النظام السياسي والسعي للشرعية
In Search of Legitimacy
الملخّص
تناقش هذه الدراسة مفهوم الشرعية وأنماطها في مصر منذ عام 2013، وشرعية الأداء في مجال السياسات التعليمية، والإسهام الذي تضطلع به هذه الشرعية في ديمومة النظام. وتبين أن النظام لا يستطيع صنع شرعيته؛ إذ لا يمكنه أن يبعث إلى الوجود وهمًا بالأداء الجيد، لكنه قادر على إدارتها في جوانب كثيرة؛ منها صوغ التوقعات العامة عنه بالتشديد على أهمية الحفاظ على النظام العام وتوفير السلع والخدمات الأساسية، وتأكيد إنجازاته وحجب إخفاقاته وقمع الانتقادات التي قد توَّجَه إليه. ويمكنه أيضًُا إدارة مدركات المواطنين عن البدائل الممكنة التي تتمثل في الإسلاميين، أو الانزلاق إلى الفوضى، أو الاثنين معًا. وتخلص الدراسة إلى أن هدف النظام ليس الحصول على دعم شعبي حقيقي، بل تحُّقُق الإذعان العام له من خلال إقناع غالبية السكان بأنه الأفضل من أي بديل آخر.
Abstract
This study begins by discussing the concept of legitimacy and then examines the patterns of legitimacy in Egypt since 2013. It specifically focuses on the legitimacy of performance within the field of educational policies and its role in the regime's continuity. The study finds that the regime cannot establish its own legitimacy merely by creating an illusion of effective performance. Instead, it can manage legitimacy through several strategies: shaping public expectations by emphasizing the importance of maintaining public order and providing basic goods and services; influencing public perceptions by highlighting achievements while concealing failures and suppressing criticism; and managing citizens' perceptions of alternatives, such as Islamist groups or a descent into chaos, or both. The study also concludes that the regime's objective is not to secure genuine popular support but to ensure general compliance by persuading the majority that it is more effective in improving their lives than any alternative. This level of legitimacy may be sufficient to encourage adherence to laws and discourage efforts to replace the regime.
- الشرعية
- شرعية الأداء
- السياسات التعليمية
- مصر
- Legitimacy
- Performance Legitimacy
- Education Policy
- Egypt
مقدمة
يكون النظام1 شرعيًا إذا اعتقد جميع مواطنيه أنّ له الحق في الحكم، فيمتثلون للقانون طواعية، لا بسبب الخوف أو مصالح ضيقة، بل انطلاقًا من إيمانهم بالصلاحية الأخلاقية للقانون والنظام العام الذي يطبقّه2؛ ما يعني أن للحق في الحكم على هذا النحو مصادرَ محتملةً عديدةً؛ منها: التقاليد، وبموجبها يطيع المواطنون النظام بفِعل الأعراف الثقافية والتاريخية الممتدة التي تجعلهم على استعداد لبذل الطاعة؛ والكاريزما، وهاهنا يطيع المواطنون القانون؛ لأن الزعيم يبثّ قيم الإخلاص والولاء بفِعل سماته الشخصية التي يتمتع بها، ومن أمثلة هؤلاء الأنبياء وأمراء الحرب والديماغوجيون؛ والأيديولوجيا، حيث يفرض النظام الطاعة لالتزامه بمنظومة من الأفكار التي يضعها موضع التنفيذ، بغية ضبط النظام السياسي وتحديد دور المواطنين فيه؛ والاعتراف الدولي، الذي يدّعي النظام من خلاله أنّ له الحق في الحكم على أساس الاعتراف والاحترام اللذين ينالهما من الدول الأخرى والمؤسسات الدولية؛ والمشروعية القانونية/ الإجرائية، وفي هذه الصيغة، يطيع المواطنون قوانين النظام؛ لأنه وصل إلى السلطة عن طريق إجراءات يعتقدون أنها تعكس قيمهم ومصالحهم، ويلتزم أفراد الشعب بالقوانين التي يُصدرها؛ لأنهم يحترمون الإجراءات التي أنتجتها ويوافقون عليها. تُعدّ شرعية الأداء فرعًا من الشرعية القانونية/ الإجرائية؛ لأن النظام حين ينتج سياسات تُفضي إلى التحسّن في توفير السلع والخدمات الأساسية للمواطنين، ترتفع شرعية أدائه وتتعزّز شرعيته الإجرائية. وتشمل هذه السلع والخدمات الأساسية الرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والكهرباء والتعليم والطرق والأمن والعدالة3. لماذا ينشغل نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي بالسعي للشرعية؟ صرّح السيسي أنه يُفضّ ل الشرعية على المستوى المعياري، وهدفه أن يكون حاكمًا شعبيًا يحظى باحترام الشعب ودعمه4. وربما يكون للاعتبارات العملية دورٌ أيضًا؛ لأنه إذا تمكّن النظام من تحقيق أكبر قدر ممكن من الشرعية، فسوف يحظى بمخزون من الدعم الشعبي، يتيح له الصمود في الفترات التي يواجه فيها المصاعب أو الغضب الشعبي، وسيكون في إمكانه تحقيق الالتزام الطوعي بقوانينه كي يفرض الامتثال، عوضًا عن اعتماد القسر؛ ذلك لأن الامتثال الطوعي يخفّف من الحاجة إلى ممارسة مستويات عالية من القمع الذي قد يؤدي إلى تفاقم الغضب الشعبي، وتقويض الدعم الدولي، وجعل البلاد أقل جاذبية للاستثمار الأجنبي. كذلك، يتطلّب الاستخدام المتزايد للقمع توسيعَ أجهزة الأمن الداخلي، وهذه يم كنها أن تشكّل تهديدًا للرئيس إذا غدت قوية جدًا، أو أفرط في الاعتماد عليها5.
أولا: أنماط الشرعية التي يطمح إليها النظام
تحظى الشرعية الدولية بالأولوية؛ إذ بذل السيسي وغيره من القادة المصريين جهودًا كبيرة لتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية، والدفع بفكرة أن النظام يحظى بالاحترام على الساحة الدولية. وتشمل هذه الجهود تسهيل المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومحاولة التوسط بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الحرب على غزة 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتيسير العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، وعرض الوساطة بين أوكرانيا وروسيا6. وسعى النظام لبناء شرعيته التقليدية من خلال إحياء عظمة البلاد وتعزيز الوطنية واستحضار الإسلام. ويمكننا النظر في المشروعات الضخمة التي شهدها العقد الماضي، جزئيًا، باعتبارها محاولةً لتعزيز الشرعية التقليدية. وتشمل هذه المشروعات العاصمة الإدارية
الجديدة، وقد بلغت تكلفتها 59 مليار دولار، وتوسعة مشروع توشكي في الصحراء الغربية الذي يشتمل على 48 مدينة جديدة وثمانية مطارات ومزارع سمَكية وخط للسكة الحديدية وطريق سريعة، تتألف من ثمانية مسارات، فضلًا عن إنشاء مفاعل نووي في غرب الإسكندرية. وكان الغرض من بعض هذه المشروعات أن تكون "الأولى" من نوعها في المنطقة؛ منها: أطول مبنى في أفريقيا، وأكبر مسجد في الشرق الأوسط، وأكبر كنيسة في الشرق الأوسط. ويؤكد السيسي أن هذه المشروعات تُعيد مصر إلى عظمتها التقليدية، على الرغم من التحديات العديدة التي تواجهها البلاد7. يعكس استحضار النظام للوطنية المصرية أيضًا في محاولته استعادة الشرعية التقليدية. والوطنية في هذه الصيغة ليست أيديولوجيا ترسم نظامًا من الأفكار لتنظيم الدولة والمجتمع8، بل تتضمن التأكيد على هوية جماعية ترتكز على آلاف من السنين التي تؤلف التاريخ المشترك. ومن هذا المنطلق يستحق النظام الحالي الطاعة؛ لأنه يجسّد هذا الشعور الوطني المشترك والعظمة الوطنية التي تنبع منه ويُعزّزهما9. تستحضر الشرعية التقليدية في مصر المعاصرة الإسلام؛ إذْ يُسمّي السيسي جهود النظام لإنقاذ مصر من التحديات الاقتصادية والأمنية، أمرًا من الله10، ويتمثّل أحد عناصر هذه المهمة في "تجديد الخطاب الديني" من خلال إعادة تفعيل دور الأزهر والمؤسسات الدينية الأخرى المرتبطة بالدولة، مثل دار الإفتاء ووزارة الأوقاف11، كما يشمل حماية القيم التقليدية التي تنبع من العقيدة والثقافة الإسلامية. أضف إلى ذلك أن التقوى الشخصية للرئيس، تمثل مصدرًا للشرعية التقليدية للنظام؛ إذ يؤكد السيسي أنه يستحق احترام الشعب وطاعته؛ لأنه مسلم متديّن، تنعكس فيه القيم التقليدية للبلاد12.
يدّعي النظام أنّ له شرعيةَ أداء، مؤكدًا أنه اكتسب ثقة الشعب من خلال تنفيذه سياسات تجعل حياة المصريين أفضل13. ويؤكد السيسي أن تحسّن نوعية الحياة ينبع جزئيًا من الأمن الذي أرساه النظام بقضائه على التهديدات الداخلية (جماعة الإخوان المسلمين وحركات الشواذ وغيرهما)، وبمواجهته التهديدات الخارجية (إيران، وإثيوبيا، والقوى المعادية في ليبيا، وغيرها)، فالنظام حقق تقدمًا كبيرًا في تلبية الاحتياجات الأساسية للمصريين في مجالات التعليم والإسكان والغذاء والرعاية الصحية وغيرها. نركز في هذه الدراسة على تقديم فهم مكتمل لشرعية الأداء، ويتناول المحور التالي ادّعاءات النظام وأفعاله في مجال مهم، ألا وهو التعليم، حيث يسمح لنا هذا المجال بالتوصل إلى فهم أوضح لكيفية محاولة النظام صنع شرعية الأداء.
ثانيًا: التعليم
ثمة قائمة واسعة من التحديات التي تواجه النظام التعليمي في مصر14. وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد المسجلين من مرحلة الروضة حتى المرحلة الثانوية 22,5 مليون تلميذ، خلال العام الدراسي /2018 2019؛ ما يجعل النظام المدرسي في مصر هو الأكبر في منطقتَي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وارتفع عدد التلامذة في المدارس الحكومية بنسبة 3.8 في المئة في عام 2021؛ ما يعكس الزيادة المطردة في كل عام، بسبب ارتفاع معدل النمو السكاني. وتقول بيانات الالتحاق التي جَّمَعتها اليونسكو إن أكثر من 90 في المئة من التلامذة المؤهلين للتعليم الابتدائي والثانوي، مسجّلون في المدرسة. ومع ذلك، تكشف هذه البيانات عن أوجه قصور كبيرة في التعليم ما قبل الابتدائي، حيث لا يلتحق به سوى 29.3 في المئة من الأطفال المستحقين15. وإذا كانت أرقام الالتحاق بالتعليم الابتدائي والثانوي تبدو مشجعة، فإن جودة الخبرة التعليمية غالبًا ما تكون سيئة؛ إذ يعاني نظام التعليم ارتفاع نسبة التلامذة، مقارنة بالمعلمين، حيث تحتوي الفصول الدراسية غالبًا على 50 تلميذًا أو أكثر. وقد دفعت القيود المتعلقة بالإمكانات مدارس كثيرة إلى إجراء فصولها الدراسية في فترتين، فيرتاد ما يقرب من ثلث التلامذة المدرسة سبع ساعات كاملة كل يوم، في حين يداوم الباقون في فترات صباحية أو مسائية، مدة أربع ساعات أو خمس فقط. والواضح أن البلاد تحتاج إلى المزيد من المدارس، وبحسب بعض التقديرات، فإن عدد ما تحتاجه لا يقل عن 20 ألف مدرسة أخرى. ثمّ إنّ مدارسها الحالية في حاجة إلى الصيانة، حيث يُقدّر أن 20 في المئة من المباني المدرسية، البالغ عددها 47 ألف مبنى، في حاجة ماسة إلى الإصلاح. وتعاني البلاد أيضًا نقصًا في عدد المعلمين المدربين تدريبًا جيدًا. ففي العام الدراسي /2018 2019، كان لدى مصر أكثر من 890 ألف معلم، وأكد وزير التربية والتعليم آنذاك أنهم في حاجة إلى 320 ألف معلم إضافي للحد من الاكتظاظ ورفع المستوى الأكاديمي. وعلى الرغم من ذلك، فإن المعلمين ما زالوا يحصلون على أجور متدنية، وغالبًا ما يعملون بعقود مدّتها عام واحد، وهو أمر لا يوفر لهم الكثير من الأمن الوظيفي16. تعكس المخرجات التعليمية التي ينتجها التعليم العام هذه المشكلات. فالتلميذ العادي يمضي إحدى عشرة سنة ونصف السنة في صفوف التعليم؛ ما يُحيل إلى ارتفاع درجة الانتفاع التعليمي Educational Access، لكن إخضاع الإنجاز الفعلي للتلامذة للتقييم باستخدام اختبارات موحدة عالميًا، وفقًا لحسابات البنك الدولي، كشف أن "سنوات التعلم المعدّلة في المدرسة"، لا تتجاوز ست سنوات ونصف السنة. بمعنى آخر، لا يقضي أكثر من 40 في المئة من الوقت الذي يقضيه التلميذ في المدرسة إلى تحسّن في أدائه التعليمي17. وخلصت تقديرات اليونسكو إلى أن 70 في المئة من الأطفال لا يتقنون القراءة بحلول نهاية المرحلة الابتدائية18. وهذا الرقم أعلى بنسبة 11.8 في المئة من المتوسط المسجل في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأعلى بنسبة 9.1 في المئة من المتوسط المسجل في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى19. ويُعدّ أداء التلامذة المصريين ضعيفًا نسبيًا في الاختبارات الدولية الموحدة؛ إذ يحتلون الثلث الأخير في اختبار توجهات الدراسات الدولية في الرياضيات Trends in International Math and Science Study والعلوم (تايمس TIMSS)، واختبار الدراسة الدولية لقياس مدى تقدم Progress in International Reading Literacy Study القراءة
(بيرلس PIRLS)21. ويضع المنتدى الاقتصادي العالميمهارات خريجي مصر في المرتبة 133 من أصل 14122.
يكشف النظام التعليمي أيضًا عن فجوة حادّة بين التعليم العام والتعليم الخاص؛ فما يقرب من 90 في المئة من الأطفال في التعليم الابتدائي والثانوي يدرسون في المدارس العامة، في حين تلتحق نسبة ال 10 في المئة المتبقية بالمدارس الخاصة23، حيث تكون المشكلات المذكورة آنفًا أقل بروزًا. وتحصل المدارس الخاصة على مرافق أفضل، وأعداد أقل من التلامذة، مقارنة بالمعلمين، ونتائج أفضل من حيث أدائهم في اختبارات التقييم الموحدة. إضافة إلى أوجه عدم المساواة داخل نظام التعليم العام، ولا سيما بين المدارس الموجودة في المناطق الغنية نسبيًا، وتلك الموجودة في المناطق الحضرية أو الريفية الفقيرة24. وتبرز طبقة إضافية من عدم المساواة بسبب حاجة التلامذة إلى الدروس الخصوصية، بُغية تحقيق أداء جيد في المدارس العامة، حيث يشقّ على التلامذة غير القادرين على تحمّل تكاليف هذه الدروس اللحاق بزملائهم27. بعد قرار السيسي ترك الجيش رسميًا وولوج السياسة المدنية بوقت قصير، أعلن عن أن التعليم سيكون أولوية قصوى بالنسبة إلى النظام، وفي مقابلة خلال حملته الانتخابية للرئاسة في عام 2014، وصف إصلاح التعليم بأنه ضروري للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية28. وبعد توليه الرئاسة، أدرج نظامه مواد عدة تتعلق بالتعليم في دستور عام 2014، أكثرها شمولًا كانت المادة 19 التي تنص على أن لكل مواطن الحقَ في التعليم المجاني، وأن الحكومة تلتزم بإنفاق ما لا يقل عن 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم في كل عام29. أما أفعال النظام منذ عام 2013، فتكشف عن كيفية تخطيطه للوفاء بهذه الوعود. ويُبّين الجدول الآتي أن قرارات الإنفاق لم تتماشَ مع الأهداف المعلنة للنظام. انخفضت نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي الإجمالي تحت حكم السيسي، لتبلغ 2.6 في المئة في عام 2019، وهو أقل كثيرًا من الحد الدستوري، البالغ 4 في المئة. ويُعدّ مستوى الإنفاق في مصر على التعليم أقل من المتوسط الإقليمي (4.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي) ومن متوسط فئة الدخل التي تصنف فيها مصر دوليًا (4.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)30. إضافة إلى انخفاض نسبة الإنفاق على التعليم من إجمالي الإنفاق الحكومي انخفاضًا طفيفًا بين عامَي 2013 و 2019، حيث انتقل من 11.9 إلى 11.6 في المئة.
| التغير (نسبة مئوية) | 2019 | 2013 | |
|---|---|---|---|
| -1.5 | 2.6 | 4.1 | النسبة المئوية من الناتج المحلي الإجمالي |
| -0.3 | 11.6 | 11.9 | النسبة المئوية من إجمالي الإنفاق الحكومي |
وقرار الإنفاق هذا لافت على نحو خاص في ضوء الزيادة المستمرة في معدلات الالتحاق بالمدارس التي أشرنا إليها آنفًا، المترتبة على الارتفاع المطرد في عدد السكان. وبحسب وزير التعليم، انخفضت ميزانية العام الدراسي /2019 2020 بنسبة 40 في المئة عن الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على العمليات الحالية للنظام التعليمي31. تتكشّف درجة الأولوية الفعلية للتعليم في القرارات المتعلقة بالتوظيف خلال جائحة فيروس كورونا (كوفيد- 19) في عام 2020؛ إذ جمّد النظام التوظيف الرسمي، للحفاظ على الأموال، وهو قرار أفضى إلى تجميد تعيين معلمين جدد، فما يقرب من 13 ألف معلم، إمّا تقاعدوا، وإمّا تركوا المهنة في ذلك العام من دون التعويض مكانهم؛ ما أدى إلى تفاقم النقص الكبير القائم سلفًا في عدد المعلمين. وفي عام 2022، أعلن السيسي عن أن الحكومة ستموّل تعيين 30 ألف معلم جديد في كل عام، مدة خمس سنوات32، لكن حتى هذه الأموال المحدودة لم تتوافر أبدًا بسبب ضغوط الميزانية33. وأرجع النظام هذا الشُحّ إلى سياسة التقشف التي استتبعتها التداعيات الاقتصادية المترتبة على الجائحة. وتجدر الإشارة إلى أن الضغوط الاقتصادية التي أحدثتها الجائحة لم تمنع النظام من زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 14 في المئة في عامَي 2020 و 2021 (من 4.5 مليارات دولار إلى 5.16 مليارات دولار)34؛ أي إن النظام كان مستعدًا لإعفاء الجيش من إجراءات التقشف الصارمة التي فرضها في مساحات أخرى داخل الدولة، ولم يعفِ نظام التعليم العام، فتفاقمت أوضاعه المتردّية سلفًا جدول يبنّين الإنفاق الحكومي على التعليم في مصر في عامَي 01320192 و
قدّم النظام، في عامَي 2018 و 2019، مشروعًا طموحًا لإحداث تحوّل في التعليم ما قبل الابتدائي والابتدائي والثانوي، وهي خطة التعليم 2.0 التي تهدف إلى نقل النظام التعليمي في مصر من الحفظ عن ظهر قلب ومحورية الامتحانات إلى بناء التفكير النقدي والمهارات التحليلية وحل المشكلات وإتقان التكنولوجيا. ولم يُصدر النظام وثيقة شاملة تعرض الخطة برمّتها35، في حين تتضمن التقارير الصادرة عن وزارة التربية والتعليم وتصريحات مسؤولي الوزارة، العناصر الرئيسة في هذه الخطة، مثل: زيادة فرص الحصول على التعليم ما قبل الابتدائي من خلال بناء المدارس وتوظيف المزيد من معلمي مرحلة ما قبل الابتدائي، وتدريبهم تدريبًا أكثر فاعلية. إصلاح المناهج الدراسية في مستويات التعليم العام كلها على نحو يجعل المنهج عمليًا، ويُعدّ التلامذة لسوق العمل. توظيف المعلمين من خلال تعيين المزيد منهم بعقود طويلة الأجل. وسيخضع تدريبهم للتغيير، وذلك بالتشديد على المهارات الضرورية لتعليم التفكير النقدي وحل المشكلات.
وإعادة تدريب المعلمين الحاليين وإعادة إجازتهم في هذه المهارات، كما ستجري مراجعة تقييماتهم وفق هذا المنوال36، حيث سيتحولون "من معلمين إلى مدرّبين"37. بناء مدارس جديدة وتحسين مرافقها. وقد بنت الحكومة 3000 مدرسة جديدة في عام.2019 مراجعة نظام الاختبارات في كل مرحلة من مراحل التعليم، لتقليص التركيز على اجتياز الامتحانات وزيادة التركيز على إتقان المهارات وتنمية التفكير النقدي، حيث تهدف الاختبارات المعدلة إلى تقييم فهم التلامذة، بدلً من قدرتهم على الحفظ. توسيع دور التكنولوجيا في التعليم، من خلال منح كل مدرسة إمكانية الوصول إلى الإنترنت بحلول عام 2030، وتمكين كل تلميذ من الوصول إلى جهاز لوحي أو كمبيوتر. وقد جعلت الوزارة القسم الأكبر من مناهج المرحلتيَن الابتدائية والثانوية مُتاحًا عبر شبكة الإنترنت (في بنك المعرفة المصري)؛ ما يتيح لكل تلميذ الوصول إلى معظم المواد المستخدمة في فصوله الدراسية38. وتبث الوزارة ثلاث ساعات من مقاطع الفيديو التعليمية المنتجة سلفًا عبر بوابتها الإلكترونية في كل يوم دراسي. صيغت الخطة بمساعدة من متخصصين في مجال التعليم من خارج مصر، ولا سيما من البنك الدولي39، وحظيت بدعم مالي، بقيمة 500 مليون دولار، قدّمه قرض البنك الدولي الذي أبدى مسؤولوه إعجابهم الشديد بالخطة، ولا سيما بوزير التربية والتعليم المسؤول عن تطويرها40. وقد خصّصت الحكومة، إلى جانب تطويرها هذه الخطة الطموحة الخاصة بالتعليم العام، موارد أكبر للتعليم الخاص. واستثمر صندوق للثروة السيادية، يسيطر عليه مكتب رئيس الجمهورية، 250 مليون جنيه مصري (15.9 مليون دولار) في التعليم الخاص في عام 2021. واتخذ هذا الاستثمار شكل شراء أسهم في صندوق التعليم الربحي التابع للمجموعة المالية هيرميس EFG وبنكها الاستثماري، واستثمر الصندوق على نحو مباشر في مشروعات تعليمية خاصة محددة؛ منها: بناء المدارس وتوفير التعليم الرقمي. وقد بلغت استثمارات الحكومة في المدارس الخاصة نحو 8.9 مليارات جنيه (481 مليون دولار)، في مقابل 6.5 مليارات جنيه (351.82 مليون دولار) استثمرتها في المدارس الحكومية41 في عام 2022. ومِثل هذا التفاوت يزيد انعدام المساواة بين التعليم الخاص والتعليم العام؛ إذ يضمن في جوهره حصول رجال الأعمال والعاملين في القطاع الخاص، الذين يستطيعون تحمّل الرسوم المرتفعة للمدارس الخاصة، على منفعة واضحة من استمرار السيسي في السلطة، ولذلك فهو يساعد في تعزيز الدعم في صفوف القاعدة المدنية الأساسية للنظام. قُدّمت خطة التعليم 2.0 إلى الشعب المصري بوصفها دليلًا على التزام الحكومة بتعزيز التعليم العام، وسمح النظام بنقاش عام ضخم بشأنها42، وقد خصّ أعضاء البرلمان سياسات التعليم بنقاش كثيف. وإذا كان البرلمان، في معظم مجالات السياسات، أقرب إلى أداة طِّيِعة في يد السلطة التنفيذية، يوافق على سياسات الرئيس ويحوطها بالحفاوة، فإنّ أعضاءه، في حالة سياسة التعليم، وَّجَهوا سهام نقدهم إلى مسؤولي وزارة التربية والتعليم، بدلًا من السيسي. وجرى استدعاء وزير التربية والتعليم أمام مجلس النواب في مناسبات عدة، وأمام لجنة التعليم التابعة له، وواجه أكثر من 140 سؤلًا وانتقادًا من
النواب، تتعلق بمسائل الاكتظاظ وسوء إعداد المعلمين والمناهج القديمة وارتفاع الرسوم وسوء نوعية الوجبات والمدارس المتهالكة43. تسارعت الانتقادات الموجهة إلى خطة التعليم 2.0 في أوائل عام 2022 ومنتصفه، وألقى النواب ووسائل الإعلام باللائمة على الخطة ومهندسها، وزير التربية والتعليم طارق شوقي، بسبب استمرار الغش في الامتحانات، والتغييرات التي لا تحظى بشعبية في المناهج الدراسية، والاكتظاظ في الفصول الدراسية، والفشل في توظيف عدد كافٍ من المعلمين الجدد، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا الجديدة المفتقرة إلى دعم البنية التحتية الكافية44. وفي آب/ أغسطس 2022، أقال رئيس الوزراء وزيرَ التربية والتعليم، في محاولة لتهدئة المنتقدين. ومع ذلك، أوضح بديله، رضا حجازي، أن السياسات باقية، وأن التنفيذ ماضٍ إلى التحسّن45، مع استمرار التمويل الدولي. حصر النظام نطاق النقاش العام في استراتيجيات تنفيذ السياسات التي اعتمدها، من دون السماح بالنقاش بشأن الاتجاه العام لإصلاح التعليم. وتهدف خطة التعليم 2.0 إلى إنتاج نظام تعليمي يشبه إلى حٍّدٍ بعيد الأنظمة الموجودة في أوروبا وأميركا الشمالية، وهذه المقاربة قابلة للنقد، فمن منظور إسلامي، على سبيل المثال، قد يحاجّ بأن هذا المسار لإصلاح التعليم يحاكي المؤسسات الغربية، بدلًا من احترام التقاليد الإسلامية ذات الخصوصية في مصر، أو ربما زعم أحدهم أن التعليم في الصين، أو في أي مكان آخر في آسيا، قد يمثل هو الآخر نموذجًا أفضل للإصلاح في ضوء الأداء التعليمي المتميز لدى الكثير من البلدان الآسيوية. ويُعدّ نادرًا جدًا مثلُ هذه الانتقادات التي تشمل "المشهد في كليته"، وتتحدّى الاتجاه العام للإصلاح، بل يركز النقد المسموح به، بديلًا من ذلك، على إيجاد ضغط أكبر على البيروقراطية ودفعها إلى تنفيذ خطة الإصلاح الحالية للنظام. وفي الجوهر، يعتمد النظام على التحقيقات البرلمانية والتقارير الإعلامية كي يرصد ويُحدّد الأجزاء الفاسدة في الدولة التي تفشل في تحقيق أهدافه، وتمثل هذه القيود الشديدة المفروضة على حرية التحقيق والاستفسار أداة لإدارة الدولة المصرية على اتساعها وبطء استجابتها في الكثير من الأحيان46. إضافة إلى ذلك، يرى روبرت سبرينغبرغ أن حرية التعبير المحدودة هذه قد تكون مصممة لتوفير صمام لتصريف الضغط، حيث تسمح بالتنفيس عن الغضب العام في ساحة لا يرَّجَح لها أن تؤدي إلى تعبئة جماهيرية، ومن ثم ليس لها أنْ تهدد النظام47.
ثالثًا: السياسة التعليمية وشرعية الأداء
تضعنا هذه النظرة الموجزة للسياسة التعليمية أمام اعتبارات عدة، تخصّ كيفية محاولة نظام السيسي تعزيز شرعية الأداء، وذلك على النحو الآتي: حقيق بعض التقدم الملموس: تقدّم النظام بعض الخطوات في مجال التعليم؛ فعلى نحو ما ذكرنا آنفًا، بُنيت 3000 مدرسة منذ وصول السيسي إلى السلطة في عام 2014، على سبيل المثال. وربما كان هذا العدد جزءًا صغيرًا من العدد الإجمالي المطلوب، بيد أنه دليل على أن النظام قد أحرز بعض التقدم، وهو ما ركز عليه في الخطب والحملات الإعلامية، ليبث الانطباع بتحقيقه تقدّمًا ملموسًا على الأرض. صوغ خطة طموحة: تشدد الحملات الإعلامية التي تؤكد الخطوات الصغيرة المحققة، على أن هذا التقدم جزء من استراتيجية إصلاح أكثر شمولً، هي خطة التعليم 2.0. وتُخبر هذه الخطة الطموحة الجمهورَ أن الحكومة تمنح الأولوية لهذا الموضوع، وتملك استراتيجية للتعامل معه. التأكيد أن هذه الخطة تحظى بدعم دولي كثيف: إن إحدى السمات المهمة لخطة التعليم 2.0 هي أن الإنفاق العام الموجّه إلى دعمها لم يرتفع، لكن النظام أنفق من جهوده الكثير بغية تطويرها بالتشاور مع الفاعلين الدوليين المبرّزين (ولا سيما البنك الدولي)، وحصل على تمويل كبير لدعمها. ويفيد هذا الدعم
الدولي في أغراض عدة؛ منها أنه يوفر تبرئة من المجتمع الدولي للنظام وقيادته، فيعزز شرعيته الدولية بالتبعية. كما يثبت أن الخطة "متطورة" وتعكس أحدث الأفكار العالمية بشأن كيفية تصميم نظام تعليمي يتواءم مع القرن الحادي والعشرين، معزّزًا بذلك دعوى النظام القائم التي تفيد بأنه الأنسب لقيادة البلاد في ضوء تحديات القرن. إدارة النقاش العام لدعم تنفيذ هذه الخطة الإصلاحية: سمح النظام بتوجيه الانتقادات إلى مجال التنفيذ في سياسات إصلاح التعليم؛ إذ المواطنون أحرار في مناقشة التفاصيل المتعلقة بكيفية تنفيذ جانب معيّ من الخطة وانتقاد ذلك. ثم يُظهر النظام استجابته للمطالب العامة عبر مساءلة المسؤولين المعنيين عن التنفيذ، وتشمل هذه المساءلة إقالة كبار التكنوقراط، بمن في ذلك وزير التعليم نفسه، كلما حدث تباطؤ شديد في تنفيذ الخطة أو استثار غضب الرأي العام. ومع ذلك كله، لا يتمتع المواطنون بالحرية في انتقاد التصور الشامل للخطة واستراتيجيتها، أمام وسائل الإعلام، لضمان عدم توضيح أي بدائل معقولة أو نشرها.
في هذا الإطار، فإن شرعية الأداء ليس مناطها حل المشكلات التنموية الكثيرة التي تواجهها مصر، أو حتى إعادة تخصيص موارد النظام لمعالجتها على النحو الملائم، بل يتعلق الأمر بالحديث عن وجود خطة ذات صدقية لمعالجتها، والدفع ببعض التقدم المحرز فيها، وإبراز الدعم الدولي للخطة والنظام، وقمع التعبير عن البدائل الممكنة. تدرج هذه الخطوات الرامية إلى تعزيز شرعية الأداء ضمن سردية واسعة عن تحسين الرفاهة المادية للمواطنين، بديلًا من تعزيز الحقوق المدنية والسياسية؛ إذ اعتمد النظام على حملة متواصلة لإثبات أن النهوض بالحقوق المدنية والسياسية، على نحو ما تجسدت في انتفاضة عام 2011 وما تلاها، لا يُفضي إّلا إلى الفوضى السياسية والصعوبات الاقتصادية وتدهور السلامة العامة48. ويزعم السيسي أن نظامه يركز، بديلًا من ذلك، على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي تحسّن نوعية حياة المواطنين49. ويؤكد السيسي أن هذه الأولويات تتوافق مع أولويات فاعلين آخرين ذوي أهمية على الساحة العالمية، ولا سيما الصين. وترتكز الديمقراطية في هذه الرؤية على الاستجابة لاحتياجات الناس وتلبية توقّعاتهم في سبيل حياة أفضل، وقد أعرب الرئيس الصيني شي جين بينغ عن هذا المنظور في مناسبات عدة، قائلًا إن الصين تمثل "الديمقراطية الشعبية ذات العملية.50الشاملةwhole process people's democracy "والناجحة يردّد السيسي هذا الرأي، ففي خطاب ألقاه في عام 2018، أكد، على سبيل المثال، أن نظامه يهدف إلى "تحسين حياة جميع المصريين والتخفيف من معاناتهم"51، وأنّ هذا ما يريده المصريون حقًا، ومن ثم، يستجيب نظامه للإرادة الشعبية52. ويطرح ممثلو النظام وجهة النظر هذه في المحافل الدولية، وأبرزها كان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ولا سيما بعد أن أصدر هذا الأخير تقييمًا نقديًا لسجل مصر في مجال حقوق الإنسان. وقد ردّ ممثل مصر بدفاع عدواني عن سياسات النظام، مؤكدًا أن الالتزام الأول للحكومة التمثيلية الحقيقية هو أن توفر لمواطنيها مستوى معيشيًا لائقًا وبيئة آمنة لتنشئة أبنائهم53. وذكر وزير الخارجية المصري آنذاك، سامح شكري، أن الحكومة المصرية حققت تقدمًا كبيرًا في هذه المجالات
مقارنة بسابقتها، وأنها تتمتع بدعم شعبي قوي، كما ادّعى أن التركيز على الحقوق المدنية والسياسية يعكس القيم الغربية التي تخفق في احترام أولويات الشعب المصري54. تبنّى النظام مفهومًا للديمقراطية وحقوق الإنسان يتوافق مع فاعل رئيس على الساحة الدولية، وهو الصين، وعبر هذا الارتباط يدّعي تمتع مسار عمله بالشرعية الدولية. ويكشف هذا الاستحضار للنموذج الصيني عن تطورات في الشرعية الدولية على مدى العقد الماضي. فالنظام يناشد المؤسسات الغربية، خاصة البنك الدولي، تعزيزَ شرعيته في ما يتعلق بسياسة التعليم، لكنه يستحضر أيضًا نموذج الصين ليُضفي الشرعية على مسار التنمية الذي يبتعد كثيرًا عن المعايير الغربية.
رابعًا: نطاق الشرعية ومكامن انكشافها
يتّسم قياس درجة شرعية النظام بالصعوبة البالغة حتى في المجتمعات المنفتحة نسبيًا55. والتحدي في دولة تسلّطية يُعدّ أكبر منه في غيرها، وإن كانت نسبة التصويت قد توفر إشارة إلى شرعية النظام، باعتبار أن المشاركة في الانتخابات هي وسيلة منخفضة التكلفة والمخاطر لإظهار القبول بسلطة النظام. شارك أقل من 50 في المئة من السكان في أول انتخابات رئاسية في عهد السيسي (في عامَي 2014 و 2018)، وأقل من 30 في المئة منهم شاركوا في الانتخابات البرلمانية في وقتها، وهو ما يحوط شرعية النظام بالشكوك56. وقد يفسر هذا سبب الجهود الكبيرة التي أنفقها النظام لزيادة نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية في عام 2023، مثل النقل المجاني إلى مراكز الاقتراع لموظفي الدولة، وتقديم الهدايا لمن أدلوا بأصواتهم57. يضاف إلى ذلك، أن القسر الواسع الذي يستخدمه النظام، ومنه الحبس الاحتياطي إلى أجل غير مسمى لترهيب المعارضين، يُحيل إلى افتقاره إلى الشرعية، فلن يكون مثل هذا القمع ضروريًا لو كان المواطنون مستعدين لقبول سلطة النظام58.
وفوق ذلك كله، يحمل استحضار النظام لشرعية الأداء مكامنَ انكشاف كبيرة، فقد تنخفض قدرته على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين انخفاضًا كبيرًا لأسباب خارجة عن سيطرته، كما في جائحة كورونا، والارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية بسبب الحرب في أوكرانيا، وارتفاع أسعار الفائدة الناجمة عن العوامل الاقتصادية العالمية. وربما تتقلّص شرعية الأداء بسبب الآفات طويلة الأمد التي ابتُليت بها الدولة المصرية، ولا سيما الفساد المستشري وعجز النظام عن معالجته. وعلى نحو مماثل، قد تضعف الشرعية الدولية التي يتمتع بها النظام بسبب تغير أولويات شركائه الدوليين الرئيسين، ومنها الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين. وقد يحصل هذا التغّير بسبب أزمة دولية، أو إذا ما تبنّى أحدُ هؤلاء الفاعلين استراتيجيةً جديدةً
أو أهدافًا سياسيةً جديدةً، وتُعدّ هذه الاعتبارات كلها خارجة عن سيطرة النظام المصري. يملك النظام سيطرة أكبر على الشرعية التقليدية، ما يفسر، جزئيًا، استمراره في المشروعات العملاقة التي بدأها في السنوات الأخيرة، على الرغم من تكلفتها الاقتصادية. بيد أن هذا النمط من الشرعية لا يستأثر به النظام لنفسه استئثارًا كاملًا، فالشرعية التقليدية التي يستمدّها من استحضار الإسلام، على سبيل المثال، قد يزاحمه فيها الفاعلون الدينيون المبرّزون مثل الأزهر، أو جماعات المعارضة التي تستحضر الإسلام للطعن في النظام، على نحو ما فعلت جماعة الإخوان المسلمين في الماضي.
خامسًا: الشرعية ليست كافية
تقترن محاولات زيادة الشرعية بتوظيف أدوات قديمة، مثل المحسوبية والقسر لتعزيز ديمومة النظام. وعلى الرغم من أننا لن نستطيع الاستفاضة في التفاعلات بين هذه الأدوات في هذه الدراسة، فإنه لا بد من أن نلاحظ في ما ذكرناه آنفًا أن المحسوبية وشرعية الأداء تتداخلان في السياسة التعليمية. فقد بذل النظام جهودًا كبيرة لضمان تمتع مؤيديه الأساسيين داخل القطاع الخاص بمنافع متفاوتة، شملت استثمارًا مكثفًا للأموال العامة في التعليم الخاص باستخدام صندوق الثروة السيادية للبلاد. ولا تعزز هذه الاستثمارات شرعية النظام بحسب المفهوم الذي تناقشه هذه الدراسة؛ لأن الشرعية إنما ترتكز على إقناع المواطنين كافة بأن النظام يستحق دعمهم؛ لأنه يخدم مصلحتهم العامة، في حين تعدّ هذه الاستثمارات مث لًا واضحًا على المحسوبية؛ أي توفير موارد الدولة لفائدة قواعد مجتمعية رئيسة، في مقابل الحصول على الدعم السياسي منها. والقسر أيضًا عنصر مهم في ديمومة النظام، وقد يكون أحد مكوّنات شرعية الأداء عند استخدامه على نحو مسموح به قانونًا، بغرض تعزيز السلامة العامة. بيد أن النظام الحالي يستخدم القسر على نحو عشوائي وخارج نطاق القضاء أحيانًا، بغية ترهيب المعارضين وإسكاتهم. ويُفضي هذا الاستخدام العشوائي والوحشي للقوة إلى تآكل شرعية الأداء، ويغدو في حد ذاته تهديدًا للسلامة العامة. يضاف إلى ذلك أن النظام يستخدم القسر ليحول دون ظهور فاعلين يمكنهم تلبية احتياجات الجمهور على نحو أكثر فاعلية (مثل بعض المنظمات غير الحكومية)، فينتهي الأمر إلى تقويض ادّعاءاته امتلاك شرعية الأداء.
خاتمة
حاججنا في هذه الدراسة بأن الشرعية مهمة للنظام، والواضح بالقدر نفسه أن النظام لا يستطيع تخليق الشرعية؛ إذ لا يمكنه أن يبعث إلى الوجود وهمًا بالأداء الجيد، ويستبقيه في مواجهة المصاعب العامة المستدامة. بيد أنه قادر على إدارة الشرعية في جوانب كثيرة؛ منها: صوغ التوقعات العامة عن النظام بالتشديد على أهمية الحفاظ على النظام العام وتوفير السلع والخدمات الأساسية، وتهميش قيمة الحريات السياسية والمدنية، والتأثير في التصورات العامة عن النظام بالتأكيد على إنجازاته وحجب إخفاقاته وقمع الانتقادات التي قد تُوجَّه إليه. كما يمكنه إدارة مدركات المواطنين عن البدائل الممكنة، ومن وجهة نظر النظام، فإن البدائل إمّا الإسلاميون وإمّا الانزلاق إلى الفوضى وإما مزيج من الاثنين معًا. وما دام أن قسمًا كبيرًا من السكان يوافق على وجهة النظر هذه، فالمرجح أن يقبل بحالات الفشل قصيرة المدى في الأداء. ومن هذا المنظار، فإن هدف النظام ليس الحصول على دعم شعبي حقيقي، بل تحُّقُق الإذعان العام لسلطته من خلال إقناع غالبية السكان بأن النظام أكثر فاعلية في تحسين حياتها من أي بديل معقول. وقد تكون هذه الدرجة من الشرعية كافية لدفع كثيرين من السكان إلى الالتزام بالقوانين واللوائح، والإحجام عن المشاركة في أي جهود قد ترمي إلى استبدال النظام. يقترح ماكس فيبر تصورَين مهَميَن عن الشرعية: أولهما هو النموذج - المثال الذي تكون فيه الشرعية حَّقَا أخلاقَّيَا في الحكم، يدفع المواطنين إلى الانصياع طواعية لقوانين النظام، حتى لو لم يوافقوا عليها. ومن الصعب القول إنّ النظام الحالي يحظى بهذا النمط من الشرعية. ثم يقترح فيبر، ثانيًا، تصورًا أكثر واقعية يمنح فيه الاعتبار الرئيس لسلوك المواطنين، فإنْ قَبِلَ المواطنون سلطة النظام والتزموا بقوانينه وقراراته، فالنظام قد يحوز شرعية تعدّ صالحة اجتماعيًا. يخلص عفان إلى أن النظام قد حاز شرعية صالحة اجتماعيًا؛ فقد حقق سيطرة واسعة على الدولة، وعمد إلى تقنين هذه السيطرة من خلال القوانين والتعديلات الدستورية، واستخدم كثيرًا سرديات
الشعبوية والنزعة العسكرية والتفرّد التي تولّد الوطنية والولاء بين عامة الناس. ومن وجهة نظر عفان، فإن سلوك المواطنين يوحي بموافقتهم على القبضة السلطوية للنظام. مع ذلك، قد ينبع سلوك المواطن الذي لحظه عفان من الخوف من العنف العشوائي المتزايد الذي يمارسه النظام لا من قبول سلطته. وفي غياب البحث الميداني الملائم واستطلاعات الرأي الدقيقة، يستحيل التوصل إلى نتيجة قاطعة حول إذا ما كان النظام يحظى حقّا بالشرعية وفق هذا النمط أو ذاك. تُحيل هذه المناقشة في شرعية النظام أيضًا إلى مقاربة مختلفة، قد تبني تصورًا مفاهيميًا عن السياسة المصرية تحت نظام السيسي؛ إذ يكشف استحضار النظام شرعية الأداء والشرعية التقليدية والشرعية الدولية عن وجود مساحة يمكن استخدامها للاحتجاج. وقد لحظنا في مناقشتنا السياسة التعليمية، أن ثمة نقاشًا عامًا ذا مغزى في شأن تنفيذ السياسات، وإنْ من داخل الحدود التي يفرضها النظام، مع درجة من المساءلة قد تشمل إقالة وزير في الحكومة حين يُعدّ أداؤه غير كافٍ في نظر الجمهور. وربما لا تضاهي هذه الدرجة من الاحتجاج ما يحدث على مستوى الساحة العامة الصاخبة بالنقاشات في النظم الديمقراطية، لكن لأن شرعية الأداء مهمة بالنسبة إلى النظام، فإنّ الفاعلين الذين يملكون صلاحية المشاركة في النقاشات الخاصة بالأداء، مثل الخبراء الفنيين والأكاديميين والمسؤولين المتقاعدين وغيرهم، اكتسبوا الحق في مناقشة الأولويات والتنفيذ. وفي هذه المساحة تتوافر أمام هؤلاء الفاعلين فرصة للاختلاف في الرأي، وعمليةٌ للتفاوض والتوصل إلى الحلول الوسط بشأن اختلافاتهم. وفي مثل هذه البيئة السياسية الشديدة التقييد، قد تكون المناقشات الاعتيادية عن تنفيذ السياسات انعكاسًا لاختلافات فلسفية وسياسية أعمق من داخل المجتمع. وهكذا تستمر السياسة في الوجود حتى تحت نظام شديد القمعية؛ لأن أنماط الشرعنة التي يسعى لها النظام تخلق فرصًا أمام أشكال خاصة من السياسة.
المراجع
العربية
جمهورية مصر العربية، مجلس النواب. دستور جمهورية مصر العربية https://cutt.ly/uekuQEu9:). في 2019 (نيسان/ أبريل
الأجنبية
Abdel-Moneim, Mohamed Alaa. "In Search of a School Façade: Explaining the Centrality of Private Tutoring among High-Performing Students in Egypt." International Journal of Educational Development. vol. 83 (2021). Alaoui, Hicham & Robert Springborg (eds.). The Political Economy of Education in the Arab World. Boulder: Lynne Rienner, 2021. Assaad, Ragui & Caroline Krafft. "Is Free Basic Education in Egypt a Reality or a Myth?" Egyptian Center for Economic Studies (2015). Bano, Masooda & Hanane Benadi. "Regulating Religious Authority for Political Gains: al-Sisi's Manipulation of al-Azhar in Egypt." Third World Quarterly. vol. 39, no. 8 (2018). Cooper, Price Waterhouse. Understanding Middle East Education: Egypt Country Profile. PwC Education and Skills Practice (2018/ 2019). 11/4/2023. at: https://cutt.ly/UekopBmR Dagher, Ruby. Reconstructing our Understanding of State Legitimacy in Post-Conflict Societies. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2021. El Zayat, Nelly. Egypt: K-12 Egyptian Knowledge Bank Study Portal and New Form of Assessment. Education Continuity Stories. Washington, DC: July 2020. at: https://cutt.ly/xekicLYZ El-Laithy, Heba & Dina M. Armanious. "Inequality of Education Opportunities in Egypt: Impact Evaluation." Working Paper. no. 216. Egyptian
Center for Economic Studies (March 2021). at: https://cutt.ly/zekyZzjW Freeden, Michael. Liberal Languages: Ideological Imaginations and Twentieth-Century Progressive University Princeton Princeton: Thought. Press, 2005. Gilley, Bruce. The Right to Rule: How States Win and Lose Legitimacy. New York: Columbia University Press, 2009. Human Rights Watch. World Report 2021: Egypt. at: https://cutt.ly/Sekos4LG at: Union." "Interparliamentary Parline. IPU https://cutt.ly/QekoNcXY Knight, Jack & Melissa Schwartzberg (eds.). Political Legitimacy. New York: New York University Press, 2019. Loewe, Markus & Holger Albrecht. "The Social Contract in Egypt, Lebanon and Tunisia: What Do the People Want?" Journal of International Development. vol. 35, no. 5 (2022). Marey, Rezk et al. "Re-Conceptualizing Teacher Evaluation and Supervision in Light of Educational Reforms in Egypt." Social Sciences and Humanities (November 2020). McCubbins, Mathew D. & Thomas Schwartz. "Congressional Oversight Overlooked: Police Patrols versus Fire Alarms." American Journal of Political Science. vol. 28, no. 1 (February 1984). Netelenbos, Benno. Political Legitimacy beyond Weber: An Analytical Framework. London: Palgrave Macmillan, 2016. Oxford Business Group. "How Will Egypt Reform its Education System." The Report: Egypt 2020 (2020). at: https://cutt.ly/tekyvyzT Reimers, Fernando M. et al. (eds.). Education to Build Back Better: What Can We Learn for Education Reform for a Post-Pandemic World. Springer: London, 2022. Schlumberger, Oliver. "Opening Old Bottles in Search of New Wine: On Nondemocratic Legitimacy in the Middle East." Middle East Critique. vol. 19, no. 3
Springborg, Robert & Abdel-Fatah Mady (eds.). Sisi's New Republic. Boulder: Lynne Rienner Press, 2024. The Global Competitiveness Report (2019). Klaus Schwab (ed.). Geneva: World Economic Forum, 2019. UNESCO/ World Bank. EduAnalytics. "Egypt, Arab Republic of, Learning Poverty Brief" (June 2022). at: https://cutt.ly/YekyOevM Weatherford, M. Stephen. "Measuring Political Legitimacy." American Political Science Review. vol. 86, vol. 1 (1992). Weber, Max. Economy and Society. Gunther Roth & Claus Wittich (ed. & trans). Berkeley: University of California Press, 1978. _________. Politics as a Vocation. Philadelphia: Fortress Press, 1965. Winter, Ofir & Assaf Shiloah. "Egypt's Identity during the al-Sisi Era: Profile of the 'New Egyptian." Strategic Assessment. vol. 21, no. 4 (January 2019). Yefet, Bosmat. "Authoritarianism, Jihadist Ideology, and Renewal of the Religious Discourse in Egypt." Journal of the Middle East and Africa. vol. 8, no. 2 (2017).