تحديات الشبكات الاجتماعية الرقمية لنظرية الثقافة السياسية الكلاسيكية

Digital Social Networks Challenges to Classical Political Culture Theory

حسن احجيج| Hassane Hjij *

الملخّص

تؤدي تكنولوجيا الاتصال الرقمية دورًا مركزيًا في توسيع نطاق المشاركة السياسية، من خلال السماح لمعظم الفئات الاجتماعية بالتعبير عن آرائه ومواقفه من القضايا، ومن ثم المساهمة في تشكيل الثقافة السياسية المحلية أو الوطنية. ويبدو أن العناصر السياسية كلها ذات الصلة بالثقافة السياسية (التمثيل، والوساطة، والإعلام، والأحزاب، وغيرها)، تأثرت كثيرًا بانبثاق الشبكات الاجتماعية الرقمية وعرفت تغييرات عميقة أضحت تمثل تحديات حقيقية لنظرية الثقافة السياسية الكلاسيكية. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف خصائص الثقافة السياسية في العصر الرقمي ومناقشة تحديات الشبكات الاجتماعية الرقمية لنظرية الثقافة السياسية الكلاسيكية.

Abstract

Digital communication technology plays a central role in broadening the scope of political participation by allowing most social groups to express their views and positions on issues, thus contributing to shaping the local or national political culture. It seems that all the political elements related to political culture (representation and mediation, media, parties, etc.) were greatly influenced by the emergence of digital social networks and experienced profound changes that became real challenges to classical political culture theory. This paper aims to explore the characteristics of political culture in the digital age and discuss its challenges to orthodox political culture theory.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

يشهد تطور عدد مستخدمي الشبكات الاجتماعية الرقمية1 في العالم على تأثيراتها في مناحي حياتنا الاجتماعية كلها2. فقد غّير ت الحواسيب وشبكة الإنترنت الطريقة التي نتصرف بها في العديد من المجالات. فكثيرون من الناس الراشدين يستخدمون الشبكات الاجتماعية للتسوّق وتداول الأسهم والحصول على الأخبار وبناء صداقات والتعبير عن المواقف السياسية، والعمل على تحقيق التغيير السياسي والاجتماعي. في كانون الثاني/ يناير 2022، تجاوز عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعية 4 مليارات و 900 مليون مستخدم، وبلغت نسبة الولوج بالنسبة إلى مجموع سكان العالم 58.4 في المئة. يشير الجدول إلى الارتفاع المذهل في عدد مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي عبر العالم. جدول يبّين توزيع المستخدمين على وسائط التواصل الاجتماعي عبر العالم (2022-2010) (بالمليون)

2022201820132010عام
وساطة
293622601170517.75فيسبوك
396.2329.50223.6843.25تويتر
20001000117.50-إنستغرام
260019001007480.55يوتيوب

سمح هذا الاختراق العميق لتكنولوجيات الإعلام والاتصال في الحياة المعاصرة، لهذا العدد الهائل من مستخدمي الشبكات الاجتماعية الرقمية، بتجاوز دورهم التقليدي بوصفهم متلقين، وحوّلهم إلى مشاركين ناشطين في إنتاج الأخبار ونشرها. وكان من نتائج ذلك أن أصبحت هذه الشبكات أداة للعمل السياسي، تساهم في تطوير حقبة جديدة من الديمقراطية التشاركية، بما أنها تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم في القضايا ذات الاهتمام العام، ومن ثم المساهمة في وضع أجندات للمجتمع بأسره3. على الرغم من الفجوة الرقمية القائمة بين الدول عبر العالم، وداخل كل دولة، فإن الانتشار الواسع للحواسيب الشخصية والهواتف الذكية والألواح الإلكترونية، وتمكين طبقات اجتماعية مختلفة من صبيب الإنترنت، وظهور الشبكات الاجتماعية الرقمية، عوامل ساهمت في خلق فضاء جديد لتشكل الثقافة السياسية وإعادة تشكيلها. وُيلُاحَظ أن هناك اهتمامًا متزايدًا بين السياسيين والمنتخبين بحضورهم في شبكات التواصل الاجتماعي4. ويبدو أن هذه الأخيرة زاد استخدامها لأغراض سياسية في العالم أجمع، بما في ذلك البلدان العربية. أحدثت الشبكات الاجتماعية الرقمية تحّولّات عميقة في مشاركة المواطنين في النشاط السياسي المحيّلي والوطني؛ ما يعني أن الثقافة السياسية عرفت تغيرات كبيرة، ما دامت المشاركة السياسية تشكل أحد عناصرها الرئيسة. وكما يشير غابرييل ألموند وسيدني فيربا: "ينتشر في الأمم الجديدة في العالم الاعتقاد أن الإنسان العادي وثيق الصلة بالسياسة، أي ينبغي له أن يكون مشاركًا منخرطًا في النظام السياسي"5. فالناس يطالبون بأن تكون أصواتهم مسموعة، وأن تؤخذ على محمل الجدّ. باتت وسائط التواصل الاجتماعي في عصر "ما بعد الحقيقة" والتضخم المعلوماتي، تساهم في إحداث تغييرات حقيقية في طرائق مشاركة الناس السياسية وتصوراتهم للسياسة. لذلك، فنحن نشهد كيف تتغّير الثقافة السياسية التقليدية وكيف يُعاد تشكيلها من خلال التأثير القوي لوسائط التواصل الاجتماعي في طرائق اتصال بعضنا ببعض، ومع المؤسسات السياسية والإعلامية التقليدية. مرّ زُهاء أربعين عامًا منذ أن بدأ استخدام مفهوم الثقافة السياسية بانتظام في الدراسات التي تركز على فهم كيفية بناء المواطنين علاقتهم

  1. نستخدم في هذه الدراسة مصطلحات الشبكات الاجتماعية الرقمية وشبكات التواصل
  2. R. Reiffel, Révolution numérique, révolution culturelle (Paris: Gallimard, 2014), p. 11; Esteban Ortiz-Ospina, "The Rise of Social Media: Social Media Sites
  3. R. Bond & S. Messing, "Quantifying Social Media's Political Space: Estimating Ideology from Publicly Revealed Preferences on Facebook," American Political Science Review , vol. 109, no. 1 (2015), pp. 62-78; J.E. Carlisle & R.C. Patton, "Is Social Media Changing How We Understand Political Engagement? An Analysis of Facebook and the 2008 Presidential Election," Political Research Quarterly , vol. 66, no. 4 (2013), pp. 883 - 895. 4 K. Daesik, J.C. Chung& E. Kihong, "Measuring Online Public Opinion for Decision Making: Application of Deep Learning on Political Context," Sustainability , vol. 14, no. 7 (2022). 5 G.A. Almond & S. Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Fire Nations (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1963), p. 4.
  4. الاجتماعية ووسائط التواصل الاجتماعي على نحو مترادف.
  5. are Used by more than Two-Thirds of Internet Users. How has Social Media Grown Over Time?" Our World in Data , 18/9/2019, accessed on 9/5/2023, at: https://bit.ly/4bgn7Pw

بالسياسة. يقسم نوربيرت ليتشنر6 المسار الذي اتّبعته دراسات الثقافة السياسية خلال هذه العقود الأربعة والمسائل المحورية المختلفة التي عالجتها تدريجيًا إلى ثلاث مراحل. خلال المرحلة الأولى، ركزت دراسات الثقافة السياسية على اتجاهات المواطنين وقيمهم ومعتقداتهم؛ وركزت في المرحلة الثانية على تحليل التأثير المنسوب إلى عولمة الثقافة والتواصل في تشكيل الثقافة السياسية؛ أما المرحلة الثالثة التي نعيشها اليوم، فتتّسم بتعقيد خاص من حيث تزامن ظاهرتين: الأزمة العميقة للأنظمة الديمقراطية التمثيلية، والسيطرة العامة لنمط التواصل بوساطة الأدوات التكنولوجية الرقمية المُتاحة، ولا سيما الإنترنت. ترتبط الثقافة السياسية بمخرجات العملية السياسية نفسها، من خلال قنوات التنمية السياسية التعددية؛ ومع انبثاق ثورة الاتصال والإعلام، واجه الباحثون تحدي دراسة إحدى هذه القنوات الحديثة المُتاحة للجميع؛ أي الإنترنت، التي قوّضت الحدود السياسية الوطنية التي كانت في السابق تُحد من تدفّق المعلومات. تمثل شبكة الإنترنت إحدى الوسائل التكنولوجية في ثورة المعرفة، فقد أضفت على الثقافة السياسية معانيَ متعدّدة وأحدثت حركة نوعية في حقول البحث والآراء والاتجاهات والأخبار السياسية، إلى أن أصبحت أهم قنوات الاتصال التي تؤدي دورًا بارزًا في تغيير منظومة القيم ومراجعة مواقف الأفراد والمجتمعات ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف خصائص هذه الممارسة السياسية في عصر وسائط التواصل الاجتماعي، وما رافقها من تحّولّات على مستوى معظم العناصر التي تشكل الثقافة السياسية، من التمثيل السياسي وأساليب تدبير الديمقراطية لدى الأحزاب السياسية، والتفاوت من حيث امتلاك موارد المشاركة السياسية الرقمية، فضلًا عن الإعلام بوصفه عاملًا أساسيًا في تشكيل الثقافة السياسية. كما تهدف إلى إظهار دور الثورة الرقمية في تسريع التساؤل بشأن الطرائق التقليدية لفهم السياسة وممارستها. للقيام بذلك، سنسعى للإجابة عن سؤالين رئيسين؛ الأول: أيوفّر السلوك السياسي الرقمي مؤشرًا مفيدًا لدراسة الثقافة السياسية لجماعة اجتماعية معيّنة، أم أن هذا السلوك أضاف المزيد من الضوضاء إلى عملية صنع السياسة؟ من وجهة نظر القياس، يوفّر السلوك السياسي الذي يتمظهر في الآراء غير المصفاة، لعلماء الرأي العام فرصة فريدة وإمدادًا غير محدود تقريبًا من التعليقات العامة حول القضايا المهمة سياسيًا واجتماعيًا. لكن، هل تلقي مثل هذه التعليقات الضوء على المناقشات، أم تُشوّه جهود قياس مشاعر الجمهور بدقة؟ إذا أخذنا تعريف فلاديمير أولاندو كي للرأي العام: "الآراء التي يتبنّاها الأشخاص العاديون، والتي تجد الحكومات أن من الحكمة الالتفات إليها"7، يحق لنا أن نتساءل عما إذا كانت دراسة السلوك السياسي عبر الإنترنت تحظى بأهمية سياسية واجتماعية تعادل أهمية دراسة الثقافة السياسية التقليدية أو تتجاوزها. والسؤال الثاني هو: هل أدّى التعبير عن الآراء السياسية عبر الإنترنت إلى تغيير بنية الثقافة السياسية تغييرًا جذريًا؟ بمعنى آخر، هل غّير التعبير السياسي عبر الإنترنت طبيعة ما نحاول قياسه؟

أولا: مفاهيم الدراسة

1. الثقافة السياسية

على الرغم من أن الثقافة السياسية تُعدّ أحد أكثر المفاهيم شعبية وجاذبية، فإنها تبقى أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل والارتباك في العلوم السياسية8. فكثيرًا ما كان يُعتقد أن الثقافة والسياسة متشابكتان؛ إذ يمكن العثور على الثقافة أو القيمة بوصفهما تفسيرًا في دراسة الظواهر السياسية في أعمال فريدريش هيغلFriedrich Hegel (1831-1770) وإيمانويل كانط Kant Emanuel (1804-1724) وماكس فيبر Max Weber (1920-1864). إن البشر نتاج بيئتهم الثقافية، وغالبًا ما تكون أفعالهم موجّهة ومتأثرة بتوجّهاتهم الثقافية الذاتية. لكن مصطلح "الثقافة السياسية" لم يجرِ تداوله في العلوم السياسية إّلا في أوائل ستينيات القرن العشرين، حين نشر غابرييل ألموند وسيدني فيربا عملهما المرجعي الثقافة المدنية: الاتجاهات السياسية والديمقراطية في خمس دول9. ومنذ ذلك الحين، حظيت نظرية الثقافة السياسية بنجاح وتطور كبيرين في العلوم السياسية والاجتماعية10، بسبب القوة التفسيرية لحججها في ما يتعلق بالدور

  1. N. Lechner, "Por qué la política ya no es lo que fue?" Leviatán: Revista de hechos e ideas , no. 63 (May 1996), pp. 63 - 74.
  2. V.O. Key, Jr., Public Opinion and American Democracy (New York: Knopf, 1961), p. 14.
  3. D.J. Elkins & R.E.B. Simeon, "A Cause in Search of its Effects, or What Does Political Culture Explain?" Comparative Politics , vol. 11, no. 2 (1979), p. 127.
  4. Almond & Verba. 10 M.A. Seligson, "The Renaissance of Political Culture or the Renaissance of the Ecological Fallacy?" Comparative Politics , vol. 34, no. 3 (2002), pp. 273 - 292.
  5. نقلًا عن: X. Barandiarán, A. Unceta & S. Peña, "Political Communication in Times of a New Political Culture," Icono14 , vol. 18, no. 1 (June 2019), pp. 256 - 281.

الوسيط الذي تقوم به الثقافة في العلاقة بين المواطنين وديناميات بنية الدولة وتنظيمها وعملها11. ثم توزّعت دراسات الثقافة السياسية على مقاربتين أساسيتين: المقاربة الذاتويةSubjectivist Approach والمقاربة الجماعوية Approach Collectivist. يمثل المقاربة الأولى سيدني فيربا الذي يركز على التوجّهات السياسية، مع استبعاد السلوك في تعريفه ثقافة المجتمع السياسية، فهي "نظام المعتقدات الإمبريقية والرموز التعبيرية والقيم التي تُحدّد الوضعية التي يحدث فيها الفعل السياسي. إنها توفر التوجه الذاتي للسياسة"12. وتجمع نظرية فيربا وزميله ألموند الكلاسيكية للثقافة السياسية بين السلوك السياسي والثقافة على المستوى الذاتي للمواطن الفرد، مُفتِّتَةً المستوى الذي تُقاس به الاتجاهات. بعد ذلك يجري تجميع هذه القياسات الفردية، حيث توفّر تعميمات على اتجاهات الجمهور. وفي مقابل ذلك، تعتبر الثقافة وفق المنظور الجمعي ظاهرة جماعية منبثقة13، ومن ثم لا يمكن تفسيرها بمجرد عدّ الإسقاطات الفردية أو تلخيصها. يقدم أنتوني كون مثلًا للثقافة السياسية تصورًا تتشابك فيه المعتقدات والسلوك الفردي في عملية تفاعل تكرارية، تصبح روتينية بمرور الوقت. بحسب كون، "الإطار التأو ليي الواسع الذي تتبنّاه الجماعة أو الفرد هو الذي يسند معنى إلى السلوك السياسي. إنه المعنى الذي يتم إدراكه في أحداث وسلوك معينين، يجري التوسط لهما بتفاعل الأنماط التاريخية للمجتمع والممارسات التقليدية وعادات الارتباط البشري. إن الثقافة السياسية التي توجد في المعتقدات السياسية ويعَّبر عنها من خلال السلوك السياسي، يجري إنشاؤها وإعادة إنشائها باستمرار من خلال التفاعل الاجتماعي. إنها تتمظهر في القدرة التي تمنحها للناس على تحديد المعنى في السلوك السياسي وإدراكه"14. إن مستوى التحليل هنا هو الجماعة. وتشمل الثقافة السياسية المحلية أيديولوجيا النخب السياسية والأمة عمومًا، لكنها تختلف عن الثقافات السياسية للجماعات الأهلية الأخرى بالتأثيرات البيئية الفريدة (أي الخصائص الديموغرافية). يقدم الجمع بين المقاربتين تصوّرًا أشمل للثقافة السياسية، يدمج السلوك والتوجهات الشخصية في بناء مفاهيمي، يؤكد الطابع التحفيزي للثقافة من خلال التفاعل بين الوضعيات والسلوك. الثقافة السياسية هي البعد السياسي للثقافة، ومن ثم، تشكل جزءًا من الثقافة المنتشرة في المجتمع؛ وبما أنها جزء من الثقافة العامة للمجتمع، فإنها تصبح انعكاسًا لهذا الأخير. ولما كانت سياسة دولة معيّنة تعكس رؤيتها الثقافية، فإن الثقافة السياسية تعتبر مؤشرًا على تقدم الحياة السياسية والديمقراطية وانعكاسًا للنضج السياسي والمشاركة في العملية السياسية. إن لكل مجتمع مقاربات متباينة لمواضيع وقضايا مختلفة، وتعتمد تلك المقاربات على الكثير من العوامل التي تشكل الثقافة السياسية. وتركز الثقافة السياسية لمجتمع معين على سلوك وأحداث ومؤسسات مخصوصة، وتُحدّد مجال الممكنات والمشكلات الوجيهة ونطاق البدائل التي يتّخذ فيها الأفراد قراراتهم15. وتشكل هذه العناصر المسّلمّات التي يخصص لها كل مجتمع سياسي مقاربة مخصوصة من أجل المشكلات ذات الصلة، من خلال وجهات نظر وحجج واستدلالات مختلفة. وكما يلاحظ سويدلو، "تمثل الثقافة السياسية؛ أي القيم والمعتقدات المشتركة لجماعة أو مجتمع في ما يتعلق بالعلاقات السياسية والسياسة العامة، في جوهرها جوابًا عن سؤال كيف يعيش البشر معًا؟"16.

2. وسائط التواصل الاجتماعي

يشير مصطلح وسائط التواصل الاجتماعي، الشائع جدًا، إلى التقنيات المستندة إلى الويب 2.0 للاتصال والمشاركة عبر الإنترنت. ليس ثمة اتفاق بين الباحثين على تعريف موحد لوسائط التواصل الاجتماعي؛ فهناك مئات التعريفات، وغالبًا ما تُضاف تعريفات جديدة، مع استمرار تغير المفاهيم وتطوّرها مع مرور الوقت. لكننا نقترح، لغرض هذه الدراسة، تعريفًا عمليًا محدّدًا لوسائط التواصل الاجتماعي: إنها مجموعة من مواقع الويب والأنظمة المستندة إلى الويب التي تسمح بالتفاعل الجماعي والمحادثة والمشاركة بين أعضاء الشبكة17. تتميز وسائط التواصل الاجتماعي في هذا التعريف بأربع خصائص محددة: المحتوى الذي ينشئه المستخدم والجماعة والانتشار السريع والحوار المفتوح ثنائي الاتجاه. تتماشى هذه المفهمة لوسائط التواصل الاجتماعي مع تعريفها الذي اقترحه كابلان وهاينلاين، بوصفها "مجموعة من التطبيقات القائمة

  1. C.F. Voinea & M. Neumann, "Political Culture: A Theory in Search for Methodology: An Editorial," Quality & Quantity , vol. 54 (2020), pp. 335 - 360.
  2. S. Verba, "Comparative Political Culture," in: L. Pye & S.Verba (eds.), Political Culture and Political Development (Princeton N.J.: Princeton, 1965), p. 513.
  3. Elkins & Simeon.
  4. A. Cohen, The Symbolic Construction of Community (New York: Ellis Horwood Limited, 1985), p. 18.
  5. Elkins & Simeon, p. 124.
  6. B. Swedlow, "Political Culture," in: G. Claeys (ed.), Encyclopedia of Modern Political Thought , (Thousand Oaks, CA: Sage, 2013), p. 624.
  7. J. Murphy, C.A. Hill & E. Dean, "Social Media, Sociality and Survey Research," in: C.A. Hill, E. Dean & J. Murphy (eds.), Social Media: Sociality and Survey Research (Hoboken, New Jersey: Wiley, 2013), p. 3.

على الإنترنت، التي تستند إلى الأسس الأيديولوجية والتكنولوجية للويب 2.0، والتي تسمح بإنشاء المحتوى الذي ينشئه المستخدِم وبتبادله"18، إن الخاصية التي تهمّنا في هذا التعريف، والتي تبدو لنا وجيهة في ما يتعلق بأهداف بحثنا، هي تمكين مستخدمي الشبكات الاجتماعية الرقمية، بفضل إضفائها الطابع الديمقراطي على المحتوى؛ ما يمنح هؤلاء المستخدمين القدرة على الخروج من وضعية مستهلكي المحتوى إلى منتجيه وناشريه. وتشمل وسائط التواصل الاجتماعي أنواع الوسائط الاجتماعية الشائعة المعترف بها على نطاق واسع، مثل المدوّنات (بلوغر Blogger وورد برس Press Word)، والمدونات الصغيرة (منصة أكس X – تويتر Twitter سابقًا)، وخدمات الشبكات الاجتماعية (فيسبوك Facebook)، ومواقع مشاركة المحتوى والمناقشة (يوتيوب YouTube)، والعوالم الافتراضية (سكند Second ولايف Life)19.

ثانيًا: خصائص الثقافة السياسية الرقمية

1. المواطنة الرقمية

ماذا تعني ممارسة السياسة اليوم؟ وماذا يعني أن يكون المرء مواطنًا؟ يتحدّى التحوّل في كيفية ممارساتنا السياسية في العصر الرقمي المعنى التقليدي للمشاركة المدنية والمواطنة. تقليديًا، كانت العلوم السياسية تتعامل مع "مواطن الأمة" الذي كان يتحدد بانتمائه إلى رقعة ترابية محددة، يسود فيها حكم معّين. لكن بدأ هذا النوع من المواطنين، منذ بضعة عقود، يترك مكانه لنوع آخر يمكن تسميته "المواطن الرقمي" أو مواطن الإنترنت Netizen، وهي التسمية التي أطلقت على الذات السياسية التي تكوّنت في الفضاءات الافتراضية، والتي قطعت شوطًا طويلًا في تكوين صنف جديد من العلاقة السياسية، علاقة تنشأ بفضل شبكة الإنترنت التي تشجّع على عمليات التبادل العابرة الحدود الوطنية، وتجمع بين الولاء للأمة والولاء للشبكة الرقمية وللفضاءات السياسية العالمية. مواطن الإنترنت هو فرد طوّر هوية سياسية – اجتماعية - ثقافية جديدة من خلال "شبكة الإنترنت التي منحته القدرة على التأثير في السياسة والصحافة والثقافة، وفي مختلف أبعاد المجتمع الأخرى"20. وقد أدّى الابتكار التكنولوجي الرقمي إلى خفض تكلفة الوصول إلى المعلومات؛ ما أدى إلى تعزيز المواطنة الديمقراطية. وفقًا لنظريات التعبئة التي يمثلها باحثون، أمثال هوارد راينغولد Rheingold Howard وبيبا نوريس Norris Pippa، تتمتع شبكة الإنترنت بالقدرة على التعبئة من خلال تسهيل نشر المعلومات. مُتّ يّز هذه المقاربة الإنترنت من الوسائط الإعلامية التقليدية، بناء على كمية المعلومات المتداولة في الحقل السياسي وتكلفة إنتاجها أو بلوغها، وتقيم علاقة ارتباط إيجابية بين الغنى الكمي للمعلومات ومستوى الانخراط في الممارسة السياسية. عندما أصبحت الشبكات الرقمية مج لًا لإنتاج معظم أشكال التعبير الثقافي وتوزيعها وتبادلها، أدّى ذلك إلى إضعاف القوة السياسية للمرسلين التقليديين، مثل رجال السياسة والإعلام الجماهيري والحكومات. ويتمظهر ذلك جلًّيًا في الدور الذي تقوم به الممارسة السياسية الموصولة بالإنترنت في تمكين مواطني الحكومات الاستبدادية من ممارسة تأثيرات ديمقراطية ضخمة، ومن خلق تعددية ثقافية سياسية، وهذا ما اعترف به يورغن هابرماس الذي عُرِف بتشكيكه في المزايا الديمقراطية للإنترنت ومشتقاته الاجتماعية، حيث أكد أن الشبكات الاجتماعية الرقمية قادرة على مقاومة محاولات الأنظمة الاستبدادية السيطرة على الرأي العام وقمعه21.

2. غياب الوساطة

في مجتمع التواصل الجماهيري، مثّلت الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والحركات الاجتماعية ووسائل الإعلام، الفاعل الرئيس في الفضاء العام، حيث كانت تنتج الرأي العام وتُحدّد الأجندات السياسية للمجتمع. كان رأي الأفراد في الحكومات وأدائها، وفي المشاريع المجتمعية المستقبلية، يمرّ عبر مصفاة الأحزاب السياسية من خلال قادتها وممثليها. وكانت وسائل الإعلام تُحدّد ما يجب أن يكون موضوعًا للنقاش في الفضاء العام، وتضع سياقه وتؤطّره، مقدمةً أحيانًا تفسيرًا خاصًا ومتحيّزًا لهذا النقاش. إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية، يمكننا القول إن وسائل الإعلام هي في الأساس "مُضخّم" للأحداث. تُعيدنا هذه الاستعارة إلى نظرية التأطير22، حيث يسعى

  1. A.M. Kaplan M. & Haenlein, "Users of the World, Unite! The Challenges and Opportunities of Social Media," Business Horizons , vol. 53, no. 1 (2010), p. 61.
  2. 19 Murphy , Hill & Dean.
  3. Michael Hauben, "What the Net Means to Me," CAN , vol. 6, no. 1 (Spring 1994).
  4. Jurgen Habermas, "Political Communication in Media Society: Does Democracy Still Enjoy an Epistemic Dimension? The Impact of Normative Theory on Empirical Research," Communication Theory , no. 16 (2006), pp.
  5. 22 Entman.

الصحافيون ل "تشكيل" الأحداث بطريقة معيّنة، حيث يمكن إدراجها في إطار مرجعي محدد، ومن ثم إعطاء "زاوية" لقصة معيّنة. أدى تعميم التقنيات الرقمية وتطوير أدوات الويب 2.0 إلى تحول عميق في الاتصال، من أهم تمظهراته ما أصبح يُعرف ب "غياب الوساطة" Disintermediation. وقد أوضح كاستلز أن الأدوات الرقمية توجد في صميم التواصل الذاتي الجماهيري Self- Mass Communication، حيث يمكن أن يبث أي فرد رسالة شخصية على الإنترنت ويحقق صدى محليًا أو وطنيًا أو عالميًا23، ما يمكن أن نراه في الاحتجاجات العالمية، مثل احتجاجات تونس أو أيسلندا أو مصر أو إسبانيا أو الولايات المتحدة الأميركية أو تركيا أو البرازيل في السنوات الأخيرة، هو السرعة التي تتغير بها الرسائل السياسية على يد التقنيات الرقمية التي تجعل من الممكن إنشاء ميكانيزم أساسي للسلطة في المجتمع الشبكي: قوة الترابط24. يذهب لانس بينيت وأليكساندرا سيجيربيرغ إلى أن هذا الفعل الترابطي، الناتج من تعميم منجزات الويب 2.0، سمح لمعظم الأفراد بمشاركة محتوياتهم الشخصية على وسائط التواصل الاجتماعي، حيث أصبحوا ينتجون و/ أو يوزّعون محتويات للتعبير عن دعمهم لقضايا معيّنة، أو لمساءلة الحكومات. وأدى ذلك إلى ظهور رأي عام منظم وفقًا لمنطق الشبكة، كونه أفقيًا، مفكك البنية، وتهيمن عليه الفورية25. ناقش العديد من الدراسات العلمية الدور المثير الذي تقوم به وسائل الإعلام الرقمية في تنظيم الفعل السياسي المباشر والتعبئة العامة، خاصة بعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع المدوّنات الصغيرة بعد عام 2006. وانقسمت هذه الدراسات إلى فئة أبدت حماستها لهذا الدور، حيث أشارت إلى أنه كان لوسائط التواصل الاجتماعي دورٌ سببيٌ في هذه الاضطرابات السياسية، وركزت فئة متشائمة على أن القوة السياسية لهذه الوسائط الرقمية جرى تضخيمها. لكنّ باحثين متأخرين اعتمدوا على منطق الفعل الاتصالي الذي يقدم وصفًا ثريًا ومنهجيًا لدور الوسائط الرقمية في التعبئة واسعة النطاق. على سبيل المثال، أقام بينيت وسيجيربيرغ26إطارهما النظري في السياق الأوسع للتغييرات المجتمعية المتواصلة في الديمقراطيات الحديثة، وهو السياق الذي سمح بظهور الوسائط الاجتماعية الرقمية باعتبارها أدوات للمشاركة السياسية. بيد أن هذه الوسائط لم تُنتج، بشكل مفاجئ، أشك لًا جديدة من المشاركة السياسية غير المؤسسية والإبداعية والشخصية، إنما بقي "المواطنون الناقدون" في الديمقراطيات الحديثة يمارسون منذ فترة طويلة انتق لًا تدريجيًا من الأشكال التقليدية للمشاركة، إلى أنماط تشاركية، من دون وساطات تتماشى بشكل وثيق مع سياسات القضايا، وقيم المواطنين، وتفضيلاتهم الخاصة فيما يتعلق بأسلوب الحياة. وهذا ما يفسر تصور الباحثين استخدامَ الوسائط الرقمية بوصفه توسيعًا لنطاق الفعل السياسي، وتركيزهما على فكرة أن الوسائط الرقمية أصبحت فاعلًا تنظيميًا يساهم على نحو كبير في بناء ثقافة سياسية رقمية يمارسها المواطنون دون وساطة من البنيات السياسية التقليدية، مثل الأحزاب والدولة والإعلام التقليدي. أضحى شكل المواطنة الجديد نوعًا من الديمقراطية المباشرة، حيث "أصبحت المواقف في الإنترنت أقل جمودًا وأكثر تغيرًا، لأن الناس أصبحوا قادرين على التوجّه، بعضهم إلى بعض بشكل مباشر، وليس بوساطة الصحافيين ورجال السياسة والقراصنة الأيديولوجيين"27. وهكذا أصبح في إمكان "المواطنين الرقميين" تحقيق الاستقلال عن الأجندات الإعلامية والأيديولوجيات السياسية القديمة. لم يعد المواطن الرقمي يفكر في قضايا المدينة وفقًا للتعارض يمين/ يسار، بل أصبح في إمكانه، كما في عهد الأنوار، ممارسة عقلانية جديدة.

3. الأحزاب الرقمية

أبرزت الدراسات الكلاسيكية دور الأحزاب السياسية في تشكيل الثقافة السياسية للمجتمع. وبالنسبة إلى هذه الدراسات، مَّثَل الحزب السياسي في الأساس، ثم وسائل الإعلام، "الكائن الحي النموذجي"28لأبحاث الثقافة السياسية. وبالقياس إلى الاستعارة التي استعملتها زينب توفيكشي لوصف منصة تويتر سابقًا، كان الحزب في الأساس "ذبابة الفاكهة سوداء البطن"29 لدراسات الرأي العام والثقافة السياسية. وركّزت هذه الدراسات في الأساس على التواصل السياسي للأحزاب السياسية وطرائق ممارسة العضوية والديمقراطية الداخلية.

  1. M. Castells, Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age (Cambridge, UK: Polity Press, 2012).
  2. Ibid.
  3. W.L. Bennett& A. Segerberg, The Logic of Connective Action: Digital Media and the Personalization of Contentious Politics (New York: Cambridge University Press, 2013).
  4. Ibid.
  5. J. Katz, "Birth of a Digital Nation," Wired , 1/4/1997, p. 49.
  6. في البايولوجيا، تشير "الكائنات الحية النموذجية" إلى الأنواع (مثل الفئران المنزلية، وذبابة الفاكهة سوداء البطن، وبكتيريا الإشريكية القولونية) التي يجري عليها العلماء دراساتهم التجريبية من أجل تسليط الضوء على العمليات البيولوجية الرئيسة، مثل الخصائص الأساسية للخلايا الحية.
  7. Z. Tufekci, "Big Questions for Social Media Big Data: Representativeness, Validity and other Methodological Pitfalls," ICWSM , no. 14, (2014), pp. 505 - 514.

ويبدو أن الثقافة السياسية للأحزاب السياسية تعيش أزمة خانقة بسبب العزوف السياسي وانخفاض عدد المنتمين إليها واحتكار قادتها للقرارات الحاسمة. يؤدي الاتصال السياسي اليوم أكثر من أي وقت مضى دورًا استراتيجيًا في علاقة المواطنين بالسياسة، أي في تشكل الثقافة السياسية، وفي كيفية إدراك المواطنين السياسة وتقييمهم وحكمهم عليها. تؤثر هذه الظاهرة في الممارسة السياسية في البلدان كلها التي تتبنى الديمقراطية التمثيلية، وتساهم على نحو حاسم في أزمة الثقافة السياسية التقليدية. هكذا يواجه النظام السياسي القديم في المجتمعات الأوروبية اليوم تحديًا من جيل جديد من السياسة، يطلق على نفسه الديمقراطية المناسبة لعصر وسائط التواصل الاجتماعي. وأصبح ما يطلق عليه "الحزب الرقمي" أحد أهم مكوّنات هذا النظام الديمقراطي. والحزب الرقمي تنظيم سياسي يختار أعضاؤه المرشحين، ويصوتون على المواقف السياسية، ويقدمون الأفكار من خلال منصّات الإنترنت. اقترحت هيلين مارغيتس في عام 2006 أن التكنولوجيا الرقمية ستؤدي إلى إنتاج نموذج حزب إلكتروني Cyber-party. تتمثل السمة المميزة الأساسية للأحزاب الإلكترونية، وفقًا لمارغيتس، في أنها "تستخدم التقنيات المستندة إلى الويب لتقوية العلاقة بين الناخبين والحزب، بدلًا من الاعتماد على التصورات التقليدية للعضوية [...]. ويمكن استخدام مواقع الويب لربط الوحدات المحلية أو القطاعية للأحزاب اللامركزية، كما يمكن استخدامها لتحقيق تأثير جيد في جعل الترتيبات الائتلافية واضحة للناخبين. فضلًا عن ذلك، يوفر الوجود على شبكة الإنترنت [...] الفرصة لتقديم صورتها للناخبين [...] ولجعل المشاركة السياسية خالية تقريبًا من التكلفة، وللتغلب على مشكلة حضور الاجتماعات [...]، ما يجعل النشاط السياسي ممكنًا في المنزل وفي أي وقت"30. يبدو أن حدس مارغيتس بدأ يتحقق منذ سنوات عدة. هكذا يمكن مثلًا أن نعتبر حزب بوديموس الإسباني وحزب "حركة 5 نجوم" الإيطالي من أبرز الأحزاب الأوروبية التي تبنّت هذه المقاربة الديمقراطية الرقمية31. لكن إرهاصات الأحزاب الرقمية ليست وليدة اليوم، فقد نشأ أول حزب رقمي في عام 2006 في السويد، وأطلق على نفسه اسم "حزب القراصنة". وقد أسسه ناشطو الإنترنت المستاؤون من حكم قضائي يقضي بإغلاق خدمة مشاركة الملفات المعروفة باسم Bay Pirate. واستطاع حزب القراصنة أن يتوسع بفضل منصة ليكويد فيدباك Feedback Liquid، ليشمل دول شمال أوروبا الأخرى. ويدعو هذا الحزب إلى الشفافية الحكومية وضمان الحقوق الرقمية وحماية الخصوصية على الإنترنت. والملاحظ أن الأحزاب الرقمية في أوروبا نشأت في أوساط اليسار السياسي فحسب، فقد أنشأ حزب العمال البريطاني، على سبيل المثال، منصّة على الإنترنت، تُسمى ماي مومنتوم Mementum My، يمكن أن يشارك فيها الأعضاء في صنع القرار الحزبي. وفي فرنسا، يستخدم حزب يساري متطرف ناشئ، يُعرف باسم فرنسا الأبية Insoumise France La أيضًا منصة تشاركية عبر الإنترنت32. أثار استخدام الأحزاب التكنولوجيا الرقمية تقييمات مختلفة للكيفية التي سيغير بها التواصل السياسي الرقمي ثقافة الممارسة السياسية في المجتمع المعاصر. قدمت وجهة النظر المتفائلة بشأن التأثير السياسي للإنترنت تصورًا لهذه الأخيرة، يجعل منها علاجًا لأزمة الثقافة السياسية. فعلى النقيض من الطبيعة أحادية الاتجاه، ومن أعلى إلى أسفل لقنوات الاتصال التقليدية، ستقوي تكنولوجيا الإنترنت التفاعل بين الأحزاب والمواطنين. اقترح المتفائلون أن هذه القدرة المكتشفة حديثًا على الانخراط في اتصال ثنائي الاتجاه (من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى) تمكّن الناخبين والأحزاب السياسية من تطوير روابط أقوى، غير مقيّدة بالقيود الجغرافية أو الزمنية أو الإعلامية33. في الجهة المقابلة، ترى وجهة النظر المتشائمة أن الاستخدام السياسي لتكنولوجيا الإنترنت يكرر أنماط الاتصال والمشاركة غير المتصلة بالإنترنت. فمن المرجّح، بحسب رأي المتشائمين، أن تستمر الأحزاب على وجه الخصوص في تركيز جهودها على توفير المعلومات من أعلى إلى أسفل، بدلًا من تبنّي الإمكانات التفاعلية الحقيقية للويب، ومن ثم ستبقى شبكة الإنترنت امتدادًا لتواصل غير المتصل بالإنترنت، ولن تفعل شيئًا يذكر لتسهيل مستويات جديدة من الترابط34. لكن ظهور تقنيات الويب 2.0، بطبيعتها التفاعلية، أحيت توقعات المتفائلين، نظرًا إلى أن هذه المواقع بحكم تصميمها "لا تتوافق مع أسلوب الاتصال السياسي من أعلى إلى أسفل، أي من النخبة إلى

  1. H. Margetts, "Cyber Parties," in: R.S. Katz & W.J. Crotty (eds.), Handbook of Party Politics (Thousand Oaks, CA: Sage, 2006), pp. 531 - 532.
  2. نعني ب "الديمقراطية الرقمية " Democracy Digital ممارسة العمليات الديمقراطية والمشاركة الناشطة في تدبير الشأن العام على الصعيدين المحليي والوطني باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية، ولا سيما الشبكات الاجتماعية الرقمية.
  3. C. Burdeau, "Digital Parties' Disrupt Europe's Traditional Politics," Courtehouse News Service , 20/2/2019, accessed on 5/10/2022, at: https://bit.ly/3OoJokF
  4. P. Norris, Digital Divide: Civic Engagement, Information Poverty, and the Internet Worldwide (New York: Cambridge University Press, 2001), p. 10.
  5. M. Vergeer, L. Hermans & S. Sams, "Online Social Networks and Micro-Blogging in political Campaigning: The exploration of a New Campaign Tool and a New Campaign Style," Party Politics , vol. 19, no. 3 (2011), pp. 477 - 501.

الجماهير، الذي كانت تمارسه تقليديًا الأحزاب السياسية"35. في السنوات الأخيرة، ابتعد بعض المنظرين عن فكرة الدور المركزي للمنظمات، واعتمد وجهة نظر أخرى، يصبح المواطنون وفقًا لها أبط لًا في إدارة المعلومات والمعرفة ومعالجتها. يرى يوشاي بينكلر36أن الأدوات التكنولوجية التي يشار إليها مجتمعة باسم ويب 2.0، خاصة الشبكات الاجتماعية، مُتّ كّن "المواطن - الهاوي" من القيام بالأنشطة المهنية التي كانت في السابق حكرًا على المؤسسات، من إنتاج السلع والخدمات، إلى إنشاء المحتويات السياسية والثقافية. هكذا يمكننا التحدّث عن ثقافة سياسية لديها القدرة والموارد لتوليد ديناميتها الخاصة للمناقشات والإجابات. في ما يتعلق بالتحّولّات التي مسّت تصوّر الأحزاب السياسية للممارسة الانتخابية في العصر الرقمي، تُعدّ الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية مث لًا جيدًا على ذلك. فقد دشّن باراك أوباما Obama Barack (-1961) في عام 2008 أهم التحّولّات العميقة التي مسّت جوهر الثقافة السياسية من خلال حملته الانتخابية الرئاسية "نعم نستطيع"، حيث استخدم الشبكات الاجتماعية لكسب المزيد من المتابعين ولإشراك المزيد من الناس في حملته. يُعدّ أوباما أول مرشح رئاسي يفهم قدرة وسائط التواصل الاجتماعي على ممارسة التأثير، حيث إن استخدامه هذه الوسائط الرقمية لإشراك الشباب كان مقاربة ثورية وغير مسبوقة، غّير ت مشهد الحملات الانتخابية لاحقًا. ربما تمَّثَل الابتكار الأبرز خلال هذه الحملة في زيادة المحتوى الذي يُنشئه المستخدمون، حيث استخدم المواطنون مواقع الويب والمدوّنات ومواقع مشاركة الفيديو ومواقع التواصل الاجتماعي والبودكاست للمشاركة في الحملة الانتخابية37. كانت تلك إشارة واضحة إلى أن الشبكات الاجتماعية الرقمية والحملات عبر الإنترنت ستكون مكوّنًا أساسيًا في الثقافة السياسية؛ إذ أبرزت الأرقام آنذاك أن معظم الأشخاص استخدم الإنترنت لمعرفة ما كان يجري في الحملات. فقد استخدم 59 في المئة من الناخبين الإنترنت للحصول على معلومات عن الحملة، أو للانخراط في التواصل مع الآخرين بشأن الانتخابات، بينما اعتبر 36 في المئة منهم أن شبكة الإنترنت كانت المصدر الرئيس للأخبار38. مثلما اتّجهت مؤسسات تسويق السلع إلى وسائط التواصل الاجتماعي والتسويق الرقمي عمومًا للوصول إلى فئات الشباب، بما أن هذه التكنولوجيا الرقمية تشكل جزءًا أساسيًا من ممارساتهم اليومية، أدرك السياسيون والصحافيون أهمية هذه الوسائل في الاتصال بفئة الشباب التي لم يكن واضحًا عدم اهتمامها بوسائط التواصل السياسي التقليدية. فمن المعروف أن الشباب أكثر انجذابًا إلى الابتكارات الرقمية، مثل مقاطع الفيديو والمدوّنات والتعليقات والصور على وسائط التواصل الاجتماعي. وهذا ما يفسر جزئيًا الاهتمام المتنامي لرجال السياسة والإعلام بأدوات التواصل السياسي الرقمية؛ ما ساهم في زيادة اهتمام الشباب بالحياة السياسية. أثبتت الحملة الرقمية لأوباما الفعالية المتزايدة لهذه الاستراتيجيا التواصلية الجديدة، وهو ما دفع بعد فترة وجيزة السياسيين إلى استخدام الشبكات الاجتماعية على نحو أكبر، وبدؤوا بالتكيّف مع العصر الجديد لوسائط التواصل الاجتماعي. يشكل البريكسيتBrexit مث لًا آخر على تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الثقافة السياسية، فقد جرت معركة حول الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، حُسمت لفائدة أنصار المغادرة في وسائط التواصل الاجتماعي. ذلك أن "فريق المغادرة" فاز بالمعركة الاستفتائية قبل وقت طويل من يوم التصويت، لأنه اشتغل بقوة في الشبكات الاجتماعية الموصولة بالإنترنت قصد التأثير في المصوّتين وحملهم على اختيار قرار المغادرة. وما يثبت الدور الحاسم الذي قامت به هذه الشبكات الرقمية في تحديد القرار السياسي للمواطنين البريطانيين القاضي بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي هو تجاهل أنصار "فريق البقاء" أهمية وسائط التواصل الاجتماعي، حيث اعتبروا هذه الأخيرة ملاذًا للتافهين والمراهقين39.

4. الإعلام الرقمي

كان لوسائل الإعلام الجماهيرية دورُ الوساطة بين القرارات السياسية المتعلقة بتدبير الحياة العامة وإرادة المواطنين كما يتم التعبير عنها في الرأي العام، فقد كانت نافذتهم على العالم، ومنحوها مشروعية التحدث باسمهم في المجال العام. فليس من قبيل الصدفة أن تعترف دراسات التواصل السياسي الكلاسيكية بالدور المتنامي للإعلام من خلال تسميته "السلطة الرابعة". تشكل هذه الوسائط الإعلامية جزءًا أساسيًا من المجال العام. إنها تغذي الحوار العام، وتصبح قوة رئيسة في الثقافة السياسية من خلال تمكين الجمهور من البقاء على اّطلّاع

  1. N.A. Jackson & D.G. Lilleker, "Building an Architecture of Participation? Political Parties and Web 2.0 in Britain," Journal of Information Technology and Politics , vol. 6, no. 3 - 4 (2009), p. 223.
  2. Y. Benkler, The Wealth of Networks: How Social Production Transforms Markets and Freedom (New Haven, CT: Yale University Press, 2006).
  3. D. Owen, "The Campaign and the Media," in: M.J. Box-Steffensmeier & S.E. Schier (eds.), The American Elections of 2008 (Lanham: Rowman and Littlefield Publishers, 2009), p. 9.
  4. Ibid., p. 26.
  5. V. Polonski, "Impact of Social Media on the Outcome of the EU Referendum," EU Referendum Analysis (2016), accessed on 9/5/2023, at: https://bit.ly/3SDbwTt

على القضايا المهمة، وتعزيز المعرفة الاجتماعية والتقييم النقدي للأحداث العامة. لم تكتفِ وسائل الإعلام الجماهيرية، قبل ظهور الويب 2.0، بنشر الأخبار بطريقة محايدة، بل كانت تعزّز قيمًا وتصوّرات وممارسات محددةً، تتحكم فيها عوامل تنظيمية ومؤسساتية40. فقد كانت هذه الوسائط تنتج المحتوى الذي سيُبث من جانب واحد في إطار منطق إعلامي من قادة الرأي إلى عامة الناس. لهذا السبب، كان الاتصال الجماهيري حيويًا لخلق مجال عام، قائمًا على تجربة المشاركة في الاتصال الجماعي41؛ لذلك فإن "نظرية الحقنة" التي اقترحها هارولد لاسويل Lasswell Harold كانت وجيهة عندما كانت وسائل الإعلام الكلاسيكية مُكلَّفة بإيصال الرسائل. فقد كانت هذه الأخيرة، وفقًا ل "نظرية وضع الأجندة"، تشتغل كمصافٍ Filters، وتقرر بشأن المحتوى الذي يمكن نشره وبثه؛ إذ تحدد أَّيَ القضايا أكثر، أو أقل، أهمية بالنسبة إلى الجمهور، وذلك بفضل قدرتها على تركيز انتباه المواطن على موضوعات ومشكلات سياسية محددة42. وليس من قبيل التعميم القول إن أبحاث الاتصال السياسي تركز في المقام الأول على الرسائل السياسية وعلاقتها بالرأي العام وتأثيرها فيه، والمؤسسات التي تساهم في إنتاج المعلومات السياسية، والتي تُعدّ وسائل الإعلام الإخبارية واحدة من أهمها. كانت وسائل الإعلام الكلاسيكية تختار المواضيع التي تبدو لها ذات أهمية، لكن تغطيتها لهذه الموضوعات لم تكن محايدة، بل كانت تُقدم في ثنايا هذه التغطية وجهة نظر معيّنة43 في سياق يتشابك بوضوح مع النظام السياسي44. صحيح أن هذه الفئة من الفاعلين السياسيين كانت تؤدي دور الوساطة بين المواطنين وما يجري في المجتمع من أحداث، حيث تفتح "نوافذ على العالم"، يستطيع المواطنون من خلالها رؤية أنفسهم والآخرين والوضع السياسي الذي يعيشون فيه45، لكنها لا تحترم دائمًا الحياد في قيامها بهذا الدور المتمثل في "الوساطة"46 بفعل تحيّزها إلى مواضيع معيّنة وتقاطبها السياسي، من خلال التحالف مع أحزاب أو توجّهات سياسية معيّنة. من جهة أخرى، اتخذت وسائل الإعلام التقليدية سلسلة من الإصلاحات لتكييف نفسها مع ثقافة وسائط التواصل الاجتماعي. يفتح هذا التحول في الإنتاج الإعلامي المزيد من مصادر الأخبار للجمهور، لكنه يُعزّز في الوقت نفسه مكانة الجمهور بصفته مصدرًا للأخبار أيضًا. على المستوى الأول، أنشأ العديد من الجرائد والتلفزيونات والإذاعات صفحات خاصة بها على منصات التواصل الاجتماعي، مثل الفيسبوك والمدونات الصغرى مثل تويتر سابقًا، ومواقع تبادل محتويات الفيديو مثل يوتيوب. إن لبعض وسائل الإعلام الجماهيرية من الأتباع على الشبكات الاجتماعية الرقمية ما يُعدّ بمئات الآلاف، وأحيانًا بالملايين. وفي الغالب، تتجاوز المواد التي تنشرها وسائل الإعلام التقليدية في حساباتها على وسائط التواصل الاجتماعي عدد مستهلكي تلك المواد في منصّاتها التقليدية. ويوجد الكثير من الإذاعات التي أصبحت تصوّر بالفيديو برامجها المسموعة وتعرضها للمشاهدة في حساباتها الاجتماعية. ويتجاوز عدد مشاهدي هذه البرامج، بكثير، عدد مستمعيها، بحسب أدوات قياس الاستماع إلى البرامج الإذاعية، وينطبق الشيء نفسه على المواد المكتوبة للصحف والمرئية للشبكات التلفزية. على المستوى الثاني، يبدو أن ثمة انتظامًا ملحوظًا في استعادة وسائل الإعلام الجماهيري القضايا التي ينشرها مستخدِمو الشبكات الاجتماعية. فبعد أن زادت وسائط التواصل الاجتماعي من فرص الأفراد في الانخراط في إنتاج المحتوى الإعلامي وتطوير مهنة الصحافة الشعبية47، تحوّل الفاعلون الإعلاميون التقليديون إلى محلّلين سياسيين ملزمين بمواكبة الاهتمامات الرقمية للجمهور. وقد فرض امتلاكُ معظم الأفراد لوحة مفاتيح في العصر الرقمي على وسائل الإعلام التقليدية الانخراط في تعاون مع الجمهور الذي يزوّدها في الكثير من الأحيان بالمواضيع السياسية التي تستحق المناقشة العامة. وهذا التعاون الذي يعمل على تشكيل الثقافة السياسية للمجتمع، هو ما مُيّ ثّل أحد التحديات التي تواجه النظرية السياسية الكلاسيكية التي اعتادت تتبع المعلومة من أعلى إلى أسفل.

  1. D.L. Altheide& R.P. Snow, Media logic (Beverly Hills, CA: Sage, 1979).
  2. U. Klinger & J. Svensson, "The Emergence of Network Media Logic in Political Communication: A Theoretical Approach," New Media & Society , vol. 17, no. 8 (2015), pp. 1241 - 1257.
  3. M.E. McCombs & D.L. Shaw, "The Agenda-Setting Function of Mass Media," Public Opinion Quarterly , vol. 36, no. 2 (1972), pp. 176 - 187.
  4. R.M. Entman, "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm," Journal of Communication , vol. 43, no. 4 (1993), pp. 51 - 58.
  5. D.C. Hallin & P. Mancini, Comparing Media Systems: Three Models of Media and Politics (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2004).
  6. G. Tuchman, Making News: A Study of Construction of Reality (New York: Free Press, 1978).
  7. J. Strömbäck, "Four Phases of Mediatization: An Analysis of the Mediatization of Politics," The International Journal of Press/ Politics , vol. 13, no. 3 (2008), pp. 228 - 246.
  8. D. Gillmor, We the Media: Grassroots Journalism by the People, for the People (Sebastopol, CA: O'Reilly Media, 2004).

ثالثًا: خوارزمية التفضيل السياسي

تؤدي الشبكات الاجتماعية الرقمية دورًا مهمًا في تفسير تشكل الثقافة السياسية لدى جماعة معيّنة؛ ذلك أن خوارزميات هذه الشبكات تساهم في تشكيل المظاهر الأساسية المتعلقة بالسلوك السياسي والاجتماعي وتغييرها، مثل الطريقة التي نفكر فيها وأسلوبنا في التصرف، والطريقة التي نُدير بها علاقاتنا الشخصية وقيمنا، والطريقة التي نتعلّم بها. إن هذه التقنيات الرقمية "يجري اكتشافها من خلال عملية داخلية للبحث والتطوير، ثم تحدد بعد ذلك شروط التغيير الاجتماعي والتقدم"48. إنها تمارس "قوة غير شخصية من حيث جوهرها، وتتحكم في هذه القوة إجراءات تقنية عقلانية، بدلًا من النزوات أو حتى المصالح بالمعنى المعتاد للمصطلح، فيبدو أن لا علاقة لها بالخير والشر"49. لم يعد الفرد الآن في حاجة إلى إنشاء "صحيفة أنا يومية"50، فالآخرون قد يتعهدون بإنشائها من أجله. فعلى سبيل المثال، ينتقي الفيسبوك نفسه الأخبار التي تتلاءم مع تفضيلاته كلها، بما فيها السياسية. وبما أن الخوارزميات تعرف الكثير51، فإن الفيسبوك يعرف ما يريده المستخدِم، أو ما يمكن أن "يعجبه" قبل أن يفعل ذلك. يمكن أن تكتشف الخوارزمية ما يُعجب "الأشخاص الذين يشبهونك" وتخبرك بذلك. بل إذا عرفت الخوارزمية نوع الموسيقى التي يُحبّها المستخدِم، فمن المحتمل أن تعرف ميوله السياسية، وستعرض عليه المنشورات التي تستجيب إلى تلك الميول. من أهم خصائص الشبكات الاجتماعية أن الناس يميلون إلى امتلاك سمات مشابهة لتلك التي يمتلكها أصدقاؤهم. ثمة سببان أساسيان لذلك: أولًا، تؤدي عملية التأثير الاجتماعي52 إلى تبني الأشخاص السلوك الذي يُظهره أولئك الذين يتفاعلون معهم؛ يشتغل هذا التأثير في العديد من الأماكن التي تنتشر فيها الأفكار الجديدة عن طريق الكلام الشفوي أو المحاكاة من خلال شبكة من الناس53. ثانيًا، يميل الناس إلى تكوين علاقات مع الأشخاص الآخرين الذين يشبهونهم بالفعل. ولهذه الظاهرة التي تسمى "الانتقاء"، أو "الهوموفيليا" Homophily، تاريخ طويل من البحث والدراسة في علم الاجتماع54. من المنظور السوسيو-نفسي، الشخص الذي ينحرف رأيه عن "الرأي السائد"، يجب أن يتوقع تعرّضه لنوع من المقاومة55. وهذا التوقع الذي يعكس "الخوف من العزلة" الذي يستشعره الشخص، صاغته إليزابيت نويل-نيومان في نظرية متكاملة، أطلقت عليها "دوامة الصمت"56. وفقًا لهذه المقاربة، يحلل الناس دائمًا بيئة الرأي المتداول من خلال مراقبة وسائط الإعلام وبيئاتها الفورية57. وعندما يلاحظ أن رأيه يتوافق مع رأي الغالبية، فإنه يُعّبر عنه تعبيرًا صريحًا، بينما الأشخاص الذين يدركون أن رأيهم يتعارض مع رأي الغالبية، يلتزمون الصمت. يؤدي ذلك إلى اعتبار رأي الغالبية المفترض أقوى مما هو عليه في الواقع؛ ما يشجع مؤيديه على التحدث أكثر مع إسكات الآراء المعارضة. ويمكن أن تؤدي هذه الدوّامة إلى قمع رأي ما. وحدهم المؤيدون "المتشددون" سيكونون على استعداد للدفاع علنًا عن موقفهم في تلك المرحلة. هذا هو ما يفسر واقع أننا نميل جميعًا إلى قبول طلبات الصداقة التي نتلقّاها من أشخاص يشبهوننا. كما أننا نميل إلى تصفّح الصفحات التي تتلاءم مع اهتماماتنا وتوجّهاتنا السياسية. على هذا الأساس، يستطيع الفيسبوك تصنيفنا ليبيراليين ويساريين وإسلاميين وغير ذلك، بفضل خوارزميته التي يسهل عليها تكوين ملف شخصي سياسي لكل واحد منا58. فعندما يستخدم الأشخاص الفيسبوك لرؤية ما يريدون رؤيته بالضبط، يمكن أن تتأثر نظرتهم إلى العالم تأثرًا كبيرًا بما أن أصدقاءهم على الفيسبوك يقدمون جزءًا كبيرًا من الأخبار التي يركزون عليها، وإذا كانت لديهم وجهة نظر مميزة،

  1. R. Williams, Television: Technology and Cultural Form , 3 rd ed. (London/
  2. A. Feenberg, "Looking Backward, Looking Forward: Reflections on the 20th Century," Presented at the The 20th Century-Dreams and Realities,
  3. في عام 1995، تنبأ بذلك عالم التكنولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا
  4. T.R. Dillahunt, C.A. Brooks& S. Gulati, "Detecting and Visualizing Filter Bubbles in Google and Bing," Proceedings of the Thirty-Third Annual
  5. N.E. Friedkin, A Structural Theory of Social Influence (New York: Cambridge University Press, 1998).
  6. E. Rogers, Diffusion of Innovations (New York: Free Press 1995). 54 M. McPherson, L. Smith-Lovin & J. Cook, "Birds of A Feather: Homophily in Social Networks," Annual Review of Sociology , vol. 27 (2001), pp. 415 - 444. 55 W.P. Davison, "The Public Opinion Process," Public Opinion Quarterly , vol. 22, no. 2 (1958), pp. 91-106. 56 E. Noelle-Newmann, "The Spiral of Silence: A Theory of Public Opinion," Journal of Communication , vol. 24, no. 2 (1974), pp. 43-51; Elisabeth Noelle-Neumann, The Spiral of Silence: Public Opinion, Our Social Skin , 2 nd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1993). 57 Elisabeth Noelle-Neumann, "Return to the Concept of Powerful Mass Media," Studies of Broadcasting , no. 9 (1973), pp. 67 - 112.
  7. New York: Routledge, 2003), p. 5.
  8. Hitotsubashi University Conference (December 2000).
  9. نيكولاس نيغروبونتي: N. Negroponte, Being Digital (New York: Vintage Books, 1995), p. 153.
  10. ACM Conference: Extended Abstracts on Human Factors in Computing Systems (1851-1856) (New York: Association for Computing Machinery, 2015).
  11. C.R. Sunstein, #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media (New Jersey: Princeton University Press, 2017), p. 1.

فهذه هي وجهة النظر التي سيرونها أكثر. يروي كاس سانشتاين أنه عندما كان يشتغل في إدارة أوباما، كان ما يراه على صفحته على الفيسبوك غالبًا ما يناسب آراء الأشخاص الذين عملوا في إدارة أوباما واهتماماتهم. وكانت صفحات أصدقائه المحافظين تبدو مختلفة جذريًا عن صفحته، وبطرائق تتناسب مع قناعاتهم السياسية59. لا تنتج تكنولوجيا التعلم الآلي تصنيفًا للمستخدِمين بحسب التوجّه السياسي العام، بل إنها قادرة على فرز الأفراد على أساس تفاصيل حول القضايا التي يبدون اهتمامًا كبيرًا بها، وكذا على أساس آرائهم حول هذه القضايا، مثل الهجرة والأمن والحوكمة والحرية والمساواة بين الجنسين والبيئة وحرية المعتقد، وغيرها. فإذا كان المستخدِمُ من مناصري البيئوية، فإن الشبكات الاجتماعية الرقمية ستتيح له العثور بسهولة على المنشورات والتغريدات والهاشتاغات التي تلتقي مع اهتماماته، ما يُعزّز قناعاته السابقة.

رابعًا: الفجوة الرقمية

مثلما أن الشبكات الاجتماعية الرقمية ساهمت في توسيع نطاق المشاركة السياسية عندما عبّدت الطريق لمشاركة مجموعة واسعة من القطاعات، بما في ذلك القطاعات المستبعدة تقليديًا من الحوار السياسي، فإنها أنتجت تمييزات على مستويات مختلفة، شكلت تحديات لنظرية الثقافة السياسية التقليدية. هذه التمييزات أطلق عليها الباحثون اسم "الفجوة الرقمية"، لكن هذه الأخيرة ليست ظاهرة جديدة كل الجدّة. ففي ثمانينيات القرن العشرين، كانت الفجوة الرقمية تشير إلى الاختلاف بين أولئك الذين كانوا يتوفرون على هاتف، والذين لم يكونوا قادرين على الوصول إليه. وكان لهذا التمييز تأثيرٌ كبيرٌ في المشاركة في النقاشات السياسية بشأن القضايا التي تشغل بال المواطنين. فبما أن الرأي العام كان يمثل إحدى آليات المساهمة في بناء الثقافة السياسية، كان الهاتف هو التقنية الأساسية لجمع الآراء الفردية حول القضايا التي تكوّن الأجندات الوطنية. لكن فجوةً كانت قائمة بين من يتوفرون على هذا المورد، ومن لا يتوفرون عليه. بعد أواخر التسعينيات، أصبح المصطلح يُستخدَم بشكل أساسي لوصف التفاوت بين أولئك الذين لديهم إمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت، ومن لا يستطيعون الوصول إليها. يبدو أن الفعالية السياسية للإنترنت تنهار عند عتبة التفاوتات السوسيو-اقتصادية؛ ذلك أن الفجوة الرقمية توجد عادة بين أولئك الموجودين في المناطق الحضرية، وأولئك الموجودين في المناطق الريفية؛ وبين المتعلمين وغير المتعلمين؛ وبين الفئات السوسيو-اقتصادية. مثلما أن المساهمة في بناء الثقافة السياسية أو تغييرها، تتفاوت تفاوتًا عميقًا تبعًا لمتغيرات اجتماعية أخرى، مثل العرق والجندر والعمر. مثلًا، تكشف الإحصاءات أن الشباب هم الفئة الأكثر حضورًا في الفيسبوك60، وهم الأكثر استخدامًا للوسائط الرقمية للمشاركة في المناقشات السياسية. وتعاني المشاركة السياسية عبر الإنترنت التحيزات السوسيو-اقتصادية والديموغرافية نفسها التي تقوم عليها أشكال أخرى من المشاركة. على الرغم من ارتفاع نسبة الوصول إلى الإنترنت، فإن العديد من مستخدِميها لا يملك مهارات استخدامها، فضلًا عن المساهمة في المدوّنات أو منتديات النقاش السياسي عبر الإنترنت. علاوة على ذلك، توصّلت الأبحاث على نحو مشابه إلى أن مستخدمي الإنترنت الذين يشغلون مكانة اجتماعية عالية هم أكثر عرضة لاستخدام الإنترنت من أجل "أنشطة تعزيز رأس المال"، ومن ثم تعميق الفجوة المعرفية61.

خاتمة

عالجت هذه الدراسة تحّولّات الثقافة السياسية في المجتمع الرقمي وتحدياتها لنظرية الثقافة السياسية الكلاسيكية. توفر وسائط التواصل الاجتماعي إمكانات غير مسبوقة للمشاركة السياسية في بيئات افتراضية وواقعية، ومن المحتمل أن تُعدّل النظرة الكلاسيكية لتشكيل الاتجاهات الجماهيرية وتغييرها والهويات السياسية والمشاركة السياسية. ولا تزال الدراسات السياسية والاجتماعية التي تقارب الثقافة السياسية الرقمية التي تؤثر في السلوك السياسي الواقعي، تنتظر نظرية للقياس، ونظرية للأجرأة، وفي النهاية، نظرية للنمذجة. على الرغم من التطورات الكبيرة في هذه المجالات، فإن تطوير منهجيات البحث لم يستجب إلى الحاجة إلى توصيفات إجرائية معقدة للاتجاهات والسلوك السياسي المعبر عنها باللغة الرقمية، كما لم تستطع أن تقدم الدعم الكافي والكامل لتفسير العلاقة الدينامية بين اتجاهات الأفراد وديناميات الدولة والمؤسسات التمثيلية والإعلام الجديد. يبدو أن هذا التغير العميق في ممارسة السياسة بفعل الانتشار الواسع والمتسارع للشبكات الاجتماعية الرقمية ليس سوى بداية

  1. Ibid., p. 2.
  2. 61.5 60 في المئة من مستخدمي الفيسبوك هم شباب، تراوح أعمارهم بين 18 و 35 عامًا. كما أن 62 في المئة في المستوى الجامعي، و 30 في المئة لهم مستوى ثانوي. ينظر: " Empowering People with Data: Insights and Facts Across 170 Industries and 150+ Countries," Statista , accessed on 9/5/2023, at: https://bit.ly/47ThK6g
  3. N. Zillien & E. Haggattai, "Digital Distinctions: Status-Specific Types of Internet Usage," Social Science Quarterly , no. 90 (2009), pp. 270 - 291.

لسلسلة طويلة ومعقدة من التغيرات. لذلك فإن العلوم السياسية، والاجتماعية عمومًا، في حاجة ماسة إلى نقاش عميق حول المتطلبات الأنطولوجية والإبستيمولوجية والمنهجية لنظرية الثقافة السياسية التي بدأت تواجه تحديات جدّية بسبب التحوّل الذي مسّ دينامية العواطف السياسية في علاقتها بالحكم ومؤسساته، والناتج من مساهمة وسائط التواصل الاجتماعي في نقل المواطنين من متلّقيّن سلبيين للأجندات السياسية، إلى فاعلين ناشطين في وضعها. إن ما قدّمناه في هذه الدراسة خطاطة عامة لتحديات الثقافة السياسية الرقمية لنظرية الثقافة السياسية الكلاسيكية. لذا، فإننا في حاجة إلى دراسات أوسع، تتناول كيف تعمل المشاركة الواسعة للمواطنين في النقاشات السياسية على شبكات التواصل الاجتماعي على تغيير منطق اشتغال ديناميات الهوية الوطنية والدولة القومية والديمقراطية، بما في ذلك الانتخابات والقيادة السياسية والحزبية والتنشئة الاجتماعية السياسية. وفضلًا عن أهمية دراسة هذه الموضوعات، تحتاج نظرية الثقافة السياسية في هذا السياق الجديد إلى التفكير في تطوير أنطولوجيا وإبستيمولوجيا خاصتين بها.

المراجع

Almond, G.A. & S.Verba. The Civic Culture. Political Attitudes and Democracy in Fire Nations. Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1963. Altheide, D.L. & R.P. Snow. Media logic. Beverly Hills, CA: Sage, 1979. Barandiarán, X., A. Unceta & S. Peña. "Political Communication in Times of a New Political Culture." Icono14. vol. 18, no. 1 (june 2019). Benkler, Y. The Wealth of Networks: How Social Production Transforms Markets and Freedom. New Haven, CT: Yale University Press, 2006. Bennett, W.L. & A. Segerberg. The Logic of Connective Action: Digital Media and the Personalization of Contentious Politics. New York: Cambridge University Press, 2013. Bond, R. & S. Messing. "Quantifying Social Media's Political Space: Estimating Ideology from Publicly Revealed Preferences on Facebook." American Political Science Review. vol. 109, no. 1 (2015). Carlisle, J.E. & R.C. Patton. "Is Social Media Changing How we Understand Political Engagement? An analysis of Facebook and the 2008

Presidential Election." Political Research Quarterly. vol. 66, no. 4 (2013). Castells, M. Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age. Cambridge, UK: Polity Press, 2012. Cohen, A. The Symbolic Construction of Community. New York: Ellis Horwood Limited, 1985. Daesik, K., J.C. Chung & E. Kihong. "Measuring Online Public Opinion for Decision Making: Application of Deep Learning on Political Context." Sustainability. vol. 14, no. 7 (2022). Davison, W.P. "The Public Opinion Process." Public Opinion Quarterly. vol. 22, no. 2 (1958).

Dillahunt, T.R., C.A. Brooks & S. Gulati. "Detecting and Visualizing Filter Bubbles in Google and Bing." Proceedings of the Thirty-Third Annual ACM Conference: Extended Abstracts on Human Factors in Computing Systems (1851-1856). New York: Association for Computing Machinery, 2015. Elkins, D.J. &R.E.B. Simeon. "A Cause in Search of its Effects, or What Does Political Culture Explain?" Comparative Politics. vol. 11, no. 2 (1979). Claeys, G. (ed.). Encyclopedia of Modern Political Thought. Thousand Oaks, CA: Sage, 2013. Entman, R.M. "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm." Journal of Communication. vol. 43, no. 4 (1993). Feenberg, A. "Looking Backward, Looking Forward: Reflections on the 20th Century." Presented at the The 20th Century-Dreams and Realities. Hitotsubashi University Conference, December 2000. Friedkin, N.E. A Structural Theory of Social Influence. New York: Cambridge University Press, 1998. Gillmor, D. We the Media: Grassroots Journalism by the People, for the People. Sebastopol, CA: O'Reilly Media, 2004. Habermas, Jurgen. "Political Communication in Media Society: Does Democracy Still Enjoy An Epistemic Dimension? The Impact of Normative Theory on Empirical Research." Communication Theory. no. 16 (2006), Hallin, D.C. & P. Mancini. Comparing Media Systems: Three Models of Media and Politics. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2004. Hauben, Michael. "What the Net Means to Me." CAN. vol. 6, no. 1 (Spring 1994). Jackson, N.A. & D.G. Lilleker. "Building an Architecture of Participation? Political Parties and Web 2.0 in Britain." Journal of Information Technology and Politics. vol. 6, no. 3 - 4 (2009). Kaplan, A.M. & M. Haenlein. "Users of the World, Unite! The Challenges and Opportunities of Social Media." Business Horizons. vol. 53, no. 1 (2010). Key, V.O. Jr. Public Opinion and American Democracy. New York: Knopf, 1961. Klinger, U. & J. Svensson. "The Emergence of Network Media Logic in Political Communication: A Theoretical Approach." New Media & Society. vol. 17, no. 8 (2015). Lechner, N. "Por qué la política ya no es lo que fue?." Leviatán: Revista de hechos e ideas. no. 63 (May 1996). Katz, R.S. & W.J. Crotty (eds.). Handbook of Party Politics. Thousand Oaks, CA: Sage, 2006. McCombs, M.E. & D.L. Shaw. "The Agenda-Setting Function of Mass Media." Public Opinion Quarterly. vol. 36, no. 2 (1972). McPherson, M., L. Smith-Lovin & J. Cook. "Birds of a Feather: Homophily in Social Networks." Annual Review of Sociology. vol. 27 (2001). Hill, C.A., E. Dean & J. Murphy (eds.). Social Media, Sociality and Survey Research. Hoboken, New Jersey: Wiley, 2013. Negroponte, N. Being Digital. New York: Vintage Books, 1995. Noelle-Neumann, Elisabeth. "Return to the Concept of Powerful Mass Media." Studies of Broadcasting. no. 9 (1973). _______. "The Spiral of Silence: A Theory of Public Opinion." Journal of Communication. vol. 24, no. 2 (1974). _______. The Spiral of Silence: Public Opinion, Our Social Skin. 2 nd ed. Chicago: University of Chicago Press, 1993.

Norris, P. Digital Divide: Civic Engagement, Information Poverty, and the Internet Worldwide. New York: Cambridge University Press, 2001. Box-Steffensmeier, M.J. & S.E. Schier (eds.). The American Elections of 2008. Lanham: Rowman and Littlefield Publishers, 2009. Polonski, V. "Impact of Social Media on the Outcome of the EU Referendum." EU Referendum Analysis , 2016. at: https://bit.ly/3SDbwTt Reiffel, R. Révolution numérique, révolution culturelle. Paris: Gallimard, 2014. Rogers, E. Diffusion of Innovations. New York: Free Press 1995. Seligson, M.A. "The Renaissance of Political Culture or the Renaissance of the Ecological Fallacy?" Comparative Politics. vol. 34, no. 3 (2002). Strömbäck, J. "Four Phases of Mediatization: An Analysis of the Mediatization of Politics." The International Journal of Press/ Politics. vol. 13, no. 3 (2008). Sunstein, C.R. #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media. New Jersey: Princeton University Press, 2017. Tuchman, G. Making News: A Study of Construction of Reality. New York: Free Press, 1978. Tufekci, Z. "Big Questions for Social Media Big Data: Representativeness, Validity and other Methodological Pitfalls." ICWSM. no. 14 (2014). Pye, L. & S. Verba (eds.). Political Culture and Political Development. Princeton: Princeton, 1965. Vergeer, M., L. Hermans & S. Sams. "Online Social Networks and Micro-Blogging in Political Campaigning: The Exploration of a New Campaign Tool and a New Campaign Style." Party Politics. vol. 19, no. 3 (2011). Voinea, C.F. & M. Neumann. "Political Culture: A Theory in Search for Methodology: An Editorial." Quality & Quantity. vol. 54 (2020). Williams, R. Television: Technology and Cultural Form. 3 rd ed. London/ New York: Routledge, 2003. Zillien, N. & E. Haggattai. "Digital distinctions: Status- Specific Types of Internet Usage." Social Science Quarterly. no. 90 (2009).