العلاقات المدنية - العسكرية في مصر واستراتيجيات النظام للبقاء
Civil-military Relations in Egypt and the Regime's Survival Strategies
الملخّص
تهتم الدراسة بالعلاقات المدنية - العسكرية في مصر منذ عام 2013، وتبحث تحديدًا في تدابير النظام لتحقيق ثلاثة أهداف: السيطرة على الجيش ومنع انقلابه، وإعاقة أيّ تعبئة سياسية تؤدي إلى ثورة شعبية على غرار يناير 2011، واستمرار الدعم الخارجي للنظام وتقويض أيّ دعم خارجي لتغييره. وتنتهي الدراسة إلى أن هذه التدابير ساهمت في إحداث تغييرات جوهرية، أولها تغيير بنية النظام السياسي والاتجاه به نحو نمط الحكم الفردي، الذي يتحكم فيه شخص واحد ونخبة ضيّقة من أفراد أسرته والموالين له، وثانيها تهديد وحدة الجيش في ضوء إنشاء كيانات مسلحة موازية، أخطرها اتحاد قبائل سيناء، وثالثها تقويض السيادة الوطنية من جرّاء التوسع في الديون وبيع أصول الدولة والتنازلات الأخرى المقدّمة للداعمين الخارجيين، فضلًا عن دور اتحاد قبائل سيناء في ملفات السياسة الخارجية، خاصة ملف غزة. ويكشف التحليل أن التنازلات الممنوحة للجيش لضمان ولائه عّززت أيضًّا من استقلاليته، ما يفتح الباب أمام احتمالات عدة إذا ما خلا منصب الرئيس أو انفجر الغضب الشعبي نتيجة سوء إدارة الدولة.
Abstract
The study focuses on civil-military relations in Egypt since 2013 , examining measures the regime employs to achieve three objectives: controlling the military to prevent coups, thwarting political mobilization that could lead to popular uprisings akin to the January Revolution, and securing ongoing external support. The study concludes that these measures have brought about fundamental changes. Firstly, they have restructured the political regime towards a personalist regime led by one man, a close-knit elite, and loyalists. Secondly, they have threatened military unity with the emergence of parallel armed entities, notably Sinai's tribal union. Thirdly, they have undermined state sovereignty through expanding debts, selling state assets, and making other concessions to foreign backers. The analysis reveals that concessions granted to the military to ensure loyalty have also strengthened its independence, potentially paving the way for various scenarios if the presidential office becomes vacant or public discontent erupts due to mismanagement of state affairs.
- مصر
- العلاقات المدنية - العسكرية
- اتحاد قبائل سيناء
- السياسة الخارجية المصرية
- الجيش المصري
- Egypt
- Civil-Military Relations
- Sinai Tribal Union
- Egypt's Foreign Policy
- Egyptian Army
م قدمة
تؤسس الدول الحديثة جيوشها من أجل الدفاع الخارجي أساسًا، ومع ذلك، غالبًا ما تنخرط هذه الجيوش في أنشطة سياسية، وهو ما يثير التساؤل حول إذا ما كانت لدى المؤسسة التي أنشئت من أجل حماية الدولة، من القوة، ما يكفي لتصبح تهديدًا للدولة ذاتها، وما العمل إزاء ذلك1. في النظم الديمقراطية المعاصرة، أصبحت "الرقابة المدنية على القوات المسلحةCivilian Control of the Armed Forces " مبدأً أساسيًا، تم بموجبه معالجة هذه الإشكالية إلى حد بعيد2. أما في الأنظمة الاستبدادية، فتأخذ الإشكالية العديد من الجوانب3، فللحفاظ على بقائها وإجهاض الانتفاضات الشعبية، تحتاج هذه الأنظمة (سواء أكانت تقوم على حكم الفرد أم حكم الأقلية، وسواء أكان الحكم مدنيًا أم عسكريًا) إلى مؤسسات عسكرية وأمنية قوية، لكن من دون أن تشكّل هذه المؤسسات مصدر تهديد للأنظمة. وتستهدف هذه الأنظمة كذلك السيطرة على الجيش، لكن من دون المساس بموارده وميزانياته وقدراته، وذلك خوفًا من أن يتأثر ولاؤه للنظام أو فاعليته في الدفاع عن الدولة. وهناك أيضًا جانب دولي مهم4، حيث تعتمد الجيوش في الأنظمة الاستبدادية غالبًا على المساعدات الخارجية، وتحافظ على علاقات وثيقة مع جيوش الدول المانحة، في شؤون التسليح والتدريب وغيرهما. انطلاقًا من هذه المسألة، ونظرًا إلى تأثير الانتفاضات الشعبية الواسعة في عام 2011 والعوامل الخارجية المؤثرة، تهتم هذه الدراسة بالاستراتيجيات التي نفّذها النظام السياسي في مصر منذ انقلاب عام 2013، وذلك من أجل ضمان بقائه، خاصة تلك الاستراتيجيات المتصلة بعلاقة الرئيس بالقوات المسلحة، أو التي تقوم القوات المسلحة بدور أساسي فيها، ما يؤثر، بدوره، في تلك العلاقة. وتبحث الدراسة تحديدًا في الكيفية – أي في الأدوات والتدابير – التي يسعى النظام من خلالها لتحقيق أهداف ثلاثة: 1. السيطرة على القوات المسلحة ومنع أيّ انقلاب عسكري من جانبها، 2. منع أيّ انتفاضة شعبية أو تعبئة سياسية تؤدي إلى تفجّر الغضب الشعبي على غرار ما تم في عام 2011، 3. تأمين استمرار الدعم الخارجي للنظام وتقويض أيّ دعم خارجي لتغييره. وتبحث الدراسة كذلك في الكيفية التي تؤثّر بها هذه التدابير، بدورها، في ديناميات السلطة وطبيعة النظام السياسي الذي يتشكل تدريجيًا. بعبارة أخرى، تبحث الدراسة في مدى استقلالية الجيش أو تبعيته لرئيس الجمهورية، أو مدى ترسّخ سيطرة الأخير أو اعتماده على الجيش، وذلك أخذًا في الحسبان العديد من العوامل الداخلية والخارجية، بما في ذلك التوجه الاقتصادي والمصالح والتحالفات القائمة، والأبعاد التنظيمية والمؤسسية، والطموحات الشخصية، والمتغيرات الجيوسياسية. تبدأ الدراسة بتحليل الأدبيات ذات الصلة بالعلاقات المدنية - العسكرية في مصر، ثم توضح منهجية البحث. وبعد ذلك، تتعرض للحالة المصرية بالتحليل، بدءًا من الإرث التاريخي لهذه العلاقات، ثم تتناول بالتفصيل تدابير الوقاية من الانقلابات وإجهاض الانتفاضات وتأمين استمرار الدعم الخارجي. وفي خاتمة الدراسة أبرز النتائج الرئيسة.
أولا: الأدبيات ومنهج الدراسة
تكشف الأدبيات ذات الصلة عن الاستراتيجيات المنوعة التي تستخدمها النخب الحاكمة في الدول العربية لمواجهة خطر الانقلابات5، والتي تشمل تعزيز ولاء الجيش من خلال التلقين المذهبي6، وتخصيص موارد كافية لأنظمة الأمن لموازنة قوة الجيوش7، والسيطرة على مجال المعلومات والاتصالات وعرقلة قنوات الاتصال بين الوحدات العسكرية8، واستخدام وكالات الاستخبارات لزرع عدم الثقة بين الضباط والوحدات العسكرية، وتنفيذ سياسات التوظيف والترقيات بناءً على الروابط العرقية أو الدينية أو العائلية. وأوضحت كذلك أن النهج الأخير غالبًا ما يكون أكثر فاعلية من آلية التخلّص من الضباط
المشتبه في عدم ولائهم9، التي يمكن أن تزيد من عدم الاستقرار، ومن خطر الانقلاب. تشمل تدابير الوقاية من الانقلابات كذلك إنشاء كيانات مسلحة موازية Counterbalancing، إما داخل الجيش، وإما منفصلة، تكون تابعة للرئيس10. وعادة ما تستخدم هذه الآلية في الأنظمة الاستبدادية المركزية ذات المؤسسات الضعيفة التي لا تتمتع بالكثير من الدعم الشعبي، لكنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد من خطر عدم الاستقرار السياسي. وهناك من يرى أن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك (2011-1981) استخدم هذا الأسلوب عندما اعتمد على وزارة الداخلية أكثر من وزارة الدفاع في تأمين نظامه11، وساهم هذا الاختيار في سحب الجيش دعمه لمبارك خلال ثورة يناير.2011 هناك أدبيات أخرى رأت أن جهود تحديث جيوش دول الشرق الأوسط – مثل تلك المتصلة بالأسلحة والمعدات والتدريب – لا تؤدي دائمًا إلى نزع الطابع السياسي عن الجيوش أو تعزيز مهنيتها، بل قد تُعزّز تماسكها الداخلي وتدعم هويتها المؤسسية، ومن ثم تُهيّئ الظروف لتدخّلها في السياسة12. بمعنى أن هذه الجيوش تميل نحو المحافظة على الوضع الراهن. وكانت مصر مث لًا بارزًا على ذلك قبل عام 2011. نالت العوامل الخارجية قدرًا يسيرًا من اهتمام الأدبيات، فلبرامج التدريب العسكرية الأميركية، مثل برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي الأميركيInternational Military Education IMET Training, and، عواقب غير مقصودة13؛ إذ يمكن أن تُعزّز قدرات الضباط المشاركين، ودرجة استقلاليتهم، ومن ثم تجعلهم أكثر استعدادًا لاستخدام القوة في غير مصلحة النظام14. وهناك دراسات جادلت بأن ثمة علاقة بين عدد الضباط الذين يتم تدريبهم عبر برامج - مثل برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي الأميركي وبرنامج زمالة مكافحة الإرهاب الأميركية - U.S. Counterterrorism Fellowship Programواحتمالية حدوث الانقلابات، خاصة عندما يفشل النظام في تلبية حاجات الجيش15. لم يحدث هذا السيناريو الأخير في مصر قبل عام 2011، حيث كان النظام يُلبّي احتياجات الجيش كلها، أمّا في عام 2011، فقد تخّلى الجيش عن مبارك، عندما أدرك أن دعمه لم يعد في مصلحة الجيش. ثمة من اعتبر أن التدخلات الجيوسياسية الخارجية تعمل على تعزيز قابلية أنظمة ما بعد الاستقلال للاستبداد16، وذلك بسبب الاعتماد المتزايد لهذه الأنظمة على قوات الأمن الداخلي والداعمين الخارجيين على حساب التحالفات السياسية المحلية17. وبحسب باحث آخر، فقد عرقلت المساعدات الخارجية الأميركية لمصر (التي بدأت في عام 1946 وتصاعدت منذ عام 1979)18 مساعي الدمقرطة هناك19. من ناحية أخرى، ثمة مخاوف من أن تزيد المساعدات الأجنبية من تفاقم الإرهاب في بعض الأنظمة. فبحسب دراسة حديثة للأمم المتحدة: "الأمن ليس الهدف من الممارسات التعسفية التي تمارسها الدولة، بل على العكس من ذلك، الهدف هو استمرار عدم الاستقرار وانعدام الأمن وثقافة الإفلات من العقاب والعنف"20. وفي الأنظمة الدكتاتورية، والفردية تحديدًا، قد تزيد المساعدات الأميركية زيادة كبيرة من النشاط الإرهابي من خلال قيام هذه الأنظمة باستخدام
خطاب الحرب على الإرهاب "لابتزاز" الداعمين الخارجيين ضمن استراتيجياتها للبقاء، ومن ثم يكون بقاء النظام مرتبطًا بوجود تهديد أمني ما22. وربما هذا يُفسر جزئيًا استغلال الكثير من الأنظمة في العالم العربي ودول الجنوب، بما في ذلك مصر، مسألة الحرب على الإرهاب لغلق المجال العام وتبرير سياساتها القمعية24. تستخدم الأنظمة هذه التدابير وغيرها في ضوء قدراتها ومواردها وأهدافها، وتعتمد فاعلية هذه التدابير في الوقاية من الانقلابات على الطريقة التي تُستخدم بها، ويكون لهذه التدابير تداعيات سلبية على الاستقرار السياسي في حال تم تنفيذها على نحو معيب. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤجّج استخدام الأبعاد العرقية في إدارة العلاقات المدنية - العسكرية الصراعات الداخلية.
يكشف هذا العرض الموجز للأدبيات أن هناك تجاهلًا للتفاعل المعقد بين العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل العلاقات المدنية - العسكرية في الأنظمة الاستبدادية، وأن دراسات قليلة هي التي تطرقت إلى هذا، في حين أن الغالبية العظمى من الدراسات تهتم بالعوامل الداخلية في الأساس. هذا فضلًا عن أن غالبية البحوث التي تتناول الوقاية من الانقلابات في الدول العربية تركّز على التدابير المتّخذة خلال فترات السلم، ومن ثم غالبًا ما تُعزل تدابير الوقاية من الانقلابات عن بقية التحديات التي تواجهها الأنظمة، كما أن هناك نقصًا في الدراسات التي تتناول هذه التدابير في أعقاب الثورات الشعبية، أو في ظل مواجهة النظام لتهديدات وجودية. ترى هذه الدراسة أن الثورات التي اندلعت في عام 2011 مثّلت حدثًا لا مفرّ من أخذه في الحسبان عند دراسة العلاقات المدنية – العسكرية وتدابير الوقاية من الانقلابات؛ إذ نُظر إليها بوصفها خطرًا وجوديًا من خصوم التغيير في الداخل والخارج. ولهذا تبحث الدراسة في الاستراتيجيات والتدابير التي يستخدمها نظام سياسي في دولة تواجه اضطرابات داخلية في أعقاب ثورة شعبية، وتعتمد كذلك إلى حد بعيد على الدعم الخارجي. لقد واجه النظام السياسي في مصر منذ عام 2013 ثلاثة مصادر تهديد رئيسة: أولها من الجيش (خطر الانقلاب العسكري)، وثانيها من الشعب (خطر اندلاع ثورة شعبية على غرار ثورة 25 يناير)، وثالثها من الداعمين الخارجيين (خطر دعم القوى الخارجية تغيير النظام). ينصبّ التحليل في هذه الدراسة على أفعال الفاعلين الرئيسين وقراراتهم، ويأخذ في الحسبان تأثير العوامل الهيكلية، الداخلية والخارجية، في هذه الخيارات. تُصوّر الدراسة العلاقات المدنية - العسكرية في مصر باعتبارها تفاعلًا يشمل ثلاث قوى داخلية رئيسة ومكوّنًا خارجيًا، أولاها رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، الذي، على الرغم من خلفيته العسكرية، يم سك بالسلطة بوصفه رئيسًا للنظام السياسي، ومن ثم يسيطر على مؤسسات مدنية متعددة، ويحصل على دعم عبر تحالفات مختلفة، إلى جانب أنه – كما ستوضح الدراسة – يسعى لتأسيس نظام فردي، كما فَعلَ جُل الرؤساء الذين أتوا من المؤسسة العسكرية قبله في مصر، وفي عدد آخر من الدول العربية. وثانيتها، المكوّن العسكري الأوسع الذي يضم القوات المسلحة، إضافةً إلى أجهزة الأمن والاستخبارات. وثالثتها هو الشعب باعتباره مصدرَ تهديدٍ محتملٍ للنظام، خاصة عندما يتمكّن من إنجاز تعبئة سياسية فعالة تدفع القوات المسلحة إلى التخّلي عن الرئيس كما حدث في عام 2011. أمّا المكون الخارجي، فيضم داعمي النظام الإقليميين والدوليين، ففي الحالة المصرية، لولا توافر الدعم الخارجي، ما كان للمجلس الأعلى للقوات المسلحة أن ينقلب في عام 2013، وما كان للنظام الذي نشأ في أعقاب الانقلاب أن يستمر في ضوء ما واجهه من أزمات مالية حادة، كما سنوضح لاحقًا، هذا فضلًا عن العلاقات القوية بين الجيش المصري ونظرائه في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة.
ثانيًا: الإرث السياسي لتورط الجيش في السياسة
في أعقاب انقلاب عام 1952 الذي أطاح المَلكية، وتحوّل إلى ثورة غّير ت الكثير من الأمور في مصر، صعدت القوات المسلحة المصرية باعتبارها أقوى مؤسسة في البلاد، وذلك حتى هزيمة عام 1967. وبعد ذلك، واصل محمد أنور السادات (1981-1970) سياسة سلفه جمال عبد الناصر (1970-1954) في تقليص عدد الأفراد العسكريين في الإدارات المدنية، وقام كذلك بتغيير القيادات العسكرية على نحو دوري، وذلك للتخفيف من التهديدات المحتملة من الجيش25. وتحوّل تركيزه نحو تعزيز احترافية الجيش، ما ساهم في الأداء المتميز للجيش خلال حرب عام.1973 في المقابل، ركّز مبارك على توسيع امتيازات الجيش ومنحه استقلالية واسعة في إدارة شؤونه الاقتصادية والعسكرية، وذلك في مقابل دعم الجيش للنظام. وساهمت الأنشطة الاقتصادية للجيش على نحو ما في الحفاظ على مستوى معيشة جيد للعسكريين، وفي منع حدوث أيّ معارضة داخلية. وعلاوة على ذلك، شكّلت المساعدات الأميركية لمصر، بما في ذلك نحو 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية منذ معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية في عام 1979، موردًا مهمًا لتلبية حاجات الجيش حتى مع تراجع الإنفاق العسكري منذ ذلك التاريخ. تحوّل اهتمام النظام منذ أواخر عهد السادات ومعاهدة السلام نحو المعارضة الداخلية، وصار مصدر التهديد الأبرز هو الجماعات الإسلامية على وجه الخصوص. ولمواجهة هذا التهديد، قام مبارك بتعزيز قوات الأمن المركزي وتقوية وكالات الاستخبارات والأمن الرئيسة مثل جهاز مباحث أمن الدولة وجهاز المخابرات العامة. وشملت هذه التدابير نشر أعداد كبيرة من الأفراد الأمنيين والمخبرين، ما رفع عدد العاملين في وزارة الداخلية إلى ما يقدر ب 1.4 مليون شخص بحلول أوائل عام 201126. وكان الدافع الرئيس لاعتماد مبارك على هذه القوات الأمنية هو تجنّب الاعتماد على الجيش فحسب في تأمين نظامه27. ومع ذلك، أدى ذلك على نحو غير مقصود إلى تنافس خفي بين قوات الأمن والجيش، وتنافسهما على رضا النظام28. وعلى الرغم من أن الجيش تدخّل مرتين لمواجهة تهديدات داخلية وإنقاذ النظام خلال عهد مبارك (عام 1986 وفي عقد التسعينيات من القرن العشرين)، فقد كان في كل مرة يعود إلى ثكناته بعد إنجاز المهمة. ومع هذا، لم يكن الجيش القوة المهيمنة الوحيدة في المجال السياسي؛ إذ برز فاعلون آخرون، مثل الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، والجهاز البيروقراطي ورجال الأعمال والجمعيات المهنية. هذا فضلًا عن تعاون مجموعة من الخبراء المدنيين على نحو وثيق مع الرئيس من خلال مجلس الوزراء، وذلك في المسائل المتعلقة بالسياسات الخارجية والاقتصادية والمالية وغيرها30. وقبل ثورة عام 2011، لم تكن هناك مؤشرات ملموسة على أن شخصية عسكرية ستخلُف مبارك، حيث كان الخطاب العام يركّز كثيرًا على احتمال خلافة ابنه الأصغر له. تغّير الوضع جذريًا خلال ثورة 25 يناير 2011، فمع عدم قدرة قوات الأمن الداخلي على قمع الاحتجاجات، تدخّل الجيش ثالث مرة31لمواجهة ما عُدّ تهديدًا وجوديًا للنظام، لكنه لم يعُد إلى ثكناته هذه المرة، إنما توّلى السلطة الكاملة خلال المرحلة الانتقالية، ما مثّل نقطة تحوّل لم تحدث منذ عام 1952. وبلغ انخراط الجيش في السياسة ذروته مع انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 الذي وقع بعد عام واحد من انتخاب أول رئيس ديمقراطي منتخب في مصر، محمد مرسي.)2013-2012(
ثالثًا: استراتيجية بقاء النظام
تجادل هذه الدراسة بأن النظام المصري الحالي يسعى لإنشاء نظام فردي مطلق وتعزيزه، يشبه ما قام به حكّام عرب آخرون وصلوا إلى السلطة بانقلابات عسكرية، مثل حافظ الأسد )2000-1971( ومعمر القذافي )2011-1969( وعلي عبد الله صالح )2011-1978) وغيرهم. كما أنّ صعود السيسي إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، واعتماده على دعم الجيش الذي حكم البلاد بعد ثورة عام 2011 متخليًا عن
مبارك، يدفعانه إلى عدم تجاهل خطر الجيش أو إمكانية حدوث ثورة أخرى تؤدي إلى تخّلي الجيش عنه. وهناك بالطبع مصادر خطر أخرى يواجهها السيسي، تشمل الأزمات الاقتصادية التي تفاقمت بسبب سياساته التي تركّز على المشاريع العملاقة والإنفاق العسكري الضخم. ويرى روبرت سبرنغبورغ أن تراجع النمو الاقتصادي في مصر ليس بسبب مشكلات هيكلية جوهرية، لكن بسبب السياسات السيئة الناتجة من "عملية صنع قرار بدائية نسبيًا يهيمن عليها الجيش" الذي يفتقر إلى الخبرة اللازمة لتصميم السياسات الاقتصادية المعقدة وتنفيذها32. وعلاوة على ذلك، هناك مصدر تهديد آخر يهيمن على السيسي، وهو إمكانية أن يناصر الداعمون الإقليميون والدوليون مسألة تغيير النظام في مصر إذا ما أدّت سياساته إلى تهديد الاستقرار في مصر والإقليم.
ولضمان بقاء النظام وترسيخ قبضته على السلطة، يعتمد السيسي – بنهج انتهازي واضح – استراتيجية ذات ثلاثة محاور رئيسة، تتعامل مع الأخطار الثلاثة (الانقلاب العسكري والثورة الشعبية والدعم الخارجي لتغيير النظام). والمبدأ الأساسي الذي تستند إليه هذه الاستراتيجية هو جعل بقاء النظام مصلحة للجهات الفاعلة الرئيسة الداعمة له، سواء المحلية أم الدولية33، ويتم هذا عبر تقديم سلسلة من التنازلات المتدرجة لهذه الجهات، في مقابل بقاء ولاء الجيش، ودعم شريحة محدودة من السكان له، واستمرار المساعدة الخارجية لنظامه. للتعامل مع الجيش، يتبنّى السيسي نهج "الجزرة والعصا" من أجل ضمان ولائه وتقليص قدرته على القيام بانقلاب عسكري. فقد كان الطرفان متفَقيَن على الانقلاب، وعلى تصفية جماعة الإخوان المسلمين، أو هكذا بدا الأمر في السنوات الأولى. لكن مع رغبة السيسي في البقاء في السلطة والانفراد بها، انخرط الطرفان في ما يشبه عملية مساومة، وبدا أن هناك اتفاقًا ضمنيًا يُفيد كليهما، ويعتبره السيسي أنه مُيّ هّد الطريق له لتحقيق هدفه النهائي، وهو البقاء في السلطة وبناء النظام الفردي المطلق. أمّا في مواجهة الشعب، فقد استخدم السيسي ما يشبه تكتيكات الدولة البوليسية لقمع المعارضين ومنع أيّ تعبئة سياسية قد تؤدي إلى انتفاضة شعبية جديدة، وتضمن ذلك سياسة القمع والإقصاء التام للتيار الإسلامي والاعتقالات التعسفية، وغلق المجال العام أمام الأحزاب السياسية، والسيطرة على الإعلام والصحافة وغير ذلك. ومن أجل منع أيّ دعم خارجي لتغيير النظام والحفاظ على المساعدات المالية، قدّم النظام في سياساته الخارجية والاقتصادية تنازلات مختلفة للممولين الإقليميين والدوليين (يوضح الشكل )1( هذه المكوّنات وأبرز التدابير المستخدمة فيها).
1. تدابير الوقاية من الانقلابات
استخدم السيسي تدابير الوقاية من الانقلابات التي نفّذها أسلافه من قبل، وأضاف إليها، بهدف ضمان فاعليتها أكثر. فمع إدراكه المخاطر المحتملة على المدى الطويل من سياسة التطهير الواسع لقيادات الجيش، تبنّى نهجًا أكثر دقة، نفّذ من خلاله العديد من التغييرات على هيكل القوات المسلحة والعلاقات المدنية - العسكرية عمومًا، وذلك بهدف تعزيز قبضته على السلطة تدريجيًا وتقليل احتمالية الانشقاق داخل الجيش. وعلى الرغم من فاعلية هذه الأدوات حتى كتابة هذه السطور، فإنّ بعضها عزز من استقلالية المؤسسة العسكرية عن الرئيس، وهو ما قد يسمح لها بالتخّلي عنه. ثمة شواهد على أن السيسي يستخدم بحذر آلية إنشاء الكيانات المسلحة الموازية للقوات المسلحة. فبعد تصنيف جميع الإسلاميين المعارضين له إرهابيين، أنشأ السيسي وحدات عسكرية جديدة لمكافحة الإرهاب، ففي آذار/ مارس 2014 أنشأ "وحدة قوات التدخل السريع"، وهي وحدة محمولة جوًا تتكوّن من الشرطة العسكرية وقوات من المشاة الميكانيكية ووحدات متخصصة أخرى، ومجهزة بأسلحة ومعدات متطورة، بما في ذلك المقاتلات وقوات العمليات الخاصة. وتتمثل مهمتها في الدفاع عن النظام وتأمين الانتخابات
الشكل (1) استراتيجية بقاء النظام ودور القوات المسلحة
تداب الوقاية من الانقلابات منع الثورة الشعبية
• التداب¶ اجت عية - اقتصادية • إنشاء كيانات مسلحة موازية(تشكيل لتوسيع نطاق حلفاء النظام "قوات التدخل الÒيع"، وميليشيات واستفيدين منه. مسلحة من قبائل سيناء، ومنح الرئيس سلطة إنشاء قوات عسكرية جديدة أو • تعديل مختلف القوان لقمع تعديل القوات القاÊة ). اعارضة. • التغي¶ الدائم للقيادات العسكرية. • توريط الجيش قمع اعارضة. • تعي أفراد من ا Øة اناصب • تسييس أجهزة استخبارات الرئيسة ا جهزة استخباراتية. واستخدامها لسحق اعارضة. • استخدام أجهزة استخبارات راقبة • استخدام احاكم العسكرية الكيانات ا منية والعسكرية. احاكت ادنية. • اتخاذ تداب¶ صارمة ضد اعارض • إسناد مهت مدنية للمجالس العسكري. العسكرية الثثة القاÊة. • منع ا عضاء العسكري السابق من • تعي رئيس القضاء العسكري نائبًا الشح لنتخابات من دون موافقة لرئيس احكمة الدستورية. اجلس العسكري. • شغل ا فراد العسكري اتقاعدين • إنشاء ا كادÛية العسكرية اÚية. اناصب ا ̄دارية والتنفيذية واحلية الرئيسة مؤسسات الدولة. • إنشاء مقر جديد لوزارة الدفاع ووضع كل أجهزة الدولة ا ساسية داخله. • منح درجات البكالوريوس العلوم السياسية واقتصادية وا ̄دارية • استقل اؤسÝ واا للجيش والهندسية لخريجي الكليات وافتقار إ آليات الرقابة ع ا داء العسكرية. العسكري. • دور ا جهزة العسكرية وا منية • دسة الدور السياà الوصاß للقوات الويج لÒدية النظام. اسلحة(حية الدÛقراطية والدولة ادنية والحقوق الفردية ). • تحص القادة من اساءلة القانونية. • توسيع دور الجيش شؤون ا من الداخâ. • الزيادات الدورية مرتبات العسكري العامل واتقاعدين. • توسيع ا نشطة اقتصادية للعسكري. • مكافآت شهرية لäنواط وايداليات.
إعاقة الدعم الخارجي لتغي النظام
• سياسة اقاض الواسع لض ن استقرار اا الداخل وإرضاء اانح الخارجي. • بيع ا رض وا صول للحصول ع تدفقات مالية اقتصاد. • صفقات ا سلحة ع نطاق واسع ما يشكل عوائد مالية نتجي السح. • انضم إ اتفاقية اتصات والتوافق ا مني ا تبادل CISMOA وتعزيز التعاون ا مني مع الجيوش ا جنبية. • استغل الحرب ع ا ̄رهاب: تعزيز الروابط مع الغرب وت 2 ير سياسات القمع الداخل. • تأث¶ برامج التدريب العسكري ا م¶μ. • تأث¶ اشاركة قوات حفظ السم الدو.
وحماية البنية التحتية الحيوية ومكافحة الإرهاب34. وفي عام 2015، أنشأ "قوات شرق القناة" أو "القيادة الموحدة لمنطقة مكافحة الإرهاب بشرق القناة"، لتعزيز التنسيق والاستجابة بين الجيشين الثاني والثالث في منطقة سيناء. وأنشأ "وحدة مكافحة الإرهاب 888"، لتكون تابعة لوزارة الداخلية، لكنها تجمع بين كفاءات النخبة في الجيش والشرطة. ولم يكتفِ بذلك، بل عدّل قانونًا في عام 202135، ليمنح الرئيس سلطة إنشاء قوات عسكرية جديدة أو تعديل القوات الحالية، بشرط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. الأهم من ذلك، وبعد توليه السلطة، نفّذ السيسي إجراءً غير مسبوق في التاريخ العسكري والسياسي المصري، فقد شكّل ميليشيات مسلحة من قبائل سيناء، محطّمًا إرثًا تاريخيًا عتيدًا في مصر، يتمثّل في الاعتماد على جيش وطني واحد. عُرفت هذه الميليشيات باسم "اتحاد قبائل سيناء"، وظهرت في عام 2015 بهدف مكافحة الجماعات المتطرفة والعناصر الإرهابية على نحو استباقي، وتقديم الدعم للقوات المسلحة في سيناء. يترأّس هذا الاتحاد إبراهيم العرجاني36 من قبيلة الترابين، لينتقل به في بضع سنين، وبمساعدة رأس النظام، من قوة تطوعية إلى كيان يدفع رواتب لمنتسبيه، ويجذب أعضاءً من مختلف القبائل. وعلى الرغم من أن النظام نزَعَ سلاح قبيلتي الرميلات والسواركة مع تراجع تهديد الإرهاب بحلول عام 2022، فإنه سمح لاتحاد قبائل سيناء بالاحتفاظ بأسلحته، ما يعني رغبة النظام في الإبقاء عليه37. في صعود النفوذ السياسي والعسكري للعرجاني، يظهر التداخل البّين بين جهود مكافحة الإرهاب في مصر، والمصالح التجارية، والسياسة الخارجية. فبدعم من السيسي، أسّس العرجاني وترّأس "شركة مصر سيناء للتنمية الصناعية والاستثمار"، وهي شركة معظم مّلا كها من العسكريين السابقين، ويعمل ضابط استخبارات عسكرية سابق نائبًا للعرجاني. ووسّع الأخير مشاريعه التجارية محتكرًا الشحن إلى قطاع غزة، وأنشأ خدمة السفر المميز للأفراد بين قطاع غزة ومصر38. وفي عام 2022، عّين السيسي العرجاني عضوًا في مجلس إدارة "الجهاز الوطني لتنمية شبه جزيرة سيناء"، ما عزز علاقته مع السيسي، وأظهر كيف صار الرجل يؤدي أدوارًا مؤثرة في مكافحة الإرهاب والأنشطة التجارية، وفي بعض ملفات السياسة الخارجية. ثم عُّين العرجاني رئيسًا ل "اتحاد القبائل العربية" في مصر في 2024، بهدف توحيد القبائل ودعم السيسي الذي عُّين رئيسًا شرفيًا للاتحاد، ما يثير مخاوف حول إساءة استخدام السلطة المحتملة لهذا الكيان "المسلح" وتأثيره في السيادة الوطنية، ووحدة الجيش، بل تماسك الدولة واستقرارها الأهلي. علاوة على ما تقدّم، ثمة تغييرات هيكلية أخرى أجراها السيسي ليس من الواضح دوافعها المباشرة. فعلى سبيل المثال، تم إنشاء "الأكاديمية العسكرية المصرية" بوصفها مظلة لجميع الكليات العسكرية المصرية. ويجري بناء مقر جديد لوزارة الدفاع، يطلق عليه "الأوكتاغون" أو "مركز القيادة الاستراتيجي للدولة"، في العاصمة الإدارية الجديدة. ويبقى الدور المنتظر لهذا الكيان غير معروف بدقة، وذلك على الرغم من أن السيسي صرّح علنًا أن افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة يمثل "ميلاد جمهورية جديدة"39. وينظر إلى الأوكتاغون على أنه مركز للحكومة الوطنية؛ إذ سيحتضن مؤسسات مختلفة مصممة لتعزيز سيطرة النظام ومركزيته40.
ولا تُنتقد العاصمة الإدارية الجديدة لمصر بسبب افتقارها إلى دراسات جدوى، أو لأنها تُنفذ مركزيًا، ولا حتى بسبب جدولها الزمني السريع، ما أدى إلى مشكلات هيكلية في بعض مبانيها، إنما أيضًا بسبب قربها جغرافيًا من قناة السويس وسيناء إلى الشرق من القاهرة. ويثير هذا الموقع الجغرافي مخاوف أمنية على المستوى الوطني41، خاصة بسبب نيّة النظام تركيز البنية التحتية الحيوية للدولة هناك، بما في ذلك بيانات الحكومة والتحكم الإداري وشبكات الاتصالات وغير ذلك. ويشكّل هذا التركيز مخاطرة كبرى في حال صارت العاصمة الجديدة هدفًا رئيسًا لهجوم خارجي. يستخدم السيسي آلية التغيير الدوري للقيادات العسكرية، ويعيد تعيين بعضهم في مناصب مدنية، أو مستشارين عسكريين لهيئات مدنية. وتحت ذريعة تعزيز القيادة الجديدة داخل القوات المسلحة، جرى تمرير تعديل قانوني يجعل مدة خدمة القيادات العسكرية سنتين، بدلًا من أربع سنوات، ما لم يمنح الرئيس تمديدًا42. وباستثناء محمد أحمد زكي حتى عام 2024، قائد الحرس الجمهوري إبان فترة حكم محمد مرسي، الذي أصبح وزيرًا للدفاع في عام 2018، استبدل السيسي جميع أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذين شاركوا معه في انقلاب عام 2013. وفي التعديل الوزاري الذي جرى في عام 2024، اتخذ السيسي خطوة جديدة، قد تؤرخ لمرحلة جديدة في حياة النظام؛ إذ تخلّص من زكي ومن رئيس هيئة الأركان أسامة عسكر. واختار السيسي جنرلًا متقاعدًا - كان محافظًا للسويس منذ عام 2018 هو عبد المجيد صقر - وزيرًا للدفاع والإنتاج الحربي، في سابقة لم تحدث إّلا مرة واحدة استثناءً في عهد مبارك43. في سابقة أخرى، لم يفعلها أسلافه أيضًا، تشمل استراتيجية السيسي للسيطرة على الجيش، وضع أفرادٍ من عائلته في مناصب استراتيجية مؤثرة؛ إذ يعمل أحد أبنائه وكيلًا لجهاز المخابرات العامة، بينما يتوّلى آخر منصبًا كبيرًا في هيئة الرقابة الإدارية. وفي عام 2016، تم تعيين شقيقه الأكبر، القاضي أحمد السيسي، رئيسًا لوحدة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ما منحه صلاحيات تحقيق واسعة، بما في ذلك الوصول إلى الحسابات المصرفية للأفراد المشتبه بهم في غسيل الأموال أو دعم الإرهاب، هذا فضلًا عن دوره داخل مرفق القضاء في إعداد قانوني السلطة القضائية، وفي اختيار القيادات القضائية. وفي عام 2022، عدّل السيسي قانونًا44، قبل أسابيع من انتهاء فترة شقيقه، ليسمح له بالبقاء على رأس الوحدة إلى أجل غير محدد. وعلاوة على ذلك، اتخذ السيسي إجراءات حاسمة ضد أيّ تهديد من داخل الجيش، وشمل هذا سجن قيادات مثل اللواء سامي عنان، رئيس الأركان الأسبق، والعقيد أحمد قنصوة، إلى جانب العديد من الضباط الآخرين، ووضع المرشح الرئاسي السابق، الفريق أحمد شفيق، تحت الإقامة الجبرية. وكان عنان وقنصوة قد أعلنا نيّتهما الترشّح للانتخابات الرئاسية في عام 2018. ولمنع تكرار مثل هذه الحالات في المستقبل، أدخل السيسي تعديلًا قانونيًا في عام 2021، يُلزم العسكريين السابقين الحصول على موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبل الترشح للمناصب العامة45. وإضافة إلى ذلك، جرى اعتقال وسجن العديد من الضباط المشتبه في تورطهم في محاولة انقلابية في عام 201546، وتم تنفيذ عمليات إعدام لبعضهم في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه. تتضمن استراتيجية السيسي في البقاء تقديم بعض التنازلات للجيش، فقد استمر في منح الامتيازات التي منحها أسلافه لإرضائه، مضيفًا إليها المزيد. وعلى رأس هذه الامتيازات، ضمان استقلالية الجيش المؤسسية والمالية؛ إذ أعاد دستور عام 2014 التأكيد على ما ورد في دستور عام 2012 - وكان سائدًا من الناحية العملية منذ عقود أيضًا - والمتمثل أساسًا في عدم السماح بمراجعة عامة لميزانية الجيش، وغياب آليات محددة لمراقبة أداء الجيش في البرلمان. لكن الأخطر هو ما تم في عام 2019؛ إذ أصبحت مهمة القوات المسلحة – بموجب التعديلات الدستورية التي جرت آنذاك – تشمل حماية الدستور والديمقراطية وحقوق الأفراد وحرياتهم، وذلك كما سيتم توضيحه في المبحث الخاص بالتدابير الاستباقية لمنع الثورة الشعبية. ولم يُبقِ السيسي على المصالح الاقتصادية وامتيازات الشركات العسكرية فحسب، إنما راح يعمل على توسيعها إلى حدٍ لم تشهده مصر من قبل. فبعد عام 2013، توسع النظام في إرسال العديد من المشاريع الضخمة إلى "الهيئة الهندسية للقوات المسلحة" والكيانات التابعة لها. وتشمل هذه المشاريع بناء العاصمة الجديدة
ومستشفيات وطرق ووحدات سكنية ومدارس ومجمعات خدمية وصوامع قمح، بل امتد الأمر إلى أنظمة إشارات المرور والسيرك الوطني وترميم المعبد اليهودي وبناء المساجد47. ووفقًا للمتحدث باسم القوات المسلحة في عام 2019، تشمل هذه المبادرات نحو 2300 مشروع، توظف نحو 5 ملايين مدني48. وفي واقع الأمر، تشُرف الشركات العسكرية على هذه المشاريع، بدلًا من إدارتها مباشرة، وذلك من خلال توظيفها لمقاولين محليين. يبرر السيسي هذا التوسع بالإشارة إلى ما يسميه "كفاءة الجيش وفاعليته"، و"افتقاره" إلى المصلحة الذاتية، و"إمكانية وصوله" إلى الموارد المادية والبشرية49. ولا شك في أنه لا يوجد ما يثبت الأمرين الأول والثاني، كما أن غياب الرقابة المالية والبرلمانية يسمح بإيجاد بيئة عُرضة لتحقيق المصالح الشخصية والفساد. أما الثالث، فيتصل بالتسهيلات التي يقدّمها النظام لشركات الجيش؛ إذ تعمل خارج اللوائح الحكومية العادية وتستفيد من الإعفاءات الضريبية، ومن الرسوم50. يثير الدور المتزايد للجيش في الاقتصاد مخاوف حول إزاحة القطاع الخاص وهروب الاستثمار الأجنبي. فقد أعرب داعمون سابقون للسيسي عن قلقهم من اضطرار شركاتهم إلى التنافس مع كيانات تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي، وتستخدم عمالة مجانية من المجندين، وتستفيد من الإعفاءات الضريبية، ومسؤولة أمام السيسي فحسب، القائد الأعلى للقوات المسلحة. فعلى سبيل المثال، أشار الملياردير المصري نجيب ساويرس إلى هذا التنافس غير العادل والميدان غير المتكافئ الذي أنشأته مشاركة الشركات العسكرية في القطاع التجاري51. وبالمثل، سحب شقيقه الملياردير سميح استثمارات جديدة من مصر بسبب المخاوف المتعلقة بتقلب سعر الصرف في البلاد52. وفي العموم، وبعد مرور أكثر من عقد على صعود السيسي إلى السلطة، تتصاعد المخاوف بشأن التداعيات المؤكدة للتوسع الاقتصادي القوي للجيش53، وصعوبة أيّ محاولة للإصلاح في المستقبل54. واصل السيسي كذلك العمل بآلية تعزيز الامتيازات المقدمة للأفراد العسكريين العاملين، وخصوصًا الضباط منهم، والعسكريين المتقاعدين. وهذه سياسة كانت موجودة منذ عقود، واستخدمها المجلس العسكري مرات عدة خلال المرحلة الانتقالية (2013-2011)، ثم عززها السيسي منذ عام 2013، وتشمل زيادات دورية في الرواتب والمكافآت، وتحسين خطط التقاعد، وترقية منافع التأمين العلاجي، وتعديل لوائح المعاشات وغيرها من المنافع المادية والعينية55. وتشمل الجهود الرامية إلى كسب دعم الجيش أيضًا إنشاء ميداليات تذكارية منوعة عبر الفروع المختلفة للقوات المسلحة، تكون مصحوبة بمكافآت مالية. وفي عام 2021، عدّل السيسي قانونًا ليمنح لنفسه سلطة تحديد أو زيادة الرواتب الشهرية للضباط الحاصلين على رتب وأوسمة معينة. وتشمل الامتيازات الإضافية تعيين مستشارين عسكريين في كل محافظة وخضوع المدنيين لدورات تدريبية وتثقيفية في الأكاديميات العسكرية56. في عام 2018، سُنّ قانون لا مثيل له أيضًا، عنوانه "بشأن معاملة بعض قادة القوات المسلحة"57، وهو يمنح الرئيس سلطة اختيار من يريد من كبار قادة القوات المسلحة، ومنحهم امتيازات محددة: معاملتهم معاملة الوزراء من حيث الأجور والمعاشات، والأوسمة بقوة القانون، والحصانة الدبلوماسية المقررة لأعضاء البعثات الدبلوماسية في أثناء سفرهم إلى الخارج، والحصانة القضائية ضد إجراءات التحقيق على المستوى المحلي في أيّ جرائم ارتكبت خلال
فترات محددة58. ويستهدف القانون ظاهريًا تكريم هذه القيادات على غرار تكريم السادات لقادة حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، لكن يمكن النظر إلى القانون بوصفه آلية لتحقيق ثلاثة أهداف: تهدئة مخاوف القيادات العسكرية التي تعاونت مع النظام من أيّ ملاحقة قضائية في المستقبل، ومكافأتهم ماليًا ومعنويًا، وأخيرًا منعهم من منافسة السيسي في الانتخابات الرئاسية، فالقانون يعتبر القادة الذين يختارهم الرئيس بمنزلة مستدَعيَن لخدمة القوات المسلحة مدى الحياة، ومن ثم لا يجوز لهم مباشرة الحقوق السياسية كالترشح والانتخاب. ومع ذلك، يبقى تأثير هذه الامتيازات كلها في ولاء الضباط متوسطي الرتب ورضاهم غير واضح بحسب يزيد صايغ59، نظرًا إلى أن جُلّ الامتيازات تذهب إلى كبار القادة والرتب العليا، هذا إلى جانب المناخ الاقتصادي الصعب. وبينما تساعد هذه التدابير في الوقاية من الانقلابات وضمان استمرار ولاء الجيش، فإنها في الوقت نفسه، لها آثار عكسية. وهنا يمكننا الإشارة إلى أمرين: الأول هو أن التنازلات المقدّمة للجيش لضمان ولائه، عزّزت في المقابل استقلاليته على نحو غير مقصود، وهذا ما قد مُيّ هّد الطريق للانقلاب إذا ما شعر الجيش بأيّ تهديد حقيقي لامتيازاته ومكانته، أو إذا أثبت السيسي عدم كفاءته في إدارة اقتصاد البلاد وعرّضها للخطر. ويشكّل توسع الاقتصاد العسكري تحديًا للنظام في ضوء التزاماته تجاه الحلفاء الإقليميين والدوليين، فشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للدعم المالي المستمر لمصر خلال أزمتها الاقتصادية، تتعارض مع الوضع الفريد للشركات العسكرية في ما يتعلق بالشفافية والحوكمة المؤسسية والإعفاءات الضريبية، كما سنعرض لاحقًا. بعبارة أخرى، في حين يبدو أن التدابير المتّخذة خلال العقد الأول من حكم السيسي ضَ مِنَت بقاءه، لكنها منحت في الوقت نفسه مزايا كبيرة للجيش، ولهذا، فمستقبل العلاقة بين الرئيس والجيش سيبقى على الأرجح متأثرًا بعوامل أخرى، مثل الوضع الاقتصادي الداخلي وموقف الحلفاء الإقليميين والدوليين، بخلاف قدرة السيسي على الاستمرار في تنفيذ سياساته تلك. أما الأمر الثاني، فيتعلق بالصعود السريع لزعيم ميليشيات اتحاد قبائل سيناء، العرجاني، وهو الصعود الذي يثير مخاوف كبيرة لأسباب عدة. فعلى عكس الحركات المسلحة المماثلة في أماكن أخرى، يفتقر العرجاني إلى الموارد المالية لإنشاء إمبراطورية مؤثرة كهذه، ما يثير تساؤلات حول مصادر تمويله والمشاركة المحتملة في أنشطة غير قانونية. كما يشي قمع النظام للمتظاهرين الذين ينتقدون أنشطة العرجاني بأن النظام ماضٍ في حماية مصالح الرجل. هذا إلى جانب أن أعمال العرجاني والكيان المسلح الذي يرأسه تتقاطع مع مسائل السياسة الخارجية الحساسة، خاصة ما يتعلق بملف قطاع غزة الذي يديره جهاز المخابرات العامة منذ فترة طويلة. وبسبب كل ما سبق، وعلى الرغم من السيطرة الظاهرة للسيسي على القوات المسلحة، فإنه لا يمكن استبعاد ظهور خلافات بين الطرفين؛ إذ تعددت المناسبات التي شهدت نقاشات حادة بين وجهات نظر مختلفة، وجُلّها من مسائل تمسّ الأمن القومي والسياسة الخارجية، وأهمها بيع جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية وبيع أراضٍ أخرى وأصول الدولة لمستثمرين خليجيين، وما يرتبط بهذا من أزمات مالية لم ينجح النظام في حلها، على الرغم من عوائد هذا البيع وحجم الديون الضخمة. وهناك أيضًا مسألة سد النهضة، والحرب في غزة (-2023) وتداعياتها. هذه قضايا كبرى، ومن الممكن أن تغير العلاقة بين الطرفين تغيرًا كبيرًا إذا ما تفجّرت تداعياتها وصارت تمثل تهديدًا وجوديًا.
2. تدابير استباقية لمنع انفجار الغضب الشعبي
لمنع أيّ تعبئة سياسية تؤدي إلى مظاهرات أو ثورة شعبية، ولإبطال مفعول أثر كرة الثلج أيضًا في ضوء الموجة الثانية من الثورات العربية التي اندلعت في السودان والجزائر والعراق ولبنان، نفّذ النظام تدابير استباقية عدة، للجيش دور رئيس فيها. أول هذه التدابير اقتصادي اجتماعي، فقد اعتمد النظام سياسة تمنح الأولوية لتعزيز رفاهية عدد قليل من الأثرياء والفئات الاجتماعية والمهنية الموالية له، والتي تشمل قادة الجيش بطبيعة الحال. هذا إلى جانب حماية مصالح طبقة من رجال الأعمال، في مقابل مساهماتهم المالية في الصناديق الخاصة للدولة وولائهم للنظام. تستهدف هذه التدابير إيجاد بيئة ترى فيها هذه الفئات المستفيدة أيّ تحرك نحو الديمقراطية تهديدًا لمصالحها وثرواتها وامتيازاتها. وفي الوقت نفسه، أدخل النظام برامج اجتماعية لتخفيف بعض الأعباء عن الفقراء والمهمشين، وذلك بهدف تقليل خطر الثورة الناتجة من معاناتهم الاقتصادية الناجمة عن تحيّز النظام إلى الأثرياء الداعمين له.
أما الإجراء الثاني فيتعلق بإدخال الجيش طرفًا رئيسًا في تنفيذ سياسات النظام الأمنية وتوريطه في الصراع السياسي. فقد وسّع السيسي هذا الدور كثيرًا، مقارنة بما كان قائمًا خلال الفترة 2013-2011، وغالبًا ما يَُبّرَر هذا بسردية تُروّج أن لدى الجيش "واجبًا مقدسًا" لحماية الدولة والحفاظ على الوحدة الداخلية60. ومع ذلك، تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان، مثل هيومن رايتس ووتش، إلى أن تصرفات الجيش في بعض الحالات، مثل تدمير المنازل والإخلاءات القسرية في شمال سيناء، تصل إلى مستوى انتهاكات القانون الإنساني الدولي61، وفي تقرير حول مذبحة رابعة، ورد، أول مرة في التاريخ السياسي المصري، أسماء مسؤولين عسكريين مصريين بوصفهم مسؤولين عن "مخالفات جسيمة ضد القانون الدولي لحقوق الإنسان"، قد ترقى إلى مستوى "جرائم ضد الإنسانية"62. يتضمن الإجراء الثالث تعزيز دور السلطات الأمنية ووكالات الاستخبارات الأخرى بمنحها صلاحيات أوسع لاستخدام تكتيكات مختلفة لقمع المعارضة، بما في ذلك العنف والرقابة والترهيب وعرقلة التنسيق بين الأحزاب السياسية والنقابات. وقد حقق النظام هذا من خلال تعزيز دور المخابرات العسكرية والسيطرة التدريجية على جهاز المخابرات العامة تحديدًا، ووضع موالين للسيسي في مواقع مؤثرة داخل الجهازين، بمن فيهم أفراد أسرته، كما جرى استخدام هذه الأجهزة في مراقبة المؤسسات الأمنية والعسكرية الأخرى ذاتها، خوفًا من وقوع أيّ انشقاقات داخلها، كما أشرنا من قبل. إن تسييس جهاز المخابرات العامة واستخدامه في مسائل السياسة أمر قديم، إّلا أن هذا الدور تم تعزيزه خلال حكم المجلس العسكري، بقيادة محمد حسين طنطاوي (2012-2011)، ولا سيما ضد المعارضين، وجرى تعزيزه أكثر بعد انقلاب عام 2013. فقد ضم طنطاوي مدير جهاز المخابرات العامة إلى مجلس الدفاع الوطني، وكان الجهاز جزءًا أيضًا من المجلس الأعلى للقوات المسلحة منذ عام 201463. وبعد سنوات ما بعد الانقلاب، صدرت قرارات رئاسية أقالت مئات من قادة جهاز المخابرات العامة من خلال نقل كثيرين منهم إلى وظائف استشارية في وزارات مختلفة، أو إحالتهم إلى التقاعد64. ومنذ تعيين عباس كامل مديرًا لجهاز المخابرات العامة، بدا أن الخلافات بين جهاز المخابرات العامة ووكالات الاستخبارات العسكرية قد تراجعت65. الإجراء الرابع هو سياسة الاعتقالات والاحتجازات الواسعة التي استدعت سنّ مجموعة واسعة من القوانين وتعديلًا سريعًا لها. ويشمل هذا تشريعات بخصوص القيود على المظاهرات، والجرائم الإلكترونية، والاحتجاز قبل المحاكمة. وشدّد النظام قبضته على منظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية والمهنية والأنشطة الطلابية والمنظمات غير الحكومية والخيرية والصحافة والإعلام والجامعات ومؤسسات البحث. إضافة إلى ذلك، قام النظام بمأسسة حالة الطوارئ ودسترتها ضمن تشريعات مكافحة الإرهاب التي أصدرها، وهي التشريعات التي منحت القوات المسلحة السلطة القضائية على بعض القضايا المدنية66، وسمحت لوكالات الاستخبارات بالسيطرة على جوانب من الأحزاب السياسية والانتخابات والهيئات الحكومية. ومُنحت الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية الضبط القضائي ضد المدنيين بقرار من وزير العدل في عام 2012، قبل أيام من تنصيب الرئيس المنتخب مرسي، إلا أن القضاء الإداري أبطله. ومؤخرًا، صدر القانون رقم 3 لعام 2024، الخاص بتأمين المنشآت والمرافق العامة والحيوية في الدولة وحمايتها، والذي يمنح القوات المسلحة صلاحية الضبط القضائي67. لم يؤدّ ذلك كله إلى قمع المعارضين فحسب، بل إلى إضعاف استقلالية القضاء والهيئات الرقابية الأخرى أيضًا. ووصل الأمر إلى تعيين رئيس القضاء العسكري نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية.
الإجراء الخامس هو دسترة الدور السياسي للقوات المسلحة. فبعد أن سمح دستور عام 2014 بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية؛ وهي ممارسة استُخدمت تاريخيًا ضد المعارضين السياسيين، كفلت التعديلات الدستورية في عام 2019، أول مرة، في تاريخ مصر للقوات المسلحة "صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد". ومع ذلك، فثمة عاملان على الأقل يسمحان بتفسير أوسع لدور الجيش في السياسة والمجتمع المصرَييَن، استنادًا إلى هذا النص، هما غياب جل هذه المكتسبات في مصر أساسًا، وغياب كيان محدد بوضوح ليكون مسؤولًا عن هذه المهمات. ومن الجدير ذكره هنا أن هذه التعديلات شملت أيضًا تعديل مواد دستورية بما يسمح للسيسي بإعادة الانتخاب في عام 2024 وتمديد فترة ولايته من أربع إلى ست سنوات. وبهذا، كان هدف التعديلات تأمين فترة ثالثة للرئيس، في مقابل زيادة دور الجيش في الحياة السياسية. لكن في ضوء تخلّص السيسي من زملائه جميعهم الذين شاركوه في انقلاب عام 2013 وانفراده شبه المطلق بالسلطة والسيطرة على قيادات الجيش، فليس من اليسير أن ينقلب الجيش عليه، من دون أن تتغير السياقات. الإجراء السادس يتمثل في أن هناك ثلاثة مجالس عسكرية تقوم بأدوار عسكرية ومدنية بأشكال مختلفة. فدور المجلس الأعلى للقوات المسلحة تم توسيعه ليشمل القضايا الداخلية غير العسكرية وأيّ موضوعات يعتبرها وزير الدفاع ذات صلة. وينص قانون 20 لعام 2014 على التعاون والتنسيق مع مجلس الأمن القومي لتحديد "العدائيات الداخلية"، و"أيّ موضوعات أخرى يرى وزير الدفاع عرضها على المجلس"68. أما مجلس الدفاع الوطني، المنصوص عليه في دستور عام 2014، فيرأسه رئيس الجمهورية، وعضوية أربعة من المسؤولين المدنيين، وثمانية من القادة العسكريين، ويتمتع بسلطة كبيرة، منها فحص الأمور المتعلقة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ومناقشة ميزانية القوات المسلحة، ويُستشار كذلك بشأن التشريعات المتعلقة بالجيش. وأخيرًا، مجلس الأمن القومي، برئاسة الرئيس، ويتألف من تسعة مسؤولين مدنيين وثلاثة عسكريين، وهو "يختص بإقرار استراتيجيات تحقيق أمن البلاد ومواجهة حالات الكوارث والأزمات بشتى أنواعها واتخاذ ما يلزم لاحتوائها وتحديد مصادر الأخطار على الأمن القومي المصري في الداخل والخارج، والإجراءات اللازمة للتصدّي لها على المستويين الرسمي والشعبي"69، وجل هذه المهمات من المفترض أن يقوم بها المدنيون أو على الأقل يشتركون مع العسكريين في القيام بها. الإجراء السابع هو الاستعانة بالعسكريين المتقاعدين في إدارة مؤسسات الدولة، فمع تشديد السيسي على الأحزاب السياسية وعدم ثقته بها، اعتمد على نحو متزايد على العسكريين المتقاعدين في شغل المناصب الإدارية والتنفيذية الرئيسة في مؤسسات الدولة والمجالس المحلية والمحافظات والهيئات الاستشارية في الوزارات70. وفي خطوة ربما تستهدف إعداد الضباط العسكريين للدخول في المجال السياسي، يُطلب الآن من جميع خريجي الكليات العسكرية الحصول على درجات البكالوريوس في مجالات مختلفة، مثل العلوم السياسية والاقتصاد والهندسة من الجامعات المدنية خلال الفترة نفسها التي يتلقون فيها درجاتهم العسكرية. وأخيرًا، يستخدم النظام سردية إعلامية لتبرير صعود وزير الدفاع إلى الرئاسة وتبرير سياساته أمام الشعب والداعمين على الصعيدين الداخلي والدولي71. تتضمن هذه الاستراتيجية عناصر رئيسة عدة، يؤدي فيها الجيش أو الخطاب العسكري دورًا حاسمًا. فهناك أولًا تعزيز ما يعرف بتأليه الزعيم Cult Personality، من خلال التصريحات العامة والإعلامية التي تروّج للسيسي باعتباره المنقذ والشخص الوحيد القادر على ضمان أمن مصر واستقرارها، مع الإشارة المتكررة إلى خلفيته العسكرية72. وهناك ثانيًا بناء "تهديد وجودي" لمصر ووحدتها ووحدة جيشها، سيجلبه أيّ تغيير نحو الديمقراطية التي ستُمكّن "الجماعات الإرهابية" من حكم مصر، ويُعرّض الأمن الإقليمي والعالمي للخطر. وتتضمن السردية، ثالثًا، التأكيد على مفاهيم "الدولة" وحمايتها و"الوطنية"؛ إذ يدعو النظام إلى الولاء المطلق للدولة، خاصة لجيشها وأجهزتها الأمنية، ويُعرّف
السيسي الوطنية بوصفها الدعم الثابت للحكومة ومؤسساتها في الحفاظ على الأمن والنظام العام، وهذا بالتبعية يشوّه أيّ معارضة أو انتقاد للنظام.73تستهدف السردية الشباب والمرشحين لوظائف في مؤسسات مدنية، كالقضاة والدبلوماسيين الجدد وموظفي بقية الوزارات. ويتم هذا من خلال برامج للتلقين المذهبي التي تأخذ أشك لًا مختلفة، لكنها كلها إلزامية، ويقدّمها عسكريون، إلى جانب بعض المدنيين الموالين للنظام. وتدمج هذه البرامج التدريبات البدنية أحيانًا، إلى جانب محاضرات عن الأمن القومي والانضباط والولاء للدولة، منها "التصدي للشائعات وتأثيراتها في الأمن الوطني" و"الاستراتيجية والأمن الوطني". والجدير بالذكر أن السيسي ترّأس شخصيًا بعض الجلسات التدريبية. وإضافةً إلى ذلك، هناك جلسات "توعوية" مصممة للتلامذة والطلاب في المدارس والجامعات.
وعلى عكس برامج التلقين المذهبي في الأنظمة الشمولية التقليدية، ليس للبرامج المناظرة في مصر أيديولوجيا واضحة، ولا تتم مركزيًا. وبدلًا من ذلك، تُوزَّع المهمة على هيئات حكومية وعسكرية مختلفة، إلى جانب بعض منظمات المجتمع المدني أيضًا، مع ضمان سيطرة المكوّن الأمني. وُأنشئت هيئات أخرى، مثل "الأكاديمية الوطنية للتدريب" التي يترأس السيسي مجلس أمنائها الذي يضم أيضًا رئيس جهاز المخابرات العامة، وتستهدف "تطوير قدرات قيادات المستقبل للدولة المصرية"، وبحسب موقعها الإلكتروني، قدّمت الأكاديمية أكثر من مئتي برنامج تدريبي لعشرات الآلاف من المصريين74. وفي التعديل الوزاري الأخير، بدأت ثمار هذا العمل في الظهور؛ إذ وصل بعض خرّيجيها من الشباب إلى منصب وزير أو محافظ أو نوابهما. وعلى الرغم من عدم تدوين أيديولوجيا واضحة المعالم في وثيقة واحدة، فإن المكوّن العسكري والأمني هو الأهم، وهو القوة الدافعة الأساسية وراء عمليات التدريب والتلقين المذهبي تلك. وهو آخذ في التطور تدريجيًا، وليس من العسير جمعه في جملة من المبادئ السياسية المتأصلة التي تدور حول دعم النظام وتبرير سياساته وتعزيز صورته العامة وتسويغ الامتيازات الواسعة الممنوحة للأجهزة العسكرية والأمنية والاستخبارية. كان التأثير التراكمي لهذه التدابير هو ترسيخ الوضع الاستثنائي للجيش في الدستور المصري، وفي المشهد السياسي عمومًا، ما حوّله إلى فاعل سياسي. وعلاوة على ذلك، فإنّ المصالح الاقتصادية المتزايدة للجيش، تُوجِد مصلحةً لديه في الحفاظ على الوضع الراهن، ما يثير مخاوف حول مقاومة أيّ انتقال ديمقراطي مستقبلي قد يهدد هذه المصالح. وهذا كله لا يمثّل خطرًا على المجالين السياسي والاقتصادي فحسب، إنما يمثل بدوره خطرًا على الجيش ذاته، ويصرفه عن أداء مهماته الرئيسة، وهو ما سمّيته في بحث آخر ظاهرة "التشتيت العسكري".75 Military Distraction ومع ذلك، فإن الوضع الاقتصادي المتدهور والشكوك المتزايدة تجاه سردية النظام - بعد فشله في إنجاز ما وعد به - تثير مخاوف
عديدة حول استقراره على المدى الطويل؛ إذ تعتمد قدرة النظام على الحفاظ على السيطرة على نجاحه في إدارة استياء الجمهور بخليط من الترهيب والوعود، والحفاظ على علاقة قوية مع الجيش، واستفادته من الأوضاع الجيوسياسية. وقد تمكّن السيسي من تأمين فترة ولاية ثالثة في المنصب خلال الحرب على قطاع غزة (تشرين الأول/ أكتوبر 2023)، التي حوّلت الأنظار بعيدًا عن القضايا الداخلية. هذا فضلًا عن أنه تسلّم أكثر من 50 مليار دولار خلال الفترة نفسها، نظرًا إلى خوف القوى الإقليمية والدولية من أيّ تداعيات لهذه الحرب على استقرار مصر. وينقلنا هذا إلى المبحث المتصل بالعوامل الخارجية.
3. تدابير لضمان استمرار الدعم الخارجي
من أجل الحيلولة دون ظهور دعم خارجي لتغيير النظام، سواء من خلال الانتخابات الديمقراطية أم دعم قائد عسكري جديد، يتبع النظام سياسة خارجية تجعل من بقاء النظام مصلحة للقوى الإقليمية والدولية الرئيسة، وذلك على الرغم من أن بعض جوانب تلك السياسات يؤثر سلبيًا في الأمن القومي والجيش. ومن هذه الإجراءات ما يلي: أولًا، على الرغم من التحديات الاقتصادية والعلاقات السلمية مع الاحتلال الإسرائيلي، فإن النظام عزّز كثيرًا من وارداته من الأسلحة، حيث ارتفعت بنسبة 136 في المئة خلال الفترة 2021-2016، مقارنة بالفترة 2015-201176. ووفقًا لتحليلات سياسية منوعة77، تخدم عقود شراء الأسلحة غرضين أساسيين: أولهما ضمان استمرار دعم الدول - التي تعمل فيها الشركات المصنعة للأسلحة - للنظام من خلال عقود التسلح المربحة، كما حدث مع ألمانيا78 وإيطاليا79وروسيا وغيرها. ويوضح الشكل (2) أن الدول الرئيسة المصدّرة هي ذاتها الدول الداعمة للنظام في مصر. وثانيهما، تساهم صفقات التسلح الضخمة هذه في ضمان استمرار دعم الجيش للنظام، وتعزيز صورة النظام بوصفه مهتمًا بتحديث الجيش، ما يُعزّز أيضًا مكانته في المجتمع. ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة بشأن عدم تزامن ذلك مع برامج تحديث تُدخل إصلاحات جوهرية في مجالات التجنيد والتدريب والمساءلة داخل الجيش، ما يثير تساؤلات حول فاعلية القوات المسلحة على المدى الطويل. هذا إلى جانب أن صفقات التسليح الضخمة هذه لم تردع إثيوبيا عن تهديد الأمن المائي المصري، كما أن النظام احتاج إلى مساعدة الطائرات الإسرائيلية في حربه ضد الجماعات المسلحة في سيناء.
الشكل (2) موردو الأسلحة إلى مصر (023–20132) (بملايينن الدولارات الأميركية)
ثانيًا، وقّعت مصر في عام 2018 اتفاقية "الاتصالات والتوافق الأمني المتبادل" CISMOA مع وزارة الدفاع الأميركية، ما مثل تحوّلًا كبيرًا في سياستها الدفاعية والخارجية. فطوال عقود، قاومت مصر الضغوط الأميركية لتوقيع هذه الاتفاقية بسبب مخاوف تتصل بالسيادة والأمن القومي في المقام الأول. وبتوقيع النظام الاتفاقية، فإنه يُظهر استعداده لمواءمة ممارساته العسكرية وأنظمة الاتصال الخاصة به مع تلك الخاصة بالولايات المتحدة. ويمكن تفسير هذه الخطوة باعتبارها تنازلًا للمطالب الأميركية الطويلة الأمد، في مقابل استمرار
الدعم الأميركي للنظام، وهذا ما يؤكد صحة ادّعاء براونلي بأن الدعم الأميركي المستمر قد عرقل انتقال مصر إلى الديمقراطية80. ثالثًا، تتماشى جهود النظام في مكافحة الإرهاب مع نتائج دراسة الأمم المتحدة وبحث بوتون المذكور سابقًا81؛ إذ تُستخدم ضمن استراتيجيات الحفاظ على النظام. وترتكز سياسة النظام الإقليمية إلى حد بعيد على ضمان بقاء النظام ومكافحة الفصائل الإسلامية في المنطقة، سواء السلمية أم العنيفة منها، ويتضح هذا من تورطه – وإن على نحو غير مباشر – في ليبيا والسودان واليمن. إضافةً إلى ذلك، يستخدم النظام تهديد الإرهاب لتبرير سياساته القمعية والاستثنائية في الداخل وتمكين أجهزة الأمن والاستخبارات. وعلى نحو ملحوظ، سهّلت الحرب على الإرهاب من سيطرة النظام على معظم شمال سيناء وتفريغ مساحات كبيرة منها من سكانها. ومن الجدير بالذكر أن ممارسات النظام في هذا الصدد تتقاطع مع مصالح القوى الغربية، التي تستخدم أيضًا الحرب على الإرهاب سياسيًا للحفاظ على نفوذها العالمي وتحقيق أهداف استراتيجية، وذلك على حساب تعزيز الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان82. رابعًا، نفّذ النظام تحت قيادة السيسي سياسة اقتراض واسعة للحفاظ على الاستقرار المالي، وأدى ذلك إلى زيادة كبيرة وغير مسبوقة في الدّين الخارجي، الذي ارتفع من 43 مليار دولار في حزيران/ يونيو 2013 إلى أكثر من 157 مليار دولار في آذار/ مارس 202283. واعتمد أيضًا سياسة بيع الأرض والأصول للحصول على المساعدات المالية، كما حدث في مسألة نقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجيتين إلى السعودية. وإضافة إلى ذلك، يربط النظام سياسته في الاقتراض بالمخاوف الدولية، مثل الهجرة وتغير المناخ84. فعلى سبيل المثال، كان ضبط الحدود في عام 2015 مدفوعًا جزئيًا بتأمين القروض ومعالجة المخاوف الأوروبية بشأن الهجرة. وبالمثل، اعتبرت الجماعة الدولية أن إصدار مصر السندات الخضراء في عام 2020 خطوة إيجابية في معالجة تغير المناخ، ما قد يُسهّل حصول النظام على مزيد من المنح والمساعدات85. في مطلع 2024، ووسط أزمة اقتصادية متصاعدة والحرب الإسرائيلية على غزة، حصلت مصر على أكثر من 50 مليار دولار من المساعدات الدولية. وشملت هذه المساعدات قروضًا واستثمارات ومنحًا من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة. وقد تم الحصول على الأموال من الأخيرة مقابل بيع منطقة رأس الحكمة في شمال شرق مصر لتطوير منتجع سياحي. ومع ذلك، هناك مخاوف بشأن استدامة هذا النهج، فبينما يعترف مسؤولون مصريون بمخاطر الاعتماد على "الأموال الساخنة" (الاستثمارات القصيرة الأجل التي تبحث عن عوائد عالية)، أصبحت البلاد مصدرًا رئيسًا للسندات ذات الفائدة العالية، وجذب هذه الاستثمارات. وفي الواقع، احتلت مصر المرتبة الثالثة بين 23 دولة نامية في جذب "الأموال الساخنة" من خلال هذه السندات، مع معدلات فائدة تتجاوز 32 في المئة86. وفي حين وافقت الحكومة على تنفيذ بعض الإصلاحات الاقتصادية، في مقابل قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار في عام 2016، فإن هذه الإصلاحات لم تعالج أمورًا مهمة، مثل زيادة الإيرادات الضريبية من الأثرياء والشركات التابعة للأجهزة العسكرية والأمنية، ما أدى إلى بقاء القطاع الخاص ضعيفًا87. وسهلت التقييمات الإيجابية من مؤسسات دولية تابعة على نحو ما لأهداف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حصول النظام على مزيد من القروض واستعادة ثقة المستثمرين، ما مكّنه من تأمين مزيد من المساعدات الأوروبية من خلال عقود لمشاريع البنية التحتية وشراء الأسلحة88. وهذه دائرة خبيثة وقع فيها النظام من أجل هدف آخر هو ضمان بقائه. يتم تخصيص الجزء الأكبر من الأموال المقترضة لتسديد أقساط الديون والإنفاق الحكومي وتوسيع اقتصاد الجيش وتمويل المشاريع العملاقة، مع تخصيص قدر محدود من الاستثمارات في القطاعات المنتجة في الاقتصاد89. ويرى بعض المحللين أن الاعتماد على الديون
يقوّي النظام في الأساس، من خلال توفير الموارد التي يحتاج إليها للحفاظ على نفوذه، وهذا بدوره يعوّق الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لتلبية احتياجات فئات المجتمع المختلفة90. وعلى الرغم من أن النظام وضع خططًا لتقليل تدخّل الدولة في الاقتصاد وزيادة مشاركة القطاع الخاص91، فإن هذه المخططات تتعارض مع سياسته في تأمين مصالح الفئات الداعمة له، بما في ذلك الشركات التابعة للجيش والأجهزة الأمنية الأخرى. خامسًا، لا تؤدي مشاركة مصر في عمليات حفظ السلام الدولية IPOs92 إلى تعزيز المهنية العسكرية. وهذا ما يضع مصر ضمن الحالات التي أشارت إليها بعض الأدبيات من أن من شأن هذه المشاركة تحويل أنظار الجيش إلى التركيز أكثر على الأمن الداخلي، وليس نحو تعزيز الاحترافية العسكرية93. فضلًا عن أن هذه المشاركة عزّزت التعاون مع الجيش الأميركي، ووفّرت دخلًا ماليًا للمشاركين فيها، وعزّزت سمعة مصر باعتبارها مساهمًا في جهود السلام العالمية. في حين لم تسهم المشاركة النشطة لمصر في برامج التدريب الأميركية في تعزيز حقوق الإنسان، أو إقامة الرقابة المدنية على القوات المسلحة، كما يرد في أهداف هذه البرامج عادة. تشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين مدبّري الانقلابات الذين يطيحون القادة المنتخبين ديمقراطيًا واحتمالية إجراء الانتخابات، خاصة إذا تلقّوا مساعدات عسكرية أميركية. قد يُفّسر هذا جزئيًا قرار النظام المصري بإجراء الانتخابات بعد عام 2013. وإضافة إلى ذلك، ففي حين أن المنظمات الدولية غالبًا ما تُعّبر عن استنكارها الانقلابات، فإن فاعليتها في التأثير في سلوك النظام يمكن أن تكون محدودة، كما يتضح من عدم وجود ضغط كبير على مصر من الدول الديمقراطية، أو الجهات الفاعلة الدولية الأخرى.
باختصار يمكن القول إن النظام استغل الأوضاع الجيوسياسية للحصول على مزيد من الدعم الخارجي، ومن ثم ضمان بقائه وترسيخ دعائمه. ويتوقع النظام أن مخاوف الغرب من الهجرة، ومن وصول الإسلاميين إلى الحكم، وكذا تداعيات الحرب في غزة، ستضمن استمرار هذا الدعم الخارجي. ومع ذلك، فليس من المتصور أن تستمر هذه السياسة إلى الأبد، ويبدو بالفعل أن النظام قد استنفد الوسائل المتاحة للحصول على المزيد من الأموال اللازمة للوفاء بالتزاماته السنوية في خدمة الديون والإنفاق العام، ولم يتبَّقَ له إّلا بيع الأصول المتبقية والشركات العامة المربحة، وهو ما شرع فيه بالفعل. كما أنه ليس من المستبعد أن يعيد المموّلون من دول الخليج تقييم دعمهم للنظام بسبب المخاوف المحيطة بسوء إدارته الاقتصادية على نحو رئيس.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة عن استراتيجية متعددة الأدوات للحفاظ على النظام السياسي الحالي وترسيخ نظام فردي مطلق، يتحكم فيه رئيس الدولة ونخبة ضيقة من أفراد أسرته والموالين له، وتؤدي فيه المؤسسة العسكرية وبقية الأجهزة الأمنية والاستخبارية دورًا مركزيًا في حماية النظام. تتمثل الأهداف الرئيسة لهذه الاستراتيجية في: ضمان استمرار ولاء الجيش وعدم انشقاقه عن النظام والانقلاب عليه، وإجهاض أيّ
تعبئة سياسية تُفضي إلى ثورة شعبية، والحيلولة دون تخّلي الداعمين الخارجيين عن النظام والبحث عن بديل منه. حقّق النظام قدرًا كبيرًا من مهمة ترسيخ دعائمه، وكان ذلك نتيجة تفاعل عوامل داخلية وخارجية. واستخدم طرائق قسرية عدة في استراتيجيته تلك، بعضها اعتمد على العنف الصريح، وبعضها الآخر اعتمد على آليات مثل تعديل الدستور والقوانين بصورة منفردة، والسيطرة على الأجهزة الاستخبارية، والاعتماد على المساعدات الخارجية. وهذه الأدوات ليست جديدة، فقد استُخدمت من قبلُ في مصر، إّلا أن استخدام النظام الحالي لها منذ عام 2013 جاء على نحو أكثر اتّساعًا، ومن ثم كان من الطبيعي أن تأتي نتائجها أكثر شمولية وتأثيرًا. ويمكن الإشارة في هذه الخاتمة إلى ثلاث نتائج رئيسة: الأولى: الاتجاه نحو نمط الحكم الفردي المطلق؛ إذ إن التدابير التي استخدمها النظام لتحقيق الأهداف الثلاثة السابق ذكرها، ساهمت إلى حد بعيد في إحداث تغييرات جوهرية في بنية النظام السياسي والمجتمع في مصر، واتّجهت به إلى نظام الحكم الفردي المطلق الذي يقوده شخص واحد، ومعه دائرة ضيقة من أفراد أسرته والموالين له. فلم يُبق هذا النظام الرئيس فترةً رئاسية ثالثة فحسب، ولا أعاد البلاد إلى نظام مبارك أو حتى نظام عبد الناصر فحسب، إنما فاق أسلافه في إحكام سيطرته شبه المطلقة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وعلى المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخبارية والقضائية والرقابية، فضلًا عن الجهاز الإداري للدولة والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والإعلام والجامعات. وهذا ما لم يحققه رئيس مصري من قبل، ولم يتبق إّلا الأزهر بعيدًا عن السيطرة المباشرة له. ولهذا كله تداعيات كبيرة، ستجعل من أيّ عملية إصلاح أو تغيير في المستقبل أكثر صعوبة مما كان الوضع في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، ومن هذه التداعيات على سبيل المثال ترسانة القوانين التي ترسّخ حالة الاستثناء وسيطرة الأجهزة الاستخبارية، وتوسيع الاقتصاد العسكري، حيث صارت للشركات التابعة للجيش وبقية الأجهزة الأمنية والاستخبارية الأخرى سيطرة شبه مطلقة على الاقتصاد، فضلًا عن تسييس الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخبارية، وعمليات التلقين المذهبي التي خضعت لها فئات مختلفة من الشعب. الثانية: تهديد وحدة المؤسسة العسكرية، ففضلًا عن تضخم الاقتصاد العسكري واتساع الأدوار السياسية للجيش، ما حوّل الجيش إلى فاعل سياسي وطرف في الصراع السياسي حول السلطة، يلجأ النظام إلى آلية الكيانات المسلحة الموازية لتجنّب الاعتماد على الجيش، فحسب، في بقائه، وهو ما يمثل تهديدًا حقيقيًا على وحدة المؤسسة العسكرية. فللمرة الأولى في التاريخ السياسي والعسكري لمصر، هناك في مصر الآن ميليشيات قبلية مسلحة، أنشأها السيسي لمساعدة الجيش في سيناء، ولم ينزع سلاحها، على الرغم من انحسار الإرهاب هناك منذ عام 2022، بل صارت هذه الميليشيات تجتذب أعضاءً وتجنّدهم وتمنحهم رواتب شهرية. هذا إلى جانب الكيانات العسكرية الأخرى التي أنشئت لمكافحة الإرهاب، وتتبع مباشرة رئيس الجمهورية.ُ يكشف التحليل في هذه الدراسة كذلك أن ثمة تفاعلًا معقدًا للاستراتيجيات والتحديات المحيطة بجهود النظام لترسيخ السلطة وعلاقة الرئيس بالقوات المسلحة. ففي حين أحرز النظام تقدّمًا في تحقيق بعض الأهداف، فإن التنازلات الممنوحة للجيش لضمان ولائه للنظام، عزّزت استقلاليته. وفي العموم، لا تضمن تدابير الوقاية من الانقلابات بالضرورة الحصانة من التدخلات العسكرية المستقبلية. فهناك عوامل محورية قد مُتّ هّد الأرض لتدخّل الجيش، مثل استمرار الممارسات القمعية والإقصائية واتساعها وتصاعد الغضب الشعبي، أو غياب عملية محددة لشغل منصب الرئيس إذا خلا المنصب لأيّ سبب، أو تقليص امتيازات الجيش بسبب الضغط المالي والأزمات الاقتصادية. وقد تؤدي هذه العوامل أيضًا إلى نجاح المتضررين من سياسات النظام في التعبئة السياسية ضده، ومن ثم عودة الاحتجاجات إلى الشوارع. وإذا حدث ذلك، فسيصبح الجيش تهديدًا حقيقيًا للنظام، والأقرب أنه سيكرر رفضه قمع المتظاهرين. وهناك خيارات أخرى أمام النظام، منها استخدام قوات مكافحة الإرهاب التابعة للرئيس والميليشيات القبلية المسلحة في قمع المتظاهرين، وهذا ستترتب عليه تداعيات خطرة، ربما لم تشهد لها مصر مثيلًا من قبل؛ إذ تُقرّبها مما حدث في سورية أو في السودان أو ليبيا. الثالثة: تقويض السيادة الوطنية، فالطرائق التي لجأ إليها النظام لمعالجة التداعيات السلبية لسياساته الاقتصادية أفضت إلى تداعيات سلبية على سيادة الدولة. ومن هذه التداعيات التوسع في سياسة الديون، بدرجة غير مسبوقة، وبما يرهن مستقبل مصر عقودًا قادمة، وبيع مساحات من الأرض، كما حدث مع تيران وصنافير ورأس الحكمة، وبيع أصول الدولة، ومؤخرًا شكّل النظام لجنة لإدارة بيع أصول الدولة على نحو يشير إلى أن البيع صار جزءًا معتمدًا من سياسته. وأخيرًا هناك الدور الذي تقوم به الميليشيات القبلية المسلحة في بعض ملفات السياسة الخارجية، وعلى الأخص مسألة غزة، وهو ما يشي باحتمال وجود علاقات خارجية بين هذه الميليشيات ودول في الإقليم. لقد استفاد النظام من الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، لكن هذا جرى بثمن باهظ وتنازلات ضخمة لداعميه الإقليميين والدوليين. فقد دفع عداء القوى الإقليمية للديمقراطية والحركات الإسلامية وتفضيل القوى الدولية مصالحها التجارية والاستراتيجية، هذه القوى
إلى تقديم الدعم المالي والسياسي للنظام، لكن، في مقابل هذا، كانت سياسة التوسع في الديون وبيع الأصول وصفقات التسلح الضخمة. كما أكدت الحروب المستمرة على غزة الأهمية التقليدية للنظام في الوساطة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إّلا أن هذا جاء على حساب الدور الحقيقي لمصر في الإقليم، الذي يناسب قدراتها وموقعها؛ إذ لم ينجح النظام في إيقاف العدوان، ولا حتى في ردع دولة الاحتلال عن اختراق معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية واحتلال ممر صلاح الدين الحدودي بين قطاع غزة ومصر (فيلادلفيا)، بل على العكس تمامًا، ينظر إلى النظام على أنه يدعم حصار غزة ويتخّلى عن حماية شعبها في ظل حرب إبادة شرسة. ومع هذا، يبقى نهج النظام في معالجة الوضع الاقتصادي الصعب وإدارة سياسته الخارجية نهجًا غير مستدام. وثمة أخطار عدة من التدهور الاقتصادي المستمر، والإنفاق الحكومي غير المنتج، وأوجه الفساد المختلفة، والفجوة المتزايدة في الثروة. وستبقى مصر – مثلها مثل دول عربية أخرى شهدت موجات من الانتفاضات الشعبية منذ عام 2019 – عُرضةً للاضطرابات الاجتماعية. إن أدوات القهر كلها التي تُستخدم عادة لإجهاض انفجار الغضب الشعبي لا تُوقف هذا الانفجار إلى الأبد، إنما تؤخره، وذلك طالما لم تجرِ معالجة الجذور الحقيقية للمشكلات القائمة. ويمكن أن يؤدي هذا الانفجار - في ظل غياب معارضة منظمة وقوية - إلى تدخّل عسكري آخر. ويبقى احتمال تكرار الجيش أخطاء الماضي، سواء من خلال توّلي السلطة على نحو مباشر، أم الفشل في إنشاء إطار سياسي تشارك فيه القوى المدنية، مصدرَ قلقٍ كبيرًا. في ضوء ما تقدّم، يمثل حلّ اتحاد قبائل سيناء ونزع سلاحه أولوية وطنية، إلى جانب وضع الكيانات المسلحة كلها التي أنشئت لمحاربة الإرهاب ضمن هيكلية القوات المسلحة، فضلًا عن البدء في مسار إصلاح سياسي شامل، يُقوي من دولة المؤسسات وحكم القانون والفصل بين السلطات والقضاء المستقل والتداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات ديمقراطية تنافسية، ويضع كذلك آليات فعّالة لمراقبة داخلية وبرلمانية على أداء الأجهزة كلها، العسكرية والأمنية والاستخبارية، يضمن لها وحدتها وتعزيز قدراتها وميزانياتها والقيام بمهماتها الأصلية، بعيدًا عن صراعات السياسة وتنافس السياسيين. هذا إلى جانب انتخاب حكومة مسؤولة أمام البرلمان تكون قادرة على إدارة الاقتصاد والسياسة الخارجية بأكبر قدر من الرشد السياسي والحرص على موارد البلاد ومصالح الشعب.
المراجع
العربية
إبراهيم، منى. "الجيش والاقتصاد في مصر بين الاحتكارات والفساد والاضطرابات الاجتماعية". رواق عربي. مج 25، العدد 3 (2020:). في https://cutt.ly/peksunqF إبكينهانز، تيم وأبو بكر كابوجي وقالي نقوتي قاتا. الآثار السلبية لخطاب الحرب على الإرهاب. عبد الفتاح ماضي (محرر). لندن: أفق للدراسات والنشر،.2023
بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021. ________. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات،.2017
________. ثورة مصر، الجزء الثاني من الثورة إلى الانقلاب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016. جمهورية مصر العربية. دستور 014(المعدل 2 019 2) ف:ي https://cutt.ly/Cej8XFjJ جمهورية مصر العربية، رئيس الجمهورية. "القانون 161 لعام 2018
في شأن معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة". الجريدة الرسمية. العدد 29 مكرر (ه.) 2018/7/25 ف:ي https://acr.ps/1L9zOGx ________. "قانون رقم 134 لسنة 2021 ". الجريدة الرسمية. العدد 27 مكرر (د.).2021/7/14 جمهورية مصر العربية، رئيس الجمهورية المؤقت. "قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 20 لسنة 2014، بإنشاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة". الجريدة الرسمية. العدد 8 مكرر (ج.) 2014/2/25:. في https://cutt.ly/xekzItJO جمهورية مصر العربية، رئيس مجلس الوزراء. "قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 179 لسنة 2022 ". الجريدة الرسمية. العدد 5 (2022:). في https://shorturl.at/5tzid جمهورية مصر العربية، المجلس الأعلى للقوات المسلحة. "قرار رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة رقم 348 لسنة
2012 ". الجريدة الرسمية. العدد 24 تابع (ب.) 2012/6/14 ف:ي https://acr.ps/1L9zOmX ماضي، عبد الفتاح. الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية - العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021. ________. عثرات في الميدان: كيف أخفقت ثورة يناير في مصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020
________. العنف والتحول الديمقراطي في مصر بعد الثورة. القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم،.2015
مرعي، إيمان. "العاصمة الإدارية الجديدة: الحالة المصرية والخبرات الدولية"، قضايا وتحليلات. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية 2015/12/29.فيhttps://cutt.ly/4ejvxwsO:. منصور، محمد. "القدرات الأمنية والعسكرية في مصر خلال 10 سنوات: 'تحديث شامل ونقلة نوعية'". المرصد المصري. المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية. 2023/6/22 ف:ي https://acr.ps/1L9zOZ5
الأجنبية
Abdul Aziz, Muhammad & Youssef Hussein. "The President, the Son, and the Military: The Question of Succession in Egypt." The Arab Studies Journal. vol. 9-10, no. 1-2 (Fall 2001-Spring 2002). Al-Anani, Khalil. "Sisi Intensifies Arms Imports to Secure External Support for His Policies." Arab Center Washington DC. 28/2/2022. at: https://cutt.ly/2ej4rwvE Albrecht, Holger. "Diversionary Peace: International Peacekeeping and Domestic Civil-Military Relations." International Peacekeeping. vol. 27, no. 4 (2020). Anderson, Lisa. "Bread, Dignity and Social Justice: Populism in The Arab World." Philosophy & Social Criticism. vol. 44, no. 4 (2018). "Arab Republic of Egypt: Request for Extended Arrangement under the Extended Fund Facility." IMF Country Report. no. 23/2. International Monetary Fund (January 2023). at: https://cutt.ly/Sej4Taz0 Boutton, Andrew. "Of Terrorism and Revenue: Why Foreign Aid Exacerbates Terrorism in Personalist Regimes." Conflict Management and Peace Science. vol. 36, no. 4 (2019). Brooks, Lisa A. "Integrating the Civil–Military Relations Subfield." Annual Review of Political Science. vol. 22
Brown, Nathan J., Shima Hatab & Amr Adly. Lumbering State, Restless Society: Egypt in The Modern Era. New York: Columbia University Press, 2021. Brownlee, Jason. Democracy Prevention: The Politics of the US-Egyptian Alliance. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Byman, Daniel & Jennifer Lind. "Pyongyang's Survival Strategy: Tools of Authoritarian Control in North Korea." International Security. vol. 35, no. 1 (Summer 2010). Carothers, Thomas. "Promoting Democracy and Fighting Terror." Foreign Affairs. vol. 82 (2003). De Mesquita, Bruce Bueno et al. The Logic of Political Survival. Cambridge, MA/ London: MIT Press, 2005. Donnelly, Jack & Daniel J. Whelan. International Human Rights. 6 th ed. New York: Routledge, 2020. "Egypt: Massive Sinai Demolitions Likely War Crimes." Human Rights Watch. 17/3/2021. at: https://t.ly/NfJfB Escribà-Folch, Abel & Joseph George Wright. Foreign Pressure and The Politics of Autocratic Survival. New York: Oxford University Press, 2015.
Escribà-Folch, Abel, Tobias Böhmelt & Ulrich Pilster. "Authoritarian Regimes and Civil–Military Relations: Explaining Counterbalancing in Autocracies." Conflict Management and Peace Science. vol. 37, no. 5 (2020). Feaver, Peter D. "Civil-Military Relations." Annual Review of Political Science. vol. 2, no. 1 (1999). Federation of American Scientists. "Egypt: Background and U.S. Relations." Congressional Research Service. 2/5/2023. at: https://bit.ly/3yt6ZM3 Gad, Sawsan. "Egypt's SCAF and the Curious Case Against Qonsowa." Sada. Carnegie Endowment at: Peace. International for https://cutt.ly/Oej3NjnB Florea, Adrian. "Spatial Rivalry and Coups Against Dictators." Security Studies. vol. 27, no. 1 (2018). "Global Study on the Impact of Counterterrorism on Civil Society & Civic Space." United Nations Special Rapporteur on the Situation of Human Rights Defenders. United Nations Human Rights Office of the High Commissioner (2023). at: https://cutt.ly/iejz48Q8 Gotowicki, Stephen H. "The Role of the Egyptian Military in Domestic Society." National Defense University
Grewal, Sharan & Yasser Kureshi. "How to Sell a Coup: Elections as Coup Legitimation." Journal of Conflict Resolution. vol. 63, no. 4 (2019). Hamzawy, Amr. "Conspiracy Theories and Populist Narratives: On the Ruling Techniques of Egyptian Generals." Philosophy & Social Criticism. vol. 44, no. 4 (2018). Kamrava, Mehran. "Military Professionalization and Civil-Military Relations in The Middle East." Political Science Quarterly. vol. 115, no. 1 (2000). Kandil, Hazem. Soldiers, Spies, and Statesmen: Egypt's Road to Revolt. London/ New York: Verso Books, 2014. Kohn, Richard H. "How Democracies Control the Military." Journal of Democracy. vol. 8, no. 4 (1997). Kuimova, Alexandra. "Understanding Egyptian Military Expenditure." SIPRI Background Paper. Stockholm International Peace Research Institute (October 2020). at: https://acr.ps/1L9zOPT Makara, Michael. "Coup-Proofing, Military Defection, and the Arab Spring." Democracy and Security. vol. 9, no. 4 (2013). "Peacekeeping." Fact Sheet. The Cairo International Center for Conflict Resolution, Peacekeeping and Peacebuilding. 21/1/2022. at: https://cutt.ly/eekzF8b8 Quinlivan, James T. "Coup-Proofing: Its Practice and Consequences in the Middle East." International Security. vol. 24, no. 2 (Fall 1999). Reiter, Dan. "Avoiding the Coup-Proofing Dilemma: Consolidating Political Control While Maximizing Military Power." Foreign Policy Analysis. vol. 16, no. 3 (2020). Roll, Stephan. "Loans for The President, External Debt and Power Consolidation in Egypt." SWP Research Paper. German Institute for International and Security Affairs (December 2022). at: https://cutt.ly/dej4eTXH Savage, Jesse D. & Jonathan Caverley. "When Human Capital Threatens the Capitol: Foreign Aid in the Form of Military Training and Coups." Journal of Peace Research. vol. 54, no. 4 (2017). Sayigh, Yezid. Owners of the Republic: An Anatomy of Egypt's Military Economy. Washington, DC: Carnegie Middle East Center, 2019.
"._______Assessing Egypt's State ownership Policy: Challenges and Requirements." Carnegie Middle East Center. 8/5/2023. at: https://cutt.ly/kej4KwcG Sotomayor, Arturo C. The Myth of The Democratic Peacekeeper: Civil-Military Relations and The United Nations. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2014. The Oxford Handbook of African Defence and Armed Forces. Evert Kleynhans & Marco Wyss (eds.). Oxford: Oxford University Press, [Forthcoming]. Thyne, Clayton et al. "Even Generals Need Friends: How Domestic and International Reactions to Coups Influence Regime Survival." Journal of Conflict Resolution. vol. 62, no. 7 (2018). Yom, Sean L. From Resilience to Revolution: How Foreign Interventions Destabilize the Middle East. New York: Columbia University Press, 2015.