قياس قدرات الدول على استخدام الرياضة أداة للقوة الناعمة: مؤشر القوة الرياضية العالمية
The World Sport Power Index: Measuring States' Capacities to use Sport as an Instrument of Soft Power
الملخّص
يرى جوناثان غريكس وفيونا كارمايكل أن استثمار الأموال لحيازة الهيبة الدولية، هو إحدى الغايات الرئيسة للحكومات، عند تنفيذها سياسات الرياضة الوطنية. ومع أنّ العديد من الباحثين البارزين الآخرين في حوكمة الرياضة حددوا أهداف هذه السياسات، فإنّ البحوث التي تقترح قياس نجاح هذه السياسات أو فشلها لا تزال نادرة. ولتقييم حيازة الدول هيبة دولية من خلال الرياضة، يميل الباحثون عمومًا إلى الرجوع إلى جدول الميداليات الأولمبية. ولم تتمكن مؤشرات القوة الناعمة التي أنشئت حديثًُا، مثل "القوة الناعمة 30 " و"مؤشر القوة الناعمة" و"مؤشر القوة الناعمة العالمية"، من استخدام التصنيفات الرياضية ذات الصلة في قياس قدرة الدول على استخدام الرياضة أداةً للقوة الناعمة. تهدف هذه الدراسة إلى تحديد مكامن عدم الدقة في هذه المؤشرات الشائعة الاستخدام، واقتراح تصنيف جديد من شأنه تقييم مدى نجاح سياسات الرياضة الوطنية، التي تنفذها الحكومات، في تطوير القوة الناعمة.
Abstract
According to Jonathan Grix and Fiona Carmichael, when implementing national sport policies, one of the governments' main objectives is to invest funds into gaining international prestige. Although these national sport policies' objectives have also been identified by several other leading scholars in sport governance, research proposing a measurement of these policies' success or failure remains scarce. In fact, to evaluate if countries have reached international prestige through sports, researchers tend to generally refer to the Olympic Medal Table, while the newly created soft power indicators, the "Soft Power 30", "Soft Power Index" and "Global Soft Power Index" have not managed to use appropriate sport rankings to measure countries' capacities to use sport as an instrument of soft power. The objective of this paper is to identify the inaccuracies of these commonly used indices and propose a new ranking that would evaluate whether the national sport policies implemented by governments have succeeded in developing soft power.
- القوة الناعمة
- مؤشرات القوة الناعمة
- الرياضة
- سياسات الرياضة
- Soft Power
- Indicators of Soft Power
- Sports
- Sport Politics
قياس قدرات الدول على استخدام الرياضة أداة للقوة الناعمة
Measuring States' Capacities to use Sport as an Instrument of Soft Power
مقدمة
بعد عودة الرياضة الحديثة إلى الحياة في بريطانيا العظمى بوصفها نشاطًا ترفيهيًا، إبان القرن التاسع عشر، سرعان ما تحولت إلى ظاهرة عالمية في بداية القرن العشرين، على إثر صعود القومية وانتشار الإمكانيات الجديدة للاتصال الدولي1. أدى اتساع التغطية الإعلامية للأحداث الرياضية الكبرى مثل الأولمبياد2، أو كأس العالم لكرة القدم3، في النصف الثاني من القرن العشرين، إلى زيادة عولمة الرياضة وأثار هذا اهتمام الحكومات التي بدأت في الاستثمار في الرياضة لتعزيز مكانتها الدولية، واستغلال "عامل الشعور بالسعادة" بين السكان، وزيادة المشاركة بين الجماهير، ما سيقود في النتيجة إلى أمة صحية أكثر فأكثر4. إضافةً إلى "عامل الشعور بالسعادة"، ينسب ميك غرين وباري هوليهان إلى الرياضة القدرة على أن يكون لها دورٌ رئيس في دبلوماسية الدولة، وتعزيزها اقتصادها، من خلال تنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى5. وقد طرح نيلز آسل بيرغسغارد وآخرون أيضًا "عامل الشعور بالسعادة"6؛ إذ سلطوا الضوء على "الاهتمام الشديد" الذي يوليه الجمهور لأداء الأندية والمنتخبات الوطنية في المنافسات الدولية، من خلال الدراسات المقارنة التي أجروها، بين السياسات الرياضية المتّبعة في كندا وإنكلترا وألمانيا والنرويج. وقدّم دي ريكي ودي بوسشير7 أمثلةً دقيقةً عن عامل الشعور بالسعادة، من خلال مقارنة فرحة تأهل مصر لبطولة كأس العالم لكرة القدم في روسيا عام 2018، بعد 38 عامًا من آخر مشاركة لها، حيث يئست الجماهير المصرية من إمكانية التغلب على فرقٍ قوية مثل إيطاليا وهولندا. وعلى الرغم من أن العديد من الباحثين قد درسوا تأثير الرياضة في القوة الناعمة، فإن هناك نقصًا في الأبحاث حول المؤشرات الدقيقة التي من شأنها قياس وزن المكونات المختلفة للقوة الناعمة، التي تشمل الرياضة من بين متغيرات أخرى. وهدف هذه الدراسة هو معالجة هذه المشكلة واقتراح مؤشر يقيس قدرات البلدان على استخدام الرياضة ناقلً للقوة الناعمة، والذي يمكن أن يفتح الباب لاحقًا لأبحاث أخرى تستهدف تطوير منهجيات صلبة تهدف إلى حساب الطاقة الذكية. نركز في هذه الدراسة، أولً، على تقييم المؤشرات الحالية، التي تقيس قدرات الدول على زيادة قوّتها الناعمة، عبر نجاحها في الرياضة. لقد اتجه المختصون، تقليديًا، إلى جدول الميداليات الأولمبية لتقييم حيازة الدول لمكانة دولية، من خلال الأداء في رياضة النخبة8. نناقش في الجزء الأول من الدراسة جدول الميداليات الأولمبية، بوصفه أداة قوية لقياس المكانة الدولية في الرياضة؛ ونتناول، أيضًا، عدم دقة المتغيرات الرياضية لمؤشرات القوة الناعمة في مؤشر "القوة الناعمة 30" و"مؤشر القوة الناعمة" و"مؤشر القوة الناعمة العالمية". أما في الجزء الثاني فنقترح مؤشرًا جديدًا، يعتمد على "التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة" WRCES؛ وهو مؤشر يقيس به الاتحاد العالمي للاتحادات الرياضية الدوليةGAISF سنويًا أداء جميع الدول في الألعاب الرياضية المعترف بها كافة، إضافةً إلى تلك التي لم تحظ بالاعتراف بعد، ولكنها ذات طابع عالمي، وتحظَى بقدرٍ كبير من التغطية الإعلامية الدولية9. نعتمد "التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة" جنبًا إلى جنب مع متغيرَين آخرين، أحدهما يقيّم قدرات الدول على استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، والآخر يُعنى بشعبية البطولات الرياضية الاحترافية، أساسًا لمؤشر جديد، بعنوان مؤشر القوة الرياضية العالمية WSPI، الذي سيقيس قدرات الدول على استخدام الرياضة أداةً للقوة الناعمة.
أولا: الطرائق التقليدية المستخدمة لقياس قدرات الدول لتحقيق مكانة دولية عبر النجاح في رياضة النخبة
حين يتعلق الأمر بالسعي للاعتراف الدولي، تمثل الرياضة بديلً أكثر كفاءةً وفاعليةً من المعارك الاقتصادية والعسكرية. يحاجّ بيير
كولومب10 بأنّ إعداد فريقٍ للتنافس في المسابقات الدولية أقل تكلفة بكثير، على المستوييَن المالي والإنساني، من بناء جيش؛ لذلك يمكن أن تستخدم الدول، بغض النظر عن حجمها وقوّتها، الرياضة رسالةً سياسية؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، يبين إيونا هونغ11 أن ميزانية نخبة الرياضيين في كوريا الجنوبية تمثل أقل من 1 في المئة مقارنةً بالميزانية المخصصة للجيش الكوري. لذلك يمكن أن تكون الرياضة أداةً لبناء قوة الدولة الناعمة، كما يعرّفها جوزيف صموئيل ناي بوصفها "قدرة [الدولة] على تشكيل تفضيلات الآخرين للحصول على ما تريد إلى التهديد أو الإنفاق المادي"12. وهناك أشكال مختلفة من قوة الدول، ذلك بصرف النظر عن مفهوم القوة الناعمة الذي دعا إليه ناي13؛ حيث قدّم علي باكير وصفًا شاملً يقوم على القوة الصارمة، وتتميز بقدرات الدول على استخدام القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والتهديدات الدبلوماسية، والقوة الذكية، والتي تشير إلى مزيج من سياسات القوة الصلبة والناعمة، والقوة الحادة، والتي تتمثل في استخدام الاستراتيجيات الدبلوماسية من جانب دولة لتقويض النظام السياسي للدولة المستهدفة14. وحتى الآن، ثمة ثلاثة مؤشرات معروفة تُستخدم لقياس القوة الناعمة: مؤشر القوة الناعمة 30، الذي أنشأه موقع فيسبوك بالشراكة مع مركز الدبلوماسية العامة بجامعة جنوب كاليفورنيا15. ظهر هذا التصنيف عام 2015، وفي إصداره الخامس والأخير الذي نشُر عام 2019، استندت منهجيته إلى ما نسبته 65 في المئة من الإحصائيات الموضوعية، و 35 في المئة من الإحصائيات الذاتية. وكان الغرض من الإحصائيات الموضوعية قياس المتغيرات التالية (مع بيان وزنها بين قوسين): الثقافة (12.5 في المئة)، والرقمنة (13.1 في المئة)، والتعليم (14.3 في المئة)، والمؤسسة (18.7 في المئة)، والمشاركة (20.6 في المئة)، والحكومة (20.8 في المئة.) أما الإحصائيات الذاتية فاستندت إلى بيانات الاقتراع المستخرجة من الاستبيانات الموزعة في 24 دولة (الأرجنتين وأستراليا والبرازيل وكندا والصين ومصر وفرنسا وألمانيا والهند وإندونيسيا وإيطاليا واليابان وماليزيا والمكسيك وبولندا وروسيا والسعودية وإسبانيا وجنوب أفريقيا والسويد وتايلند وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية). وكان الغرض من تلك الاستبيانات قياس المتغيرات التالية (مع وزنها بين قوسين): الثقافة العالمية (5.2 في المئة)، والسلع الكمالية (67. في المئة)، ومنتجات التكنولوجيا (8.3 في المئة)، والطبخ (12 في المئة)، والمعيشة (15.3 في المئة)، ولطف المعاملة (20.6 في المئة)، والسياسة الخارجية (31 في المئة). وأدرجت الرياضة، من خلال جدول الميداليات الأولمبية وتصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، ضمن فئة "الثقافة" إلى جانب "إجمالي عدد السيّاح الوافدين"، و"متوسط الإنفاق لكل سائح"، و"عدد الأفلام التي تُعرَض في المهرجانات السينمائية الكبرى"، و"عدد المراسلين الأجانب في البلد"، و"عدد مواقع التراث العالمي المسجلة لدى اليونسكو"، و"الحضور السنوي لأفضل 100 متحف عالمي"، و"حجم سوق الموسيقى"، و"عدد أفضل عشرة ألبومات في بلدان أجنبية"، و"جودة الطيران الوطني"، و"المطاعم الحاصلة على نجمة ميشلان ".Michelin-Starred Restaurants مؤشر القوة الناعمة، الذي طورته جامعة نانيانغ التكنولوجية NTUفي سنغافورة16. في النسخة الوحيدة من هذا المؤشر، الصادرة في عام 2019، جرى تقييم مجموعة الدول الصناعية السبع G7 (الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وكندا واليابان)، والاقتصادات الناشئة (مثل الصين والبرازيل والمكسيك وروسيا)، فحسب. وثمة أربعة متغيرات عامة تُستخدم لحساب هذا التصنيف، ولكن بخلاف مؤشر القوة الناعمة 30، لم ترفق بنسب الوزن. هذه المتغيرات هي: الصورة والعلامة التجارية، والجاذبية والتأثير، والدبلوماسية والتواصل، والنزاهة ومنظومة القيمة. وتُعدّ الرياضة، في جدول الميداليات الأولمبية، ضمن فئة "الصورة والعلامة التجارية"، إلى جانب مؤشرات أخرى، مثل "أكثر 100 شخصية مؤثرة"، و"صادرات الخدمات السمعية والبصرية"، و"الشركات الراقية"، و"المطاعم الحائزة على نجمة ميشلان"، و"تصنيفات الجامعات". مؤشر القوة الناعمة العالمية، أنشأته، في عام 2020، شركة الاستشارات الاستراتيجية وتقييم العلامات التجارية الدولية
Brand Finance17. خلاف مؤشر القوة الناعمة 30 ومؤشر القوة الناعمة، استمر مؤشر القوة الناعمة العالمية في الصدور؛ إذ اقترح تصنيفات للأعوام 2020 و 2021 و 2022. يحسب هذا المؤشر تصنيفه بناءً على مسحين: يستهدف أحدهما الجمهور العام، الذي يغطي أكثر من 50007 مقِيم في 102 من البلدان تمثل جميع قارات العالم، ويعادل ثقله 90 في المئة؛ ويركز الآخر على جمهور متخصص من 47 بلدًا، يمثلون الفئات التي تُعدّ على صلة بالقوة الناعمة، وهي: رواد الأعمال، ومحللو الأسواق، والسياسيون، والأكاديميون، ومراكز التفكير Think-tanks، والمنظمات غير الحكومية، والصحافيون، ويمنح هذا الجزء من المسح وزنًا نسبته 10 في المئة. تشمل هذه المسوح العناصر التالية: الإلمام، ويقيس مدى معرفة الناس بالعلامات التجارية الوطنية؛ والتأثير العام، ويعكس مدى تأثير أحد البلدان من وجهة نظر الآخرين؛ والسمعة الإجمالية، وتدل على مدى إيجابية سمعة البلد من منظور عالمي؛ والأداء المرتبط بالركائز السبع الأساسية للقوة الناعمة (الأعمال والتجارة، والحكم الرشيد، والعلاقات الدولية، والثقافة والتراث، والإعلام والاتصال، والتعليم والعلوم، والأفراد والقيم)؛ والأداء في التصدي لجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) (أدرج هذا العنصر أول مرة عام.)2021
تمثّل الرياضة جزءًا من فئة الثقافة والتراث، إلى جانب مؤشراتٍ أخرى، مثل السياحة والطعام والفنون الجميلة والآداب والموسيقى والأفلام والألعاب والأزياء. وتقع ضمن فئةٍ معنونة ب "الرواد في عالم الرياضة"، تظهر الصورة النمطية للدولة الناجحة رياضيًا في نظر الشعوب الأخرى. وهكذا، ترد الرياضة في كل من مؤشر القوة الناعمة 30 ومؤشر القوة الناعمة ومؤشر القوة الناعمة العالمية. ومع ذلك، فإن ترجمة تأثيرها إلى أرقامٍ ملموسة تمثل تحديًا كبيرًا. والواقع أن وزن الرياضة لا يحتسب ضمن الفئات التي تنتمي إليها في التصنيفات الثلاثة المذكورة هنا، بل تصنَّف ضمن فئة "الثقافة" في مؤشر القوة الناعمة 30، أو فئة "الصورة والعلامة التجارية" في مؤشر القوة الناعمة، أو فئة "الثقافة والتراث" في مؤشر القوة الناعمة العالمية. لقد بيّ اتساع حجم قطاع الرياضة الاقتصادي والسياسي أنه لا ينبغي أن يظل محصورًا في فئة فرعية من دون أيّ وزن خاص به. في مؤشر القوة الناعمة العالمية، وهو التصنيف الوحيد المتبقي الذي ما زال يقيس القوة الناعمة للدول، لا يمكن قياس تأثير الرياضة قياسًا صحيحًا، لأنها متماهية في فئة تشمل السياحة والغذاء والفنون الجميلة والآداب والموسيقى والأف ماا والألعاب والأزياء. ع وااةً على ذلك، يستند 90 في المئة من ترجيح الوزن في مؤشر القوة الناعمة العالمية إلى مسحٍ أجري علىُ 50007 مقيم من 102 من البلدان المختلفة، لإبداء آرائهم في طيف واسع من العناصر، حيث تُعَدّ الرياضة عنصرًا ثانويًا فيه. لقد شاهد أولمبياد 2020، وحده، أكثر من 3 مليارات شخص من 206 دول18، وشاهد 3.5 مليارات شخص من 200 دولة بطولة كأس العالم 201819. وهذا إنما يدل على أن تصنيفات القوة الناعمة هذه، على الرغم من تقدمها الكبير، فإنها لم تتمكن بعد من قياس تأثير الرياضة بدقة في القوة الناعمة لأي دولة. لذلك لا يمكن النظر فيها بوصفها مؤشرات قوية، تقيّم نجاح الدول أو فشلها في تنفيذ سياسات الرياضة، التي تستهدف بناء المكانة الدولية. عادةً ما يستقرئ الإعلام والسياسيون جدول الميداليات الأولمبية حين يحاولون قياس أداء دولةٍ ما في المسابقات الدولية20، كما يستخدمه المختصون أيضًا لمقارنة النجاح في رياضة النخبة21. وعلى الرغم من أن اللجنة الأولمبية الدوليةIOC واللجان المنظمة المحلية للألعاب الأولمبية، وفقًا للميثاق الأولمبي، لا تحدد أي ترتيب عالمي لأي دولة،
فإن الاعتراف العالمي بجدول الميداليات مصدره أن الألعاب الأولمبية تمثل المنافسة "المتعددة الرياضات" الأكبر على مستوى العالم؛ والدليل على ذلك هو مشاركة 206 من اللجان الأولمبية الوطنية في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في طوكيو 2020؛ وهي آخر دورة ألعاب أولمبية صيفية حتى كتابة هذه الدراسة.)2022(جدول الميداليات الأولمبية نموذجٌ تصنيفي يحسب الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، التي حصلت عليها بلدان مختلفة في أحداث رياضية متنوعة، في كل نسخة من الألعاب الأولمبية الصيفية والشتوية. تُ نح الميدالياتُ الذهبية، في هذا الجدول، قيمة أعلى من أي عدد من الميداليات الفضية، وللميداليات الفضية قيمة أعلى من أي عدد من الميداليات البرونزية، وفي حال حصول بلدين على العدد ذاته من الميداليات الذهبية، فإن البلد الذي يحصل على العدد الأكبر من الميداليات الفضية يُ نح ترتيبًا أعلى. وفي حال حصول بلدين على العدد ذاته من الميداليات الذهبية والفضية، فإن البلد الحاصل على العدد الأكبر من الميداليات البرونزية يُ نح ترتيبًا أفضل. ثمة عدة عوائق تجعل جدول الميداليات الأولمبية أداة غير دقيقة لقياس أداء الدول في الرياضة الدولية22: إن تفوّق الميدالية الذهبية على أي عدد من الميداليات الفضية، أو الميدالية الفضية على أي عدد من الميداليات البرونزية، من شأنه أن يؤدي إلى استدلال خاطئ؛ حيث تحتل دولة ليس لديها سوى رياضي استثنائي واحد، قادر على الظفر بميدالية ذهبية واحدة، ترتيبًا أعلى من دول أخرى تمتلك العديد من الرياضيين الذين حصلوا على المركزين الثاني والثالث. لا يأخذ عدد الميداليات الممنوحة لكل فعالية رياضية في الحسبان مستوى المنافسة في الرياضة التي تنتمي إليه، ولا عدد الدول والرياضيين المشاركين فيه. على سبيل المثال، تقدم رياضة مثل الإبحار Sailing، التي تلعب في 10 فعاليات في 115 دولة، 10 ميداليات ذهبية، في حين أن رياضة مثل كرة السلة، التي تلعب في فعاليتين فقط في 215 دولة، تقدم فقط ميداليتين ذهبيتين. علاوةً على ذلك، بالنسبة إلى الفعالية ذاتها، يمكن رياضة الإبحار، بوصفها رياضة فردية، أن تقدم ميداليات للعديد من الرياضيين من الدولة نفسها، في حين أن كرة السلة، بوصفها رياضة جماعية، يمكن أن تقدم ميدالية واحدة فقط لكل دولة. بهذا المعنى، وفقًا لمنهجية جدول الميداليات الأولمبية، يمكن أن تتفوق رياضة صغيرة، إلى حد بعيد، على رياضة رئيسة أكثر شعبية وعالمية، ومن ثم أكثر تنافسية. لقد أدى هذا، في الواقع، إلى استنتاج خاطئ بتفوق بعض الدول في رياضة النخبة؛ حيث استثمرت هذه الدول في الألعاب الرياضية ذات التنافسية المنخفضة، ما منحها ميزة تنافسية23. على الرغم من كون الألعاب الأولمبية أكبر مسابقة متعددة الرياضات في العالم، فإنها لا تُعدّ حدثًا رئيسًا للعديد من الرياضات السائدة، مثل الملاكمة وكرة القدم والتنس والغولف وركوب الدراجات. إن عدد الدول التي تظفر بميداليات يُعدّ محدودًا. ففي الواقع، فازت 94 دولة فقط بميداليات، هذا إذا جمعنا بين جداول الميداليات للألعاب الأولمبية الأخيرة حتى الآن، أي طوكيو 2020 وبيجين 2022، ووفقًا لهذا، لم تُدرج 112 دولة لديها لجان أولمبية دولية NOCs في التصنيف. من شأن ذلك أن يحول دون إجراء تحليل مقارن مناسب لنجاح الدول في رياضة النخبة؛ إذْ إنّ ما يقرب من 54 في المئة من المشاركين لن يُؤخذوا في الحسبان. ووفقًا لإيان هنري وآخرين24، يمثل العدد المحدود للدول المصنفة إحدى نقاط الضعف الرئيسة في جدول الميداليات الأولمبية. يأخذ جدول الميداليات الأولمبية في الحسبان فقط الرياضات الأولمبية التي بلغت 40 رياضة إذا جمعنا بين أولمبياد 2018 و 2020، بينما هناك العديد من الرياضات غير الأولمبية الأخرى، التي تعترف بها الرابطة العالمية للاتحادات الرياضية الدولية؛ وهي المنظمة الدولية التي أقرتها اللجنة الأولمبية الدولية، لخدمة وتمثيل المصالح المشتركة لجميع الاتحادات الدولية، ولتنسيق جهود جميع أولئك الذين يطمحون إلى أنْ يصبحوا طرفًا معترفًا به لدى اللجنة الأولمبية الدولية، ويطمحون في نهاية المطاف إلى الانضمام إلى البرنامج الأولمبي. وأعضاء الاتحادات الرياضية الدولية للرابطة العالمية للاتحادات الرياضية الدولية، هم: أولئك الذين يمثلون جزءًا من البرامج الأولمبية الشتوية والصيفية؛ وأولئك الذين لم يصيروا بعد جزءًا من البرامج الأولمبية، لكنهم يحظون باعتراف اللجنة الأولمبية
الدولية؛ وأولئك الذين لم يحظوا بعد باعتراف اللجنة الأولمبية الدولية. وتضم الرابطة العالمية للاتحادات الرياضية الدولية ما مجموعه 98 اتحادًا رياضيًا دوليًا. تتسبب هذه العوامل في جعل جدول الميداليات الأولمبية مرجعًا غير دقيق، أو غير موثوق، لقياس نجاح الدول في رياضات النخبة. ولمعالجة هذه المشكلة، اقترحنا سابقًا تصنيفًا عنوانه "التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة"25، من سماته الرئيسة: أنه من ناحية يُعدّ نموذجًا حسابيًا، ينسب إلى كل دولة نصيبها من النقاط في رياضة واحدة على الأقل، ومن ثم يحسب ترتيبها العالمي على أساس إجمالي عدد النقاط التي يمكن أن تحصل عليها الدولة في جميع الألعاب الرياضية؛ وأنه يدرج، من ناحية أخرى، احتساب معاملي عالمية كل رياضة وشعبيتها، حيث يمكن أن تزداد عالمية أي رياضة وشعبيتها، ويسمح بإضافة رياضات جديدة. تتوافر جميع التحديثات السنوية للمنهجية في موقع التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة. تأخذ العالمية في الحسبان العدد الإجمالي للدول المشاركة في رياضة معينة، وكلما زاد عدد الدول المشاركة، صار الفوز أصعب. أما شعبية رياضة ما فتشير إلى تصنيفات وسائل الإعلام الدولية لهذه الرياضة، حيث يُظهِر هذا المعامل مدى التغطية الإعلامية التي تحظى بها الرياضة؛ ومن ثم، مدى قدرة هذه الرياضة على جذب التمويل الخاص والعام، ورفع مستوى المنافسة من خلال إشراك أكثر الرياضيين موهبةً. من الواضح أن جدول الميداليات الأولمبية لا يأخذ مثل هذه المعايير في الحسبان. فمن خلال مراعاة عالمية كل رياضة وشعبيتها، كان هدفنا منح وزنٍ مختلفٍ للرياضات الصغيرة، مثل ألعاب الجليد أو التزلج على الزحافات، والرياضات الكبرى مثل كرة القدم وكرة السلة، حيث يكون التنافس أعلى في الرياضات الكبرى، والفوز فيها له تأثير أكبر في مجتمعات كل دولة26. لقد بيّ سفين أندرسن ولارس توري رونغلان أن النجاح في الرياضات الدولية، في حد ذاته، لا يمثّل أيّ قيمة مجتمعية، بل إن الأهمية الاجتماعية لهذا النجاح (التأثير في الرياضة الجماهيرية، والهوية الوطنية... إلخ) هي التي تجعله ذا قيمة للدولة27. في هذا الجانب، على وجه الخصوص، يقترح التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة قياسًا مناسبًا للنجاح في هذه الرياضات؛ بل إنه يمكّن، في الواقع، من إنجاز التغييرات التالية: 1) إنجاز تقييمٍ لأداء جميع البلدان المشاركة في المنافسات الدولية. ففي إصدار 2021 (وهو أحدث إصدار حتى كتابة هذه الدراسة)، أدرج 206 دول بدلً من 94 دولة، وصُنفت فقط من خلال جداول الميداليات الأولمبية، المدمجة من المشاركات الأولمبية لأعوام.2022-2020 2( إنجاز تقييم سنوي لأداء الدول في أكثر من 100 رياضة )115 في إصدار 2021(، بدلً من تقييم الأداء مرة واحدة كل 4 سنوات، في 40 رياضة فقط، من خلال جدول الميداليات الأولمبية الشتوية والصيفية المشتركة. 3) إنجاز تقرير يرصد أداء الدول في جميع المسابقات الدولية الكبرى، مثل كأس العالم لكرة القدم FIFA، والبطولات الأربع الكبرى للتنس، وكأس العالم لاتحاد الرغبي Cup World Rugby، حيث لا يُسجل النجاح فيها ضمن جدول الميداليات الأولمبية. 4) تقديم قياس أدق لأداء الدول في الرياضة، كونه يحتفي بالدول التي تنجح في الرياضات، ذات الشعبية العالية والعالمية، التي لا تقدم العديد من الميداليات، ويقيس على نحو ملائم تلك التي تظفر بالعديد من الميداليات في الرياضات الصغيرة التي تقام في مناسباتٍ عدة. في أيلول/ سبتمبر 2018، قُدّم التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة إلى رابطة مراكز الأداء الرياضي - ASPC المنتدى الأفريقي الأول، الذي انعقد في دوربان في جنوب أفريقيا، والتي تضم بين أعضائها جامعة لوغبوروغ Loughborough، ورياضة المملكة المتحدة Sport Kingdom United، والمركز الفرنسي للتميز الرياضي INSEP، ونادي برشلونة لكرة القدم Barcelona FC، واللجنة الأولمبية الأميركية USOC؛ وهذه الرابطة هيئةٌ دولية مهمتها توفير الفرص التي تعزز التدريب من أجل الوصول إلى رياضة عالية الأداء (رياضة النخبة) في جميع أنحاء العالم. أعلن الرئيس المنتخب حديثًا تابيو كورجوس Korjus Tapio، في اجتماع الجمعية العامة لعام 2021، أنّ رابطة مراكز الأداء الرياضي ستواصل تعاونها مع التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة في السنوات المقبلة. وتقوم رابطة مراكز الأداء الرياضي حاليًا (2022) بدراسة إمكانية منح هذا التصنيف الموافقة الرسمية. إن سمات التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة، التي تأخذ في الحسبان التأثير المجتمعي للنجاح وشرعيته في مجتمع النخبة الرياضي، تجعله متغيرًا وثيق الصلة بمؤشرٍ يهدف إلى قياس قدرة الدولة على تحقيق مكانة دولية من خلال الرياضة. لكن أداء المنتخبات الوطنية في المنافسات الدولية غير كافٍ لتحديد القوة الرياضية للدولة؛ إذ ثمة متغيرات أخرى يجب أخذها في الحسبان. يستكشف الجزء الثاني من الدراسة هذه المكونات، ويهدف إلى اقتراح مؤشرٍ جديد يقيس بدقة قدرة الدول على استخدام الرياضة للنهوض بقوّتها الناعمة.
ثانيًا: "مؤشر القوة الرياضية العالمية"
اقترحنا في دراسة أخرى أنه "يمكن أي أمة أن تعبر عن دبلوماسيتها الدولية، من خلال استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، وكذلك من خلال إبراز بطولاتها الاحترافية، ومن خلال أداء رياضييها في المسابقات الدولية"28. وقد بين غريكس ولي29 من ناحية، وغريكس وهوليهان30 من ناحية أخرى، كيف تنخرط الدول، في سعيها لزيادة قوتها الناعمة، في منافسة شديدة كي تحظى بفرصة استضافة فعاليات رياضية كبرى. وإلى يومنا هذا، من المعروف أن ثمة تصنيفيَن يقيسان نجاح الدول في استضافة المسابقات الرياضية الكبرى، وهما: مؤشر تأثير الرياضة العالمي للأمم Index Nations GSI، الذي أنشأته شركة سبورتكال31. يُجري هذا المؤشر تحليلً مفصلً لحوالى 007 لعبة رئيسة متعددة الرياضات، وبطولات عالمية على مدار 14 عامًا، تغطي سبع سنوات سابقة وسبع سنوات مستقبلً. ويدرج هذا التصنيف أكثر من 80 رياضة، بما في ذلك الرياضات التي تشكل جزءًا من البرنامج الأولمبي، وتلك التي تعترف بها اللجنة الأولمبية الدولية. والهدف من هذا المؤشر هو تحديد الدول التي تتقدم لتنافس على الفوز بحق استضافة الفعاليات الرياضية العالمية. ويجري ترجيح هذه الدول وفقًا لأحجامها وتأثيرها، والتي تُحسب بدورها استنادًا إلى المكونات التالية: "الاقتصاد والسياحة"، و"وسائل الإعلام والتمويل"، و"الحالة الاجتماعية والاستدامة"، و"صناعة الترفيه". في عام 2018، على سبيل المثال، كانت بطولة كأس العالم لكرة القدم، والألعاب الأولمبية الشتوية، هما الفعاليتان اللتان جمعتا العدد الأكبر من النقاط. ويُحسب مؤشر تأثير الرياضة العالمي للأمم من خلال جمع نقاط جميع الأحداث التي استضافتها دولة ما في فترة 14 عامًا، وقد توقف هذا المؤشر عن الصدور بعد عام.2019 تصنيف المدن الرياضية، الذي أنشأته وكالة الاتصالات العالمية32. يركز هذا المؤشر أساسًا على آراء الاتحادات الدولية IFs، ووكلاء الإعلام الرياضي، في شأن قدرة المدن على استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، جنبًا إلى جنب مع تحليل الارتباط بين الرياضة والمدينة في الفضاء الرقمي. من خلال الاستبيانات عبر الإنترنت، "يركز المؤشر على وجهات نظر رؤساء الاتحادات الدولية، والأمناء العاميّن ورؤساء الأحداث الرياضية، إضافة إلى أكثر من 007 من ممثلي وسائل الإعلام الرياضية". يتكون التحليل الرقمي "من العدد الإجمالي للإشاراتMention إلى الرياضة العالمية المرتبطة باسم المدينة على منصات التواصل الاجتماعي، مثل تويتر أو إنستغرام أو فيسبوك، فضلً عن منصة رديت Reddit والمدونات والمواقع الإلكترونية"، وتكون الإشارة باللغات الفرنسية والإسبانية والألمانية والإنكليزية، لتهجئة مصطلح "الرياضة" وأسماء المدن. يمثل استطلاع الاتحادات الدولية عبر الإنترنت 25 في المئة من المدخلات، واستطلاع الوسائط الرياضية 25 في المئة منها، وتحليل المشهد الرقمي 50 في المئة منها. وقد أنشِئ تصنيف المدن الرياضية عام 2012، ولا يزال مستمرًا في الصدور. نظرًا إلى توقف مؤشر تأثير الرياضة العالمي للأمم، فإن "تصنيف المدن الرياضية"، الذي يضيف مجموع النقاط التي فازت بها المدن للوصول إلى ترتيب أداء الدول في استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، يمكن أنْ يمثل متغيرًا ثانيًا وثيق الصلة لإنشاء مؤشر يقيس قدرات الدول على تحقيق مكانة دولية، من خلال النجاح في رياضة النخبة، إلى جانب التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة.
| البثّ في عدد من الدول | العائد لكل لعبة تقريبًا بالدولار الأميركي (مليون) | العائد الإجمالي بالدولار الأميركي (تقريبًا) (مليار) | عدد الألعاب في السنة | الدولة/ الدول | أسماء البطولات/ الدوريات |
|---|---|---|---|---|---|
| 181 | 52 | 14 | 267 | الولايات المتحدة الأميركية | دوري الرابطة الوطنية لكرة القدم (NFL) |
| 193 | 3.9 | 9.8 | 2467 | الولايات المتحدة الأميركية وكندا | بطولة البيسبول الكبرى) MLB ( |
| 193 | 5.8 | 7.7 | 1312 | الولايات المتحدة الأميركية وكندا | دوري الرابطة الوطنية لكرة السلة )NBA( |
| 193 | 15.4 | 5.8 | 380 | بريطانيا العظمى | الدوري الممتاز |
| 61 | 3.4 | 4.5 | 1358 | الولايات المتحدة الأميركية وكندا | الدوري الوطني للهوكي) NHL ( |
| 193 | 11.3 | 3.4 | 306 | ألمانيا | الدوري الألماني (البوندسليغا) |
| 193 | 8.8 | 2.6 | 380 | إسبانيا | الدوري الإسباني (Liga La) |
| 193 | 6.8 | 2.6 | 380 | إيطاليا | دوري الدرجة الأولى في إيطاليا (1 Serie) |
| 193 | 4.9 | 1.8 | 380 | فرنسا | دوري الدرجة الأولى في فرنسا)Ligue 1( |
| 155 | 3.5 | 1.3 | 380 | البرازيل | دوري الدرجة الأولى في البرازيل )A Serie) |
يرتبط المتغير الثالث الذي اقترحناه بالتغطية الإعلامية العالمية التي تحظى بها البطولات الرياضية الاحترافية في الدول، حيث بينّا كيفية بث وسائل الإعلام على المستوى الدولي للدوريات الرياضية الاحترافية الوطنية الكبرى، مثل دوري الرابطة الوطنية لكرة السلة NBA، والدوري الممتاز، والدوري الإسباني سنويًا33. يوضح الجدول استعراضًا عالميًا بالأرقام لأغنى 10 بطولات رياضية وطنية احترافية. كما هو موضح في الجدول، تحظى الدوريات المحترفة الوطنية الكبرى بتغطيةٍ إعلاميةٍ دولية، تتجاوز في معظم الأحيان التغطية الممنوحة للمنافسات الدولية بين الفرق الوطنية. لهذا، يجب النظر إلى هذه البطولات، من خلال مؤشر يهدف إلى قياس قدرات الدول على تحقيق مكانة دولية، من خلال النجاح في رياضة النخبة. يمكن جدول يوضح أغنى عشر بطولات رياضية وطنية للمحترفين
حساب هذا المتغير، عن طريق قياس الظهور المتكرر للبطولات الوطنية المحترفة الكبرى، في أفضل موقع إلكتروني رياضي لكل دولة، على نحو مشابه لكيفية حساب معامل الشعبية في التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة34، من خلال احتساب الناتج المحلي الإجمالي GDP لكل دولة، يحظى فيها الدوري الوطني المحترف بشعبية واسعة. وقد جرى اختيار الناتج المحلي الإجمالي، لأنه يمثل الحجم الاقتصادي للدول، فالدول الغنية عادةً ما يكون لديها المزيد من الموارد، وتركز على التغطية الإعلامية؛ فالصين، على سبيل المثال، التي تمتلك ثاني أعلى ناتج محلي إجمالي في العالم35، كانت دائمًا قبلةً للعديد من المنظمات الرياضية المحترفة التي تهدف إلى زيادة
عائداتها من الرياضة36. تهدف أكبر أربع بطولات رياضية محترفة كبرى في أميركا الشمالية، NFL وMLB وNBA وNHL، إلى اختراق سوق الرياضة الصينية من خلال تنظيم الألعاب، والتمثيل التجاري، والتسويق، والترويج لمنتجاتها. كيف سيجري، إذًا، حساب هذا التصنيف الجديد، الذي سنشير إليه بمؤشر قوة الرياضة العالميةWSPI؟ سيتكون أساسًا من ثلاثة متغيرات، تقع معايرة كل منها على درجة أقصاها:100 نقاط الدول في التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة، على سبيل المثال، في نسخة 2021، وهي الأخيرة حتى الآن، حيث احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى برصيد 1642250 نقطة. ومن ثم، فإن الولايات المتحدة ستحرز 100 نقطة، بينما ستكسب جميع الدول الأخرى نقاطًا وفق قاعدة الثلاثة؛ فبريطانيا العظمى، التي جاءت في المرتبة الثانية برصيد 934534 نقطة، ستحصل على: 57 1642250=.(934534x100)/ نقاط الدول المستمدة من تغطية وسائل الإع ماا العالمية لدورياتها المحترفة. سوف نعتمد متغيرَين فرعيين رئيسين يؤديان إلى هذا المتغير؛ أولهما عائدات كل دوري محترف، والتي تُظهر حجم قاعدة مشجعيه، وثانيهما عدد الدول التي ينتشر فيها. بالنسبة إلى المتغير الفرعي الأول، سنلج أولً موقع "ستاتيستا" Statista37 على الإنترنت، للبحث عن متوسط الإيرادات السنوية للدوريات الرياضية الوطنية في جميع أنحاء العالم. اخترنا تعيين نقطة واحدة لكل مليار دولار أميركي، وباعتبار أن الدوري الذي له إيراد يقدَّر ب 100 مليون دولار أميركي لن يحصل إلا على 0.1 نقطة، فلن يكون له تأثير كبير في التصنيف. إذًا، سننظر فقط في الدوريات أو البطولات الاحترافية التي لها إيرادات سنوية تعادل أو تفوق 50 مليون دولار أميركي (الدوريات أو البطولات التي لها إيرادات بين 50 و 100 مليون ستحصل على 0.1 نقطة)، وسيجري بعد ذلك احتساب هذه النقاط حتى 100 نقطة كحد أقصى. على سبيل المثال، سيكسب اتحاد كرة القدم الأميركي، الذي يبلغ إيراده السنوي 14 مليار دولار أميركي، 14 نقطة أولً؛ ونظرًا إلى أنه الدوري الأكثر ثراءً في العالم، سيُ فع هذا الرقم إلى 100، وستنال جميع البطولات الأخرى الموجودة نقاطًا وفقًا لقاعدة الثلاثة. على سبيل المثال، سيحصل الدوري الألماني Bundesliga، الذي يبلغ دخله السنوي 3.4 مليارات دولار أميركي، على: 24 14=.(3.4x100)/ ستشكّل هذه النقاط المتغير الفرعي الأول، لنقاط الدول المستمدة، من تغطية وسائل الإعلام العالمية لبطولاتها المحترفة. بالنسبة إلى المتغير الفرعي الثاني، سننتقل إلى أفضل موقع إلكتروني رياضي لكل دولة. على سبيل المثال، إذا عُرض الدوري الإنكليزي الممتاز في 150 دولة، وجرت مشاهدته في أكبر عدد من الدول، فسيحصل على 100 نقطة، وستحصل جميع البطولات الأخرى على نقاط وفقًا لقاعدة الثلاثة، فإذا جرت مشاهدة الدوري الألماني في 90 دولة، عندها سيحصل هذا الدوري على: 60 150=.(90x100)/ ستمثل النقاط النهائية، التي تحصل عليها البطولات الرياضية الاحترافية، المتوسط الحسابي للمتغيرين الفرعيين الأول والثاني. على سبيل المثال، إذا حصل الدوري الألماني على 24 نقطة من المتغير الفرعي الأول، و 60 نقطة من المتغير الثاني، عندها ستكون نقاطه النهائية: 42 2= 60)/ 24/(. ستضاف النقاط التي جرى الحصول عليها من جميع بطولات الدوري في الدولة نفسها، والدولة التي ستحصل على أعلى مجموع ستنال 100 نقطة، وسيحصل الآخرون على نقاط وفقًا لقاعدة الثلاثة. نقاط الدول المستمدة من "ترتيب المدن الرياضية". يعطي هذا المتغير مؤشرًا على قدرة الدول على استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى. لهذا، سننظر فقط في استطلاعات الاتحادات الدولية، ووسائل الإعلام الرياضية، عبر الإنترنت لهذا التصنيف. لن يجري احتساب تحليل المشهد الرقمي، الذي يقيس ارتباط المدينة بالرياضة، ويحتسب بنسبة 50 في المئة من ترتيب المدن الرياضية، لتجنب التداخل مع المتغير، الذي يحسب تغطية وسائل الإعلام للبطولات الاحترافية. في الواقع، وفقًا لتقرير وكالة الاتصالات العالمية، فإن الفرق الرياضية الناجحة، التي تُعدّ جميعها جزءًا من البطولات الاحترافية، تتيح للمدن تسجيل نقاط أعلى على مستوى مكون المشهد الرقمي في تصنيف المدن الرياضية. لذلك، ولتجنب احتساب البطولات الرياضية المحترفة مرتين، سنقوم فقط بتضمين النقاط التي ظفرت بها المدن في استطلاعات الاتحادات الدولية والإعلام الرياضي، وستضاف النقاط التي حصلت عليها جميع مدن الدولة ذاتها. سيوفر لارس هوي-بيدرسن Haue-Pedersen Lars، المدير الإداري
لرياضات وكالة الاتصالات العالمية38، هذه المعلومات. والدولة التي تسجل أعلى مجموع، ستنال 100 نقطة، بينما سيحصل الآخرون على نقاط وفقًا لقاعدة الثلاثة. سيكون رصيد أي دولة في مؤشر القوة الرياضية العالمية الجديد مساويًا للمتوسط الحسابي للنقاط التي جرى الحصول عليها في المتغيرات الثلاثة الموضحة سابقًا: 1) التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة؛ 2( التغطية الإعلامية العالمية لدورياتها الرياضية المحترفة؛ 3) نقاطها المستمدة من ترتيب المدن الرياضية. يهدف هذا المؤشر، في المقام الأول، ومن خلال معاينة أداء الفرق الوطنية والانتشار العالمي للبطولات الوطنية المحترفة وقدرة الدول على تنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى، إلى مساعدة الحكومات على تنفيذ السياسات الرياضية الوطنية التي تستهدف تحقيق المكانة الدولية، من خلال النجاح في رياضة النخبة، ومن ثم تطوير قوّتها الناعمة. من خلال اقتراح قياسٍ دقيقٍ للقوة الرياضية، يمكن مؤشر القوة الرياضية العالمية، أيضًا، أن يمهد الطريق لأبحاث مستقبلية فيما يتعلق بتقييم مكونات القوة الناعمة الأخرى (التعليم والفن والبيئة والسياحة، وغيرها)؛ ومن ثمّ إنشاء تصنيفات أدق وأشمل للقوة الناعمة. وسيؤدي هذا بدوره إلى اهتمام ممنهج بمكانة الرياضة في السياسات الحكومية التي تستهدف الدبلوماسية الدولية.
خاتمة
نبّه العديد من المختصين إلى حقيقة أن الرياضة، التي أضحت ظاهرة عالمية مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، تُعدّ أداةً مهمة لبناء القوة الناعمة لأي دولة. واليوم، ثمة حاجة إلى إجراء أبحاث تستهدف قياس قدرة الدولة على استخدام الرياضة وسيلةً للتعبير عن مواقفها في الدبلوماسية الدولية. لكن في الواقع، وعلى الرغم من صعود الرياضة إلى مستوى قطاع السياسات الرياضية، في النصف الثاني من القرن العشرين39، فإن الدراسات المتعلقة بالسياسات الرياضية لا تزال في مهدها. نشُر العدد الأول من المجلة الدولية للسياسات الرياضية وعلاقتها بالسياسة في عام 2009. ولا تزال مراكز الفكر، التي تدرس السياسات الرياضية، نادرة في جميع أنحاء العالم. وقد تضمن تقرير المؤشر نحو التفكير العالمي Report Global Go to Think Tank Index، لعام 202040، الذي صنف مراكز الأبحاث أو الفكر الرائدة في العالم، عدة فئات: "الشفافية والحكم الرشيد"، و"الدفاع والأمن القومي"، و"الاقتصاد المحلي"، و"التعليم"، و"الطاقة والموارد"، و"البيئة"، و"الشؤون الخارجية والدولية"، و"الصحة المحلية"، و"الصحة العالمية"، و"التنمية الدولية"، و"الاقتصاد الدولي"، و"العلوم والتكنولوجيا"، و"السياسة الاجتماعية"، و"الأمن المائي"، و"الأمن الغذائي"، ولم يصل أي مركز فكري رياضي إلى هذا المؤشر؛ إذ تميل مراكز الفكر الصحي، التي يمكن أن تشمل تقنيًا الرياضة والنشاط البدني، أكثر نحو خدمات الرعاية الصحية والتأمين والسياسات الصيدلانية. لذلك، فإنّ الغرض من هذه الدراسة هو اقتراح مؤشر جديد، يمكن أن يحفز النقاش في شأن الرياضة والقوة الناعمة. وهو يوسع مؤشر التصنيف العالمي للدول في رياضة النخبة ويفصّل فيه أكثر، من أجل وضع تصنيف شامل يمكن أن يقيس نجاح جميع سياسات الدول في المنافسات الرياضية الدولية أو فشلها. لقد سعت هذه الدراسة للمضي قدمًا واقتراح مؤشر يقيّم أداء الدول في المكونات الثلاثة لرياضة النخبة، التي تمنحها مكانة دولية، وهي: الفرق الوطنية، والدوريات الاحترافية، واستضافة الفعاليات الرياضية الكبرى. إن الحصول على مثل هذا التصنيف من شأنه أن يساعد الرياضة على أن تصبح هدفًا لاستراتيجيات رسمية وواقعية في الدبلوماسية الوطنية، والتي يمكن أن يقيّم نتائجها المختصون ووسائل الإعلام والحكومات.
المراجع
العربية
باكير، علي. "نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة". سياسات عربية. مج 9، العدد 53 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2021
الأجنبية
Andersen, Svein S. Lars Tore Ronglan. "Historical Paths and Policy Change: Institutional Entrepreneurship in Nordic Elite Sport Systems." International Journal of Sport Policy and Politics. vol. 7, no. 2 (2015). Andersen, Svein S. Lars Tore Ronglan (eds). Nordic Elite Sport: Same Ambitions, Different Tracks. Copenhagen: Copenhagen Business School Press DK, 2012. Bergsgard, Nils Asle et al. Sport Policy: A Comparative Analysis of Stability and Change. London: Routledge, 2009. Colomb, Pierre. "Sport et Etat." Pouvoirs. no. 61 (1992). De Bosscher, Veerle et al. "A Conceptual Framework for Analysing Sports Policy Factors Leading to International Sporting Success." European Sport Management Quarterly. vol. 6, no. 2 (2006). De Bosscher, Veerle, Simon Shibli Andreas Ch Weber. "Is Prioritisation of Funding in Elite Sport Effective? An Analysis of the Investment Strategies in 16 Countries." European Sport Management Quarterly. vol. 19, no. 2 (2019). De Rycke, Jens Veerle De Bosscher. "Mapping the Potential Societal Impacts Triggered by Elite Sport: A Conceptual Framework." International Journal of Sport Policy and Politics. vol. 11, no. 3 (2019). "Empowering People with Data." Statista. at: https://bit.ly/3UnmniQ Green, Mick. "Changing Policy Priorities for Sport in England: The Emergence of Elite Sport Development as a Key Policy Concern." Leisure Studies. vol. 23, no. 4 (2004). Green, Mick Barrie Houlihan. Elite Sport Development: Policy Learning and Political Priorities. London: Routledge, 2005. Grix, Jonathan Fiona Carmichael. "Why do Governments Invest in Elite Sport? A Polemic." International Journal of Sport Policy and Politics. vol. 4, no. 1
Grix, Jonathan Barrie Houlihan. "Sports Mega-Events as Part of a Nation's Soft Power Strategy: The Cases of Germany (2006) and the UK (2012)." The British Journal of Politics and International Relations. vol. 16, no. 4 (2014). Grix, Jonathan Donna Lee. "Soft Power, Sports Mega- Events and Emerging States: The Lure of The Politics of Attraction." Global Society. vol. 27, no. 4 (2013). "GSI Nations Index." Sportcal. at: https://bit.ly/3zW7oEo Guttmann, Allen. The Olympics: A History of the Modern Games. Urbana: University of Illinois Press, 2002. Henry, Ian et al. "Challenging the New Orthodoxy: A Critique of SPLISS and Variable-Oriented Approaches to Comparing Sporting Nations." European Sport Management Quarterly. vol. 20, no. 4 (2020). Hong, Eunah. "Applying a Western-based Policy Community Framework to the Analysis of South Korean Elite Sport Policy: The Role of Businesses and Armed Forces." International Journal of Sport Policy and Politics. vol. 4, no. 1 (2012). Hong, Fan. "Commercialism and Sport in China: Present Situation and Future Expectations." Journal of Sport Management. vol. 11, no. 4 (1997). International Journal of Sport Policy and Politics. vol. 1, no. 1 (2009).
International Olympic Committee. Olympic Charter. art. 57. International Olympic Committee. 2015. McGann, James G. 2019 Global Go to Think Tank Index Report. 18/6/2020. TTCSP Global Go to Think Tank Index Reports 17. at: https://bit.ly/3DYxCau Nassif, Nadim. "World Ranking of Countries in Elite Sport." Rivista di Diritto ed Economia dello Sport. vol. 14, no. 2 (2018). Nye, Joseph S. The Powers to Lead. New York: Oxford University Press, 2008. Sam, Michael P. Steven J. Jackson. "Sport and Small States: The Myths, Limits and Contradictions of the Legend of David and Goliath." International Journal of Sport Policy and Politics. vol. 7, no. 3 (2015). "The Softpower 30." softpower30.com. at: https://bit.ly/3UHG5FJ "The Top 25 Economies in the World." Investopedia. 1/7/2022. at: https://bit.ly/2NP37fk Vonnard, Philippe. "The World Cup and the Media. Some Considerations Following the International Congress, 'The World Cup, between Europe and The Americas', Held in Paris (June 2018)." Inmedia: The French Journal of Media Studies. vol. 7 (2018).