الشعبوية في السياسة الأميركية: حالة إدارة الرئيس دونالد ترامب (2021-2017)
Populism in the US Politics: The Case of the Trump Administration (2017-2021)
الملخّص
تهدف هذه الدراسة أساسًا إلى دراسة ظاهرة الشعبوية في السياسة الأميركية، من خلال التركيز على حالة شعبوية الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب (2017 - 2021)، وتسعى أيضًا لرصد الجذور التاريخية لظهور الشعبوية في الولايات المتحدة الأميركية. وتهدف إلى تحديد أهم مظاهر الشعبوية في خطاب ترامب، من خلال بحث وتحليل أهم العوامل التي ساهمت في صعود الشعبوية في الولايات المتحدة مع وصوله إلى البيت الأبيض. تستخدم الدراسة المنهج التحليلي في رصد مظاهر الشعبوية لدى ترامب، وتحليل العوامل التي ساهمت في صعود الشعبوية معه؛ وتعتمد تقنية تحليل المضمون في تحليل خطابه السياسي؛ إلى جانب استخدامها المنهج التاريخي في عرض الخلفية التاريخية لظهور الحركات الشعبوية في الولايات المتحدة. وخلصت الدراسة إلى أن العديد من مظاهر الشعبوية اّتضحت في خطاب ترامب السياسي، وأن مجموعة من العوامل ساهمت في تصاعد الشعبوية مع وصوله إلى السلطة، أهمها انعكاسات العولمة وتأثير بعض قواعد الحزب الجمهوري، وأهمها حركة حزب الشاي وجماعات اليمين الشعبوي.
Abstract
This study aims primarily to examine the phenomenon of populism in American politics by focusing on the case of former President Donald Trump's populism (2017 - 2021). It also seeks to trace the historical roots of populism in America. Furthermore, the study aims to identify the key aspects of populism in Trump's rhetoric by researching and analyzing the main factors that contributed to the rise of populism with Trump's presidency in the United States. The study utilizes an analytical approach to observe the aspects of populism in Trump's discourse and analyze the factors that contributed to its rise. Content analysis technique is employed to analyze Trump's political speeches, in addition to using a historical approach to present the historical background of populist movements in the United States. The study concludes that there are several aspects of populism evident in Trump's political discourse. It also finds that there are a variety of factors that contributed to the escalation of populism with Trump's rise to power, including the ramifications of globalization, the impact of certain Republican Party rules, and notably, the Tea Party movement and right-wing populist groups.
- الشعبوية
- دونالد ترامب
- السياسة الأميركية
- Populism
- Donald Trump
- The US politics
مقدمة
مثّل، فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، ووصوله إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير 2017، حدثًا بارزًا، لم يقتصر تأثيره على السياسة الأميركية فحسب، بل تعداها إلى السياسة الدولية أيضًا. وذلك لأن صعود الشعبوية معه في الولايات المتحدة شكّل دفعةً قويةً لبقية الحركات الشعبوية في العالم، لما لبلاده من أهمية وثقلٍ على المستوى الدولي. تهدف هذه الدراسة إلى البحث في ظاهرة الشعبوية من خلال التركيز على الرئيس الأميركي السابق ترامب، خصوصًا. وتهدف أيضًا إلى التعرّف إلى مفهوم الشعبوية والبحث في الجذور التاريخية لظهوره في الولايات المتحدة، ورصد أهم الحركات والتجارب السياسية الشعبوية هناك، ومن أهمها تجربة ترامب، من خلال رصد أهم مظاهرها في خطابه السياسي، وفي قراراته وسياساته على المستوى المحّلي والدولي. وكذلك تحليل أهم العوامل التي ساهمت في صعودها في السياسة الأميركية، في الفترة المدروسة. بناءً عليه، تبرز لدينا مجموعة من التساؤلات، تحاول هذه الدراسة بحثها والإجابة عنها: ما الجذور التاريخية لظهور الشعبوية في الولايات المتحدة؟ وما أهم مظاهر الشعبوية في الخطاب السياسي للرئيس ترامب؟ وما أهم العوامل التي ساهمت في صعودها مع وصوله إلى السلطة؟ تبرز أهمية هذه الدراسة في كون موضوع الشعبوية بعامة، والشعبوية في السياسة الأميركية بخاصة، من الموضوعات الجديرة بالبحث والدراسة، وذلك لما للولايات المتحدة من تجربة ديمقراطية مهمة، وتأثير ونفوذ كبيرين في النظام الدولي. وتكتسي هذه الدراسة أهمية من كونها تبحث في موضوع لم تركز عليه دراسات عربية سابقة بصفة معمّقة، بحسب علم الباحث. ويمكن أن تساهم مثل هذه الدراسة في إثراء المكتبة والأدبيات العربية، وفي فتح نافذة للباحثين والمهتمين بموضوع السياسة الأميركية عمومًا، وموضوع الشعبوية خصوصًا.
أولا: عن الشعبوية
يعتبر مفهوم الشعبوية من المفاهيم التي تثير جدلًا وغموضًا بسبب عدم وجود تعريف محدد ودقيق متفق عليه للشعبوية وطبيعتها؛ حيث إنها تتّسم بعدم الثبات من حيث الماهية، وبالتناقض من حيث الوظيفة1. ويمكن القول إن الشعبوية تعتبر ظاهرة حديثة نوعًا ما، فقد ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر في روسيا، والولايات المتحدة. فقد ظهرت في الولايات المتحدة، من خلال بروز حركات جاهرت بعدائها للمهاجرين والكاثوليك. وظهرت في روسيا مع الحركات التي طالبت بانتزاع الأراضي الزراعية من المّلا ك الإقطاعيين ووضعها بيد الملكية الجماعية للفلاحين. تعتبر الشعبوية ظاهرة سياسية منوعة، تضم مختلف الأطياف السياسية، من اليسار واليمين والمحافظ والتقدمي والمتديّن والعلماني، حيث توجد في سياقات مختلفة؛ إذ نجد شعبويات زراعية، وأخرى فلاحية أو سياسية، إضافة إلى شعبويات يمينية وأخرى يسارية، وشعبويات تحمل شعارات إثنية وعرقية وإقصائية، وأخرى تحمل شعارات اقتصادية وإدماجية. وهذا ما يُصعّب مهمة وضع تعريف محدد لها2. يمكن أن يُستخدم لفظ الشعبوية للإشارة إلى موضوعات مختلفة، فمثلًا في السياق الأوروبي تُستعمل الشعبوية للإحالة إلى معاداة الهجرة وكراهية الأجانب، بينما تُوظّف في أميركا اللاتينية للإشارة إلى سوء التدبير الاقتصادي. وتؤكد الشعبوية اليمينية السيادة الوطنية بوصفها مؤلفة من "السكان الأصليين" فحسب، وحكم الغالبية ومعاداة الأجانب. في حين تتحدث الشعبوية اليسارية عن السيادة الشعبية وتشدد على المساواة والعدالة الاجتماعية. ومن الصعب اعتبار الشعبوية أيديولوجيا متكاملة، مثل الليبرالية أو الاشتراكية، لكنها أقرب إلى الخطاب اللفظي والمزاج الشعبي. أو يمكن اعتبارها على أبعد تقدير أيديولوجيا جزئية، تمتلك بنية محدودة، تكون عاجزة عن تقديم برنامج واقعي وشامل لمختلف القضايا، لذلك تستعين بعناصر من أيديولوجيات قائمة تساعدها في الترويج لأفكارها بين الجمهور3. وهناك جدلٌ مستمر في خصوص المعنى الدقيق لمصطلح الشعبوية، لكن يمكن القول إن اشتقاق المصطلح من كلمة الشعب يدلّ على معناه الأساسي وهو: تمثيل الشعب أو الناس العاديين في مواجهة النخبة المتمثلة في السلطة الحاكمة، أو في قوى النفوذ في المجتمع.
لهذا فإن الشعبوية تعتبر عدوة النخبوية والتعددية4. ومن أهم سمات الشعبوية المتعلقة بالوظيفة أنها ثورية وغير قادرة على تقديم إصلاحات جذرية، أما سماتها المتعلقة بالماهية، فإنها غير عادية، ولا تمتلك سمات الأيديولوجيا الكاملة، ومرنة، كما تفتقد الثبات، ومن الصعب التحكّم فيها أو تنظيمها5. تُعرّف الشعبوية بأنها نمط من الخطاب السياسي، يتداخل فيه المستويان الخطابي والسلوكي. ويتفاعل هذا الخطاب الشعبوي مع المزاج السياسي الغاضب للجمهور الذي فقد الثقة بالنظام والأحزاب السياسية والنخب الحاكمة. وهي استراتيجية سياسية، يستخدمها الزعيم السياسي لمخاطبة هذا المزاج الشعبي في سعيه للوصول إلى السلطة من خلال تعبئة الجمهور والحصول على دعمه. ويعتمد الخطاب الشعبوي على شخص كارزماتي، يركز السلطة في يده، ويحافظ على اتصال مباشر بالجماهير. ويستعمل القائد الشعبوي عادةً لغة بسيطة وعامية، مثل "حديث المقاهي" كي يصوّر نفسه بأنه من "عامة الناس"6. وتتسم لغة الخطاب الشعبوي بأنها غير دقيقة وغامضة7. والشعبوية هي شيء ما أو نوع معّين من الخطاب أو الأسلوب أو الاستراتيجية أو التعبئة أو السياسة الاقتصادية أو المنطق السياسي، أو أي شيء آخر يجري استخدامه من أجل استمالة الشعب. وأصبحت الشعبوية نعتًا يُوصف به كل سياسي يتملّق الشعب، أو يلبس لباسه، أو يتكلم كلامه، إلى غير ذلك من الممارسات التي يقوم بها بعض السياسيين من أجل الحصول على دعم الجمهور في الاستحقاقات الانتخابية8. تعد علاقة الشعبوية بالديمقراطية علاقة غامضة ومتناقضة، فهي تحتاج إلى الديمقراطية، وتعمل من خلالها، وفي الوقت نفسه، تعتبر الشعبوية في جوهرها متناقضة مع الديمقراطية الليبرالية، حيث يرتبط ظهور الشعبوية بوجود الديمقراطية التي تسمح للخطاب الشعبوي بالانتشار بين الجمهور. وتقوم الشعبوية على فكرة أن الشعب مصدر السلطات. لكن من جانبٍ آخر، فإنها تتناقض مع الديمقراطية الليبرالية التي تُقيّد طغيان الغالبية، وتدعو إلى التعددية الاجتماعية والفصل بين السلطات وسيادة القانون. ومن ثمّ، يمكن تعريف الشعبوية بأنها "لا ليبرالية ديمقراطية". وتتميز الشعبوية بالدعم الشديد لنزعة الغالبية، بتركيزها على مبدأ سيادة الشعب، وتجاهلها حقوق الأقليات، واستعدادها لانتهاك القانون والشرعية الدستورية تحقيقًا للإرادة العامة. وتتّسم الشعبوية بسمتين رئيستين: الديمقراطية واللاليبرالية. فإذا خففت من مكوّنها الديمقراطي، اقتربت من الأوتوقراطية (الحكم الفردي)، وإذا خفّفت من مكوّنها اللاليبرالي، اقتربت أكثر من الليبرالية. وإذا كانت الشعبوية في السلطة، فإنها تميل إلى الأوتوقراطية أكثر من ميلها إلى الديمقراطية الليبرالية بسبب تأرجحها بين الاثنين9.
على الرغم من وجود التأثيرات السلبية للشعبوية في النظام الديمقراطي، فإن هناك من يرى أن لها تأثيرات إيجابيةً كذلك، من أهمها أنها تمنح منبرًا للمجموعات المهمّشة التي تشعر أن النخبة السياسية لا مُتّ ثّلها. وتُعبّئ هذه المجموعات المهمّشة لمساعدتها في الاندماج في النظام السياسي10. تُعتَبر الشعبوية في مضمونها ضد الأحزاب السياسية الليبرالية، وضد التحالف بين رجال السياسة ورجال الأعمال، وضد النخبة السياسية والثقافية، خاصة الأكاديميين، وضد التعددية الحزبية والبرلمانات والمحاكم والمؤسسات الإعلامية والمؤسسات البيروقراطية. ويحتكر الخطاب الشعبوي التحدث باسم الشعب، حتى ولو كان هذا الخطاب مُيّ ثّل الأقلية في المجتمع. ويشكك في مبدأ التمثيل السياسي والأحزاب والبرلمان، وفي الانتماء الوطني لمخالفيه، حيث تتهم الشعبوية كل معارض أو منتقد لها بأنه خائن وعميل. أما الشعبويون، فإنهم هم الوحيدون الذين يمثّلون صوت الشعب والإرادة العامة11. يدّعي الزعيم الشعبوي التحدث باسم الجمهور وإليه مباشرة، من دون الحاجة إلى وجود جماعات وسيطة ونخبوية، مثل الأحزاب والبرلمان ووسائل الإعلام12. وتتّسم العلاقة التي تنشأ بين القائد الشعبوي وأتباعه بأنها مباشرة، لا وسيط فيها، وغالبًا ما تكون ذات سمة حميمية، وتتميز بإخلاصها القوي وعاطفتها الوجدانية. ويتّصف القادة الشعبويون بأنهم غرباء عن المجال السياسي والاجتماعي في غالب الأحيان، بمعنى أنهم جاؤوا من خارج التيار السياسي السائد، مثل خوان بيرون في الأرجنتين، وأندرياس باباندريو في اليونان، وسيلفيو برلسكوني في إيطاليا، وهوغو تشافيز في فنزويلا، وفيكتور أوربان في المجر، وترامب في الولايات المتحدة13. يدّعي الزعماء الشعبويون عادة عدم خبرتهم في عالم السياسة، لأنهم يقولون إنهم خارجيون وغير مرتبطين بالمؤسسة السياسية الحاكمة. ويقول الزعيم الشعبوي إن ما دعاه إلى الدخول في السياسة هو أسمى من أي طموح شخصي، فهدفه الرئيس إرجاع السياسة إلى الشعب14. يقوم الخطاب الشعبوي على تبسيط الأمور وإثارة العواطف والحماسة والمشاعر، من دون طرح حلول واقعية للمشكلات التي يعانيها المجتمع15؛ كما يقوم على فكرة أن المجتمع منقسم وفي حالة صراع بين قوى الخير (الشعب النقي) وقوى الشر (النخب الفاسدة)16. ويجد الخطاب الشعبوي التحريضي آذانًا صاغية بين جماعات مهمّشة في المجتمع، لأنه يُقدّم حلولًا سهلة، وإن كانت مزيّفة، لمشكلات معقدة، ويَعِد الجماهير بالخلاص18. يمكن القول إن من أهم سمات الشعبوية اعتقاد انقسام المجتمع إلى مجموعتين، وظهور الاستقطاب السياسي والخصومة، وتمجيد الغالبية وغياب احترام سيادة القانون. ويُشكل الخطاب الشعبوي بين صفوف الناخبين مشاعر المظلومية والإحباط والاستياء ضد النخب ورجال الأعمال والقوى الإمبريالية. ويَعِد القادة الشعبويون ناخبيهم بالخلاص من خلال تأكيد السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني عن التبعية الإمبريالية، حيث يبنون من خلال شعور الناخبين بالمظلومية عالمًا ثنائيًا، يسكنه المسؤولون عن هذه المظلومية "هم": النخب والقوى الإمبريالية، والضحايا "نحن": الأشخاص الذين لا حول لهم ولا قوة19. يصف مواطن فنزويلي تجربته الشخصية مع الشعبوية في بلده، فيقول: "تُقدّم الشعبوية وصفة لها سمة عالمية قوامها ما يلي: ابحث عن الجرح الذي يتشاركه الكثيرون، وألقِ اللوم على شخص ما، واصنع قصة جيدة تُروى، ثم امزج الكل معًا. أخبر الجرحى أنك تعرف كيف يشعرون، وأنك وجدت الأشرار، وسَمّهم بأسمائهم كالأقليات والسياسيين ورجال الأعمال. ثم قدّم نفسك كمنقذ. التقط خيال الناس، وانسَ أمر السياسات والخطط، فقط أبهجهم بقصة تسردها تبدأ بالغضب وتنتهي بالانتقام الذي يمكنهم المشاركة فيه"20. وفقًا لذلك، يمكن تعريف الشعبوية بأنها شبه أيديولوجيا، تعتمد على الخطاب اللفظي أكثر من المفاهيم القيمية، وتشمل في مضمونها أطيافًا مختلفة من اليمين واليسار. تعتمد على شخصيات قيادية وكارزماتية لإيصال رسالتها السياسية إلى الجمهور، تستهدف القواعد الجماهيرية والشعبية، وتتناقض مع النخب المجتمعية. وهي بهذا المفهوم تقترب من نمط "أحزاب الأشخاص"، و"أحزاب الجماهير"، أكثر من "أحزاب البرامج" و"أحزاب النخب".
ثانيًا: الجذور التاريخية لظهور الشعبوية في الولايات المتحدة
تعود الجذور التاريخية لظهور الشعبوية في الولايات المتحدة إلى نهاية القرن التاسع عشر، مع ظهور "الحركة الزراعية" أو "ثورة المزارعين" التي قادها جيمس ب. ويفر، حيث مرّت الولايات المتحدة خلال هذه الفترة بتغيرات اقتصادية واجتماعية، أهمها التطور في مشاريع البنية التحتية، مثل مد سكك الحديد إلى مناطق الوسط الغربي والسهول الكبرى بعد نهاية الحرب الأهلية الأميركية (1865-1861)، وكذلك سك الفضة. وقد ساهمت هذه التغيرات في ظهور ما سُمّي "شعبوية المراعي"21.
تدفّق خلال تلك الفترة آلاف الأشخاص نحو المناطق الجديدة في ولايات نبراسكا وداكوتا ومينيسوتا وآيوا وكانساس للاستثمار الاقتصادي فيها، فأثقلوا كواهلهم بالديون لشراء الأراضي الزراعية والمعدات. وشهدت هذه الفترة كذلك وصول ملايين من العمال المهاجرين، لكن موجات الجفاف قضت على أحلام كثيرين منهم، وساءت أوضاع المزارعين والعمال في هذه المناطق كثيرًا. وفي هذا السياق، اندلعت الثورة الزراعية. وُأسّست روابط المزارعين، ونشطت هذه الروابط في الشمال والجنوب الأميركيين، وكوّنت تعاونيات لمواجهة تسلّط البنوك على المزارعين والعمال المثقلين بالديون22. في هذه الأثناء، أسّس حزب الشعب في عامُ 1892 في أوماها، في ولاية نبراسكا. ويُسمّى أعضاء حزب الشعب "الشعبويين". كما يُسمّيه أعضاؤه "الحزب الشعبوي"، وقد عقد الحزب مؤتمره الوطني الأول، في تاريخ له رمزيته، في 4 تموز/ يوليو 1892. وقدّم الحزب مرشحًا عنه للانتخابات الرئاسية في العام نفسه، وهو الجنرال جيمس ويفر من ولاية آيوا. وقد حصل على مليون صوت، أي ما يعادل 8 في المئة من الأصوات. وعُدّ ذلك نجاحًا غير مسبوق للحزب الشعبوي في الولايات المتحدة23. تضمن البرنامج السياسي للحزب الشعبوي اقتراحات فرض الضرائب التصاعدية، وانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ بالاقتراع المباشر، وخفض ساعات العمل الأسبوعية، والحدّ من الهجرة إلى الولايات المتحدة. واستخدم الحزب في إعلان تأسيسه لفظ "الناس البسطاء" في إشارة شعبوية مبكرة. وكان شعبويو المراعي يرون أن المزارعين يمثلون "الشعب"، لأنهم أحرارٌ ومستقلون، وأن "النخبة" هم أصحاب البنوك والسياسيون الموجودون في الشمال الشرقي للولايات المتحدة، لأنهم لا ينتجون شيئًا، ويستغلون المزارعين بالحصول على البضائع مقابل قروض ربوية عالية24. تعلّم الأميركيون منذ القرن التاسع عشر أن المزارعين الذين يعملون بجٍّدٍ وغيرهم من صغار المنتجين (أي غالبية المواطنين) هم العمود الفقري للمجتمع الأميركي. ويمكن تفسير الشعبوية الأميركية في جذورها التاريخية بأنها مقاومة للتقدم والتمدن الذي هدد بتدمير هذه الأسطورة الشعبية. وتدريجًا، مع اختفاء المزارع المستقل الذي تميزت به الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، نتيجةً للتقدم في الماكينة الزراعية التجارية، انتقل الجيل الجديد من الزراعة إلى المدن، لتشكيل طبقة عاملة جديدة ومتديّنة من أصحاب المتاجر الصغيرة والعمال الصناعيين. وتتّسم هذه الطبقة بمستوى تعليمي منخفض ونزعة محافظة أخلاقية، ومنها الموقف المناهض للإجهاض والإيمان بفكرة الخلق، والإيمان بالمساواة الاجتماعية، والشك في الأجانب. ويشعر أفراد هذه الطبقة بقلق مستمر تجاه التطور التكنولوجي؛ لأنهم يرون أنه يمكن أن يُؤثر سلبيًا في ظروف عملهم ومكانتهم الاجتماعية. ومثلما اعتمدت الشعبوية الزراعية المبكرة في الولايات المتحدة على تفوّق المزارعين في المجتمع، تعتمد الشعبوية الحديثة
على فكرة أن للطبقات الوسطى البيضاء من دافعي الضرائب دورًا بارزًا في تشكيل العمود الفقري للمجتمع الأميركي25. يمكن القول إن الشعبوية في الولايات المتحدة تُصنّف إلى يمين ويسار، حيث تنظر الشعبوية اليسارية إلى الآخر باعتباره "النخبة الاقتصادية الغنية"، في حين تنظر الشعبوية اليمينية إلى الآخر بأنه "الآخر غير الأبيض". وكان من بين أهم الشخصيات السياسية الشعبوية في الولايات المتحدة، حاكم لويزيانا هوي لونغ الذي رفع شعارًا شعبويًا بعنوان King" a Man Every" أو "كل رجل هو ملك"، وكان يدعو إلى التوزيع العادل للثروة26. وكان هوي لونغ ثريًا، دافع عن مصالح الفقراء عبر الدعوة إلى الإنفاق الحكومي على المشاريع الاجتماعية والمدارس ومعاشات التقاعد وغيرها. وأعلن برنامجًا اجتماعيًا للحدّ من الفقر، بعنوان "شارك ثروتنا". ومن بين الشخصيات الأميركية الشعبوية المهمة كذلك، أندرو جاكسون الذي استخدم في خطابه في عام 1837 لفظ "الناس العاديين" الذين وصفهم بأنهم "عظم البلاد وعصبها" الذين يقعون بين الطبقات الثرية التي تعلوهم، وأدناهم العبيد الأفارقة والهنود الأميركيون27. تتركز قاعدة الشعبوية الحديثة في الولايات المتحدة في الناس العاديين، ومعظمهم من البيض، بلا درجة جامعية، ويشغلون وظائف مهنية متوسطة مع انخفاض في الدخل. ويشعر أبناء هذه الطبقة الشعبوية بالسخط تجاه المؤسسات السياسية والاجتماعية، مثل المحاكم ووسائل الإعلام والبيروقراطيين الفدراليين والأكاديميين. وتختلف الشريحة الشعبوية في الولايات المتحدة عن بقية الشرائح الاجتماعية الشعبوية في العالم، لأنها تقع في وسط الهرم الاجتماعي، بين النخبة الغنية في القمة والقاعدة الفقيرة غير المنتجة. ويشعر أبناء الشريحة الشعبوية (الناس العاديون أو عموم الشعب) في الولايات المتحدة بأنهم محاصرون من أعلى (الأغنياء) ومن أسفل (الفقراء). ويشعرون بالسخط تجاه الحكومة الفدرالية، لأنهم يعتقدون أن سياساتها تخدم الأقلية الغنية والفقراء، وأن تلبية مطالب الفقراء يتكفّل بها هم أبناء الطبقة الوسطى المنتجة28، ويُعتبر اليمين الشعبوي الذي يدعو إلى تفوق العنصر الأبيض ومعاداة الأجانب والهجرة متجذرًا في التاريخ الأميركي، حيث يعود تاريخيًا إلى حركة "لا أدري" Nothing Know المعادية للهجرة والكاثوليكية، التي ظهرت في خمسينيات القرن التاسع عشر، وإلى عضو مجلس الشيوخ جوزيف مكارثي وحاكم ولاية ألاباما جورج والاس في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، وهي موجات الشعبوية التي عززت العداء للأجانب والإقصاء في المجتمع الأميركي29. واعتمدت حركة "لا أدري" على تفوق المسيحيين ذوي البشرة البيضاء في مواجهة الكاثوليك والمهاجرين، واندمج أعضاء هذه الحركة في صفوف الحزب الجمهوري، إضافة إلى حركة Geen Back الداعية إلى حظر ملكية الأجانب للأراضي، والمؤيدة لحقوق العمال وخفض ساعات العمل30. في عام 1968، ترشّح حاكم ألاباما، والاس، الديمقراطي السابق في الانتخابات الرئاسية الأميركية، عن الحزب الأميركي المستقل، وحصل على نحو 10 ملايين صوت، أي 13.5 في المئة من أصوات الناخبين حينها، وحصل على دعم خمس ولايات في الجنوب، بفضل حملته الانتخابية الشعبوية التي دافع فيها عن سياسة التمييز العنصري ضد السود والملوّنين31. عّبر والاس عن مشاعر المواطنين الأميركيين البيض العاديين الذين يشعرون بالحصار من الأعلى، حيث المؤسسة الليبرالية القائمة، ومن الأسفل، حيث الأقليات التي تعالى صوتها بعد حركة الحقوق المدنية في ستينيات القرن الماضي. وركّز والاس في خطابه على نقد المؤسسة الليبرالية القائمة، المكوّنة من السياسيين والبيروقراطيين والقُضاة والأكاديميين من سكان الولايات الشرقية. وكانت الفترة التي ظهر فيها والاس، في نهاية الستينيات، تشهد نقطة تحوّل، مهّدت لظهور موجة الشعبوية، وذلك بظهور إعادة الاصطفاف الحزبي، حيث لم يعد اليمين واليسار واضحين في السياسة الأميركية، واستطاع بخطابه الشعبوي جذب الناخبين المُحبَطين من نتائج سياسةNew deal الاقتصادية، ومن حركة الحقوق المدنية الاجتماعية. وعلى الرغم من عدم نجاحه في الانتخابات الرئاسية، فإنه نجح في تقسيم الناخبين من الحزبين الرئيسين: الجمهوري والديمقراطي، وأصبحت الشعبوية سمة ثابتة من سمات السياسة الأميركية، تتطور باستمرار وتزداد قوة، واستخدم مرشحو هذين الحزبين الخطاب الشعبوي في الانتخابات، بدرجات مختلفة32.
يمكن القول إن رسوخ المؤسسات الديمقراطية في الولايات المتحدة، ووسطية البرامج السياسية للأحزاب واعتدالها فيها، يعتبران من العوائق الرئيسة أمام وصول الشعبوية إلى السلطة؛ ذلك أن مرونة الأجندة السياسية للحزبين الجمهوري والديمقراطي مُتّ كّنهما من احتواء الخطاب السياسي الشعبوي. لذلك، يستخدم معظم مرشحيهما الخطاب الشعبوي بطريقة ما. وعلى سبيل المثال، استخدم ريتشارد نيكسون وبات بوكانان مصطلح "الغالبية الصامتة" من الناخبين البيض في الطبقة المتوسطة، واستخدم بيل كلينتون والمرشح الرئاسي المستقل روس بيروت مصطلح "الطبقة الوسطى"، كما استخدم المرشح الرئاسي ميت رومني مصطلح "المبادرون"، في مقابل "المتقاعسون"33. وفقًا لذلك، يمكن القول إن من أهم عوامل ظهور الحركات الشعبوية في الولايات المتحدة، في فتراتها التاريخية المختلفة، ظهور تطورات اقتصادية واجتماعية في نهايات القرن التاسع عشر، مثل مد سكك الحديد إلى مناطق الوسط الغربي الأميركي؛ ما ساهم في ظهور "شعبوية المراعي والمزارعين"، وكذلك سوء الأوضاع الاقتصادية وهيمنة الرأسمالية المبنية على الاستغلال الشامل للقوة العامة للشغل، وانتشار الفساد السياسي والمالي وضعف الأحزاب السياسية وتدفّق المهاجرين إلى الأراضي الأميركية34.
ثالثًا: أهم عوامل ظهور الشعبوية في السياسة الأميركية خلال فترة الرئيس ترامب
الشعبوية عمومًا أنتجتها ظروف معيّنة، أهمها الهجرة والفقر المتصاعد بين الطبقة الوسطى والخوف من العولمة والاغتراب الثقافي35. ويشكل الخوف والغضب أهم العوامل النفسية والانفعالية التي تدفع الأفراد إلى تأييد الخطاب الشعبوي الذي يتّسم بقدرته على استثارة مشاعر الاستياء لدى الأفراد وإعطائهم فرصة للانتقام لأنفسهم36. عندما تشعر الطبقة الوسطى في المجتمع بالاستياء والإحباط والسلبية، فإنها تسعى للتنفيس عبر ما يسمى "ثورة الإحباط المتنامي"، وكذلك "الحرمان النسبي"؛ ما يؤدي إلى تأكّل مؤسسات الديمقراطية الليبرالية وتصاعد الشعبوية37. أما عن حالة الشعبوية في الولايات المتحدة، فهناك مجموعة من العوامل التي يمكن أن تساهم في تفسير تصاعد الشعبوية في السياسة الأميركية، خصوصًا مع صعود ترامب السياسي، ومنها أزمة الديمقراطية التمثيلية وتراجع دور الأحزاب السياسية وقدرتها على تعبئة الناخبين38. وهذا لا يعني أن الشعبوية ظهرت في الولايات المتحدة مع وصول ترامب إلى السلطة فحسب، لكنه استخدم الخطاب الشعبوي للنجاح في انتخابات عام 2016 والوصول إلى البيت الأبيض. ذلك أنه يمكن القول إن التوجهات التي يعكسها ترامب ليست غريبة عن المجتمع الأميركي، بل تم ثل توجهات التيار اليميني الجديد الذي تشكّل في الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية39. ويمكن تفسير ظهور شعبوية الرئيس ترامب بناءً على طبيعة النظام الحزبي في الولايات المتحدة، حيث تُعتبر الأحزاب في السياسة الأميركية، بطبيعتها، ضعيفةً؛ وهو ما يتيح الفرصة للمرشحين حتى من خارج الحزب للفوز بترشيح الحزب نفسه للانتخابات الرئاسية. وهذا ما حصل فعلًا مع ترامب الذي لا يعتبر من المنتمين سياسيًا إلى الحزب الجمهوري40. واتّسم النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة، وفي بعض دول أوروبا الغربية خلال الفترات الأخيرة، بالجمود، كما تقلّصت الفوارق بين أحزاب اليمين واليسار، وأصبحت الأحزاب السياسية جامدة وغير قادرة على تجديد خطابها وقياداتها السياسية؛ ما أتاح الفرصة للقوى الشعبوية لملء هذا الفراغ41. ويمكن تفسير ظهور شعبوية الرئيس ترامب بناءً على انعكاسات العولمة الليبرالية على المجتمع الأميركي، حيث تأثرت بعض الطبقات الاجتماعية في الولايات المتحدة نتيجة الانعكاسات الاقتصادية والثقافية للعولمة42. وتضرّرت أوساط الطبقة العاملة البيضاء في المجتمع الأميركي جرّاء السياسة الليبرالية لإدارة الرئيس باراك أوباما (2017-2009) التي تماشت مع سياسات العولمة الاقتصادية، حيث
فقد كثيرون من أفراد هذه الطبقات وظائفهم نتيجة الانفتاح الاقتصادي العولمي وتزايد هجرة الأيدي العاملة الرخيصة إلى الولايات المتحدة، ونقل الكثير من المصانع الأميركية إلى خارج البلاد، حيث توافرت الأيدي العاملة الرخيصة، خصوصًا في مناطق جنوب آسيا وشرقها. لذلك، وجدت هذه الطبقات الاجتماعية من العمال البيض، التي تضررت من سياسات أوباما، في ترامب وخطابه الشعبوي المناهض للهجرة والعولمة، قبولًا كبيرًا بين أوساطها43. وفي السياق نفسه، فإن مقاومة العولمة هي الركيزة الرئيسة في الخطاب الانتخابي لترامب، فهو يقدم نفسه بديلًا للأميركيين الذين شعروا بأن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي تأكّل بفعل التأثير الاقتصادي للعولمة والاستعانة بأيدي عاملة أجنبية لشغل الوظائف الأميركية، والتطور التكنولوجي الذي ساهم في تقليل الاعتماد على العنصر البشري، والهجرة الجماعية والتغير الديموغرافي. وتعهّد ترامب في حملته الانتخابية بوضع "أميركا أولًا " و"جعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، وقدّم بلاده باعتبارها ضحيةً للنظام الليبرالي العالمي. وقدّم نفسه باعتباره الأنسب لتصحيح المسار، لأنه لا ينتمي إلى الدولة العميقة أو "الاستابلشمنت" Establishment، كما أنه رجل أعمال ثري، وليس في حاجة إلى أن يخضع لضغوط جماعات الضغط القوية. ووجدت رسائل ترامب الشعبوية هذه صدى واسعًا بين أوساط الطبقة العاملة من البيض الأميركيين الذين شعروا بالغضب والاغتراب؛ نتيجة للأزمات الاقتصادية في عامَي 2008 و 2009 خلال فترة إدارة سلفه أوباما44. يمكن تحديد العوامل التي ساهمت في ظهور شعبوية ترامب في تنامي الشعور بالاغتراب بين المواطنين العاديين عن النخب السياسية في الولايات المتحدة، والخوف المتنامي بين أفراد الطبقة الوسطى بشأن مستوى معيشتهم المُهدّد من خلال تصدير الصناعات إلى الخارج، والأزمات المالية وعدم القدرة على سداد قروض السكن والتعليم، وكذلك الخوف على نمط الحياة ومستوى المعيشة من تزايد عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة45. في أواخر فترة إدارة أوباما، نتيجةً للسياسات الليبرالية والأزمة الاقتصادية، تشكّلت قاعدة انتخابية جديدة، كانت في معظمها من أفراد الطبقتين الوسطى والدنيا من البيض الذين كانوا يشعرون بالاستياء والغضب تجاه النخبة الُمتُرفة، وكذلك تجاه المستفيدين من الرعاية الاجتماعية في المجتمع الأميركي على حدٍ سواء. وتوحّدت هذه القاعدة الانتخابية الجديدة خلف خطاب ترامب الشعبوي، ومن هذه القاعدة الجديدة أساسًا، وُجدت "حركة حزب الشاي" التي وجدت في ترامب ضالّتها التي بحثت عنها46. شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بروز حركتين شعبويتين في الولايات المتحدة: "احتلّوا وول ستريت" و"حركة حزب الشاي". ويرتكز نشاطهما على مواجهة النتائج المرتبطة بالركود الاقتصادي في عام 2008، وتعارض هاتان الحركتان المساعدات المالية التي شرّعتها إدارة أوباما لإنقاذ قطاع البنوك، وتعملان على الدفاع عن "الناس العاديين" في مواجهة فساد قطاع المال في "وول ستريت"47. ظهرت حركة حزب الشاي في المشهد السياسي الأميركي في عام 2009، بتنظيمها حفلات شاي واحتجاجات، اعتراضًا على سياسة إدارة أوباما في استخدام الضرائب للإنفاق على البرامج الاجتماعية. وترفض هذه الحركة الأفكار التقدمية الاجتماعية ومشروع الرعاية الطبية وسياسات الكونغرس الاقتصادية في ما يخص قانوَني الانتعاش الاقتصادي وخطة الإسكان. واستقطبت الحركة كثيرين من أبناء الطبقة الوسطى إلى حفلات الشاي، وأسست أكثر من ألف منظمة، تطالب بتعديل نظام التأمين الصحي وتقليص عجز الموازنة، ومحاربة الفساد في صفوف النخبة الحاكمة في واشنطن، وخفض الضرائب وحجم الإنفاق العام، وانتهاج سياسة خارجية تميل إلى العزلة عن المجتمع الدولي49. كان أنصار هذه الحركة، في معظمهم، من البيض البروتستانت، ممن حظوا بتعليم جيد نسبيًا ووضع مريح من الناحية الاقتصادية، مقارنة ببقية الأميركيين، وكان معظمهم أيضًا من الجمهوريين، أو من المحافظين على يمين الحزب الجمهوري. وكانوا يعارضون السياسات الليبرالية للرئيس أوباما. ويعتبرون أنفسهم المواطنين المنتجين الذين يعملون بجد، ومُيّ يّزون أنفسهم من الفئات الاجتماعية غير العاملة التي يعتبرونها عالة على المجتمع، ولا تستحق الحصول على المساعدات الاجتماعية والرعاية الطبية. ويتصدّر السود واللاتينيون قائمة هؤلاء المواطنين غير المستحقين، من وجهة نظر أنصار حركة الشاي، وكذلك المهاجرين غير الشرعيين والمهاجرين الجدد50.
وقد مهّد ظهور حركة حزب الشاي في عام 2009 لفوز ترامب في الانتخابات الرئاسية في عام 2016. أدرك ترامب التغير الذي حصل في الحزب الجمهوري في عام 2010 من ظهور وتفوّق تيار حزب الشاي المحافظ الذي استطاع الحصول على غالبية أعضاء مجلس النواب في الانتخابات النصفية، نتيجة لتركيز هذا التيار على معارضة المضامين الاجتماعية الليبرالية لأجندة أوباما وضد المهاجرين عمومًا، ومن هم من الدول الإسلامية على وجه الخصوص51. إضافة إلى ما سبق، فقد أدّت الصفات الشخصية لترامب دورًا مهمًا في نجاح خطابه الشعبوي، حيث إنه يعتبر خطيبًا مفوّهًا، يستطيع أن يلعب على وتر أفراد جمهوره وغضبهم ومخاوفهم، وذلك بخلاف الشعبويين السابقين في السياسة الأميركية، مثل مكارثي ووالاس. ثمّ إن كون ترامب من خارج إطار النظام الحزبي والنخبة الحاكمة، جعله مقبولًا لدى هذه القواعد الانتخابية الجديدة، حيث إنه رجل أعمال، ولا ينتمي فعليًا إلى أي من الحزبين أو المؤسسات السياسية. وكما يقول في إحدى خطبه: "كلهم ضدي، الإستبلشمنت، ووسائل الإعلام، وأصحاب المصالح الخاصة، وجماعات الضغط، والمانحون. أنا أموّل حملتي بنفسي، ولا أدين لأحد بشيء، إنما أنا مدين للشعب الأميركي فقط، لأن هؤلاء جميعهم يحاولون عرقلتي"52. يصوّر ترامب نفسه بأنه يتحدث باسم "الطبقة الوسطى المهمّشة" في الولايات المتحدة53. وعلى الرغم من أنه ينتمي إلى العائلات الغنية، ويعتبر من خريجي جامعات النخبة league ivy في الولايات المتحدة، فإنه يُصوّر نفسه بصفته قريبًا من الطبقة الوسطى، ويتحدث بخطاب مشابه لحديث العمال البسطاء الذين يجتمعون في حانة في ساعات الراحة في أثناء عملهم54. وفي مقابلة مع ستيف بانون، مدير حملة ترامب الانتخابية، عزا نجاح ترامب إلى قدرته على الحديث بصفته شخصًا "عاديًا"، ومن ثم التواصل مع ناخبي الطبقات الدنيا والوسطى. ويقول بانون: "تذكروا أنه لا يتحدث بصفته سياسيًا، بل يستخدم لغة عامية واضحة جدًا"55. ويعتبر بانون، مدير حملة ترامب الانتخابية خلال عام 2016، الذي عمل مستشارًا له للشؤون الاستراتيجية لمدة ثمانية شهور في عام 2017، من الشخصيات التي أدّت أدوارًا مهمة في دعم الحركات الشعبوية في الداخل الأميركي، وفي القارة الأوروبية. ويُعتقد على نطاق واسع أن بانون كان هو العقل المُدبّر لمنع دخول مواطني دول إسلامية إلى الأراضي الأميركية، وكذلك انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ. وترك بانون انطباعًا واضحًا في فترة حكم ترامب، حتى وإن رحل مبكرًا، فقد شارك بعمق في كتابة خطاب التنصيب الذي تحدث فيه ترامب ب "لهجة دموية"، عن المذابح التي تحدث للأميركيين على أراضيهم، وكان خطابًا شعبويًا يتخلّله الإيحاء بمشاعر الخوف والرعب بين الأميركيين56. وقد ساهم بانون بعد خروجه من البيت الأبيض في تشكيل ما يسمى "الحركة" Movement التي هدف من خلالها إلى دعم الحركات الشعبوية في أوروبا. ويُعتقد أنه قد كان له دور في تحريض مؤيدي ترامب على اقتحام الكونغرس بعد الخسارة في الانتخابات الرئاسية في عام 2020. ويعتبر وجود شخصية شعبوية مثل بانون في دائرة57صنع القرار القريبة من الرئيس من العوامل المهمة التي تفّسر تصاعد الشعبوية في السياسة الأميركية خلال فترة ترامب.
يُعدّ بانون أحد المنتمين إلى اليمين الشعبوي الأميركي الذي يعتبر إحدى القواعد الانتخابية الرئيسة لترامب، خصوصًا في الولايات الجنوبية، وفي الغرب الأوسط، حيث أوجد اليمين الشعبي الأساس الذي ظهر من خلاله الخطاب السياسي الشعبوي لترامب. ويمكن القول إن افتقار اليمين الشعبوي الأميركي إلى الأساس الأيديولوجي
والفكري أعطى ترامب فرصة، لتقديم خطابه الشعبوي الذي يقوم على جمل بسيطة ورمزية58. اعتمدت قاعدة ترامب الانتخابية، إلى حدٍ بعيد، على اليمين المسيحي المتعصب؛ إذ تعارض هذه المجموعات اليمينية فتح أبواب الأراضي الأميركية أمام المهاجرين وإبقاء التفوّق الأبيض المسيحي في المجتمع الأميركي، وهو ما اتفق معه ترامب في خطابه السياسي، وفي الكثير من قراراته تجاه قضية الهجرة، ومن ذلك منع رعايا بعض الدول، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، من الدخول الولايات المتحدة59بعد فوز أوباما في انتخابات البيت الأبيض في عام 2008، تشكّلت ردات فعل سلبية بين أوساط الجماعات المحافظة والعنصرية داخل المجتمع الأميركي، نتيجةً لفوز أميركي أسود وابن مهاجر أفريقي مسلم؛ حيث لا تزال العنصرية متجذّرة في أعماق كثيرين من الولايات المتحدة. ويدرك "الأصوليون الأميركيون" ما تنشره الدراسات والإحصاءات من إمكانية تحوّل العرق الأبيض إلى أقلية في المجتمع الأميركي نتيجة تزايد الهجرات من أعراق وأديان ومذاهب مختلفة غير تلك التي نشأت عليها الولايات المتحدة، حيث تدعو هذه الجماعات إلى تفوّق العنصر "الأبيض الأنكلوسكسوني البروتستانتي". وينتشر بين هذه الجماعات الأصولية جماعات دينية محافظة، ولدى بعض منها عنصرية دينية ضد أي دين أو مذهب مسيحي آخر. في الوقت الذي كانت الهجرة من دول أميركا اللاتينية "المسيحية الكاثوليكية" والشرق أوسطية "الإسلامية"، تزيد باستمرار60. ولا شك في أن ترامب تناغم كثيرًا في خطابه الانتخابي مع هذه المخاوف، بل إن خطابه الشعبوي "لعب على وتر" هذه المخاوف وضخّمها إلى حدٍ بعيد. ازدهرت الشعبوية مع صعود ترامب السياسي؛ لأنها ارتبطت بسردية الاستغلال الاقتصادي ومعاداة التجارة، وتضمّنت شعبوية ترامب مضامين عنصرية معادية للهجرة، لكنها ما كانت لتحقق نجاحًا لولا اقترانها بمعاداة الاتفاقيات الاقتصادية المرتبطة بالعولمة، مثل اتفاقية التجارة العالمية واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ61. ويُلخّص صبحي غندور العوامل التي أدّت إلى الصعود السياسي لترامب في عام 2016 في التغير الديموغرافي والعنصرية العرقية المتجذرة والهجرة إلى الولايات المتحدة من ثقافات وأديان ومذاهب مختلفة62.
رابعًا: أهم مظاهر الشعبوية في الخطاب السياسي للرئيس ترامب
شكّل فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 علامة فارقة في المسار التاريخي للشعبوية في السياسة الأميركية؛ فقد تجسّدت الشعبوية بوضوح في خطابه السياسي، وفي سياساته وقراراته في البيت الأبيض. ووظّف ترامب خلال إدارته الخطابَ الشعبوي التاريخي للرئيس الأميركي الأسبق أندرو جاكسون Jackson Andrew (1837-1829) والأجندة السياسية لحزب الشاي. فنتيجة لصعود حزب الشاي وانتخاب ترامب رئيسًا، تصاعد تأثير الشعبوية في الولايات المتحدة، ليس في السياسة المحلية فحسب، إنما في السياسة الخارجية كذلك. وقد ارتبط تاريخ ظهور الشعبوية في الولايات المتحدة، في نهاية القرن التاسع عشر، كما سبق ذكره، بالحركات الزراعية والحماية الاقتصادية، لكن وصول ترامب إلى السلطة نقل الشعبوية إلى السياستين المحلية والخارجية63. على الرغم من أن ترامب قد فاز ممثلًا للحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية، فإن من المعروف أنه ليس لديه انتماء فكري أو حزبي محدد، كما ليست له أيديولوجيا واضحة. بل إنه حاول الترشّح في الانتخابات الرئاسية في عام 2000 باسم حزب جديد هو "الإصلاح". لذلك، فإن أقرب وصف لترامب هو أنه يشبه "الشعبوية التسلّطية"، أو "الفاشية الجديدة". وهو سياسي براغماتي بوضوح، يتعامل وفق مبدأ الغاية تُبرّر الوسيلة64. ويُعتبر من القادة الذين يمكن تصنيفهم ضمن "الشعبوي التسلّطي" الذي يعتبر نفسه هو وحده المُخوّل بالتحدث باسم الشعب65. يتّسم ترامب بالغرور والنرجسية وبروز الأنا الأعلى، بصفة واضحة، في حديثه وخطاباته. وتظهر نرجسيته، مثلًا، في وضع اسمه على المباني، مثل أبراج ترامب أو كازينو ترامب. ويقدّم نفسه دائمًا بأنه اختيار الناس ومخلّصهم وصوت الناس المنسيين؛ إذ يُصوّر نفسه بأنه رجل الأعمال والسياسي الناجح الذي يمكنه حل مشكلات الناس العاديين. ويقول في هذا السياق: "أنا الوحيد القادر على إصلاح النظام الخرب في واشنطن، وأنا صوت رجال ونساء بلادنا المنسيين". وفي خطاب تنصيبه، ألقى خطابًا شديد الشعبوية، بقوله: "سيُذكر يوم العشرين
من كانون الثاني/ يناير 2017 باعتباره اليوم الذي أصبح فيه الشعب هو حاكم هذه الأمة من جديد". واستخدم في خطاب إعلانه الرئاسي الضمير "أنا" 256 مرة في أشكال متعددة. ومثل بقية السياسيين الشعبويين، فإنه يقدم حلولًا سطحية وسهلة لمشكلات وقضايا معقدة، مثل فكرة بناء جدار على الحدود المكسيكية - الأميركية للحدّ من مشكلة الهجرة غير الشرعية66. وأطلق على المكسيكيين وصف "المغتصبين" و"المجرمين"67. بنى لمؤيديه عالمًا من الأحلام، ووعدهم بأنه يعمل على إيجاد سور طويل وقوي على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. ومثل بقية السياسيين الشعبويين، استخدم لغة بسيطة في "الجدار" و"خطر المسلمين" و"العظمة الأميركية"، حيث تحمل هذه اللغة دلالات رمزية وعاطفية. كما تتّسم لغته بأنها غير دقيقة وغامضة، وهي من سمات الخطاب الشعبوي، لأن الشعبوية في الأساس لا تقدم حلولًا واقعية ومنطقية، لذلك، غالبًا ما تكون لغتها غامضة وغير دقيقة68. نجح ترامب في تركيز الشعبوية الأميركية على مجموعة من الرموز البسيطة، وعلى الخصوص Wall Great A (سور عظيم)، ومنع المسلمين من الدخول إلى الولايات المتحدة، وجعلها عظيمة مرة. وكل جملة من هذه الجمل Make America Great again أخرى الثلاث تحمل مخيلات في ذهنية جمهور ترامب. أوالًا، السور كي يحمي الأميركيين من الأعداء في الخارج؛ ثانيًا، تخلق عداوة المسلمين عدوًا رمزيًا لتغذية علاقة "نحن وهم" الذهنية؛ وثالثًا، الوعود بالعودة إلى "أميركا" جديدة طاهرة، والرجوع إلى العظمة الأميركية السابقة69. ويحمل هذا الخطاب اللفظي لترامب مضمونًا شعبويًا واضحًا. يصوّر ترامب لجمهوره أن الخطر الفعلي على أمن الشعب الأميركي يكمن في المهاجرين الذين يعبرون الحدود المكسيكية، وهم في الغالب مجموعة مجرمين يتّسمون بالعنف. وبمجرد استقرارهم في الأراضي الأميركية، فإنهم يأخذون الوظائف من المواطنين الأميركيين70. كذلك من مظاهر شعبوية خطاب ترامب أنه يستخدم الألفاظ الهجومية والعدوانية في حديثه وخطاباته، مثل وصفه لهيلاري كلينتون ب Hillary Crooked أي هيلاري الملتوية. وهاجم، بوقاحة، مذيعة قناة فوكس نيوز الأميركية، ميغين كيليKelly Megyn، بقوله: "إنها بدأت تسألني أسئلة سخيفة، يمكنك رؤية الدم يخرج من عينيها، الدم يخرج منها من كل مكان"، في إشارة إلى أمور تتعلق بالدورة الشهرية عند النساء. ويعتبر الخطاب اللفظي غير المهذب الذي يشبه خطاب رجل الشارع، خصوصًا الذي لا يحترم النساء، والذي يحتوي على مفردات جنسية صارخة من سمات الخطاب السياسي الشعبوي. ويمكن القول إن ترامب أكثر شخص نرجسي على الإطلاق جلس في البيت الأبيض، حيث احتوت خطاباته وتغريداته في حسابه الشخصي في "تويتر" على تعظيم واضح لنفسه وتنمّر وهجوم شخصي على خصومه71. أدّت مفاهيم الذكورة التقليدية دورًا رئيسًا في حملة ترامب الانتخابية. وفي هذا الصدد، تحظى القوة بأهمية تفوق كل ما عداها؛ ما يجعل الضعف أمرًا مرفوضًا. ولذلك، تمتلئ خطابات ترامب بالإشارة إلى جعل الولايات المتحدة "قوية" مرة أخرى. وتُفهم القوة هنا بأنها القوة العسكرية في الأساس، ويقول في خطبة الترشح للانتخابات الرئاسية: "أحب قواتنا المسلحة، وأريد أن يكون لدي أقوى جيش حظينا به على الإطلاق". ويبدو أن لديه حُكمًا مسبقًا بأن الولايات المتحدة فقدت احترام الحلفاء والخصوم على حدٍ سواء، وأنه يجب استعادة هذا الاحترام من خلال القوة72. ومن المظاهر الواضحة للسياسي الشعبوي هجومه المستمر على المؤسسات البيروقراطية، مثل المحاكم والسلطة التشريعية ووسائل الإعلام وغيرها، وهو ما قام به ترامب بصورة واضحة؛ فقد ركّز في خطاباته على انتقاد المحاكم والكونغرس ووسائل الإعلام الأميركية73؛ واستخدم وصف News Fake "أخبار زائفة" مرارًا في خطاباته وتغريداته في حسابه في "تويتر"، وذلك في وصفه أخبار وسائل الإعلام، خصوصًا خلال أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-). ومن بين الأوصاف الأخرى التي استخدمها أيضًا في إشارته إلى وسائل الإعلام "أعداء الشعب الأميركي"، وكذلك وصفه لها ب "الناس السيئين" و"غير الأمينة"، و"القاذورات البشرية"74. وفي هذه الأوصاف مظهر واضح للخطاب الشعبوي لترامب، الذي يُصنّف المجتمع إلى نحن وهم، أو الناس الأخيار والنخبة الفاسدة وأعداء الشعب، وكذلك الخطاب السوقي الهجومي غير المهذب الذي يعتبر من سمات الخطاب الشعبوي.
كشفت دراسة إحصائية أجرتها "لجنة حماية الصحفيين " Journalists Protect to Committee أن ترامب، خلال الفترة بين حملته الانتخابية في عام 2016 ونهاية السنة الثانية له في البيت الأبيض في عام 2018، أرسل 1339 تغريدة في حسابه الشخصي في "تويتر"، تتضمن انتقادًا وهجومًا وتهديدًا لوسائل الإعلام75. ومن المؤشرات المهمة على شعبوية خطاب ترامب، أنه بمجرد إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، كتب تغريدة في حسابه الشخصي في "تويتر"، وفيها هجوم على وسائل الإعلام، مثل نيويورك تايمز، وسي إن إن CNN، وإن بي سي NBC، ووصفها بأنها "أعداء الشعب الأميركي"، وبأنها إعلام "الأخبار الزائفة"76. وكما ذُكر آنفًا، من أهم سمات السياسي الشعبوي ادعاؤه التحدث باسم الجمهور، وأنه يفضّ ل الحديث مباشرة إلى الجمهور من دون وسائط، من هنا اعتمد ترامب، أساسًا، على وسائل التواصل الاجتماعي، وأهمها حسابه الشخصي في "تويتر"، في التواصل مع الجمهور، من دون وسائط مؤسسات الإعلام التقليدية التي يعتبرها الشعبويون، مثله، ضمن النخب الفاسدة. واعتمد في إقناع الجمهور، كذلك، على الخطابات في التجمعات الشعبية في الساحات المفتوحة، وقد رفع خلال حملته الانتخابية شعارات حملت دلالات ورمزية شعبوية واضحة، أهمها شعار Again Great America Make "لنصنع أميركا عظمى مرة أخرى"77. لقد ركّز خطاب ترامب الشعبوي على معارضة النخبة والهجرة والجهود الدولية الجماعية، ومنها الاتفاقيات التي أبرمتها واشنطن مع الدول الأخرى، ومع المنظمات الدولية. ويعتبر أن أولويات السياسة الخارجية الأميركية كانت لسنوات تصب في مصلحة الخارج، أكثر من المصلحة المحلّية للولايات المتحدة. ويرى أن اتفاقيات دولية، مثل النافتا أو اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ "صفقات سيئة"، لأنها تحقق النجاح للدول الأخرى، وليس للولايات المتحدة، عبر نقل فرص العمل من المناطق الصناعية في الوسط الغربي الأميركي78. وبمجرد وصوله إلى البيت الأبيض، في كانون الثاني/ يناير 2017، قام ترامب بتوجيه وزير التجارة إلى الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ Partnership Trans-Pacific The التي أبرمتها إدارة أوباما مع 12 دولة. وانسحبت إدارته أيضًا من اتفاقية باريس للمناخ، وانسحب في عام 2018 كذلك من الاتفاق النووي مع إيران الذي أبرمته إدارة أوباما. وانسحب في العام نفسه من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وانسحبت القوات الأميركية خلال إدارته من سورية وأفغانستان. وفي عام 2020، أعلن أن إدارته قررت قطع المعونة المالية عن منظمة الصحة العالمية. وفي العام نفسه، انسحبت إدارة ترامب من اتفاقية "السماوات المفتوحة" Skies Open on Treaty79. كتب ترامب مقالة افتتاحية في صحيفة يو إس إيه توداي USA Today قبل وصوله إلى البيت الأبيض، انتقد فيها اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، قائلًا: "إن الطبقة الوسطى الأميركية العظيمة في طريقها إلى الزوال. وأحد العوامل الدافعة نحو هذا الخراب الاقتصادي هو السياسات التجارية الكارثية في أميركا. لقد سمح السياسيون الأميركيون - المدينون لمصالح الشركات العالمية التي تستفيد من عمليات انتقال الشراكات إلى خارج البلاد - بسرقة الوظائف بكل طريقة يمكن تخيّلها". ويستخدم في هذه المقالة قصة قائمة على شعار "أميركا أولًا "، وكذلك قصة "شعبوية" تتضمن التركيز على الطبقة الوسطى في مواجهة النخبة السياسية والشركات80. غالبًا ما يوظّف ترامب في الخطب التي يُلقيها مصطلحات شعبوية، مثل "العمال" و"الشعب". ويُلقي باللوم دائمًا على النخب المالية والسياسية، حيث يقول في خطاب له على سبيل المثال: "قوبل ولاء عّما لنا بخيانة تامة. لقد انتهج سياسيونا سياسات العولمة بكل ما أوتوا من قوة، ونقلوا وظائفنا وثروتنا ومصانعنا إلى المكسيك وخارجها. وجعلت العولمة النخبة المالية التي تتبرع للسياسيين بالغة الثراء". وفي هذا المثال، عمل على تفعيل قصة شعبوية واستخدامها لتحديد أولئك الذين يقع عليهم اللوم وهم (النخبة المالية والسياسية)، وتلك الأسباب التي أنتجت بيئة اقتصادية مدمرة (العولمة). كما أنه استخدم مفردات محفزة، مثل "خيانة"81. وفي خطاباته أيضًا تكون إشارته إلى "الشعب الأميركي" مرادفةً للعمال من الوسط الغربي والجنوب الأميركي الذين يعانون انخفاض الأجور وفقدان الوظائف بسبب العولمة، وانتقال فرص العمل إلى الخارج، والاتفاقيات التجارية السيئة التي أبرمتها الإدارات الأميركية السابقة82.
ويبدو ابتعاد ترامب عن المبادئ والمؤسسات الراسخة في تشكيكه في مدى فاعلية تحالفات الولايات المتحدة مع بعض التكتلات، وأهمها حلف شمال الأطلسي الذي ادّعى ترامب بأنه عفا عليه الزمن، كما أشار إلى ضعف الأمم المتحدة وعدم كفاءتها، وادّعى أنها لم تكن يومًا "صديقة للديمقراطية"، أو "للحرية"، أو "للولايات المتحدة". وبحسب ترامب، فإن بلاده ما عادت تحظى بالاحترام من حلفائها، ولا من خصومها، بسبب سياستها الضعيفة، وأنها في حاجة إلى "قائد عظيم حقًا" يمكن أن يجعل "أميركا عظيمة مرة أخرى". وهو الشعار الذي رفعه باعتباره الموضوع الرئيس في إدارته. وفي هذا السياق، ينتقد مرارًا سياسة التحالف الأميركية التي اعتبرها مُتّ وّل الراكبين مجانًا، الذين يستفيدون من الحماية الأميركية من دون أن يدفعوا ما عليهم في مقابل الأمن83. يقول ترامب في هذا الشأن: "الدول التي نقوم بحمايتها عليها الدفع مقابل ذلك، وإن لم تفعل فإن على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لترك هذه الدول تقوم بحماية نفسها". وفي هذا السياق، يتناغم مع شعبوية الرئيس الأميركي الأسبق جاكسون من خلال الدعوة إلى إعادة النظر في الاتفاقيات الدولية والتفكير في الانسحاب المستقبلي من هذه الاتفاقيات. وفرض ترامب فعليًا تعريفات جمركية جديدة على البضائع الأوروبية والصينية، وأبرم اتفاقيات تجارية جديدة مثل الاتفاقية الأميركية - الكندية – المكسيكية. United States-Mexico-Canada Agreement وفقًا لذلك، يمكن القول إن سياسة ترامب الشعبوية ساهمت في إحداث انقسام داخلي غير مسبوق في المجتمع الأميركي. واتضح هذا التأثير السلبي لسياسات ترامب في أحداث اقتحام الكونغرس في السادس من كانون الثاني/ يناير 2021، وذلك حينما دعا أنصاره إلى التجمهر والتظاهر والاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية، بدعوى "سرقة الانتخابات"، وحشد مناصريه تحت شعارات شعبوية، مثل "انقذوا أميركا". ومثّلت أحداث اقتحام الكونغرس علامة فارقة في التاريخ الأميركي الحديث، ليس فقط لكونها واقعة غير مسبوقة، بل لما لها من تداعيات على قيم الديمقراطية الأميركية ونموذج دولة المؤسسات وسيادة القانون. وقد ساهم الخطاب التحريضي لترامب في تغذية الاحتقان والانقسام والاستقطاب الحزبي والسياسي والعنف الانتخابي في الولايات المتحدة.
خاتمة
هدفت هذه الدراسة إلى البحث في موضوع الشعبوية في السياسة الأميركية، وتحديدًا مع الصعود السياسي للرئيس الأميركي السابق ترامب. وسعت أساسًا لتحديد أهم مظاهر شعبوية ترامب، وأهم العوامل التي ساهمت في صعود شعبويته. وخلصت إلى أن من أهم مظاهر شعبوية ترامب عدم انتمائه إلى المؤسسات السياسية القائمة، وكونه جاء من خارج إطار النظام السياسي، ومعارضته النخبة السياسية والمالية وتقسيمه المجتمع الأميركي إلى "نحن" و"هم" في خطاباته، واتّسامه بالغرور والنرجسية وادّعائه بأنه الوحيد المخوّل بالتحدث باسم الشعب، والقادر على حل مشكلاته، وسطحية لغته وخطاباته وتقديمه الحلول السطحية للمشكلات المعقدة، واستخدامه شعارات ذات دلالة رمزية، مثل "أميركا أولًا " و"نجعل أميركا عظمى مرة أخرى"، وتخويفه الجمهور من مشكلة المهاجرين وتضخيمه نتائجها، واستخدامه الألفاظ العدوانية والهجومية و"الذكورية"، وهجومه اللفظي المستمر على المؤسسات البيروقراطية، مثل المحاكم والسلطة التشريعية ووسائل الإعلام، واعتماده على وسائل الاتصال المباشر مع الجمهور، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا "تويتر"، ومعارضة الجهود الدولية المشتركة وانسحابه من العديد من الاتفاقيات الدولية. أما عن العوامل التي ساهمت في ظهور شعبوية الرئيس ترامب، فقد أوضحت الدراسة أنها تتمثل في ضعف النظام الحزبي الأميركي الذي يسمح للخطاب الشعبوي بالظهور، والتحول في قواعد الحزب الجمهوري نحو ظهور تيار "حركة الشاي" وتفوقها، والجماعات الأصولية العنصرية واليمين المسيحي الشعبوي الذي يناهض الهجرة والعولمة والانفتاح الاجتماعي والاقتصادي، وتزايد الهجرة إلى الولايات المتحدة وتهديد الهوية البيضاء البروتستانتية الأنكلوسكسونية، وفرص العمل في الداخل الأميركي، وكذلك تأثير التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للعولمة في المجتمع الأميركي، ونتائج السياسة الليبرالية لإدارة أوباما التي سبقت إدارة ترامب، وتأثير بعض المستشارين المقرّبين من ترامب، وأهمهم بانون الذي يتبنّى الخطاب الشعبوي، وكذلك الصفات الشخصية لترامب نفسه وقدرته على التأثير في الجمهور.
المراجع
العربية
باباس، تاكيس س. الشعبوية والديمقراطية الليبرالية: تحليل نظري مقارن. ترجمة عومرية سلطاني. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2021 بدر، آية. "تحديات ما بعد ترامب.. مستقبل الشعبوية الأمريكية". الديمقراطية. السنة 21، العدد 83 (تموز/ يوليو.)2021 بشارة، عزمي. في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 البهي، رغدة. "صعود موجة جديدة من الشعبوية عبر العالم". دراسات المستقبل. العدد 5 (شباط/ فبراير).2019 تشاترجي، بارثا. أنا الشعب: تأملات حول السيادة الشعبية في عالم اليوم. ترجمة بدر الدين مصطفى. بيروت: مركز نهوض للدراسات والبحوث،.2021 روزانفالون، بيير. قرن من الشعبوية: التاريخ والنظرية والنقد. ترجمة محمد الرحموني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 ستنغل، فرانك وديفيد ماكدونالد وديرك نابرز. الشعبوية والسياسة العالمية: سبر الأبعاد الدولية والعابرة للحدود. ترجمة محمد حمشي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022. عبد المجيد، وحيد. "صعود القوى الشعبوية وأزمة الديموقراطية الغربية". قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات دولية. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.. 2017/1/3 ف:ي https://bit.ly/3K8Dx0b مودّه، كاس وكريستوبل روفيرا كالتواسر. مقدمة مختصرة في الشعبوية. ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 مولر، يان فيرنر. ما الشعبوية؟ ترجمة رشيد بوطيب. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2017
الأجنبية
Kaltwasser, Cristóbal Rovira. et al. (eds.). The Oxford Handbook of Populism. Oxford: Oxford University Press, 2017. Lacatus, Corina. "Populism and President Trump's Approach to Foreign Policy: An Analysis of Tweets and Rally Speeches." Politics. vol. 41, no. 1 (July 2020). Morelock, J. (ed.). Critical Theory and Authoritarian Populism. London: University of Westminster Press, 2018. Mounk, Yascha. "We Might Have Reached Peak Populism." The Atlantic. 7/7/2021. at: https://bit. ly/3yzdnB6 Sligo, Frank. "Trump's populism, la trahison des clercs and embracing dissent." Media International Australia. vol. 169, no. 1 (September 2018).