من يقرر ما "الديمقراطي"؟

Palestine Over Two Months

آدم شيفورسكي| Adam Przeworski *

** Translated by Abdou Moussa El-Bermawy ترجمة عبده موسى البرماوي|

الملخّص

يتطلّب برنامجًا إصلاحيًا إيجابيًا ذا رؤية مستقبلية.

يعتمد ما يُعدّ ديمقراطيًا على القيم التي يعلّقها المرء على الديمقراطية. ويكمن التمييز الذي يحدد هذه الإجابة بين تصورين للديمقراطية، أدنى وأقصى؛ فالدفاع عن الديمقراطية

Abstract

This report documents the most significant Palestinian events and developments related to the Arab-Israeli conflict, covering the period from September 1 to October 31, 2024.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

آدم شيفورسكي| Adam Przeworski * ** Translated by Abdou Moussa El-Bermawy ترجمة عبده موسى البرماوي|

يتطلّب برنامجًا إصلاحيًا إيجابيًا ذا رؤية مستقبلية.

What is "democratic" depends on the values one attaches to democracy. The distinction that determines the answer is between minimalist and maximalist conceptions of democracy. Defending democracy requires a positive, forward-looking program of reform.

Emeritus Professor of Politics, New York University. Researcher, the Arab Center for Research and Policy Studies. Email: abdou.moussa@dohainstitute.edu.qa Adam Przeworski, "Who Decides What Is Democratic?" Journal of Democracy , vol. 35, no. 3 (July 2024).

عمّ ندافع حين نزعم الذود عن "الديمقراطية"؟ ترتكز الإجابة عن هذا السؤال على التمييز بين الديمقراطية بوصفها طريقةً لمعالجة ما قد ينشأ من صراعات داخل مجتمع بعينه، والديمقراطية بوصفها تجسيدًا لقيم أو مُثلٍ أو مصالح، تأمل مجموعات مختلفة من الناس أن تحققها. ويمثّل ذلك تمييزًا بين تصورين conceptions للديمقراطية، أدنى وأقصى. وأعني ب "تصوّر"، هنا، تعريفًا ذا دلالات معيارية Connotations Normative، يمكن تلمّسها في تعريفات الديمقراطية جميعًا. والديمقراطية هي نظامٌ يقرر فيه المواطنون على نحو جماعي مَن يحكمهم، وإلى حد ما، الطريقة التي يُحكَمون بها. وفق هذه السمة التعريفية، لا يُعدّ النظام ديمقراطيًا إلا إذا كان الناس أحرارًا في اختيار الحكومات أو إطاحتها. بحسب التصور الأدنى، هذه هي الديمقراطية؛ وما دامت حريةُ اختيار المواطنات والمواطنين حكوماتِهم مستوفاة، والقرارات السياسية تُتخذ استنادًا إلى إجراءات معتمدة، فإنّ ما يقرره الناخبون يُعدّ ديمقراطيًا1. يصحّ القول إنّ الناخبات والناخبين يقررون على نحو غير مباشر، وذلك عبر انتخاب المشرّعين، الذين يتولون هم إقرار القوانين على نحو مباشر، لا الناخبون بأنفسهم2. وإذا كانت المجالس التشريعية منتخبة بإرادة حرة، والتزمت بإجراءات محدّدة في إقرارها القوانين، وطُبّقت تلك القوانين على النحو المطلوب، فلا مجال حالئذ للتشكيك في وجود ديمقراطية. يبُرز هذا التصورُ القيمةَ الجوهرية للديمقراطية، والتي تكمن في قدرة المواطنين، باعتبارهم كيانًا جمعويًا، على اختيار حكوماتهم. ولا تتشكل هذه القدرة تلقائيًا بل تتطلّب توافر شروط مسبقة، عّبر عنها جون ستيوارت مِل، بقوله: "عنصرَا الديمقراطية"، وهما "الأجور العالية، واتساع رقعة القراءة"3؛ فالديمقراطية نظام للحقوق، لكنها

1 Robert A. Dahl, Polyarchy: Participation and Opposition (New Haven: Yale University Press, 1971), p. 3. 2 Hans Kelsen, The Essence and Value of Democracy , Nadia Urbinati & Carlo I. Accetti (eds.), Brian Graf (trans.) (Plymouth, England: Rowman and Littlefield, 2013 [1929]); Joseph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism, and Democracy (New York: Harper, 1942). 3 في النص تبدو الترجمة المباشرة وكأنها تشير إلى قراءة شاملة للموقف، لكن نتبين من خلال نص ستيوارت مِل، المحال إليه، أنّ مقصد الكاتب هو القراءة بالمعنى الحرفي، أي إلمام الجميع بالقراءة نتاج التعليم. John Stuart Mill, The Collected Works of John Stuart Mill , vol. XVIII — Essays on Politics and Society Part I , J. M. Robson (ed.) (Toronto: University of Toronto Press, 1977 [1859]), p. 99.

لا تُنتج تلقائيًا الشروط الضرورية لممارسة تلك الحقوق4. وكما يلاحظ توم غينسبيرغ وعزيز حق: "يتطلب الحفاظ على منافسة انتخابية حقيقية [...] شيئًا يفوق مجرد تفعيل حد أدنى من الترتيبات القانونية والمؤسسية. إضافة إلى ذلك، ثمة حاجة إلى استعمال الحقوق المدنية والسياسية في العملية الديمقراطية، ووجود آلية انتخابية تتسم بالحياد، واستقرار نظام قانوني يُشار إليه عادة بمصطلح 'سيادة القانون' وثباته وتعميمه"5. نستخلص من هذا أن التصور الذي يختزل الديمقراطية في أنها "انتخابات حرة ونزيهة"، ليوصف، ومن ثم وعلى نحو انتقادي، بأنه يعّبر عن نزعة "انتخابوية" Electoralism، ليس تصورًا "أدنى"6، فإذا كان المعيار الذي نحدد به كنه التصور الأدنى واضحًا من الناحية المفهومية، فإن الناحية الإجرائية ستشهد خلافات. ويكفي أن نرى كيف صنّف الباحثون، على مدار الأعوام الثلاثين الماضية، روسيا أو فنزويلا. ستظهر بالأخص تلك التدابير التي يصنفها أوزان فارول على أنها تدابير "خفية"7، مراوغة، وهي أفعال ديمقراطية في ظاهرها، ولكن، يكمن غرضها في مضاعفة ما يحصل عليه شاغل المنصب السياسي من امتيازات في الانتخابات. خذ على سبيل المثال ما قام به [رئيس الوزراء الإيطالي] سيلفيو برلسكوني Berlusconi Silvio في عام 2006، أو [الرئيس التركي] رجب طيب أردوغان في تركيا في عام 2014 (ولعل الأمر في الحالة التركية قد سهّل العملية)، إذ أتاحا التصويت في الانتخابات العامة لمواطني بلديهما المقيمين في الخارج، وعمد كلاهما إلى صياغة قراره بلغة ديمقراطية تَعِدُ بتوسيع رقعة الحقوق السياسية للمواطنات والمواطنين جميعًا، غير أن الدافع وراء ذلك في كلتا الحالتين كان واضحًا، وهو كسب الأصوات. وبعد جلاء النتيجة، تبّين أن برلسكوني أطلق النار على قدميه، في حين أثبت الأتراك المقيمون في ألمانيا أنّهم ناخبون موثوقون لأردوغان وحزبه8. إذًا، من الصعب أن نقيّم مثل هذه التدابير استنادًا إلى معايير التصور الأدنى للديمقراطية، سواء قبل جلاء الأمر (استنادًا إلى الدوافع)، أو بعده

4 Stephen Holmes & Cass R. Sunstein, The Cost of Rights: Why Liberty Depends on Taxes (New York: W.W. Norton, 1999). 5 Aziz Huq & Tom Ginsburg, "How to Lose a Constitutional Democracy," UCLA Law Review , no. 65 (February 2018), p. 87. 6 Philippe C. Schmitter & Terry Lynn Karl, "What Democracy Is... and Is Not," Journal of Democracy , no. 2 (Summer 1991), pp. 75–88. 7 Ozan O. Varol, "Stealth Authoritarianism," Iowa Law Review , no. 100 (May 2015), pp. 1673–1742. 8 Elisabetta Povoledo, "An Overseas Surprise for Berlusconi," The New York Times , 13/4/2006; Thomas Wieder, "Turkish Elections: How Germany Became a Reservoir of Votes for Erdogan," Le Monde , 14/5/2023, [accessed on 1/9/2024], at: https://acr.ps/1L9zRYF

  1. Robert A. Dahl, Polyarchy: Participation and Opposition (New Haven: Yale University Press, 1971), p. 3.
  2. Hans Kelsen, The Essence and Value of Democracy , Nadia Urbinati & Carlo I. Accetti (eds.), Brian Graf (trans.) (Plymouth, England: Rowman and Littlefield, 2013 [1929]); Joseph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism, and Democracy (New York: Harper, 1942).
  3. 3 في النص تبدو الترجمة المباشرة وكأنها تشير إلى قراءة شاملة للموقف، لكن نتبين من خلال نص ستيوارت مِل، المحال إليه، أنّ مقصد الكاتب هو القراءة بالمعنى الحرفي، أي إلمام
  4. Stephen Holmes & Cass R. Sunstein, The Cost of Rights: Why Liberty Depends on Taxes (New York: W.W. Norton, 1999).
  5. Aziz Huq & Tom Ginsburg, "How to Lose a Constitutional Democracy," UCLA Law Review , no. 65 (February 2018), p. 87.
  6. Philippe C. Schmitter & Terry Lynn Karl, "What Democracy Is... and Is Not," Journal of Democracy , no. 2 (Summer 1991), pp. 75–88.
  7. Ozan O. Varol, "Stealth Authoritarianism," Iowa Law Review , no. 100 (May 2015), pp. 1673–1742. 8 Elisabetta Povoledo, "An Overseas Surprise for Berlusconi," The New York Times , 13/4/2006; Thomas Wieder, "Turkish Elections: How Germany Became a Reservoir of Votes for Erdogan," Le Monde , 14/5/2023, [accessed on 1/9/2024], at: https://acr.ps/1L9zRYF
  8. الجميع بالقراءة نتاج التعليم. John Stuart Mill, The Collected Works of John Stuart Mill , vol. XVIII — Essays on Politics and Society Part I , J. M. Robson (ed.) (Toronto: University of Toronto Press, 1977 [1859]), p. 99.

(استنادًا إلى النتائج). من هنا، تكثر الخلافات في قياس الديمقراطية. ولعل من المفيد الرجوع إلى العدد الخاص من دورية Political Science and Politics PS: (العلوم السياسية والسياسة) في موضوع.9التراجع الديمقراطي Democratic Backsliding " تُعد الديمقراطية، في التصورات القصوى، وسيلةً لتحقيق قيم هي في الأصل خارجة عنها Extrinsic. لاحظ جوزيف شومبيتر أنّ الناس في معظمهم لا يقدّرون الديمقراطية لذاتها، بل لأنّهم يأملون أن تحقق قيمًا أو مُثلًا أو مصالحَ عليا يرونها جديرة بالتحقق. وقد طرح شومبيتر أمثلة على ذلك، من دون أن يختزل القائمة في مجموعة ثابتة من العناصر، يقول: "إن أكثر الديمقراطيين حماسة سيضع مُثلًا ومصالح مطلقة فوق الديمقراطية، وهو حين يعرب بيقين دامغ عن ولائه لها، إنما يعبر عن اقتناعه بأن الديمقراطية ستضمن تحقيق تلك المُثل والمصالح؛ منها مثلًا: حرية الضمير والتعبير، والعدالة، والحكم الرشيد، وغيرها"10. لا غرو في أن تُنسَب إلى الديمقراطية جميع الجوانب المرغوب فيها معياريًا في الحياة السياسية، وكذلك تلك المرغوب فيها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، أحيانًا، ومن بينها: التمثيل، والمساءلة، والمساواة، والمشاركة، والعدالة، والكرامة، والعقلانية، والأمن، والقائمة تطول. نسمع مرارًا مزاعم من قبيل "ما لم تكن الديمقراطية كذا، أو تولّد كذا، فعندئذ سيكون [...]". ويندر أن يُكمل القائل زعمه هذا، فإنّه يوحي بأنّ نظامًا يجري فيه انتخاب الحكومة لا يكون ديمقراطيًا بالضرورة ما لم تتحقق تلك ال "كذا". وبطبيعة الحال، كّلمّا زادت القيم التي يرهن المرء وجودها بالديمقراطية، انحسر سعيه لتحقيقها. وبمعاينة قائمة القيم هذه، نجدها تتباين لدى من يرهنون تحققها بوجود ديمقراطية؛ وهذا سبب إشارتيي إلى "قُصويات" Maximalisms بصيغة الجمع. والأهم من ذلك، أنه عندما يختلف الناس في القيم أو المصالح التي يرغبون في أن تحققها لهم الديمقراطيةُ، فإنّ "التصورات القصوى" للديمقراطية ستتمخض عن نزاعات. نعم، قد تكون هذه النزاعات "متقاطعة" Cross-cutting، بحسب لويس كوسر؛ إذ لا تحتاج إلى تأليب طبقة على أخرى، أو دين ضد آخر11، وقد يكون من الممكن خفض حدتها عبر ابتداع "توافق متداخل" Consensus Overlapping على

9 Andrew T. Little & Anne Meng, "Measuring Democratic Backsliding," PS: Political Science and Politics , 11/1/2024, [accessed on 1/9/2024], at: https://tinyurl.com/5n7uwkee 10 Schumpeter, p. 242. 11 Lewis A. Coser, The Functions of Social Conflict (Glencoe: Free Press, 1956).

الجوانب العملية، بما ينسجم مع اختلافات الناس في القيم12، أو عبر إفساح المجال لنقاشات عمومية على المستوَييَن المعياري والتقني، إلا إن النزاعات ستبقى قائمة، حتى مع تشكيل كامل التحالفات السياسية، وتبلور الخطوط العريضة لتوافق عملي عليها، وبلوغ كل الحجج منتهاها. من هنا يتبلور السؤال: ما الذي ندافع عنه تحديدًا حين نتمسك بالقيم الخارجية التي نعلّقها على الديمقراطية، من قبيل العدالة أو المساواة الاقتصادية؟ أندافع عن الديمقراطية في حد ذاتها؟ أم ندافع عن تلك القيم التي نعلّقها عليها؟ وما الجواب عن هذا السؤال، إذا رهن أشخاص مختلفون تحققَ جملة من القيم المتباينة بوجود الديمقراطية؟

الصعوبة

تكمن الصعوبة اليوم في ادعاء الجميع أنهم "ديمقراطيون". في زمن مضى، كان يُنظر إلى الفاشيّة والشيوعية، بوصفهما بديَليَن للديمقراطية، عقلانيين ومفضلين، ويحظيان بجاذبية عريضة. باتت الفاشية في عداد الموتى اليوم، حتى وإن ظل البعض يرمي الآخر بمذمّة "فاشي" من دون اكتراث. ولم تعد تسعى جمهورية الصين الشعبية، على النقيض من الاتحاد السوفياتيي، إلى تصدير نظامها السياسي إلى بلدان أخرى. وأصبح كل الطيف السياسي يستخدم الخطاب الديمقراطي13. على سبيل المثال، يقول ميخائيل ليونتييف Leontiev Mikhail، الداعية السياسي لفلاديمير بوتين: "لا أفهم ما الذي يعدّ غير ديمقراطي في الحقيقة التي نعاينها؛ وهي أن تفوز بالانتخابات قوى تحظى بدعم اجتماعي ساحق". ويزعم دونالد ترمب أنّ "حركتنا تدور حول استبدال مؤسسة سياسية فاشلة وفاسدة (وعندما أقول "فاسدة"، فأنا أتحدث عن مؤسسة سياسية فاسدة فعلًا) بحكومة جديدة تسيطر عليها أنت، أيها الشعب الأميركي". والآن، نسمع حزب "الديمقراطيون السويديون"، وهو حزب متأصل في فاشيته، يعلن عن التزامه بالديمقراطية، وهو الأمر نفسه الذي أعلن عنه "حزب الحرية" في النمسا، وكذلك رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، وحزبها "إخوان إيطاليا". وقد رأينا خوسيه أنطونيو كاست، السياسي اليميني الذي خسر جولة الإعادة الرئاسية في تشيلي، في كانون الأول/ ديسمبر 2021، أمام منافسه اليساري غابرييل بوريك،

12 John Rawls, "The Domain of the Political and Overlapping Consensus," in: David Copp, Jean Hampton & John E. Roemer (eds.), The Idea of Democracy (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), pp. 245–269. 13 John Dunn, Democracy: A History (New York: Atlantic Monthly Press, 2005).

  1. Andrew T. Little & Anne Meng, "Measuring Democratic Backsliding," PS: Political Science and Politics , 11/1/2024, [accessed on 1/9/2024], at: https://tinyurl.com/5n7uwkee
  2. Schumpeter, p. 242.
  3. Lewis A. Coser, The Functions of Social Conflict (Glencoe: Free Press, 1956).
  4. John Rawls, "The Domain of the Political and Overlapping Consensus," in: David Copp, Jean Hampton & John E. Roemer (eds.), The Idea of Democracy (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), pp. 245–269.
  5. John Dunn, Democracy: A History (New York: Atlantic Monthly Press, 2005).

وهو يهنّئه، مغردًا بأنه يستحق "كل احترامنا وتعاوننا البناء"14. وقد تبنّى بوتين تدابير، علنية وسرية، تجعل عزله من منصبه أمرًا مستحيلًا. وحاول ترمب أن يفعل ذلك، لكنه كان يفتقر بشدة إلى المؤهلات التي تنجز أمرًا كهذا. وهذه المحاولات وما على شاكلتها تعدّ، بمعيار التصور الأدنى، معادية للديمقراطية. أما ميلوني والديمقراطيون السويديون وحزب الحرية النمساوي فقد حكموا من دون اتخاذ أيّ تدابير قد تخرق معايير Norms ذلك التصور. وها هو "اليمين المتطرف" في أوروبا الغربية يروّج على نحو غامض "القيم التقليدية"، بينما تناهض برامجُه التكاملَ الأوروبي والهجرة والإسلام كما "تناهض الجريمة"، إلا أنه يحترم الشروط المبدئية للديمقراطية. أضف إلى ذلك اليمين في أوروبا الغربية الذي نأى بصورة عامة عن القضايا الثقافية، في حين تباينت مواقف الأحزاب اليمينية من القضايا الاقتصادية. أما في أوروبا الشرقية فالقضايا الثقافية تبدو أشد بروزًا، في ظل تبنّي أحزاب اليمين هناك سياسات معادية للمثليين ومناهضة للمساواة الجندرية. يظهر من هذه الزاوية أنّ الجمهوريين في الولايات المتحدة أقرب إلى نظرائهم من يمين الوسط في أوروبا الشرقية عن نظرائهم في أوروبا الغربية. وفي بولندا، هل كانت سياسات الحكومة، التي قادها حزب القانون والعدالة PiS، "معادية للديمقراطية"؟ انتهكت سياسات الحزب (ولا سيما ما يناهض منها الإجهاض والمثلية، أو يرفض إقرار معاهدة مكافحة العنف الأسري) المعاييرَ العالمية، فضلًا عن خرقها قيمَ المساواة والحرية، التي يراها الكثيرون محددًا ضروريًا للديمقراطية. ومع ذلك، حازت هذه السياسات دعم أغلبية الكتلة الناخبة، في انتخابات حرة إلى حد معقول. وفي فرنسا، تبنّى البرلمان مؤخرًا [أواخر 2023 ومطلع 2024] قانونًا خاصًا ب "الهجرة"، لا يشير تقريبًا إلى تدفقات الأفراد عبر الحدود، بل يفرض قيودًا صارمة على حقوق غير المواطنين المقيمين في البلاد فعليًا، بمن فيهم الأطفال المولودون في فرنسا. وهذا تشريع عنصري، بلا ريب، غير أنه حظي بتأييد ما يزيد على 70 في المئة من الفرنسيين الذين استُطلعت آراؤهم، وهو ما أجده مثيرًا للاشمئزاز. ولكن، هل هو "مناهض للديمقراطية"؟ وإذا كان ثمة تعارض بين القيم التي يربطها الناس بالديمقراطية، فمن له سلطة تحديد "الديمقراطي" و"غير الديمقراطي" فيها؟

14 اقتباس ليونتييف من مقابلته في: " Russian Democracy Is No Different from Western Democracy," Dziennik , 19/1/2008, [accessed on 1/9/2024], at: https://tinyurl.com/4zy98rn9; وللنظر في تعليق ترمب، ينظر: " Transcript: Donald Trump's Speech Responding to Assault Allegations," NPR , 13/10/2016, [accessed on 1/9/2024], at: https://tinyurl.com/29h99by7; وللاطلاع على تغريدة كاست، ينظر: " Chile Celebrates Leftist Boric's Election Victory," Deutsche Welle , 19/12/2021, [accessed on 1/9/2024], at: https://acr.ps/1L9zRYU

تضطلع المحاكم بدور مهمّ في الإشراف على إنفاذ الشروط المسبقة لممارسة الإرادة الجماعية بحرّية، من خلال الالتزام بالقواعد التي تحكم الانتخابات. وهكذا، يكون القضاة حراسًا للديمقراطية، على وفق معاني الحد (أو التصور) الأدنى. وبوسع أصحاب التصور الأقصى للديمقراطية أن يحاجّوا في هذا باسم الدستورانية Constitutionalism، كي يعضدوا زعمهم بأن الديمقراطية، حتى إذا استوفت الشروط المسبقة للتصور الأدنى، لا تطبّق القيم التي كان ينبغي لها أن تجسّدها، فالدساتير تجسّد التوجه القصَوّي Maximalism، أي إنها تحدّد قيمًا معينة لا يجوز لأي أغلبية عابرة Majority Transient أن تنتهكها. تورد ديباجة دستور الولايات المتحدة مفاهيمَ من قبيل "الِّسِلم الداخلي" و"الرفاهية العامة"، إلى جانب "العدالة"، وتشير ديباجة دستور الهند، بأحرف كبيرة في النسخة الأصلية، إلى "العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ وحرية الفكر والتعبير والمعتقد والإيمان والعبادة؛ والمساواة في المكانة والفرص [...]، وأن تتعزز بين الجميع الأخوّة الضامنة لكرامة الفرد ووحدة الأمة وسلامتها". وبناءً على هذا، يمكن لأصحاب التصور الأقصى أن يجادلوا بأن انتهاك أغلبيات مؤقتة لهذه المعايير قد يكون ديمقراطيًا، وإن لم يكن دستوريًا، فثمة هيئات مختصة بالمراجعة الدستورية سواء داخل المؤسسات التشريعية أو خارجها، مهمتها النظر في الدعاوى المتعلقة بالقيم المنصوص عليها في الدساتير. والسند ههنا أنّ "إرادة الشعب" تتجسد في الدستور، لا في أغلبية عابرة15. ولكن، ماذا لو التزمت المحاكم الصمت أو أيدت قرارات الأغلبية، وغالبًا ما يتمّ ذلك، لأن الحكومة القائمة تهيمن على هيئات القضاة؟

أهي أزمة ديمقراطية؟

شهدت العقود الثلاثة الماضية ارتفاعًا في معدلات عدم الرضا عن المؤسسات التمثيلية التقليدية، وتآكّلًا وتفتتًا في الأنظمة الحزبية التقليدية، وصعودًا للأحزاب اليمينية المتطرفة، وظهور دجّالي السياسة، أفرادًا أو أحزابًا، ممّن يطرحون حلولًا خارقة. أثارت هذه التحولات قلقًا عميقًا على مستقبل الديمقراطية، انعكس في عدد لا يُحصى من الكتب والمقالات التي تدق ناقوس الخطر بخصوص

15 Alexander Hamilton, "Federalist No. 78," in: The Federalist Papers , Clinton Rossiter (ed.) (New York: Mentor, 1961), p. 464; Roberto Gargarella, The Law as a Conversation Among Equals (New York: Cambridge University Press, 2022).

  1. 14 اقتباس ليونتييف من مقابلته في: " Russian Democracy Is No Different from Western Democracy," Dziennik , 19/1/2008, [accessed on 1/9/2024], at: https://tinyurl.com/4zy98rn9; وللنظر في تعليق ترمب، ينظر: " Transcript: Donald Trump's Speech Responding to Assault Allegations,"
  2. NPR , 13/10/2016, [accessed on 1/9/2024], at: https://tinyurl.com/29h99by7; وللاطلاع على تغريدة كاست، ينظر: " Chile Celebrates Leftist Boric's Election Victory," Deutsche Welle , 19/12/2021, [accessed on 1/9/2024], at: https://acr.ps/1L9zRYU 15 Alexander Hamilton, "Federalist No. 78," in: The Federalist Papers , Clinton Rossiter (ed.) (New York: Mentor, 1961), p. 464; Roberto Gargarella, The Law as a Conversation Among Equals (New York: Cambridge University Press, 2022).

[ما سمّته] "أزمة الديمقراطية". وكنتُ أحدَ من كتبوا كتابًا في هذا المجال16. وهذه المقالة هي، في الحقيقة، مراجعة لمواقفي. فهل تمثّل التحولات التي أشرتُ إليها تهديدًا للديمقراطية أم دعمًا لها؟ طالما شُجب الاستياء الشديد والواسع النطاق من المؤسسات التمثيلية من خلال وصفه ب "الشعبوية". ومع ذلك، سيظل وجيهًا نقد هذه المؤسسات. ولعل من باب المراوغة أن نتذمر من رفض المؤسسات الواسع النطاق هذا، وفي الوقت نفسه نتحسر على استمرار حالة اللامساواة، التي تُقدَّم بوصفها دليلًا ظاهرًا Facie Primaعلى أنّ المؤسسات التمثيلية لا تؤدي مهماتها جيدًا. منذ القرن السابع عشر، بدا طرفَا الطيف السياسي، أي من يعدون المساواة غاية لهم مقابل من يرون فيها تهديدًا، مؤمَنيَن بأنّ الديمقراطية، ولا سيما جانب الاقتراع العام منها، ستحقق المساواة في المجاَليَن الاقتصادي والاجتماعي. وما زال هذا الاعتقاد متغلغلًا في إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد السياسي المعاصر، أعني نموذج الناخب الوسيط Model Median-Voter. وعلى الرغم من هذا، نجد في مدينة نيويورك نحوَ مئة ألف تلميذ بلا سكن دائم؛ وفي المدينة نفسها سمعت أحد الأثرياء يسأل آخر عن عدد المنازل التي يملكها، فأجابه: "أربعة عشر منزلًا، أحدها مجمع عائلي". لو كانت مؤسساتنا التمثيلية تؤدي مهمتها جيدًا، لما كان أمر كهذا ممكنًا. تبزغ "الشعبوية" في تنويعتين على الأقل: إحداهما "تشاركية" Participatory والأخرى "تفويضية" Delegative. أمّا الشعبوية التشاركية فتتحدد بمطلب حكم أنفسنا، بينما تتلخص التفويضية في المطالبة بأن يحكمنا آخرون حكمًا جيدًا. والنوع الأول، بوصفه ظاهرة سياسية، يبقى مطلبًا منشودًا، وإن بدا ثانويًا Inconsequential إلى حد بعيد. أما الآخر فإنه خطر على الديمقراطية، من منظور التصور الأدنى. تتمثل أجندة الشعبوية التشاركية في إصلاحات مؤسسية يُزعَم أنها ستجعل "صوت الشعب" أعلى وأشد تأثيرًا. وتعود بعض مقترحاتها إلى مطالب عّبر عنها مناهضو الفدرالية في الولايات المتحدة عام 1789، من قبيل قصِر فترات بقاء المنتخبين في المناصب السياسية، ومحدودية تلك المدد، وقدرة الناخبات والناخبين على عزل المسؤولين قبل انتهاء ولايتهم، وخفض رواتب المشرّعين، وكذلك وضع قيود على الانتقال بين الوظيفة العامة والخاصة. ونشير إلى ابتكار قدّمته البرازيل في هذ المنحى، وحظي باهتمام عالمي، وهو الميزانية التشاركية. وثمة مقترحات أخرى تراوح بين "ديمقراطية الاستطلاعات"

16 Adam Przeworski, Crises of Democracy (New York: Cambridge University Press, 2019).

Democracy Survey التافهة، التي تدعو إليها "حركة خمس نجوم" في إيطاليا، وزيادة الاعتماد على الاستفتاءات الشعبية بمبادرة من المواطنات والمواطنين، والمجالس المختارة عشوائيًا، التي تضمّ مواطنات ومواطنين يكلّفون بالنظر في مشاريع القوانين، من دون أن تكون لهم سلطة اعتمادها. ومع ذلك، لم تكن هذه التدابير سوى مسكّنات Palliatives، قد تعيد بعض الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، ولكن مسارها سيمضي في اتجاه معاكس لحقائق لا مفرّ منها، فكل فرد منّا سيحكمه بالضرورة شخص آخر، وعبر هذا الحكم ستنتج سياسات وقوانين لن تعجب بعض الناس، فما من قرار لا يثير حفيظة شخص ما، حتى وإن اتخذه المواطنون عبر المشاركة الكاملة والمتساوية والفعالة. ليس ثمة شيء اسمه "الشعب" بصيغة المفرد؛ والناس بصيغة الجمع تختلف اهتماماتهم وقيمهم ومعاييرهم17. ثم، أيريد الناس حقًا أن يحكموا بأنفسهم؟ من البديهي أن يود البعض ذلك، وإّلا لما وُجد سياسيون أصلًا. ولكن، هل هذا هو حال أكثر الناس أو غالبيتهم؟ إن البديلَ من أن نحكم أنفسنا بأنفسنا هو أن يحكمنا الآخرون، شريطة أن يكون حكمهم جيدًا. ولعل ما يرغب فيه الناس، في الغالب، هو أن تدير شؤونهم حكومات تلبّي مطالبهم، سواء كان ذلك إنماء الدخل، أو تعزيز قيم أيديولوجية بعينها، أو ما إلى ذلك من مطالب. وتنشأ الشعبوية "التفويضية" حين يرغب الناس في استمرار حكومة ما في حكمهم، حتى لو فككت القيود المفروضة على استمرارها في منصبها وسلطتها التقديرية. والنتيجة هي "التراجع الديمقراطي" (المعروف أيضًا باسم "التداعي" Deconsolidation18 أو "النحر " Erosion أو "الانتكاس" Retrogression). ويصف غينسبيرغ وحق هذه الحال بأنها "عملية اضمحلال تدريجي (وهو اضمحلال جوهري)، يعتري الركائز الأساسية الثلاث للديمقراطية: الانتخابات التنافسية، والحقوق الليبرالية في التعبير والتنظيم، وسيادة القانون"19. ومع تقدّم هذا المسار، تصبح المعارضة عاجزة عن الفوز في الانتخابات (أو توّلي السلطة في حال فازت)، وتفقد المؤسسات القائمة القدرة على السيطرة على السلطة التنفيذية، ويجري قمع مظاهر الاحتجاج الشعبي بالقوة. يكمن خطر الشعبوية التفويضية في استعداد الأغلبية لأن تدعم حكومة توفر لها ما تريده، حتى وإن مضت تلك الحكومة في تقويض المؤسسات الديمقراطية.

17 Edmund S. Morgan, Inventing the People: The Rise of Popular Sovereignty in England and America (New York: W.W. Norton, 1989). 18 في مقابل ترسيخ/ تصليب الديمقراطية.Consolidation 19 Huq & Ginsburg, p. 96.

  1. Adam Przeworski, Crises of Democracy (New York: Cambridge
  2. Edmund S. Morgan, Inventing the People: The Rise of Popular Sovereignty in England and America (New York: W.W. Norton, 1989).
  3. 18 في مقابل ترسيخ/ تصليب الديمقراطية.Consolidation
  4. Huq & Ginsburg, p. 96.

وفي المقابل، فإن تراجع الأحزاب القديمة وصعود أحزاب جديدة لا يُعدّان مناهضَ ين للديمقراطية بأي معيار. لقد تآكلت الأنظمة الحزبية التقليدية، واعتراها التفكك؛ ففي الأنظمة السياسية في أوروبا الغربية، ارتفع متوسط عدد الأحزاب الفعّالة من ثلاثة عام 1970 إلى أربعة عام 2020. وارتفع الرقم في أميركا اللاتينية أيضًا. وهذا يعني أن خيارات أكثر قد أتيحت للناخبات والناخبين، وأن بدائل أقرب إلى تفضيلاتهم عُرضت عليهم؛ وتلك أمور يثمّنها الناس20. وفي الوقت نفسه، لا يبدو أنّ ازدياد عدد الأحزاب ينذر بعواقب سلبية21. لا يعد صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة مناهضًا للديمقراطية في حد ذاته، فالخوف من اليمين المتطرف مبرر، مرُّدُه القلق من أن تحاول هذه الأحزاب تقويض الديمقراطية. وطالما أن هذه الأحزاب لا تعمل على عرقلة إمكانية إزاحتها من السلطة، وتلتزم بالقواعد المؤسسية الضابطة لعملية صنع السياسات، فإن مشاركتها في الحكم لا تُعدّ معادية للديمقراطية. لا يُعدّ ظهور دجّالي السياسة مناهضًا للديمقراطية؛ فهو يكشف أن الناس إذا ضاقوا بالبدائل المعروضة عليهم فإنهم سيبدون استعدادًا لتحمّل المخاطرة، بأن يتبنّوا حلولًا غير مجرّبة. عندما درستُ الانتخابات التي أدت إلى تحولات كبرى في أنماط السياسات، وتحديدًا وصول الاشتراكيين الديمقراطيين في السويد إلى السلطة عام 1932، وصعود النيوليبرالية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة التي ظهرت تباعًا عامَي 1979 و 1980، افترضتُ أن الناخبين لن يدعموا حزبًا يقدم مقترحات غير معهودة، إلا إذا امتلك هذا الحزب سجلًا بخبرة سابقة في الحكم؛ أي سبق أن توّلى السلطة وتصرّف كغيره من الأحزاب أثناء تولّيها22. ومع ذلك، يكشف فوز ترمب، وجايير بولسونارو في البرازيل، والأرجنتيني خافيير ميلي، أن الناس حين يغلبهم اليأس، يزيد ميلهم إلى البحث عن أيّ حلول، بل يتشبثون ولو بقشة يقدّمها دجّالون يبيعونهم "علاجات سحرية". وكما قال سائق أوبر (سيارة أجرة) في ريو دي جانيرو لأحد محاوريه: "ألا ترى هذا التحلل، وهذه الأزمة الأخلاقية، وهؤلاء السياسيين الذين ينهبون ولا يفعلون أيّ شيء من

20 Adam Przeworski, "Freedom to Choose and Democracy," Economics and Philosophy , no. 19 (October 2003), pp. 265–279. 21 Vicente Valentim & Elias Dinas, "Does Party-System Fragmentation Affect the Quality of Democracy?" British Journal of Political Science , no. 54 (January 2024), pp. 152–178. 22 Adam Przeworski, "Choices and Echoes: Stability and Change of Policy Regimes," in: Hideko Magara (ed.), Economic Crises and Policy Regimes: The Dynamics of Policy Innovation and Paradigmatic Change (Cheltenham, UK: Edward Elgar, 2014), pp. 33–55.

أجلنا؟ أنا أتطلع إلى التصويت لشخص جديد تمامًا"23. عندما لا يكون لدى الناس ما يخسرونه، فإنهم يتشبثون بالأوهام، من قبيل معالجة الأمراض بالجبن القريش، أو تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، كما حدث في فايمار في ألمانيا24. لم تكن حملة ترمب "لنجعل أميركا عظيمة من جديد" سوى شعار. وكذلك كان شعار بولسونارو "حكومة نظيفة، ووظائف، وبنادق"، وكذلك شعار ميلي "تحيا الحرية، اللعنة". أضف إلى هذا "طرد المهاجرين"، صرخة الحرب التي أطلقتها الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا. لم يكن أحد يتوقع مثل هذه الشعارات، حين لم يكن أحد يعتقد بأنهم سيفوزون. خلاصة القول، يمثل رفض المؤسسات التمثيلية معضلة حقيقية؛ فلا يمكننا الادعاء أنّ هذه المؤسسات تعمل على النحو المطلوب، بينما ما يُطرح من حلول ما زال مبهمًا، بل إن بعضه خطر على الديمقراطية. في المقابل، لا مجال للقول إن انتشار الأحزاب، أو صعود اليمين المتطرف، أو ظهور دجّالي السياسة يمثل تهديدًا للديمقراطية، في التصور الأدنى. ونقول بتحفّظ إنّ هذه الديمقراطيات ما زالت بعيدة عن التراجع.

الدفاع عن الديمقراطية

صرّح رئيس الوزراء أدولفو سواريز، عندما أعلن بداية عهد الديمقراطية في إسبانيا ما بعد فرانكو، قائلًا: "المستقبل لم يُكتب بعد، لأنّ الشعب وحده هو القادر على كتابته". لقد كان يأمل في عالم أفضل، وقد صدّقته25. بإمكان الناس أن يكتبوا ما يريدون؛ فلا تضمن الديمقراطية سوى أنّ الشعب هو من يكتب المستقبل، وهي مجرد مساحة يكافح فيها أشخاص متساوون وأحرار إلى حد ما؛ لتحقيق مُثل متضاربة وقيم ومصالح متعارضة. ومعجزة الديمقراطية الوحيدة تكمن في إدارة هذه الصراعات سلميًا، من دون اللجوء إلى القمع. وحين يختلف الناس على القيم التي يجدر بالديمقراطية أن تسعى إلى تحقيقها، لمواجهة الاستقطاب المتزايد، ليس أمامنا سوى أن ندافع عن الديمقراطية بوصفها الطريقة المثلى لإدارة هذا الاختلاف. ومع ذلك، يصعب الدفاع عن الوسائل من دون الإشارة إلى الغايات التي تسعى إلى إليها. يلاحظ إريك لاغرسبيتز أن "ثمة ما يثير القلق

23 Brian Winter, "System Failure: Behind the Rise of Jair Bolsonaro," Americas Quarterly , 24/1/2018, [accessed on 1/9/2024], at: https://tinyurl.com/mvmcfvs7 24 Sefton Delmer, Weimar Germany: Democracy on Trial (London: Macdonald, 1972), p. 95. 25 Adam Przeworski, Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America (New York: Cambridge University Press, 1991).

  1. Adam Przeworski, "Freedom to Choose and Democracy," Economics
  2. Vicente Valentim & Elias Dinas, "Does Party-System Fragmentation Affect the Quality of Democracy?" British Journal of Political Science , no. 54
  3. Adam Przeworski, "Choices and Echoes: Stability and Change of Policy
  4. and Philosophy , no. 19 (October 2003), pp. 265–279.
  5. (January 2024), pp. 152–178.
  6. Regimes," in: Hideko Magara (ed.), Economic Crises and Policy Regimes: The Dynamics of Policy Innovation and Paradigmatic Change (Cheltenham, UK: Edward Elgar, 2014), pp. 33–55. 23 Brian Winter, "System Failure: Behind the Rise of Jair Bolsonaro," Americas Quarterly , 24/1/2018, [accessed on 1/9/2024], at: https://tinyurl.com/mvmcfvs7 24 Sefton Delmer, Weimar Germany: Democracy on Trial (London: Macdonald, 1972), p. 95. 25 Adam Przeworski, Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America (New York: Cambridge University Press, 1991).

فعلًا في فكرة أنّ إجراءات ذات طابع ميكانيكي بحت وخالية من أي مضمون هي التي تحدد ما ينبغي لنا فعله"26. ومع ذلك، يبدو أن إجراءات بمستوى اختيار الحكومات عن طريق الانتخابات لها مزايا معتبرة بذاتها. ولعل الحذر إحدى هذه المزايا؛ فقد جمع ماثيو غراهام وميلان سفوليك أدلة تشير إلى أن الناس قد يتحملون انتهاك المعايير والإجراءات الديمقراطية مقابل الحصول على بعض المكاسب المادية أو الرمزية التي يقدّرونها27. عندما يقوّض من هم في السلطة الديمقراطيةَ، يواجه مؤيدوهم مقايضة بين أمرين؛ فإما أن يبقوا على الحكومة الحاليّة ذات الكفاءة، والتي تنتهك القواعد، مقابل التضحية بقدرتهم على إزاحتها في المستقبل؛ وإما أن ينهضوا فورًا لحماية الديمقراطية على حساب المكاسب السياسية الجيدة التي يلمسونها28. وسيكون الزعم المتكرر بأنّ "الديمقراطية على المحك" زعمًا دقيقًا إذا كانت الحكومات تهدد بتثبيت وجودها في الحكم، من دون اعتبار لإرادة الشعب، أيًا كانت. أما الفضيلة الثانية فهي إسباغ الهدوء على الحياة السياسية. وتتوسل الديمقراطية الانتخابات الحرة للتعامل مع النزاعات. وهي السبيل الوحيد لإدارة النزاعات من دون اللجوء إلى العنف29. وكما قال نوربرتو بوبيو: "ما الديمقراطية إن لم تكن مجموعة من القواعد [...] نتوسلها لحل النزاعات من دون إراقة الدماء؟"30، فليست الانتخابات الآلية الوحيدة للتعامل مع النزاعات، فالنظام القضائي ونظم المفاوضة الجماعية يؤديان هذا الدور أيضًا. ومع ذلك، تظل الانتخابات وسيلة فريدة من نوعها، فالمشاركة فيها متاحة لجميع المواطنين. ربما تسفر الانتخابات عن نتائج تثير حفيظة الأقلية. وعلى الديمقراطيين أن يستعدوا لقبول الإخفاقات، حتى وإن كانت قيمهم على المحكّ. تكمن قيمة الديمقراطية في أنّ التمسك بها يجعل الهزائم مؤقتة. فقد رأى كثيرون في الولايات المتحدة في انتخابات عام 2000

26 Eerik Lagerspetz, "Wisdom and Numbers," Social Science Information , no. 49 (March 2010), p. 30. 27 Matthew H. Graham & Milan W. Svolik, "Democracy in America? Partisanship, Polarization, and the Robustness of Support for Democracy in the United States," American Political Science Review , no. 114 (May 2020), pp. 392–409. 28 Zhaotian Luo & Adam Przeworski, "Democracy and Its Vulnerabilities: Dynamics of Democratic Backsliding," Quarterly Journal of Political Science , vol. 18, no. 1 (2023), pp. 105–130. 29 Karl Popper, The Open Society and Its Enemies , 4th (rev. & ed.) (London: Routledge; Kegan Paul, 1962); Norberto Bobbio, The Future of Democracy: A Defence of the Rules of the Game , Roger Griffin (trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987); Przeworski, Democracy and the Market. 30 Bobbio, p. 156.

كارثة، فراهنوا على الانتخابات القادمة في عام 2004، ولكن نتائجها أفضت إلى حال أسوأ بالنسبة لهم، فعقدوا الآمال على انتخابات عام 2008. وربما كان مدهشًا ساعتها أن البلد الذي انتخب جورج بوش الابن وديك تشيني ثم أعاد انتخابهما، هو نفسه الذي انتخب باراك أوباما. هكذا، تنجو الديمقراطية عندما لا يسيء المنتصرون استخدام سلطتهم، وتنجو أيضًا عندما يكون الخاسرون مستعدين للانتظار. وهذا هو السحر الحقيقي للطريقة الديمقراطية. ماذا لو دعم الناس عن وعي حكومات تعادي الديمقراطية؟ ليس جديدًا الجدل في وجود حق للحكومات الديمقراطية في قمع الحركات المعادية للديمقراطية من عدمه؛ فجمهورية ألمانيا الاتحادية حظرت الحزب الشيوعي انطلاقًا من الزعم بهذا الحق. وفي الجزائر، أوائل عام 1992 لغيت الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية، حين بدا، أُ راجحًا فوز الإسلاميين، وكانت تلك أول انتخابات تعددية تشهدها البلاد منذ استقلالها عن فرنسا قبل ثلاثة عقود. ماذا إذًا لو تبع الناس قادة يعدونهم بالتمكين، ثم يغتصبون السلطة ويحرمون الشعب من القدرة على إزاحتهم؟ بعبارة أوضح: ماذا لو صوّت الناس ضد الديمقراطية؟ لا مجال لافتراض أن الدستور اتفاق انتحاري، وهب أنه كذلك، فمن سيقرر أن ما نقوم به هو الانتحار؟ إنّ الخشية من أن يعمل من هم في الحكم على تقويض آلية الانتخاب حاضرة دائمًا. لذلك، تظل اليقظة في الدفاع عن الديمقراطية، على وفق التصور الأدنى لها، ضرورة لا تنقضي، وهو أمر يتطلب أكثر من مجرد معارضة ما تفعله الحكومة. على المعارضة أّلا تكون مجرد تعبير عن الغضب، فالدفاع عن الديمقراطية يتطلب برنامجًا إيجابيًا لإصلاحها موجّهًا نحو المستقبل. وليست هذه بالمهمة السهلة؛ أن تكون ضد ما يعزز الوحدة، وفي الآن ذاته، أن تكون مع ما يُحدث الانقسام. عندما ترهن مجموعات مختلفة من تلك التي تعارض انتهاك المعايير الديمقراطية مسألةَ تحقق قيم متنوعة بوجود الديمقراطية، سوف تحظى معارضة تراجع الديمقراطية بدعم الأغلبية، وسوف تميل أقلية فقط إلى اقتراحات [أخرى] بالإصلاح الأقليةَ. ولعل أفضل دليل على هذا هو عجز المعارضة في العديد من البلدان عن أن تتحد ضد خصم مشترك. والمثال الكلاسيكي في هذا الصدد هو المكسيك خلال حكم الحزب الثوري المؤسسي PRI، في المدة 2000-1934، حيث انتقد يساريون ويمينيون الحزبَ على حد سواء، لكنهم ظلوا متباعدين أيديولوجيًا ولم يتمكنوا من تشكيل جبهة موحدة. يعمل توجّه التصور الأدنى على التوحيد، في حين يسعى توجّه التصور الأقصى إلى التقسيم. والحكومات التي تشهد نظمها الديمقراطية

  1. Eerik Lagerspetz, "Wisdom and Numbers," Social Science Information , no. 49 (March 2010), p. 30.
  2. Matthew H. Graham & Milan W. Svolik, "Democracy in America? Partisanship, Polarization, and the Robustness of Support for Democracy in the United States," American Political Science Review , no. 114 (May 2020), pp. 392–409.
  3. Zhaotian Luo & Adam Przeworski, "Democracy and Its Vulnerabilities: Dynamics of Democratic Backsliding," Quarterly Journal of Political Science , vol. 18, no. 1 (2023), pp. 105–130.
  4. Karl Popper, The Open Society and Its Enemies , 4th (rev. & ed.) (London: Routledge; Kegan Paul, 1962); Norberto Bobbio, The Future of Democracy: A Defence of the Rules of the Game , Roger Griffin (trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987); Przeworski, Democracy and the Market.
  5. Bobbio, p. 156.

تراجعًا تفوز في العادة بالانتخابات بهامش ضئيل من الأصوات، فحزب أردوغان، حزب العدالة والتنمية، لم يحقق الأغلبية في الانتخابات البرلمانية، ومع ذلك أعيد انتخابه مرارًا. وفي بولندا، أعيد انتخاب حزب القانون والعدالة عام 2019 بنسبة 3.64 في المئة من الأصوات، لكنه خسر عام 2023 عندما نجحت عدة أحزاب معارضة في تشكيل ائتلاف ضده. وتوافقت الأحزاب التي شكّلت الائتلاف على أّلا تتطرّق إلى القضية الرئيسة التي فرّقتها، وهي قضية الإجهاض. واتفقت على أنّ الدفاع عن الديمقراطية أهم من أيّ قيم تفرّقها، وأنّ الخلاف بشأن الإجهاض يمكن أن يدار بعد الفوز على حزب القانون والعدالة. ومن ثم، يمكن معارضي حرية الاختيار ومؤيديها تقديم وعد لناخبيهم بأنهم سيعززون قيمهم تلك شريطة استعادة

and

الديمقراطية أولًا، مؤكدين أنّها مهمة عاجلة. أرى أن الدرس الذي تقدّمه التجربة البولندية يتمثل في أنّ الأطراف المعارضة للحكومات التي تشهد نظمُها الديمقراطية تراجعًا يمكن أن تتحد إذا ما أقرّت بضرورة الاعتماد على الأسلوب الديمقراطي لمعالجة النزاعات التي تنشأ بين قيمها القصوى، في حين يبقى الخطر كامنًا في العجز عن إصلاح المؤسسات التمثيلية. عندها، ستعيد الديمقراطية إنتاج الظروف التي سمحت للقوى المعادية لها بأن تنجح في البداية. وفي هذا السياق، أوافق كاس مَدي في وصفه الشعبويةَ بأنها "عرض من أعراض الديمقراطية الليبرالية المعطلة"31. و"استعادة" تلك الديمقراطية ليست بكافية وحدها لاستعادة الثقة بالمؤسسات التمثيلية. أرى أن السبب الرئيس لتفشي عدم الرضا عن المؤسسات التمثيلية يكمن في عدم المساواة السياسية الناجمة عن تأثير المال في السياسة32. ربما يخالفني الآخرون الرأي. وأضيف، إن مسارات الإصلاح المجدية ستختلف تبعًا لاختلاف الظروف والسياقات. وأخلص، أخيرًا، إلى أنّ على المدافعين عن الديمقراطية أن يقدّموا رؤية مستقبلية تسعى إلى تعزيز المؤسسات التمثيلية؛ من أجل منح القوى السياسية المتنازعة ثقةً متجددةً بالأساليب والطرق الديمقراطية.

31 Cas Mudde, "Populism in Europe: An Illiberal Democratic Response to Undemocratic Liberalism," Government and Opposition , no. 56 (October 2021), p. 589. 32 Adam Przeworski, "Dinero, Política y Democracia," in: Política, dinero y poder: Un dilema para las democracias de las Américas (Mexico: Fondo de Cultura Económica, 2011), pp. 67–88.

المراجع

Bobbio, Norberto. The Future of Democracy: A Defence of the Rules of the Game. Roger Griffin (trans.). Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987. Copp, David, Jean Hampton & John E. Roemer (eds.). The Idea of Democracy. Cambridge: Cambridge University Press, 1993. Coser, Lewis A. The Functions of Social Conflict. Glencoe: Free Press, 1956. Participation

A. Polyarchy:

Robert

Dahl, University

Yale

Haven:

Opposition. New Press, 1971. Delmer, Sefton. Weimar Germany: Democracy on Trial. London: Macdonald, 1972. Dunn, John. Democracy: A History. New York: Atlantic Monthly Press, 2005. Gargarella, Roberto. The Law as a Conversation Among Equals. New York: Cambridge University Press, 2022. Graham, Matthew H. & Milan W. Svolik. "Democracy in America? Partisanship, Polarization, and the Robustness of Support for Democracy in the United States." American Political Science Review. no. 114 (May 2020). Holmes, Stephen & Cass R. Sunstein. The Cost of Rights: Why Liberty Depends on Taxes. New York: W.W. Norton, 1999. Huq, Aziz & Tom Ginsburg. "How to Lose a Constitutional Democracy." UCLA Law Review. no. 65 (February 2018). Kelsen, Hans. The Essence and Value of Democracy. Nadia Urbinati & Carlo I. Accetti (eds.). Brian Graf (trans.). Plymouth, England: Rowman and Littlefield, 2013 [1929].

  1. Cas Mudde, "Populism in Europe: An Illiberal Democratic Response to Undemocratic Liberalism," Government and Opposition , no. 56 (October 2021), p. 589.
  2. Adam Przeworski, "Dinero, Política y Democracia," in: Política, dinero y poder: Un dilema para las democracias de las Américas (Mexico: Fondo de Cultura Económica, 2011), pp. 67–88.

Lagerspetz, Eerik. "Wisdom and Numbers." Social Science Information. no. 49 (March 2010). Little, Andrew T. & Anne Meng. "Measuring Democratic Backsliding." PS: Political Science and Politics. 11/1/2024. at: https://tinyurl.com/5n7uwkee Luo, Zhaotian & Adam Przeworski. "Democracy and Its Vulnerabilities: Dynamics of Democratic Backsliding." Quarterly Journal of Political Science. vol. 18, no. 1 (2023). Magara, Hideko (ed.). Economic Crises and Policy Regimes: The Dynamics of Policy Innovation and Paradigmatic Change. Cheltenham, UK: Edward Elgar, 2014. Mill, John Stuart. The Collected Works of John Stuart Mill , Volume XVIII — Essays on Politics and Society Part I. J.M. Robson (ed.). Toronto: University of Toronto Press, 1977 [1859]. Morgan, Edmund S. Inventing the People: The Rise of Popular Sovereignty in England and America. New York: W.W. Norton, 1989. Mudde, Cas. "Populism in Europe: An Illiberal Undemocratic

to

Response

Democratic Liberalism." Government and Opposition. no. 56 (October 2021). Política, dinero y poder: Un dilema para las democracias de las Américas. Mexico: Fondo de Cultura Económica, 2011. Popper, Karl. The Open Society and Its Enemies , 4th (rev. & ed.). London: Routledge and Kegan Paul, 1962. Przeworski, Adam. "Freedom to Choose and Democracy." Economics and Philosophy. no. 19 (October 2003). Przeworski, Adam. Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America. New York: Cambridge University Press, 1991.

_________. Crises of Democracy. New York: Cambridge University Press, 2019. Schmitter, Philippe C. & Terry Lynn Karl. "What Democracy Is... and Is Not." Journal of Democracy. no. 2 (Summer 1991). Schumpeter, Joseph A. Capitalism, Socialism, and Democracy. New York: Harper, 1942. The Federalist Papers. Clinton Rossiter (ed.). New York: Mentor, 1961. Valentim, Vicente & Elias Dinas. "Does Party-System Fragmentation Affect the Quality of Democracy?" British Journal of Political Science. no. 54 (January 2024). Varol, Ozan O. "Stealth Authoritarianism." Iowa Law Review. no. 100 (May 2015).