يوحي به العنوان، لم يهتم بيترسون بالحالة القطرية سوى على نحو مقتضب وفي آخر جزء من الدراسة؛ إذ بدأ بسرد مستفيض لتعريفات مفهوم الدول "الصغيرة" والدول "شديدة الصغر"، مع أمثلة عن الكيفية التي بنت بها كل دولة من الدول، التي قدّمتها الدراسة، صورتها الوطنية التي علقت في أذهان الناس عبر العالم، قبل أن يصل إلى الحالة القطرية التي استعرض فيها أولًالتحديات التي واجهتها مع جيرانها، ثم كيف أنّ سعي قطر لتفرّدها والمحافظة على استقلالها عن محيطها الخليجي أثّر في خياراتها وسياساتها الدولية، ليعطي بعدها لمحة عن معاني بناء السمة الوطنية وكيفياتها، ثم يفصّل في النهاية بعض الخطوات التي سارت عليها قطر في سبيل بناء سمتها الوطنية، بدءًا من الخطوات السياسية، مرورًا بالخطوات الاقتصادية، وصولً إلى الخطوات الثقافية والرياضية وفي مجال العلوم والتكنولوجيا. وخلص بيترسون إلى ضرورة أن توجِد قطر الوسم الذي يميّزها من محيطها في بناء سمتها الوطنية والخروج من منطق التنافس على الوسوم نفسها التي يجري التنافس عليها في المنطقة مع جيرانها. ونشر بول مايكل براناجان وريتشارد جيوليانوتي دراسة بعنوان "العلاقة بين القوة الناعمة واللاتمكين الناعم: دراسة حالة قطر"21. ومن تحليلهما لحالة قطر، اقترح الباحثان نموذجًا نقديًا لعملية بناء القوة الناعمة، مع تبيان العلاقة بين القوة الناعمة ومفهوم اللاتمكين الناعم Soft Disempowerment. وعكفا في دراستهما على بيان محدودية أثر الاستراتيجية القطرية؛ إذ شدّدا على وجود تشابك بين مساعي القوة الناعمة وعوامل اللاتمكين الناعم في التجربة القطرية. وصاغا نموذجًا من ثلاث خطوات يعتبرانها حاسمة في بناء الدول القوةَ الناعمة: الخطوة الأولى هي وضع الخطط وتحديد الموارد التي توظفها الدولة في سبيل الحصول على قوة ناعمة محتملة. في حين ترتبط الخطوة الثانية بتحويل الجهود والموارد إلى نتائج ناجحة، ولا يكون ذلك مضمونًا دائمًا، لأنه مرتبط بذاتية الجماهير المستهدفة وبردّات فعلها. أما الخطوة الثالثة فتتمثل في بذل الجهد للتعامل مع النتائج العكسية الناجمة عن ارتداد العملية وتحولها إلى عدم تمكين، بسبب عامل التقييم السلبي الذي قد يُبديه الجمهور المستهدف حيال سياسات الدولة المعنية داخليًا وخارجيًا.

  1. Ibid.
  2. Ibid.
  3. John E. Peterson, "Qatar and the World: Branding for a Micro-State," Middle East Journal , vol. 60, no. 4 (2006), p. 732.
  4. Paul Michael Brannagan Richard Giulianotti, "Soft Power and Soft Disempowerment: Qatar, Global Sport and Football's 2022 World Cup Finals," Leisure Studies , vol. 34, no. 6 (2014), p. 703.

ثمة دراسة أخرى نشرها جون مارك كينغ، عنوانها "تغطية السمة الوطنية لقطر وصورها في أهم الجرائد العالمية"22. وقد حلل فيها محتوى الموضوعات التي نشرت عن دولة قطر في أكثر من 07 صحيفة رئيسة تصدر في 18 دولة خلال الفترة 2007-2006. وأجرى دراسة مقارنة بين الصحف الصادرة في الغرب (مثل أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا ونيوزيلندا... إلخ) وتلك الصادرة في الشرق (آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا). وخلصت دراسته إلى أن صورة قطر في تلك الجرائد كانت أكثر إيجابية في الشرق مما كانت عليه في الغرب. ولاحظ أن الموضوعات الخاصة بقطر جاءت في الصفحات الأولى وفي مواقع الأخبار البارزة في الغرب بعدد أكبر مقارنة بالجرائد الصادرة في الشرق، وأن الرياضة والمعطيات السكانية والجغرافية الخاصة بالدولة كانت أكثر الموضوعات شيوعًا. في حين كانت الأخبار والتقارير المرتبطة بموضوعات الإرهاب والحرب والعنف وقناة الجزيرة أقل الموضوعات تكرارًا. ثمة أيضًا دراسة نشرها حميدو كمال بعنوان "استراتيجية القوة الناعمة القطرية لبناء صورتها الدولية"23، حلّل فيها استراتيجية قوة قطر الناعمة، محاولً إبراز كيف أن تجلياتها أمْلتها عليها على نحو أساسي متطلباتُ محيطها الإقليمي والدولي، ضمن استراتيجية الحفاظ على سيادة القرار السياسي واستقلاليته من أي نفوذ قادم من محيطها الإقليمي. وخلص إلى أن قطر اعتمدت على مواردها المالية الكبيرة لتوظيفها بقوة دفاعًا عن سياساتها الداخلية والخارجية والظهور بوصفها فاعلً رئيسًا على الساحة الدولية، وأن استراتيجيتها للقوة الناعمة بُنيت على ثلاث ركائز متداخلة وُضعت منذ التسعينيات، هي: 1. استراتيجية إعلام فعالة تعمل على فرض الوجود وإرساء شرعية محلية وإقليمية للدولة الصغيرة، 2. استراتيجية علاقات عامة وتسويق لبيع صورة إيجابية عن الدولة ضمن جهد واسع مرتبط بالدبلوماسية الرياضية والدبلوماسية العامة، بهدف إبراز نهضة قطر وحداثتها وثرواتها وقدراتها الابتكارية، 3. حملات علاقات عامة لكسب التأييد والحفاظ على التحالفات الاستراتيجية للبلد، خاصة في مواجهة استراتيجيات منافسة سعت إلى عزلها أو تقزيم دورها. يمكننا أيضًا أن نذكر دراسة مسحية نشرها جويل روكوود بعنوان "الوصول والأمن والدبلوماسية: تصورات القوة الناعمة والسمة الوطنية والتحديات التنظيمية التي تواجه بطولة كأس العالم لكرة القدم فيفا 2022 في قطر"24. واهتمت بمعرفة تصورات بعض المستجوبين عن مدى ملاءمة قطر لتكون مضيفًا ناجحًا لحدث رياضي عالمي، ومدى قدرتها على القيام بذلك في ظل بعض التحديات التنظيمية الرئيسة التي قد تواجهها قبل انطلاق البطولة. وأجرى روكوود لهذا الغرض مقابلات نصف موجهة مع عينة من صحافيي كرة القدم، والمنظمين من ذوي الخبرة، والمتطوعين، وأنصار كرة القدم، والوافدين العاملين في منطقة الخليج العربي. وكشفت الدراسة عن العديد من المخاوف والاعتبارات المتعلقة باستضافة أوّل بطولة لكأس العالم في الشرق الأوسط. وأظهرت المقابلات بعض التحديات التنظيمية الرئيسة التي يتوقع المستجوبون أن تواجه منظمي الحدث، منها مدى سهولة وصول المناصرين، ودرجة الأمان، وتجربة الأنصار العامة مع الحدث. أما ما تعلق بالدراسات المتخصصة التي ركزت على مجالي الإعلام والرياضة، فثمة دراسة محفوظ عمارة بعنوان "ركائز الاستراتيجية الرياضية الدولية لقطر"25. استعرض فيها كيف أن الرياضة وُظّفت بوصفها جزءًا لا يتجزأ من دبلوماسية قطر، خاصة لبناء تحالفات مع عالم المال والسياسة، وترسيخ الوجود من خلال تعزيز المكانة الدولية وصناعة الصورة والسمة الوطنية. وتوصّل إلى أن استراتيجية البروز تلك، التي لا شك في قيمة عوائدها وفوائدها، تُعرّض البلاد في الوقت نفسه لتمحيص متواصل من طرف وسائل الإعلام الدولية والمنظمات غير الحكومية، خاصة في مجال الحقوق المدنية وحماية البيئة. وطرح إشكالية مدى قابلية استراتيجية الاستثمار القطرية في الرياضة للاستدامة، بسبب محدودية مستوى مشاركة الرياضيين القطريين، ثم بسبب التكلفة المالية الضخمة للحفاظ على المرافق الرياضية، مقارنة بالعائد النسبي المنخفض على الاستثمارات فيما يتعلق بالأداء الرياضي على المستوى الدولي. ثمة دراسة أخرى تجدر الإشارة إليها، لأنها تناولت باستفاضة تحليل السياسات القطرية بعد حصولها على حق تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 وما أحدثه ذلك من تحولات، خاصة تكييف التشريعات المحلية مع المعايير الدولية. وجاءت هذه الدراسة في كتاب حرّره بول مايكل براناجان ودانييل رايش بعنوان

  1. 22 John Mark King, "Nation Branding: Coverage and Perceptions of Qatar in Major World Newspapers," Working Paper , East Tennessee State University (2008), accessed on 22/7/2022, at: http://bit.ly/3GQ2ixM
  2. Kamal Hamidou, "Qatar's Soft Power Strategy in Shaping its
  3. 24 Joel Rookwood, "Access, Security and Diplomacy: Perceptions of Soft Power, Nation Branding and the Organisational Challenges Facing Qatar's 2022 FIFA World Cup," Sport, Business and Management: An International Journal , vol. 9, no. 1 (2019), p. 26
  4. Mahfoud Amara, "The Pillars of Qatar's International Sport Strategy," E-International Relations (2013), accessed on 22/7/2022, at: http://bit.ly/3EJmizo

قطر وكأس العالم فيفا 2022: السياسات والجدل والتغيير26. يقدم الكتاب تحليلً سياسيًا عن قطر وبطولة كأس العالم فيفا 2022؛ إذ يناقش دوافع قطر لتنظيم أحد أكبر الأحداث الرياضية عالميًا، فضلً عن ردّات الفعل الدولية المختلفة على قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" منح قطر حق تنظيمه. وقد وظف الكتاب المقاربة البنائية الاجتماعية في السياسة الدولية، وهي المقاربة التي تنظر إلى "القوة" بمعنى أوسع يشمل العوامل المادية والذاتية في آن معًا. وإضافة إلى ذلك، يقدّم الكتاب تحليلً شاملً للتغييرات الاجتماعية والسياسية في الداخل القطري، التي يعود الفضل فيها إلى الضغوط المتولدة من تسليط الضوء على قطر من طرف بعض وسائل الإعلام الغربية وبعض المنظمات الدولية.

أولا: مقومات الاستراتيجية القطرية لبناء السمة الوطنية وموقع الإعلام المحوري فيها

يمكننا القول إن بناء السمة الوطنية القطرية مرّ بثلاث مراحل زمنية هي: مرحلة التحول والبناء في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (2011-1995)، ثم مرحلة التجسيد خلال مرحلة استراتيجيتَي التنمية الوطنية (2016-)2018-20112022( و)، وبعدها مرحلة رؤية قطر الحالية التي امتدت إلى فترة حكم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. ولا شك في أن فترة منتصف تسعينيات القرن الماضي تُعد الحقبة التي عرفت بداية الاستراتيجية القطرية للتموضع الدولي بوصفها دولة صاعدة، وهي الفترة التي شهدت وضع أولى اللبنات لبناء السمة الوطنية في صورتها الحديثة وبناء مقدرات الدولة وأدوات التسويق الإعلامية والدبلوماسية. ولعّل ما يسجله الباحث أول وهلة عند تحليل سيرورة بناء السمة الوطنية في قطر هو وجود مؤشرات كافية تدل على وجود بوصلة واضحة المعالم حدّدت الأهداف التي تسعى قطر للوصول إليها، مع وجود استراتيجية تنفيذ متدرّجة المراحل، جرى تحديدها منذ منتصف التسعينيات، فضلً عن وجود استمرارية فعلية في مسعى بناء المقوّمات اللّ زمة دوليًا، لكي تتحول قطر إلى فاعل في المشهد الدولي. ويمكن أيضًا ملاحظة أن الإعلام والرياضة يؤديان دورًا محوريًا في تلك الاستراتيجية، بحكم إسهامهما أولً في تشكيل جوهر عملية بناء السمة الوطنية، ثم في عملية الإشهار لمختلف تجليات ذلك الجوهر، من أجل رسم الصورة الذهنية الحديثة المرجوة عن الدولة في مختلف أرجاء العالم ونشرها (الجدول.)1

يتضح، إذًا، وجود جوهر متماسك ومتكامل أعطى عملية بناء السمة الوطنية القطرية بُعدًا ملموسًا في نتائجها من عام إلى آخر. ويسجّل الباحث أيضًا مصاحبة ذلك الجهد بأفعال رمزية بدأت منذ وصول الشيخ حمد إلى سدّة الحكم في عام 1995، ولا يزال نسقها مستمرًا بالوتيرة نفسها في فترة حكم الشيخ تميم. وبذلك، يكون الجهد القطري المتراكم في عملية بناء السمة الوطنية قد اشتمل على العناصر الثلاثة التي اشترط أنهولت حضورها في أيّ عملية لبناء للعلامة القومية27. ويلاحظ الباحث أيضًا توافر جميع الأركان التي حددها كيث ديني28في نموذجه، على غرار اسم العلامة، ورمز التعبير عنها، والرؤية التي تقوم عليها، والسمات المرتبطة بها، والسلوكيات والأنشطة المتكررة المرتبطة بها، ونطاق السمة الرمزي، والخصوصيات التي تجعل العلامة متفردة، والسردية التاريخية التي تقوم عليها، ثم حاملها الأيديولوجي. وينوه الباحث بالدور المركزي الذي يؤديه قطاع الإعلام، ببعديه العام والرياضي، في الاستراتيجية القطرية لبناء السمة الوطنية بوصفها في الوقت ذاته مركّبًا من مركّبات بناء السمة وأهم واسطة للتسويق لها محليًا ودوليًا، وهو ما سيتناوله المبحث التالي.

  1. Paul Michael Brannagan Danyel Reiche, Qatar and the 2022 FIFA
  2. Anholt, Places: Identity, Image and Reputation , p. 13. 28 Keith Dinnie, Nation Branding: Concepts, Issues, Practice (New York: Routledge, 2015), p. 44. المصدر: من إعداد الباحث.
  3. World Cup: Politics, Controversy, Change (New York: Palgrave Macmillan,

الجدول (1) ركائز بناء السمة الوطنية القطرية ودور الإعلام والرياضة في التسويق لها

عناصر بناء السمة
الوطنية
التجليات الفعليةنطاق التأثيرالوسائط الناقلة
اسم العلامةقطرمحلي، عالمي، إقليميإعلام، تسويق، اتصال
رمز التعبير عن العلامةالعنابي، اللؤلؤة، صورة المها ورمزها Oryxمحلي، عالمي، إقليميتسويق
الرؤية المؤسّسة للعلامة
اررلوطنية
الرؤية الإصلاحية للشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
استراتيجية التنمية الوطنية الأولى (2016-2011)
استراتيجية التنمية الوطنية الثانية (2022–2018)
رؤية قطر الوطنية 2030
محلي، عالمي، إقليمي
محلي، عالمي، إقليمي
محلي، عالمي، إقليمي
محلي، عالمي، إقليمي
إعلام، تسويق، اتصال
إعلام، تسويق، اتصال
إعلام، تسويق، اتصال
إعلام، تسويق، اتصال
ااالسمات المرتبطة بالعلامةالحركية الإعلامية
التنمية الاجتماعية
الحركية الرياضة
الانفتاح على الثقافات
الفخامة
الابتكار، والنجاح والتميز
اممممملنهضة العمرانية
عالمي، إقليمي، محلي
محلي، عالمي، إقليمي
عالمي، محلي، إقليمي
عالمي، محلي، إقليمي
عالمي، محلي، إقليمي
محلي، عالمي، إقليمي
عالمي، محلي، إقليمي
إعلام
إعلام
إعلام
إعلام، اتصال
تسويق، إعلام، اتصال
تسويق، إعلام، اتصال
تسويق، إعلام، اتصال
السلوك/ النشاط المرتبط
برالعلامة
التأثير الإعلامي
الحركية الدبلوماسية
الحضور الرياضي
اممملتحديث المستمر للبنية التحية
عالمي، إقليمي، محلي
عالمي، إقليمي، محلي
عالمي، إقليمي، محلي
ماحلي، إقليمي، عالمي
إعلام
إعلام، وقنوات دبلوماسية
إعلام
إعلام
خصوصيات التركيز على
العلامة
الصحراء، البحر، العمران الحديث، حُسن الضيافةعالمي، محلي، إقليميتسويق، إعلام، اتصال
عوامل التفرّدتنظيم الأحداث والفعاليات الرياضية العالمية الكبرى
مقدّرات إعلامية فاعلة
بمممناء منشآت رياضية فريدة تكنولوجيًا وهندسيًا
عالمي، محلي، إقليمي
عالمي، إقليمي، محلي
عالمي، إقليمي، محلي
تسويق، إعلام، اتصال
إعلام، تسويق، اتصال
إعلام، تسويق
السردية التاريخيةالوفاء للأجداد والمؤسسين الأوائلمحليإعلام، تسويق، اتصال
الحامل الأيديولوجيدولة عربية مسلمة، إسلام وسطي منفتح على الحداثة وعلى الآخرمحلي، إقليمي، عالميإعلام، تسويق، اتصال

ثانيًا: الإعلام والاتصال الرياضي ركيزتان لبناء سمة قطر الوطنية وقوتها الناعمة

تُعدّ قطر من الدول الصغيرة من حيث مساحتها الجغرافية وتعدادها السكاني، وقوّتها العسكرية أيضًا، ومن ثمّ فإن موارد قوّتها الصلبة محدودة جدًا. لذا، لجأ صناع القرار القطريون مبكرًا إلى المراهنة على القوة الناعمة بديلا لتطوير القدرة على ممارسة النفوذ خارج حدودها. ففي عصر العولمة، كما يقول دانييل رايش، تبدو التكنولوجيا الرقمية والطرق السريعة للمعلومات والقوّة الناعمة وقوّة الصورة بالنسبة إلى الدوحة أشد فاعلية ووقائية من القوّة الصلبة والغاشمة والقسرية29.

وقد نجحت قطر، إلى حد بعيد، في توظيف الإعلام والدبلوماسية الرياضية سلاحين بديلين وفعالين من أسلحة القوّة الناعمة منذ المرحلة الأولى من مسار بناء السمة الوطنية الحديثة لدولة قطر (2013-1995)، ومنذ بروز مؤشرات التوجه القطري نحو بناء السّمعة والصورة الذهنية الدولية الجديدة باعتباره أولوية قصوى للدولة، كانت الخطوات الأولى في هذا المسار إعلامية بامتياز؛ هدفت، من جهة، إلى تصحيح الصورة الذهنية الشائعة دوليًا حول الطبيعة السلطوية للإعلام القطري بوصفه مطلبًا ضروريًا لتعزيز القبول الدولي آنذاك، كما هدفت، من جهة أخرى، إلى تمكين الدولة من امتلاك مقدّرات التعريف بنفسها، على نحو يضعها ضمن قائمة الدول المركزية من حيث القوّة الإعلامية (على الأقل إقليميًا)، وبما يضمن لها أن تكون على نحو مستمر ضمن الأجندة الإعلامية الدولية فاعلً فيها أو موضوعًا لها. ولتحقيق ذلك، خططت السلطات القطرية لتجسيد إصلاحات كثيرة وإطلاق مشاريع متنوعة في قطاع الإعلام، بهدف تحديث هذا القطاع الاستراتيجي الذي كان يُتوقع منه أن يشكّل الحامل الأساسي للسمة الوطنية القطرية والوسيط الناجع للترويج لصورتها الجديدة. في تشرين الأول/ أكتوبر 1995، صدر الإعلان الرسمي عن إلغاء الرقابة على الصحافيين بموجب قرار أميري. واستكملت هذه الخطوة بخطوة ثانية تمثّلت في صدور قرار مجلس الوزراء الصادر في اجتماعه العادي العشرين، في عام 1996، القاضي بحلّ وزارة الإعلام والثقافة، وهو الأمر الذي تكرّس نهائيًا لاحقًا بصدور القانون رقم 5 عام 1998 القاضي بإلغاء وزارة الإعلام والثقافة وتوزيع اختصاصاتها30. وأسست قطر، في عام 1996، أهمّ ركيزة إعلامية من حيث النجاعة، قناة الجزيرة الفضائية، وهي القناة التي سرعان ما باتت ظاهرة في المشهد الإعلامي العربي والدولي، ما سمح بوضع قطر ضمن الدول المركزية في صناعة الحدث الإعلامي عربيًا ودوليًا، بعد أن كان صوتها محدود الصدى والتأثير. وقد تميزت قناة الجزيرة بطَرق الموضوعات الحية في الشارع العربي، متماهية مع تطلّعات الجماهير العربية31. وتمكنت قناة الجزيرة، في مدة وجيزة، من التحول إلى فضاء إعلامي للرأي والرأي الآخر، ومن ثم إلى منبر للمعارضين في مختلف البلدان العربية. وشكّل ذلك الصوت ضغطًا دائمًا على الحكومات التي لم تعُد قادرة على تجاهله32. ويجدر بنا التذكير هنا أن تواضع أداء وسائل الإعلام العربية قبل ظهور قناة الجزيرة دفع الكثير من النخب العربية المعرّبة في المشرق والمغرب العربيَيّن إلى التوجه إلى المصادر التلفزيونية والإذاعية الغربية الموجهة الناطقة باللغة العربية (مثل بي بي سي عربي، وإذاعة فرنسا الدولية، وصوت أميركا، وغيرها)، بينما كانت النخب ذات الخلفيات الثقافية الأنكلوسكسونية أو الفرنكفونية تتجه نحو القنوات الغربية الناطقة باللغات الإنكليزية والفرنسية لاستقاء ما تحتاج إليه من أخبار وتحليلات ومحتويات ثقافية.

  1. 29 Danyel Reiche, "Investing in Sporting Success as a Domestic and Foreign Policy Tool: The Case of Qatar," International Journal of Sport Policy and Politics , vol. 7, no. 4 (2015), p. 490.
  2. 30 كمال حميدو، "النظام الإعلامي في قطر: دراسة وصفية تحليلية لنشأة منظومة الإعلام القطرية، لمراحل تطورها ولآفاقها المستقبلية"، في: مدخل للاتصال والإعلام: دراسات في تطور النظم والنظريات وفنون التحري، كمال حميدو ومحمد الفاتح حمدي وعبد المطلب المكي (محررون) (عمّ ن: زمزم ناشرون وموزعون، 2022)، ص.419
  3. 31 ينظر: كمال حميدو، "الجزيرة والجمهور المهجري: حين تعيد الفضائيات تشكيل زمانية ومكانية الهوية والانتماء"، في: الجزيرة في عشرين عامًا: أثرها في الإعلام والسياسة والأكاديميا، عز الدين عبد المولى ونور الدين الميلادي (محرران) (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.)2016
  4. 32 Mohammed El-Oifi, "Le Qatar à l'heure de la diversification: Que faire d'Al-Jazira?" Le Monde Diplomatique , 5/9/2011, accessed on 22/7/2022, at: http://bit.ly/3F4HwJp

مع مرور الوقت، كرّست قناة الجزيرة وجودها في الساحة الإعلامية الإقليمية والدولية33، وجذبت إليها الانتباه في المنطقة العربية وفي العالم، بفضل تغطياتها المتفرّدة لمناطق الصراع والأزمات الدولية. وقد ساعدها في ذلك، خلال مرحلة صعودها دوليًا، طريقة نقلها وتغطيتها للحروب التي خاضها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، فضلً عن وقائع الحرب الأميركية على أفغانستان. وقد تمكّنت، بفضل خطّها التحريري المتميز من منافسيها، من نقل وقائع تلك الأحداث من المنظور العربي الإسلامي لا المنظور الغربي. لقد باتت قناة الجزيرة من أبرز الأدوات التي ساهمت بفاعلية لافتة في صنع السمة الوطنية لدولة قطر على المستوى الإقليمي (العربي) أولً، ثم على المستوى العالمي ثانيًا؛ إذ تمكنت من فرض اسم قطر سياسيًا وإعلاميًا. وقد تحولت لاحقًا إلى موضوع للاهتمام والدراسة حتى بين الباحثين والأكاديميين عبر العالم34. وتوسع تأثيرها في صنع السمة الوطنية القطرية أكثر حين تحولت إلى شبكة إعلامية عالمية تتشكل من العديد من الأقسام الناطقة بلغات أجنبية مختلفة، ومن هياكل بحثية أو تدريبية متنوعة، على غرار الجزيرة باللغة الإنكليزية، والجزيرة البلقان، والجزيرة مباشر، والجزيرة الوثائقية، والجزيرة أميركا (قبل غلقها لاحقًا في نيسان/ أبريل 2016)، ومعهد الجزرة للإعلام، ومركز الجزيرة للدراسات. وتعزز دور قناة الجزيرة الإخبارية بإنشاء قناة الجزيرة الرياضية في عام 2003 بوصفها أحد فروعها. وقد بدأت الجزيرة الرياضية عملها بقناة واحدة مختصّة ببثّ محدود ومفتوح لبعض مباريات الدوري الإسباني، في مسعى منها لفتح مجال متابعة الأحداث الرياضية الكبرى أمام المشاهد العربي. غير أنها اضطرّت إلى إدخال التشفير في باقاتها لاحقًا بجانب القنوات المفتوحة في عام 2005، بعد ضغوط مارستها عليها الشركة المالكة حقوق البث الحصرية للبطولة الإسبانية. وقد بررت هذا الطلب بأن القناة كانت تبثّ على نحو مفتوح على القمرين نايلسات وعربسات، وهما القمران اللذان يصل بثّهما إلى إسبانيا، ما تسبب في خسائر للشركة المالكة حقوق البث هناك. ونافست الجزيرة الرياضية، في سنواتها الأولى، على بثّ الأحداث الرياضة في العالم العربي مع كل من شركة إيه آر تي ART السعودية إلى أن استحوذت عليها الجزيرة الرياضة في عام 2009، ومع مؤسسة أبوظبي للإعلام، قبل أن تتمكن الجزيرة الرياضية من إزاحتها لاحقًا من المنافسة بشأن نقل الدوريات الأوروبية الكبرى35. وسرعان ما تطوّرت الجزيرة الرياضية ليصل عدد قنواتها إلى 12 قناة، هي: الجزيرة الرياضية للأخبار، والجزيرة الرياضية 1 الجزيرة، و الرياضية 2 الجزيرة الرياضية، و 1+الجزيرة الرياضية، و 2+الجزيرة، و الرياضية 3+الجزيرة الرياضية، و 4+؛ ثم قنوات الجزيرة الرياضية الخاصة بدوري أبطال أوروبا، هي: الجزيرة الرياضية HD الجزيرة، و الرياضية 5+الجزيرة الرياضية، و 6+الجزيرة الرياضية، و 7+، والجزيرة الرياضية 8+. وبذلك تكون قد ساهمت بدورها في بناء السمة الوطنية القطرية بجانب الجزيرة الإخبارية، عبر تأثيرها في شق آخر من جمهور الشاشة الصغيرة، وهو الجمهورُ الرياضي. وخلال تلك الفترة، لم تنصبّ جهود تنمية قطاع الإعلام في قطر، في إطار استراتيجية بناء سمتها الوطنية، على المقدّرات الموجهة إلى الخارج فحسب؛ فقد وضعت قطر نصب عينيها تطوير الإعلام الداخلي أيضًا، بتشجيعها القطاع الخاص على الاستثمار في إنشاء الروافد الإعلامية المحلّية وتنويعها؛ فشهدت الفترة 2019-1995 ظهور عدد من الوسائط الإعلامية، سواء في قطاع الصحافة المطبوعة أو الصحافة السمعية البصرية. ففي مجال الصحافة المطبوعة، ظهرت عدة إصدارات جديدة، منها ما هو باللغة الإنكليزية، مستهدفة شريحة الدبلوماسيين والمقيمين غير الناطقين باللغة العربية، على غرار جريدتي البننسولا The Peninsula في عام 1996، وقطر تريبيون Qatar Tribune في عام 2006، مع عدد من الدوريات باللغة الإنكليزية أيضًا، مثل قطر توداي Qatar Today وتي قطر، إضافة إلى عدد من الجرائد باللغة العربية، مثل العربي الجديد في عام 2014، ولوسيلفي عام 2016، فضلً عن المجلات مثل مجلة قطر اليومالصادرة باللغة العربية، ومجلة تي قطر في نسختها العربية، ومجلة البناء اليوم، ومجلة التقدم قطر. وشهدت تلك المرحلة بداية بثّ العديد من المحطات الإذاعية الجديدة، مثل إذاعة صوت الخليجفي عام 2002 في عام، وإذاعة صوت الريان 2007، ثم راديو مؤسسة قطر في عام 2009 (توقف في عام 2016)، ثم إذاعة كتارا في عام 2014. وشمل توسع قطاع الإعلام السمعي البصري أيضًا مجال البث التلفزيوني مع إطلاق قناة الجزيرة الرياضية في عام 2003، وقناة الكأس الرياضية في عام 2005، متبوعة بقناة الريان الفضائية في عام 2012، ثم قناة قطر اليوم، وهي قناة فضائية بدأت

  1. 33 نواف التميمي، الدبلوماسية العامة وتكوين السمة الوطنية: النظرية والتطبيق على نموذج قطر (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012)، ص 48، 85،.86
  2. 34 عز الدين عبد المولى وسارة نصر، دليل البحوث الأكاديمية حول الجزيرة 2011-1996 (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.)2013
  3. Tal Samuel-Azran, Yuval Karniel Amitl Lavie-Dinur, "Globalization and Social Justice in Sports Broadcasting: The Case of Al-Jazeera Sport," Television and New Media , vol. 15, no. 8 (2014), p. 726.

تبث من الأردن في عام 2013، ثم قناة جيالموجهة إلى الأطفال التي بدأت بثها في عام 2013، ثم قناة العربيذات النطاق الدولي التي بدأت بثّها من لندن في عام 2015 (انتقل مقرها إلى الدوحة في عام 2022). غير أن أهم طفرة شهدها المشهد الإعلامي القطري، وعززت قوّة إسهام الإعلام الرياضي على نحو ملموس في بناء سمة قطر الوطنية، هي تغيير مسمّى شبكة الجزيرة الرياضية إلى " بي إن سبورتس SPORTS BeIN في عام 2012، في إطار استراتيجية توسّعها عالميًا، مع ما تبع ذلك من تحول في الصورة الذهنية عن الشبكة36، وفي نسب مشاهدة الشبكة بمسمّ ها الجديد37. فبعد هيمنتها في منطقة العالم العربي، كان من الضروري العمل على منافسة الشركات العالمية الكبرى في عُقر دراها وباسم جديد محايد، يفتح أمامها باب العالمية ويسهّل عليها ولوج المنافسة مع القنوات والشبكات التي هيمنت فترة طويلة على حقوق بثّ الأحداث الرياضية الدولية الكبرى، مثل إي إس بي إن ESPN، وكنال بلس + Canal، و سكاي سبورتس Sky Sports. وقد جاء تغيير المسمّى في حدّ ذاته جزءًا من خطة لتغيير الصورة الذهنية المرتبطة بالقناة نفسها38، رغم ما حملته تلك الخطوة من مخاطر، خاصة أن الجزيرة الرياضية كانت قد فرضت نفسها وكسبت جمهورًا دوليًا، وكان من الممكن أَّلَّ يتقبّل هذا التغيير في اللوغو والهوية. وقد زاد الرواج العالمي الذي عرفته هذه الشبكة بمسماها الجديد من مستوى إسهام قطاع الإع ماا في الصورة الإيجابية عن قطر، خاصة بعد أن تمكّنت شبكة بي إن سبورتسمن الاستحواذ على تغطية أهم الفعاليات والبطولات الرياضية عالميًا، وتميّزها كذلك في إطلاق أقسام متخصصة لتغطية الأحداث الرياضية والدوريات المهمة، موجّهة إلى أهم المناطق الجغرافية والثقافية في العالم، على غرار بي إن سبورتس أستراليا BeIN Sports Australia، وبي إن سبورتس كندا BeIN Sports Canada، وبي إن سبورتس فرنسا BeIN SPORTS France، فضلً عن حضورها الآسيوي في كل من هونغ كونغ وإندونيسيا. وقد ساعد في زيادة انتشار الشبكة ورواجها استحواذُها على حقوق بث الدوري الإسباني، ثم على حقوق بث الدوري الإنكليزي الممتاز، ثم على حقوق بث الدوري الفرنسي؛ لتهيمن على السوق الفرنسية بقناة بي إن سبورتس فرنسا منذ عام 2012، وعلى السوق الأميركية بقناة بي إن سبورتس الولايات المتحدة الأميركية BeIN Sports USA منذ عام 2013، مع تغطية الشبكة أيضًا لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بقناة أطلقتها في عام 2014. وقد باتت الشبكة تعمل بالشراكة مع أكثر من خمس شركات و 60 قناة تبث بستّ لغات أخرى غير اللغة العربية في أكثر من 43 دولة، من أهمها الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والتركية39. كما تمكنت في إطار خطتها الاستراتيجية للتوسع العالمي من الاستحواذ على شبكة ديجي ترك Digiturk، وهي أكبر شبكة تلفزيونية مدفوعة في تركيا40. وشهدت هذه المرحلة أيضًا إطلاق خطوة سيادية مهمة في مجال تكنولوجيا الاتصالات الفضائية، غايتها ضمان الاستقلالية التكنولوجية في عمليات البث والإرسال؛ إذ أنشأت قطر الشركة القطرية للأقمار الصناعية "سهيل سات"41 في عام 2010، التي تولت مهمة وضع قمري "سهيل سات 1" و"سهيل سات 2" الصناعيين في مداريهما، في عامي 2013 و 2017، على التوالي؛ فضلً عن تسيير خدمات الأقمار الصناعية القطرية واستغلالها تجاريًا، على الصعيدين المحلي والدولي، وذلك بتوفير خدمات البث التلفزيوني والخدمات الاتصالية للشركات التجارية الحكومية والخاصة. وفي عام 2019، تعزز المشهد الإعلامي القطري بإنشاء منطقة حرة للإعلام تسمى المدينة الإعلامية، أريد لها أن تصبح قطبًا جاذبًا للاستثمارات الدولية في مجال تكنولوجيات الإعلام، ومركزًا رائدًا في مجال الخدمات الإعلامية وتدريب الكوادر الإعلامية، خاصة بعد الخبرة والسمعة اللتين باتت المؤسسات الإعلامية القطرية تحظى بهما عقب النجاحات التي حققتها شبكتا الجزيرة وبي إن سبورتس.

ثالثًا: الدبلوماسية الرياضية بصفتها رافدًا لسمة قطر الوطنية وعاملًا في بناء سمعتها الوطنية

تمتاز الفعاليات الرياضية الكبرى، خاصة بطولة كأس العالم لكرة القدم، بقوتها الإعلامية المستمدّة من شغف الجماهير العريضة بمتابعتها، ما يُضفي عليها طابعًا عالميًا ما فتئ يتزايد نطاقه أكثر فأكثر نتيجة العولمة، والعوائد التجارية الكبيرة التي تجنيها وسائل الإعلام

  1. 36 فاتح مجاهدي وحورية قارطي، "دراسة تأثير تغيير العلامة التجارية للجزيرة الرياضية إلىbeIN SPORTS على اتجاهات المستهلكين الجزائريين نحوها"، مجلة الإدارة والتنمية للبحوث والدراسات، العدد 9 (2016)، ص.225
  2. Our Story so Far," Al Jazeera , accessed on 22/7/2022, at: http://bit.ly/3VvIPGQ
  3. Reiche, p. 500.
  4. BeIN Media Group Provides the Greatest Show of All: A Fast Growing Audience Around the World", beIN Media Group , accessed on 22/7/2022, at: http://bit.ly/3F5h6Yb
  5. BeIN: A Leading Global Media Group," Brand Finance, 25/5/2022, accessed on 22/7/2022, at: http://bit.ly/3U9zQKi
  6. 41 " عن الشركة"، سهيل سات: الشركة القطرية للأقمار الصناعية، شوهد في 2022/7/22، ف:ي http://bit.ly/3Vbi8Yc

وشركات الإعلانات. وقد أدركت الحكومات أن هذه الفعاليات باتت حقلً وأداةً للنفوذ السياسي، في الوقت نفسه، الداخلي والخارجي، ومج لً لممارسة الدبلوماسية العامة بهدف تحسين الصورة. ومع تزايد الاهتمام بالتوظيف السياسي للرياضة في التسويق الخارجي لسمات الدول الوطنية، تطور مفهوم جديد يعبّ عن التداخل بين السياسي والرياضي، هو مفهوم الدبلوماسية الرياضية، التي اتسع نطاقها من مسار ثنائي الأطراف، بين دولتين أو قطبين، إلى مسار علاقات عامة بين دولة ومتلقيّن متنوعين من دول أخرى وشعوب ومنظمات دولية. يمكننا تعريف الدبلوماسية الرياضية بأنها "استخدام الرياضيين والأحداث الرياضية للمشاركة والإعلام وخلق صورة ملائمة عند الجماهير والمنظمات الأجنبية، من أجل تشكيل تصوراتهم بطريقة تفضي (أكثر) إلى تحقيق أهداف السياسة الخارجية للحكومة المعنية"42. وتسعى دبلوماسية قطر الرياضية إلى تحقيق ثلاث غايات في إطار استراتيجيتها شكل يوضح أهداف دبلوماسية قطر الرياضية والأدوات المسخّرة لتحقيق غاياتها

  1. Stuart Murray, "Sports Diplomacy in the Australian Context: A Theory within Strategy," Politics and Policy , vol. 45, no. 5 (2017), p. 845. المصدر: من إعداد الباحث.

لبناء السمة الوطنية والتسويق لها، هي: 1. تغيير الصورة السلبية الشائعة عن الدولة خاصة لدى الدول الغربية وشعوبها، 2. بناء سمعة جديدة لقطر بوصفها دولة طموحة لها نظرة مستقبلية واضحة الأهداف والوجهة، 3. خلق عوامل تفرّد قطر في محيطها الإقليمي والدولي وإبرازها (الشكل). وأدت الدبلوماسية الرياضة دورًا محوريًا في سياسة قطر الخارجية منذ أن رسمت الملامح الأولى لاستراتيجيتها الخاصة ببناء السمة الوطنية والتسويق لها. وقد بُنيت على ثماني ركائز أساسية، هي: 1. تكثيف الانخراط الفعال في الهيئات والروابط الرياضية الدولية في مختلف الرياضات، 2. بناء القدرات الإعلامية في المجال الرياضي لجعل قطر ضمن الدول المركزية في هذا المجال، 3. تعزيز الحضور المستمر في الأجندات الرياضية عبر تكثيف التنظيم الناجح للفعاليات الرياضية الكبرى دوليًا وإقليميًا، 4. بناء المنشآت الرياضية الكبرى المتميزة تكنولوجيًا والصديقة للبيئة، وافتتاح منشآت صحية مبتكرة للخدمات الصحية للرياضيين، 5. الاستثمار التجاري في الفرق الرياضية العالمية، 6. رعاية الروابط الرياضية الدولية والفعاليات الرياضية الكبرى لضمان وجود اسم قطر في الميادين الرياضية من خلال شركاتها التجارية الراعية،.7 توظيف الشخصيات الرياضية الكبرى سفراءَ يخدمون غايات دبلوماسية قطر الرياضية، 8. بناء القدرات البشرية الرياضية لحمل الراية القطرية في المناسبات الرياضية العالمية والإقليمية. وقد جاءت هذه الركائز متكاملة في أدائها، بحيث يخدم كل واحد منها بُعدًا من أبعاد دبلوماسية قطر الرياضية؛ فخطط تكثيف الانخراط في الهيئات والروابط الرياضية الدولية، مثلً، تهدف إلى بناء النفوذ القطري فيها لتسهيل الحصول على التزكيات اللازمة للفوز بتنظيم الفعاليات الرياضية المخطط استضافتُها، فضلً عن تطوير ممارسة مختلف الرياضات ونشرها في البلاد. وقد نجحت قطر، إلى حد بعيد، في هذا المسعى؛ إذ استضافت ما يناهز 500 فعالية رياضية دولية43 متفاوتة الأهمية منذ عام 2005، وما يزيد على 56 فعالية رياضية كبرى (عالمية) في مختلف الرياضات بين عامي 1995 و 2021 (الجدول 2). أما مسعى قطر لبناء القدرات الإعلامية الرياضية فيهدف إلى بعث بنية تحية إعلامية قوية لإرساء صناعة إعلامية متميزة دوليًا، ما من شأنه أن يضمن لها حضورًا مستمرًا بين الدول المركزية المؤثرة إعلاميًا في مجال الرياضة، فضلً عن تجسيد صورة رياضية حيوية عن قطر، وخاصة أنها الدولة الوحيدة في العالم التي خصصت إجازة سنوية لممارسة الرياضة منذ عام 2012. وتتمثل هذه الإجازة، وهي مدفوعة الأجر، في اليوم الرياضي الوطني الذي يعرف كل سنة تنظيم فعاليات رياضية ضخمة، تُ ارَس خلاله أنشطة رياضية مختلفة تحظى بتغطية إعلامية كبيرة. في حين أن مسعى الحضور المستمر في الأجندات الرياضية يلبي حاجتين أساسيتين، هما: بيان قدرة العقل القطري على التنظيم المتميز للفعاليات الرياضية العالمية الكبرى، وخلق عوامل التسويق الإعلامي للسمة القطرية من خلال الترويج الإعلامي المرتبط تلقائيًا بنقل تلك الفعاليات الرياضية على نطاق عالمي عبر مختلف وسائل الإعلام القطرية والدولية. ويشمل تنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى، أيضًا، الاستضافة المنتظمة للمؤتمرات الرياضية بحضور الشخصيات والرموز الرياضية الدولية، على غرار منتدى الدوحة الرياضي الدولي الذي أطلق في عام 2006، والذي يجمع سنويًا مئات الأكاديميين والرياضيين والفاعلين في المجال، لمناقشة دور الرياضة في التقدم الاقتصادي والاجتماعي. بينما يأتي بناء المنشآت الرياضية الكبرى المتميزة تكنولوجيًا والصديقة للبيئة لتعزيز البنية التحتية القطرية في المجال الرياضي أولً، ثم لبيان قدرة العقل القطري على بناء منشآت متفردة تكنولوجيًا من حيث الوسائل المبتكرة المستخدمة، واحترامها المعاييرَ البيئيةَ الدولية، مع وضع قطر ضمن قائمة الدول الرائدة في مجال ابتكار المنشآت الصحية المتميزة من حيث مستوى الخدمات المقدّمة في مجال الصحة الرياضية، خاصة من خلال مشروع "أسبيتار"، الذي اعتمده الاتحاد الدولي لكرة القدم مركزًا للتميّز الطبي على مستوى العالم44. من جهة أخرى، يلبي الاستثمار التجاري في الفرق الرياضية العالمية الحاجة إلى ضمان استمرارية دخول السمة الوطنية إلى بيوت المشاهدين عبر العالم، من خلال جعل الميادين الرياضية نفسها وسائط إشهارية للعلامة القطرية بمختلف مكوناتها. وقد أوكلت هذه المهمة أساسًا إلى شركة قطر للاستثمارات التي أنشئت في عام 2005، وهي شركة تابعة لجهاز قطر للاستثمار QIA الذي استحوذ على جميع أسهم فريق باريس سان جرمان في عام 2012. كما تخدم رعاية الروابط الرياضية والفعاليات الرياضية الكبرى مطلبَ ضمان استمرار وجود اسم قطر في الميادين الرياضية من خلال شركاتها التجارية الراعية لمختلف الفعاليات الرياضية. وفي هذا الإطار، وقّعت شركة الخطوط الجوية القطرية عقدًا طويل الأمد مع الاتحاد الدولي لكرة القدم، يقضي برعاية الشركة مسابقاته وبطولاته المختلفة بين عامي 2018 و 2022. كما تمكنت "مؤسسة قطر" والخطوط الجوية

  1. 43 " الرياضة في دولة قطر"، مكتب الاتصال الحكومي، شوهد في 2022/7/22، في: http://bit.ly/3u0NLb5
  2. 44 المرجع نفسه. المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: باسكال بونيفاس، "الدبلوماسية الرياضية لدولة قطر والقوة الناعمة"، ورقات تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، 2013/10/1، شوهد في 2022/7/22، في: http://bit.ly/3V3JBuN؛ "الرياضة في دولة قطر"، مكتب الاتصال الحكومي، شوهد في 2022/7/22، في: http://bit.ly/3u0NLb5؛ "منذ تأسيس اللجنة الأولمبية في 1979: إنجازات بارزة للرياضة القطرية"،، 2019/2/25، شوهد في 2022/7/22، في: http://bit.ly/3F3zLUc؛ الشرق Danyel Reiche, "Investing in Sporting Success as a Domestic and Foreign Policy Tool: The Case of Qatar," International Journal of Sport Policy and Politics , vol. 7, no. 4 (2015).

الجدول (2) أهم الفعاليات الرياضية التي احتضنتها دولة قطر منذ ولوجها مجال الدبلوماسية الرياضية

اسم الفعاليةالسنةاسم الفعاليةالسنة
كأس العالم فيفا لأقل من 19 سنة1995بطولة العالم للدراجات على الطرق2016
كأس أمم آسيا لكرة القدم تحت 16 سنة1998بطولة العالم الفردية الثانية للبولينغ2016
بطولة العالم لتنس الطاولة2004بطولة العالم للشطرنج السريع والخاطف (رجال وسيدات)2016
بطولة العالم لرفع الأثقال2005بطولة قطر إكسون موبيل للتنس2016
الألعاب الآسيوية2006بطولة قطر العالمية المفتوحة للغولف2016
كأس العالم للترياتلون2006بطولة كأس العالم للسباحة2017
البطولة الآسيوية للألعاب الرياضية داخل القاعة2008بطولة العالم للبلياردو (9) كرات2017
بطولة العالم للأندية في الكرة الطائرة للرجال2009كأس العالم للجمباز الفني2017
بطولة العالم للأندية في الكرة الطائرة للرجال والنساء2010بطولة الدوري الماسي لألعاب القوى2017
البطولة العالمية للألعاب الرياضية داخل القاعات2010كأس العالم للسباحة "فينا"2017
الألعاب العربية2011بطولة العالم لكرة اليد سوبر غلوب2017
بطولة العالم للأندية في الكرة الطائرة للرجال والنساء2011بطولة العالم للجمباز الفني2018
كأس أمم آسيا لكرة القدم2011الجولة العالمية المفتوحة للكرة الطائرة الشاطئية2018
بطولة "غلوبال تور" للفروسية2012البطولة الرباعية الدولية لمنتخبات الشباب لكرة القدم2018
الدوري الماسي لألعاب القوى2012بطولة كأس ديفيز للتنس2018
البطولة العالمية للإسكواش2012كأس العالم للجمباز الفني2018
بطولة العالم للأندية في كرة اليد2012بطولة العالم لألعاب القوى2019
بطولة كأس العالم للسباحة2012دورة الألعاب العالمية الشاطئية لاتحاد اللجان الأولمبية
الوطنية
2019
البطولة العالمية للتنس للرجال2012كأس العالم للأندية لكرة القدم2019
كأس ديفيد للتنس2013بطولة كأس ديفيز للتنس2019
بطولة العالم للبلياردو (9) كرات2013كأس العالم للجمباز الفني2019
جائزة الدوحة الكبرى للدراجات الهوائية2013بطولة قطر كلاسيك للإسكواش2020
بطولة العالم السادسة والثلاثون للإسكواش2014دوري أبطال آسيا لدول غرب القارة2020
بطولة العالم العسكرية السابعة والأربعون للشراع2014بطولة كأس العرب فيفا 20212021
بطولة قطر الدولية المفتوحة للكرة الطائرة الشاطئية2014بطولة العالم لسباقات الفورمولا 12021
بطولة العالم لكرة اليد2015مباراة السوبر الأفريقي2021
الدوري الماسي لألعاب القوى2015منافسات الجولة الثالثة من بطولة كأس العالم للسباحة2021
بطولة العالم للملاكمة2015بطولة العالم للبادل للرجال والسيدات2021

بطولة العالم للملاكمة 2015 بطولة العالم للبادل للرجال والسيدات 2021

القطرية من الظفر بامتياز رعاية قميص برشلونة الإسباني بين عامي 2011 و 2017. ويتعزز الجهد التسويقي للعلامة القومية القطرية بتوظيف الرّموز الرياضية الكبرى، على غرار المدرب الإسباني بيب غوارديولا الذي عُيّ سفيرًا لملف قطر لتنظيم بطولة كأس العالم 2022، تلاه التعاقد مع اللاعب الفرنسي زين الدين زيدان الذي عُيّ سفيرًا للترويج للملف، ثم اللاعبين غابرييل باتيستوتا ورونالد دي بوير وروجيه ميلا وسامي الجابر ونايمار دا سيلفا، وذلك بتمويل من مؤسسة "قطر للاستثمار الرياضي". وقد جرى التعاقد مع هؤلاء وغيرهم بوصفهم سفراءَ مؤثرين في العالم، من أجل زيادة التأثير الإعلامي المرتبط بغايات دبلوماسية قطر الرياضية. أما بناء القدرات الرياضية البشرية، فقد اهتمت بها قطر من منطلق رؤيتها القائمة على ضرورة تطوير العنصر البشري أساسًا لعملية التنمية، ليتحول العامل البشري أيضًا إلى رافد مهم من روافد التسويق لعلامة قطر الوطنية ونجاحاتها. وقد أنشأت قطر لهذا الغرض العديد من الأكاديميات المحلّية، على غرار أكاديمية "أسباير"، وجلبت لها أفضل المؤطّرين العالميين من أجل تأهيل الرياضيين القطريين في مختلف الرياضات لكي ينافسوا على المراتب الأولى في مختلف المنافسات الدولية. ويأتي هذا الاهتمام استجابةً لمطلب رفع العلم القطري في المناسبات الرياضية الإقليمية والعالمية، لما في ذلك من دلالة رمزية على التفوق إقليميًا وعالميًا، ووجاهة الاستثمارات الضخمة من حيث عوائدها الرياضية، ثم دور كل ذلك في زيادة الشعور بالفخر والانتماء الوطنيَيّن محليًا. وقد نجح العديد من طلاب تلك الأكاديميات الرياضية وخرّيجيها في رفع العلم القطري على منصّات التتويج، على غرار معتز عيسى برشم، وأشرف السيفي، وأبو بكر حيدر، وعبد الله التميمي، وباسم حميدة، ومعاذ إبراهيم، وأواب بارو، وغيرهم.

رابعًا: كأس العالم لكرة القدم فيفا 2022 بصفته محركًا تنمويًا وواجهةً لتسويق سمة قطر الوطنية

لم يحظَ أي إعلان عن الفائز بشرف تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم بجدل وصخب إعلاميَيّن مثلما حظي به الإعلان في عام 2010 عن فوز قطر بحق تنظيمها عام 2022. وقد زاد من حدة الجدل حينها أن الدولة الفتية فازت بحق التنظيم على حساب أربع بلدان كان من المتوقع أن تفوز إحداها، هي: الولايات المتحدة وأستراليا وكوريا الجنوبية واليابان. ولم يكن مصدر هذا الجدل ليخلوَ من الأحكام المسبقة عن قطر، الدولة الصغرى ذات الخلفية الثقافية العربية الإسلامية، والإمارة الخليجية الشرق أوسطية التي تستضيف أكبر تجمّع عالمي في كرة القدم45. فبمجرد الإعلان الرسمي عن القرار، بدأت حملات إعلامية غربية تستنكره وتشكك في صوابه. وثمة من يذهب إلى أن تلك الحملات كانت مدفوعة من أطراف من الدول المنافسة، وقد ركزت على اتهامات مزعومة برشوة أعضاء لجنة الفيفا التنفيذية لكي يصوتوا لصالح ملف قطر46. وتنوعت الحجج، لاحقًا، لتركز تارة على المناخ الصعب في منطقة صحراوية رطبة في الصيف، وتارة أخرى على سلبيات نقل الحدث من الفترة الصيفية إلى الفترة الشتوية، لتتلوها بعد ذلك انتقادات مرتبطة بإساءة معاملة العمال المهاجرين في قطر، وبقضايا حقوق الإنسان عامة.

وكان لهذه الحملات نتائج عكسية على خلاف الأغراض التي شُنَّت من أجلها، فبقدر ما انتقصت من مشروعية فوز قطر باستضافة البطولة، ساهمت إلى حد بعيد في التعريف بالدولة وتسليط الضوء عليها، خاصة أن أغلب الشعوب الغربية لم تكن تعرف سوى القليل حتى عن موقع قطر الجغرافي، فضلً عن خصائصها التاريخية والثقافية. وعلى الرغم من تلك الحملات، مضت قطر بخطى ثابتة في استعداداتها لتنظيم الفعالية العالمية، وحولت تلك الانتقادات

  1. Jonathan Grix Paul Michael Brannagan, "Of Mechanisms and Myths: Conceptualising States' 'Soft Power' Strategies through Sports Mega-Events," Diplomacy and Statecraft , vol. 27, no. 2 (2017), p. 264.
  2. Reiche, p. 500.

إلى تحديات يجب عليها التعامل معها، إما تنظيميًا، أو تشريعيًا، أو تكنولوجيًا، أو إعلاميًا؛ واتخذت منها محركاتٍ للعمل على تغيير صورتها الوطنية في العالم. لم يعدّ صناع القرار القطريون رهان تنظيم بطولة كأس العالم الغاية الأسمى في حد ذاتها، بل أداة لتسريع عملية التنمية والتغيير، وأداة للتعبئة المحلية والتأثير في جميع الفاعلين، سواء أكانوا موظفين حكوميين أم مواطنين أم مقيمين فاعلين في المجتمع المدني. وقد جاءت جميع التغييرات والإصلاحات المرتبطة بتنظيم البطولة موائمة في طبيعتها وغاياتها لأهداف رؤية قطر الوطنية 2030 وغاياتها، ما جعل جميع المشاريع التي أطلقت في إطارها جزءًا لا يتجزأ من عملية التنمية الشاملة التي خططت قطر لتحقيقها، على نحو يسمح لها ب "ضرب عصفورين بحجر واحد": بناء السمعة والترويج لها من خلال الفرص التي يتيحها لها تنظيم البطولة من جهة، وبناء مقومات التنمية الدائمة من جهة أخرى، لا من منظور اقتصادي مادي فحسب، بل من منظور اجتماعي وثقافي أيضًا. بلغ الإنفاق الأسبوعي لإتمام بناء منشآت استضافة البطولة نصف مليار دولار، بإجمالي قُدّر ب 200 مليار دولار مخصص لجميع الأشغال. مع الإشارة إلى أن ذلك الاستثمار تضمّن في الوقت نفسه المخصصات المالية لبناء "البنية التحتية الحقيقية"؛ إذ شملت تلك الميزانية أيضًا الهياكل التنموية الدائمة من طرق سريعة، وخطوط سكك حديدية، وموانئ، ومطارات، وفنادق، ومستشفيات47، وغيرها. وهو ما يبرز التكامل الموجود بين خطط البنية التحية وأشغالها لبطولة كأس العالم 2022 وخطط التنمية الوطنية في إطار رؤية قطر الوطنية 2030. على صعيد آخر، راعت دولة قطر أن تشتمل جميع خطوات استعدادها لاستضافة البطولة على قرارات تحمل دلالات رمزية قوية في معانيها على المستويات الاجتماعية والسياسية والتشريعية، متضمنة أفع لً إصلاحية تهدف من جهة إلى تكييف التشريعات المحلية مع المعايير الدولية لتقليص المآخذ التي يمكن أن تُستغلّ ضدها إعلاميًا، وتهدف من جهة أخرى إلى تحقيق تغير اجتماعي إيجابي داخل المجتمع القطري. على الصعيد القانوني، أطلقت قطر عدة مبادرات إصلاحية جوهرية في مجال حقوق الإنسان، كان أهمها القانون رقم 17 لعام 2020 بشأن تحديد الحد الأدنى لأجور العمال والمستخدمين في المنازل، والقانون رقم 19 لعام 2020 الخاص بتعديل بعض أحكام القانون رقم 21 لعام 2015 الخاص بتنظيم دخول الوافدين وخروجهم وإقامتهم. كما شملت تلك المبادرات أيضًا تعزيز الترسانة القانونية الخاصة بحماية حقوق الإنسان والحريات العامة في دولة قطر، خاصة مع صدور القانون الخاص بتوسيع صلاحيات اللجنة القطرية لحقوق الإنسان ومنحها استقلالية في العمل عن أي نفوذ حكومي. وتزامنت تلك الخطوات مع تكثيف الفعاليات والأنشطة المجتمعية الهادفة إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان بين أفراد المجتمع القطري. كما تعززت بإنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 15 لعام 2017، ثم بموجب انضمام قطر إلى العهدين الدوليين لحقوق الإنسان في عام 2018؛ أي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع ما يترتب على ذلك من تعهّد بالتكفل بجميع تلك الحقوق، والتزام دولة قطر بتقديم تقارير عما تسنّه من تشريعات وإجراءات تنفيذًا لتلك التعهّدات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن انضمام الدولة إلى أي من العهدين يلزمها بجعل نصوصهما جزءًا من قوانينها وتشريعاتها، مع وجوب الرجوع إلى تلك النصوص عند كل تشريع أو إجراء قضائي، فضلً عن مختلف الإجراءات المرتبطة بعمل المؤسسات الإدارية. وتقوم قطر، في إطار عضويتها في مجموعة "أصدقاء تحالف الحضارات" التابعة للأمم المتحدة، بدور فاعل في مساعي التقريب بين الشعوب والحضارات، وذلك من خلال حملات مستمرة للتوعية والتعريف بأهداف تحالف الحضارات، خاصة منها تلك التي تهدف إلى نشر قيم التسامح ونبذ العنف، وتقليص الهوَّة الثقافية بين الحضارات، وكذا تلك التي تهدف إلى بناء مجتمع إنساني تسوده قيم العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان. كما تحرص قطر، في السياق نفسه، على اتخاذ إجراءات تشريعية تهدف إلى صون حقوق المرأة وتضمن لها حقوق المشاركة السياسية، فضلً عن اتخاذ العديد من الإجراءات لصون حقوق الطفل، وأخرى لضمان حقوق المعوقين وتمكينهم مهنيًا واجتماعيًا. وقد واكبت هذه الخطوات القانونية خطوات أخرى ذات أبعاد سياسية ودلالات تتصل في رمزيتها بالديمقراطية، تمثّلت في تغيير آلية تعيين مجلس الشورى القطري المؤلف من 45 عضوًا بقرار أميري صدر في عام 2021، والذي بموجبه بات ثلثا أعضاء المجلس يُنتخبون عن طريق الاقتراع العام السرّي، بعد أن كان أعضاؤه يعيَّنون بالكامل من السلطة التنفيذية48. وتأتي هذه الخطوة على مسار تحقيق الفصل بين السلطات بجعل السلطة التشريعية مستمدة من الإرادة العامة

  1. 47 هاني زقوت، "استثمارات قطر الرياضية: قوة ناعمة ضمن رؤية 2030 "، الخليج أونلاين، 2020/1/20، شوهد في 2022/7/22، في: http://bit.ly/3GPjX8W
  2. 48 " قانون رقم (7) لسنة 2021 بشأن مجلس الشورى"، الميزان: البوابة القانونية القطرية، 2021/7/29، شوهد في 2022/7/22، في: http://bit.ly/3XzLCR7

وممثّلة لها، إضافة إلى توسيع نطاق المشاركة الشعبية بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030، وبما يعكس روح الدستور القطري لعام 2004. وتشكّل هذه الخطوة تأسيسًا لثاني تجربة في تاريخ مشاركة الشعب القطري في الحياة السياسية عن طريق الاقتراع، بعد فتح المجال للانتخابات البلدية بقانون 199849. فضلً عَّمَّ سبق ذكره، حرصت قطر على الوفاء بالتزامات رمزية أخرى قطعتها في ملف ترشحها لاستضافة بطولة كأس العالم، مثل مراعاة متطلبات التنمية المستدامة في عمليات الإنشاء والتقليل من الانبعاثات الغازية في مرحلة الإنشاء وخلال استضافتها للبطولة وبعدها؛ وذلك بتوظيف تكنولوجيات مبتكرة تستخدم المواد والبدائل الصديقة للبيئة إلى أقصى حد ممكن. وقد تحقق ذلك بفضل نجاحها في تجهيز الملاعب التي شيّدت لاحتضان المباريات بأنظمة تبريد قليلة الانبعاثات الكربونية، طُوِّرت محليًا خصّيصًا لهذا الغرض50. وتسعى قطر أيضًا إلى الوفاء بالتزامها بالتقليل من الانبعاثات الغازية الناتجة من استخدام السيارات ووسائل النقل الملوّثة خلال فعاليات البطولة، وذلك عبر توفير العديد من الحلول النظيفة البديلة، مثل شبكة مترو الدوحة، وشبكات الترامواي، والحافلات الموفرة للطاقة، إضافة إلى المسارات المتصلة التي بُنيت خصّيصًا للدراجات الهوائية والدراجات اللوحية الإلكترونية (سكوتر)، في مناطق مختلفة من مدينة الدوحة وبقية المدن الأخرى.

خاتمة

طرحت هذه الدراسة أربعة أسئلة بحثية، وحاولت الإجابة عنها بناءً على تحليل الاستراتيجية القطرية لبناء السمة الوطنية والتسويق لها، عبر توظيف الرياضة والإعلام بوصفهما مكونين رئيسين من مكونات بناء السمة الوطنية من جهة، وأداتين من أدوات التسويق لها من جهة أخرى. وتبيّ من تحليل مسار بناء سمة قطر الوطنية وجود مؤشرات قوية سعت هذه الدراسة لرصدها، وهي لا تدلّ على وجود مقوّمات حقيقية استندت إليها الدولة في وضع استراتيجية بناء سمتها القومية منذ وضع أسسها الأولى في منتصف تسعينيات القرن العشرين فحسب، بل تدلّ أيضًا على اتّباع خطوات مدروسة الوسائط والأهداف، اجتمعت فيها الشروط الثلاثة التي ذكرها سيمون أنهولت، هي: ضرورة انتهاج استراتيجية محددة المعالم، ثم ضرورة وجود جوهر يشكل أساسًا لها في عملية البناء، ثم تحديد الإجراءات والخطوات الرمزية المرافقة لمسار البناء. كما بيّنت الدراسة وجود استراتيجية متكاملة الأركان، تعكس وجود رؤية عن الموقع الذي سعت قطر لبلوغه إقليميًا وعالميًا، جوهرها الرؤية الرؤية الإصلاحية للشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وهي مستمدة من استراتيجية التنمية الوطنية الأولى (2016-2011)، ومن استراتيجية التنمية الوطنية الثانية (2022–2018)، ثم من رؤية قطر الوطنية 2030. ورافقت هذه الخطوات الإصلاحية قراراتٌ حملت رمزيات قوية في دلالاتها، بهدف إحداث التأثير محليًا وعالميًا. وخلصت الدراسة إلى أن عملية بناء سمة قطر الوطنية تتوفر على الأركان التي حددها كيث ديني في نموذجه المتضمن عناصر السمة الوطنية، من اختيار اسم العلامة، وتحديد رمز التعبير عنها، وبناء الرؤية التي تقوم عليها، وتحديد السمات المرتبطة بها، واختيار السلوكيات والأنشطة المتكررة المرتبطة بها، وتحديد نطاق العلامة الرمزي، واختيار الخصوصيات المميِّزة التي تجعلها متفردة، وتحديد السردية التاريخية التي تقوم عليها، وتحديد حاملها الأيديولوجي. كما تبين الدراسة كيف يؤدي الإعلام والرياضة دورًا محوريًا مزدوجًا في استراتيجية بناء سمة قطر الوطنية، فهما أولً مركّبان من مركّبات هذه السمة، كما أنهما حاملان من حوامل نقل السمة والترويج لها. وقد رأينا كيف أن مسار تشكيل مقوّمات التأثير الإعلامية بدأ بخطوات بسيطة تمثّلت في إطلاق قناة الجزيرة الإخبارية، ثم قناة الجزيرة الرياضية، قبل أن تفضي إلى بناء إمبراطورية إعلامية قوية، باتت تمنح قطرَ نفوذًا عالميًا في مجالي الإعلام العام والإعلام الرياضي. وقد اعتمدت استراتيجية قطر الإعلامية على خطة توسع طموحة، أخرجت الجزيرة من نطاقها الإقليمي إلى نطاق عالمي، وجعلت من شبكة بي إن سبورتسلاعبًا مركزيًا في العالم في مجال تغطية الأنشطة الرياضية والبطولات الكبرى. وتبين الدراسة أيضًا كيفية مساهمة استثمار قطر في الرياضة والتغطية الإعلامية للفعاليات الرياضية الكبرى، التي تنظمها أو ترعاها، في استغلال صداها العالمي في التسويق لسمتها الوطنية. وهي بذلك إنما تحوّل الحدث في حد ذاته إلى أداة للإعلام والترويج. وتلفت الدراسة الانتباه إلى الكيفية التي تستغل بها قطر فترة ما قبل بطولة كأس العالم بوصفها محركًا داخليًا لتحقيق مقومات البناء والتنمية أولً، ثم واجهةً لتسويق سمتها ثانيًا، خاصة بعد أن باتت محط اهتمامٍ لكثير من وسائل الإعلام العالمية. ويتضح أن قطر استخدمت التحضير لاستضافة البطولة برمتها أداةً للتنمية والتسويق في آن معًا، جرى فيه

  1. 49 " قانون رقم (12) لسنة 1998 بتنظيم المجلس البلدي المركزي"، الميزان: البوابة القانونية القطرية، 1998/7/18، شوهد في 2022/7/22، في: https://bit.ly/3GOdX01
  2. 50 ابتكر مهندسون في جامعة قطر نظامًا يستخدم فيه تبريد الهواء الخارجي من خلال مراوح التكييف التي تعمل بالطاقة الشمسية، تدخل الهواء البارد إلى الملعب من خلال فتحات في المدرجات وفوهات كبيرة صمّمت في الملاعب لهذا الأمر على نحو خاص.

توظيف الإعلام والدبلوماسية الرياضة بوصفهما قاطرتين للولوج في الفضاء العام الدولي والتأثير فيه بما يخدم بناء سمتها الوطنية. كما يتضح أن الأهداف، بما في ذلك الإصلاحات، التي خططت لها الدولة إنما وضعت، على نحو خاص، لأداء وظيفة محددة، سواء ضمن آلية عمل دبلوماسية قطر الرياضية، أو ضمن استراتيجيتها الإعلامية الهادفة إلى بناء السمة الوطنية والتسويق لها من أجل تغيير الصورة السلبية عنها ورسم صورة إيجابية مغايرة، بوصفها دولة عصرية لها جذورها التي تمنحها خصوصياتها الثقافية والتاريخية المتفردة، من دون أن تمنعها تلك الخصوصيات من الانفتاح على العالم. مع كل ما تحقق في بناء قطر سمتها الوطنية والتسويق لصورتها الإيجابية، من خلال الدبلوماسية العامة المبنية على الإعلام والرياضة، سواء بوصفها وجهة رياضية أو دولة مؤثرة، أو وجهة سياحية جديدة، فإنها لا تزال تواجه تحديات مهمة تستدعي التعامل معها في سبيل ضمان استدامة سمتها الوطنية والصورة الذهنية الإيجابية عنها، وفي سبيل ضمان استدامة عوائد الاستثمار خاصة بعد انتهاء فعاليات بطولة كأس العالم. ويكمن التحدي الأكبر في نظرنا في تعزيز القدرة على الاستمرار في تغذية جهود بناء السمة الوطنية بالمدخلات التي تضمن للبلاد تحقيق المخرجات المرجوة دوليًا. وقد يكون خيار الاستمرار في النهج الإصلاحي الحداثي مطلبًا ضروريًا لتحقيق تلك الاستمرارية، على الرغم ممّ قد يتطلبّه ذلك أحيانًا من قرارات أقوى من حيث دلالاتها الرمزية. فالسمة الوطنية والصورة الذهنية التي تُبنى عن الدول ليست أبدية، وقد تهتز بمجرد تأجيج جماعات ضغط أو وسائل إعلام مناوئة حملات قد تستغل ما يمكن أن تقبض عليه من أوجه قصور وتوظّفها إعلاميًا ضدها. وهنا، تبرز أهمية استشراف المخاطر والتهديدات على السمة الوطنية والصورة الذهنية المرتبطة بها، فضلً عن أهمية الاعتناء بإطلاق المبادرات المبتكرة وسن التشريعات التي تكرّس صورة عن قطر بوصفها دولة مبتكرة، منفتحة على العالم، قادرة على تعزيز عوامل جذب السيّاح والمستثمرين والمبتكرين. وهذا كفيل بإسباغها سمات التفرّد عن غيرها من منافسيها في محيطها الإقليمي.

المراجع

العربية

بونيفاس، باسكال. "الدبلوماسية الرياضية لدولة قطر والقوة الناعمة". ورقات تحليلية. مركز الجزيرة للدراسات. 2013/10/1. في: http://bit.ly/3V3JBuN التميمي، نواف. الدبلوماسية العامة وتكوين السمة الوطنية: النظرية والتطبيق على نموذج قطر. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2012 الجزيرة في عشرين عامًا: أثرها في الإعلام والسياسة والأكاديميا. عز الدين عبد المولى ونور الدين الميلادي (محرران). الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ ب وررت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2016 عبد المولى، عز الدين وسارة نصر. دليل البحوث الأكاديمية حول الجزيرة 2011-1996. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2013 "قانون رقم (12) لسنة 1998 بتنظيم المجلس البلدي المركزي". الميزان: البوابة القانونية القطرية. 1998/7/18 في:. https://bit.ly/3GOdX01 "قانون رقم (7) لسنة 2021 بشأن مجلس الشورى". الميزان: البوابة القانونية القطرية. 2021/7/29:. في http://bit.ly/3XzLCR7 مجاهدي، فاتح وحورية قارطي. "دراسة تأثير تغيير العلامة التجارية للجزيرة الرياضية إلىbeIN SPORTS على اتجاهات المستهلكين الجزائريين نحوها". مجلة الإدارة والتنمية للبحوث والدراسات. العدد).2016(9 مدخل للاتصال والإعلام: دراسات في تطور النظم والنظريات وفنون التحرير. كمال حميدو ومحمد الفاتح حمدي وعبد المطلب المكي )محررون). عمّ ن: زمزم ناشرون وموزعون،.2022

الأجنبية

Amara, Mahfoud. "The Pillars of Qatar's International Sport Strategy." E-International Relations (2013). at: http://bit.ly/3EJmizo Anholt, Simon. Places: Identity, Image and Reputation. New York: Palgrave Macmillan, 2010.

________. "Beyond the Nation Brand: The Role of Image and Identity in International Relations." Exchange: The Journal of Public Diplomacy. vol. 2, no. 1 (2013). Aronczyk, Melissa. "' Living the Brand': Nationality, Globality, and the Identity Strategies of Nation Branding Consultants." International Journal of Communication. vol. 2 (2008). Bannister, Jim P. John A. Sanders. "UK Consumers' Attitudes Towards Imports: The Measurement of National Stereotype Image." European Journal of Marketing. vol. 12, no. 8 (1978). Bolin, Göran & Per Ståhlberg. "Mediating the Nation- State: Agency and The Media in Nation- Branding Campaigns." International Journal of Communication. vol. 9 (2015). Brannagan, Paul Michael Danyel Reiche. Qatar and the 2022 FIFA World Cup: Politics, Controversy, Change. New York: Palgrave Macmillan, 2022. Brannagan, Paul Michael Richard Giulianotti. "Soft Power and Soft Disempowerment: Qatar, Global Sport and Football's 2022 World Cup Finals." Leisure Studies , vol. 34, no. 6 (2014). Dinnie, Keith. Nation Branding: Concepts, Issues, Practice. New York: Routledge, 2015. Fan, Ying. "Branding the Nation: Towards a Better Understanding." Place Branding and Public Diplomacy. vol. 6, no. 2 (2010). Grix, Jonathan Paul Michael Brannagan. "Of Mechanisms and Myths: Conceptualising States' 'Soft Power' Strategies through Sports Mega-Events." Diplomacy and Statecraft. vol. 27, no. 2 (2017). Hal, Ian. "India's New Public Diplomacy: Soft Power and the Limits of Government Action." Asian Survey. vol. 52, no. 6 (2012). ________. "Qatar's Soft Power Strategy in Shaping its International Profile." MEI Insight. no. 186. Middle East Institute. National University of Singapore (2018). at: http://bit.ly/3ihq4IP King, John Mark. "Nation Branding: Coverage and Perceptions of Qatar in Major World Newspapers." Working Paper. East Tennessee State University (2008). at: http://bit.ly/3GQ2ixM Kunczik, Michael. Images of Nations and International Public Relations. New York: Routledge, 1997. Murray, Stuart. "Sports Diplomacy in the Australian Context: A Theory within Strategy." Politics and Policy. vol. 45, no. 5 (2017). Nye Jr, Joseph S. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Public Affairs, 2004. Peterson, John E. "Qatar and the World: Branding for a Micro-State." Middle East Journal. vol. 60, no. 4

Reiche, Danyel. "Investing in Sporting Success as a Domestic and Foreign Policy Tool: The Case of Qatar." International Journal of Sport Policy and Politics. vol. 7, no. 4 (2015). Rein, Irving, Philip Kotler Donald Haider. Marketing Places: Attracting Investment, Industry, and Tourism to Cities, States, and Nations. New York: The Free Press, 1993. Rookwood, Joel. "Access, Security and Diplomacy: Perceptions of Soft Power, Nation Branding and the Organisational Challenges Facing Qatar's 2022 FIFA World Cup." Sport, Business and Management: An International Journal. vol. 9, no. 1 (2019). Samuel-Azran, Tal, Yuval Karniel Amitl Lavie-Dinur. "Globalization and Social Justice in Sports Broadcasting: The Case of Al-Jazeera Sport." Television and New Media. vol. 15, no. 8 (2014).

Verlegh, Peeter Jan-Benedict Steenkamp, "A Review and Meta-analysis of Country-of-origin Research." Journal of Economic Psychology. vol. 20, no. 5 (1999). Viktorin, Carolin (eds.). Nation Branding in Modern History. New York/ Oxford: Berghahn Books, 2018.