صراع القوى الكبرى في الهندوباسيفيك: إعادة تخيل الخريطة الاستراتيجية لآسيا
The Struggle between Great Power in the Indo-Pacific: Reimagining the Strategic Map of Asia
الملخّص
عنوان الكتاب: صراع القوى الكبرى في الهندوباسيفيك: إعادة تخيل الخريطة الاستراتيجية لآسيا. المؤلف: عبد القادر دندن. الناشر: الدوحة، مركز الجزيرة للدراسات. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 306.
Abstract
Title of the book: The Great Power Struggle in the Indo-Pacific: Reimagining the Strategic Map of Asia.
- الهندوباسيفيك
- قارة آسيا
- The Indo-Pacific
- Asia
عنوان الكتاب: صراع القوى الكبرى في الهندوباسيفيك: إعادة تخيل الخريطة الاستراتيجية لآسيا. المؤلف: عبد القادر دندن. سنة النشر:.2023 الناشر: الدوحة، مركز الجزيرة للدراسات. عدد الصفحات:.306
مقدمة
يعرف النظام الدولي دينامية كبيرة تشكّلها قضايا التعاون والتنافس بين الدول، التي من خلالها تظهر المصالح المختلفة والمتناقضة، وفق ما طرحه هانز مورغنثاو Morgenthau Hans، في أشكال المصلحة الوطنية للدول، التي تُعدّ المحرك الرئيس لسياساتها الخارجية. وتظهر هذه الدينامية في محاولات القوى كسب نفوذ في الفضاءات الجيوستراتيجية المختلفة، التي أصبحت غير مرتبطة بما نظّرت له النظريات الجيوبوليتيكية خلال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، وانتقل الاهتمام الاستراتيجي للقوى الكبرى من مناطق المركز والقلب - كما أشار إلى ذلك رواد النظريات الماكيندرية والأرضية - إلى مناطق صُنّفت على أنها هوامش وأطراف. ورافق هذا الاهتمام انتقال مركز القوة/ التنافس من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، وظهرت منطقة آسيا والمحيط الهادي "آسيا الباسيفيك" Pacific Asia ثم بعدها منطقة "الهندوباسيفيك" التي أصبح فيها التنافس بين القوى الكبرى مفتوحًا على المحيطين الهندي والهادي. يطرح كتاب صراع القوى الكبرى في الهندوباسيفيك: إعادة تخيل الخريطة الاستراتيجية لآسيا، لمؤلفه عبد القادر دندن، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة عنابة في الجزائر، والباحث المتخصص في الشؤون الآسيوية، فكرة إعادة تخيّل الفضاءات الجغرافية، التي تتعدى الحدود والخصائص الطبيعية للخرائط، لتخضع لديناميات معقّدة مرتبطة بمصالح القوى الكبرى واستراتيجياتها، وأيضًا بالتفاعل الجيوستراتيجي بينها بما يشكّل ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة، وهو الطرح الذي يتماشى تمامًا مع مستجدات التحولات في خريطة التفاعلات العالمية.
أهمية الكتاب
تنطلق أهمية الكتاب من حيوية النطاق الجيوستراتيجي الذي يدرسه، وهو منطقة الهندوباسيفيك، الناجمة عن عملية إعادة تخيّل الفضاءات الجغرافية ومنحها صبغة استراتيجية تتناسب ومساهماتها في التفاعلات الدولية، وكذلك من الفرص التي يقدّمها هذا التخيّل لنطاقات جغرافية معيّنة، والتي تطرح أشك لًا متعددة، ومتغّيةر في الوقت ذاته، للخريطة الجيوبوليتيكية في آسيا، ما يمكّن من معرفة كيفية توزيع القوة وإعادة توزيعها، نتيجة التفاعلات التي ستكون بين الرباعي الاستراتيجي كما يسميه المؤلف، ويقصد به الولايات المتحدة الأميركية واليابان وأستراليا والهند من جهة، وهي الدول المؤيدة لهذا التوجه الجيوستراتيجي الجديد، والصين من جهة أخرى بوصفها قوة معارضة لهذا التوجه ومنافِسة لذلك التحالف. أضف إلى ذلك إلى ذلك الأهمية الجيوبوليتيكية للمنطقة التي من الممكن أن تحدّد مستقبل توزيع القوة العالمي عمومًا؛ ذلك أن الثقل الاستراتيجي للفواعل المتنافسة هناك سيجعل هذه التفاعلات الإقليمية أكثر تأثيرًا في بنية النظام الدولي. وبهذا، يهدف الكتاب إلى الإحاطة بمفهوم الهندوباسيفيك وتطوره وعلاقته بالخرائط الذهنية والمتخيلة، واستراتيجيات القوى الكبرى في المنطقة، وكيفية تفاعلها والآليات التي تستعملها للوصول إلى مصالحها المتعارضة، إضافةً إلى رصد التحولات التي يشهدها هذا الفضاء في ظل العبور التجاري والطاقوي الكثيف، وكيفية استجابات هذه القوى للتغيرات الجيوستراتيجية الإقليمية والدولية الراهنة. ولعل أهم هدف أراد المؤلف الوصول إليه من خلال موضوع الكتاب هو سدّ الثغرة المعرفية في الدراسات الاستراتيجية العربية، التي لايًاالحتو لايًااصفت ثكرأ ةييدماكأ تاسارد لإى عوضولام اذه اهيف جاتحي وعمقًا. فقد انكفأت الدراسات العربية أساسًا في التحليل الاستراتيجي والأمني على دراسة منطقة الشرق الأوسط وفق اعتبارات جغرافية، وارتباط هذه المنطقة بتفاعلات الدول العربية. ولأن التجاذبات الحالية في النظام الدولي تفرض نوعًا من الاصطفاف، الذي لا يكون إلا بحساب المزايا والفرص التي يمكن تحقيقها نتيجةً لصراع القوى الكبرى، تنطلق إشكالية الكتاب من مدى تأثير استحداث مفهوم الهندوباسيفيك وتبنّيه في الأمن والاستقرار الإقليمَييَن والدولَييَن، حيث يأتي هذا المفهوم في سياق استراتيجي يؤسس لعلاقات تنافسٍ بين القوى التي تبنّته والدول الأخرى التي ترى نفسها معرّضة للاحتواء، خاصة الصين، في ظل الاستراتيجيات الأميركية التي خُصّصت لمنطقة الهندوباسيفيك، بما فيها استقطاب القوى الصغرى في المنطقة.
أطروحات الكتاب وفصوله
توزّع مضمون الكتاب على ستة فصول متسلسلة ومترابطة، انطلاقًا من الإشكاليات المفاهيمية والتطور التاريخي، وصولًا إلى السيناريوهات المستقبلية، على النحو التالي: يحاول الفصل الأول ضبط مفهوم الهندوباسيفيك وخلفياته المعرفية والتاريخية، حيث يطرح صعوبة تحديد المناطق الجغرافية التي تصنّف ضمن الخرائط الذهنية Maps Mental، أو الفضاءات المتخيلة Spaces Imagined، ومن بينها منطقة الهندوباسيفيك، التي يجري إدراكها بوصفها منطقة جيوستراتيجية من خلال عملية التخيّل (ص. 17) بعيدًا عن الإدراك الجغرافي الجيولوجي المحض
والإدراك السياسي الذي يقسّم العالم إلى قارات ودول. ويُستشهد هنا بتعريف توماس ويلكينThomas Wilkins وجاي كيمJiye Kim للهندوباسيفيك بأنه "تشكيل لخريطة ذهنية جديدة، عبر عوامل دافعة سياسية وأيديولوجية، للوصول إلى رؤية مشتركة حول نظام الأمن الإقليمي" (ص. 18). وفي هذا السياق، جرى توضيح العلاقة بين الجغرافيا والقوة، حيث ارتبطت جغرافيا العالم بكيفية توزيع القوة ونتائج الحروب وتقسيماتها الجديدة للفضاءات الجغرافية. ومن حيث المسار الجينيالوجي للمفهوم، فقد أشار المؤلف إلى بدء استخدام مصطلح الهندوباسيفيك أول مرة مع رائد المدرسة الألمانية للجيوبوليتيك كارل هاوسهوفر Haushofer Karl في عام 1920، الذي أكد أفضلية وحدة المحيَطيَن الهندي والهادي على فصلهما في تحليل التفاعلات الإقليمية في كل فضاء على حدة، ووضع الصين والهند بوصفهما قوتين تعطيان الثقل الاستراتيجي للمنطقة (ص. 23). إلى جانب إسهامات نيكولاس سبيكمانNicholas Speakman وألفريد ماهان Mahan Alfred التي ركّزت على القوة البحرية، وضرورة التحكم في المحيطين الهندي والهادي من خلال تعزيز القدرات البحرية والانتشار فيهما، وصولًا إلى توظيف المفهوم في الخطابات السياسية المعاصرة، انطلاقًا من خطاب رئيس وزراء اليابان الراحل شينزو آبي أمام البرلمان الهندي في عام 2007، وانتهاءً بتبنّي هذا المفهوم في تقرير استراتيجية الأمن القومي الأميركية في عام 2017 (ص. 23-29) ثم ينتقل المؤلف إلى عوامل تبلور الهوية والبنية الجيوبوليتيكيتين والجيو-اقتصادية للهندوباسيفيك (ص. 30-55)، حيث أشار إلى كيفية تبلور المصطلح الذي سبقه مصطلح آخر هو "آسيا الباسيفيك"، وذكر الفوارق الموجودة بين مصطلحَي آسيا الباسيفيك والهندوباسيفيك من حيث الامتداد الجغرافي، والطبيعة الاقتصادية للمفهوم الأول مقابل الأبعاد الثلاثة الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية للمفهوم الثاني، إضافة إلى اختلاف ثانٍ يتمثل في دور الهند التي لا تعتبر قوة ضمن فضاء آسيا الباسيفيك، لكنها مكوّن استراتيجي مهم في تفاعلات منطقة الهندوباسيفيك. ليخلص إلى كون التحول من آسيا الباسيفيك إلى الهندوباسيفيك علامة فارقة في التطورات الجيوستراتيجية العالمية، خاصة مع أهمية المنطقة وميزاتها الفريدة طبيعيًا وتجاريًا واستراتيجيًا. ينتقل الفصل الثاني إلى تحليل مقاربة الرباعي الاستراتيجي لمنطقة الهندوباسيفيك، التي ترتكز على زيادة النفوذ البحري، وتأمين خطوط النقل الدولية في مواجهة الصعود الصيني في المحيطين. وينطلق من تحليل المقاربة الأميركية التي بدأت مع سياسة "التحول إلى آسيا" (59 ص) مع جورج بوش الابن على نحو حذر، لتكون نقطة التحول في المقاربة الأميركية للهندوباسيفيك مع مجيء الرئيس دونالد ترامب، الذي كانت إدارته أول من استعمل مصطلح الهندوباسيفيك في الوثائق الرسمية في عام 2017، مع وضع استراتيجية للأمن القومي الأميركي في المنطقة (ص 63)، ترتكز على مواجهة النفوذ الصيني، وتعزيز الشراكات مع حلفائها في آسيا. وتعزّزت هذه الاستراتيجية أكثر مع إدارة جو بايدن، بحسب المؤلف، من خلال تفعيل المنتدى الرباعي الأمني (كواد) QUAD Dialogue, Security Quadrilateral The، واتفاق أوكوس AUKUS الذي يجمعها مع بريطانيا وأستراليا. في هذا السياق، أكد روبرت كابلان Kaplan Robert أن الولايات المتحدة ستعطي الأولوية لمنطقة آسيا والمحيطين الهندي والهادي بوصفهما منطقتين مهمتين منذ عام 2010، إذ بعد أن كان التركيز على البحر الأبيض المتوسط باعتباره مركز ثقلٍ للقوى الأوروبية خلال القرن العشرين، سيصبح المحيط الهندي مركزًا للتنافس الاستراتيجي بين القوى الإقليمية والعالمية: الولايات المتحدة، والصين الهند واليابان التي تزيد من استعراض قدراتها البحرية العسكرية في المنطقة1. ثم يشير المؤلف في هذا الفصل إلى استراتيجية اليابان التي انطلقت من تصور شينزو آبي، الذي يُعدّ أول من أحيا هذا المفهوم في الوقت الحاضر، في خطابه التاريخي أمام البرلمان الهندي في عام 2007، بدعوته إلى توسيع آسيا بما يضمن مشاركة أوسع للولايات المتحدة وأستراليا في منطقة الهندوباسيفيك، التي تتشكّل من هويات متقاربة تؤسّس لأنظمة ديمقراطية (الهند واليابان)، إضافة إلى أمننة التهديدات وتأمين خطوط النقل البحري والممرات البحرية، وضبط الاستقرار الإقليمي (ص. 71-73) ثم ينتقل إلى القوة الثالثة ضمن الرباعي الاستراتيجي وهي أستراليا، التي تعتبر أول متّبٍنّ لمفهوم الهندوباسيفيك في وثائقها الرسمية في التاريخ المعاصر، من خلال توظيفها في ورقة الدفاع الأسترالية لعام 2013، التي دعت إلى إقامة "منطقة هندوباسيفيك مفتوحة ومزدهرة" (ص 80)، مع اعتبار كل من الولايات المتحدة والهند واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا شركاء وحلفاء إقليميين، والموازنة بين البعدين الجيو-اقتصادي والجيوبوليتيكي. أما الهند، فقد تناول المؤلف استراتيجيتها انطلاقًا من موقعها الجغرافي المنفتح على المحيط الهندي، وقد ظهرت على نحو أوضح في عهد رئيس وزرائها ناريندرا مودي، صاحب المبادئ السبعة لتصور الهند
لمنطقة الهندوباسيفيك (ص. 91)، ومن أهمها الانفتاح الاقتصادي، وأهمية الشراكة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" ASEAN. وقد توازى ذلك مع تغيير الهند لعقيدتها البحرية لتبلغ غرب المحيط الهادي، ولتصطدم مباشرة بالمصالح المتعارضة مع الصين. أما الفصل الثالث فيناقش الرؤية المضادة، وهي رؤية الصين للهندوباسيفيك، ويبدأ بالتغّير الحاصل في تصورها الاستراتيجي للمفهوم، الذي انتقل من اللامبالاة إلى التوجّس والحذر؛ فقد أصرت الصين على مواصلة استعمال مصطلح آسيا الباسيفيك، وترى أن وجودها في هذه المنطقة عقلاني، وأن الوجود الأميركي هو سبب كل التوترات في المنطقة، وأن زيادة توظيف مفهوم الهندوباسيفيك يدخل ضمن استراتيجية أميركية كبرى لاحتوائها (ص. 105-108) ويبرز المؤلف في هذا الفصل بإسهاب أهم الرهانات والتحديات الرئيسة للصين في منطقة الهندوباسيفيك، التي تأتي تايوان في مقدمتها، إضافة إلى كيفية بسط سيطرتها على بحر الصين الجنوبي، واستمرار نزاعاتها مع اليابان حول جزرٍ في بحر الصين الشرقي. وتواجه الصين أيضًا "مأزق ملقا" (ص. 125) الذي يعتبر أهم الممرات البحرية لإمدادات النفط، والذي تحاول تأمينه منعًا لأيّ اضطرابات، ومحاولتها حماية مصالحها البحرية في المحيط الهندي، مع التوسع البحري للهند خارج خليج البنغال، واستمرار حضور القوات الأميركية في المنطقة. خُصص الفصل الرابع لتحليل الترتيبات الأمنية والاقتصادية للرباعي الاستراتيجي، وكان أولها الجانب الاقتصادي الذي ميّزته الدعوة إلى جعل هذه المنطقة حرة ومفتوحة، لحماية حركة التجارة العالمية وواردات النفط، والتنسيق بينها في المشاريع الاقتصادية في المنطقة. وثانيها تبني إطار العمل الاقتصادي للهندوباسيفيك من أجل الازدهار، الذي يضم دولًا أخرى إلى جانب الحلفاء الأربعة، وعلى رأسها دول آسيان، إلى جانب المبادرات التنموية الاقتصادية الأخرى كرابطة الدول المطلة على المحيط الهندي IORA Association, Rim Ocean Indian، واتفاق الشراكة الإقليمية الاقتصادية الشاملة Regional Comprehensive RCEP Partnership, Economic (ص. 170). وفي الجانب الأمني، يطرح الفصل المشاريع المشتركة بين الدول الأربع، كالحوارات والمنتديات الأمنية، مثل منتدى الحوار الأمني الرباعي (كواد)، وحوار شنغريلا المتعدد الأطراف، والتدريبات والمناورات العسكرية المشتركة مثل مناورات مالابار. وترى الصين في منتدى كواد تحديًا كبيرًا أمام توسيع نفوذها في الهندوباسيفيك، في ظل رغبة دول أخرى في الانضمام إليه (كواد بلس) (ص. 173)؛ وهو المنتدى الأمني الذي يراه كثيرون خطوة نحو تأسيس "ناتو آسيوي"، إضافة إلى اتفاق أوكوس الثلاثي، ويتضمن شراكة أمنية وتزويد أستراليا بغواصات نووية، لأن واشنطن ترى أن لكانبيرا دورًا مركزيًا في استراتيجيتها لاحتواء الصين. يحلل الفصل الخامس استجابة الصين لترتيبات دول الرباعي الاستراتيجي، التي تتضمن في شقها الاقتصادي مبادرة الحزام والطريق، التي توفر لها طريقًا بحريًا مهمًا عبر موانئ ومضائق بحرية في الهندوباسيفيك، من خلال طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين. أما أمنيًا، فيناقش الفصل باستفاضة استراتيجية الصين في تحديث قدراتها العسكرية، خاصة البحرية، وأهمية ذلك في تأمين طرق نقل السلع ومصادر الطاقة من المحيطين الهندي والهادي إليها، وضمان الوجود في مضيقي تايوان وملقا، إضافة إلى التخوّف من نشاط القوى الأربع ضمن منتدى كواد. وفي هذا الإطار، تستمر الصين في تتبع "استراتيجية سلسلة الجزر" (ص. 237) التي تضمن وجودها البحري في العديد من الجزر في بحر الصين الجنوبي وبحر الفلبين والمحيط الهادي. أما النقطة الثالثة ضمن الاستراتيجية الكبرى للصين في الهندوباسيفيك فهي "الاستجابة الدبلوماسية"، فيتناول الفصل الأدوات الدبلوماسية التي تنتهجها الصين لتحسين صورتها وكسب حلفاء جدد في المنطقة، وتوطيد علاقاتها بحلفائها التقليديين هناك، التي تحركها المصالح المشتركة والسلمية التي تروج لها، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعوتها "لمصير مشترك للبشرية" (ص. 252) في الختام، يحاول المؤلف تقديم تصورات مستقبلية لصراع القوى الكبرى في الهندوباسيفيك، فيقدّم في السيناريو الصراعي مجموعةً من المؤشرات الدافعة نحو التصادم، من بينها تنامي القوة الاقتصادية والعسكرية الصينية، وتزايد التوترات والنزاعات في بحر الصين الجنوبي، وتنامي احتمالات الصدام مع الولايات المتحدة التي أصبحت منطقة الهندوباسيفيك ذات أهمية استراتيجية لها، ومركز ثقلٍ في تفاعلاتها، مستعينة بأدوار التحالفات والشراكات العسكرية والسباق نحو التسلح والعسكرة (ص. 273) في حين يطرح في السيناريو التعاوني مؤشرات تفاؤلية تجعل من منطقة الهندوباسيفيك منطقة تجارية واقتصادية مهمة في النظام العالمي، في ظل انتماء قوى اقتصادية كبيرة إليها، وتزايد الاعتماد المتبادل الذي يجعل من المكاسب الاقتصادية أولى من القضايا الخلافية والنزاعات، وفداحة تكلفة الحرب لجميع الأطراف (ص. 276) يصل المؤلف إلى مجموعة من النتائج من خلال فصول الكتاب الستة، من بينها أن مصالح القوى الكبرى دفعت إلى إعادة تصور
خرائط الفضاءات الحيوية، التي من بينها منطقة الهندوباسيفيك، حيث يصبح إدراك القوى لمصالحها موِّجِهًا لاستراتيجيتها الاقتصادية والعسكرية في مواجهة القوى الأخرى في هذا الفضاء، ما يجعل النظر إليه ينتقل من الرؤية الجغرافية إلى الرؤية الجيوبوليتيكية الاستراتيجية، إضافة إلى أن دور الهند أصبح أكثر محورية في ظل تحالفها مع الولايات المتحدة، ومحاولة خروجها من مأزق جنوب آسيا الأمني، وبيئتها المضطربة. وكذلك تدفع التفاعلات الجديدة في المنطقة جيران الصين إلى تبنّي تصوّر أكثر حذرًا؛ فاليابان تسعى لقيادة إقليمية مواجهة للتوسّع البحري الصيني في مناطق النزاع في بحرَي الصين الشرقي والجنوبي. أما أستراليا فتريد أن تكون الحليف الأول للولايات المتحدة، والداعم الرئيس لها في المحيط الهندي وغرب المحيط الهادي. في سياق آخر، يخلص المؤلف إلى أن البيئة الأمنية في الهندوباسيفيك مرتبطة بتفاعلات الرباعي الاستراتيجي مع الصين، على اعتبار أن استراتيجيات القوى الأربع في المنطقة موجّهة ضدها، وأن الهدف الأهم هو احتواؤها، على الرغم من خطاباتها السائدة عن ازدهار المنطقة وانفتاحها. وما يعزّز هذا الطرح هو محاولة استقطاب قوى المنطقة، مثل كوريا الجنوبية ونيوزيلندا ودول آسيان والدول الجزرية الصغيرة (ص. 283)، في المقابل تسعى الصين لزيادة شراكتها مع روسيا وكوريا الشمالية. وهو ما يجعل الترتيبات الأمنية والاقتصادية أشد تعقيدًا. وقد ينتقل الأمر رفقة روسيا إلى السعي لتشكيل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، تستغل فيه الصين شراكاتها الاقتصادية مع دول العالم وعضويتها في منظمات إقليمية ك "بريكس" BRICS وشنغهاي (ص. 285)، لتكون التهديد الأول لزعامة الولايات المتحدة للمحيطين الهندي والهادي. ويوصي المؤلف بعد كل ذلك بتفادي سياسات حافة الهاوية (ص. 286)، وبضرورة وضع حدود لهذا التنافس، بحيث تكون هناك مصالح متبادلة، تؤدي إلى تقاسم المكاسب، لأن أيّ حرب في منطقة بمثل هذا التعقيد ستكون عواقبها وخيمة إقليميًا وعالميًا.
نظرة حول الأدبيات السابقة
اتجهت الدراسات نحو موضوع الهندوباسيفيك بعد بدء ظهور استخدام المصطلح في الخطابات الرسمية، خاصة مع الولايات المتحدة، حيث انتقل الاهتمام من آسيا الباسيفيك إلى الهندوباسيفيك، ونستعرض فيما ليي بعض الأدبيات التي تناولت موضوع التنافس في هذه المنطقة: في البداية يأتي فصل أستا تشادا بعنوان "المنافسات الاستراتيجية في الهندوباسيفيك"2، الذي يتناول أهمية المنطقة كونها تجذب نفوذ القوى الإقليمية في ظل إعادة تشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب، مع التركيز على حالة القوى الصغرى وكيفية استقطاب القوى الكبرى لها، وهي النقطة التي لم يتطرّق إليها دندن على نحو أكثر تفصيلًا. ويناقش فصل تشادا تطور المنافسات الاستراتيجية في المحيطين الهندي والهادي منذ الحرب العالمية الثانية، انطلاقًا من هزيمة اليابان فيها وبداية التنافس الصيني - الياباني، ثم الحرب الباردة بين القطبين؛ ما زاد من التنافس الاستراتيجي في آسيا والنزاعات كالحرب الكورية وحرب فيتنام، والاشتباكات الهندية - الصينية، والنزاع في كشمير، وغزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان. وبدأت هذه المنافسات تتشكل في الهندوباسيفيك مع الإعلان عن اجتماع الرباعي (اليابان والهند والولايات المتحدة وأستراليا) في عام 2008، لكن تشكّل مفهوم الهندوباسيفيك تأخر حتى عام 2017. ويظهر أن رؤية الفصل لهذا المفهوم لم تكن شاملة، ولم تأتِ بدراسة تؤصل للمفهوم كما جاء في كتاب دندن، الذي قدّم ضبطًا منهجيًا وبراغماتيًا له بصفة تجعل من تحليل التنافس في المنطقة أعمق، في ظل تصور كل قوة له تصورًا مختلفًا. وفي الأخير تناول فصل تشادا استراتيجيات الولايات المتحدة في المنطقة، مع ربطها بصعود الصين الاقتصادي، وظهور تجمع أوكوس الثلاثي في عام 2021، ضد توسع الحضور البحري الصيني في المحيطين الهندي والهادي، وهو ما يؤجّج المخاوف الأمنية لدول آسيان وتايوان واليابان. ويشير الفصل أيضًا إلى دور الهند وأستراليا في موازنة التنافس وضبط الترتيبات الأمنية. وهو المحور الذي جرى فيه شرح استراتيجية الهند انطلاقًا من جنوب آسيا نحو الهندوباسيفيك، وتأثير تنافسها مع الصين في ذلك، ورغبتها في القيام بدور قوة إقليمية في المنطقة، ثم تحليل استراتيجية اليابان في تفاعلات الهندوباسيفيك واعتبار روسيا والصين أكبر المنافسين الاستراتيجيين لها، مقابل تقارب استراتيجي لها مع أستراليا. وهذه المقاربة تلتقي مع طرح دندن في كتابه. وثمة أيضًا طرح مختلف لتشادا في فكرة شبكات الشراكة والتحالف/ التنافس عن طرح كتاب دندن، فقد فصّل في استراتيجيات الرباعي في ظل ظهور مراكز قوة بديلة، لكن من خلال وصف التفاعلات داخل الشبكة، حيث تتداخل الأوضاع بين التنافس والشراكة، وهو التحليل الذي يعتبر أكثر شمولية؛ ذلك أن العلاقات بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية في الهندوباسيفيك تتنوع بين الشراكة والتنافس، ولا يمكن طرح التنافس فقط بوصفه متغيرًا يحرك تفاعلات المنطقة.
يطرح مايكل راسكا موضوع التنافس في الهندوباسيفيك في دراسة بعنوان "التنافس الاستراتيجي ومستقبل النزاعات في منطقة الهندوباسيفيك"3، ربط فيها أمن المنطقة بأربعة تطورات، هي صعود الصين وكيفية تعامل الولايات المتحدة معه بطريقة حكيمة، وإعادة تقييم المصالح الاستراتيجية عبر التحالفات الأميركية مع دول المنطقة، ثم التوجهات الأمنية الإقليمية، وانتشار المأزق الأمني في ظل النزاعات المنتشرة هناك. ويلتقي تحليل راسكا مع طرح دندن في أهمية النفوذ البحري الصيني، حيث يرى أن سيطرة الصين البحرية في البحار الثلاثة (البحر الأصفر، وبحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي)، تقوض حركة الولايات المتحدة البحرية، ثم تطرق إلى التحديث العسكري الصيني بإسهاب، ثم انتقل إلى تحليل التفاعلات في المنطقة، ورأى أنها متضاربة بين الشراكات التجارية لدول المنطقة مع الصين، خاصة دول آسيان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وحفاظها على تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة، على اعتبار أن اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا لا يمكنها توفير حماية ذاتية بعيدًا عن المساعدات الأميركية. فالدخول إلى تحليل العلاقات التنافسية لا يكون بمعزل عن استقطاب القوى الإقليمية من طرف القوى الكبرى، وهو الأمر الذي تناوله فصل تشادا في رؤية شراكة/ تنافس، والذي اختلف عن طرح كتاب دندن. في نقطة إضافية تناولت دراسة راسكا التنافس السيبراني، الذي لم يتناوله دندن في كتابه، على اعتبار أن الفضاء السيبراني يتداخل مع باقي أوجه التنافس الاستراتيجي، إلا أنها يغلب فيها التحليل الاستراتيجي في بعده العسكري مع إهمال البعد الاقتصادي في منطقة الهندوباسيفيك. وفي التقرير السنوي الذي يصدر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، لعام 2023 بعنوان "تقييم الأمن في آسيا الباسيفيك"، جرى فيه تقييم حالة الأمن الإقليمي في منطقة آسيا الباسيفيك في ستة فصول من خلال الحرب في أوكرانيا، وتوازن القوى في آسيا الباسيفيك، وفهم العلاقات الأميركية – الصينية، ونمو التهديدات في تايوان، والقدرات البحرية لآسيا الباسيفيك، والديناميات العملياتية الجديدة، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، والسياسة الأمنية اليابانية مع رئيس الوزراء فوميو كيشيدا، وأخيرًا النزاع في ميانمار والاستجابة الدولية4. وقد ركّز التقرير على التحوّل الذي طرأ في مستوى التنافس بين القوى الإقليمية والكبرى في منطقة آسيا الباسيفيك، والذي يعود إلى التغير في الاستراتيجية البحرية الصينية، وتزايد النفوذ البحري للصين في المنطقة، والذي فرض استجابات أكثر جدّية للتصدي له. وهو الأمر الذي يلتقي فيه مع طرح دندن، الذي يتعدى منطقة آسيا الباسيفيك إلى فضاء أوسع هو الهندوباسيفيك.
رؤية نقدية لأطروحات الكتاب
كأيّ عمل أكاديمي، جاء كتاب دندن بإضافات معرفية قيّمة، وشابته أيضًا، من وجهة نظرنا، بعض المؤاخذات والثغرات التحليلية. نشير في البداية إلى الإضافات التي تعتبر حقيقية، في مقدمتها فتح الكتاب تصورات جديدة لمستقبل التفاعلات الجيوستراتيجية، على نحو يقدّم فهمًا لتفاعل القوة مع الجغرافيا إقليميًا من جهة، ولكلتيهما مع بنية النظام الدولي من جهة أخرى. وهنا يجري الربط بين تصورات القوى لمصالحها من جهة، وشكل الخريطة كما تشكّلها هذه التصورات من جهة أخرى، إضافة إلى الجغرافيا، وهذا التحليل يُعدّ إضافة منهجية لتفسير الظواهر في العلاقات الدولية، بعيدًا عن الرؤية التقليدية التي ترى الخرائط بشكلها الجغرافي فحسب. ثم يأتي تحليل المشاريع الاقتصادية والأمنية للقوى الكبرى في الهندوباسيفيك مقابل المشاريع الخاصة بالصين، إضافةً مهمةً لفهم العديد من الترتيبات الاقتصادية والأمنية التي لها امتداد عالمي، والتي تتسّ ع فيها استراتيجيات هذه القوى خارج المنطقة. فالإحاطة بهذه المشاريع تعطي رؤية شاملة حول رغبة القوى الكبرى في تعظيم قوتها، وحول الدينامية التي تسير بها تفاعلاتها الإقليمية والدولية بما فيها منطقة الهندوباسيفيك. إضافة إلى ذلك، يركّز الكتاب في تحليله القوى الإقليمية في المنطقة على دور الهند، التي كانت إلى وقت قريب غائبة عن التحليل الاستراتيجي الخاص بمنطقة آسيا الباسيفيك، وهو الأمر الذي أبعدها عن التصورات الاستراتيجية لآسيا حتى مجيء ناريندرا مودي، الذي اتّبع استراتيجية العمل والتحرك شرقًا، والانفتاح على المحيط الإقليمي المجاور في مسطحات المحيط الهادي، وزيادة التحالف مع الولايات المتحدة لتصبح الحليف الأول لها في المحيط الهندي. ويعطي هذا التركيز فهمًا لاستراتيجية الولايات المتحدة في الاعتماد على الحلفاء، وهو الأمر الذي يحدث في عدة أنظمة إقليمية أخرى. وكذلك يواكب الكتاب مرحلة مهمة من إعادة تشكيل النظام الدولي، وفق ما يحدث من تنافس بين القوى الكبرى في منطقة هي الأهم حاليًا في الاستراتيجية الكبرى الأميركية. وهي مرحلة ظهر
فيها توسع الصين في بحر الصين الجنوبي، وتوغلها في جزر جنوب المحيط الهادي من بينها جزر سليمان، التي وقّعت اتفاقية أمنية معها، وما أثاره ذلك من استنفار استراتيجي لدى الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا5. ومن أهم النقاط التي يضيفها الكتاب أيضًا أنه يوظّف أطرًا نظرية ومقاربات منهجية في التحليل، كالمنظورات الواقعية والليبرالية والبنائية، ومنهج تحليل النظم وتقنية تحليل المضمون، ما يساعد في فهم التنافس الدولي بمنهجية أكاديمية، ووضع تفسيرات تساهم في قراءة الأحداث على نحو أشمل وأدق. ويساهم هذا التوظيف أيضًا في وضع أسس منهجية للباحثين في العلاقات الدولية، على نحو يجعل في الإمكان التعامل مع زئبقية الظواهر فيها، وتغير الأحداث وفُجائيتها. فتحليل التنافس في منطقة بتلك الأهمية في النظام الدولي يُعد إثراءً مهمًا للمكتبة العربية، ويفتح المجال لكتابات أخرى قد تتخذ منه مرجعًا أساسيًا لها، بالنظر إلى شموليته مختلف تفاعلات الهندوباسيفيك ومنطلقات التأسيس لها مفاهيمًا ونظريًا وتاريخيًا. ولكن كل ذلك لا يمنع من ذكر مجموعة من النقاط التي تؤسس لرؤية نقدية لهذا الكتاب، نعتقد أنها كانت ستدعم قيمته أكثر في حال لو تبناها وضمها إلى محتواه. في البداية، نعتقد بضرورة وضع جسور تربط مستويات التحليل الإقليمي بالتحليل الدولي Analysis Level International، وهو ما يسمح بفهم تفاعلات التأثر والتأثير في منطقة الهندوباسيفيك، التي تُعدّ نظامًا فرعيًا Subsystem ضمن النظام الدولي. وتأتي استفسارات كثيرة في هذا السياق: هل نحلّل ظواهر التنافس والتعاون والتحالفات والشراكات في هذا النظام من منظور تجميعي أو تفكيكي؟ أنحلل الأنظمة الإقليمية في إطار توزيع القوى الإقليمي إلى جانب "نظام التغلغل"6، أم ننظر إلى القوى المؤثرة فيه وفق ترتيبها في سلّم القوى العالمي؟ ولا تكون الإجابة عن مثل هذه الأسئلة إلا من خلال الربط بين المستويين. وإضافة إلى ذلك، لا يكون فهم استراتيجيات القوى في المنطقة بمعزل عن استراتيجياتها في الفضاءات الحيوية الأخرى، وكل فعل لقوةٍ في الهندوباسيفيك يقابله رد فعل في المنطقة ذاتها أو في منطقة أخرى بعيدة جغرافيًا، وهو ما يؤسس لنسق واضح من الفعل ورد الفعل في علاقات القوى الكبرى. فمثلًا ما يحدث في أفريقيا من انقلابات عسكرية أو تبعات الحرب الروسية - الأوكرانية أظهر لجوء هذه القوى إلى نقل النزاعات، ما يؤدي إلى "تشتيت الصراع"، فضلًا عن أن استراتيجياتها مرتبطة بقدراتها العسكرية والاقتصادية التي تتأثر بتكاليف الحروب والنزاعات الأخرى. وهو ما يجعل لجوؤها إلى استخدام القوة العسكرية في مواقف كثيرة، غيرَ مرهون فحسب بتقديرات ذلك الموقف وحساب المكاسب المقدّرة منه، وإّنم ا مرهون بسلوكها الخارجي تجاه موقف آخر وقضية أخرى. وفي هذا السياق، هناك من يرى أنه لا توجد منطقة أكثر تأثرًا بالتطورات العالمية والتنافس على اكتساب القوة مثل منطقة الهندوباسيفيك، في ظل تورّط القوى الكبرى في هذا التنافس؛ ما يطرح علاقات أمنية واقتصادية تنافسية وتعاونية معقدة7. إضافة إلى ذلك، فإنّ الاعتماد على دراسة سيناريوَي التعاون والصراع يجب أن يؤسس له بمؤشرات أكثر دقة، والانطلاق من قياس قوة كل طرف، خاصة أن القوة من مميزاتها أنها "نسبية"، ومعرفة إمكانية تفوق طرف على آخر من خلال قياس قوته بالنسبة إلى الآخر. فعلى الرغم مما تملكه الصين من قدرات عسكرية، وما قامت به من تحديث لقدراتها التقليدية وغير التقليدية، فإنها في المجال البحري ما زالت لا تضاهي القدرات البحرية الأميركية، ما يجعل جنوحها لحرب طويلة في المحيطين الهندي والهادي غير ممكن في المدى القريب.
خاتمة
هكذا يكون كتاب صراع القوى الكبرى في الهندوباسيفيك، قد قدّم تصورات جديدة لفهم ما يحدث من تفاعلات في هذا الفضاء، مستعينًا بالخرائط الذهنية، وأظهر دينامية التفاعلات فيه المدفوعة بمصالح القوى الكبرى استراتيجيًا، بحريًا واقتصاديًا، والتي حوّلت المنطقة إلى "قلب جديد للعالم" كما جاء في التصور الماكيندري للأقاليم الجيوبوليتيكية. إن هذا الثقل الجديد للمنطقة يتأثر بالتنافس في الفضاءات التقليدية، التي إن كانت المنافسة فيها
تأخذ بعدًا عسكريًا على غرار حرب أوكرانيا والتدخل في ليبيا ومالي، والتطورات الخطيرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في ظل أخذ الصراع الفلسطيني - الإسرائ ليي منحنيات حرجة، إلا أن التنافس في الهندوباسيفيك، وإن بدا أكثر ليونة، والمناورات البحرية والاشتباكات العسكرية بين الصين والقوى الإقليمية والكبرى يمكن أن يكونا مؤشرًا على تصعيد خطير هناك، قد لا يتحوّل إلى حرب طويلة، لكنه يُبقي البيئة الأمنية مضطربة وغير مستقرة، ويجعل السباق نحو زيادة القوة والعسكرة والنفوذ أكثر احتدامًا وتوقعًا.
المراجع
العربية
"اتفاقية جزر سليمان: تمدد عسكري صيني في المحيط الهادي، يواجه بمعارضة غربية". تقديرات المستقبل. العدد 1529. مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة (نيسان/ أبريل 2022). ف:ي https://2u.pw/6U2GX1n
الأجنبية
Abhinandan, Natajee. "The Changing Power-Relations in the Indo-Pacific: Decoding New Delhi's Strategic Outlook." Focus Asia: Perspective and Analysis (Institute for Security and Development Policy)
Cantori, Louis & Steven Spiegel. "The International Relations of the Regions." Polity. vol. 2, no. 4
Kratiuk, Barbara et al. (eds.). Handbook of Indo-Pacific Studies. New York/ London: Routledge, 2023. Raska, Michael. "Strategic Competition and Future of Conflict in the Indo-Pacific Region." Journal of Indo-Pacific Affairs. vol. 2, no. 2 (2019). Saeed, Muhammad. "From the Asia-Pacific to the Indo- Pacific: Expanding Sino-US Strategic Competition." China Quarterly of International Strategic Studies. vol. 3, no. 4 (2017). The International Institute for Strategic Studies (IISS). Asia-Pacific Security Assessment 2023: Key Developments and Trends. London: IISS Publishing, 2023.