مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات
The Question of the State: Philosophy, Theory, and Context
الملخّص
* باحثة مختصة بالعلوم السياسية.
Abstract
Researcher Specializing in Political Science. Email: aicha.o.belhaj@gmail.com
- الدولة
- الفلسفة
- النظرية
- السياسة
- State
- Philosophy
- Theory
- Politics
عنوان الكتاب: مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات المؤلف: عزمي بشارة. سنة النشر:.2023 الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات:.456
تقديم
يتوقع القارئ المنتظم لمؤلفات عزمي بشارة بعدًا موسوعيًا لمقاربته أيّ مفهوم يتناوله، ابتداءً ب "المجتمع المدني"، مرورًا ب "الانتقال االديمقراطي"، وصول إلى "الدولة"، وأسلوبه التفكيكي المتعدد المناهج في تحليل هذه المفاهيم. أما القارئ المستجد بالنسبة إلى هذه الكتابة، فهو مدعوّ إلى رحلة يصعب الخروج منها من دون إعادة النظر في الكثير من التصورات، ومن دون أسئلة جديدة نبشَ الكتاب منابعها. ولعل هذا أبلغ ما يصل إليه الباحث عن إجابات، وهو اكتشاف أسئلة جديدة لم تكن مطروحة عنده من قبل. في كتاب مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات، يتبع بشارة أسلوبًا علميًا مرّكبً ا من دون تعقيد، لأنه يتعمّد الحفر خلف المفاهيم الفلسفية والرؤى السياسية ونظريات السوسيولوجيا السياسية للوصول إلى رؤيته للدولة، لا الانشغال بوضع متوالية سردية تركيبية لتاريخ مفهومها. فهو ليس مؤرخًا، على الرغم من أن المفاهيم السياسية المحيطة بفكرة الدولة لها هذه الصلة الوثيقة بالتاريخ؛ لأنها ليست نظريات مجردة أو ظواهر عامة، بل هي تاريخ من الممارسة والصراع والاجتهاد الفكري المواكب للتطورات الجذرية التي عرفتها الدولة، وما ترتبط به من مفاهيم أخرى. وابدل من ذلك، يضع بشارة أمام القارئ، مستعينًا بأدوات عابرة للتخصصات وبمناهج متعددة، خلاصة تحليل يجمع بين البعد السياسي والتحليل الفلسفي للمصادر الكبرى التي واكبت تطور الدولة، باعتبارها مفهومًا عرف قطائع معرفية متعددة؛ نظرًا إلى كثرة النظريات التي تناولته وكثافتها، والتي تعرضت للنقد والنقض، على مدار الزمن، لأنها خاضت تحدّي تفكيك إشكالية تضم عدة متغيرات، لا تنفك تطرح تحديات جديدة، مع كل مرحلة تمرّ بها الدولة. وعلى الباحث، بحسب بشارة، أن يتطرق إلى نشأة دول بعينها، سواء أكان البحث قائمًا على اتّباع منهج نظرية واحدة، أم عدة نظريات، مثلما هو ملزم بأن يتطرق إلى بنيتها ووظائفها (ص. 66). فالفرق كبير بين تعريف الفيلسوف الألماني فريدريش هيغلFriedrich Hegel للدولة بأنها "الفكرة الأخلاقية الموضوعية Idee Sittliche في تحققها، وهي الروح الأخلاقية المتجلية بصفتها إرادة جوهرية واضحة لذاتها" (ص. 189)، وتعريف السوسيولوجي الفرنسي بيار بورديو Pierre Bourdieuبأنها مجال متمايز يتصارع فيه حائزو أشكال مختلفة من السلط، و"هي صيرورة تركيز للسلطات" (ص. 134) لا تهدف هذه القراءة إلى تلخيص الكتاب، بل مناقشته، ولفت الانتباه إلى بعض وجهات النظر التي تضمنّها، مما لا يمكن إيراده في مقالٍ محدود. فأكثر ما يميّز الكتاب هو اتساع مجاله، وشموله نقاطًا كثيرة وكثيفة عن الدولة، وما يتعلق بها من مفاهيم وآراء واجتهادات ومنظّرين، وأشكال وأجيال من الحكام والفاعلين السياسيين. ف "الدولة مفهوم مجرّد" عند الأولين، أما عند السياسيين فإن "الدول موجودة على شكل مؤسسات، لا تقتصر على مجموع الأفراد الذين يعملون فيها أو الذين انتخبوها، بل هي قائمة في حد ذاتها بصلاحياتها وسلطاتها وقواعدها" (ص. 15). يركز بشارة على "مسألة الدولة"، من أجل الحاجة إلى "التفريق بين الدولة في الفهم التقليدي والدولة الحديثة، انطلاقًا من الدولة بوصفها نتاج صيرورة تمايزاتٍ في وظائف السلطة ومؤسساتها، إلى كونها مشتركًا مؤسساتيًا بين الحاكمين والمحكومين" (ص. 14) وتزداد أهمية معالجة مسألة الدولة، مع تعثر الانتقال الديمقراطي في تجارب متفرقة في المنطقة العربية، الذي كان نتيجةَ عدة أسباب، جلّها مرتبط بالدولة، ويحدّدها بشارة على النحو الآتي: "قضايا الشروخ الاجتماعية العمودية، ووهن مؤسسات الدولة غير الأمنية، وتحوّل النظام الرئاسي إلى نظام شبه سلطاني، في بعض الحالات، وتآكل ثقافة الدولة، عبر صعود الفئوية الحزبية والجهوية والطائفية والمحسوبية والزبائنية، على حساب الدولة والولاء للسلطة، وتفوّق الولاء للبنى الاجتماعية على الولاء للدولة في حالات ضعفها" (ص. 27). وكونُ تعثر الانتقال الديمقراطي مرتبطًا، في أحد أسبابه الأساسية، بالدولة، يجعل بشارة يصرّح بضرورة عوتها لتحظى بمكانة بارزة في الأجندة البحثية للعلوم الاجتماعية، ليشمل البحثُ فيها نشوءها التاريخي وتمايزاتها الداخلية، واختلافها عن أشكال السلطة التي كانت قائمة في المجتمعات. وبكلمة، يؤسس بشارة منهجه في هذا الكتاب وينطلق، استنادًا إلى هذه المقدمات، من تاريخ تمثلات الدولة بين الفكر الفلسفي والفعل السياسي، وهو الذي يراه مقاربة تمكّننا من تفسير مآزق الدولة الحالية. ياشتمل الكتاب على أحد عشر فصل، يتناول فيها بشارة قضايا تتعلق بإشكالية الدولة الحديثة وخصوصياتها، ونظريات الدولة، والصلة بين تعريف الدولة الحديثة وَت ريخ منشئها، والعلاقة بين نظرية الدولةأْ والعقد الاجتماعي، والدولة في فلسفة القانون عند هيغل، والصراع حول نظرية الدولة باعتبارها عقيدة والتصورات المعف ة للسيادة، والسيادة والمواطنة ومسألة الشرعية عند ماكس فيبر، والدولة بين االأمة والقومية، فضل عن مفاهيم وعلاقات أخرى يشملها مجال الدولة، وتشغل بال المهتم بتحولات الدول في الراهن العالمي والعربي
تطور الدولة
يعرض بشارة هذه الاجتهادات الفلسفية ويناقشها بتوسع، لتقديم وجهة نظر توفّق أحيانًا بين آراء مختلفة، أو تتخذ جانبًا تترافع عنه، في الجدل حول بنية الدولة وركائزها. فمفهوم الدولة ليس مفهومًا للدولة عبر التاريخ، بل هو مفهوم للدولة الحديثة. وإذا كانت بعض عناصره قائمة في الماضي، فإن هذه العناصر تمّت إعادة صياغتها لتخضع لجوهر الدولة الحديثة، فتصبح هذه العناصر معَّرَفة لا معف ة، خاصة أن نشأة الدولة الحديثة تكرست مع تمركز السلطة وتمفصلها، أي تمايز وظائفها، وتحوّلها إلى دولة إقليمية ذات حدود ترابية (ص. 112). في هذا الإطار، يختلف المؤلف مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريش إنجلز Engels Friedrich بأن "المميز الجوهري للدولة يكمن في وجود عنف عمومي متميز من جمهور الشعب الذي كان في الماضي عشائر مسلحة"، إذ يرى بشارة أن كلام إنجلز غير مدعوم بأدلة، فوجود "جهاز عنف" لا يعني أن العنف قد احتُكر أو أانه كان مستقلًا فعل عن عشائر أثينا (ص. 105)؛ فالمشترك بين ما ياسمى دول عبر التاريخ هو وجود حاكمين ومحكومين، وليس احتكار العنف الشرعي، ففي حالات لم يكن في وسع السلطة احتكار العنف الشرعي، حين امتلكته كيانات اجتماعية مختلفة، لكنها كانت تحظى بتوافق المحكومين واعترافهم. لذا يضيف بشارة أن الإصرار، في عصرنا، على أن مكّوةّ نًا واحدًا يشكّل الدول (وهو احتكار العنف) يهمّش إلى حد ما شرعية الدولة المتمثلة في اعتراف الرعية بها (ص. 113) تنشأ الدولة من مركزة السلطة، وبعدها تبدأ صيرورة معاكسة هي توزيع السلطة ضمن دولة مركزية قائمة (ص. 116). فالسلطة في الدولة الديمقراطية الليبرالية المعاصرة غير مستقلة، لأنها تخضع لأنواع من الرقابة. لكنها مع ذلك متغلغلة في جميع المجالات، أما االدولة السلطوية فالسلطة فيها أكثر استقلال، لكنّ أجهزة الدولة غير متغلغلة في جميع المجالات (ص. 132) الدولة الحديثة، بحسب بشارة، هي "دولة الشعب الذي تحكمه سلطاتها، وتجمع المواطنة فيها الحاكمين والمحكومين. وتؤسس لتفاعلٍ لم يكن قائمًا في السابق، يسمى الحقوق والواجبات، كما يسمى خدمة الصالح العام، وأحيانًا يجري تناول هذا التفاعل من زاوية وجود رأي عام، وإرادة عامة" (ص. 114). من هذا المنطلق، وما دام هناك "علاقات بين الدولة والمجتمع والفرد، فلا بد أن يساء استخدام دور الدولة بصفتها حافظًا للأخلاق العمومية، على حد زعمها". ولذلك، كان المسعى الأساسي لفلسفة هيغل هو توحيد الأخلاق والدولة، لتكون الدولةُ دولةَ الإنسان الإنساني، لا الإنسان الحيواني أو الإنسان الإلهي، ف "الحالة الإنسانية خارج الدولة هي إما جماعة عضوية وشائجية، تنظم ذاتها بأقل قدر ممكن من تدخل الدولة، وإما حالات متخيلة من التوحش الفردي أو التعاون بين الأفراد" (ص. 40)
الدولة ونظريات العقد الاجتماعي
يرى بشارة أن نظرية "العقد الاجتماعي"، المنتَجة في القرن السابع عشر، "ذات بعد أيديولوجي، تفهم البشر المخولين للمشاركة في العقد [...] بأنهم متساوون في حالتهم الطبيعية"، غير أنها تنطلق من عدم التزامهم بما تعاقدوا عليه. ويتفق مع الفيلسوف الإسكتلندي، ديفيد هيوم Hume David، ا في عدّ هذه المقاربة "تأمل فلسفيًا، منطلقًا من رؤية محددة لطبيعة البشر، لإسناد موقف بعينه للدولة وهو موقف 'حزبي' في رأيه" (ص. 169)، يستهدف التخلص من الكيان الناجم عن "تعاقد أفراد مدفوعين بشهواتهم، ساعين لتلبية رغباتهم ومتورطين في حالة حرب شاملة"، ولم يعد أمامهم من خيار سوى التنازل عن حقوقهم، لأنهم فقدوا السلطة المطلقة، مقابل تبني العقد الناتج من "تعاقد أفراد مسالمين متعاونين، في حالتهم الطبيعية والمفترضة من دون دولة، وظيفته الحسم في الخلافات والصراعات بين الناس، وفرض القانون ضد متجاوزي ملكية الآخرين وحريتهم، لا الحالة الطبيعية التي سبقت التعاقد، هي حالة سلم وليست حالة حرب" (ص. 152) يمثّل العقد الاجتماعي، بالمضمون الفلسفي الذي يشرحه بشارة، إحدى حالات تطور الدولة، انتقلت بها إلى كون مَن يفرض الدولة هو من يتمكن من فرض الانتظام؛ وهي الحالة التي سيفضّ ل فيها الأفراد التعرض لاستغلال أمير واحد على الحروب المستمرة الناجمة عن غارات أمراء حرب كثر. ويستشهد، هنا، بالمفكر الاقتصادي، مانكور أولسن Olson Mancur، الذي يسمي هذه الصيرورة "احتكار السرقة": إنها جباية الضرائب من الأفراد، بما يمكّن الحاكم من تزويدهم ببعض المصالح العامة. إن هذا يفسر، بحسب بشارة، أن الجماعات الكبرى تنشأ "لا بسبب عقود اجتماعية أو تنازل عن السيادة بأي شكل، وإنما بسبب المصلحة العقلانية المحسوبة للقادة القادرين على تركيز أكبر قدر ممكن من العنف بين أيديهم، وتلتقي هذه المصلحة مع طاعة السكان الذين يتوقون إلى الاستقرار" (ص. 109). والمفارقة أن عامل الاستقرار هذا هو الذي يهدد به أعوان الدول السلطوية الاحتجاجات الشعبية (إذا لم تقبل ما نعرضه ستقع في الفوضى). وأرى أن هذا الربط الذي يقيمه بشارة بين التصور الكلاسيكي للدولة وبعض أشكال الدولة السلطوية، في المنطقة العربية
بصفة خاصة، يسبغ على كتابه أهمية مضاعفة؛ نظرًا إلى تدهور تمثلات الدولة فيها، وهي التي دخلت منطقة حرجة على مستوى الشرعية، واكتساب الحكام مزيدًا من السلطات من دون الخضوع لأي ضربٍ من القضاء الدستوري، أو الرقابة البرلمانية التي اضطروا إلى التخلي عن بعضها في المرحلة التي أعقبت الثورات العربية عام 2011. وهو عكس ما يؤدي إليه تطور الدولة التي "يبتعد فيها الحاكم، نتيجة لطبيعة مفهوم السلطة، بشكل تدريجي عن الطبقة الاجتماعية التي انحدر منها. لأن السلطة المركزية ومؤسساتها تفرض عليه إيقاعها ونظرتها إلى المجتمع. فتدفعه إلى الابتعاد عن الفئات الاجتماعية من أجل الموازنة بينها؛ فعليه الحفاظ على تماسك المجتمع وإدارة موارد الدولة" (ص. 127). وهذا هو منطق الحكم والسلطة في الدولة الحديثة، بحسب بشارة.
الدولة الحديثة والمواطنة
يخصص بشارة في كتابه حيزًا وافيًا لمفهوم "المواطنة" وخصائصها، وعلاقتها بالدول الحديثة. وهو ينطلق في ذلك من أن الدولة الحديثة "تجسيد مؤسساتي، بعد أن كانت تتجسد في صاحب السلطة العليا"، ويربط المواطنة الحديثة بهذه المقاربة المؤسساتية للدولة؛ ذلك أنها تقوم على علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية، تديرها دولةُ مؤسسات. ومن ثم، تمثل المواطنة المشترك بين الحاكمين والمحكومين؛ وهي العامل الفاصل بين كون الدولة دولةَ مؤسسات أو مجرد سلطة. وهذا هو جوهر النقلة التي أحدثتها الدولةُ الحديثة. وتكاد هذه الأطروحة تشكل إحدى الأطروحات الأساسية في الكتاب. وفي هذا السياق، يقول: "الدولة ليست الحكومة وحدها، ولا المواطنين وحدهم، بل هي أيضًا المشترك بين الحكومة والمواطنين. هذا المشترك هو مصدر شرعية الدولة، وتدخل السلطة عبره في علاقة تفاعلية مع المجتمع" (ص. 22) يرى بشارة أن "الدولة تقوم على المواطنة، ولا يمكن تعريفها من دون هذه المرتبة التي يدخل الأفراد فيها" (ص. 19). ومن ثم، تكون المواطنة "عضوية في الدولة". ويتوقف اتساع هذه العضوية على طبيعة الحكم في الدولة الحديثة، ف "حين تمعن الدولة في معاملة محكوميها على أنهم رعايا، تقترب من مفهوم السلطة، وتبتعد عن صفة الدولة" (ص. 19). ولذلك، يمكن القول إن المواطنة هي المبدأ الذي يقلب علاقة الحاكم بالمحكوم عما كانت عليه؛ إذ يصبح "الشعب والمواطنون هم الدولة، والحكومة عوض أن تكون سيدهم" ويحذر بشارة من أن تختلط المواطنة بالعضوية في الجماعات الإثنية والقومية والقبلية، حتى إن كانت للفرد الواحد انتماءات هوياتية عدة ومتداخلة (ص. 18)؛ ذلك أن الدولة يضعفها تقوقع الهويات وعدم التقائها مع الانتماء إلى الدولة (ص. 178). فهناك حاجة إلى هوية وطنية مشتركة، عابرة للإثنيات والطوائف والجماعات المحلية. وهذه الهوية المشتركة ترسخ المواطنة، وتعزز الانتماء الوطني إلى االدولة؛ ومن ثمّ، تعزز تماسك الدولة. ويمكن القول إجمال إن أهم شروط تصور الدولة وجود وعي بهوية مشتركة قومية أو وطنية. ويتطور الأفراد وتنمو شخصياتهم، من خلال دخولهم في علاقات متبادلة، ومنها الجماعات والجمعيات والروابط التي يتألف منها المجتمع ويشكّلها الأفراد طوعًا، والدولة هي رابطة الروابط ومجتمع الجماعات (ص. 220) يستشهد بشارة بتصور هيغل ل "القواعد الأخلاقية للعلاقة بين الفرد والدولة"، الذي يحاج فيه بأن الجوهر الأخلاقي لا يوجد في قانون صوري، مثل قانون إيمانويل كانط الأخلاقي عن الواجب، وأن تصرّف الفرد بموجب ما يصلح أن يكون قانونًا للإنسانية جمعاء، إنما يتجسد في حياة المجتمع الأخلاقية، من العائلة، مرورًا بالمجتمع البرجوازي (أو المجتمع المدني)، ا وصول إلى الدولة (ص. 187)
الدولة ووظائفها ومجتمعها
مع تطور الدولة الحديثة، ازدادت وظائفها وتوسّع نطاقها حتى أصبح من الصعب حصرها، وأهمها الوظائف الاقتصادية والتدبيرية. لكن في الوقت نفسه، خرجت من اختصاصها بعض المجالات التي اُع دّت في الدول القديمة ضمن وظائفها وصلاحياته (ص. 36). وبسبب ذلك، لا يمكن عزل الدولة عن تفاعلاتها مع مجتمعها؛ إذ يذهب بشارة إلى أنه "من حيث بنية الدولة لا يمكن تناول كل ما يتجاوز المقولات العامة عن الدولة بمعزل عن نظم الحكم، فلا دولة بلا سلطة حاكمة، ولا سلطة حاكمة من دون نظام حكم، كما أنه لا وجود لدولة حديثة من دون مجتمعات تعيش دورة حياة مشتركة بنالحد الأدنى، في حيز جغرافي ترابي معّي، ذي حدود سياسية سيادية". وهذا يجعله يستنتج أنه لا "نظرية للدولة بمعزل عن نظريات النظم السياسية من جهة، والمقاربات السوسيولوجية في دراسة المجتمعات من جهة أخرى"، وأن التعريف القانوني للدولة يبقى ناقصًا من دون التعريف المؤسسي والسوسيولوجي المتعلق بوجود فعلي لمؤسسات تحتكر العنف الشرعي، داخل هذه الحدود، رافضًا في الوقت نفسه افتراضَ أن الدولة وحدها هي التي تضع القواعد، وتستخدم الآليات العنيفة في سبيل ذلك، وهو يرى أن هذا الافتراض يهمّش التفاعل بين الدولة والمجتمع، كما يهمّش المقاومة الاجتماعية لإكراهات الدولة.
ولهذا، يؤكد بشارة أنه "عندما نقول دولة سلطوية وليس نظامًا سلطويًا، إنما نختزل الدولة في طبيعة النظام القائم فيها، مع أن القائل يدرك عادة أنها كيان ذو سيادة على إقليم وسكان، ولكنه لا يرى غضاضةً في عدم التفريق بينها وبين نظام الحكم. فبمعانٍ كثيرة النظام هو الدولة، فهو الذي يمارس السيادة ويشغل الجهاز البيروقراطي، ويحتكر العنف ويمثل الدولة في مؤسسات النظام الدولي، وما إلى ذلك" (ص. 372) لقد أدّت الحداثة، بحسب بشارة، إلى "حدوث انفصال بين الدولة وانظام الحكم، واكتساب قدر من التركيب يجعل التصور أقل افتع ل من الماضي، أي بما يتجاوز التجريد المرتبط غالبًا بالأيديولوجيا الدولتية. وهذا ما يجعل هذه الممارسات إشكالية". وقدّم مثال "المؤسسات البيروقراطية القائمة في أي دولة حديثة، بغض النظر عن طبيعة نظام الحكم"، وكذلك "المواطنة التي لم تعد تقتصر على كون الإنسان محكومًا منن نظام معّي، ولم يعد معّر"فمّا بوصفه رعية الحاك (ص. 374). ويشير بشارة إلى حالات أدى فيها تغير نظام الحكم إلى تفكك الدولة، وتغير حدودها وسكانها، بنشوء دول جديدة. ويحدث ذلك غالبًا نتيجة وجود تطلعات استقلالية لدى قوميات تعيش فيها، ولم ينجح النظام السابق في احتوائها في أمة مواطنية كما حدث في يوغوسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا، والاتحاد السوفياتي؛ فالحفاظ على وحدة الكيان السياسي الجامع، في مراحل ضعف النظام الضامن لهذه الوحدة، ياكاد يكون مستحيل (ص. 375) وإلى جانب هذا، قد تكون لأجهزة الدولة المختلفة مصالح متعارضة، على نحو ما حصل في ثورة 25 يناير 2011 في مصر، ف "صراع مؤسستَي الجيش والأمن الداخلي عشية الثورة هو التفسير الممكن لسلوك الجيش الذي اعتبر الثورة فرصة لاستعادة مكانته داخل النظام" (ص. 90) وايضيف بشارة أن "إحدى صور الدولة هي كونها فاعل حزبيًا متشابكًا مع المجتمع، ضمن مركّب من علاقات التفاعل والمساومات"، ويرى التعدديون أن الدولة في هذه الحالة (الدولة الحارسة) وسيط يمكنه إلزام الفاعلين الاجتماعيين الآخرين، إذا لزم الأمر. وفي الماركسية االجديدة، تكون الدولةُ حكم بين مصالح طبقية متوازنة نسبيًا". وبالنسبة إلى بيار بورديو، وبعد أن تتمايز الحقوق بعضها من بعض، بين حقل قانوني وسياسي واقتصادي وإداري، في صيرورة تاريخية، "تتنافس هذه الحقول فيما بينها، وتُخترع الدولة من خلال هذا التنافس"؛ بحسب ما ينسبه إليه بشارة، لأنه من خلال التمايز تصطدم الحقول بضرورة وجود "مجال قائم بذاته للسلطة، يمكن أن يوصف بأنه قائم 'ما وراء الحقول'، أو ما وراء الحقول المختلفة، ويتجسد بالملك، إذا كان هناك ملك، ثم يتجسد بعدها بالدولة" (ص. 132) لقد كان الانتقال من مفهوم "المجال العمومي" إلى "الفضاء العمومي" أحد وجوه تطور وظائف الدولة، ف "لم يعد يقتصر المجال العمومي على الدولة بالمعنى الضيق للكلمة، أي السلطات الحاكمة ومؤسساتها، بل توسع في الدول المتطورة، على وجه التحديد"، ليشمل الفضاء العمومي، بحسب بشارة، كل ما هو خارج المؤسسات الرسمية (ص. 35). وفي هذا السياق، يتفق مع السوسيولوجية الأميركية، ثيدا سكوكبول Skocpol Theda، التي أشارت إلى أن "الدولة ليست مجرد إطار، أو حلبة فارغة تملؤها صراعات اقتصادية واجتماعية، وإنما هي منظومة متعددة السلطات، وتستمد مصادرها مان المجتمع أول، وتستخدمها في صنع المؤسسات الإدارية والقسرية والأيديولوجية، التي تعمل في سياق ديناميات متعددة" (ص. 80)
سيادة الدولة
وظّف بشارة هذه المقاربة السوسيولوجية للدولة في تناول مفهوم أساسي فيها، هو "السيادة"، وهو يقدم مقاربة نقدية له. وفي هذا السياق، يقول: "عقيدة السيادة تقارب الدولةَ كما لو أنها فاعل مفرد له إرادة دولة واحدة، بينما هي مجموعة مؤسسات وأشخاص. ووجود إرادة شرعية واحدة هي فكرة مركزية ضمن عقيدة السيادة. وإذا حسبنا تقاطع إرادات الأفراد، والعزوف عن المشاركة في التصويت، وتعدد المصالح والمنطلقات للمصوتين، وعمليات الخداع في جذب الأصوات الانتخابية لأسباب لا علاقة لها بالموقف، والتزوير وغيرها، لا يبقى مما يسمى الإرادة العامة سوى إرادة جزء صغير من االسكان شارك فعل في تشكيلها". ويضيف أن الخطورة تكمن في أنّ هذا الجزء الذي يمثل أقلية من المواطنين يقدّم نفسَه على أنه يمثل الإرادة العامة التي تتحدث السيادة باسمها (ص. 221) ويتابع بشارة تمثلات فكرة السيادة في الفكر السياسي والقانوني العربي والإسلامي، فيستشهد بالقانوني العراقي، منذر الشاوي، الذي يرى أنه لا يوجد تعدد سلطات (كما ذهب إلى ذلك لوك ومونتسكيو)، بل هناك سلطة واحدة هي سيادة واحدة، ويوجد في الدولة تعدد في الوظائف. ويشير إلى الأدبيات التي يطابق فقهُ الدولة فيها السيادةَ بما يعنيه أبو الأعلى المودودي ب "الحاكمية" (ص. 266)، فيصف هذا النموذج بأنه "نموذج معياري متخيل بصورة تامة، لم يقم قط في تاريخ الاجتماع السياسي كله، ويشكل قطيعة مع تراث هذا الاجتماع في استنساخ مقلوب لنموذج السيادة في الدولة الغربية، وهو التوتاليتارية، وإسقاطه على الإسلام" (ص. 267) وينتقد بشارة هذا الفهم، الذي يراه مغلوطًا؛ فالدولة سلطة واحدة ولا يمكن فصل السيادة عن هذه السلطة الواحدة (ص. 273)،
وصاحب السيادة هو شعب الدولة، وهكذا تكون الدولة دولته. ولكيلا تكون سيادته مصطلحًا ميتافيزيقيًا، يفترض أن تقاس بمدى كونه مشّر عًا حقيقيًا أو مصدرًا مقررًا لسلطة التشريع، وذلك قبل احترام التشريع لحقوقه ومصالحه، فيمكن أن يدّعي حكام مستبدون احترام مصلحة الشعب (ص. 270)، ليخلص بشارة إلى أن سيادة الدولة تعني استقلالية منظومتها القانونية، وحصرية ممارسة سلطاتها (بما يشمل التشريع والقضاء) في إقليم ترابي محدد، وإنفاذها على سكانه (ص. 273). ويستدرك بأن السيادة قد تتعرض للاختزال في شكلها القانوني، إذا لم تكن هناك قوة تحميها. ويتطرق الكتاب إلى التحديات الكبيرة التي تواجهها الدولة الوطنية على المستوى الخارجي، ومساعي تمسكها بقرارها السيادي، إزاء الضغوط الخارجية التي تحاول مصادرة هذا القرار، والذي كان من أمثلته مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاق بريكست (ص. 56). ويتوقف بشارة عند النقاش الذي أثير في نهاية القرن العشرين في آثار العولمة وتهميش دور الدولة، ومرحلة ما بعد الدولة - الأمة وأفول السيادة. ولا تأتي هذه التحديات من كيانات سياسية أخرى فقط، بل كذلك من كيانات اقتصادية ذات قوة هائلة تفوق قوة الدول وميزانياتها، وهي الشركات المتعددة الجنسيات؛ لأنه لا توجد أي أداة لوضع قيد على ممارسات الشركات العابرة للقارات. ويرى أنه على الرغم من أن الدول تستعين بأدوات هذه الشركات لمواجهة الآراء المعارضة بفيالق تروج لوجهة النظر الرسمية، ولمراقبة مواطنيها، فإنها "تخشاها أيضًا بسبب اختراقها حدود السيادة، وتخشى قدرتها على التواصل غير المسبوق التي قد تتحول إلى تمكين للمواطنة" (ص. 45). ويمتد هذا التحدي إلى نشوء شبكة ثقافية، ووسائل اتصال عابرة للدول؛ مما يؤدي إلى إضعاف سيادتها (ص. 41). ومع أن بشارة يقرّ بأن هناك واقعًا عابرًا للدولة الوطنية Transnational، تفرضه قضايا معولمة بطبيعتها، مثل تلوث البيئة والتغير المناخي، ليكون أحدَ تحدياتها الأساسية، ودائمًا ما يُنتظر منها إجراءات في هذا المجال، بأن تنظر خلف الحدود، وتضطلع بمسؤوليات تجاه البشرية، أو تجاه شعبها بوصفه جزءًا من البشرية (ص. 43)، فإنه يرى أن كل هذه الدينامية عزّزت في واقع الحال دور الدولة؛ إذ تعايشت مع العولمة، وأضحت من أهم أدواتها.
تحرير مفهوم "الدولة" من المنظور الأيديولوجي
يشير بشارة إلى نقطة جوهرية في النقاش حول الدولة، وهي أنها كان يُنظر إليها، من منظور الحق الطبيعي، بوصفها وسيلة لا غاية، كما كان لمقاربات العقد الاجتماعي جانب أيديولوجي وعملي في مناهضة الحروب الدينية (ص. 29). ومع الثورات، والاحتجاجات، والحراكات الشعبية المُطالِبة بالإصلاح، كانت تبدو ثمة فرصة مواتية، يوفرها ضعف نظام الحكم الذي حافظ على الدولة وانهيارُه، لفتح مسألة الدولة والسيادة من جديد، وذلك بربطها بحق تقرير المصير لقومية بعينها ترى نفسها جماعة سياسية كيانية. ويرى بشارة أن تعبير الدولة عن قومية إثنية هو تفسير إطار أيديولوجي بعينه لوظيفة الدولة وطبيعة علاقتها بالجماعة؛ إذ "تصوغ الدولة الحارسة سياسات مستقلة ومفهومًا أيديولوجيًا للمصالح القومية" (ص. 79) ويحاجّ بشارة بأن الدولة الحديثة منذ القرن السابع عشر لم تكن تعبيرًا عن قومية، بل أسهمت في تكوين القومية على مستوى توحيد.اللغة، وتشكيل الذاكرة الجماعية وكتابة التاريخ بوصفه تاريخًا قومّيًا فقد اعتبرت التجانس القومي من أهم عناصر تماسك كيانها السياسي االمنظم، على الرغم من أن هناك حركات قومية أسست دول حديثًا في القرن العشرين (ص. 29) ولعل أحد أهم انعكاسات المنظور الأيديولوجي للدولة، ممارسة وتنظيرًا، هو تصور وظيفتها الأخلاقية. ومن تمثلاته الأساسية موضوع التسامح بين الأطراف المتصارعة داخل الدولة؛ أي "مدى قبول الأيديولوجيا الليبرالية وجود جماعات داخل المجتمع الديمقراطي، هي نفسها غير متسامحة داخليًا" (ص. 178). وهو النقاش الذي يرى بشارة أن من الصعب التوصل فيه إلى تسوية بين الجماعتيين والليبراليين، فثمة جهات في الدولة الليبرالية لا تشجع استقلالية الأفراد عن الجماعات؛ إذ تحظر على أفرادها مساءلة العادات والتقاليد أو الخروج عنها، في وقت لا يجوز فيه، وفق الليبرالية الكلاسيكية، أن ترفرض الدولة تصورًا ما للحياة الخّية على الأفراد، أي أن تفرض عليهم أيديولوجيات كثيفة تشتمل على تصورات لكيفية العيش؛ إذ على الدولة أن تكون محايدة في هذا الشأن. وهي تفعل ذلك أحيانًا، على نحو ما يلاحظ بشارة، بصفة غير مباشرة، حين تعجز عن توفير شروط العيش التي يريدها المواطن، مما يؤدي إلى نشوء أيديولوجيات جديدة، كانت مطالب جماعية وصارت معتقدات فردية كالحرية الجنسية وحرية الهجرة، وحرية التعبير عن آراء معارضة للنظام السياسي في الدول السلطوية، وحرية التواصل الاجتماعي، وحماية خصوصية الأفراد أمام هجمة التكنولوجيا، والعيش الكريم الذي لم يتحقق لجل البشرية، ومع ازدياد الوعي العالمي وتشابكه بفضل وسائل التواصل وسيطرة الرأسمالية، صارت مقاييس العيش الكريم تتسع أكثر من ذي قبل، وصار الفرد أكثر اندفاعًا في المطالبة به، على الرغم من اختلاف مفهومه مع الوقت.
يخلص بشارة إلى أن المنظور الأيديولوجي لمفهوم "الدولة" كان طاغيًا، فا "لم تغب الأيديولوجيا عّم سمّي نظريات في الدولة، لا عند ماركس الناضج لاحقًا، ولا عند فيبر، وهو الأقرب إلى تأسيس نظرية في الدولة، من زاوية علم الاجتماع؛ كما أنها لم تغب عن كتابات المفكرين الليبراليين، بشأن الدولة التي تتضمن توجهات أخلاقية، ومقاربات لنظام الحكم الأكثر ضمانًا لقيم أساسية" (ص. 197). وعلاوة على ذلك، نًا ضروريًا في نظام الحكم مهما يرى بشارة أن الأيديولوجيا كانت مكّو كان، وأن "أيديولوجيا الأنظمة القمعية لا تقاوم بالنظريات العلمية، بل بأيديولوجيا انعتاقية وبالحقائق التي تُسخَّر في خدمة قيم تحررية. لذا، فمن شأن الإصرار على مقاربة نظرية واحدة، لفهم منشأ الدولة وطابعها ووظيفتها وعلاقاتها، أن يقود إلى تغليب عنصر الأيديولوجيا، الكامن في النظريات الاجتماعية" (ص. 69) غير أن ثمة إدراكًا عامًا الآن، بحسب بشارة، لمدى تجوف الأيديولوجيات التي تنبأت بانحلال الدولة، وبذوبانها في مجتمع المساواة الكاملة، ونهاية الملكية الخاصة، أو دعت إلى انحلالها. والمفارقة أن الأحزاب التي تحمل هذه الأيديولوجيات أقامت أكثر الأنظمة تمسكًا بحكم االدولة ودورها، وأكثرها تضخيمًا لبيروقراطيتها، وتغلغل لأجهزتها في مجالات الحياة كلها (ص. 38). إن هذا جعل بشارة يستنتج أن الدولة تأبى أن تكون مجرد أداة لتنفيذ برامج، فلجهازها منطقه الخاص وديناميته، قد ينمّي حدًا أدنى من الأهداف والمصالح الخاصة به بغض النظر عمّن في الحكم، إضافةً إلى أن الدولة باتت هدفًا قائمًا بذاته بالنسبة إلى القوى السياسية التي تتوق إلى الحكم، يضمن التمسك بالسلطة والسيطرة على أجهزة الدولة (ص. 39)
في دول غير حديثة مفارقات الحداثة
يتناول بشارة حالة الدولة العربية، بوصفها حالة نموذجية لمظاهر وممارسات دولة في عصر الحداثة، ولكن من دون أن تكون متضمنة أاصل في شكل الدولة الحديثة، وهي ناتجة، في رأيه، من تصور الشعوب وتمثلاتها لدولة حديثة. ويمثّل لذلك ب "تآكل ثقافة الدولة المنطلقة من تصور مصلحة عمومية، تخدمها مؤسسات الدولة، وتراجع ثقافة الخدمة العمومية لدى العاملين في هذه المؤسسات. يُضاف إليها قرن الأنظمة السلطوية الولاءَ للنظام القائم بالوطنية، وعدم الولاء بالخيانة الوطنية، وضعف الاجتماع على الدولة، بوجود قوى وكيانات اجتماعية ناافرة عن الدولة المركزية. وبدل من أن تعزز سياسات الدولة بالإجماع عليه أضعفته" (ص. 26). ويتمثل "الإجماع"، هنا، بحسب بشارة، في الخطوط العريضة لمصلحة الدولة والمواطن، لا تفاصيل السياسات العمومية. ويرى أن هذه العناصر لا تتيح الفرصة لتجذر مؤسسات الدولة وثقافة المصلحة العمومية والخدمة العمومية، وتؤدي إلى الخلط بين شرعية الدولة والولاء للسلطة، وتشوّش الصورة عن مصدر السلطة، أي عن السيادة، وظهور تفوق الولاء للبنى الاجتماعية على الولاء للدولة في حالات ضعفها (ص. 27).ا هذا فضل عن التبعات الأخلاقية الناتجة من عدم وجود جدلية تفاعلية "مواطن - مجتمع - دولة"، واستبدالها بعلاقات جماعية مع الدولة، تهمّش المواطنة ومجتمع المواطنين، ولا سيما في الحالات التي تسود في المحاصصة، ويجري التعامل مع الدولة على أنها غنيمة (ص. 415) وإلى جانب ذلك، قاد تضخم الجهازَين الأمني والبيروقراطي، ولا سيما في الأنظمة السلطوية، إلى غلبة الهاجس الأمني على الهاجس الاجتماعي والتنموي، في ترتيب سلطوي لأولويات الدولة، "سعيًا لتحقيق أهداف عديدة منها قمع المعارضة واحتمالات التغيير السياسي" (ص. 42) ومن التحديات التي تواجه الدولة الحديثة في المنطقة العربية، ويشير إليها بشارة، الشروخ الاجتماعية وهشاشة الدولة، مقابل تسيّس البنى الاجتماعية، ولا سايما الطائفية. ويضرب لذلك مث لًا كًّل من العراق ولبنان بوصفهما نموذَجيَن لغياب بعض مكونات الدولة، مثل غياب احتكار العنف، ورفض حصر شرعية ممارسة العنف في الدولة، وتقاسم الوظائف والتعيينات في أجهزة الدولة على أساس الولاء الحزبي، على حساب الكفاءة. وهو ما يناقض وظيفة بيروقراطية الدولة وطبيعتها التاريخية (ص. 51) وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات والتحديات ل "دولة العالم الثالث"، يحذر بشارة من الخطر الذي تتعرض له، ومن خطورة غيابها، مع تفشي وهم الاستغناء عنها الذي سيؤدي إلى الفوضى، يقول: "استقرار الدولة بالغ الأهمية في ضوء الأخطار التي تواجهها، فعدم استقرارها لا يؤدي إلى نشوء دولة جديدة بل إلى تحوّلها إلى دولة فاشلة، تتسم بغياب الأمن والفوضى والتقهقر الاجتماعي، وإلى أوليات الصراع من أجل البقاء، وإحياء العصبيات وتشكيلها لاكانتونات، وصول إلى شكل من أشكال الحروب الأهلية". ويضيف: "يمكن أن يصبح النظام الحاكم نفسه طرفًا في حرب أهلية عبر ميليشيات مسلحة" (ص. 24)، ثم تصل الأزمة إلى سقفها مع تدخل الأطراف الأجنبية، وإطلاق حروب بالوكالة.
خاتمة
يخلص بشارة في تحليله للدولة إلى وجود رؤيتين حولها: الأولى، تتعلق بالدولة الحديثة، حيث الحكومة "نظام مركزي لحكم ديمقراطي يقوم على مجموعة مؤسسات"؛ والثانية، تنظر إلى دولة ما بعد الحداثة،
وتعتبرها "حوكمة متعددة المستويات في حلبات مترابطة ومتشابكة باعضها مع بعض". ويختار أن يوفق بين الموقَفيَن، قائل إن المميزات المذكورة للدولة الحديثة تبقى قائمة بوجود ما يسميه مميزات دولة ما بعد الحديثة (ص. 46). وفي جميع حالات الدولة الحديثة، وإلى جانب قيامها على وجود سيادة على الأرض والسكان داخل حدود ترابية، فإن من يمارس السلطة هي مؤسسات بذاتها، وليس كيانًا ميتافيزيقيًا اسمه الدولة. والدولة الحديثة، في هذا السياق، هي دولة الشعب الذي تحكمه سلطاتها، وتجمع المواطنة فيها الحاكمين والمحكومين، وتؤسس لتفاعل بين الحاكمين والمحكومين لم يكن قائمًا في السابق، يسمى الحقوق والواجبات، كما قد يسمى خدمة الصالح العام (ص. 114). وحتى الأشكال الاجتماعية للتنظيم الذاتي خارج الدولة (المجتمع المدني) تقوم، بحسب بشارة، على علاقات تبادلية مع الدولة، ولا تُفهم خارج هذه العلاقة. ومن ثم، تكون السيادة هي الحق الحصري في التشريع والسلطة التنفيذية والقضائية على إقليم ترابي، غير أّن بشارة يتجاوزها إلى مكوّن آخر هو المواطنة، الذي هو التعبير المعاصر والأرقى عن سيادة الدولة، بمعناها الحديث (ص. 16)، فعلى سبيل المثال، تمارس قضية حقوق الإنسان من خلال بنية دستورية محددة، في كيان سياسي قادر على احتكار التشريع وإنفاذه، وليست مسألة تحرر من الدولة (ص. 40). وشرعية الدولة تقوم على التمييز بين شخص الحاكم وجهاز الحكم، وتمييز الفاعلين السياسيين بين نظام الحكم والدولة، بحيث يمكن تغيير نظام الحكم مع عدم المساس بالدولة، والتمييز بين التوقعات من السلطة والدولة، لأنّ هناك توقعات مختلفة من الحكّام، عن الدولة، والتزامات يفرضها عليهم شكل الدولة الحديثة. فالمجال السياسي عند كارل شميث، هو المجال االإنساني فعل Human Truly لأنه يسبغ على الحياة معنى.