التكوين: ترومان واليهود الأميركيون وأصول الصراع العربي - الإسرائيلي
Genesis: Truman, American Jews, and the Origins of the Arab/ Israeli Conflict
الملخّص
عنوان الكتاب في لغته: Genesis: Truman, American Jews, and the Origins of the Arab/ Israeli Conflict. المؤلف: جون ب. جوديس John B. Judis. دار النشر: New York: Farrar, Straus and Giroux. سنة النشر: 2014. عدد الصفحات: 488.
Abstract
Title: Genesis: Truman, American Jews, and the Origins of the Arab/Israeli Conflict.
- فلسطين
- إسرائيل
- الصراع العربي - الإسرائيلي
- Palestine
- Israel
- Arab- Israeli Conflict
عنوان الكتاب: التكوين: ترومان واليهود الأميركيون وأصول الصراع العربي - الإسرائيلي. المؤلف: جون ب. جوديس.John B. Judis سنة النشر:.2014.New York: Farrar, Straus and Giroux الناشر: عدد الصفحات:.488
.Genesis: Truman, American Jews, and the Origins of the Arab/ Israeli Conflict عنوان الكتاب في لغته:
مقدمة
من خلال إقرار مؤلف أميركي يهودي بأثر تمويه الكلمات في قرارات احتلال الأرض العربية وتهجير الفلسطينيين عبر وعد بلفور (2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917)، تبرز أسئلة محورية في خضمّ الأحداث الجارية على أرض فلسطين في هذه الأيام. وبعرض محاور من الفصل الأول لهذا الكتاب المنشور منذ قرابة عقد، تهدف هذه المناقشة إلى إعادة تسليط الضوء على تلك الحقائق التاريخية – المعروفة والمتغاضى عنها - وإبراز قوة سلاح الكلمة والمصطلح دائمًا وأبدًا. تتناول هذه المناقشة عرض محاور واقتباسات فقرات من كتاب الصحافي الأميركي اليهودي جون ب. جوديس: John B. Judis التكوين: ترومان واليهود الأميركيون وأصول الصراع العربي - الإسرائيلي، مترجمة إلى العربية. يشرح المؤلف في مقدمة كتابه سبب التأليف، ويسرد في الفصل الأول منه الخلفية التاريخية لتكوين الصهاينة، ويبّين العوامل السياسية لاستيلائهم على الأرض العربية في فلسطين. فيبرز من خلال تلك الوقائع الدور الأساسي لأثر اختيار الكلمات والمصطلحات في تأسيس كيانٍ استعماري بفرض هيمنة عسكرية للحفاظ على مكاسب اقتصادية للقوى الإمبريالية. وينتج من ذاك وعدٌ غامض، يسمح للصهاينة القادمين من دول أوروبية مختلفة بارتكاب مجازر ضد الإنسانية، تؤدي إلى تهجير تعسفي لأبناء أرض فلسطين وأهلها العرب. وبقراءة الكتاب، تنكشف للقارئ الغربي حقائق تساعده في استيعاب دوافع دفاع أبناء الشعب الفلسطيني العربي عن وجودهم، وسعيهم لتحرير وطنهم، بعد ما يزيد على قرن على تلك الوقائع الصعبة التي واجهوها، ويعرضها المؤلف وهو ابن لغة العولمة والثقافة الغربية (أي الإنكليزية) في هذا الكتاب.
أولًا: الكلمة أصل التكوين: دور اللغة في الاستيلاء على فلسطين
نستهل العرض بتفسير معاني الكلمات التي اختارها المؤلف عنوانًا لكتابه في معاجم اللغة العربية والإنكليزية: Genesis1: • Genesis: A Beginning or origin of anything. • Genesis/ noun: The first book of the old testament recounting the events from the creation of the world to the sojourning of the israelites in Egypt. • Genesis: n combining form: indicating genesis, development, or generation: biogenesis; parthenogenesis. تعني "تكوين": تركيب وبنية وإنشاء. وكون الشيء: ركبه بالتأليف بين أجزائه. والتكوين عند المتكلمين هو إخراج المعدوم مِن العدم إلى الوجود2. Origin3: The point or place where something begins, arises, or is derived. معنى "أصول": أسسٌ يقام عليها، أول الشيء ومادته التي يتكون منها أصل الموضوع4. Conflict5: • Noun: a fight, battle, or struggle, especially a prolonged struggle; strife. Controversy; quarrel: Conflicts between parties. • Discord of action, feeling, or effect; antagonism or opposition, as of interests or principles: a conflict of ideas. • A Striking together; collision. incompatibility or interference, as of one idea, desire, event, or activity with another: a conflict in the schedule. • Psychiatry. A Mental struggle arising from opposing demands or impulses. تعنى كلمة "صراع": خصومة ومنافسة، نزاع، مشادة. تضارب الأهداف، مما يؤدي إلى الخلاف أو التصارع بين قوتين أو جماعتين6.
ثانيًا: بعض محاور النقاش في الكتاب ودراستها
1. أسئلة نبحث عن جوابها في فقرات مقتبسة من الكتاب
هذا كتاب يستحق القراءة، موضوعه موضوع العصر الراهن، ومحتواه نتيجة بحث مستفيض، يبدو صاحبه، من خلاله، ملتزمًا بقواعد المهنة. فالصحافة قائمة على الكلمة وتأثيرها اللفظي وانعكاساتها على جمهورها القارئ والسامع. وبحسب تعريف الصحافة الذي أقره المعهد الأميركي للصحافة API، وأورده بيل Tom Rosenstiel Bill Kovachوتوم روزنستيل كوفاتش في كتابهما عناصر الصحافة، وبالنظر إلى غايتها، فإنها تتمثل في تقديم المعلومات التي يحتاج إليها المواطنون ليتمكنوا من اتخاذ أفضل القرارات المتعلقة بحياتهم، ومجموعاتهم ومجتمعاتهم وحكوماتهم7. أما صحيفة وعد بلفور، فقد كانت رسالة حملها وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور Balfour Arthur) 1930-1848(الإسكتلندي المنبت، معلنًا تأييد بريطانيا لفلسطين يهودية، وجاء فيها: "إن الحكومة ستنظر بعين العطف إلى تأسيس وطنٍ قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتتعهد بتسهيل تنفيذ الوعد" )ص. 78(. وعملًا بتحذير حاييم وايزمان )1952-1874(، زعيم الصهاينة البريطانيين، الذي نشأ في موتول وبنسك – وهما قريتان تقعان في ما هي اليوم بيلاروسيا )ص. 65( - إلى أعضاء الاتحاد الصهيوني الإنكليزي، انتبهوا إلى عدم الإعلان الصريح فيها )أي صحيفة وعد بلفور( عن تأييدهم لدولة يهودية، على الرغم من أن ذلك هو "هدفهم المثالي الأخير" )ص. 77(، "بينما قلق مسؤولون في وزارة الخارجية البريطانية، لأن التصريح لم يذكر الغالبية العربية في فلسطين" )ص. 78(، وعندما وافق مجلس وزراء الحرب البريطاني على الوعد، أسرع العقيد سير مارك سايكس )1879 Sykes 1919-Mark(، أحد أركان اتفاقية سايكس - بيكو )1916(، إلى تهنئة وايزمان، معلنًا: "دكتور وايزمان، المولود ذكرٌ!" )ص. 80)
2. الخرائط ودلالاتها
استهل المؤلف كتابه بخرائط جغرافية لفلسطين؛ الأولى قبل خطة الأمم المتحدة لتقسيمها دولتين في عام 1947، والثانية بعد الخطة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، والثالثة بعد حرب النكبة وتشريد غالبية أبناء الشعب الفلسطيني واحتلال الأرض العربية في عام 1948، وهدنة عام.1949
3. أسئلة مناقشتنا ت بنى عليها إجاباتُ وردت في الفصل الأول من الكتاب
السؤال الأول: بماذا أفصح المؤلف في حديثه المستفيض عن تكوين الصهيونية؟ السؤال الثاني: متى تكونت الصهيونية وانطلقت فكرة احتلال الأرض العربية؟ السؤال الثالث: كيف قامت الصهيونية على مزاعم مضللة للواقع؟ الخريطة (1) فلسطين قبل خطة الأمم المتحدة للتقسيم في عام 1947
الخريطة (2) خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية/ فلسطينية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947
ثالثًا: مناقشة تحليلية لمحاور من الكتاب
أفصح المؤلف في حديثه المستفيض عن تكوين الصهيونية عن سبب تأليفه الكتاب، قائلً: "عندما بدأت هذا المشروع، تساءل أصدقاء لماذا لم أكتب كتابًا ينتقد ما تفعله الحكومتان الأميركية والإسرائيلية الآن، وأقدم سياسات بديلة. لا أشك في أن مثل ذلك الكتاب سيكون مفيدًا، إلا أنني لست المؤلف الذي يكتبه، فتلك مهمةٌ لصحافي أو عالِم سياسي عارف تمامًا بالفاعلين الخريطة (3) دولة إسرائيل الجديدة بعد حرب عام 1948 وهدنة عام
المعاصرين الآن" (ص. 15). ثم يبيّ الكاتب وجهة نظره، قائلً: "لا أخط هذا الكتاب من وجهة نظر اليهود، ولا لمصلحتهم. لكنني سألت نفسي، لماذا يقوم شخصٌ كتب بشكلٍ أساسي عن التاريخ السياسي الأميركي والثقافي، وهو يهودي، لكن بلا انتماء ديني لليهودية، بقضاء وقتٍ طويل في الكتابة عن [الرئيس هاري] ترومان Truman S. Harry 1972-1884[]، والصهاينة الأميركيين، والصراع الإسرائ ليي - الفلسطيني؟ أصبحت مهتمً بإسرائيل انطلاقًا من خيبة أمليي بوطني في الستينيات، وفي حرب فيتنام. وعندما بدأت حرب الأيام الستة في عام 1967، اتصلتُ
بالقنصلية الإسرائيلية في سان فرانسيسكو للتطوع (كان ذلك متأخرًا جًّدًا). إلا أنني بدأتُ أتساءل عن توجه إسرائيل بعد أن احتلت الضفة الغربية وبدأت في استيطانها. كما بدأت أتساءل كذلك عن السياسة الأميركية بعيد سنوات، عندما عملتُ ىدم تُفشتكاو، سرغنوكلا رابخأ ةيطغت نع لاوًااؤسم لاسًااارم خوف السياسيين من معارضة اللوبي الإسرائ ليي القوي. هناك علاقات لا يمكن الابتعاد عنها بين كوني يهوديًا وكتابتي لهذا الكتاب. فلأنني يهودي، أهتم بالسياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وبالكيفية التي يتصرف بها الإسرائيليون، أكثر مما أهتم أو أقلق بشأن السياسة الأميركية تجاه البرازيل، والكيفية التي يتصرف بها البرازيليون. كما أنني أغضب وأستاء من الاحتلال الإسرائ ليي للضفة الغربية، أكثر من استيائي بشأن احتلال الصين للتيبت، على الرغم من أنني أعتقد أنهما مسألتان متساويتان تقريبًا في الميزان الموضوعي للعدالة" (ص. 16) يوضح المؤلف ما توصل إليه نتيجة البحث والدراسة التاريخية، قائلً: "قبل كتابة هذا الكتاب، عرفتُ عن تاريخ البروتستانتية أكثر إلى حد بعيد من تاريخ اليهودية. لكن من خلال البحث لهذا الكِتاب، اكتشفتُ وجود إرثٍ يهودي سياسي أميركي أستطيع التوافق معه؛ وهو موقف اليهود التجديديين في أواخر القرن التاسع عشر. كان أولئك اليهود قريبين سياسيًا من أنصار بروتستانتيي الإنجيل الاجتماعيSocial Gospel الذين كنتُ أعرف عنهم الكثير. أصبح بعضهم صهيونيًا، مثل ستيفن وايز، إلا أن آخرين عارضوا فكرة ثيودور هرتزل 1904–1860[حول الدولة اليهودية. آمن أولئك اليهود] التجديديون، من إسحاق ماير وايز Wise Mayer Isaac، إلى جار [الرئيس باراك] أوباما 2017-2009[] في شيكاغو، أرنولد وولف Wolf Arnold، بأن دور اليهود ليس في تفضيل اليهود على حساب شعوب أخرى، بل بإضفاء نور النبوءة الأخلاقية على مصلحة جميع الشعوب. ولا أدّعي أنني قد حققتُ دور المتنبئ الأخلاقي، إلا أن ما استلهمتُه من هذا الإرث التجديدي هو فكرة أن يهوديًا أميركيًا يجب أن يكون مهتمً بحقوق عرب فلسطين، مثلما يهتم بحقوق اليهود الإسرائيليين. لا توجد هذه الفكرة الآن في الكثير مما تسمى المؤسسات المؤيدة لإسرائيل، أو في الكنائس الإنجيلية التي تطالب بالاحتلال اليهودي ليهودا والسامرة، غير أنها وجهة نظري، وهي التي تغذّي هذا التأريخ" (ص. 17) وعن أهمية الرؤية التاريخية لاستيعاب الحاضر، يقول المؤلف: "أعتقد أيضًا أن أحد أسباب فشل النقاش حول السياسة الأميركية هو أن الأميركيين تنقصهم الرؤية التاريخية في معالجة الصراع بين اليهود والعرب (ص. 15). تغرق المناقشات حول الصراع الإسرائ ليي - الفلسطيني أحيانًا في حوارات 'قال وقالت' عن الوضع الحالي: هل أطلقت حماس الصاروخ قبل أن اغتالت إسرائيل واحدًا مِن قادتها أم بعد؟ هل أطلق آرئيل شارون أم ياسر عرفات الانتفاضة الثانية؟ إلا أن كثيرًا من المناقشات غالبًا ما يوضع في إطار تاريخٍ غير محدد، يبدأ في الماضي البعيد، ثم يقفز مباشرة إلى الحاضر. ويركز المدافعون عن إسرائيل مناقشاتهم إما على ما يذكره الكتاب المقدس من أمورٍ حدثت منذ آلاف السنين، وإما بتذكير المنتقدين بأهوال الهولوكوست. ويبدأ العرب الذين ينتقدون إسرائيل بالحملات الصليبية، أو بمذبحة دير ياسين في نيسان/ أبريل 1948. فمن المهم مقاربة الموضوع من حيث بدأ الصراع فعليًا، ومتابعته من ثم إلى الأمام من تلك اللحظة. فمن أجل فهم شعور عرب فلسطين آنذاك، ولمجرد تقدير ما يجب فعله الآن، يجب الرجوع إلى بدايات نشوء الصهيونية في أوروبا، والقومية العربية في فلسطين، والصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية" (ص. 14-15) يربط المؤلف بين الماضي والحاضر، قائلً: "في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة، طغت اكتشافات - حول الإبادة الجماعية النازية ضد اليهود - كثيرًا على مناقشة إنشاء دولة يهودية، ما صعب على كثيرين مِن الأميركيين فهم الموقف العربي تجاه دولة إسرائيل، وأخذه جديًا في الحسبان، وكذلك مواجهة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في ما بعد جدّيًا. ومن الجدير بالملاحظة أن هذه الحالة ما زالت مستمرةً، وربما على نحو أقوى" (ص. 15) وفي ما يخص وعد بلفور، علّق المؤلف على ما قامت عليه رسالة الوعد من وعد أوروبيين، وافق عليه أميركيون، لاستعمار أرض عربية وتهجير أبناء فلسطين ليسكن فيها مواطنو دول عديدة رغبوا فيها، قائلًا: "تأييد رئيس الوزراء البريطاني المحافظ آرثر بلفور وغيره من المسؤولين البريطانيين للصهيونية بديلًا من هجرة اليهود إلى بريطانيا. ففي عام 1905، عندما كان بلفور رئيسًا للوزراء، أيّد بشدة قانون الأجانب الذي كان يهدف إلى تحديد الهجرة اليهودية، بالسماح لمراقبي الموانئ البريطانية بإعادة 'الأجانب غير المرغوب فيهم'. وقد أظهرت مناقشة
بلفور الملتوية في تأييد هذا القانون، رفض معاداة السامية لتبرير معاداة السامية؛ إذ جادل بأنه إذا سُمح لمزيدٍ من اليهود بالدخول إلى بريطانيا، فربما تتبع بريطانيا 'النموذج الشرير من معاداة السامية الذي قدّمته دولٌ أخرى'. واستنكر 'الشرور المؤكدة التي حلّت ببعض أجزاء البلاد بسبب هجرة أجنبية كانت في معظمها يهودية'. 'يبدو أن بلفور قد تصوّر الصهيونية وسيلةً لتحويل تدفق اليهود القادمين إلى بريطانيا من شرق أوروبا إلى فلسطين'" (ص. 74) وفي حديثه التاريخي عن ذاك الوعد بالدولة اليهودية، شرح المؤلف كيف "كانت أميركا تغري كثيرين من يهود نطاق الاستيطان الروسي، لكنّ الصهاينة الروس وعدوا اليهود الذين يهاجرون إلى فلسطين، بدلً من أميركا، بمزيدٍ من السعادة والازدهار. وعندما وجد المهاجرون الفقر والملاريا، رجعوا بخيبة أمل. فاعترض آحاد حعام (نشأ في أوكرانيا، واسمه الأصليي آشر غينسبرغ Ginsberg Asher) أنه كي ينجح الاستيطان، يجب أن يتوقف الصهيونيون عن مناشدة المصلحة الشخصية، بل يجب عليهم أن 'يجعلوا هدفنا الأول هو البعث والنهضة – تحفيز الرجال لارتباطٍ أعمق مع الحياة القومية، وخلق رغبةٍ أكثر حماسة لتحقيق مصلحة الأمة'" (ص. 32). وقد عبّ آحاد حعام عن الروابط الروحية والعاطفية للصهيونية بفلسطين، بطريقةٍ أفضل من أيّ شخص آخر قبله أو بعده. وبعكس العديد من زملائه الصهاينة، أدرك مخاطر استيطان أرضٍ يعيش عليها شعبٌ من قومية مختلفة (ودينين مختلفين)" (ص. 30) يذكّر المؤلف بعرض العطاء والتخيير من الأراضي المستعمرة، قائل: "ذكر بلفور وعد حكومته بتقديم أوغندا للصهيونيين، قائلً: إن حكومته قد عرضت على العرق اليهودي مساحةً كبيرة من أرض خصبة في ممتلكات بريطانية كي يتخذوها ملجأ من المضطهدين في بلادهم إذا أرادوا ذلك". وكان هرتزل - ابن تاجر أقمشة هنغاري - قد حاول إثارة اهتمام مؤتمر آب/ أغسطس 1903 لقبول عرض وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلين (1914-1836) بإنشاء وطن مؤقت لليهود في أوغندا، لكن وايزمان كان من أعلى المعارضين صوتًا للعرض، وبقدرته البارعة في الإقناع – بحسب اعتراف بلفور في ما بعد - أقنعه في محادثتهما الأولى بوجوب منح فلسطين لليهود وليس أوغندا (ص. 66) وحول المطالبة بأرضٍ لتكوين دولة، يستذكر المؤلف كيف "اقترح ليو بينسكر Pinsker Leo، أحد أول صهيونييَن روسييَن بارزَين (ص. 25)8، أن على اليهود القضاء على الأشباح بتأسيس أمتهم الحقيقية: "أعطونا استقلالنا، واسمحوا لنا بأن نهتم بأنفسنا، امنحونا قطعة صغيرة من الأرض، مثل أرض الصرب والرومانيين، أعطونا فرصةً لنعيش وجودنا كأمة، ثم تشدّقوا عن افتقادنا لفضائل الرجال! كان حل بينسكر يكمن في عدم مقاومة الخوف من اليهودية. كتب "يجب أن نتخلى عن مواجهة هذه الدوافع العدوانية، كما نفعل في مقابل كل ميل موروثٍ آخر" (ص. 26). فعندما وُصِ م اليهود بأنهم أمة غريبة، بدلً من كونهم جماعة دينية، دفعت معاداة السامية الجديدة اليهود إلى التفكير في أنهم إذا كانوا جماعة قومية، فهم يحتاجون إلى أرضهم القومية التي تخصهم. وجعلت المذابح هذه المهمة ضرورةً ملحة. وفي عام 1882 "نشر بينسكر كتاب الانعتاق الذاتيالذي ألهم الحركة الصهيونية في روسيا، حيث كانت ولادته في بولندا الروسية، وكان ابنًا لعالمٍ بارز في اللغة العبرية. تدرب طبيبًا في جامعة موسكو، ومارس الطب في أوديسا، وكرّمه القيصر نيقولاس الأول لأنه عالج الجنود في حرب القرم" (ص. 25) وفي حديثه عن الصهيونية ضمن إطار سياسات أوروبا الاستعمارية، يقول المؤلف: "احتاج الأمر إلى يهودي نمساوي (ص. 34)9، هو ثيودور هرتزل، لوضع الصهيونية في أولويات السياسة الأوروبية، ففعل، ووضع الصهيونية ضمن الإطار السائد للسياسات الأوروبية الاستعمارية" (ص. 34). وبمهارته في "كتابة مسرحيات ومقالات صحافية، اتّبع كثيرون من الصهاينة مذهبه في كتابه الدولة اليهودية، وعادوا إلى نوعية المنطق ذاته الذي قدّمته القوى العظمى في محاولاتها نشر سيطرتها على آسيا وأفريقيا، والذي استخدمته أوروبا المسيحية، والأصوليون المسيحيون، والصليبيون قبلهم، في تبرير احتلال فلسطين. وعدوا باسترجاعِ فلسطين إلى دين الكتاب المقدس وتمدِين العرب وإحياء الأرض التي ادّعوا أن العرب قد أهملوها حتى أصبحت أرضًا جرداء. يُرجع معظم زعماء الأميركيين الصهاينة أصول أفكارهم إلى هرتزل، وليس إلى آحاد حعام، وسيتبنّون فهمً محرّفًا لفلسطين وسكانها العرب" (ص. 22) وعودة إلى مكانة الصحافة وتأثير كلمات من يشتغل فيها، فقد ذكر جون جوديس أن: "هرتزل اشتغل مراسلً في باريس
لصالح أهم صحيفة ليبرالية في فيينا، صحيفة الحرة الجديدة Neue Freie Presse في عام 1891" (ص 34،.)35 وحول ميثاق الحركة الجديدة ودور الاقتصاد وشركات الأعمال والمال في تأسيس الدولة اليهودية، أشار المؤلف إلى ما كتبه المؤرخ كارل شورشكي Schorske Carl عن هرتزل أنه كان: "النموذج التام للمثقف الليبرالي، وقد توصل إلى مقاربته الإبداعية للمسألة اليهودية، ليس بالانغماس في التقاليد اليهودية، بل من خلال جهوده الضائعة في محاولة تركها" (ص. 36)10. في عام 1895، كتب هرتزل خطابًا إلى مجلس عائلة روتشيلدRothschilds يسألهم المساعدة في تأسيس دولة يهودية. في السنة التالية، طور الخطاب إلى كتاب صغير، بعنوان الدولة اليهودية، وقد أصبح ميثاق الحركة الصهيونية الجديدة. وباستخدام هذا الكتاب منطلقًا أساسيًا، جُمِع أول مؤتمر في السنة التالية للمنظمة الصهيونية العالمية في بازل" (ص. 36) وعن تكوّن الصهيونية وانطلاق فكرة احتلال الأرض العربية، يشير المؤلف إلى أن كتابه "يروي قصة سنوات ترومان، إلّ أنه ينطلق من تسعينيات القرن التاسع عشر مع وصول الهجرات الصهيونية الأولى من نطاق الاستيطان الروسي Settlement of Pale (ص. 15)11 إلى فلسطين، ومع تأسيس اتحاد الصهيونيين الأميركيين في عام 1898. ويتابع الكتاب قصة الصهيونية الأوروبية والأميركية وقصة القومية العربية الفلسطينية حتى نيسان/ أبريل 1945 عندما وجد ترومان نفسه يستلم الرئاسة بعد وفاة فرانكلين روزفلت" (ص. 15) ثم يسلط المؤلف الضوء على ما يأمله من جهده في هذا الكتاب، قائلً: "ويدور هذا الكتاب أساسًا حول ما يمكن الأميركيين تعلّمه من فشل إدارة ترومان في حل الصراع بين الصهيونية والقومية العربية" (ص. 16) ويستفتح المؤلف حديثه بتأثير مصالح السياسة الأميركية واللعب بورقة الانتخابات الرئاسية، مستذكرًا أنه "في الثامن من أيلول/ سبتمبر 1948، كان هاري ترومان غارقًا في بحرٍ من المتاعب. فهو يخوض غمار انتخاباتٍ رئاسية توقّع أن يخسرها؛ بينما الاتحاد السوفياتي يحاصر برلين. أما في الشرق الأوسط، فتدور حرب بين إسرائيل وخمس دول عربية من جيرانها. وفي ذلك الصباح، كان وفد من المحاربين القدماء الأميركيين اليهود برئاسة العميد الجنرال جوليوس كلاين Klein Julius، أول زوار ترومان في البيت الأبيض. وفاجأ كلاين الرئيس بتقديم لائحة طويلة من المطالب تتعلق بدولة إسرائيل الجديدة، شملت إنهاء حظر السلاح الذي فرضته الولايات المتحدة على جميع الأطراف المتحاربة، ومنح إسرائيل قرضًا قيمته مئة مليون دولار لمساعدتها على توطين مهاجرين من مخيمات النازحين في أوروبا، إضافة إلى مناصرة عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة" (ص. 9) وعن الرئيس الأميركي الذي اختاره المؤلف في عنوان كتابه، قال: "لمح ترومان إلى توصيات اللجنة الأنكلو-أميركية التي صدرت في ربيع 1946، إضافة إلى الخطة التي تفاوض عليها الأميركي هنري غراديHenry Grady والمسؤول البريطاني هربرت موريسون Morrison Herbert لتنفيذ التوصيات، حيث دعت اللجنة إلى السماح لمئة ألف يهودي مِن الناجين مِن خطة هتلر النهائية [الحل النهائي للقضاء على اليهود]، الذين تقطعت بهم السبل في مخيمات النازحين، بالهجرة إلى فلسطين. غير أن الخطة أوصت كذلك بتنظيم فلسطين دولةً فدرالية، حيث لا تكون عربية ولا يهودية. وقد انتمى ترومان إلى الحزب الديمقراطي على نسق الرئيس جيفرسون الذي رفض فكرة الدولة الدينية؛ إذ إن ديانات الدولة كانت سبب قرونٍ من الحروب في أوروبا. فلم يعتقد أن دولةً يجب أن تُعرف بشعبٍ معيّ أو عِرق أو دين. وعلى النقيض من كون ترومان صهيونيًا مسيحيًا، فقد كان له تحفظات جدية بشأن المشروع الصهيوني لتأسيس دولةٍ يهودية، مثلما ذكر لقادةٍ صهاينة مرارًا خلال السنة الأولى من رئاسته. وقد أشرف بنفسه على عمل غرادي في تطوير التوصيات بشأن فلسطين فدرالية. لم يكن ترومان غير متعاطف مع يهود أوروبا الذين فُقِد منهم ستة ملايين في حل هتلر النهائي، والذين مُنعوا آنذاك من الهجرة إلى أوروبا الغربية، أو إلى الولايات المتحدة عبر قوانين هجرة شديدة القسوة. أثار ترومان استياء البريطانيين وعرب فلسطين بإصراره على أنه يجب السماح للناجين من الهولوكوست بالهجرة إلى فلسطين. إلّ أنه أدرك كذلك أن الحركة الصهيونية الأوروبية التي بدأت في أواخر القرن التاسع
عشر، كانت تسعى لإنشاء دولة يهودية في أرضٍ عاش عليها شعبٌ آخر، شكّل فيها غالبية كبيرة على مدى 1400 عام. لم يعرف ترومان تفاصيل هذا التاريخ كلها، إلّ أنه عرف منه ما يكفي كي يخشى من أن إنشاء دولةٍ يسيطر فيها إما اليهود وإما العرب، ستؤدي بالضرورة إلى الحرب والظلم. لذا، سعى لإنشاء دولةٍ بترتيباتٍ فدرالية ربما تُرضي طموحات الشعبين. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1947، وفي حين كانت الأمم المتحدة تناقش التقسيم، انحاز ترومان إلى تقسيمٍ لفلسطين يمنح العرب الذين كانوا يشكّلون ثلثَي السكان آنذاك، حصة كبرى متناسبة من الأرض. وبعد حروب عام 1948، فضّ ل عقد اتفاقية سلامٍ بين إسرائيل والدول العربية تُعيد على الأقل الأربعين في المئة من فلسطين التي كانت الأمم المتحدة قد خصصتها للعرب، وتسمح لكثيرين من ال 700000 لاجئ عربي أبعدتهم الحرب بالعودة إلى بيوتهم. إلّ أنه خسر كل مواجهة مع الحركة الصهيونية الأميركية القوية التي كانت تعمل جنبًا إلى جنب مع الوكالة اليهودية في فلسطين، ثم مع الحكومة الإسرائيلية في ما بعد. وفي نهاية الأمر، استولت الدولة اليهودية على نحو ثمانين في المئة من فلسطين، وتشتّت عرب فلسطين، وحُرموا من دولةٍ لهم. وحصل يهود أوروبا على حقوقٍ على حساب عرب فلسطين" (ص. 9-12) وعن قيام الصهيونية على مزاعم مضلّلة للواقع، يروي المؤلف الأحداث التاريخية، موضحًا: "في تشرين الأول/ أكتوبر 1915، كتب هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر – وبتعليماتٍ من لندن - إلى الشريف حسين بن عليي، الزعيم الفخري للمنطقة العربية السعودية، بوعدٍ في حال قيام الثاني بتحريك القوى العربية لمصلحة البريطانيين، ستدعم بريطانيا استقلال العرب [من الحكم العثماني] في المناطق كلها ضمن الحدود التي طالب بها شريف مكة (رسالة مكماهون إلى شريف مكة في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1915). وقد اعتقد مكماهون أن كلماته كانت غامضة بدرجةٍ كافية لتحفيز العرب في الطريق الصحيحة [من وجهة نظره] 'من دون تقييد أيدينا'" (ص. 72) وبكلمات صريحة، يصوغ الكاتب خطط الصهاينة الأميركيين بنقل الفلسطينيين أصحاب الأرض إلى البلاد المحيطة بفلسطين، قائلً: "على الرغم من دعوة الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون Woodrow Wilson (1924-1856) إلى حق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها، فإنهم تجاهلوا حقوق عرب فلسطين عندما تعلّق الأمر بفلسطين. وفي العقود الأولى للحركة، أكد الصهاينة الأميركيون أن اليهود كانوا يهاجرون إلى أرضٍ جرداء أو صحراء غير مأهولة، وفي ما بعد، عندما أصبح واضحًا أن عربًا كانوا يعيشون هناك من قبل، أصرّ الصهاينية على أن هؤلاء العرب الذين كانوا يستطيعون تتبع سلسلة أجدادهم في فلسطين حتى عام 638 م، يمكن نقلهم بسهولة إلى الأردن أو العراق أو سورية" (ص. 12-13) وعن موقف الرئيس الأميركي ترومان والبعد الأخلاقي، يقول المؤلف: "كان ترومان ليبراليًا حقيقيًا يحمل هواجس أخلاقية بشأن الصهيونية. كما كان آخر رئيسٍ يعبّ عنها. ومنذ ترومان، حاول كل رئيسٍ أميركي تقريبًا إيجاد طريقة لتحسين أوضاع عرب فلسطين، من خلال الضغط على إسرائيل للسماح بعودة اللاجئين ومحاولة تشجيع الإسرائيليين في ما بعد على الانسحاب من الضفة الغربية المحتلة، والسماح لعرب فلسطين بإنشاء دولةٍ لهم. ومع ذلك، عانى خلفاء ترومان الفشل نفسه بوجه عام. وقد انطلقوا من قناعة أخلاقية واستراتيجية بأن شيئًا ما يجب أن يعمل لتصحيح وضع الفلسطينيين، إلّ أنهم استسلموا تحت ضغطٍ لا هوادة فيه من جهة مؤيدي إسرائيل (وبعد عام 1948، من الحكومة الإسرائيلية نفسها). وقد بدأ هذا النمط من الاستسلام لإسرائيل ومؤيديها في سنوات ترومان. تغيّ اللاعبون؛ إذ تُسمي الحركة الصهيونية نفسها الآن حركة 'تأييد إسرائيل'، ولم تعد القضية وجود دولة يهودية، إنما هل يجب أن توجد دولةٌ فلسطينية أيضًا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يجب أن تكون الدولة الفلسطينية أكثر من تلالٍ قليلة جرداء تتخللها نقاط تفتيشٍ وحواجز أمنية؟" (ص. 13-14) يُورد المؤلف إحصاءات تاريخية جغرافية عن واقع تلك الفترة، قائلً: "في منتصف القرن التاسع عشر، كانت الضفة الغربية (لنهر الأردن) جزءًا من ولاية سورية، وكان شمال فلسطين جزءًا من ولاية بيروت، وكانت للقدس وما حولها منطقتها الخاصة. وبحسب أحد التقديرات، سكن في منطقة فلسطين نحو 340000 شخص، منهم 300000 مسلم أو درزي، أي 88 في المئة، و 27000 مسيحي، أي 8 في المئة، و 13000 يهودي، أي 4 في المئة (فقط)12. عاش كثيرون من أولئك اليهود في
القدس ونابلس والخليل. وكانت الأحوال المالية جيدة لدى قلة منهم من نسل مهاجرين السفارديم من إسبانيا، إّلا أن معظمهم كان مهاجرًا جديدًا من أوروبا، كرّس نفسه للدراسات الدينية والتعبّد، وعاش على تبرعاتٍ من الخارج" (ص. 19). ولتقرأ المجتمعات الغربية الأوروبية والأميركية ما خطّه المؤلف، قائلًا: "ولم يكن هنالك ما يشبه موجة العداء للسامية التي ستكتسح أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر. فقد كتب المؤرخ يوسف غورني Gorny Yosef: "تمتع اليهود بوضعٍ أفضل في المجتمع المسلم، ونعموا بُألفةٍ أكثر مع ثقافة بيئتهم، مقارنةً بيهود أوروبا الشرقية"13 (ص).20 يُكمل المؤلف في حديثه عن الصهيونية: هرتزل وآحاد حعام وغوردون، قائلً: "كان هنالك وجودٌ غربي قليل أيضًا في المنطقة. وكان الأميركيون منشغلين بالحرب الأهلية وتوابعها، وكانت القوى الأوروبية العظمى قد بدأت بتقاسم آسيا وأفريقيا. اهتم البريطانيون بالتحالف مع الأتراك ضد الروس، وكانوا على وشك تأسيس وجودهم في مصر، وبدؤوا في الاهتمام بفلسطين وما حولها لتكون ممرًا نحو الشرق، إلّ أنهم لم يكونوا قد فعلوا أيّ شيء بهذا الشأن، ولن يفعلوا ذلك حتى نهاية ذلك القرن. وقد ساد اعتقاد في أوساط حاخامات وشخصيات مسيحية بارزة في أوروبا والولايات المتحدة بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين. وأطلق على هؤلاء المسيحيين 'المجددون أو الإصلاحيون Restorationists'، وتمكّنوا من الحصول على تأييدٍ لآرائهم بين كبار المسؤولين في بريطانيا الذين فكّروا بفلسطين يهودية من وجهة نظر تجارية أو إمبريالية. إلّ أن معظم اليهود قبِلوا بالشتات حالةً مستدامة. فكّر اليهود الأرثوذكس في أن اليهود سيعودون إلى صهيون في النهاية، إنما بفعلٍ مسيحاني ربّاني، وليس بهجرةٍ جماعية منظمة. رفع اليهود شعار 'السنة القادمة في القدس' في أثناء عشاء عيد الفصح كل عام، إلّ أن قلةً منهم فقط كانت تقصد هذه الكلمات حرفيًا" (ص. 20) يستمر المؤلف أيضًا في سرد وقائع تاريخية، قائلً: "وعلى مدى الأربعين سنة التالية - من ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى وأوائل عشرينيات القرن العشرين – تحولت المنطقة تمامًا. حُلّت الإمبراطورية العثمانية ضحيةً لتحالف تركيا مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. وسيطرت بريطانيا على فلسطين بفضل انتدابٍ من عصبة الأمم! وكانت فلسطين منطقةً ضمّت في البداية ما أصبح منطقة شرق الأردن، ثم الأردن في ما بعد، إّلا أن بريطانيا أدارت المنطقتين على نحو منفصل. ونتيجةً لذلك، أصبحت المنطقة الغربية من الانتداب، التي كانت تدار من القدس، تسمّى فلسطين من جديد، وهو الاسم الذي كان الرومان قد أطلقوه على المنطقة، وكانت له جذورٌ تاريخية أقدم في أهل البحر الذين كان اسمُهم الفلستيينPhilistines الذين عاصروا يهود العهد القديم. وبحلول عام 1922، ازداد عدد سكان فلسطين إلى 752048 نسمة، بحسب إحصاءٍ بريطاني، كان منهم 83900 يهودي، أي 11 في المئة. وتضاعف عدد اليهود في فلسطين سبع مرات بدفعٍ لنشوء حركةٍ صهيونية في أوروبا وتطورها، خاصة في نطاق الاستيطان الروسي الذي نشأ استجابةً لنموٍ متزامن في المشاعر القومية والمعادية للسامية في أوروبا الوسطى والغربية. كانت الصهيونية حركةً قومية يهودية، غير أنها تختلف عن القومية الألمانية أو الرومانية، بأنها لم تتركز حول وطنٍ موجود، بل على أرضٍ سكنها اليهود من قبل، وأرادوا استرجاعها الآن" (ص. 21) يشرح المؤلّف، صراحةً، منطق الصهيونية في حل مشكلة اليهود على حساب العرب، قائلً: "كان المنطق المعلن للصهيونية لا تشوبه شائبة. عاش اليهود مئات السنين مع الأمم الأوروبية التي كانت تُعاملهم كأمة تعيش بينهم. طالب السياسيون والمثقفون القوميون في أوروبا الوسطى والشرقية بتنظيف بلادهم من هذه الأمة الغريبة. وفي ردّ على ذلك، أراد اليهود وطنًا حقيقيًا لهم، يستطيعون العيش فيه بأمانٍ من الاضطهاد والقهر. ظهرت المشكلة عندما حدد الصهاينة المكان الذي يريدون إنشاء دولتهم فيه. فقبل ألفَي سنة، سكن معظم اليهود في فلسطين، وما زالت بضعة آلاف منهم تعيش فيها. إلّ أن أقوامًا آخرين عاشوا في فلسطين على مر تلك السنين، وعاش العرب فيها 1400 عام. إذا كان هدف الصهيونية تأسيس دولة يهودية في فلسطين، فهذا يعني السيطرة على العرب الذين كانوا يعيشون هناك، أو طردهم" (ص. 21) وفي استرجاع للخطوات المبكّرة والمُهيّئة للأسباب، يذكّر المؤلف أن "نابليون دعا إلى إنشاء دولة يهودية خلال حملته الشرقية
في عام 1799. وفي أوائل القرن التاسع عشر، قام مسؤولون بريطانيون، بزعامة الإحيائي المسيحي اللورد شافتسبري Shaftesbury Lord 1885-1801[]، بدعوة بريطانيا إلى تأييد عودة اليهود إلى الأرض المقدسة. ومع حلول منتصف القرن، كانت هنالك حركة بين المثقفين اليهود. ففي ستينيات القرن التاسع عشر، دعا الاشتراكي الألماني موسى هس Hess Moses 1875-1812[]، وهو رفيق سابق لكارل ماركس، والحاخام البولوني زفي هيرش كاليشر Kalischer Hirsch Zvi، وقد أعجب كلاهما بعمقٍ بحركة النهضة الإيطالية للوحدة القومية 'إيل ريزورجيمنتو Risorgimento Il '، إلى إنشاءٍ تدرّجي لدولةٍ يهودية. لكن كان على ولادة حركةٍ صهيونية وبدء الهجرة أن يتأخرا حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر، وإلى ما بعد انفجار العداء للسامية في روسيا وأوروبا الشرقية، وانتشاره نحو الغرب. فحوّل ذلك اليهودية الصهيونية من حلمٍ ديني إلى حركةٍ سياسية" (ص. 22) ثم يتناول المؤلف ما أدت إليه حركات النضال والاستقلال والدعوة إلى القوميات، قائلً: "في القرن التاسع عشر، ناضل الإيطاليون والهنغاريون لتحرير أنفسهم من الإمبراطورية النمساوية - الهنغارية، وسعى الرومانيون وغيرهم من شعوب البلقان للتحرر من الإمبراطورية العثمانية، والبولنديون من الإمبراطورية الروسية، والألمان من آل هابسبرغ ومن إرثِ هزيمتهم في حروب نابليون، ورسموا مجال آمالهم القومية ضمن حدودٍ إثنية وشبه عرقية قادتهم إلى اعتبار اليهود أمةً غريبة. كتب يوهان غوتليب فيخته Gottlieb Johann Fichte، أبو القومية الألمانية، أن الألمان هم أفراد عِرقٍ 'ضمت الطبيعة بعضهم إلى بعض في مجموعةٍ من الروابط الخفية'، ووصف اليهود بأنهم 'دولة ضمن دولة'. وفي النمسا وروسيا، استند مدافعون عن الإمبراطورية إلى نسختهم الخاصة من القومية ضد الانفصاليين، وضد اليهود الذين وجّهوا إليهم اللوم في حدوث الاضطرابات؛ فأسّس جورج ريتر فون شونرر George Ritter von Schönererفي النمسا حركةً ألمانية شاملة، استندت إلى أنه يجب على النمسا أن تخلّص نفسها من النفوذ اليهودي14. وفي روسيا، أقسم المئات السود The Black Hundredsيمين الولاء للقيصر والحكم الروسي المطلق، بينما كانوا يقومون بهجومٍ عنيف على اليهود" (ص. 23-24) وحول التزمّت الديني والتعصب القومي في أوروبا، يوضح المؤلف أن "مزيج التزمت الديني، والتعصب القومي، مع الذي سمّ ه الصهيوني الروسي بينسكر 'الشيطنة'، ألهم إصدار قوانين جديدة هددت معيشة اليهود، وأدت إلى سلسلة من المذابح العنيفة في روسيا، وفي النطاق الاستيطاني الروسي – الطرف الغربي من الإمبراطورية الروسية الذي حصر النظام القيصري اليهود فيه. وفي ربيع 1881، تفجرت أعمال شغبٍ هائلة ضد اليهود في ردة فعلٍ على إشاعاتٍ كاذبة بأن اليهود قد اغتالوا القيصر ألكسندر الثاني. فقُتِل يهودٌ في هذه الاضطرابات، ودُمرت بيوتٌ ودور عبادة، وانتشر الشغب في 160 مدينة وقرية في نطاقِ الاستيطان الروسي، وتكرر ذلك على مدى أربعة عقود. وفي شرق أوروبا وجنوبها، نشطت حركاتٌ قومية سعيًا للتحرر من الحكم النمساوي أو الحكم التركي، وتوجهت بعنفٍ ضد اليهود. وفي وسط أوروبا وغربها، حيث لم يعد اليهود محصورين في أحياء خاصة، نشأت حركات وأحزاب معادية للسامية، مثل الحزب النمساوي المسيحي الاشتراكي بزعامة كارل لوغر Lueger Karl، وحزب أدولف شتوكر Stoecker Adolf الذي حمل الاسم نفسه في ألمانيا. ووجهت هذه الأحزاب غضبها نحو اليهود الأقل والأوفر حظًا، وأثارت مخاوف من أن المهاجرين اليهود الفقراء من روسيا وشرق أوروبا ينشئون أحياء يهودية جديدة خاصة، وفي الوقت نفسه لامت اليهود الناجحين الأثرياء الذين عاشوا أجي لً في ألمانيا والنمسا، وتمتعوا بمراتب عليا في المهن والحكومة ووسائل الإعلام. وطالبت تلك الأحزاب بتحديد الهجرة، وبوضع حصصٍ محددة لليهود في المهن والجامعات. وفي فرنسا، تصاعدت معاداة السامية في ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته، حتى وصلت إلى أقصاها في تلفيق التّهم ومحاكمة وإدانة الضابط اليهودي ألفرد دريفوسAlfred Dreyfus بتهمة الخيانة" (ص. 24-25) "أيد بينسكر أولًا اندماج اليهود، أو 'جعلهم من الروس' من خلال استخدام اللغة الروسية وتعلّم الثقافة الروسية. وكان عضوًا قائدًا في جمعية نشر الثقافة بين اليهود في روسيا. إّلا أن المذابح دفعته في اتجاه الصهيونية، فاستقال من جمعية نشر
الثقافة. وبحسبه، فإن المشكلة اليهودية تكمن في 'الأمم التي يعيش بينها اليهود'، فقد كان اليهود 'شبح' أمة بدلًا من كونِهم أمة حقيقية. حتى بعد أن غادروا فلسطين، فقد عاشوا روحيًا كأمة، لكنهم افتقدوا إلى الصفة القومية المميزة التي تكون متأصلة في الأمم كلها، وتتشكل هذه الصفة من خلال العيش المشترك في دولة واحدة" (ص 24، 25). وقد أدى ذلك إلى ما سماه بينسكر "الخوف مِن اليهودية Judeophobia". وإذا كان "الخوف من الأشباح أمرًا فطريًا، وله ما يبرره في حياة البشر النفسية، فليس من المستغرب بثّ مثل هذا التأثير عند مواجهة أمة ميّتة ما زالت على قيد الحياة" (ص. 26) اقتنع بينسكر بأن الخوف من اليهودية لا يمكن تجنّبه ما دام اليهود متفرّقين أجسامًا غريبة وسط أمم أخرى. وكتب أن "هذا أمر موروث مثل حالة نفسية شاذة، ومثل مرض انتقل على مرّ ألفَي سنة، ولا علاج له". وكتب موشيه ليب ليلينبلوم Moshe Lilienblum Leib في عام 1883 بتشاؤمٍ مماثل: "الحضارة التي تستطيع إخراجنا فعلًا من هذا الاضطهاد القائم على أسسٍ دينية، لا تستطيع أن تفعل لنا شيئًا أمام الاضطهاد القائم على أسس قومية" (ص. 26) وعمّ ترتب على أحداث أوروبا نقرأ في الكتاب الذي بين أيدينا أن "فون شونرر Schönerer Von دعا إلى تحديد هجرة اليهود من روسيا وبولندا إلى النمسا. وتبعه في ذلك حزب لوغرLueger النمساوي المسيحي الاشتراكي باتخاذ موقفٍ معادٍ للسامية في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر. ويذكر هرتزل في مذكراته أنه انزعج من كتاب يوجين دهرينغEugen المعادي The Jewish Question المسألة اليهودية Duehring للسامية، الذي صدر في عام 1881 ويقول المؤلف: "كتب". هرتزل 'وخزني السؤال وشدنّي على مرّ السنين التالية"'15. لكن عندما انتقل هرتزل إلى باريس في عام 1891، ظن أنه لن يواجه معاداة السامية التي بدأت تشتدّ في وسط أوروبا. نظر اليهود الأوروبيون إلى فرنسا باعتبارها رائدة التحرير. توقع موسى هس في كتابه روما والقدسأن "فرنسا هي الصديق المحبوب والمنقذ الذي سيعيد شعبنا إلى مكانته في تاريخ العالم" (ص 35، 36). إّلا أن هرتزل اكتشف أن فرنسا لم تكن منيعة ضد عدوى معاداة السامية. وبعد مدة وجيرة من وصول هرتزل لاستلام عمله، بدأت الصحف الفرنسية تكتب في عناوينها الرئيسة عن فضيحة فسادٍ تحيط بإنشاء قناة بنما. تورط فيها يهوديان ألمانيان تورطًا هامشيًا، إّلا أنهما حملا العبء الأكبر من اللوم. ثم تبع ذلك قضية دريفوس التي شهد خلالها هرتزل مظاهرات في الشوارع تصرخ "الموت لليهود" (ص. 36) وباستخدام الكلمات الدالة على المواقف السياسية ووصف المطالبة بفرصة على أساس كونها مغامرة، نقرأ في الكتاب كيف: "فكّر بينسكر في أن فلسطين هي المكان المناسب لإنشاء دولة يهودية، غير أنه لم يستدعِ الملكية اليهودية على أساسٍ توراتي". وأضاف: "الهدف من مغامرتنا الحالية يجب ألّ يكون 'الأرض المقدسة'، بل أرضًا لنا" (ص. 194) "كان ليلينبلوم أكثر ميلًا إلى ادّعاء ملكية قديمة، وتساءل: "لماذا نكون غرباء في دولٍ غريبة، بينما أرض آبائنا لم تختفِ عن سطح الأرض، وما زالت مهجورة، وتستطيع مع ما حولها من جِوار أن تستوعب شعبنا؟"16. ويفسر المؤلف السؤال: "سؤال ليلينبلوم، وهو في حقيقته تأكيدٌ، يقع في قلب المناقشات الصهيونية الأولى. وفي حين تجنبت قلةٌ من اليهود العلمانيين، مثل بينسكر، الادعاءات التلمودية في ملكية فلسطين، فإن معظم الصهاينة لم يفعلوا ذلك – وشمل ذلك صهاينة علمانيين، مثل الشاب البولندي ديفيد بن غوريون. اعتبر الصهاينة فلسطين أرض اليهود التي طردهم الرومان منها ظلمًا في القرنين الأول والثاني، والتي لهم الحق الكامل في العودة إليها ليؤكدوا ملكيتهم لها. واستند مفهوم الصهيونية هذا، المترسخ في العهد القديم، إلى صورةٍ متخيلة عن فلسطين" (ص. 27) ومما ورد في الكتاب، تأكيدًا على أهمية اختيار المصطلحات المعلنة: "افترض ليلينبلوم الذي لم ترَ عيناه يومًا فلسطين، أنه إذا كان على اليهود استعادة فلسطين، فسيكتشفون أرضًا 'قاحلة' تم 'هجرها'. وللمفردة 'قاحلة' معنيان: فلسطين غير المسكونة (ومن ثم مفتوحة للاستيطان)، وأن من سكنوها قد أهملوها وهجروها (ومن ثم لا يستحقون سكناها أو امتلاكها). يبدو أن ليلينبلوم استخدم اصطلاح 'مهجورة' على نحو أساسي كي يوحي بعدم وجود سكان، على الرغم من أنه في عام 1880، كان في فلسطين 500000 من السكان" (ص. 28). وتخللت فكرة
فلسطين المهجورة هذه الفكر الصهيوني الأولي. وفي هذا الصدد، كتب المؤرخة أنيتا شابيرا Shapira Anita: "ارتبط مفهوم العودة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم آخر هو أن الأرض كانت مهجورة تتلهف بانتظار عودة اليهود واستقرارهم فيها" (ص 28 و"تبقى). الحقيقة هي أن فلسطين صغيرة، وليست فارغة "17 (ص. 18). ونقرأ أمثلة يستحضرها المؤلف عن اتّباع القوى الاستعمارية أسلوبًا متكررًا في اختيار كلمات واصفة للأرض الهدف مغايرة للواقع، قائلً: "أسلوب التفكير هذا كان شائعًا بين الأوروبيين الذين انطلقوا لاستعمار أراضٍ لم يكن سكانها مسيحيين، وكانوا على مستوى أقل في التطور الاقتصادي. في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وصف المستعمِرون البريطانيون أميركا الشمالية بأنها 'أرضٌ يباب"'18 (ص 28). وفي عام 1702، وصف التطهيري كوتن ماثر Cotton Mather الهجرة إلى إنكلترا الجديدة England New بأنها "آلافٌ من التجديديين يُبحرون للسكنى في صحراء أميركية"19. اعتبر البريطانيون أفريقيا وجزر الإنديز الغربية "فارِغة"، ومن ثم مفتوحة للاستغلال الغربي" (ص. 28-29) يستحضر المؤلف حقيقة تطبيق ذاك الأسلوب على احتلال أرض فلسطين العربية، قائلً: "عند تطبيق مبدأ الفراغ أو اليباب على 'الأرض المقدسة' في فلسطين، جعل ذلك الفهم السكان العرب غير مرئيين فعليًا. وكان هذا المفهوم وراء قوة الدفع في كتابات المسيحيين الصهاينة، وعلماء الكتاب المقدّس، وكتاب الرحلات عن فلسطين في أوائل القرن التاسع عشر. فمثلً، كتب أحد العلماء البريطانيين عن فلسطين في عام 1838 أنها "كأس الغضب والخراب التي صبّتها يد الله على فلسطين حتى الثمالة، وهي تقبع حزينةً وحيدةً في الظلام والغبار"20. وبعد خمسين سنة، ستكرر حركةٌ صهيونيةٌ صاعدة هذه المفاهيم، وتعِد بأنها ستجلب السعادة والنور إلى أرض مهجورة مهملة. فبدأ البارون إدموند جيمس دى روتشيلد في الاستثمار – نحو Baron Edmund James de Rothschild ستة ملايين دولار بين عامي 1884 و 1890 – في مستوطنات في فلسطين. وفي عام 1890، تمكنت جمعية أحباء صهيون من كسب اعتراف السلطات الروسية بتقديم نفسها بوصفها جماعة دعمٍ لعائلات المهاجرين. كانت السلطات الروسية سعيدة بترخيص جماعةٍ تشجّع على هجرة اليهود. وفي عامي 1890 و 1891، غادر ثلاثة آلاف يهودي روسي وروماني إلى فلسطين" (ص. 29) لا يزال اتباع الطريق الخطأ خطأ بعد خمسة وسبعين عامًا، حيث يذكر المؤلف ما يوضّ ح إدراك حعام المشكلة التي سيواجهها اليهود بدايةً: "كتب آحاد حعام أولى مقالاته الرئيسة في عام 1888، تحت عنوان 'الطريق الخطأ'، منتقدًا الاستراتيجية الاستيطانية لجمعية أحباء صهيون. وتمسّك بآراء قوية ومثيرة للجدل، عبّ عنها بلغة عبرية واضحة، سرعان ما جعلته مشهورًا بين الصهاينة الروس. وكان تشبيه مفهوم آحاد حعام عن المركز الروحي بنوعٍ مِن الفاتيكان اليهودي، غير أن مركزه الروحي ليس دينيًا محضًا أو ثيوقراطيًا، بل كان ثقافيًا وإثنيًا. كانت إشارات آحاد حعام إلى الدولة اليهودية قليلة، ويطغى عليها دائمًا تقديمه لفلسطين بوصفها مركزًا روحيًا. وأحد أسباب ذلك هو أنه اعتقد أن تأسيس مركز روحي هو ضرورة تسبق تأسيس دولة يهودية. فإذا أنشأ اليهود دولةً من دون أن يشكّلوا قاعدةً روحية لها، فإنهم سيخلقون ببساطة مشكلة لهم في بلدٍ لم يتكون حتى تاريخه، في أرض أجدادنا" (ص. 30-32) وعن الرحلة الاستكشافية التي كشفت مغايرة الافتراضات الشائعة، يحكي المؤلف: "في عام 1891، أرسلت جمعية أحباء صهيون آحاد حعام لدراسة الوضع هناك. وكان ما اكتشفه مغايرًا للافتراضات الشائعة عن فلسطين. فكتب عن رحلتِه: اعتدنا في الخارج أن نعتقد أن أرض إسرائيل مهجورة تمامًا الآن، صحراء قاحلة، وأن أيّ شخص يريد شراء أرضٍ هناك يستطيع أن يأتي ويشتري ما يشاء. إنما الحقيقة ليست كذلك. في كامل البلاد، من الصعب أن تجد أرضًا قابلة للفلاحة غير محروثة [...] إذا جاء الوقت الذي تتطور فيه معيشة شعبنا، إلى درجة التعدي على السكان المحليين، فلن يسلّموا أرضهم بسهولة" (ص. 33). وكان "إدراك آحاد حعام أن العرب كانوا
يعيشون في فلسطين – ويطمحون إلى تكوين أمتهم – ساهم في تأكيده ضرورة إنشاء مركزٍ روحي، وليس دولة. وفي حين نمت المستوطنات اليهودية – وردّ عرب فلسطين بغضبٍ، ثم بعنفٍ، على أن دولة يهودية ربما تضطهدهم – حاول آحاد حعام خلق صهيونيةٍ تستوعب القومية العربية، ودعا إلى دولة تستطيع فيها كلتا القوميتين، اليهودية والعربية، العيش جنبًا إلى جنب" (ص. 33-34). "وفي عام 1893، زار آحاد حعام فلسطين مرة ثانية. وتبنّى هذا الموقف أول مندوبٍ سامٍ في فلسطين، هربرت صاموئيل، كما تبنّته فئة صغيرة من المهاجرين البارزين، مثل مارتن بوبرMartin Buber وجودا ماغنسJudah Magnes وغيرهما، التي هاجرت إلى فلسطين وأسست في ما بعد الجامعة العبرية. إّلا أن معظم زعماء الصهاينة رفضوا هذا الموقف أصلًا " (ص. 33-34). وفي هذا السياق، تبُرز أهمية البدء في تأسيس جامعة عبرية في فلسطين العربية دور التعليم العالي في نشر الأفكار الأيديولوجية.
خاتمة
نختم الحديث عن محاور من كتاب التكوين: ترومان واليهود الأميركيون وأصول الصراع العربي – الإسرائيلي، بربط الحاضر بالماضي، بكلمات المؤلف جوديس جون نفسه، حيث يتحدّث عن الاستثمار السياسي الإمبريالي: "مارك سايكس نائب في وزارة الدفاع، مسؤوليته السياسة في الشرق الأوسط، هو اللاعب الثالث المهم في المسرحية مع بلفور ولويد جورج رئيس الوزراء البريطاني في وزارة الائتلاف في كانون الأول/ ديسمبر 1916" (ص. 74). وحول قدرته على الإقناع، ذكر مساعده ليوبولد آمري Amery Leolold ذلك، قائلًا: "سرعان ما أقنعني سايكس بأنه من أجل وجهة النظر البريطانية الخالصة، فإن وجود مجتمع يهودي مزدهر في فلسطين، يعتمد في ولادته وفرصته في التطور على السياسة البريطانية، ربما يكون استثمارًا لا يقدّر بثمنٍ في الدفاع عن قناة السويس ضد هجمات من الشمال، ومحطةً على الطرق الجوية نحو الشرق في المستقبل" (ص. 75)
المراجع
العربية
عبد الهادي، أيمن. "عرض كتاب 'عناصر الصحافة: ما الذي ينبغي أن يعرفه الصحفيّون وما الذي ينبغي أن يتوقّعه الجمهور'، لبيل كوفتش وتوم روزنستيل، ترجمة لميس فؤاد اليحيى، ع م نا: الأهلية للنشر والتوزيع، 2013 ". المجلة العلمية لبحوث الصحافة. العدد 2
الأجنبية
Gorny, Yosef. Zionism and the Arabs 1882-1948: A Study of Ideology. New York: Oxford University Press, 1987. Gunn, Giles B. New World Metaphysics: Readings on the Religious Meaning of the American Experience. New York: Oxford University Press, 1981. Herzl, Theodor. The Diaries of Theodor Herzl. Marvin Lowenthal (ed.). New York: Grosset & Dunlop, 1962. Magnes, Judah L. "Toward Peace in Palestine." Foreign Affairs. vol. 21, no. 2 (1943). Mather, Cotton. Magnalia Christi Americana; or The Ecclesiastical History of New England. Hartford, CT: Silas Andrus & Son, 1858. McCarthy, Justin. The Population of Palestine: Population History and Statistics of the Late Ottoman Period and the Mandate. New York: Columbia University Press, 1990. Robinson, E. & E. Smith. Biblical Researches in Palestine and in the Adjacent Regions: A Journal of Travels in the Year 1838. London: John Murray, 1841. Schorske, Carl E. Fin-de-Siècle Vienna: Politics and Culture. New York: Vintage, 1981.
Seed, Patricia. American Pentimento: The Invention of Indians and the Pursuit of Riches. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2001. Shapira, Anita. Land and Power: The Zionist Resort to Force, 1881 - 19 48. Palo Alto, CA: Stanford University Press, 1999. Walter, Herbert Strauss (ed.). Hostages of Modernization: Studies on Modern Antisemitism, 1870-1933/ 39. Berlin: Walter de Gruyter, 1993.