شبكة الإنترنت والثقافة السياسية ومفارقة الذاكرة الجمعيّة: حالة ثورة 25 يناير 2011 المصرية

The Internet, Political Culture, and the Paradox of Collective Memory: The Case of the Egyptian January 25, 2011 Revolution

مروة فكري| Marwa Fekry *

عمرو عثمان| Amr Osman **

الملخّص

تقدّم هذه الدراسة مدخلًا لدراسة أثر شبكة الإنترنت في الثقافة السياسية من خلال مفهوم الذاكرة الجمعية. فبالانتقال من المقاربات التقليدية عن الثقافة السياسية التي تحصرها في المعرفة والتوجهات والسلوك، إلى المقاربات التأويلية والتفسيرية التي تعرّفها من خلال عملية "بناء المعاني"، تظهر الذاكرة الجمعية بوصفها مكونًا أساسيًا من مكونات الثقافة السياسية بما تحمله من معانٍ ورموز وسرديات عن الحياة السياسية. تستنتج الدراسة، من دراسة حالة ثورة 25 يناير 2011 المصرية، أن تطوّر شبكة الإنترنت قد يحدّ من دور الدولة والنخبة في تشكيل الثقافة السياسية والذاكرة الجمعية، لكنه قد يزيد أيضًا من حدّة الاستقطاب السياسي والاجتماعي وإضعاف ثقافة التسامح مع الآخر وفرص تحقيق المصالحة المجتمعية، وهو ما نطلق عليه "مفارقة الذاكرة الجمعية".

Abstract

This paper proposes an approach to studying the impact of the Internet on political culture through the concept of collective memory. Departing from the traditional approaches that confine political culture to knowledge, orientations, and behavior, to constructive and interpretive frameworks that define it through the process of "meaning-making," collective memory emerges as an essential component of political culture with its meanings, symbols, and narratives about political life. The paper concludes – from examining the case of the Egyptian Revolution of January 25 , 2011 – that the development of the Internet may limit the role of the state and the elite in shaping political culture and collective memory, but it may also increase the severity of political and social polarization and weaken the culture of tolerance towards the other, and the chances of achieving social reconciliation, which is what we call the "paradox of collective memory."

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مروة فكري| Marwa Fekry * عمرو عثمان| Amr Osman **

تقدّم هذه الدراسة مدخلًا لدراسة أثر شبكة الإنترنت في الثقافة السياسية من خلال مفهوم الذاكرة الجمعية. فبالانتقال من المقاربات التقليدية عن الثقافة السياسية التي تحصرها في المعرفة والتوجهات والسلوك، إلى المقاربات التأويلية والتفسيرية التي تعرّفها من خلال عملية "بناء المعاني"، تظهر الذاكرة الجمعية بوصفها مكونًا أساسيًا من مكونات الثقافة السياسية بما تحمله من معانٍ ورموز وسرديات عن الحياة السياسية. تستنتج الدراسة، من دراسة حالة ثورة 25 يناير 2011 المصرية، أن تطوّر شبكة الإنترنت قد يحدّ من دور الدولة والنخبة في تشكيل الثقافة السياسية والذاكرة الجمعية، لكنه قد يزيد أيضًا من حدّة الاستقطاب السياسي والاجتماعي وإضعاف ثقافة التسامح مع الآخر وفرص تحقيق المصالحة المجتمعية، وهو ما نطلق عليه "مفارقة الذاكرة الجمعية".

This paper proposes an approach to studying the impact of the Internet on political culture through the concept of collective memory. Departing from the traditional approaches that confine political culture to knowledge, orientations, and behavior, to constructive and interpretive frameworks that define it through the process of "meaning-making," collective memory emerges as an essential component of political culture with its meanings, symbols, and narratives about political life. The paper concludes – from examining the case of the Egyptian Revolution of January 25 , 2011 – that the development of the Internet may limit the role of the state and the elite in shaping political culture and collective memory, but it may also increase the severity of political and social polarization and weaken the culture of tolerance towards the other, and the chances of achieving social reconciliation, which is what we call the "paradox of collective memory."

Assistant Professor of Political Science, Faculty of Economics and Political Science, Cairo University (Corresponding Author). Email: marwa.fekri@feps.edu.eg Professor of History, Department of Humanities, College of Arts and Sciences, Qatar University. Email: aosman@qu.edu.qa

مقدمة

اهتمّ علماء السياسة منذ ستينيات القرن العشرين بالثقافة السياسية بوصفها أحد العوامل التي إمّا أن تدفع إلى الديمقراطية وتساعد على ترسّخها، وإما أن تعوق تطوّرها وتهدّد فرص بقائها. وقد حصرت الاتجاهات التقليدية مفهوم الثقافة السياسية في مجموعة التوجّهات والسلوك والمعارف السياسية لدى الأفراد تجاه العملية السياسية، في حين شدّد تطوّر الاتجاهات التأويلية Interpretive والبنائيةConstructivist على ضرورة أن يتناول تحليل الثقافة السياسية عملية بناء المعاني والاهتمام بالرموز المتضمّنة في المواقف السياسية والاجتماعية. وقد أثار تطوّر شبكة الإنترنت، منذ انتشارها في تسعينيات القرن العشرين، قدرًا كبيرًا من الجدل بشأن انعكاساتها السياسية المختلفة، لا سّيمّا ما يتعلق بوفرة المعلومات وتنمية الوعي والمشاركة السياسية والهوية والتملص من سيطرة الحكومات على تشكيل الرأي العام من خلال التحكّم في وسائل الإعلام واحتكار كتابة التاريخ. وإذا كانت سمات شبكة الإنترنت هذه تؤثّر في الثقافة السياسية تأثيرًا مباشرًا بمفاهيمها المتعلقة بالمشاركة والمعرفة والتوجّهات، فإن لها أيضًا أثرًا غير مباشر في مصادر تشكّلها، ومن أهمها الذاكرة الجمعية. فقد أحدثت شبكة الإنترنت تحوّلًا خطيرًا، من نموذج كان الأصلُ فيه هو اختفاء الأحداث من الذاكرة، والاستثناءُ هو الحفاظ عليها من خلال التدوين التاريخي والأرشفة مثلًا، إلى نموذج جديد يُعدّ فيه بقاء الأحداث في الذاكرة هو الأصل، واختفاؤها أو إخفاؤها هو الاستثناء الذي يتطلب فعلًا معيّنًا، مثل قطع الاتصال بشبكة الإنترنت أو حجب بعض مواقعها. وبناءً عليه، تبحث هذه الدراسة في أثر شبكة الإنترنت في ذاكرة المجتمعات الجمعية وما يستتبعه ذلك من أثر في ثقافتها السياسية؟ ويتفرّع عن هذا السؤال عدة أسئلة، أبرزها: كيف تتشكّل العلاقة بين الذاكرة الجمعية والثقافة السياسية؟ وكيف تؤثّر شبكة الإنترنت في ثقافة المصالحة تحديدًا بوصفها جزءًا من الثقافة السياسية؟ تنطلق الدراسة من فكرة أن ارتباط الثقافة السياسية لمجتمع معّين بذاكرته الجمعية، يُضفي شرعية نظرية مبدئية على المقولة إن أيّ تحوّل في طبيعة الذاكرة يؤدي بالضرورة إلى تحوّل في قدرة أحداث الماضي على الاستمرار في تشكيل الثقافة السياسية القائمة في مرحلة معيّنة. وتستلزم صحّة هذا الافتراض نتيجةً مفادها أن الثقافة السياسية لن تقتصر بعد اليوم على الارتباط بالذاكرة القصيرة لكل جيل من أجيال مجتمع معّين، بل سترتبط بذاكرة أكثر امتدادًا في التاريخ تسمح شبكة الإنترنت ببقائها حية وقابلة للاسترجاع، على

نحو غير مسبوق. وتزيد أهمية ذلك في حالات الانتقال الديمقراطي والكيفية التي تتعامل بها المجتمعات مع ميراث القمع الذي تمارسه الأنظمة السلطوية، فضلًا عن تعامل الفاعلين الاجتماعيين بعضهم مع بعض تحت تأثير الأحداث المفصلية في الحياة السياسية، بما لذلك من تبعاتٍ على فرص الانتقال إلى الديمقراطية وترسيخ مؤسساتها1. وقد زاد الاهتمام بمثل هذه القضايا في العالم العربي بعد ثورات الربيع العربي في بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، التي زعزعت كثيرًا من "الثوابت"، كالربط بين ثقافة الاستبداد والطائفية الإثنية، أو الأيديولوجيا وغياب الديمقراطية. وقد تجاهلت هذه الافتراضات الديناميات الجديدة المتعلّقة بالتغّير ات في العلاقة بين النُخب والمواطنين والدولة، وتداعيات كل ذلك على الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية، وجميعها يقع في القلب من الثقافة السياسية. تبدأ الدراسة في مبحثها الأول بعرض إطارها النظري، ثم تناقش أثر شبكة الإنترنت في الثقافة السياسية، وتوضح التحوّل الذي أحدثه الإنترنت؛ أي الحدّ من دور الدولة والنخبة في تشكيل الثقافة السياسية والذاكرة الجمعية من ناحية، ومن ناحية أخرى التأثير في ثقافة المجتمعات السياسية، لا سّيمّا ما يخصّ دعم روح التسامح والمصالحة أو تقويضها، وهو الأمر الذي أدّى إلى ما نَصفه ب "مفارقة الذاكرة الجمعية" Memory Collective of Paradox. وتقدّم، في المبحث الثاني، دراسة حالة عن ثورة 25 يناير 2011 المصرية، بالتركيز على الكيفية التي يتذكّر بها الأفراد الحدث والقيم والرموز والمعاني التي ينطوي عليها ذلك التذكّر، ومدى الاتفاق أو الاختلاف على رواية (أو روايات) السلطة للحدث، ودلالة كل ذلك في ما يخص ثقافة المجتمع السياسية عمومًا، وفرص نمو ثقافة المصالحة فيه خصوصًا.

أولا: شبكة الإنترنت والذاكرة الجمعية والثقافة السياسية: إطار نظري

أولى باحثو الديمقراطية قدرًا كبيرًا من الاهتمام بالشروط الضرورية لبناء نظام ديمقراطي ناجح، وهي القضية المحورية في الدراسات التي تتناول الثقافة السياسية وتثير عدة أسئلة، من أبرزها: كيف يمكن تأمين "التحوّل بعيدًا عن الاستبداد" مؤسسيًا؟ وكيف يمكن أن تترسّخ المؤسسات الجديدة ثقافيًا؟ يتطلب تناول مثل هذه الأسئلة النظر في أسلوب تعامل المجتمعات مع الميراث القمعي للأنظمة الاستبدادية البائدة2؛ أي الكيفية التي يتمثّل بها الماضي السلطوي في ذاكرة

1 Andreas Langenohl, "Memory in Post-Authoritarian Societies," in: Herausgegeben von Astrid Erll & Ansgar Nünning (eds.), Media and Cultural Memory (Berlin: Walter de Gruyter GmbH & Co., 2008), p. 163. 2 Ibid.

  1. Andreas Langenohl, "Memory in Post-Authoritarian Societies," in: Herausgegeben von Astrid Erll & Ansgar Nünning (eds.), Media and Cultural Memory (Berlin: Walter de Gruyter GmbH & Co., 2008), p. 163.
  2. Ibid.

المجتمع الجمعية بما يعزّز روح التسامح مع الآخر وثقافة المصالحة المطلوبة لتحقيق قدرٍ أدنى من السلم المجتمعي3. ويُعدّ مدى التوافق على الماضي مؤشرًا على حالة الثقافة السياسية في بلدٍ ما، إذ ينعكس على استمرارية القيم السياسية السائدة، فضلًا عن المظاهر الخارجية المرتبطة بجانب الثقافة التعبيري4. ولما كان توفير حسّ من هوية الجماعة من الوظائف الأساسية للثقافة السياسية، فإن الذاكرة الجمعية تؤثّر تأثيرًا واضحًا في هذا البعد من خلال تعريف الجماعة وبناء سرديات تتناول أصلها وماضيها والمشترك بينها. وتؤثّر عملية التذكّر أيضًا في القيم التي تُعدّ من مكونات الثقافة السياسية، ومن ثمّ قد تخلق موضوعات مُحرّمة (تابوهات)، أو تستبعد طرائق عمل معيّنة، أو تعزّز من قيم واتجاهات بعينها. فتذُّكُر أمور معينة يفترض عادة نسيان أخرى أو تهميشها، وهذا كله عملية تمارس فيها السلطة السياسية دورًا كبيرًا. ولا تنفصل عملية التذكّر في المجتمعات عن وسائل "مأسسة الذكرى"، التي تشمل الاحتفالات والممارسات التي تنظّم عملية التذكّر وتحافظ عليها5. بهذا المعنى، تُضفي التصوّرات عن الماضي الشرعية على النظام الاجتماعي والسياسي القائم أو تنزعها عنه. ومن هنا، تنبع القوة من درجة السيطرة والانتشار التي تحقّقها ذكرى معيّنة في الثقافة السياسية، وهو ما يمكن قياسه من خلال نسبة أفراد المجتمع وجماعاته الذين يقبلون الذكريات المتنافسة، ودرجة مأسسة ذكرى ما أو درجة تخليدها6. وقد شهد ميزان القوة في ما يتعلّق بالتذكّر - بين السلطة والنخبة من ناحية، والعامة من ناحية أخرى - تحّولّات كبيرة وجذرية تحت تأثير الإنترنت، وهو الأمر الذي ينعكس بالضرورة في الثقافة السياسية. تعتمد الدراسة على إطار دراسات الذاكرة7 باعتبار أن الذاكرة ليست ظاهرة فردية، بل علائقية Relational ومجتمعية وجماعاتية. فالفرد يستمع إلى ذكريات الآخرين داخل الجماعة التي تدعم فكرته عن ذاته وهويته، وتشجّع هذه الذكريات – أو تقوّض – دور الحاضر داخل هوية جماعة معيّنة وتحدّد فرص التطلّع إلى مستقبل

3 Ibid., p. 170. 4 Ibid., p. 174. 5 James Young, Texture of Memory: Holocaust Memorials and Meaning (New Haven: Yale University Press, 1993), p. ix. 6 Eric Langenbacher, "Collective Memory as a Factor in Political Culture and International Relations," in: Eric Langenbacher & Yossi Shain (eds.), Power and the Past: Collective Memory and International Relation (Washington, DC: George Town University Press, 2010), p. 33. 7 زهير سوكاح، "مقدمة المحرر الضيف للعدد: عدد خاص، من 'الذاكرة' إلى 'دراسات الذاكرة'"، تبين، مج 9، العدد 33 (2020)، ص 7 -.9

مشترك8. وقد مال الباحثون المهتمون بدراسة الذاكرة في الآونة الأخيرة إلى التأكيد على أهمية وسائل الإعلام في تشكيل الذاكرة الجمعية، لا سّيمّا في ضوء تطوّر التقنيات الرقمية وما وفّرته من كمّ هائل من البيانات التي يمكن توظيفها في دراسة جوانب مختلفة من السلوك الاجتماعي والسياسي. فشبكة الإنترنت، كما يصفها البعض، لا تنسى، وقد حوّلت الذاكرة الجمعية إلى ظاهرة يمكن ملاحظتها وتتبّعها9 ةيعمتاجلاا تايركذلا لدابتل لايًاادب لا جم تحتف مكا، والسياسية التي تتعرض للقمع أو التهميش، والتي تعّبر عن سرديات مضادة أو بديلة من الروايات الرسمية للماضي، ومن ثم تُعيد تشكيل الذاكرة الجمعية. بهذا المنطق، تصبح دراسة الذاكرة الجمعية جزءًا أساسيًا من البحث في حقل الثقافة السياسية، كونها تهتمّ بالتشكّل الثقافي للهويات والأنشطة السياسية والاتجاهات. فالذاكرة الجمعية هي الماضي النشط والحيّ الذي يشكّل الهويات والاتجاهات والمواقف تجاه العديد من القضايا من خلال وضع أحداث معيّنة في الصدارة وضمان استمرارها في ذاكرة الأفراد، في الوقت الذي تهمّش فيه أحداثًا أخرى أو تغيّبها تمامًا؛ مما يؤثّر في ثقافة الحاضر السياسية10. ويمكّن ذلك الباحث من ملاحظة التغّير والاستمرارية في الثقافة السياسية ودراسة التأثيرات الاجتماعية والسياسية فيها11. تشكّل السرديةNarrative مدخلًا مهمًا لدراسة شبكة العلاقات التي تربط شبكة الإنترنت بالذاكرة والثقافة السياسية. وتقدّم مقاربة السردية وصفًا للأحداث وتكشف عن الاختلافات بين السرديات المتباينة التي تشكّل الذاكرة الجمعية، ومن ثمّ تؤثّر في الثقافة السياسية. تمثّل السرديات البديلة في ذاتها نوعًا من مقاومة الأنظمة، فضلًا عن أنها تمثّل أيضًا وسيلة للمشاركة والتعبير عن الذات والهوية. وتعّبر أيّ سردية في النهاية عن علاقات قوة معيّنة، على اعتبار أن هناك دائمًا أكثر من طريقة لرواية السردية، ويكون لدى الرواة القدرة على تضمين عناصر معيّنة واستبعاد أخرى بما يخدم الطابع القيمي المرغوب فيه لديهم12.

8 Giovanni Dazzo, "Exploring the Role of Collective Memory for Reconciliation: A Comparative Case of Guatemala and Cambodia," Beyond Intractability (May 2020), accessed on 20/1/2023, at: https://bit.ly/3SyG5d1 9 Ruth García-Gavilanes et al., "The Memory Remains: Understanding Collective Memory in the Digital Age," Science Advances , vol. 3, no. 4 (2017), p. 1. 10 Langenbacher, pp. 26 - 27. 11 عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.418 12 Jil A. Edy, Troubled Pasts: News and the Collective Memory of Social Unrest (Philadelphia: Temple University Press, 2006), p. 10.

  1. Ibid., p. 170.
  2. Ibid., p. 174.
  3. James Young, Texture of Memory: Holocaust Memorials and Meaning (New Haven: Yale University Press, 1993), p. ix.
  4. Eric Langenbacher, "Collective Memory as a Factor in Political Culture and International Relations," in: Eric Langenbacher & Yossi Shain
  5. زهير سوكاح، "مقدمة المحرر الضيف للعدد: عدد خاص، من 'الذاكرة' إلى 'دراسات الذاكرة'"، تبين، مج 9، العدد 33 (2020)، ص 7 -.9
  6. Giovanni Dazzo, "Exploring the Role of Collective Memory for Reconciliation: A Comparative Case of Guatemala and Cambodia," Beyond Intractability (May 2020), accessed on 20/1/2023, at: https://bit.ly/3SyG5d1
  7. Ruth García-Gavilanes et al., "The Memory Remains: Understanding Collective Memory in the Digital Age," Science Advances , vol. 3, no. 4 (2017), p. 1.
  8. Langenbacher, pp. 26 - 27. 11 عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.418
  9. (eds.), Power and the Past: Collective Memory and International Relation (Washington, DC: George Town University Press, 2010), p. 33.
  10. Jil A. Edy, Troubled Pasts: News and the Collective Memory of Social Unrest (Philadelphia: Temple University Press, 2006), p. 10.

تطبّق الدراسة هذا المدخل النظري على حالة ثورة 25 يناير 2001 في مصر، وذلك بهدف استكشاف الكيفية التي ساهمت بها شبكة الإنترنت في التفاوض بشأن ذاكرة الحدث الجمعية من خلال إفساح المجال أمام روايات مختلفة عنه، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى ثقافة المجتمع المصري السياسية من جهة، وتأثيرات عملية التذكّر في آفاق عملية التحول الديمقراطي المستقبلية بوجه عام. وتسعى الدراسة، وإن كانت تركّز على الحالة المصرية، إلى تلمّس ملامح عامة لأثر شبكة الإنترنت في الذاكرة والثقافة قد تنطبق على مجتمعات أخرى في المنطقة.

1. الثقافة السياسية: من الثقافة المدنية إلى أثر شبكة الإنترنت

نال مفهوم الثقافة السياسية اهتمامًا كبيرًا في أواخر خمسينيات القرن العشرين وأوائل ستينياته، تزامنًا مع المخاوف من انتشار الشيوعية وتزايد حركات الاستقلال في دول العالم الثالث. وقد دفعت هذه المخاوف العلوم الاجتماعية – ومنها علم السياسة – إلى التحوّل بعيدًا عن دراسة المؤسسات الرسمية، والتركيز على المواقف السياسية وممارسات التصويت لفهم سلوك الأفراد وتوجّهاتهم السياسية في المجتمعات المختلفة، في محاولة لتحديد شروط الديمقراطية والسياقات الداعمة لها13.

أ. في فهم الثقافة السياسية: من النظرة التقليدية إلى المقاربات التفسيرية

يعود صكّ مفهوم الثقافة السياسية إلى غابرييل ألموند وسيدني فيربا في كتابهما الشهير الثقافة المدنية، الصادر في ستينيات القرن العشرين. وقد عرّفا الثقافة السياسية بأنها "التوجهات السياسية إزاء النظام السياسي بعناصره المختلفة وإزاء دور الذات في النظام"14. وافترضا أن هناك مجموعة مميّزة من التوجهات الفردية، سمّياها "الثقافة المدنية" ضرورية لنشأة الديمقراطية والحفاظ عليها. ومن هنا جاء تطوّر أساليب المسوح والاستبيانات لاكتشاف الأنماط الاجتماعية الموجودة في أذهان الأفراد كونها تنتج المؤسسات السياسية. وقد جاءت الأعمال التأسيسية لمفهوم الثقافة السياسية بمكوّنات ثلاثة أساسية: 1. المعرفة السياسية، وتشير إلى المعارف والمعلومات

13 Margaret R. Somers, "What's Political or Cultural about Political Culture and the Public Sphere? Toward an Historical Sociology of Concept Formation," Sociological Theory , vol. 13, no. 2 (1995), p. 116. 14 Gabriel Almond & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (Princeton: Princeton University Press, 1963), p. 13.

والآراء السياسية لدى أفراد شعب أو جماعة ما بخصوص القضايا والمؤسسات والقيادات السياسية، 2. الاتجاهات السياسية، التي تنتظم من خلالها خبرة الشخص وتؤثّر في قبوله أو رفضه الموضوعات والمواقف التي تتطلب استجابة منه، 3. القيم والعادات والتقاليد السائدة، وهي ما يعتقده الأفراد في علاقتهم بالنظام السياسي15. وبحسب هذا الفهم، يحدّد نمط الثقافة السياسية السائد طبيعة النظام السياسي القائم، حيث تزداد فرص دعم الديمقراطية، مع وجود ثقافة سياسية تعزّز الشعور بالانتماء والمواطنة وتشجّع على المشاركة16. وقد انتُقد هذا الإسهام لتفسيره الثقافة السياسية من خلال منظور غير سياسي أو ثقافي17. فمع كون الفكرة مرتبطة بالشؤون العامة، استند مفهوم الثقافة السياسية، على هذا النحو، إلى الانقسام بين العامّ (مجالات الدولة) والخاصّ (حياة الأفراد الاجتماعية). فعلى الجانب الثقافي، يشير المفهوم التأسيسي إلى ما هو "مكتسب" Naturalized، لا إلى ما يمكن التعرّف إليه ثقافيًا. ويرجع السبب في ذلك إلى تأثر شبكة المفاهيم المرتبطة بمفهوم الثقافة السياسية بنظرية المواطنة الأنكلو-أميركية، ما انعكس على تبنّيها هذه النظرة المعيارية التي تشدّد على الاتجاهات الثقافية التي تُنتج الديمقراطية وتدعمها أو تعرقلها، عوضًا عن الاهتمام بالتفاعل والتأثير المتبادل بين الأفراد والجماعات والأنظمة18. وفي حين اشتدّ نقد بعض الباحثين للمفهوم19، استمرّ آخرون في توظيفه والدفاع عنه. فقد نشرت الدورية الأميركية للعلوم السياسية مقالَتيَن مهمَتيَن تقدّمان حججًا قوية للدفاع عن منطق السببية في الثقافة السياسية، إحداهما لهاري

15 محمد سعيد عبد المجيد وممدوح عبد الواحد محمد الحيطي، "الشبكات الاجتماعية الإلكترونية والثقافة السياسية للشباب الجامعي: دراسة ميدانية"، حوليات آداب عين شمس، مج 43 (2015)، ص.249 16 Almond & Verba, pp. vii & viii. 17 يتأثر جزء من هذا النقد بأفكار تالكوت بارسونز Talcott Parsons التي رسمت علاقة أحادية الاتجاه بين المجتمع والسياسة. وقد ميّز بارسونز بين أنظمة ثلاثة أساسية،

هي: الاجتماعية والثقافية والنفسية، وأكّد أن جميع التفاعلات الاجتماعية تتضمّن أبعادًا لكلٍ من الأنظمة الثلاثة المذكورة: جذور النظام الاجتماعي، والرموز ذات المغزى في النظام الثقافي، والتأثير السببي الناتج من الدوافع النفسية. وانطلاقًا من هذا الاتجاه، قدّم علماء الاجتماع السياسي وعلماء السياسة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مفهوم الثقافة السياسية بوصفه متغرّي ا حاسمًا في شرح النتائج السياسية المتباينة في الديمقراطيات. وعرّف هؤلاء العلماء الثقافة السياسية بأنها "المشاعر الذاتية والمواقف والسلوكيات المترتبة عليها" التي يُعتقد أنها تميّز "التوجّهات السياسية" الفردية والجماعية - أي القيم - عبر النظام

السياسي. ينظر: Walter Rosenbaum, Political Culture (New York: Prager, 1975), p. 4. 18 Somers, pp. 114 - 115. 19 يناقش رولاند فورميسانو مجموعة من الآراء الناقدة لبرنامج الثقافة السياسية على اعتبار أنه غير واضح وغير قادر على التوصّل إلى استنتاجات ثابتة. للمزيد، ينظر: Roland Formisano, "The Concept of Political Culture," The Journal of Interdisciplinary History , vol. 31, no. 3 (2001), p. 404.

  1. Margaret R. Somers, "What's Political or Cultural about Political
  2. Gabriel Almond & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (Princeton: Princeton University Press, 1963), p. 13.
  3. محمد سعيد عبد المجيد وممدوح عبد الواحد محمد الحيطي، "الشبكات الاجتماعية الإلكترونية والثقافة السياسية للشباب الجامعي: دراسة ميدانية"، حوليات آداب عين شمس، مج 43 (2015)، ص.249
  4. Almond & Verba, pp. vii & viii.
  5. يتأثر جزء من هذا النقد بأفكار تالكوت بارسونز Talcott Parsons التي رسمت علاقة أحادية الاتجاه بين المجتمع والسياسة. وقد ميّز بارسونز بين أنظمة ثلاثة أساسية، هي: الاجتماعية والثقافية والنفسية، وأكّد أن جميع التفاعلات الاجتماعية تتضمّن أبعادًا لكلٍ من الأنظمة الثلاثة المذكورة: جذور النظام الاجتماعي، والرموز ذات المغزى في النظام الثقافي، والتأثير السببي الناتج من الدوافع النفسية. وانطلاقًا من هذا الاتجاه، قدّم علماء الاجتماع السياسي وعلماء السياسة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مفهوم الثقافة السياسية بوصفه متغرّي ا حاسمًا في شرح النتائج السياسية المتباينة في الديمقراطيات. وعرّف هؤلاء العلماء الثقافة السياسية بأنها "المشاعر الذاتية والمواقف والسلوكيات المترتبة عليها" التي يُعتقد أنها تميّز "التوجّهات السياسية" الفردية والجماعية - أي القيم - عبر النظام السياسي. ينظر: Walter Rosenbaum, Political Culture (New York: Prager, 1975), p. 4. 18 Somers, pp. 114 - 115.
  6. Culture and the Public Sphere? Toward an Historical Sociology of Concept Formation," Sociological Theory , vol. 13, no. 2 (1995), p. 116.
  7. يناقش رولاند فورميسانو مجموعة من الآراء الناقدة لبرنامج الثقافة السياسية على اعتبار أنه غير واضح وغير قادر على التوصّل إلى استنتاجات ثابتة. للمزيد، ينظر: Roland Formisano, "The Concept of Political Culture," The Journal of Interdisciplinary History , vol. 31, no. 3 (2001), p. 404.

إيكشتاين20، والأخرى لرونالد إنغلهارت21 اللذين جادلا بأن المجتمعات المختلفة تجسّد مواقف ثقافية دائمة (ثقافات سياسية) ذات تبعات اقتصادية وسياسية كبيرة. ويدحض عزمي بشارة فكرة التأثير المباشر لثقافة شعب بأكمله في مساندة الديمقراطية على اعتبار أن هذه العلاقة تفسيرية محضة لا تثبت وجود علاقة سببية بينهما. ويؤكد بشارة في المقابل أن "الأعراف المتموضعة في المؤسسات لا تعني أن الأعراف سبقت المؤسسات تاريخيًا، بل هي نتاج لها"22. وهو ينفي فكرة تبنّي شعب بأكمله ثقافة سياسية واحدة متجانسة، مؤكّدًا أن القيم والعادات الاجتماعية تنظّم علاقات الأفراد داخل الجماعة وخارجها، أمّا ما يتصل بعلاقة الفرد بالدولة، فتشكّلها الدولة غالبًا23. هنا، يضيف بشارة نقدًا آخر للفهم التقليدي للثقافة السياسية، وذلك باعتبار أن النظام السياسي ليس نتاجًا من نتاجات الثقافة السياسية السائدة، بل العكس؛ أي إن الثقافة السياسية هي انعكاس لطبيعة النظام السياسي القائم. فلا يمكن، على سبيل المثال، توقّع ظهور ثقافة ديمقراطية وازدهارها في ظلّ نظام استبدادي قمعي. ومع اتخاذ العلوم السياسية منعطفًا أنثروبولوجيًا مع نهاية ثمانينيات القرن العشرين، ظهرت دعوات متفرقة لتطوير مقاربة ثقافية أكثر مرونة وأقل اعتمادًا على الأساليب الكمّية أو النظرية النفسية للثقافة السياسية المتعلقة بالتوجّهات، وأكثر اهتمامًا بالتحليل الرمزي. فعلى سبيل المثال، أكدّ وليام آدامز أن المعنى السياسي يتولد في الأساس من الرموز الثقافية والمعاني الجمعيّة المنقوشة في النصوص الرمزية24. ومن ثمّ، أخذت في التشكّل رؤيةٌ بديلة لعلاقة الثقافة السياسية بالديمقراطية تفترض أن فهم الثقافة السياسية ينبغي، أولًا، أن ينظر إلى ممارسات الفاعلين التاريخيين وأنشطتهم وأفكارهم السياسية بوصفها أنظمة رمزية لها تاريخها ومنطقها، وأن ينظر، ثانيًا، إلى هذه الأنظمة الرمزية نفسها بوصفها نوعًا من التعبيرات الثقافية. ومن هنا، توجّه جزء كبير من الأبحاث إلى الاهتمام بموضوعاتٍ كالطقوس

20 Harry Eckstein, "A Culturalist Theory of Political Change," The American Political Science Review , vol. 82, no. 3 (1988), pp. 789 - 804. 21 Ronald Inglehart, "The Renaissance of Political Culture," The American Political Science Review , vol. 82, no. 4 (1988), pp. 1203 - 1230. 22 بشارة، ص.407 23 المرجع نفسه. يؤكد بشارة على ضرورة توافر حد أدنى من الثقافة السياسية الديمقراطية لدى النخب السياسية – لا سّيمّا في مرحلة الانتقال – يشمل القابلية للحوار

والمساومة وتسوية الصراعات سلميًا؛ وعدّ الإجراءات والمؤسسات الديمقراطية الإطارَ الأفضل

لتسوية الصراعات، ينظر: المرجع نفسه، ص 418 -.436 24 William Adams, "Politics and the Archeology of Meaning: A Review Essay," Western Political Quarterly , vol. 39, no. 3 (1986), pp. 549, 562.

والاحتفالات الشعبية والتذكّر الجمعي وكيفية ممارسة التمّثلّات الثقافية في أوقات الثورات وبعدها25. ومن هذا المنطلق، أضحت الثقافة السياسية تشير في الأساس إلى "معنى الحياة السياسية"26، التي لا يمكن فهمها فهمًا كاملًا من خارج سياقها الثقافي العام. يخالف هذا الفهم الادّعاء أن الثقافة السياسية تنتج مسبقًا من النظام الاجتماعي أو مراحل تطوّره الاجتماعي - الاقتصادي، فهي تتطوّر وتتغّير بناء على القواعد والعمليات الداخلية الخاصة بها، فضلًا عن التفاعل التاريخي مع مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى27. ولهذا السبب، رفض بعض الباحثين فكرة النظر إلى الأفراد من أجل فهم سلوك المجموعة28. تمثّلت الميزة الرئيسة لمفهوم الثقافة السياسية، إذًا، في لفته الانتباه إلى ضرورة النظر إلى السلوك السياسي في سياق ثقافي. فالثقافة السياسية لمجتمع ما تتّسم بقدر من الاستقرار الذي يتيح لها التأثير في السلوك والعمليات السياسية بطريقة نمطية فترةً زمنية ممتدة نسبيًا. إلا أنها – مثلها مثل الثقافة بوجه عام – تتغّير أيضًا تغرّي ا مستمرًا، وإن كان بطيئًا وتدريجيًا29. وقد يحدث هذا التغّير تحت تأثيرات مختلفة، كالأحداث التي يتعرض لها المجتمع، أو التي تتعلق بدور الإعلام والتواصل. وفي هذا السياق، يبرز دور شبكة الإنترنت.

ب. شبكة الإنترنت والثقافة السياسية

أثار تطوّر شبكة الإنترنت الكثير من الجدل حول تأثيراتها المحتملة في الثقافة السياسية. فمن الباحثين من جادل بأن شبكة الإنترنت تزيل القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات؛ ما يؤدي إلى زيادة التفاهم والتعاطف والتسامح والثقة بين الأفراد، كونهم يتعرضون لقدر أكبر من التعددية في وجهات النظر السياسية، الأمر الذي من شأنه تدعيم الممارسات الديمقراطية بين الأفراد30. ازدادت هذه النظرة التفاؤلية مع تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تمارس تأثيرًا كبيرًا في الطريقة التي تُتداول بها الأخبار

25 Somers, p. 127. 26 Formisano, p. 408. 27 Somers, pp. 131 - 132. 28 David D. Laitin & Aaron Wildavsky, "Political Culture and Political Preferences," The American Political Science Review , vol. 82, no. 2 (1988), pp. 589 - 597. 29 عبد المجيد والحيطي، ص.249 30 Narisong Huhe, Min Tang & Jie Chen, "Creating Democratic Citizens: Political Effects of the Internet in China," Political Research Quarterly , vol. 71, no. 4 (2018), pp. 757 - 771.

  1. Harry Eckstein, "A Culturalist Theory of Political Change," The American Political Science Review , vol. 82, no. 3 (1988), pp. 789 - 804.
  2. Ronald Inglehart, "The Renaissance of Political Culture," The American
  3. 22 بشارة، ص.407
  4. المرجع نفسه. يؤكد بشارة على ضرورة توافر حد أدنى من الثقافة السياسية الديمقراطية لدى النخب السياسية – لا سّيمّا في مرحلة الانتقال – يشمل القابلية للحوار
  5. William Adams, "Politics and the Archeology of Meaning: A Review Essay," Western Political Quarterly , vol. 39, no. 3 (1986), pp. 549, 562.
  6. Somers, p. 127.
  7. Formisano, p. 408. 27 Somers, pp. 131 - 132.
  8. Political Science Review , vol. 82, no. 4 (1988), pp. 1203 - 1230.
  9. David D. Laitin & Aaron Wildavsky, "Political Culture and Political Preferences," The American Political Science Review , vol. 82, no. 2 (1988), pp. 589 - 597. 29 عبد المجيد والحيطي، ص.249
  10. والمساومة وتسوية الصراعات سلميًا؛ وعدّ الإجراءات والمؤسسات الديمقراطية الإطارَ الأفضل لتسوية الصراعات، ينظر: المرجع نفسه، ص 418 -.436
  11. Narisong Huhe, Min Tang & Jie Chen, "Creating Democratic Citizens: Political Effects of the Internet in China," Political Research Quarterly , vol. 71, no. 4 (2018), pp. 757 - 771.

والمعلومات، وتؤثّر في فكرة المشاركة والطريقة التي يعّبر بها الأفراد عن آرائهم وأسلوب فهمهم للسياسة31. ومن ثمّ، تتغّير الثقافة السياسية وتتشكّل من خلال التحوّل في طريقة التواصل والوصول إلى المعلومات والتفاعل معها. ويترتّب على ذلك أيضًا تغّير في طبيعة العلاقات بين السياسيين والمواطنين والصحافيين وأسلوب تواصلهم بعضهم مع بعض32. فعلى العكس من مستخدمي الوسائط التقليدية، لا يُعدّ مستخدمو الإنترنت مجرد متلّقيّن للمعلومات، بل هم أيضًا ناقلون ومناقشون لها33، ومنتجون أيضًا للمحتوى. وتمثّل هذه التجربة التفاعلية الثنائية الاتجاه طريقةً ملائمة وفعّالة للمشاركة المدنية والسياسية وتعزيز الترابط الاجتماعي بين المستخدمين، فضلًا عن تكثيف التفاعل بين الأفراد المنعزلين اجتماعيًا أو المحصورين ضمن شبكات اتصال ضيّقة، وهذه العوامل كلها تؤدي إلى زيادة المشاركة المدنية34. بيد أن هذه النظرة التفاؤلية لدور شبكة الإنترنت تضاءلت مقابل تزايد المخاوف من أن بعض أبعاد استخدامها – خاصّة ما يتصل بشبكات التواصل الاجتماعي – قد تنطوي على تهديدات للديمقراطية. فقد تؤدي زيادة المشاركة إلى زيادة التوقّعات عن دور الحكومة في تحسين مستويات المعيشة؛ الأمر الذي قد يؤدي، بحسب بعض الدراسات، إلى انخفاض الرضا عن الحكومة، ومن ثمّ انعدام الثقة بمؤسسات الدولة، وهو ما قد يؤدي إلى العزوف عن المشاركة السياسية، أو التفكير في بدائل غير دستورية وغير ديمقراطية للتأثير والتغيير35. ووجدت دراسات أخرى أن هذه المواقع تشهد، بدلًا من الحوار العقلاني، الكثير من "الضوضاء"، ونادرًا ما تنطوي على محتوى قيّم أو نقاش موضوعي. ويزيد هذا الأمر من حدة الاستقطاب في المجتمع ويهدّد قدرته على تقبّل اختلاف الآراء36. وهنا، يركّز علماء النفس على ما يسمّى "استقطاب المجموعة العاطفيAffective Group Polarization "الذي يتضمّن توجّهات شديدة السلبية تجاه مجموعات سياسية أخرى37، ويؤدي إلى

31 Marija Andreeva, "(Re)shaping Political Culture and Participation through Social Networks," Journal of Liberty and International Affairs , vol. 5, no. 2 (2019), p. 47. 32 Ibid. 33 Dong Zhou, Weiguang Deng & Xiaoyu Wu, "Impacts of Internet Use on Political Trust: New Evidence from China," Emerging Markets Finance and Trade , vol. 56, no. 14 (2020), p. 3236. 34 Ibid. 35 Ibid. 36 Andreeva, p. 50; Jordan Carpenter et al., "Political Polarization and Moral Outrage and Social Media," Connecticut Law Review , vol. 52, no. 3 (2021), p. 1109. 37 Ibid.

تدهورٍ في الخطاب المدني الذي يُعدّ حجر زاوية النظام الديمقراطي. وتكشف عدة أبحاث عن أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يساهم في زيادة الاستقطاب38، لأن تصميمها يضخّم من حالة الغضب نظرًا إلى انخفاض التكلفة الاجتماعية المرتبطة به. وهكذا، قد يكون الغضب الذي تنطلق شرارته مع تبادل الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي عاملًا مهمًا في تفسير التوجّهات الحديثة المقلقة في الخطاب الاجتماعي في العديد من المجتمعات وأثرها في زيادة حدة الاستقطاب، ومن ثمّ انهيار القواعد الديمقراطية. ولا يقتصر أثر هذه الأمور على تهديد الديمقراطية، بل قد يؤدي على نحو أولى إلى إفشال عملية التحوّل الديمقراطي. وأخيرًا، يجادل مارك لينش ومارك بيسينغر بأن شبكة الإنترنت تعزّز من التفاعل مع المنتمين إلى الآراء نفسها، ومن ثم فهي لا تؤدي إلى بناء ثقافة مدنية ضرورية للتحولات عن السلطوية39، أو مشجّعة على ترسيخ الديمقراطية40. يرتبط التعبير عن الغضب على شبكة الإنترنت بحالَتيَن نفسيَتيَن تميّزان استقطاب الجماعة العاطفي: معاداة الخصوم السياسيين41، ونفي صفة الإنسانية عنهم42. وتقود هاتان الحالتان في ما بعد إلى سلوكيات اجتماعية كالعدوانية (السلوك الهادف إلى إلحاق الضرر بالآخرين)، والسفسطة (الحجاج استنادًا إلى حجج ضعيفة وواهية)، والانسحاب (تجنّب الحديث في الأمور السياسية). وهي سلوكيات تهدّد الديمقراطية لما تسبّبه من تقييد الاتصال والتعاون والمشاركة المدنية43. ويشوّه انتشار الأخبار المزيفة والحسابات الوهمية من الجدل الحقيقي، وتتشوّش الحقيقة بظهور عوالم متوازية لدى الأفراد44، إذ يعيش كل فرد في ما يُطلق عليه "ما بعد الحقيقة"؛ أي في فقّاعته أو واقعه الخاص45، ويتبنّى نسخته عن الواقع والماضي القريب والبعيد، ويصبح الجدل السياسي "مونولوجًا"، لا حوارًا46.

38 Ibid., p. 1110. 39 Marc Lynch, "How the Media Trashed the Transitions," Journal of Democracy , vol. 26, no. 4 (2015), pp. 90 - 99. 40 Mark Beissinger, "Conventional and 'Virtual' Civil Societies in Autocratic Regimes," Comparative Politics , vol. 49, no. 3 (2017), pp. 351 - 371. 41 يتضمّن العداء هنا كراهية المعارضين السياسيين والاعتقاد أن الطرف الآخر خطير أو شرير، أو تصويره على أنه كذلك. 42 نفي صفة الإنسانية Dehumanization هي عملية إنكار امتلاك شخصٍ ما أو مجموعة معينة للقدرات والتوجّهات التي يتّسم بها الشخص الطبيعي مثل القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية، أو الإحساس بالمعاناة والشعور بالألم. ينظر: 1116 p. al., et.Carpenter 43 Ibid., pp. 1112, 1113. 44 Andreeva, p. 50. 45 Hunt Allcott & Matthew Gentzkow, "Social Media and Fake News in the 2016 Election," Journal of Economic Perspectives , vol. 31, no. 2 (2017), p. 211. 46 Andreeva, p. 50.

  1. 31 Marija Andreeva, "(Re)shaping Political Culture and Participation through Social Networks," Journal of Liberty and International Affairs , vol. 5, no. 2 (2019), p. 47.
  2. Ibid.
  3. 33 Dong Zhou, Weiguang Deng & Xiaoyu Wu, "Impacts of Internet Use on Political Trust: New Evidence from China," Emerging Markets Finance and Trade , vol. 56, no. 14 (2020), p. 3236.
  4. 34 Ibid.
  5. 35 Ibid.
  6. 36 Andreeva, p. 50; Jordan Carpenter et al., "Political Polarization and Moral Outrage and Social Media," Connecticut Law Review , vol. 52, no. 3 (2021), p. 1109.
  7. 37 Ibid.
  8. Ibid., p. 1110.
  9. Marc Lynch, "How the Media Trashed the Transitions," Journal of Democracy , vol. 26, no. 4 (2015), pp. 90 - 99.
  10. 40 Mark Beissinger, "Conventional and 'Virtual' Civil Societies in Autocratic Regimes," Comparative Politics , vol. 49, no. 3 (2017), pp. 351 - 371.
  11. يتضمّن العداء هنا كراهية المعارضين السياسيين والاعتقاد أن الطرف الآخر خطير أو شرير، أو تصويره على أنه كذلك.
  12. 42 نفي صفة الإنسانية Dehumanization هي عملية إنكار امتلاك شخصٍ ما أو مجموعة معينة للقدرات والتوجّهات التي يتّسم بها الشخص الطبيعي مثل القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية، أو الإحساس بالمعاناة والشعور بالألم. ينظر: 1116 p. al., et.Carpenter
  13. 43 Ibid., pp. 1112, 1113.
  14. 44 Andreeva, p. 50.
  15. 45 Hunt Allcott & Matthew Gentzkow, "Social Media and Fake News in the 2016 Election," Journal of Economic Perspectives , vol. 31, no. 2 (2017), p. 211.
  16. 46 Andreeva, p. 50.

واهكذا، لا يوجد إجماع حول إذا ما كان دور شبكة الإنترنت داعم للديمقراطية أم مجرد منبر اتصالي محايد يمكن أن يستفيد منه الأفراد والأنظمة السلطوية معًا. قد ينبع غياب الإجماع هذا من حقيقة أن أدوار شبكة الإنترنت، بوصفها مغرّي ا للقيم ومنبرًا بديلًا، تتداخل بشدّة في تشكيل المخرجات السياسية، إضافةً إلى اختلاف الوزن النسبي لهذَين الدورَين باختلاف حساسية القضايا السياسية المطروحة ومستوى الرقابة الحكومية على محتواها. ولا يتّضح إذا ما كانت شبكة الإنترنت تشجّع على التفاعل الاجتماعي والخطاب السياسي الرشيد، أم أنها تمثّل في ذاتها أحد معوّقات التحوّل الديمقراطي الناجح، إذ تستنفد الدعم الشعبي للأنظمة الاستبدادية من دون أن تحفّز، بالضرورة، القيم الديمقراطية لدى المواطنين47. ويمكن البحث في ذلك من خلال استكشاف مواقف الأفراد في شبكات التواصل الاجتماعي تجاه معايير ديمقراطية أساسية، كالوعي بالحقوق، وتقييم الحرية السياسية، والمشاركة الشعبية48، وتقبّل الآخر، وتوافر الثقة سواء تجاه مؤسسات معيّنة أو بين الأفراد بعضهم ببعض. يمكن، على أيّ حال، التمييز بين طريقَتيَن لتأثير شبكة الإنترنت في الثقافة السياسية: طريقة مباشرة، وذلك بالتأثير مباشرة في الثقافة السياسية ومفاهيم المشاركة والانخراط والتسامح والثقة. وطريقة غير مباشرة، وذلك بالتأثير في الذاكرة الجمعية التي هي أحد المصادر المهمة في تشكّل الثقافة السياسية لأيّ مجتمع أو جماعة كما سنوضّ ح في ما ليي.

2. الذاكرة الجمعيّة: شبكة الإنترنت وتحوّل نموذج التذكّر والنسيان49

لا يشغل البحث في موضوع الذاكرة الجمعية حيّزًا مهمًا داخل التيار الرئيس في علم السياسة، على الرغم من الدور الذي تؤديه في تشكيل معتقدات الأفراد والهوية الجمعية، وتاليًا الثقافة السياسية50. والتذكّر الجمعي عملٌ اتّصالي، يتّسم بالضرورة بالانتقائية، إذ يقترن اقترانًا لازمًا بنسيان جماعي انتقائي أيضًا51. والسؤال الرئيس هنا:

47 Huhe, Tang & Chen, p. 761. 48 Ibid., p. 763. 49 تميّز الدراسة بين الذاكرة الجمعية والذاكرة التاريخية، على اعتبار أن الأخيرة ثمرة تقليد

معرفي وعلمي ونتاج للتحليل والنقد والعقلنة. 50 Eric Langenbacher & Yossi Shain, "Introduction: Twenty-first-Century Memories," in: Langenbacher & Shain (eds.), p. 15. 51 William Hirst & Allin Coman, "Building a Collective Memory: The Case for Collective Forgetting," Current Opinion in Phycology , vol. 23 (October 2018), p. 88.

إلى أي مدى تغّير الوضع بالنسبة إلى ذاكرة الشعوب الجمعية في ظّل تطوّر شبكة الإنترنت؟

أ. في فهم الذاكرة الجمعيّة

لا تزال أطروحة عالم الاجتماع الفرنسي موريس ألبفاكس – الذي يعدّ مؤسس حقل الذاكرة الجمعية – أساسية في دراسة العلاقة بين الذاكرة الفردية والجمعية. فبحسبه، تصوغ الجماعات صورها الخاصة عن العالم من خلال عملية متواصلة من تشكيل صيغ الماضي وإعادة تشكيلها52. وهذه العملية هي ما يميّز الجماعات ويمكّنها من تأسيس هويتها الخاصة التي تميّزها من غيرها من الجماعات التي قد تكون لها ذكريات وتفسيرات مختلفة للأحداث نفسها53. بيد أن الذاكرة الجمعية ليست معطاة، بل مبنيّة اجتماعيًا Socially Constructed، ويقوم الأفراد أنفسهم أعضاء الجماعة/ المجتمع بعملية التذكّر التي هي عماد الذاكرة الجمعية. ويترتب على ذلك تعدّد الذاكرات الجمعية بتعدد الجماعات والمؤسسات في المجتمع54. وقد شدّد ألبفاكس على أن تصوّراتنا عن الماضي تتأثّر بالصور الذهنية التي نوظّفها لحل المشاكل المعاصرة، بما يجعل الذاكرة الجمعية بالضرورة إعادة تركيب للماضي في ضوء الحاضر55. تحظى مسألة العلاقة بين الذاكرة الجمعية والهوية في أبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية بأهمية كبيرة، وكذلك مسألة علاقة السلطة بالذاكرة وما يترتب على ذلك من تبعية ذاكراتية مُحتملة (أي تبعية الذاكرة للسلطة). وعلى خلاف ألبفاكس الذي لم يحدد الجهات المرتبطة بالذاكرة والهوية الجمعيَتيَن، يتطرّق جان أسمان إلى ما يسميه التحالف بين السلطة والذاكرة؛ فالسلطة في حاجة إلى شرعية لوجودها، وهذا ما أطلق عليه "الجانب الاستذكاري الموجّه إلى الماضي". ولهذا التحالف بين الذاكرة والسلطة السياسية بعدٌ مستقبليي أيضًا، إذ "لا يغتصب الحكام الماضي فحسب، وإنما يغتصبون المستقبل أيضًا، فهم يريدون أن يتذكرهم الآخرون، ولهذا يشيّدون لأنفسهم نصُبًا تذكارية وتماثيل مخلّدة لهم، ويسعون إلى جعل أعمالهم مادة ترويها الأجيال وتتغنّى بها وتخلّدها في آثار

52 زهير سوكاح، "حقل 'دراسات الذاكرة' في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي"، أسطور، مج 6، العدد 11 (2020)، ص.37 53 Motti Neiger, Oren Meyers & Eyal Zandberg, "On Media Memory: Editor's Introduction," in: Motti Neiger, Oren Meyers & Eyal Zandberg (eds.), On Media Memory: Collective Memory in a New Media Age (Basingstoke, UK: Palgrave Macmillan, 2011), pp. 2 - 3. 54 Maurice Halbwachs, On Collective Memory , Lewis A. Coser (trans.) (Chicago: The University of Chicago Press, 1992), p. 22. 55 Ibid., p. 34.

  1. Huhe, Tang & Chen, p. 761.
  2. Ibid., p. 763.
  3. 49 تميّز الدراسة بين الذاكرة الجمعية والذاكرة التاريخية، على اعتبار أن الأخيرة ثمرة تقليد معرفي وعلمي ونتاج للتحليل والنقد والعقلنة.
  4. Eric Langenbacher & Yossi Shain, "Introduction: Twenty-first-Century Memories," in: Langenbacher & Shain (eds.), p. 15.
  5. William Hirst & Allin Coman, "Building a Collective Memory: The Case for Collective Forgetting," Current Opinion in Phycology , vol. 23
  6. زهير سوكاح، "حقل 'دراسات الذاكرة' في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي"، أسطور، مج 6، العدد 11 (2020)، ص.37
  7. 53 Motti Neiger, Oren Meyers & Eyal Zandberg, "On Media Memory: Editor's Introduction," in: Motti Neiger, Oren Meyers & Eyal Zandberg (eds.), On Media Memory: Collective Memory in a New Media Age (Basingstoke, UK: Palgrave Macmillan, 2011), pp. 2 - 3.
  8. Maurice Halbwachs, On Collective Memory , Lewis A. Coser (trans.) (Chicago: The University of Chicago Press, 1992), p. 22. 55 Ibid., p. 34.
  9. (October 2018), p. 88.

مرئية، أو على الأقل توثّقها في الأرشيفات والمحفوظات"56. ويميّز أسمان بين نمَطيَن من الذاكرة الجمعية، هما الذاكرة التواصلية Communicative Memoryفي مقابل الذاكرة الثقافيةCultural Memory. تتمثّل الذاكرة التواصلية في التواصل اليومي والتفاعل العفوي ضمن مجتمع ما، ومن ثم تتّسم بالتغّير المستمر، أما الذاكرة الثقافية فتعدّ بمنزلة مخزون هوياتي يتّسم بالاستقرار والثبات، إذ إنها ترتبط بأحداث مصيرية من الماضي تُحفظ في الذاكرة من خلال التكوين الثقافي (النصوص المتداولة والطقوس والآثار وخلافه)، والتواصل المؤسسي (كالتكرار والممارسة والاحتفال)، وهو ما أطلق عليه "رموز الذاكرة"57 Memory of Figures. وبطبيعة الحال، تؤدي السلطة السياسية هنا – بما لها من سيطرة على مؤسسات الدولة – دورًا أساسيًا، بل احتكاريًا أحيانًا، في ما يعرف ب "الذاكرة المتلاعب بها" بما يخدم مصالحها58. تكمن إشكالية هذه التعريفات في نظرتها إلى الذاكرة على أنها موجّهة من النظام السياسي ومعّبةر عنه وعن هويته المعيارية، في الوقت الذي تصفها فيها ب "العمومية/ الجمعية". ولإزالة هذا اللبس في طبيعة الذاكرة المتناقضة – بين كونها ذاكرة رسمية تفرضها السلطة، وعمومية متاحة للمحكومين في الوقت ذاته – يميّز بعض الباحثين بين نمَطيَن من الأنظمة السياسية: التعدّدية في مقابل التسلّطية؛ فالمحتويات الذاكراتية الجمعية من أحداث وتجارب حيتي، لادًاااعو احوتفم لاوًااادت ةيطارقيدملا ةمظنلاأ في لوادتتُ ةيضام لكل طرف المشاركة في النقاش العمومي وإبداء موقفه منه. أما في الأنظمة التسلطية، فتُمنع أيّ إمكانية مجتمعية لنقاش ذاكراتي حقيقي تشارك فيه كل جماعات المجتمع ويُغلق الباب أمام فرص المشاركة المدنية المفتوحة59، ويثير هذا التمييز قضية العلاقة بين الذاكرة ونظام الحكم.

ب. الذاكرة ونظام الحكم

يرى بعض الباحثين أن الذاكرة لا تنتعش إلا في الديمقراطيات. ويحدد هذا الرأي ثلاثة متغيرات مترابطة تسهّل من ظهور الذكرى. المتغّير الأول هو "حجم" التاريخ، حيث تزيد فرص الذكريات الجمعية في التشكّل والبقاء حين تتعلق بأحداث تمثّل تغّير ات طويلة المدى وذات مغزى في

56 نقلًا عن: زهير سوكاح، "السياسة والذاكرة الجمعية: علاقة تنافر أم تجاذب؟"، مجلة الناقد للدراسات السياسية، العدد 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 2017)، ص 39 -.40 57 Jan Assmann & John Czaplicka, "Collective Memory and Cultural Identity," New German Critique , no. 56 (1995), pp. 126 - 129. 58 بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي (طرابلس: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص.136 59 نقلًا عن: سوكاح، "السياسة والذاكرة؟"، ص.49

حياة الأفراد. وقد يعوّض التعاطف الذي يشعر به مواطنو دولة ما تجاه قضية ما أو أهمية الضحايا الاجتماعية غياب الحجم60. في حين يتعلّق المتغّير الثاني بوجود آليات للذاكرة يمتصّها الأفراد، ومن ثمّ يجري بناؤها ونشرها. أما المتغّير الثالث فيتعلق بوجود قدرٍ من الانفتاح في النظام السياسي، حيث يشعر من تعرّضوا للظلم والقهر والاضطهاد بقدر من الأمن يسمح لهم بالتحدّث واسترجاع الماضي61. ويعني هذا أن الذاكرة تكون جزءًا من عملية تأقلم العامة في سياق نظام تعدّدي حرّ، وتُصاغ لتكون حافزًا على المصالحة والحوار وتجنّب أخطاء الماضي62. وفي المقابل، ظهرت اعتراضات عديدة على الربط بين الذاكرة الجمعية والديمقراطية. ويشير المنتقدون إلى استخدام النظم غير الديمقراطية المعتاد للذاكرة الجمعية، ويذهب بعضهم إلى القول إن استخدام الذاكرة الجمعية يرتبط في الواقع بالنظم الدكتاتورية بقدرٍ أكبر منه في النظم الديمقراطية63. ويصعّب استخدام الدكتاتوريات السياسي للذاكرة الجمعية من تنظيم الفواعل المجتمعية المختلفة لأيّ مقاومة ذاكراتية. وفي حين يميل تطور الذاكرة الجمعية في الأنظمة الديمقراطية إلى أن يكون تعدديًا وينطوي على نقد ذاتي بشأن الماضي – ماذا حدث خطأ - تستحوذ الأنظمة الدكتاتورية، في الأغلب، على سردية الماضي؟ وصناعة المظلومية64. وبناء على ذلك، يمكن تحديد خصائص خمسٍ للذاكرة الجمعية: الذاكرة الجمعية هي بناء اجتماعي - سياسي: فهي نسخة عن الماضي اختارت جماعة ما (أو فواعل محددة في الجماعة) أن تتذكّرها من أجل تحقيق أهدافها وخدمة تصوّرها عن نفسها65. تشكيل الذاكرة الجمعية هو عملية مستمرّة وثنائية الاتّجاه، تتّجه من الحاضر نحو الماضي والعكس؛ فتوجّه الأحداثُ الجارية والمعتقدات قراءتنا للماضي، في حين تشكّل الأطر المرجعية المُتعلَّمة من الماضي فهمَنا للحاضر. الذاكرة الجمعية وظيفية: تتذكّر الجماعات ماضيها لأهداف مختلفة تتمحور أساسًا حول التعريف بذاتها ورسم الحدود

60 Langenbacher, pp. 34 - 35. 61 Ibid. 62 Mariska Kappmeier & Aurélie Mercy, "The Long Road from Cold War to Warm Peace: Building Shared Collective Memory Through Trust," Journal of Social and Political Psychology , vol.7, no. 1 (2019), pp. 527 - 528. 63 Langenbacher, p. 37. 64 Olli Hellmann, "The Dictator's Screenplay: Collective Memory Narratives and the Legitimacy of Communist Rule in East Asia," Democratization , vol. 28, no. 4 (2021), p. 661. 65 Neiger, Meyers & Zandberg, p. 4.

  1. نقلًا عن: زهير سوكاح، "السياسة والذاكرة الجمعية: علاقة تنافر أم تجاذب؟"، مجلة الناقد للدراسات السياسية، العدد 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 2017)، ص 39 -.40
  2. 57 Jan Assmann & John Czaplicka, "Collective Memory and Cultural Identity," New German Critique , no. 56 (1995), pp. 126 - 129.
  3. بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي (طرابلس: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص.136
  4. 59 نقلًا عن: سوكاح، "السياسة والذاكرة؟"، ص.49
  5. Langenbacher, pp. 34 - 35.
  6. Ibid.
  7. Mariska Kappmeier & Aurélie Mercy, "The Long Road from Cold War to Warm Peace: Building Shared Collective Memory Through Trust," Journal of Social and Political Psychology , vol.7, no. 1 (2019), pp. 527 - 528.
  8. 63 Langenbacher, p. 37.
  9. Olli Hellmann, "The Dictator's Screenplay: Collective Memory Narratives and the Legitimacy of Communist Rule in East Asia," Democratization , vol. 28, no. 4 (2021), p. 661.
  10. 65 Neiger, Meyers & Zandberg, p. 4.

بينها وبين الجماعات الأخرى، وإعادة تأكيد معتقدات الجماعة الأساسية66. الذاكرة الجمعية يجب أن تكون مُجسّدة: لكي تصبح الذاكرة الجمعية وظيفية، يجب تجسيدها من خلال الهياكل المادية والمنتجات الثقافية، كالطقوس، والنُصب التذكارية، والآثار، والمتاحف التاريخية، والمناهج التعليمية، ومحتوى الإنترنت الآن، وغيرها. الذاكرة الجمعية سردية: تأخذ الذاكرة في معظم الحالات شكل السردية التي لها بداية وسلسلة من الأحداث المتطوّرة ونهاية، إضافة إلى الأبطال المطلوبين للتغلب على العقبات أو القيام بأمور يعجز عنها أفراد الجماعة، وعادة ما تكون مشحونة بالدروس والأخلاق التي توجّه المجتمعات67. وسواء أكانت الذاكرة تنتعش في ظلّ الديمقراطيات أم توظّفها السلطويات، فإن الطرق التي يتعامل بها المجتمع مع الأزمات ويتذكر بها الماضي المضطرب تخبرنا الكثير عنه. ويمكن أن تمثّل ذكريات الصراع الاجتماعي قوة كبيرة في الخطاب السياسي، فإمّا أن تداوي الخلافات أو تُلهب الجروح. ويمكن أن تكون الذكريات المميّزة للجماعة الاجتماعية كذلك مصدر قوة في مقاومة القمع. بيد أن الذكريات المفرقة حين تُحفظ وتُنمّى، فإن الصراع الاجتماعي العنيف ينفجر مرةً أخرى، أو قد يصعب التعامل مع المشكلات الطويلة المدى68. وهكذا، تشكّل الذكريات المشتركة اجتماعيًا جزءًا من الثقافة السياسية التي يمكن أن نفهمها على أنها الذاكرة المسيطرة المتاحة على نطاق واسع في المجال العام. وبهذا، يكون السلوك السياسي والتوجّهات العامة وحتى الخطاب السياسي نتاجَ الذاكرة الجمعيّة69. فكيف يتأثر ذلك بوسائل التذكّر الحديثة، وأهمها شبكة الإنترنت؟

ج. شبكة الإنترنت والذاكرة الجمعية

تتميّز شبكة الإنترنت بذاكرة لا تَنسى، ويؤثّر التسارع التكنولوجي ووفرة المعلومات المتاحة في الطريقة التي نتذكر بها الأشياء والأحداث، وفي محتوى ذاكرتنا الإنسانية الجمعية. فالتكنولوجيا

66 Ibid., p. 5. 67 Ibid. 68 Jill A. Edy, Troubled Pasts: News and the Collective Memory of Social Unrest (Philadelphia: Temple University Press, 2006), p. 2. 69 Ibid., p. 4.

تمدّنا بمصادر أكثر للمعلومات وطرائق جديدة لحفظ الذكريات. بيد أن وفرة المعلومات تحتاج إلى قدر مهم من "الفرز" للتحقّق من شرعيتها وصحّتها70. ويُعدّ الاستخدام المتزايد لمنصة يوتيوب YouTube بوصفها أرشيفًا للذاكرة، والتوافر غير المسبوق لقواعد البيانات المتاحة على شبكة الإنترنتOnline التي توثّق الماضي، فضلًا عن سهولة تقديم السرديات المختلفة عن الماضي، تطوّراتٍ تحتّم إعادة النظر في العلاقة بين وسائل الإعلام والاتّصال وتذكّر الماضي71. فمن ناحية، تقلّ فرص نسيان الأحداث أو ضياع ذكراها، إذ حوّلت شبكة الإنترنت الذاكرة الجمعية إلى أمرٍ يمكن استرجاعه بسهولة72. ومن ناحية أخرى، زاد الاعتماد على مصادر خارجية لذاكرتنا عن طريق أنظمة لا نتحكّم فيها، وهو ما قد يعزلنا عن ذاكرتنا ويخاطر بضياع الأحداث في نسيانٍ تامّ. لا تسهّل تقنيات الاتصال الحديثة من عملية التذكّر فحسب، بل توفّر أيضًا فرصًا جديدة للمواطنين للتدقيق في أرشيفات المواد السابقة ومساءلتها بوصفها ذكريات ثابتة73. ولهذا السبب، لا يسمح توافر وسائل الاتّصال الجديدة بظهور الروايات البديلة والمضادة فحسب، بل يشجّعها أيضًا ويساعد على انتشارها74. وهكذا، تتحدّى شبكات التواصل الاجتماعي الطابع المؤسسي للذكريات التي تديرها "وكالات الذاكرة الرسمية"، كما تتحدى شرعيتها أيضًا75. فقد أصبحت تلك الشبكات، على سبيل المثال، مكانًا لإحياء الذكرى بالتوازي مع أشكال الاحتفال التقليدية الأخرى أو بوصفها بديلًا منها، إضافةً إلى تقديم روايات بديلة أو مضادة لتلك السائدة76. ويتيح هذا التبادل للذكريات والروايات الفردية على شبكة الإنترنت التعرّض للمزيد من الآراء حول الأحداث، وهو ما يؤدي إلى أن تصبح الذكريات الفردية أقدر على التأثير في الذاكرة الجمعية

70 Sophie Perryer, "The Internet never Forgets, but People Do," The New Economy , 13/11/2018, accessed on 20/1/2023, at: https://bit.ly/3UAiNoB 71 Neiger, Meyers & Zandberg, p. 2. 72 García-Gavilanes et al., p. 1. 73 Hui Zhao & Jun Liu, "Social Media and Collective Remembrance: The Debate over China's Great Famine on Weibo," China Perspectives (January 2015), p. 41, accessed on 20/1/2023, at: https://bit.ly/3OHgGvr 74 Ibid., p. 42. 75 Roberta Bartoletti, "Memory and Social Media: New Forms of Remembrance and Forgetting," in: Bianca Pirani (ed.), Learning from Memory: Body, Memory and Technology (New Castle: Cambridge Scholars Publishing, 2011), p. 88. 76 Ibid., p. 110.

  1. Ibid., p. 5.
  2. Ibid.
  3. Jill A. Edy, Troubled Pasts: News and the Collective Memory of Social Unrest (Philadelphia: Temple University Press, 2006), p. 2.
  4. 69 Ibid., p. 4.
  5. Sophie Perryer, "The Internet never Forgets, but People Do," The New Economy , 13/11/2018, accessed on 20/1/2023, at: https://bit.ly/3UAiNoB
  6. Neiger, Meyers & Zandberg, p. 2.
  7. García-Gavilanes et al., p. 1.
  8. Hui Zhao & Jun Liu, "Social Media and Collective Remembrance: The Debate over China's Great Famine on Weibo," China Perspectives (January 2015), p. 41, accessed on 20/1/2023, at: https://bit.ly/3OHgGvr
  9. Ibid., p. 42.
  10. Roberta Bartoletti, "Memory and Social Media: New Forms of Remembrance and Forgetting," in: Bianca Pirani (ed.), Learning from Memory: Body, Memory and Technology (New Castle: Cambridge Scholars Publishing, 2011), p. 88.
  11. 76 Ibid., p. 110.

من ذي قبل، أو على الأقل توفّر فرصة للحفاظ على الذكريات الفردية وإدامتها77. وهكذا، أصبح التذكّر والنسيان خارج نطاق الدولة التحكّمي الحصري78، ما يؤثّر من ثمّ في الذاكرة الجمعية في المجتمع، إذ توجد أكثر من ذاكرة خاصّة بالأحداث محل الجدل، ولم يقع عليها توافق بين الأطراف الفاعلة المختلفة في المجتمع. وينعكس ذلك على الثقافة السياسية السائدة التي تتشكّل في جزء كبير منها من هذه الذاكرة الجمعية. ويتّضح هذا الأثر إلى حد بعيد في حالات الانتقال الديمقراطي التي تتطلب في معظم الحالات تحقيق المصالحة في المجتمع. 3. الذاكرة والثقافة السياسية والمصالحة تُعدّ قضية التحوّل الديمقراطي، وما يرتبط بها من قضايا المصالحة والعدالة الانتقالية، من القضايا المهمة التي تتجّلى فيها العلاقة بين الذاكرة الجمعية والثقافة السياسية. وتستند المصالحة – التي هي نقطة تلاقٍ بين الماضي والمستقبل – إلى آلياتٍ معيّنة، كلجان تقّصي الحقائق ومحاكم جرائم الحرب التي تسعى إلى كشف الانتهاكات والمحاسبة عليها، إضافةً إلى مبادرات العدالة التصالحية Restorative Justice التي تسعى إلى إصلاح علاقات الجاني والمجني عليه. يوضّ ح جون ليديراك P John Lederach. أن هذه الاستراتيجيات تسعى لإعادة سرد الروايات بهدف إعادة التفاوض حول التاريخ والهوية، لا سيما بالنسبة إلى الجماعات التي تأثّرت بهذه الخبرات وتشكّلت لديها ذاكرة جمعية قوية عن الانتهاكات التي تعرّضت لها على يد أطراف أخرى79. وهكذا، تصبح الذاكرة الجمعية مكوّنًا أساسيًا من مكونات جهود التعامل مع الماضي وإعادة بناء الثقة المجتمعية وتأسيس حكم القانون. وتغدو مبادرات الحقيقة والمصالحة والمحاسبة والعديد من جهود التذكّر الأخرى بمنزلة أدوات مركزية في بناء ثقافة سياسية ديمقراطية ومجتمع مدني مزدهر80. تسعى عمليات العدالة الانتقالية الرسمية وهيئاتها إلى البحث في الحقائق من أجل وضع سردية مشتركة عن الجرائم والانتهاكات التي حدثت في الماضي بوصف ذلك شرطًا أساسيًا لمستقبل مستقرّ

77 James Warren, "The Internet and Memorialisation: A Case Study of 9 / 11 Internet Memorials," Folio , 21/1/2015, accessed on 20/1/2023, at: https://bit.ly/3u0byLX 78 ولا تغّير قدرة الدولة على حجب بعض مواقع الإنترنت أو التواصل الاجتماعي من هذا الأمر، وذلك بسبب وفرة وسائل مراوغة ذلك الحجب، ينظر، على سبيل المثال: "رغم قطع الإنترنت وشبكة الجوال.. هذه التطبيقات تتيح لك التواصل"، الجزيرة نت، 2019/9/24، شوهد في 2023/1/20، في: https://bit.ly/42hodqm 79 Dazzo. 80 Langenbacher, p. 16.

في النظم الانتقالية81. وتنعكس الطريقة التي يتعامل بها مجتمع ما رسميًا مع انتهاكات الماضي على الثقافة السياسية والتصوّر العام لنجاح الانتقال من السلطوية أو فشله؛ فتحوّل الثقافة السياسية إلى محورٍ للذاكرة الجمعية يجعل الأخيرة ظاهرة متعددة الأجيال من خلال استمرار الابتعاد عن الماضي الاستبدادي، لا في السلوك وعمل المؤسسات فحسب، بل في بعده النفسي الجماعي أيضًا، وهو الأمر الذي يعزّز فرص المصالحة ويرسّخ قيم الديمقراطية. وعلى العكس، يعرقل الاستخدام الأداتي للذاكرة المصالحةَ ويدفع المجتمع إلى الإحجام عن المشاركة السياسية82. فعلى سبيل المثال، أرجع بعض الباحثين الثقافة السياسية الحالية في جنوب أفريقيا إلى نموذج العدالة الانتقالية الذي اتّبعته. فلا يمكن أن يدّعي الفاعلون السياسيون هناك أنهم لم يكونوا جزءًا من العملية أو التشكيك في صحتها. وقد انعكس هذا الأمر على ترسيخ السلوك الديمقراطي في البلاد وتأسيس مجتمع مشارك ومتسامح إلى درجة كبيرة، على الرغم من استمرار التفاوت الاقتصادي بين السود والبيض واستمرار مستويات عالية من الجريمة والعنف83. وبهذا، لا تصبح العدالة الانتقالية مجرد "العدالة" بمعناها الخاص بتصفية الحسابات وتحديد العقوبة، بل طريقة المجتمعات في التعامل مع الماضي ليتمثّل الهدف – إضافة إلى معاقبة المذنبين – في تعلّم درس من الماضي لعدم تكراره، واستبعاد المتورطين في الانتهاكات من النظام الجديد84. لا تقتصر عملية التذكّر على شبكة الإنترنت على سرد الأحداث واستهلاك الروايات الموجودة، بل تقوم بإنتاج الروايات أو إعادة تشكيلها، بحيث تعيد بناء الأحداث على نحوٍ يعزّز إما الحوار الوطني والمصالحة، وإما الاستقطاب والعداوة والكراهية. ولا يقتصر هذا الأمر على الحاضر أو الماضي القريب، بل قد يمتدّ إلى الماضي البعيد أيضًا85. ومن ثمّ، يعدّ التعرّف إلى هذه الروايات بمنزلة مؤّشر على المواقف والتوجّهات والمعاني السائدة أو المتعارضة في المجتمع والمتعلّقة بالذاكرة الجمعية لحدث ما أو مرحلة معيّنة، وهي أمور تؤّشر على طبيعة الثقافة السياسية السائدة. ويستكشف المبحث التالي من الدراسة هذه الأبعاد في حالة ثورة 25 يناير 2011 المصرية.

81 Dazzo; 82 Jane L. Curry, "When an Authoritarian State Victimizes the Nation: Transitional Justice, Collective Memory, and Political Divides," International Journal of Sociology , vol. 37, no. 1 (2007), pp. 64, 65. 83 Curry, p. 64. 84 Ibid., p. 59. 85 Matthew V. Hibbing, Matthew Hayes & Raman Deol, "Nostalgia isn't what it Used to be: Partisan Polarization in Views on the Past," Social Science Quarterly , vol. 98, no. 1 (2017), p. 231.

  1. James Warren, "The Internet and Memorialisation: A Case Study of
  2. ولا تغّير قدرة الدولة على حجب بعض مواقع الإنترنت أو التواصل الاجتماعي من هذا
  3. Dazzo.
  4. Langenbacher, p. 16.
  5. Dazzo; 82 Jane L. Curry, "When an Authoritarian State Victimizes the Nation: Transitional Justice, Collective Memory, and Political Divides," International Journal of Sociology , vol. 37, no. 1 (2007), pp. 64, 65. 83 Curry, p. 64.
  6. 9 / 11 Internet Memorials," Folio , 21/1/2015, accessed on 20/1/2023, at: https://bit.ly/3u0byLX
  7. الأمر، وذلك بسبب وفرة وسائل مراوغة ذلك الحجب، ينظر، على سبيل المثال: "رغم قطع الإنترنت وشبكة الجوال.. هذه التطبيقات تتيح لك التواصل"، الجزيرة نت، 2019/9/24، شوهد في 2023/1/20، في: https://bit.ly/42hodqm
  8. Ibid., p. 59.
  9. Matthew V. Hibbing, Matthew Hayes & Raman Deol, "Nostalgia isn't what it Used to be: Partisan Polarization in Views on the Past," Social Science Quarterly , vol. 98, no. 1 (2017), p. 231.

ثانيًا: ثورة 25 يناير 2011 المصرية: دراسة حالة

مثّلت ثورة 25 يناير 2011 لحظة استثنائية في المجتمع المصري. فبعد عقود من الاستبداد والخوف، علت الأصوات مطالبةً بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ليُنبئ الحدث لا بتحوّل سياسي فحسب، بل بتحوّل ثقافي أيضًا يعكس عمق التغيرات الفكرية والنفسية التي حدثت في المجتمعات العربية بوجه عام، والمجتمع المصري بوجه خاص. ويؤهّل هذا الأمر ثورة 25 يناير لتكون من الذكريات الدائمة، نظرًا إلى الآثار الممتدة التي تركتها في المجتمع والسياسة في مصر، فضلًا عن توظيفها في تشكيل صورةٍ ما عن هذا المجتمع. ومع الاختلاف في تقويمها، أمست ثورة 25 يناير بالفعل ذكرى مفصلية لدى كثير من قطاعات المجتمع المصري. بيد أنها، ونظرًا إلى عدم اكتمال عملية الانتقال الديمقراطي، أصبحت ذكرى مُتنازعًا عليها بين من يمجّدها ويُعليي من شأنها، ومن يدينها ويشوّه تاريخها وأهدافها، وذلك في ظلّ رواية رسمية ملتبسة تتعمّد التشويش على الحدث. وهكذا، فمع كون ثورة 25 يناير نقطة فارقة في ثقافة المصريين السياسية، فإنها لا تمثّل بالضرورة خطوة نحو تأسيس مجتمع أكثر تسامحًا وديمقراطية. يتجّلى في مثال ثورة 25 يناير دور شبكة الإنترنت، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، في توثيق أحداثها وتناول ذكراها86. ويزيد هذا الدور في ظلّ إهمال الدولة والنظام عمليةَ تدوين الثورة رسميًا والتحديات الكبيرة التي تواجه المبادرات الشعبية في عملية التوثيق87. وتزيد أهمية ذلك مع انتشار السرديات عن الثورة، إمّا بهدف طمس الحقائق أو تسليط الضوء على جوانب معيّنة من الحقيقة التاريخية، وإما لتعميم سردية قد تخالف تلك الحقيقة، وهذه أمور تجعل ذكرى 25 يناير ساحة صراع بين سرديَتيَن أساسيَتيَن، بينهما مجموعة كبيرة من السرديات الثانوية88. تهتمّ هذه الدراسة بالنظر في هذه السرديات الشعبية عن الثورة المصرية، مع التركيز تركيزًا خاصًا على كيفية تصوّر الأفراد للحدث والقيم التي يحملها هذا التصوّر ودلالاته بالنسبة إلى ثقافة المجتمع السياسية بوجه عام. وتُلقي الدراسة بالتوازي الضوء على الرواية "الرسمية" عن ثورة 25 يناير ومدى اتفاقها واختلافها مع الروايات الشعبية، وذلك استنادًا إلى ما كُتب عن ذكراها في وسائل التواصل الاجتماعي.

86 يقصد بتوثيق ثورة 25 يناير المصرية جمع كل المواد والمعلومات الخاصة بأحداث الثورة وتصنيفها وفرزها والتحقق منها. 87 عصام شعبان، "توثيق الثورة المصرية.. الضرورة والأهمية والإشكالات"، العربي الجديد، 2022/5/11، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/42LjhKL 88 المرجع نفسه.

نبدأ أولًا بالرواية الرسمية للثورة. عمومًا، تطوّر الخطاب الرسمي عن ثورة 25 يناير على مدار السنوات القليلة الماضية. فبعد احتفاء المجلس العسكري المصري المبدئي بها في ذكراها الأولى (كانون الثاني/ يناير 2012) وتأكيده على تضامنه معها وشراكته فيها، أخذ هذا الاحتفاء في التضاؤل تدريجيًا في مقابل زيادة تشويهها وتهميشها. أما التشويه، فبعد أن كانت "ثورة"، أضحت "أحداثًا" أو "اضطرابات" تُوظّف للتحذير من مصير شعوب ثارت على أنظمتها، فانهارت دولها وتحوّلت إلى ساحات مفتوحة للصراع والحروب الأهلية89. وأمّا التهميش، فكان لحساب "ثورة 30 حزيران/ يونيو" (2013) التي أضحت "مصحّحة" لمسار ثورة 25 يناير90. وبما أن ثورة يناير اختارت يوم 25 كانون الثاني/ يناير تحديدًا (يوم عيد الشرطة المصرية)، فقد بدأ الجمع بين ذكراها وذكرى عيد الشرطة على نحو كانت فيه الطرف الأقل شأنًا والأقل استحقاقًا للاحتفاء. ويتجلى هذا التطوّر في الرواية الرسمية للثورة في موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي منها. فمع تولّيه السلطة في عام 2014، عمد في البداية إلى تحية ثورة 25 يناير "التي تأخّرت 15 عامًا"، رافضًا التعرّض لها بسوء، بل عدّها تعبيرًا عن "رغبة المصريين في بناء مستقبل جديد". بيد أنه في سياق لاحق، أكّد على أنها كانت ثورةَ تغييرٍ احتاجت إلى ثورة أخرى لتصويب مسارها. ثم وصف "ما حدث في 2011" بأنه لم يكن إلا "علاجًا خاطئًا لتشخيص خاطئ"، إلى أن وصلنا إلى أنها كانت "مؤامرة"91، و"وعيًا زائفًا"، و"خرابًا" أوقف مشاريع التنمية وتسبّب في أزمة سد النهضة الإثيوبي بما تمثّله من تهديد للأمن القومي92. وبسبب الثورة، "أوشكت [مصر] أن تضيع"93؛ ذلك أن هدفها لم يكن "التغيير"، بل "التدمير "94.

89 " من الكلمات السياسية إلى المناهج الدراسية... تحولات خطاب 'الدولة' عن 25 يناير"، رصيف 22، 2022/1/25، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/47MfWMl 90 فريد دياب، "يناير المصرية في الخطاب الرسمي... 'ستار' يسدل بهدوء"، وكالة الأناضول، 2017/1/25، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/49bFwey 91 صرّح السيسي في مؤتمر الشباب 2019 بأن: "[أحداث] 2011 وكل المؤامرة التي حدثت [استهدفت] وزارة الداخلية ووزارة الدفاع لأنهما مراكز الثقل التي تستطيع أن تحمي الدولة"، ينظر: "كلمة الرئيس السيسي خلال الجلسة الأولى في مؤتمر الشباب الثامن"، تن تي في، يوتيوب، 2019/9/14، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3HyisLt 92 صرّح السيسي في المؤتمر الثامن للشباب 2019: "سأقول لكم عن غلطة واحدة، أو ثمن واحد دفعناه وسندفعه، [أحداث] 2011 لم تكن أبدًا لتُبنى سدود على نهر النيل إلا بها [بسببها]". 93 كلمة الرئيس السيسي خلال افتتاح التوسعات الجديدة والتطوير لمصنع كيما للأسمدة 2022، ينظر: "السيسي: عرفتوا ليه البلد كانت هتضيع في 2011؟ وما تنسوش يا مصريين الليي أنقذكم ربنا من الدمار والخراب"، إكسترا نيوز، يوتيوب، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3STyAxF 94 نقلًا عن: تامر هنداوي، "السيسي: ثورة يناير كان هدفها تدمير الدولة وليس التغيير "، القدس العربي، 2020/10/11، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3wd0GuP

  1. يقصد بتوثيق ثورة 25 يناير المصرية جمع كل المواد والمعلومات الخاصة بأحداث الثورة وتصنيفها وفرزها والتحقق منها.
  2. عصام شعبان، "توثيق الثورة المصرية.. الضرورة والأهمية والإشكالات"، العربي الجديد، 2022/5/11، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/42LjhKL
  3. المرجع نفسه.
  4. من الكلمات السياسية إلى المناهج الدراسية... تحولات خطاب 'الدولة' عن 25 يناير"، رصيف 22، 2022/1/25، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/47MfWMl
  5. فريد دياب، "يناير المصرية في الخطاب الرسمي... 'ستار' يسدل بهدوء"، وكالة الأناضول، 2017/1/25، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/49bFwey
  6. صرّح السيسي في مؤتمر الشباب 2019 بأن: "[أحداث] 2011 وكل المؤامرة التي حدثت [استهدفت] وزارة الداخلية ووزارة الدفاع لأنهما مراكز الثقل التي تستطيع أن تحمي الدولة"، ينظر: "كلمة الرئيس السيسي خلال الجلسة الأولى في مؤتمر الشباب الثامن"، تن تي في، يوتيوب، 2019/9/14، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3HyisLt
  7. صرّح السيسي في المؤتمر الثامن للشباب 2019: "سأقول لكم عن غلطة واحدة، أو ثمن واحد دفعناه وسندفعه، [أحداث] 2011 لم تكن أبدًا لتُبنى سدود على نهر النيل إلا بها [بسببها]".
  8. كلمة الرئيس السيسي خلال افتتاح التوسعات الجديدة والتطوير لمصنع كيما للأسمدة 2022، ينظر: "السيسي: عرفتوا ليه البلد كانت هتضيع في 2011؟ وما تنسوش يا مصريين الليي أنقذكم ربنا من الدمار والخراب"، إكسترا نيوز، يوتيوب، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3STyAxF
  9. نقلًا عن: تامر هنداوي، "السيسي: ثورة يناير كان هدفها تدمير الدولة وليس التغيير "، القدس العربي، 2020/10/11، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3wd0GuP

وبما أن ثورة 25 يناير كانت مؤامرة، أو "علاجًا خاطئًا لتشخيص خاطئ" على أفضل تقدير، جاءت ثورة التصحيح في 30 حزيران/ يونيو 2013 ضرورةً وطنية لإنقاذ البلاد، ووُصفت بأنها "ثورة شعبية صحّحت من مسار 25 يناير التي انحرفت عن أهدافها الوطنية"، وعُدّت لحظة "إنقاذ مصر" من الانهيار. وبعد أن كانت ثورة 25 يناير مرجعية التغيير السياسي للبلاد وفق دستور 2012، جاء الدستور الجديد في عام 2014 ليربط بينها وبين 30 حزيران/ يونيو بوصفهما "ثورة واحدة" دعت إلى "العيش بحرّية وكرامة إنسانية تحت ظلال العدالة الاجتماعية". وفي هذا الربط، تزيد 30 حزيران/ يونيو على 25 يناير قيمةً على اعتبار أن الأخيرة انحرفت عن مسارها واستولت عليها المصالح الضيّقة والأغراض غير الوطنية، بينما صحّحت الأولى مسارها95. وهنا، بدأ الاحتفال بعيد الشرطة في الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير يستردّ مكانته في مقابل ذكرى الثورة. وبعد أن كانت الثورة تتصدّر الخطاب الرسمي، أضحت أمرًا ثانويًا يُذكر عرضًا في سياق الحديث عن أمر آخر96. وتزامن مع كل هذه الأمور انحسار حضور الثورة في الخطاب العام، والمناهج الدراسية97، بل في برامج الأحزاب السياسية، حتى المعارضة منها. وإذا كانت هذه هي ملامح تطوّر رواية السلطة عن الثورة، فقد أفسحت شبكة الإنترنت المجال لروايات منافسة عَدّت عملية تذكّر الثورة تأصيلًا لفكرة رفض القمع والظلم والاستبداد99، وهو ما يتفق مع ما سبق ذكره من فتح شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي المجال أمام عملية تذكّر قد تختلف عن تلك التي ترعاها السلطة، حيث أصبح التذكّر والنسيان لا يخضعان حصريًا لتحكّم النخب أو الدولة. وقد اعتُمد في تلمّس أبعاد هذه الرواية أو الروايات الشعبية على عملية تذكّر الثورة في وسائل الاتصال الاجتماعي من خلال البحث في أسئلة مثل: هل تتذكّر أطراف الثورة المختلفة أحداثًا وحلقات مختلفة عنها؟ وما مدى التوافق والاختلاف في تلك الروايات؟ وما العلاقة السببية المُفترضة بين الأحداث؟ وإلى أيّ مدى تعّبر الروايات المختلفة عن الثورة عن قيم مختلفة؟ وما دلالة

95 " ثورة يناير في خطابات السيسي من التمجيد إلى الاتهام بالتدمير"، الخليج الجديد، 2020/10/12، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/42jN6Sb 96 أحلام حسنين، "بالفيديو: 25 يناير في خطاب السيسي.. 30 دقيقة للشرطة و 6 للثورة"، مصر العربية، 2017/1/25، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3S9ZEHc 97 تناولت المناهج الدراسية الثورة في السنوات الأولى بشيء من التفصيل، ثم صارت تُعرض بصورة سريعة من دون ذكر مسبباتها. الآن، عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 2011 تقريبًا، وهي أن 25 يناير هو عيد الشرطة المصرية، مع إشارة إلى ثورة 25 يناير في

جملة قصيرة وعلى استحياء. للمزيد، ينظر: ريم محمود، "ضمن صفحات تقلصت مع الزمن، المناهج المدرسية المصرية الحالية تذكر قشورًا من ثورة 25 يناير"، رصيف 22، 2021/1/25، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3Oler0u 98 المرجع نفسه.

كل ذلك في ما يخص ثقافة المصريين السياسية، وأثر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي تحديدًا فيها؟ تستند الدراسة في الإجابة عن هذه الأسئلة إلى عدد من الوسوم على منصة "إكس" (تويتر Twitter سابقًا) وصفحات فيسبوك Facebook عن الثورة، سواء المؤيدة أو المعادية لها. وقد كانت مواقع الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي بالفعل ساحات جدل كبير بشأن الثورة. ففي عام 2016، على سبيل المثال، ظهر وسم بعنوان #"أنا شاركت في ثورة يناير" (ينظر الصورة 1) ردًا على اتهامٍ لطبيب مصري بالمشاركة في "أحداث 25 يناير 2011". ولم تمضِ ساعات حتى احتلّ الوسم – وصفحة على فيسبوك تحمل الوسم نفسه – المركز الأول على مستوى مصر. ونشرت صفحة فيسبوك التي تأسّست في عام 2016 بيانًا جاء فيه: "لو كانت المشاركة في ثورة يناير تهمة فنحن نشرف بها". وأشار البيان إلى محاولات تزييف الوعي الجارية من خلال السيطرة على الإعلام ونشر الأفكار التي تصف الثورة بالمؤامرة: "يكرهون ثورة يناير التي هزّت عروش فسادهم وظلمهم. [...] هم لا يريدون فقط الحفاظ على نظامهم، بل يريدون أيضًا محو خبرة الثورة والأمل في التغيير من العقول والقلوب". وهكذا، مثّل البيان المؤسّس للصفحة والوسم محاولة للمحافظة على ذكرى الثورة وما حملته من قيمة لمن آمنوا بها. ويتجدّد الوسم نفسه في كل ذكرى للثورة تقريبًا، إضافةً إلى وسم آخر بعنوان #25" يناير بالنسبالك إيه؟" (ماذا تعني لك ثورة 25 يناير؟). وفي مقابل هذه الوسوم المؤيدة للثورة والساعية للحفاظ على ذكراها، ظهرت وسوم مضادة تروج لصورة سلبية عن الثورة تحت عنوان #"أنا ماشاركتش في ثورة يناير" (أنا لم أشارك في ثورة يناير). وقد عكست تعليقات المشاركين في الوسوم، عمومًا، انقسامًا حادًا بين فريَقيَن، هما: مؤيدو 25 يناير ومعارضوها، وتبارى كل فريق في وصف الحدث والآخر وتصويره. نناقش في ما ليي محتوى هذه الوسوم والصفحات بما تنطوي عليه من أبعاد السرديات الشعبية عن الثورة وذكراها.

1. وصف الحدث: الثورة في مقابل المؤامرة

توافقًا مع ما سبق بيانه من إمكانية وجود أكثر من ذاكرة خاصّة للأحداث التي لم يتشكّل عليها توافق بين الأطراف الفاعلة المختلفة في المجتمع، فإن أوّل ما يلاحظ على المشاركات الخاصة بالثورة في وسائل التواصل الاجتماعي هو الانقسام حول وصف الحدث؛ فهناك من وصفه بالثورة الشعبية النقية، وأنها "أعظم حدث في تاريخ مصر"، وهناك من عدّه مؤامرة متكاملة ومتعددة الأطراف ل "تخريب وإسقاط مصر"، مفضّ لًا استخدام تعبيرات سلبية أخرى في الإشارة إلى الحدث، مثل "وكسة [خيبة]" أو "نكسة" أو "مؤامرة"،

  1. ثورة يناير في خطابات السيسي من التمجيد إلى الاتهام بالتدمير"، الخليج الجديد، 2020/10/12، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/42jN6Sb
  2. أحلام حسنين، "بالفيديو: 25 يناير في خطاب السيسي.. 30 دقيقة للشرطة و 6 للثورة"، مصر العربية، 2017/1/25، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3S9ZEHc
  3. تناولت المناهج الدراسية الثورة في السنوات الأولى بشيء من التفصيل، ثم صارت تُعرض بصورة سريعة من دون ذكر مسبباتها. الآن، عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 2011 تقريبًا، وهي أن 25 يناير هو عيد الشرطة المصرية، مع إشارة إلى ثورة 25 يناير في جملة قصيرة وعلى استحياء. للمزيد، ينظر: ريم محمود، "ضمن صفحات تقلصت مع الزمن، المناهج المدرسية المصرية الحالية تذكر قشورًا من ثورة 25 يناير"، رصيف 22، 2021/1/25، شوهد في 2023/6/20، في: https://bit.ly/3Oler0u 98 المرجع نفسه.

وذلك في مقابل 30 حزيران/ يونيو التي كانت ثورة الشعب الحقيقية (ينظر الصور 2، و 3، و.)4

2. قِيم الحدث: الحرية والمشاركة في مقابل الفوضى والتخريب

انعكس وصف كل طرف للحدث على مجموعة القيم التي ربطها به. ويتعلق هذا الربط بين الحدث والقيم بطبيعة الذاكرة الجمعية المشار إليها سابقًا من حيث كونها تنتظم في شكل سردية مشحونة بالدروس والقيم والأخلاق التي توجّه المجتمعات وتحدّد معايير السلوك، وتصبّ في النهاية في طبيعة الثقافة السياسية السائدة. وهكذا، ربط من عدّ الحدث ثورةً بمجموعة من القيم الإيجابية المتعلقة بالحرية والمشاركة والكرامة والانتماء والحب والتسامح والثقة والأمل والحلم (ينظر الصورة 5). في المقابل، ربط ناكرو كون الحدث ثورةً بمجموعة سلبية من القيم، تتعلق بالسعي إلى الفوضى والتدمير والاحتراب الأهليي. ولترسيخ هذه الأفكار، نشر بعض هؤلاء صور مدرّعات الشرطة المحترقة خلال الثورة جنبًا إلى جنب مع صور نشُرت في عام 2017 لأسطول جديد من سيارات ومدرّعات الشرطة المصرية، معلقًا "أيادٍ تدمر وأيادٍ تعمر" (ينظر الصورتان 6، و.)7 وقد تعدّدت الأسباب التي صاغها المشاركون لتبرير اشتراكهم أو عدم اشتراكهم في الثورة، كما عكست التعليقات فهمًا أكثر رحابة للمشاركة بين المعلّقين عن المعاني التقليدية المرتبطة بالمفهوم، وهو الأمر الذي يكشف عن أثر شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في مضامين مفاهيم أساسية في العلوم السياسية. فقد عدّ البعض دعمهم للثوار عبر فيسبوك وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي بمنزلة مشاركة في الثورة، وأصبح الإعجاب بمنشور أو مشاركة خبر أو رأي ما مؤيد للثورة بمنزلة أشكال مقبولة للمشاركة. وأرجع الكثير من المشاركين اشتراكهم في الثورة إلى رغبتهم في "تحقيق معاني الكرامة والحرية،" وإقامة "دولة حديثة معاصرة وجيش حديث قوي يحمي ولا يحكم". في المقابل، قدّم بعضٌ ممن لم يشاركوا في الثورة مبررات لعدم المشاركة فيها، منها ما يتعلق بغياب القيادة، أو عدم الفهم، أو غياب الاهتمام بالسياسة، أو اليأس والإحباط، أو الخوف بوجه عام.

3. صور الحدث ورموزه: الأزهار في مقابل الحرائق

أوضحنا في ما سبق أنه لكي تصبح الذاكرة الجمعية وظيفية؛ أي قادرة على وضع الحدود بين الجماعات وإعادة تأكيد معتقدات الجماعات الأساسية، فإنها يجب أن تتجسّد من خلال الرموز

والطقوس وغيرها. ومن هنا، ارتبطت ثورة 25 يناير لدى مناصريها ومنتقديها بمجموعة من الصور والرموز لأشخاص وأماكن وسلوكيات بوصفها تلخيصًا للموقف من الثورة واستدلالًا على سلامته. وقد كانت الصورة الشهيرة الخاصة بشهداء الثورة والتي ذُيّلت بعبارة: "الورد الليي فتح في جناين مصر" (الأزهار التي أينعت في حدائق مصر) أكثر الصور تداولًا بين مؤيدي الثورة (ينظر الصورة 8)، وصورة المتظاهرين الصامدين أمام قوات الأمن على كوبري قصر النيل المشهور في ميدان التحرير بالقاهرة (ينظر الصورة.)9 وجاءت صور اعتصام ميدان التحرير على قمّة الرموز المستخدمة (ينظر الصورة 10). وحرص فريق آخر على تداول صور الشباب الذين كانوا ينظّفون الميدان، في إشارة إلى حرصهم على سلامة الممتلكات الوطنية (ينظر الصورة.)11 أمّا منتقدو 25 يناير، فاستخدموا مجموعة أخرى من الصور والرموز، شملت مبانيَ وشخصيات وأحداثًا بعينها. فمن الصور المتداولة لديهم تلك الخاصة بحرق المجمع العلمي المصري أثناء أحداث محمد محمود في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 وسط تجمّع من المتظاهرين (ينظر الصورة 12)، وذلك للتأكيد على فكرة أن ثوار 25 يناير كانوا يمارسون العنف والحرق والتدمير، لا البناء والإصلاح. واستخدمت أيضًا صور بعض من شباب الثورة من الذكور والإناث وهم معتصمون معًا في الميدان يفترشون الأرض بهدف التشكيك في أخلاقهم والتنفير منهم (ينظر الصورة 13). وعمد مناوئو 25 يناير أيضًا إلى استخدام رموز أخرى من الأفراد على رأسهم شهداء الشرطة. وأعاد آخرون نشر بعض صور المظاهرات المعروفة ب "جمعة الشرعية والشريعة" – والمشهورة إعلاميًا ب "جمعة قندهار" (29 تموز/ يوليو 2012) للتنفير من الثورة (ينظر الصورة 14). في حين اتّخذ آخرون من صور مظاهرات 30 حزيران/ يونيو شعارًا ورمزًا لهم، مصحوبة في كثير من الأحيان بصورة الرئيس السيسي ومكتوب عليها "تحيا مصر... ثورتنا 30 يونيو" (ينظر الصورة 15). وتداول آخرون ملصقات عن رجال الجيش ودورهم في حماية الأمن والأمان في البلاد.

4. الموقف من الحدث: التعاطف في مقابل الشماتة

تكشف التعليقات المشتركة في الوسوم ما سبق عرضُ ه بشأن ارتباط شبكة الإنترنت بزيادة حدّة التعبير عن الغضب، وما يرتبط بذلك من تزايد في الاستقطاب. فقد عكست تعليقات المشاركين مجموعة من

99 وهي عبارة تقليدية أصبحت الآن شعارًا مرتبطًا ارتباطًا أساسيًا بمشروعات نظام حكم

السيسي في مصر.

  1. وهي عبارة تقليدية أصبحت الآن شعارًا مرتبطًا ارتباطًا أساسيًا بمشروعات نظام حكم السيسي في مصر.

المشاعر التي راوحت بين التعاطف والعتاب والشماتة. وقد ترحّم كثيرون على شهداء الثورة، معتبرين إياهم "أنقى وأنظف شباب أنجبتهم مصر"، الذين أبوا "الموت إلا شرفًا". وحملت بعض المشاركات قدرًا من العتاب والألم أو حتى الحنق على المجتمع عمومًا الذي تخلى عن الثورة وأدار ظهره لها، ومن ثم لم يستحقها. في المقابل، عّبر معارضو 25 يناير عن عدم التعاطف مع أيّ من المشاركين في الثورة، بل احتفوا بموتهم أو إهانتهم أو سجنهم. وتكشف التعليقات عن مجموعة من قيم أفراد المجتمع وتوجّهاتهم بعضهم تجاه بعض، فضلًا عن تطوّر حالة استقطاب الجماعة العاطفي بشقيها: معاداة الخصوم السياسيين، ونزع صفة الإنسانية عنهم. من ناحية، حاول مؤيدو الثورة إضفاء طابعٍ من المثالية على ثوّار 25 يناير، وظهر، من ناحية أخرى، عدم الثقة حتى بين مؤيدي الثورة والمشاركين فيها، وعلى رأسهم ناشطون في جماعة الإخوان المسلمين. وكذلك ألصق مؤيدو الثورة بأصحاب الوسم المضاد أوصافًا منها: "العبودية للعسكر" و"الجبن"، و"الغباء". ولم يقتصر عدم الثقة على جماعات الأفراد، بل امتدّ – وربما زاد – تجاه مؤسسات الحكم والماسكين بزمامه. على سبيل المثال، انتشر استخدام كلمة "عصابة" للإشارة إلى نظامَي ما قبل 2011 وما بعد 2013 للإشارة إلى طبيعتهما الواحدة. أما مناوئو الثورة، فقد ألصقوا بمؤيدي الثورة عدة صفات، أبرزها الخيانة؛ فشباب الثورة ظهر أنهم "خونة ومأجورون وممولون". واستخدم كثير من المشاركين تعبير "خرفان" (خِراف) الذي انتشر في مصر أثناء حكم الرئيس محمد مرسي للإشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين، واختصّها تحديدًا بعضهم بتهم الخيانة والغدر والنفاق والإرهاب. وسلّط فريق آخر الضوء على بعض من رموز الثورة، مصوّرًا إياهم بالأفاعي دلالةً على الشر والمكر.

5. ذاكرة الحدث: التعتيم في مقابل التذكير

راوحت مواقف المشاركين في الحديث عن ذكرى ثورة 25 يناير بين النسيان/ التناسي، والتسفيه، والتذكّر (مقاومة النسيان). وتوضح المشاركات تبنّي كل فرد نسخته عن الواقع وربما الماضي أيضًا. ويتوافق هذا الموقف مع فكرة أن الذاكرة الجمعية هي بناء اجتماعي - سياسي، بمعنى أنها ليست دليلًا على أصالة الماضي المشترك، بل نسخة عن الماضي اختارت جماعةٌ ما (أو فواعل محددة في الجماعة) أن تتذكّرها من أجل تحقيق أهدافها وخدمة تصوّرها عن نفسها وعن الآخر. فمن ناحية، تناسى الكثير من مناوئي الثورة الحدث تمامًا

معتبرين أن يوم 25 كانون الثاني/ يناير إنما هو "عيد الشرطة المصرية فقط"، مكتفين بتوجيه التهاني إلى جهاز الشرطة (ينظر الصورة.)16 على الجانب الآخر، ارتبطت عملية التذكّر عند الكثيرين بمقاومة محاولات القضاء على ذكرى الثورة أو تهميشها، فقد حرص البعض على التأكيد على ضرورة بقاء ذاكرة الثورة حيّة. وأخذ آخرون خطوةً أبعد بمحاولة توثيق أحداث الثورة "حفاظًا على التاريخ الذي يسعى أعداء الثورة لتشويهه". وقد مثّلت ذكرى الثورة لدى البعض مناسبة مهمّة للتذكير بالمعتقلين وبالأهداف التي قامت من أجلها، والتي يجب العمل على استمرار تحقيقها.

خاتمة

مثّلت الثقافة السياسية أحد المداخل المهمة في دراسة الانتقال إلى الديمقراطية وترسيخها. بيد أن المقاربات السلوكية للثقافة السياسية أهملت البعد التاريخي في التحليل إهمالًا كبيرًا. ولهذا السبب، يُعدّ الاهتمام بالذاكرة الجمعية بمنزلة ردّ اعتبار لهذا البعد في التنظير. ويرتبط ذلك بتوسيع مفهوم الثقافة السياسية، بحيث لا يقتصر على المعرفة والتوجّهات والسلوك، بل يتّسع ليشمل المعاني والرموز والروايات التي تحملها الحياة السياسية بوجه عام، والتي تجيب في النهاية عن سؤال: كيف يعيش الأفراد ويتفاعلون بعضهم مع بعض ومع الدولة؟ وفي حين كانت علاقات القوة في المجتمع تميل إلى صالح الدولة والنخبة الحاكمة في التأثير في الثقافة السياسية والتحكّم بدرجة كبيرة في عملية التذكّر والنسيان من خلال عمليات التنشئة السياسية، فرض تطوّر شبكة الإنترنت كثيرًا من التحديات على هذا النموذج. فقد أدّت– أكثر ربما من أيّ تطوّر تكنولوجي سابق عليها – إلى تدفق المعلومات على نحو غير مسبوق، وهو الأمر الذي من شأنه أن يُضعف دور الدولة والنخبة الحاكمة في احتكار تشكيل الثقافة السياسية والذاكرة الجمعية، فتغّير ت آليات التذكّر والنسيان في المجتمع وأصبحت خارج نطاق الدولة التحكّمي. لا يعني هذا بالضرورة أن كل الآثار المترتبة على هذا التغّير يجب – أو يُتوقّع – أن تكون إيجابية. فكما يمكن أن تفتح شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي آفاقًا جديدة للمشاركة ونشر الوعي والتفاعل والحوار العقلاني، وحفظ ذاكرة الأحداث والتطوّرات التي يشهدها المجتمع من ناحية، فإنها قد تسهم من ناحية أخرى في زيادة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وزيادة

معدلات عدم قبول الآخر من خلال انضمام كل فرد إلى المجموعات الافتراضية الأكثر تعبيرًا عن رأيه وتوجّهاته، والتي ترسّخ معتقداته عوضًا عن تمكينه من مساءلتها مساءلة نقدية. ويُعدّ ذلك في حد ذاته أحد المعوقات الأساسية لأيّ انتقال ناجح إلى الديمقراطية أو ترسيخ لها. وقد يؤدّي توثيق الأحداث وتذكّرها على نحو مستمر أيضًا إلى إضعاف ثقافة التسامح والمصالحة، وهو الأمر الذي قد يخلق ثقافة سياسية تزيد من تحدّيات الانتقال الديمقراطي وتصعّب الوصول إلى توافقات بخصوص العدالة الانتقالية، لا سّيمّا حين تم سي عملية التذكّر موضوعًا للتلاعب والتوظيف السياسي. ويزداد الأمر سوءًا مع سهولة نشر الأخبار الزائفة وانتشار الصور النمطية عن مختلف الفاعلين السياسيين، وتداول مثل هذه الأمور في الفقاعات الافتراضية التي يخلقها الفاعلون السياسيون والمجتمعيون. تكشف حالة تذكّر ثورة 25 يناير المصرية على شبكة الإنترنت كثيرًا من الأبعاد المتعلقة بالآثار المتشابكة – بل المتناقضة – لأثر الإنترنت في الذاكرة الجمعية والثقافة السياسية. فعلى الرغم من كل محاولات التهميش والتشويه التي تعرّضت لها الثورة، أتاحت شبكة الإنترنت الحفاظ على ذكرها بوصفها تأصيلًا لثقافة رفض القمع والظلم والاستبداد والمهانة، وتأكيدًا على قيم الكرامة والمشاركة والمحاسبية. وقد أفسح هذا الأمر المجال أمام روايات تنافس الرواية الرسمية، بل تناقضها، وسمح بتعددية الروايات على المستوى الشعبي نفسه. وفتحت ثورة الاتصالات مجالات أخرى للتعبير والمشاركة في ظلّ التضييق على القنوات الرسمية وسياسة الشارع عمومًا بعد أحداث عام 2013. بيد أنها أدّت أيضًا إلى تغذية مناخ الاستقطاب والغضب العاطفي وتعزيز مشاعر الانقسام وعدم الثقة بين الأفراد. وقد عكست المشاركات في الوسوم المختلفة سمات ما يُعرف ب "استقطاب الجماعة العاطفي" المتمثلة في العداوة والكراهية تجاه الجماعات المختلفة سياسيًا، وحتى نفي صفة الإنسانية عنها، وهو ما ترتبت عليه أنماط سلوكية اتّسمت بالعدوانية والتحقير من شأن الآخر بما يكرّس الانقسام المجتمعي ويقوّض فرص المصالحة المستقبلية. وهكذا، أضحت ذكرى ثورة 25 يناير مفِّرِقة لا مجِّمِعة، ومصدرًا للانقسام لا القوة والوحدة في مقاومة القمع والاستبداد. يفرض نموذج شبكة الإنترنت الآن على الشعوب المتطلّعة إلى الديمقراطية والحرية الوقوف أولًا أمام اختبار الذاكرة الجمعية لنسيان أحقاد الماضي. بيد أن المفارقة هي أنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تذكّر الممارسات الأليمة كي تعمل على منع تكرارها، وإلى تذكّر التجارب الفاشلة كي تتعلّم منها. فتحديد المسؤولية

الرمزية والتاريخية عن الممارسات السلطوية البائدة يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من الثورة ومن عملية ترسيخ ثقافة الديمقراطية. ومن دون التوافق على رواية محددة عن الماضي تُنصف من تعرّضوا للظلم والقهر والعدوان، وتُرسّخ لقيم سياسية جديدة، ستظل الروايات المتنافسة والمتناقضة عن تلك الأحداث في الفضاءات الافتراضية تغذّي ثقافة الاستقطاب وغياب الثقة، وهو الوضع الذي يصعب معه تخيّل تطوّر ثقافة حاضنة لأيّ حوار مجتمعي جادّ أو انتقال ديمقراطي حقيقي.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 سوكاح، زهير. "السياسة والذاكرة الجمعية: علاقة تنافر أم تجاذب؟". مجلة الناقد للدراسات السياسية. العدد 1 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2017 ________. "مقدمة المحرر الضيف للعدد: عدد خاص، من 'الذاكرة' إلى 'دراسات الذاكرة". تبين. مج 9، العدد 33.)2020(________. "حقل 'دراسات الذاكرة' في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي". أسطور. مج 6، العدد 11 )2020(.. عبد المجيد، محمد سعيد وممدوح عبد الواحد محمد الحيطي، "الشبكات الاجتماعية الإلكترونية والثقافة السياسية للشباب الجامعي: دراسة ميدانية". حوليات آداب عين شمس. مج 43.)2015(ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيناتي. طرابلس: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2009

الأجنبية

Adams, William. "Politics and the Archeology of Meaning: A Review Essay." Western Political Quarterly. vol. 39, no. 3 (1986). Almond, Gabriel & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Princeton: Princeton University Press, 1963. Allcott, Hunt & Matthew Gentzkow. "Social Media and Fake News in the 2016 Election." Journal of Economic Perspectives. vol. 31, no. 2 (2017). Andreeva, Marija. "(Re)shaping Political Culture and Participation through Social Networks." Journal of Liberty and International Affairs. vol. 5, no. 2 (2019). Assmann, Jan & John Czaplicka. "Collective Memory and Cultural Identity." New German Critique. no. 56 (1995).

Beissinger, Mark. "Conventional and 'Virtual' Civil Societies in Autocratic Regimes." Comparative Politics. vol. 49, no. 3 (2017). Carpenter, Jordan et al. "Political Polarization and Moral Outrage and Social Media." Connecticut Law Review. vol. 52, no. 3 (2021). Curry, Jane L. "When an Authoritarian State Victimizes the Nation: Transitional Justice, Collective Memory, and Political Divides." International Journal of Sociology. vol. 37, no. 1 (2007). Dazzo, Giovanni. "Exploring the Role of Collective Memory for Reconciliation: A Comparative Case of Guatemala and Cambodia." Beyond Intractability (May 2020). at: https://bit.ly/3SyG5d1 Eckstein, Harry. "A Culturalist Theory of Political Change." The American Political Science Review. vol. 82, no. 3 (1988). Edy, Jil A., Troubled Pasts: News and the Collective Memory of Social Unrest. Philadelphia: Temple University Press, 2006. Erll, Herausgegeben von Astrid & Ansgar Nünning (eds.). Media and Cultural Memory. Berlin: Walter de Gruyter GmbH & Co., 2008. Formisano, Roland. "The Concept of Political Culture." The Journal of Interdisciplinary History. vol. 31, no. 3 (2001). García-Gavilanes, Ruth et al. "The Memory Remains: Understanding Collective Memory in the Digital Age." Science Advances. vol. 3, no. 4 (2017). Halbwachs, Maurice. On Collective Memory. Lewis A. Coser (trans.). Chicago: The University of Chicago Press, 1992. Hellmann, Olli. "The Dictator's Screenplay: Collective Memory Narratives and the Legitimacy of Communist Rule in East Asia." Democratization. vol. 28, no. 4 (2021).

Hibbing, Matthew V., Matthew Hayes & Raman Deol. "Nostalgia isn't what it Used to be: Partisan Polarization in Views on the Past." Social Science Quarterly. vol. 98, no. 1 (2017). Hirst, William & Allin Coman. "Building a Collective Memory: The Case for Collective Forgetting." Current Opinion in Phycology. vol. 23 (October 2018). Huhe, Narisong, Min Tang & Jie Chen. "Creating Democratic Citizens: Political Effects of the Internet in China." Political Research Quarterly. vol. 71, no. 4 (2018). Inglehart, Ronald. "The Renaissance of Political Culture." The American Political Science Review. vol. 82, no.

Kappmeier, Mariska & Aurélie Mercy. "The Long Road from Cold War to Warm Peace: Building Shared Collective Memory Through Trust." Journal of Social and Political Psychology. vol. 7, no. 1 (2019). Laitin, David D. & Aaron Wildavsky. "Political Culture and Political Preferences." The American Political Science Review. vol. 82, no. 2 (1988). Langenbacher, Eric & Yossi Shain (eds.). Power and the Past: Collective Memory and International Relation. Washington, DC: George Town University Press, 2010. Lynch, Marc. "How the Media Trashed the Transitions." Journal of Democracy. vol. 26, no. 4 (2015). Neiger, Motti, Oren Meyers & Eyal Zandberg (eds.). On Media Memory: Collective Memory in a New Media Age. Basingstoke, UK: Palgrave Macmillan, 2011. Pirani, Bianca. (ed.). Learning fro m Memory: Body, Memory and Technology. New Castle: Cambridge Scholars Publishing, 2011. Rosenbaum, Walter. Political Culture. New York: Prager, 1975.

Somers, Margaret R. "What's Political or Cultural about Political Culture and the Public Sphere? Toward an Historical Sociology of Concept Formation." Sociological Theory. vol. 13, no. 2 (1995). Young, James. Texture of Memory: Holocaust Memorials and Meaning. New Haven: Yale University Press, 1993. Zhao, Hui & Jun Liu. "Social Media and Collective Remembrance: The Debate over China's Great Famine on Weibo." China Perspectives (January 2015). at: https://bit.ly/3OHgGvr Zhou, Dong, Weiguang Deng & Xiaoyu Wu. "Impacts of Internet Use on Political Trust: New Evidence from China." Emerging Markets Finance and Trade. vol. 56, no. 14 (2020). ملحق لبعض الصور المستخدمة في الوسوم الصورة (1)

المصدر: صفحة "أنا_شاركت_في_ثورة_يناير"، فيسبوك، 2016/1/17، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/49K1DJi

الصورة (2)

المصدر: Sharif elgendi, X, 18/1/2016, accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/3IgdBPu

الصورة (3)

المصدر: Queen Shery, X, 17/1/2016, accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/3SM6we0

الصورة (4)

المصدر: Belal, X, 17/1/2016, accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/49vNAHE

الصورة (5)

المصدر: مصرية، إكس، 2017/1/25، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/3UVj2ux

الصورة (6)

المصدر: Se7s, X, 25/1/2017, accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/49RKmhl

الصورة (7)

المصدر: Joker, X, January 25/1/2017, accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/3Tbpv3i

الصورة (8)

المصدر: ناير عبد الله، إكس، 2017/1/25، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/3UUgblG

الصورة (9)

المصدر: عائشة، إكس، 2019/1/25، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/3TedwC8

الصورة (10)

المصدر: Dr. Mona Kassem, X, 18/1/2016, accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/48uMfzK

الصورة (11)

المصدر: Nanyyy, X, 18/1/2016, accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/3SSMcIa

الصورة (12)

المصدر: مصرية، إكس، 2016/1/18، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/3wpAGMI

الصورة (13)

المصدر: Zizi Saleh, X, 18/1/2016, accessed on 23/3/2023, at: https://bit.ly/49uqIs3

الصورة (14)

المصدر: د. شيماء علام، إكس، 2016/1/17، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/49ueY94