تقديم: البنائية هي ما يصنعه البنائيون منها
Introduction: Constructivism is what Constructivists Make of it
الملخّص
يمكن القول إنّ المنطقة العربية تُعدّ بحقٍّ ميدانًا خصبًا لاختبار الفرضيات البنائية، بعيدًا عن النزعة الواقعية المتشائمة التي تستسلم للحتمية المادية، وكذلك عن النزعة الليبرالية المتفائلة التي تفترض مسارًا خطّيًا للتقدّم كما يظهر في أطروحات المؤسسية الجديدة والسلام الديمقراطي، وإن من دون إقصائهما تمامًا. فإذا كانت السياسة الدولية ــ بوصفها تفاعلاتٍ بين دولٍ ــ تُبنى اجتماعيًا، وتتشكّل من خلال المعاني والتفاعلات التي ينتجها الفاعلون ويتشاركونها عبر الخطاب والممارسة، فإنّ المنطقة العربية، بما تنطوي عليه من تداخلٍ بين التاريخ والهوية والدين والثقافة والخطاب من جهة، والمصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية من جهة أخرى، تمثّل فضاءً واعدًا للاشتباك النقدي مع المقاربات البنائية وتطويرها.
Abstract
2 Alexander Wendt, "The Agent-Structure Problem in International Relations Theory," International Organization , vol. 41, no. 3 (1987), pp. 335–370;
- ألكسندر ونت
- البنائية
- Alexander Wendt
- Constructivism
أولا: البنائية في حقل العلاقات الدولية: قصة نجاح بطلها ألكسندر ونت
وقف ألكسندر ونت، عام 1986، وقد كان حينها شاًّبًا لّمَا يدافِعْ عن أطروحته لنيل الدكتوراه، أمام جمهورٍ من باحثي العلاقات الدولية وطلابها، في مؤتمر جمعية الدراسات الدولية السنوي، ليعرض ورقةَ بحثٍ عنوانها "مشكلة الفاعل - البنية في نظرية العلاقات الدولية". ويذكر نيكولاس أونوف أنه لاحظ خلال المؤتمر أنّ "أهمية الدراسة بدت للعيان وسط الجمهور داخل القاعة كلّها"9. وحديثًا، أشار ونت نفسُه إلى أنّ هذه الورقة التي نشُرت دراسةً في السنة الموالية10، شكّلت إسهاماته اللاحقة، إلى درجة أنه كان يعيد كتابتها من جديد، ولكن من زوايا نظر مختلفة11. وتزامن صدورُ هذه الدراسة، والنقاشاتُ التي أثارتها، مع ثلاث حركات رئيسة في حقل العلاقات الدولية. الحركة الأولى هي صدور، على الأقل، ثلاثة أعمال اتخذت مسالكَ نظريةً (وإبستيمولوجية في المقام الأول) متقاربة: دراسة فريدريك كراتوتشفيل وجون راغي، بعنوان "التنظيم الدولي: تطوّرات حقلٍ قائم على الدولة"، عام 198612، وكتاب كراتوتشفيل، القواعد والمعايير والقرارات: عن التفكير العملي والقانوني في العلاقات الدولية والشؤون المحلية13، إضافةً إلى كتاب أونوف، عالمٌ مِن صُ نعنا: القواعد والحكم في النظرية الاجتماعية والعلاقات الدولية، عام 198914. وهي الأعمال التي مهّدت الطريق لنشوء الحركة البنائية في العلاقات الدولية، وتبلورها في أعوامٍ يسيرة مع صدور مقالة ونت الثانية، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: السياسة الدولية بوصفها بناءًاجتماعيًا"15، في بداية تسعينيات القرن العشرين. وينسب أونوف إلى ونت فكرة تحديد عام 198616، باعتباره التأريخ الأنسب لبداية الحركة، مع صدور دراسة كراتوتشفيل وراغي.
* باحث، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وأستاذ مساعد، معهد الدوحة للدراسات العليا. Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies, and Assistant Professor, Doha Institute for Graduate Studies. Email: mohammed.hemchi@dohainstitute.edu.qa
1 ينظر في هذا العدد: نيكولاس أونوف، "ما الذي ينبغي أن نصنعه من مقالة 'الفوضى هي ما تصنعه الدول منها'؟"، سياسات عربية، مج 13، العدد 73 (آذار/ مارس)، ص.28-21
وينظر ترجمة المقال إلى اللغة العربية، في: ألكسندر ونت، "مشكلة الفاعل - البنية في نظرية العلاقات الدولية"، ترجمة أحمد قاسم حسين، سياسات عربية، مج 13، العدد 72 (كانون الثاني/ يناير 2025)، ص.130-103 3 سارة ناصر، "ألكسندر ونت"، موسوعة المعارف العربية - أرابيكا، قيد النشر؛ وينظر أيضًا مقابلة معه بمناسبة ترجمة كتابه، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، إلى اللغة السلوفينية، في: Alexander Wendt, "Predstavitev Knjige: Alexander Wendt Družbena Teorija Mednarodne Politike," YouTube, 16/3/2023, accessed on 23/1/2024, at: https://tinyurl.com/5n7pbw97 4 Friedrich Kratochwil & John Gerard Ruggie, "International Organization: A State of the Art on an Art of the State," International Organization , vol. 40, no. 4 (Autumn 1986), pp. 753-775. 5 Friedrich Kratochwil, Rules, Norms and Decisions: On the Conditions of Practical and Legal Reasoning in International Relations and Domestic Affairs (Cambridge: Cambridge University Press, 1989). 6 Nicholas G. Onuf, World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations (Columbia: University of South Carolina Press, 1989). 7 Alexander Wendt, "Anarchy is what States Make of it: The Social Construction of Power Politics," International Organization , vol. 46, no. 2 (1992), pp. 391-425; ينظر في هذا العدد ترجمة المقال إلى اللغة العربية، في: ألكسندر ونت، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: السياسة الدولية بوصفها بناءًاجتماعيًا"، ترجمة سارة إسماعيل، سياسات عربية، مج 13، العدد 73 (آذار/ مارس 2025)، ص.152-123 8 أونوف، ص.21
ولكن، هل يُعَُّدُ التأريخ للأفكار بعام بعينه، أو بصدور عمل أكاديمي بعينه، مفيدًا على هذا النحو؟ يذكر أونوف أن صدور الأعمال الثلاثة، الآنفة الذكر، "استغرق سنوات من الجهد"17. وقد تأثرت هذه الجهود، على نحو ما، بالحركة الثانية التي أشار إليها روبرت كيوهان في خطابه الافتتاحي، بوصفه رئيسًا لجمعية الدراسات الدولية، عام 1988، حين ذكر أنّ حقل العلاقات الدولية بات منقسمًا بين المقاربات العقلانية، المنضوية تحت لواء ما يُعرَف بالتيار السائد Mainstream (وهي تحديدًا الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة)، ومجموعة من المقاربات التأملية، التي بدت كأنها في شتات. بل إنّ كيوهان وصفها على ذلك النحو، إذ إنه جادل بأنّ إخفاقها في تطوير برنامج بحثي خاص بها سيبقيها قابعةً في هامش حقل العلاقات الدولية18. ويعكس وصفُها بأنها كانت في شتات (أو في الشتات، إذا شئنا تحوير عبارة كيوهان قليلًا) صعوبةَ تعريفها بوصفها برنامجًا بحثيًا موحدًا. فهي، خلاف المقاربات العقلانية، لم تمثّل صوتًا واحدًا، بل مجموعة من الأصوات التي يمكن القول إنّ ما يشتّتها أكثر مّما يجمعها، وإنّ القاسم المشترك، الوحيد تقريبًا، الذي كان يجمعها هو معارضة المقاربات العقلانية وفلسفتِها الوضعية؛ وعلى نحو أضيق تحديدًا، معارضة الواقعية (الجديدة)19. ويعكس هذ الشتاتَ أيضًا التباينُ في تصنيف المقاربات التأملية ضمن هذه الحركة20. ولعل أحد عوامل هذا التباين، في الأصوات التأملية وفي تصنيفاتها على حد سواء، يكمن في تعدد المرجعيات الفكرية التي ينهل منها التأمليون، والتي تجد أصولها في الفلسفة والتاريخ والنظرية الاجتماعية واللسانيات وغيرها. وحين اشتبك ونت مع مشكلة البنية - الفاعل في نظريات العلاقات الدولية، وأثار ما أثاره من احتفاء، لم يكن بِدْعًا من المنظّرين لا من داخل حقل العلاقات الدولية ولا من خارجه. فقد استلهم تقليد البنيانية Structurationism، الذي أسسه أنتوني غيدنز مصطلحًا ونظريةً، ويعود إلى تراث عريق من النظرية الاجتماعية. هذا من خارج الحقل، أمّا من داخله، فقد استخدمه أيضًا أونوف، محيلًا إلى غيدنز21. ولم يستخدم ونت مفهوم "البناء الاجتماعي" إّلا لمامًا، ومن غير أن يذكره اصطلاحًا على هذا النحو22. وبعد نحو خمس سنوات قضاها في تطوير أطروحته استنادًا إلى النظرية الاجتماعية، نشر ونت عام 1992 مقالته المرجعية، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، واستخدم البنائيةَ وسمًا بديلًا من التأملية، مستلهِمًا إياه من أونوف23؛ وتُنعَت في أحايين كثيرة بالبنائية الاجتماعية Constructivism Social، تأكيدًا لمفهومها المحوري، البناء الاجتماعي Construction Social. ولعله لم يبتغِ من استخدامه "البنائية" رفض وسم التأملية الذي استخدمه كيوهان فحسب، بل أراد أيضًا أن يشدّ الانتباه إلى "الامتداد الواسع للمادة النظرية التي قلل دهاءُ كيوهان من شأنها متعِّمِدًا"24، والتي كان قد راكمها نقّاد العقلانية، والواقعية تحديدًا، في فترة وجيزة. نعود إلى الحركة الثالثة في حقل العلاقات الدولية، التي تزامن معها صدورُ مقالة ونت الأولى، والثانية أيضًا. تمثّلت هذه الحركة في التحدي الإبستيمولوجي الذي واجه به التأمليون (والبنائيون في هذه الحالة شطرٌ منهم) التيارَ السائدَ من نظريات العلاقات الدولية مع نهاية الحرب الباردة. وقد ألقت هذه الحركة بظلال كثيفة من الشك في قدرة العقلانية، والواقعية الجديدة على وجه التحديد، على تفسير التغير في السياسة الدولية (فضلًا عن التنبؤ به). لقد مثلت نهاية الحرب الباردة مث لًا إمبريقيًا شاهدًا على أنّ مصالح الدول ليست ثابتة، وأنّ التحوّل في الأفكار والهويات والمعايير يمكن أن يؤدي إلى تغّير في مصالح الدول، ومن ثم في سلوكها، وفي نظام العلاقات بينها. ولو كانت العبرة مقتصرة على توزيع القوة، لما بدأ نظام الحرب الباردة الثنائيّ الأقطاب في التفكك مع نشوء تغّير في خطاب الفاعلَْين
الرئيسَْين، وهويتَيْهما، والمعايير الناظمة لتفاعلهما25. لقد بدت بنية النظام الدولي، الفوضويةُ الثنائيةُ الأقطاب، في لحظة نهاية الحرب الباردة، مث لًا إمبريقيًا شاهدًا على نباهة ونت ووجاهة حججه. لقد بدت البنية Structure، المستقرة الثابتة المعطاة سلفًا في عرف الواقعية، بناءًاجتماعًّيًا Construction يتشكل من خلال الأفكار والمعاني والفهوم والهويات المتشاركة بين الفاعلين، ومع تغّير ها تتغير البنية بصرف النظر عن ثبات خصائصها المادية. وهكذا، برز اسمُ ونت بوصفه مؤسس البنائية الاجتماعية في حقل العلاقات الدولية؛ فملأ الدنيا وشغل الناس، ولم يزل؛ مقترنًا اسمُه بمقالته الفارقة، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، وبعبارة "الشيء هو ما يصنعه الفاعلون منه"، المستوحاة من عنوان الدراسة. وبات في إمكان المرء أن يُحِلّ محلّ "الشيء"، في عبارة ونت، أَّيَ شيء يمكن التفكير فيه بوصفه مبنًّيًا اجتماعيًا Socially Constructed26. ولا يمثّل عنوان هذه المقدمة، "البنائية هي ما يصنعه البنائيون منها"، ولا دراسة عبد النور بن عنتر في هذا العدد، "الأمن من منظور بنائي: الأمن هو ما تصنعه الدولة منه"، أيّ استثناء من ذلك. لكنّ الأمانة تقتضي الإشارة إلى أنّ ونت نفسَه، سبق أن استخدم، رفقة مارثا فينمور، عبارة "البنائية هي ما يصنعه البنائيون منها" في آخر دراسة نشراها27بُعيْد نيلهما جائزة يوهان سكايت للعلوم السياسية عام 202328. لقد مثّلت البنائية قصةَ نجاح مبهرةً بحّق29. ولا شك في أنّ ونت كان (ولعله لا يزال) بطلَها، على الرغم من مغادرته برنامج البحث البنائي بعد ما يقارب عشرين سنة من الالتحاق به30. فوفق استطلاعٍ أجراه مشروع التعليم والبحث والسياسة الدولية Teaching, Research and International Politics، احتل ونت صدارة ترتيب الباحثين الأشد تأثيرًا في حقل العلاقات الدولية خلال الأعوام العشرين السابقة للعام الذي أُجري فيه الاستطلاع، في الأعوام 2011 و 2014 و 201731. وقبل ذلك، منحت جمعيةُ الدراسات الدولية كتابَه، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، جائزة كتاب العقد، الذي جرت ترجمته إلى اثنتَي عشرة لغة. وفي أواخر أيار/ مايو 2023، حاز، رفقة فينمور، جائزة يوهان سكايت للعلوم السياسية (وهي أشبه ما تكون بجائزة نوبل للعلوم السياسية). وذكرت لجنة الجائزة أنهما ساهما في "تأجيج ثورة في مجال العلوم السياسية"32. وهذا من بين ما يجعل البنائية، وارتباطَها باسم ونت، قصة نجاح مبهرة. ففي حين تُفاخر الواقعية بتاريخ يمتد أزيد من خمسة وعشرين قرنًا، وتعتز الليبرالية بجذور فلسفية ضاربة في تاريخ يمتد عبر قرون عديدة، لم تكن البنائية في حاجة إّلا إلى عقد ونيف لتنشأ وتتشكل وتتطور وتنتزع لنفسها موطئ قدم في الحقل، نظيرةً للواقعية والليبرالية ومنافسة لهما. يقدّم ونت، رفقة فينمور، مسوَّغيَن رئيَسيَن لهذا النجاح المبهر. أولهما، السياق الفكري الذي ساد أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات؛ إذ إن نظريات العلاقات الدولية، خاصة الأميركية منها، كانت قد ضيّقت نطاق اهتماماتها بحدة إلى درجة جعلت "التيار السائد من الأبحاث في موقف دفاعي حين انهار الاتحاد السوفياتي وبلغت الحرب الباردة نهايتها". أمّا ثانيهما فيرتبط بطبيعة الأفكار البنائية نفسها، التي تميزت بمرونة شديدة ميّزتها من نظريات العلاقات الدولية الأخرى. فالبنائية من الناحية النظرية تُعدّ نظرية اجتماعية، لا نظرية في العلاقات الدولية، ما أتاح لها معالجة مجموعة أوسع من المشكلات. ومن
الناحية الإمبريقية، انفتحت البنائية على جميع مستويات التحليل السياسي. أما من الناحية المنهجية، فقد تميزت بتعددية سمحت للباحثين، من جيل الشباب الناشئ، باستخدام مناهج متنوعة لاختبار فرضياتها33. ولعل المثير للاهتمام، في كل ذلك، أنّ رواج هذه الأفكار وانتشارها الواسع كانا مفاجَئيَن لمؤسسي البنائية، أو على الأقل ونت وفينمور34، بقدر ما كانا مفاجَئيَن لمؤيديها ومناوئيها. ونقترح، في هذا العدد35، ثلاثة عوامل أخرى زادت البنائيةَ قوة ودفعت بها نحو مركز التيار السائد في حقل العلاقات الدولية. العامل الأول هو انخراطُها المبكر في النقاشات الكبرى بين نظريات العلاقات الدولية، وإطلاقها مشروع تجسير الفجوة بين طرَفي النقاش الثالث، العقلانية والتأملية. والعامل الثاني هو صعود ما يمكن تسميته المدرسة الأوروبية التي طوّرت البنائية على نحو مكثف، وساهمت في تعبيد بعضٍ من أبرز مسالكها منذ منتصف التسعينيات. وأما العامل الثالث فهو نفوذها خارج حقل النظرية الدولية، إذ إنها ساهمت في إنضاج عدد من التحّولّات المعرفية في حقول غير حقل نظرية العلاقات الدولية الذي نشأت فيه وتطورت، مثل دراسات الأمن والاقتصاد السياسي الدولي، بل والنظرية الاجتماعية عامةً. ونضيف عاملًا آخر، يمكن اعتباره تحديًا في لبوس عامل نجاح. لقد أشرنا في دراسة سابقة36 إلى ضرورة "(الاستمرار في) الإقرار بفضل البنائية في تشجيع وإلهام المساعي الحالية لبناء نظرياتٍ غير غربية في العلاقات الدولية، سواء في أفريقيا أو في آسيا أو في أميركا اللاتينية، وذلك بفضل اهتمامها وتركيزها على عاميَلي الثقافة والهوية. وهذا ما جعل الباحثة الكولومبية آرلين تيكنر37 تصنف البنائية ضمن أحد أهم مصادر التنظير غير الغربي في العلاقات الدولية. ورغم أصولها المتجذرة في التجربة الغربية، فإنّ البنائية يمكن أن تمثّل مصدرَ إلهامٍ مهم بفضل إبستيمولوجياتها المنشقة عن الوضعية الغربية المهيمنة. هذا ما نقصده بالتحدي. ويبدو أنّ البنائية تبليي بلاءً حسنًا في مواجهته، ما يضيف إلى عوامل نجاحها. وفي سياق متصل، وفي هذا العدد، تشير مي درويش، على سبيل المثال، إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط توفر إمكانيةً لتطبيق حجج البنائية، وتمثّل رهانًا لها في الوقت نفسه38. من هذا المنطلق، جاءت فكرة هذا العدد الخاص من دورية سياسات عربية، ومنه أيضًا يأتي منطقه ومسوّغه.
ثانيًا: لماذا هذا العدد الخاص؟
نحاجّ بأنّ المنطقة العربية تُعَدّ، بحق، مختبرًا خصبًا لفحص الفرضيات البنائية، بعيدًا عن نزعة الواقعية المتشائمة نحو الاستسلام للحتمية المادية، وبعيدًا أيضًا عن نزعة الليبرالية المتفائلة حيال التقدّم الخطّي الكامنة في أطروحات المؤسساتية الجديدة والسلام الديمقراطي، لكن من دون استبعادهما بطبيعة الحال. فإذا كانت السياسة الدولية (بمعنى السياسة بين دول) مبنية اجتماعيًا، وتتشكل من خلال التفاعلات والمعاني الاجتماعية التي ينتجها (ويعيد إنتاجها) ويتشاركها الفاعلون عبر الخطاب والممارسة، فإنّ المنطقة العربية، حيث يتشابك التاريخ والهوية والدين والثقافة والخطاب مع المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، تمثّل فضاءً واعدًا للاشتباك مع الأطروحات البنائية وتطويرها. على سبيل المثال، أدّت الصورة السائدة عن السياسة (المحلية والدولية) في المنطقة العربية بوصفها سياسةَ هوية Identity Politics39 إلى اشتباك مكثف بين دراسات سياسة الهوية ودراسات الشرق الأوسط Middle East Studies40. وقد أدى هذا الاشتباك إلى نشوب ما يُعرف بالجدل بشأن دراسات المناطق Controversy Studies Area؛41وهو "توتر بين المختصين في دراسات المناطق، ممّن لديهم إلمام بدراسات الشرق الأوسط مثلًا، من ناحية، وباحثي العلوم الاجتماعية المتجهين نحو الاختصاصات المعرفية، مثل أولئك القادمين من حقل العلاقات الدولية، من ناحية أخرى. ويكمن موضوع التوتر في: كيف ينتج الباحثون المعرفة؟ وقد اُّتُهم المختصون في المنطقة، الذين
يأخذون السياق في الحسبان، بأنهم وصفيون ويعانون نرجسية نابعة من معرفتهم بالمنطقة، ما يجعل الخصوصيات المحلية تقريبًا تعمي بصيرتهم؛ في حين واجه الملتزمون بالاختصاص المعرفي تهمة الانغماس في نقاشات نظرية عقيمة ومجردة، ما يعمي بصيرتهم عن واقع المنطقة المعقّد"42. وتشير درويش وآخرون، في دراسة مسحية حديثة، إلى أنّ ما بات يسمّى حقل علاقات الشرق الأوسط الدولية IR East Middleقد تجاوز هذا الجدل؛ إذ إن الأبحاث الحديثة تعكس مجموعة من الدراسات الخّلا قة والمتطورة التي أفلحت في الجمع بين النقاشات الحديثة بشأن الأمن الدولي، على سبيل المثال، والمعرفة المعمقة بشؤون منطقة الشرق الأوسط43. يعني ذلك أنّ شطرًا من العمل قد أنجز، وأنّ الباحثين مستقبلًا ليسوا مضطرين إلى الانغماس في هذا السجال من جديد. وفي سياق متصل، نذهب، في هذا العدد، إلى أنّ البنائية قد ساهمت، خلال السنوات الأخيرة، في إنجاز شطرٍ آخرَ من العمل، هو التخفيف من حدة النقاشات الإبستيمولوجية في حقل العلاقات الدولية، التي استهلكت الجماعة المعرفية طيلة عقود44؛ وذلك بفضل نجاحها في تحويل مشروع ونت لتجسير الفجوة الإبستيمولوجية، بين العقلانية والتأملية، إلى جسر بمسالك متعددة، تسمح بعبور الباحثين بين مقاربات نظرية متنوعة، سواء من البنائيين أنفسهم أو من غير البنائيين؛ إضافةً إلى نجاحها، خاصة نسخها الجديدة، في تعزيز صعود الانتقائية التحليلية في الحقل45. وفي هذا السياق، قدّم عدد من الباحثين أعمالًا تُقحم المنظور البنائي في توليفات متنوعة لدراسة علاقات الشرق الأوسط الدولية، مثل جمْعِ مارك لينتش بين تركيز البنائية على الأفكار والهويّات، وتركيز الواقعية على الدولة وحروب الوكالة وتحليل الشبكات والحروب الأهلية46؛ أو تقديم رايموند هاينبوش مقاربة توليفية متعددة المتغيرات تجمع بين الواقعية الكلاسيكية الجديدة والبنائية والمدرسة الإنكليزية والاقتصاد السياسي الدولي لتفسير علاقات الشرق الأوسط الدولية التي باتت تسودها حروب هويات عابرة للحدود47. وتضيف درويش، في هذا العدد، أنّ بعض الباحثين القادمين من منظور بنائي تمكّنوا من استكشاف دراسات حالة مثمرة في الشرق الأوسط، وأسهمت بحق في تطوير مقارباتهم وأطرهم النظرية؛ ذلك أنّ "البنائية الاجتماعية تعدّ أشد مرونة وأقل اعتمادًا على التصورات المسبقة التي تسِم المقاربات المهيمنة في الحقل، بل تعتمد بديلًا من ذلك على فرضية مفادها أنّ سلوك الدولة ومصالحها مبنية اجتماعيًا. وهكذا انتهى دارسو الشرق الأوسط إلى أن البنائية مقاربة مرنة يمكن تكييفها لدراسة ظواهره، على الرغم من أن مفهومها الذي تتأسس عليه ربما كان قائمًا على أفكار وخبرات غربية، بيد أنهم توافقوا على أن تطبيقها يمكن أن يستقي من الأفكار والهويات والمعايير داخل ثقافة الشرق الأوسط السياسية وتاريخه"48. بعبارة أخرى، يمكن البنائية أن تستفيد من دراسة المنطقة العربية في تطوير نفسها بوصفها نظرية، تمامًا كما أن دراسة المنطقة العربية يمكن أن تستفيد من استكشاف ما تقدّمه البنائية، بنسخها المتعددة، من افتراضات ومفاهيم وأدوات منهجية خّلا قة. وإن الأمر لا يتوقف عند سياسة الهوية، التي لربما تحوّلت إلى عبارة مبتذلة تبرر النظر إلى المنطقة بوصفها استثناءً، جوهرانيًا في
أغلب الأحيان، بدلًا من أن تعزز فهمنا لتعقيداتها. إذ يمكن، أيضًا، استكشافَ الروافد النظرية، التي انبثقت منها التأملات البنائية، أن يثير اهتمامنا بالتنظير البنائي في دراسة أحد أبرز التحديات التي تواجه المنطقة العربية، وهو تحدّي التكامل الإقليمي. ولا نقصد التكامل على مستوى المنطقة العربية برمّتها، فهذا يبدو مناله بعيدًا، لكنه ليس مستحيلًا، بل نقصد على الأقل مشروعات التكامل الفرعية التي تخَّلَف بعضها (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) وتعطّل بعضها الآخر (اتحاد المغرب العربي). ينبغي العودة بالبنائية إلى جذورها في النظرية الوظيفية (والوظيفية الجديدة)، خاصة دراسات تشكل الهوية الأوروبية المتشاركة في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك أعمال كارل دويتش (1992-1912) عن الجماعات الأمنية العابرة للحدود الوطنية49، والذي أثرت رؤيته عن تشكيل الهوية الجماعية الأطلسية في ثلة من البنائيين المبكرين (مثل إيمانويل أدلر ومايكل بارنيت). وقد التقف مقاربتَه أحدُ طلابه، وهو هايوارد ألكر، ليؤثر أيضًا في عدد من بنائيّي الموجة الأولى، أمثال بيتر كاتزنشتاين وأونوف. ولا يقلّ نفوذ دويتش عن نفوذ إرنست هاس (2003-1924)، خاصة أعماله عن التعلم الاجتماعي المركّب والمنظمات ما فوق الوطنية وثقافاتها ودورها في إنتاج (وإعادة إنتاج) نسيج السياسة العالمية50؛ ولْنتذكر أنّ جون راغي، الذي طوّر مع كراتوتشفيل، نظرية المنظومات Theory Regime، كان أحد طلاب هاس البارزين51. يصدر هذا العدد الخاص والعدوان الإسرائ ليي الغاشم على قطاع غزة، في إثر عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يزداد بطشًا وتقهقرًا نحو مظاهر الحروب القروسطية التي حسب العالم أنه طوى صفحتها. لا بد من أن تداعيات هذا العدوان وعواقبه ستضيف طبقات من التعقّد إلى علاقات العالم العربي الدولية وسياساته، المحلية والإقليمية والدولية، فيلحّ في دراسة قضايا حيّة وراهنة، ويعيد إلقاء الضوء على قضايا كامنة أهملها التفكير ردحًا من الزمن، كما يطرح قضايا جديدة ناشئة. ويُتوَّقَع أن يكون لباحثي العلاقات الدولية العرب إسهام في هذا النقاش. وإذا حسبناه واجبًا أخلاقيًا تنويريًا (وإرشاديًا لّمَا يتعلق الأمر بجمهورهم من صنّاع السياسات، على محدوديته)، قبل أن يكون واجبًا مهنيًا يتعلق بالنشر من أجل الأداء الوظيفي والترقيات المهنية وغير ذلك، فإنّ هذا الواجب ينبغي أن يقترن بالضرورة بمنظور متجذر في ذاتيات الباحثين العرب وفي بينذاتياتهم (Inter)subjectivities المتجذرة في التزاماتهم الأخلاقية والمعيارية تجاه بلدانهم وإقليمهم الأوسع. وإذا كنّا قد صرنا على وعي بالسؤال الإبستيمولوجي النقدي "مِن منظور مَن؟"52، فينبغي أن يكون جوابنا مباشرًا وواضحًا: "مِن منظورنا نحن"، لأننا الأدرى بشعاب مكّة، فنحن أهلها! يشهد حقل العلاقات الدولية، المتهمُ بنسيان رصيد من تقاليد التفكير في العلاقات الدولية وتقاليد ممارستها في بقية العالم غير الغربي53، دعوات متزايدة لاستكشاف التقاليد غير الغربية في التنظير للعلاقات الدولية54، لأن هذا ما يجعل حقل العلاقات الدولية دوليًا بحقّ. وينبغي للباحثين والمفكرين من قلب السياقات الجيوثقافية غير الغربية أن يلبّوا هذه الدعوات. ولكي لا يعيد هؤلاء إنتاج ممارسات الإقصاء المتبادل، الكامنة في ثنائية النظرية الغربية - غير الغربية، لا ينبغي لهم أن يعملوا على استبدال النظريات الراسخة، بل أن يتعاملوا معها بعقلٍ تأمليي ونقدها وتهذيبها، لا أخذها بوصفها مفروغًا منها. ونستحضر ههنا، مرة أخرى، حجة تيكنر القائلة إنّ البنائية، على الرغم من تجذّرها في التجربة الغربية، يمكن أن تمثّل مصدرًا مهًّما من مصادر التنظير غير الغربي في العلاقات الدولية. ولو قال قائل إنّ مشكلة البنائية قد تكمن في تجذّرها في الإبستيمولوجيا الوضعية الغربية، لكان الجواب أن تاريخ البنائية، كما يتضح في هذا العدد، لم يكن يومًا تاريخ البنائية التقليدية، العقلانية الوضعية، فقد اتخذت البنائية مسالك متعددة، ولم يكن ذلك سوى مسلك واحد منها55. وفي كل الأحوال، لا ينبغي لنا أن ننسى أنّ البنائية، بصرف النظر عن تنوّعها أو على الأقل بالنظر إلى جذورها المبكرة، تظل نظرية تأملية
نقدية، وينبغي لها أن تظل كذلك. وهي، حين ترتحل عبر سياقات جيوثقافية متباينة، تنزع دومًا نحو تأمل ونقد ذاتها بذاتها56. ونذكر، أخيرًا، وفي هذا السياق، أعمال الباحث الصيني تشين ياتشين Yaqing Qin، الذي صاغ ما بات يُعرف بالبنائية العلائقية، وهي منظور للعلاقات الدولية مستوحى من التقاليد الصينية. وقد بات ياتشينغ يحظى بالإشادة بوصفه رافضًا لمبدأ أن تتحدث البنائيات الأوروبية أو الأميركية الشمالية باسم العوالم الأخرى، وبوصفه مصدر إلهام لغيره من الباحثين، سواء داخل الصين أو خارجها57، في صوغ رؤى بديلة للعالم58. وبناء عليه، فإنّ منطق هذا العدد الخاص يتجاوز الاحتفاء بالبنائية، التي حاز ونت وفينمور، وهما من أبرز روادها، جائزة يوهان سكايت للعلوم السياسية لعام 2023، إقرارًا بفضلهما في "تأجيج ثورة في مجال العلوم السياسية"، ويتجاوز الاحتفاء بمقالة ونت المرجعية في البنائية، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، التي شهدنا ذكرى صدورها الثلاثين، وتُعتبر هذه الدراسة المرجع الأكثر استشهادًا في تاريخ حقل العلاقات الدولية؛ بل إنه يتجاوز حتى مراجعة حالة الأبحاث البنائية بعد مرور عقدين من ابتعاد ونت عن برنامج البحث البنائي، واتجاهه نحو الاهتمام بالعلوم الاجتماعية (ثم العلاقات الدولية) الكوانتية.
ثالثًا: بنيان هذا العدد الخاص
يساهم في هذا العدد الخاص مُنِّرظِ بنائي مؤسس، هو نيكولاس أونوف، الذي كتب استهلالًا للعدد، أعاد فيه قراءة مقالة ونت المرجعية، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، من منظوره بوصفه مؤِّسِسًا من مؤسسي البنائية الاجتماعية في حقل العلاقات الدولية، وإن جعله تواضعه العلمي ينأى بنفسه عن ادعاء ذلك، وبوصفه أوّل من سك مصطلح البنائية، الذي اقتبسه منه ونت لاحقًا. وإضافةً إلى هذا الاستهلال، الذي لا يخلو عنوانه من دلالات تأملية نقدية، "ما الذي ينبغي أن نصنعه من مقالة 'الفوضى هي ما تصنعه الدول منها'؟"، يساهم في هذا العدد أربع باحثات وباحثين عرب من مؤسسات أكاديمية مختلفة، ومن مشارب بحثية متنوعة. يقدّم محمد حمشي في دراسته، "البنائية في حقل العلاقات الدولية: المدارك والمسالك"، قراءة نقدية في تحولات البنائية في حقل العلاقات الدولية على امتداد العقود الأربعة الأخيرة، ويفحص المسالك المتعددة التي اتخذتها منذ نشوئها بوصفها نظرية اجتماعية نقدية في ثمانينيات القرن العشرين استجابةً للنقاش الثالث بين العقلانيين الوضعيين والتأمليين ما بعد الوضعيين، مرورًا بمحاولة ونت احتلال منطقة وسطى وتجسير الفجوة بين طرَفي هذا النقاش، ثم بالنقاشات البينية التي جمعت البنائيين التقليديين والنقديين بشأن مشروع ونت، وصولًا إلى ازدهار البنائية الجديدة في إثر ابتعاد ونت عن برنامج البحث البنائي. ثم تناقش الدراسة توترات مشروع ونت الإبستيمولوجية، وأن ما يعدّ إخفاقًا في هذا المشروع لم يؤدّ إلى أفول البنائية، بل إنها استمرت في الازدهار عبر مساهمات جيل جديد من البنائيين. ويحاجّ حمشي بأنّ ثلاث حركات رئيسة شهدها حقل العلاقات الدولية، خلال الأعوام العشرين الماضية، ساهمت في استمرار هذا الازدهار، وتتمثل في تراجع الاستقطاب الإبستيمولوجي بين نظريات الحقل، وصعود الواقعية النقدية فلسفةً لعلم العلاقات الدولية، وتطور النزعة الانتقائية التحليلية.
ومن أجل إبراز أثر البنائية الذي يتجاوز حقل نظرية العلاقات الدولية، ليشمل برامج أبحاث وحقولًا فرعية، مثل الدراسات الأمنية والاقتصاد السياسي الدولي والجيوسياسة وغيرها، يناقش عبد النور بن عنتر في دراسته، "الأمن من منظور بنائي: الأمن هو ما تصنعه الدول منه"، إسهامات البنائية، لا سيما نسختَيها التقليدية والنقدية، في حقل الدراسات الأمنية، حيث شكّل المنعطف البنائي نقلة فكرية بارزة. وتبّين الدراسة أنّ البنائية طوّرت مفهوم الأمن وأثْرت الدراسات الأمنية عمومًا على ثلاثة صُعد: مقاربة الأمن بوصفه مبنيًا اجتماعيًا وبينذاتيًا؛ ومراجعة مفاهيم المقاربات العقلانية المركزية، تحديدًا مفهومَي الفوضى والمعضلة الأمنية، مراجعةً نقدية؛ وإقحام مفاهيم أساسية في دراسة الأمن، الهوية والمصالح والمعايير. ثم ينتقل لنقد هذه الإسهامات وإبراز حدودها لا سيما فيما يتعلق بالهوية والأمن، فضلًا عن الخلافات البنائية البينية التي حالت دون وجود إطار نظري بنائي واضح. ويخلص بن عنتر إلى استنتاج رئيس مفاده أنّ البنائية لم تقدّم نظرية في الأمن قائمة في حدّ ذاتها، بيد أن إسهاماتها المبتكرة، وكونها مرجعيةً نظريةً لمقاربات الأمن الجديدة، تؤكد وجود نظرية في الأمن ذات مرجعية بنائية؛ وهو ما يشكّل إنجاز البنائية النظري الأهم في حقل الدراسات الأمنية. ثم تأتي دراستا مروة فكري ومي درويش لتنزيل البنائية منزلة التوظيف في فهم حالات عينية من المنطقة العربية. فتسعى فكري في دراستها بعنوان، "تحولات النظام الإقليمي العربي: مقاربة بنائية"، إلى فحص دور الهوية والأفكار والمعايير والمصالح في تشكيل النظام الإقليمي العربي عبر مراحل تاريخية مختلفة ارتبطت بأحداث كبرى، مثل حلف بغداد، وهزيمة عام 1967، وحرب الخليج الأولى، وغزو العراق، وانتفاضات الربيع العربي. تنطلق فكري في دراستها من أطروحات ونت البنائية؛ وذلك ابتغاء تقييم إمكانيات البنائية في تفسير ديناميات المنطقة، والكشف عن حدودها التفسيرية. وتبين كيفية إعادة تشكيل الهويات الإقليمية من خلال صراع الروايات والثنائيات المهيمنة، إذ إن شرعية الفاعلين اعتمدت على قدرتهم على فرض رواياتهم وإعادة تعريف القضايا الأساسية. وتخلص إلى أن الهوية والمعايير أدت دورًا محوريًا في تشكيل السياسة الإقليمية، إذ إن الصراعات تجاوزت التنافس على القوة المادية إلى الصراع على التصورات والأدوار. ثم تختم دراستها بالوقوف على حدود التفسيرات البنائية. وفي الاتجاه نفسه، تنطلق مي درويش في دراستها، "ألكسندر ونت في الشرق الأوسط: كيف يُبنى الاختلاف في قلب الهويات الجماعية؟"، من ملاحظة أنّ باحثين كُثرًا يعدّون البنائية مقاربةً قادرةً على مراعاة السياقات الخاصة، التاريخية والثقافية وتلك المتعلقة بالأفكار، في منطقة الشرق الأوسط. ومن ثم، فهي تسعى إلى إعادة النظر في بعض جوانب بنائية ونت، تحديدًا، مستكشفةً قابليتها للتطبيق في المنطقة، ومرِّكِزةً على ثقافات الفوضى عند ونت لتوضيح الكيفية التي تتحوّل بها العلاقات التعاونية، بفعل سيرورات التفاعل، إلى صراع. وتفحص درويش الإمكانات والتحديات التي تدفع بها المنطقة أمام حجة ونت، وذلك بالتمعّن في مثال العلاقات بين المملكة العربية السعودية وحركة حماس، مع التركيز خاصة على حلقة حرب غزة عام 2009. ثم تستكشف لغز الكيفية التي تغيرت بها السياسة السعودية وانتقلت، على مدى سنوات، من دعم حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، إلى تصنيفها عدوًا لها، على الرغم من تشاركهما هويةً جماعية قوامها نزعة الوحدة الإسلامية. تتضافر هذه الدراسات الأربع أملًا في إقناع القارئ بأربع حجج رئيسة على الأقل: الأولى أن البنائية، خلال السنوات الأخيرة، تطورت وتعاظم ثراؤها بعيدًا عن كونها نظرية من نظريات التيار السائد في نظرية العلاقات الدولية الغربية (دراسة حمشي)؛ والثانية أنّ للبنائية نفوذًا يتجاوز حقل نظرية العلاقات الدولية، وفي إمكان برامج الأبحاث المتنوعة التي تزخر بها العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن تغرف منها من أجل تطوير مفاهيمها وافتراضاتها وعدّتها التحليلية والمنهجية (دراسة بن عنتر)؛ والثالثة أنّ البنائية ليست نظرية بحتة، بل يمكن تنزيلها منزلة البحث العيني، وفي مستويات تحليل مختلفة (دراسة فكري في مستوى تحليل نظام الدول، ودراسة درويش في مستوى تحليل الدولة)؛ والرابعة أنّ البنائية، بفضل جذورها في النظرية الاجتماعية وحساسيتها للسياق والثقافة والأفكار، يمكن أن تساعد في فهم بعض تعقيدات علاقات العالم العربي الدولية؛ وفي الوقت نفسه، يمكن أن يشكّل العالم العربي مختبرًا يفيض بالحالات التي يمكن توظيفها في اختبار فرضيات البنائية وأطروحاتها. أخيرًا، تناقش سارة ناصر في مراجعتها المعمقة، "رحلة ألكسندر ونت من 'نظرية اجتماعية للسياسة الدولية' إلى 'توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية'"، أبرز حجج ونت في كتابَيه الرئيَسيَن، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، والعقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية: نحو توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية، الصادرَين عامَي 1999 و 2015
على التوالي. وتلقي الضوء على مواضع القطيعة والاستمرارية بينهما. وفي باب "دراسة مترجمة"، يقدّم العدد للقارئ العربي تعريبًا لمقالة ونت المرجعية، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: سياسة القوة بوصفها بناءًاجتماعيًا"، الصادرة عام 1992، ويكفي استدلالًا على أهميتها ومرجعيتها الإشارة إلى أنها المقالة الأعلى استشهادًا في تاريخ حقل العلاقات الدولية، كما يوثّقه أونوف في هذا العدد الخاص. أخيرًا، لا بد من توضيح مسألتين في ترجمة العنوان الرئيس في مقالة ونت "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها". تتعلق الأولى بمصطلح الفوضى؛ إذ درجت أدبيات العلاقات الدولية، باللغة العربية، على ترجمة مصطلح Anarchy بلفظ الفوضى، وصار راسخًا بين المنتسبين إلى التخصص، مع أنه قد لا يبدو دقيقًا، خاصة أنه يُستخدم أيضًا لترجمة مصطلحات أخرى، مثل Chaos (الشواش) و Disorder (انتفاء النظام). أما مصطلح الفوضوية Anarchismوهي، أيديولوجيا سياسية مشتقة من مصطلح Anarchy نفسه، فُيتُرجم إَّمَا بنقحرة اللفظ إلى أناركية، أو باستخدام مصطلح اللاسلطوية؛ بمعنى مناهضة سلطة الدولة والاعتقاد بإمكانية التنظيم التلقائي للمجتمع. بناءً عليه، فإن الفوضى في النظام الدولي، بوصفها مفهومًا، لا تعني انتفاء النظام، بل تشير إلى غياب سلطة عليا على المستوى الدولي، أو لِنَقُل غياب حكومة عالمية تصنع القرارات وتفرضها على الدول. أما المسألة الثانية فتتعلق بلفظ "الصنع" في عبارة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها". يدل هذا اللفظ في اللغة العربية على عمل الشيء وإنشائه، ويشمل لفظ "الشيء" المادَّيَ والمعنويّ، والمحسوس والمعقول، فتدخل في ذلك الصور والأشكال والعلاقات وغيرها. وقد جاء في الحديث النبوي: "إن الله يصنع كل صانع وصنعتَه". ومن ذلك أيضًا تسمية القدماء العلمَ "صنعة" و"صناعة"، فيقال عن علم المنطق، مثلًا، "صنعة المنطق". وهكذا، حين نقول، مع ونت، إنّ "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، فإننا نعني أن النظام الدولي الفوضويAnarchic ليس مجرد بنية مادية تشكلها توزيع القدرات (كما يحاجّ الواقعيون)، بل هو أيضًا بنية اجتماعية تُنتجها الدول من خلال المعاني البينذاتية التي تضفيها عليها، فضلًا عن تصوراتها المتبادلة عن الذات والآخر.
المراجع
العربية
حمشي، محمد. "النقاش الخامس في حقل العلاقات الدولية: نحو إقحام نظرية التعقد في الحقل". أطروحة دكتوراه. قسم العلوم السياسية. جامعة باتنة 1. الجزائر،.2017 لينتش، مارك وجيليان شويدلر وشون يوم (محررون). علم سياسة الشرق الأوسط: مسح للنظريات والأبحاث منذ الانتفاضات العربية. ترجمة محمد حمشي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025 [قيد النشر].
الأجنبية
Adler, Emanuel. "Seizing the Middle Ground: Constructivism in World Politics." European Journal of International Relations. vol. 3, no. 3. Barder, Alexander D. & Daniel J. Levine. "'The World is Too Much with Us': Reification and the Depoliticising of Via Media Constructivist IR." Millennium. vol. 40, no. 3 (2012). Barnett, Michael. Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order. New York: Columbia University Press, 1998. Bates, Robert. "Area Studies and the Discipline: A Useful Controversy." PS: Political Science and Politics. vol. 30, no. 2 (1997). Baylis, John & Steve Smith (eds.). The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations. 2 nd ed. Oxford: Oxford University Press, 2001. Brown, Chris. Understanding International Relations. 3 rd ed. New York: Palgrave Macmillan, 2005. Busse, Jan. "ASC 2.0-The Area Studies Controversy Revisited." APSA MENA Newsletter. vol. 5 (2018). Checkel, Jeffrey T. "The Constructivist Turn in International Relations Theory." World Politics. vol. 50, no. 2 (1998).
Chernoff, Fred. Theory and Metatheory in International Relations: Concepts and Contending Accounts. New York: Palgrave Macmillan, 2007. Darwich, May. Threats and Alliances in the Middle East: Saudi and Syrian Policies in a Turbulent Region. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Darwich, May & Juliet Kaarbo. "IR in the Middle East: Foreign Policy Analysis in Theoretical Approaches." International Relations. vol. 34, no. 2 (2019). Deutsch, Karl et al. Political Community: North-Atlantic Area. New York: Greenwood Press, 1957. Farrell, Theo. "Constructivist Security Studies: Portrait of a Research Program." International Studies Review. vol. 4, no. 1 (2002). Finnemore, Martha & Alexander Wendt. "When 'Old' Constructivism was New: Reflections on Classical Constructivism." Perspectives on Politics. vol. 22, no. 4 (2024). Forsberg, Tuomas. "Power, Interests and Trust: Explaining Gorbachev's Choices at the End of the Cold War." of Review of International Studies. vol. 25 (1999). Frederking, Brian. "Resolving Security Dilemmas: A Constructivist Explanation of the Cold War." International Politics. vol. 35 (1998). ________. Resolving Security Dilemmas: A Constructivist Explanation of the INF Treaty. Aldershot: Ashgate, 2000. Goldmann, Kjell. "The Concept of 'Realism' as a Source of Confusion." Cooperation and Conflict. vol. 23, no. 1 (1988). Guzzini, Stefano. "A Reconstruction of Constructivism in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 6, no. 2 (2000). ________. "Relationalism(s) Unpacked: Engaging Yaqing Qin's Theory of World Politics." The Chinese Journal of International Politics. vol. 17, no. 2 (2024). Haas, Ernst B. The Uniting of Europe. Stanford: Stanford University Press, 1958. Hinnebusch, Raymond & Jasmine K. Gani (eds.). The Routledge Handbook to the Middle East and North African State and States System. New York: Routledge, 2019. Hinnebusch, Raymond. "Identity in International Relations: Constructivism Versus Materialism, and the Case of the Middle East." The Review of International Affairs. vol. 3, no. 2 (2003). ________. The International Politics of the Middle East. Manchester: Manchester University Press, 2015. Hopf, Ted. "The Promise of Constructivism in International Relations Theory." International Security. vol. 23, no. 1 (1998). Hynek, Nik & Andrea Teti. "Saving Identity from Normalization The Postmodernism? Constructivism in International Relations." Contemporary Political Theory. vol. 9, no. 2 (2010). Decolonizing (ed.). Gruffydd Branwen Jones, International Relations. Maryland: Rowman & Littlefield Publishers, Inc., 2006. Kratochwil, Friedrich & John Gerard Ruggie. "International Organization: A State of the Art on an Art of the State." International Organization. vol. 40, no. 4 (1986). Kratochwil, Friedrich. Rules, Norms and Decisions: On the Conditions of Practical and Legal Reasoning in International Relations and Domestic Affairs. Cambridge: Cambridge University Press, 1989.
Lynch, Marc. State Interests and Public Spheres: The International Politics of Jordan Identities. New York: Columbia University Press, 1999. ________. The New Arab Wars: Uprisings and Anarchy in the Middle East. New York: Public Affairs, 2016. Onuf, Nicholas G. World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations. Columbia: University of South Carolina Press, 1989. Peltonen, Hannes. "A Tale of Two Cognitions: The Evolution of Social Constructivism in International Relations." Revista Brasileira de Política Internacional. vol. 60, no. 1 (2017). Rytövuori-Apunen, Helena. "Forget 'Post-Positivist' IR! The Legacy of IR Theory as the Locus for a Pragmatist Turn." Cooperation and Conflict. vol. 40, no. 2 (2005). Salloukh, Bassel & Rex Brynen (eds.). Persistent and Localism, Regionalism, Permeability? Globalization in the Middle East. Aldershot, England: Ashgate, 2004. Smith, Steve. "The Discipline of International Relations: Still an American Social Science?" British Journal of Politics and International Relations. vol. 2, no. 3
Snyder, Robert S. "Bridging the Realist/ Constructivist Divide: The Case of the Counterrevolution in Soviet Foreign Policy at the End of the Cold War." Foreign Policy Analysis. vol. 1 (2005). Stein, Ewan. "Beyond Arabism vs. Sovereignty: Relocating Ideas in the International Relations of the Middle East." Review of International Studies. vol. 38, no. 4 (2012). Sterling-Folker, Jennifer (ed.). Making Sense of International Relations Theory. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2006. Tan, Seng. "Rescuing Constructivism from the of Reading Critical A Constructivists: Constructivist Interventions in Southeast Asian Security." The Pacific Review. vol. 19, no. 2 (2006). Telhami, Shebly & Michael Barnett (eds.). Identity and Foreign Policy in the Middle East. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2002. Teti, Andrea. "Bridging the Gap: IR, Middle East Studies, and the Disciplinary Politics of the Area Studies Controversy." European Journal of International Relations. vol. 13, no. 1 (2007). Tickner, Arlene B. & David L. Blaney (eds.). Claiming the International. New York: Routledge, 2013. Tickner, Arlene B. & Ole Wæver. International Relations Scholarship around the World. London: Routledge, 2009. Tickner, Arlene. "Seeing IR Differently: Notes from the Third World." Millennium. vol. 32, no. 2 (2003). Valbjørn, Morten. "Strategies for Reviving the International Relations/ Middle East Nexus after the Arab Uprisings." PS: Political Science & Politics. vol. 50, no. 3 (2017). Wendt, Alexander. "The Agent-Structure Problem in International Relations Theory." International Organization. vol. 41, no. 3 (1987). ________. "Anarchy is What States Make of it: The Social Construction of Power Politics." International Organization. vol. 46, no. 2 (1992). Wohlforth, William. "Realism and the End of the Cold War." International Security. vol. 19, no. 3 (1995). ________. "Reality Check: Revising Theories of World Politics in Response to the End of the Cold War." World Politics. vol. 50, no. 4 (1998). Processual and "Relationality Qin. Yaqing, Constructivism: Bringing Chinese Ideas into
International Relations Theory." Social Sciences in China. vol. 3 (2009). ________. "Development of International Relations Theory in China: Progress through Debates." International Relations of the Asia-Pacific. vol. 11, no. 2 (2011). ________. "A Relational Theory of World Politics." International Studies Review. vol. 18, no. 1 (2016). ________. "The Zhongyong Dialectic: A Bridge into the Relational World." The Chinese Journal of International Politics. vol. 17, no. 2 (2024).