البنائية في حقل العلاقات الدولية: المدارك والمسالك
After and Beyond Alexander Wendt: Mapping Constructivist Pathways in International Relations
الملخّص
تقدّم هذه الدراسة قراءة في المسارات المتعددة التي اتخذتها البنائية في حقل العلاقات الدولية، منذ نشأتها بوصفها مقاربة اجتماعية نقدية في ثمانينيات القرن العشرين، استجابةً للنقاش الثلاثي بين الواقعية والليبرالية وما بعدهما، مرورًا بمحاولة ألكسندر ونت بلورة نمطٍ وسَطٍ يوفّق بينهما، ثم بالنقاشات البنّاءة التي جمعت البنائيين التقليديين والنقّاد حول مشروع ونت، وصولًا إلى ازدهار البنائية الجديدة بعد انخراطه في برنامج باحثي البنائية. وتناقش الدراسة التحولات الإبستيمولوجية التي صاحبت مشروع ونت وكيف أسهم في انقسام البنائية إلى تيارين رئيسين: البنائية الحداثية النقدية وما بعد الحداثية (التأويلية). كما تشدّد على أن ابتعاد ونت اللاحق عن البنائية وتحوله إلى مقاربة كينونية لم يؤدِّ إلى أفولها، بل استمرت في الازدهار عبر إسهامات جيلٍ جديدٍ من البنائيين. وتجادل الدراسة بأنّ ثلاث حركات رئيسة شهدها حقل العلاقات الدولية خلال العقود الثلاثة الماضية أسهمت في استمرار هذا الازدهار، وهي: تراجع الاستقطاب الإبستيمولوجي بين نظريات الحقل، وصعود الفلسفة النقدية للعلاقات الدولية، وتطور النزعة التطبيقية التحليلية.
Abstract
This article traces the different paths taken by constructivism in International Relations, from its emergence as a critical social theory in the 1980 s, in response to the third debate between positivist rationalists and post-positivist reflectivists, to Alexander Wendt's project to seize a middle ground and to bridge the rationalist–reflectivist epistemological gap. The article, then, examines the intra-debates among conventional and critical constructivists on Went's project, as well as the rise of the new constructivism after Wendt left the constructivist research program. The article explores the Wendtian project's epistemological tensions and demonstrates how such tensions led to a plurality within constructivism: modernist conventional and postmodernist critical (reflectivist). It highlights that Wendt's leaving constructivism and his shift to a quantum approach have not caused constructivism to decline, but instead, it continued to thrive through the efforts of a new generation of constructivists. The article argues that three main developments in International Relations over the past twenty years have contributed to its ongoing thriving: the decline of epistemological polarization among IR theories; the rise of critical realism as a philosophy of science in International Relations, and the emergence of analytical eclecticism.
- البنائية
- ألكسندر ونت
- الفوضى هي ما تصنعه الدول منها
- البناء الاجتماعي
- البنائية النقدية
- البنائية الجديدة
- Constructivism
- Alexander Wendt
- Anarchy Is What States Make of It
- Critical Constructivism
- New Constructivism
- Social Construction
تقدّم هذه الدراسة قراءة في المسالك المتعددة التي اتخذتها البنائية في حقل لاعالقات الدولية، منذ نشوئها بوصفها نظرية اجتماعية نقدية في ثمانينيات القرن العشرين، استجابةً للنقاش الثالث بين لاعقالنيين الوضعيين والتأمليين ما بعد الوضعيين، مرورًا بمحاولة ألكسندر ونت بلورة منطقة وسطى وتجسير الفجوة بينهما، ثم بالنقاشات البينية التي جمعت البنائيين التقليديين والنقديين بشأن مشروع ونت، وصولًا إلى ازدهار البنائية الجديدة بعد مغادرة ونت برنامج البحث البنائي. وتناقش التوترات الإبستيمولوجية التي صاحبت مشروع ونت، وكيفية إسهامها في انقسام البنائية تيارين رئيسين: التقليدية الحداثية والنقدية ما بعد الحداثية (التأويلية). ثم تشدد على أنّ ابتعاد ونت عن البنائية لاحقًا وتحوّله إلى مقاربة كوانتية لم يؤِّدِ إلى أفول البنائية، بل استمرت في الازدهار عبر مساهمات جيل جديد من البنائيين. وتحاجّ الدراسة بأنّ ثلاث حركات رئيسة شهدها حقل لاعالقات الدولية، خلال الأعوام العشرين الماضية، ساهمت في استمرار هذا الازدهار، وهي: تراجع الاستقطاب الإبستيمولوجي بين نظريات الحقل، وصعود الواقعية النقدية فلسفةً لعلم لاعالقات الدولية، وتطور النزعة الانتقائية التحليلية.
This article traces the different paths taken by constructivism in International Relations, from its emergence as a critical social theory in the 1980 s, in response to the third debate between positivist rationalists and post-positivist reflectivists, to Alexander Wendt's project to seize a middle ground and to bridge the rationalist–reflectivist epistemological gap. The article, then, examines the intra-debates among conventional and critical constructivists on Went's project, as well as the rise of the new constructivism after Wendt left the constructivist research program. The article explores the Wendtian project's epistemological tensions and demonstrates how such tensions led to a plurality within constructivism: modernist conventional and postmodernist critical (reflectivist). It highlights that Wendt's leaving constructivism and his shift to a quantum approach have not caused constructivism to decline, but instead, it continued to thrive through the efforts of a new generation of constructivists. The article argues that three main developments in International Relations over the past twenty years have contributed to its ongoing thriving: the decline of epistemological polarization among IR theories; the rise of critical realism as a philosophy of science in International Relations, and the emergence of analytical eclecticism.
مقدمة
في البدء كانت النظرية الاجتماعية. ولذلك، سُمّيت البنائية في مرحلة مبكرة من نشوئها البنائيةَ الاجتماعيَة Constructivism Social، فالاجتماعُّيُ هو ما يميزها من غيرها من نظريات العلاقات الدولية1. لقد نشأت البنائية، في ثمانينيات القرن العشرين، حين كان حقل العلاقات الدولية منشغلًا بالنقاش الثالث في سلسلة النقاشات الكبرى التي شهدها الحقل منذ مأسسته في بداية القرن العشرين. وقد جمع النقاش الثالث، في ذلك الوقت، التيار العقلاني الوضعي، المتمثل في الواقعية والليبرالية الجديدَتيَن (ويسمى أيضًا التيار السائد Mainstream)، والتيارات التأملية ما بعد الوضعية2، مثل النظرية النقدية والنسوية وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، وغيرها. وفي خضم الاستقطاب الشديد الذي ميز النقاش الثالث، نشأت البنائية ونمَت وتطورت، وسرعان ما تحولت من مقاربة تأملية نقدية، مناهضة للتيار السائد3، إلى مشروع لتجسير الفجوة (خاصة الإبستيمولوجية) بين الوضعيين وما بعد الوضعيين واتخاذ أرضية وسطى بين طرَفي النقاش الثالث، لتنتقل من تيار نقدي منشقّ نحو مركز التيار السائد4. ولا شك في أنّ ونت كان بمنزلة البَّنَاء أو المهندس البنائي الذي أخذ على عاتقه، رفقة ثلة من رفاقه، مهمة بناء هذا الجسر بين العقلانيين والتأمليين ودعوتهم إلى الانتقال من أقصى طرَفي النقاش إلى أرضية وسطى؛ لا سيما في مقالته المرجعية، "الفوضى هي ما تصنعه الدول
1 عن جذور البنائية في النظرية الاجتماعية، ينظر في هذا العدد: نيكولاس أونوف، "ما الذي ينبغي أن نصنعه من مقالة 'الفوضى هي ما تصنعه الدول منها'؟"، سياسات عربية، مج 13، العدد 73 (آذار/ مارس)، ص 28-21؛ ينظر أيضًا: Nicholas Greenwood Onuf, World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations (Columbia: University of South Carolina Press, 1989); John Gerard Ruggie, "What Makes the World Hang Together? Neo-Utilitarianism and the Social Constructivist Challenge," International Organization , vol. 52 (1998). 2 تجنبًا لأي ارتباك اصطلاحي في التصنيفات المتداولة لنظريات العلاقات الدولية، نشير
من البداية إلى أننا نستخدم في هذه الدراسة العقلانية والوضعية (والأنطولوجيا المادية) من الناحية الأولى، والتأملية وما بعد الوضعية (والأنطولوجيا الاجتماعية) من الناحية الثانية، تسمياتٍ مترادفةً لطرَفي النقاش الثالث. 3 ينظر: Jim George & David Campbell, "Patterns of Dissent and the Celebration of Difference: Critical Social Theory and International Relations," International Studies Quarterly , vol. 34, no. 3 (1990). 4 ينظر: Nicholas Greenwood Onuf, "Constructivism at the Crossroads; or, the Problem of Moderate-Sized Dry Goods," International Political Sociology , vol. 10, no. 2 (2016).
منها" (1992)5، وكتابه المرجعي أيضًا، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية)1999(6. وعلى الرغم من أنّ مشروع ونت للتجسير بين العقلانيين والتأمليين، عَّرَضه للنقد حتى من رفاقه البنائيين التأمليين )ويسمّون أيضًا راديكاليين)، الذين انتقدوه بسبب ما اعتبروه تنازلات إبستيمولوجية لفائدة النزعة الوضعية، فإنه تمكّن، بحلول نهاية التسعينيات، من افتكاك اعتراف الحقل بالبنائية بوصفها إحدى النظريات الثلاث السائدة في العلاقات الدولية، إلى جانب الواقعية والليبرالية7، خاصة مع تكاثر الأبحاث الإمبريقية التي استخدمت البنائيةَ لاختبار بعض الفرضيات نفسِها التي تتأسس عليها الواقعية والليبرالية، ومن ثم تحدّيها8. ولم تلبث البنائية أن شهدت تعددية بينية سرعان ما دفعت البنائيين إلى مسالك شتى. فاتخذت أعمال ونت وأنصار مشروع الأرضية الوسطى بين العقلانية والتأملية شكل بنائية تقليدية وحداثية، ذات نزعة وضعية، في مقابل بنائيات نقدية وتأويلية وما بعد حداثية، ذات نزعة ما بعد وضعية. وبقدر ما تتعدد البنائية، تتعدد تصنيفاتها (كما سيتبين في هذه الدراسة)9. ومع ذلك، يظل الإجماع قائمًا بين
5 Alexander Wendt, "Anarchy Is What States Make of it: The Social Construction of Power Politics," International Organization , vol. 46, no. 2 (1992); ينظر الترجمة العربية في هذا العدد: ألكسندر ونت، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: السياسة الدولية بوصفها بناءًاجتماعيًا"، ترجمة سارة إسماعيل، سياسات عربية، مج 13،
.العدد 73 (آذار/ مارس 2025)، ص 123-152 6 Alexander Wendt, Social Theory of International Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1999). 7 Stephen Walt, "International Relations: One World, Many Theories," Foreign Policy , vol. 110 (1998), p. 38; Stefano Guzzini, "A Reconstruction of Constructivism in International Relations," European Journal of International Relations , vol. 6, no. 2 (2000), p. 147. بل إن والت يذهب إلى حد القول إن البنائية حلّت محلّ الماركسية في خريطة نظريات العلاقات الدولية الموروثة من النقاش ما بين البردايمات Debate Inter-paradigm في السبعينيات، التي ضمّت الواقعية والليبرالية والماركسية. 8 إذا كانت الواقعية والليبرالية منشغلَتيَن بمسائل البقاء والقوة والمصلحة والمؤسسات
والتعاون إبّان الفوضى، فإن البنائية تضيف أسئلة (نقدية حافلة بالسوسيولوجيا) بشأن
الكيفية التي تُبنى بها هذه المفاهيم اجتماعيًا؛ مثلًا: كيف تُعرّف الدول هوياتها ومصالحها؟
وكيف تنشأ القواعد والمعايير وتكتسب شرعيةً فتتحول إلى حوافز للسلوك أو إلى قيود عليه؟ وكيف تتحدد معاني الفوضى وتتحول؟ 9 عن تصنيفات البنائية، ينظر خصوصًا:
Jeffrey Checkel, "The Constructivist Turn in International Relations Theory," World Politics , vol. 50, no. 2 (1998); Ted Hopf, "The Promise of Constructivism in International Relations Theory," International Security , vol. 23, no. 1 (1998); Ruggie; Guzzini; Friedrich Kratochwil, "Constructing a New Orthodoxy? Wendt's 'Social Theory of International Politics' and the Constructivist Challenge," Millennium , vol. 29, no. 1 (2000); Martha Finnemore & Kathryn Sikkink, "Taking Stock: The Constructivist Research Program in International Relations and Comparative Politics," Annual Review of Political Science , vol. 4 (2001); Michael Barnett & Raymond Duvall, "Power in International Politics," International Organization , vol. 59, no. 1 (2005); David McCourt, "Practice Theory and Relationalism as the New Constructivism," International Studies Quarterly , vol. 60, no. 3 (2016).
من يصَّنَفون ومن يصِّنِفون أنفسهم بنائيين على أن ما يميز البنائية من غيرها من نظريات العلاقات الدولية هو القول إن السياسة الدولية مبنية اجتماعيًا Constructed Socially، أي إن السياسة الدولية، في معناها الأوسع، لا تعكس واقعًا ماديًا موضوعيًا معطى، بل واقعًا اجتماعيًا يُبنى بينذاتيًا ويُعاد بناؤه باستمرار، وإن أفعال الفاعلين في السياسة الدولية ومصالحهم والبنى التي يتفاعلون ضمنها تتشكل من خلال المعايير والأفكار والمعاني التي يتشاركونها بدلًا من مجموعة ثابتة من الشروط المادية الموضوعية. وإذا ما أخذنا هذا الوصف الفضفاض على محمل التعريف10، فلا بد من الإشارة إلى أنّ البنائيين يختلفون بشأن ما دونه ويذهبون في ذلك مذاهب شتى. لقد مرّت نحو أربعة عقود على ظهور الأعمال البنائية المبكرة. وبصرف النظر عن جذورها في تقاليدَ راسخة في النظرية الاجتماعية، فإنّ صعود البنائية وازدهارها في فترة قصيرة يمّثلّان "قصة نجاح" مبهرة مقارنة بنظيرتَيها الرئيستين: الواقعية التي تفاخر بتاريخ فكري يمتد أزيد من خمسة وعشرين قرنًا، والليبرالية التي تمتد جذورها إلى بضعة قرون11؛ في حين تمكنت البنائية، في أعوام معدودات، من الصعود لتتحول إلى نظيرٍ للواقعية والليبرالية. وأحد مسوّغات نجاحها اللافت في ذلك إنما يكمن في أن انتقاداتها لنزعتهما الوضعية، حتى إن بدت محدودة في حالة بنائية ونت، لم تركّز على ما تناولته الواقعية والليبرالية بل على ما تجاهلتاه، خاصة فيما يتعلق بمضمون مصالح الدولة وبنية السياسة الدولية الاجتماعية ومصادرها12. تبني هذه الدراسة على الإقرار السائد بأنّ البنائية تمثّل قصةَ نجاح مبهرةً بحق13. وما من ريب في أنّ ونت كان (ولعله لا يزال) بطلَها، رغم مغادرته برنامج البحث البنائي بعد ما يقارب عشرين سنة من الالتحاق به. فوفق استطلاع أجراه مشروع التعليم والبحث والسياسة الدولية Teaching, Research and International Politics، تصدّر ونت ترتيب الباحثين الأشد تأثيرًا في حقل العلاقات الدولية خلال
10 ترى مايا زحفوس غياب أيّ إجماعٍ على ماهية البنائية يساوي الإجماع على أهميتها. ينظر: Maja Zehfuss, Constructivism in International Relations: The Politics of Reality (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. 6. 11 Martha Finnemore & Alexander Wendt, "When 'Old' Constructivism Was New: Reflections on Classical Constructivism," Perspectives on Politics , vol. 22, no. 4 (2024), p. 1248. 12 Checkel, p. 324. 13 ينظر على سبيل المثال: Finnemore & Wendt, "When 'Old' Constructivism Was New;" Guzzini; Emanuel Adler, "Seizing the Middle Ground: Constructivism in World Politics," European Journal of International Relations , vol. 3, no. 3 (1997); Checkel; Hopf.
الأعوام العشرين السابقة للعام الذي أجري فيه الاستطلاع، في الأعوامُ 2011 و 2014 و 2017. وقبل ذلك، منحت جمعيةُ الدراسات الدولية كتابَه، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، جائزة كتاب العقد، الذي جرت ترجمته إلى اثنتي عشرة لغة. وفي أواخر أيار/ مايو 2023 حاز، رفقة مارثا فينمور، جائزة يوهان سكايت للعلوم السياسية (وهي أشبه ما تكون بجائزة نوبل للعلوم السياسية). وذكرت لجنة الجائزة أنهما ساهما في "تأجيج ثورة في مجال العلوم السياسية"14. لقد ساهمت عوامل عديدة في هذا النجاح. ونقتبس فيما ليي خلاصة نص المحاضرة التي ألقاها ونت وفينمور بمناسبة نيلهما جائزة يوهان سكايت: "لم يكن نجاح البنائية أمرًا متوقعًا، بل غير مقصود في بعض النواحي. لقد ظلّ مؤيدو النظريات القائمة واثقين بأدواتهم الخاصة، وغالبًا ما كانت أهداف البنائيين الأوائل متواضعة. وقد حدثت الانطلاقة البنائية لمسوَّغيَن رئيَسيَن على الأقل. أولهما، المشهد الفكري الذي ساد في أواخر ثمانينيات القرن العشرين وأوائل تسعينياته؛ فترة ضيّقت فيها نظريات العلاقات الدولية في الولايات المتحدة الأميركية نطاق اهتماماتها على نحو حادّ، ما جعل التيار السائد من الأبحاث في موقف دفاعي حين انهار الاتحاد السوفياتي وبلغت الحرب الباردة نهايتها. أما النوع الآخر من المسوّغات، فيكمن في طبيعة الأفكار البنائية نفسها. فمن الناحية الفكرية، اتسمت هذه الأفكار بمرونة واسعة افتقرت إليها نظرياتُ العلاقات الدولية الأخرى. ومن الناحية النظرية، تُعدّ البنائية نظرية اجتماعية، لا نظرية خاصة بالعلاقات الدولية، ما جعلها مفيدة في معالجة مجموعة واسعة من المشكلات. ومن الناحية الإمبريقية، كانت البنائية منفتحة على التحليل السياسي على جميع المستويات وفي إمكان الباحثين نقلها حيث يريدون. ومن الناحية المنهجية، كانت البنائية تعددية؛ إذ يمكن الباحثين استخدام – وقد استخدموا فعلًا – مناهج متنوعة لاستكشاف ادعاءاتها. وههنا، عمل الباحثون البنائيون، وأغلبهم من جيل الشباب الصاعد ممّن لم يحظوا بمناصب جامعية بعد، بجٍدّ، ليفتكّوا موطئ قدم في الحقل. وقد فاجأنا، كما فاجأ غيرَنا، انتشارُ هذه الأفكار ورواجها على هذا النطاق الواسع"15.
14 Michal Grahn, "Alexander Wendt & Martha Finnemore Awarded the Johan Skytte Prize in Political Science," The Johan Skytte Prize, May 25, 2023, accessed on 14/9/2024, at: https://tinyurl.com/5n7pbw97 15 Finnemore & Wendt, p. 1248.
كانت تلك عوامل نجاح البنائية، من وجهة نظر اثنين من أبرز مؤسسيها. ولا تقف قصة النجاح عند هذا الحدّ؛ فثمة ثلاثة عوامل رئيسة أخرى زادت البنائيةَ قوةً. ويمكن ترتيبها، تاريخيًا، على النحو التالي: العامل الأول هو انخراطُها المبكر فيما يُعرف بالنقاشات الكبرى بين نظريات العلاقات الدولية، وإطلاقها مشروع تجسير الفجوة العقلانية - التأملية حين كان النقاش الثالث في أوجه؛ والعامل الثاني هو صعود ما يمكن تسميته المدرسة الأوروبية التي طوّرت البنائية على نحوٍ مكثّف، وساهمت في تعبيد مسالك، تُعدّ من أبرز مسالكها، منذ منتصف التسعينيات16؛ أما العامل الثالث فهو نفوذها خارج حقل النظرية الدولية، إذ إنها ساهمت في إنضاج عدد من التحولات المعرفية في حقول غير نظرية العلاقات الدولية حيث نشأت وتطورت، مثل الدراسات الأمنية17، والاقتصاد السياسي الدولي، بل النظرية الاجتماعية عامةً، فضلًا عن عدد من البرامج البحثية النقدية العابرة لحقولٍ معرفية متعددة، مثل دراسات الإرهاب النقدية والجيوسياسة النقدية، وغيرهما. تحاول هذه الدراسة تقديم قراءة في قصة نجاح البنائية. وإذ تنطلق من الوصف الشائع لسيرورة البنائية وصيرورتِها إلى بنائيات عديدة (بصيغة الجمع لا المفرد)، فإنها تبني على المقولة الجوهرية التي مفادها أن البنائية، شأنها شأن الواقع الاجتماعي الذي تنظّر له، "مبنيةٌ اجتماعيًا"، و"هي ما يصنعه البنائيون منها". وتلك مقولة سبق أن استخدمها فينمور وونت، حين ذكرا أنّ "البنائية هي، في واقع الحال، ما يصنعه البنائيون منها، ولذلك تختلف نسختها من بناٍئّيٍ إلى آخر. ومع ذلك، نعتقد أنّ إجماعًا ما قد تشكّل بحلول أواخر التسعينيات [...] بات هو البنائية السائدة"18. لكننا نحاول الذهاب أبعد من سبر المسالك التي اتخذتها البنائية، منذ أن بدأت نقدية في منتصف الثمانينيات، وتحولت إلى جزء من التيار السائد مطلع التسعينيات، ثم انتهى بها المطاف إلى الانقسام إلى بنائيات متعددة في نهاية التسعينيات، خاصة مع صدور كتاب ونت، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، الذي أرسى أسس أطروحة
16 تحاجّ كارين م. فيركه وناد إريك يورجنسن بأن البنائية لقيت ترحيبًا واسعًا في سياقات
أوروبية متعددة، ويتمثل أحد المؤشرات الدالة على ذلك في العدد الكبير، وغير المعتاد، من البنائيين، ذوي التوجّه النقدي في معظمهم، الذين هاجروا من جامعات أميركا الشمالية إلى جامعات أوروبية؛ وكان من أبرزهم فريدريك كراتوشفيل نفسه. ومُنح العديد منهم مناصبَ من مصاف الكرسي وهم في الثلاثينيات من أعمارهم. ينظر: Karin M. Fierke & Knud Erik Jorgensen, "Introduction," in: Karin M. Fierke & Knud Erik Jorgensen (eds.), Constructing International Relations: The Next Generation (London: Routledge, 2015), pp. 3, 9 (note 1). 17 الدراسات الأمنية حقل فرعي ضمن اختصاص العلاقات الدولية، لكننا نقصد هنا بحقل العلاقات الدولية حقلَ نظريات العلاقات الدولية. 18 Finnemore & Wendt, p. 1249.
الأرضية الوسطى بين العقلانية والتأملية. نفحص في الدراسة هذه الانقسامات (في المبحث الأول)، ونناقش حدود مشروع ونت والانتقادات التي شملته (في المبحَثيَن الثاني والثالث)، ونفترض أنّ تعدد مسالك البنائية يمثل جزءًا من قصة نجاحها. لكننا مهتمون أكثر بفهم حالة الازدهار التي شهدتها البنائية، بمختلف مسالكها، على الرغم مما يُعَدّ إخفاقًا مُنِيَ به مشروع ونت؛ وعلى الرغم أيضًا من تخّلي ونت نفسه، في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لا عن مشروع تجسير الفجوة بين العقلانية والتأملية فحسب، بل عن البنائية برمّتها، ومغادرتها نحو الاهتمام بمقاربة كوانتية Quantum للسياسة الدولية19. ونحاجّ (في المبحث الرابع) بأنّ ثلاثة عوامل رئيسة ساهمت في استمرار البنائية في الازدهار بعيدًا عن ونت ومشروعه لتجسير الفجوة بين العقلانية والتأملية. وهي عوامل متشابكة، ينتج ويعزز بعضها بعضًا: تراجع حدة الاستقطاب الإبستيمولوجي في حقل العلاقات الدولية؛ وصعود الواقعية النقدية فلسفةً لعلم العلاقات الدولية20؛ وتزايد الاهتمام بالانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية. وننافح عن فرضية مفادها أنّ البنائية (بتياراتها المبكرة والجديدة) ساهمت في هذه الحركات الثلاث، تمامًا كما ساهمت هذه الحركات في ازدهار البنائية خلال السنوات الأخيرة.
أولا: مسالك البنائية
البنائية، في حقل العلاقات الدولية، مقاربةٌ نظرية تركز على دور الأفكار والمعايير والهويات والتفاعل الاجتماعي بين الفاعلين في تشكيل السياسة الدولية؛ وهي بذلك تختلف مع المقاربات العقلانية (الواقعية والليبرالية) التي يقتصر تركيزها على دور القوى المادية، مثل القوة العسكرية أو الموارد الاقتصادية. وتحاجّ البنائية بأنّ النظام الدولي ليس بنيةً ثابتةً أو معطاة، بل إنه يُبنى ويعاد بناؤه اجتماعيًا من خلال الفهوم والممارسات التي يتشاركها الفاعلون. ويمكن تكثيف جوهر البنائية في: واقع السياسة الدولية هو ما تصنعه الدول منه (أو على حد تعبير ونت، بنية النظام الدولي الفوضوية هي ما تصنعه
19 عن مشروع ونت الكوانتي، ينظر في هذا العدد: سارة ناصر، "رحلة ألكسندر ونت من 'نظرية اجتماعية للسياسة الدولية' إلى 'توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية'"، سياسات عربية، مج 13، العدد 73 )آذار/ مارس)، ص 194-179. وهي تقدم مراجعة مطولة ومعمقة لكتاَبي ونت، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، والعقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية: نحو توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية، الصادرَين عامَي 1999 و 2015 على التوالي؛ وتناقش أبرز الحجج في الكتابين، مع إلقاء الضوء على مواضع الانقطاع والاستمرارية بينهما. 20 لا نتبنى هنا أيّ موقف من النقاش بشأن علمية حقل العلاقات الدولية. لكننا نستخدم مصطلح العلم فقط في سياق الحديث عن الواقعية النقدية بوصفها فلسفة علم.A Philosophy of Science
الدول منها(؛ العلاقة بين الفاعل والبنية في السياسة الدولية هي علاقة تشكيل متبادل Constitution Mutual، أي إنّ كًّلا منهما يشكّل الآخر؛ ليست الهويات والمصالح ثابتة ومُعطاة سلفًا Pregiven، بل تُبنى )ويُعاد بناؤها) من خلال التفاعل الاجتماعي؛ الهويات سابقة على المصالح، والأولى هي ما يحدد الثانية؛ تشكّل المعايير والأفكار البينذاتيةIntersubjective والمتشارَكةShared بين الدول سلوكها بقدر ما تُشكّله القوى المادية؛ الاجتماعُّيُ هو ما يسبغ معنى على المادي؛ بما أن الهويات والمعايير هي ما يحدد السلوك، وبما أنها تُبنى اجتماعيًا، فهي عرضة للتغيير من خلال عمليات التعلّم والتفاعل المستمر بين الفاعلين.
تلك هي أبرز الافتراضات التي يمكن القول إن البنائيين يتقاسمونها، وإنها تشكّل الأسس التي تقوم عليها المقاربة البنائية للسياسة الدولية. ويمكن القول أيضًا إن هذه الافتراضات تبلورت مع الجيل المؤسس من البنائيين الذين قادوا الموجة الأولى من التأملات البنائية في منتصف الثمانينيات، ثم تطورت لاحقًا ودفعت إلى توسيع نطاق تلك التأملات وتنزيلها منزلة البحث الإمبريقي. ويمكن العودة إلى عدد من الفصول المكثفة في كتب نظرية العلاقات الدولية من أجل الاطلاع على مقدمات أوسع وأعمق للبنائية في حقل العلاقات الدولية. ما يشغلنا، في هذا المقام، ليس مسح مدارك البنائية وافتراضاتها وأطروحاتها وحججها، بل سبر مسالكها المتعددة التي
اتخذها البنائيون على مدى العقود الثلاثة الأخيرة ونيف. لا شك في أن البنائية لم تكن يومًا على قلب رجل واحد، بل تطورت بوصفها مشروعًا نظريًا تتعدد مسالكه بقدر ما تتعدد روافد سالكيها. وهذا ما دفع ريتشارد برايس وكريستيان روس-سميت إلى الحجاج بوجود بنائيات عديدة، لا بنائية واحدة21. تذكُر كارين فيركه أنّ البنائية، منذ أن قدّم أونوف المصطلحَ مشيرًا إلى طيفٍ واسع من المنظورات ما بعد الوضعية، اشتركت في نقدها لافتراضات التيار السائد في نظرية العلاقات الدولية؛ وأنها، منذ ذلك الحين، أصبحت موضع خلاف، وأن البنائية انقسمت إلى بنائية تقليدية يقال إنها تشغل أرضية وسطى بين الوضعية وما بعد الوضعية، وأشكال أخرى من البنائية ذات طابع نقدي. ثم تقتبس فيركه حجة تقول إن الشقاق بين البنائيين والعقلانيين من التيار السائد في حقل العلاقات الدولية لم يكن إبستيمولوجيًا، بل كان أنطولوجيًا22. ولعلها كانت تقصد البنائيين التقليديين الذين إمّا عملوا إلى جانب ونت في الثمانينيات23، وإمّا استلهموا أعماله وأعمال زملائه بعد ذلك. وإذ يبدو معقولًا القول إنّ البنائية المبكرة بدأت نظرية نقدية24 تكاد تكون متسقة، غير أنّ ونت سرعان ما شرع في الابتعاد بها عن أصولها في النظرية النقدية التي خاضت النقاش الثالث ضد المعسكر الوضعي (خاصة الواقعية)، في حين استمرت نقاشات البنائيين النقديين على جبهتين: جبهة خارجية مع خصومهم من الوضعيين، وجبهة داخلية مع رفاقهم من البنائيين الوضعيين أنفسهم. وفي هذه الدراسة، نحاجّ بأنّ مشروع الأرضية الوسطى الذي دشّنه ونت، واستهدف منه تجسير الهوة بين معسكرَي النقاش الثالث، لم يساهم في تجسيد قصة نجاح البنائية فحسب، كما يذهب إلى ذلك كثُر، بل إنه دفع أيضًا بالأصوات البنائية النقدية (والتأملية أيضًا) نحو الظل، وعجّل بخبُوّ جذوة النقاش الثالث بشأن إبستيمولوجيا العلاقات الدولية. ونقدّم فيما ليي بعض التصنيفات البارزة التي تناولت
21 Richard Price & Christian Reus-Smit, "Dangerous Liaisons? Critical International Theory and Constructivism," European Journal of International Relations , vol. 4, no. 3 (September 1998), p. 288. 22 كارين فيركه، "البنائية"، في: نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث (محررون)، ترجمة ديما الخضرا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.4432016)، ص 23 يذكر ونت أنه عمل في فترة دراساته العليا (1989-1982) إلى جانب زملاء له في الدراسة، ومنهم من تحولوا نحو البنائية لاحقًا، مثل مايكل بارنيت Barnett Michael ويوتا ويلدز Weldes Jutta وديانا ساكو Saco Diana، تحت إشراف ريموند دوفال Duvall Raymond؛ وإلى جانب عالمَي الاجتماع روي باشكار Bhaskar Roy وأنتوني غيدنز Giddens Anthony. وأبعد من ذلك، يذكر أيضًا أن أربعة منظّرين في العلاقات الدولية كانوا الأكثر تأثيرًا فيه، من بينهم عقلانيان وضعيان: كينيث والتز وروبرت كيوهان. ينظر: Finnemore & Wendt, "When 'Old' Constructivism Was New," p. 1250. 24 Hopf, p. 172.
المسالك الرئيسة التي اتخذها البنائيون، وهم ينقسمون على أنفسهم خلال السنوات التي تلت صدور مقالة ونت المرجعية، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، ثم نناقش مشروع بنائية الأرضية الوسطى الذي أسس له ونت في هذه المقالة، وطوّره لاحقًا في كتابه المرجعي أيضًا، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية. يجادل روس-سميت بأن ثمة تيارين أساسيين من البنائية، الحداثية وما بعد الحداثية. ويكمن الفرق بينهما في طبيعة الأسئلة التي يطرحها كل تيار، إذ إن التيار الأول يركز على أسئلة "لماذا؟"، في حين يركز التيار الثاني على أسئلة "كيف؟"25. وقريبًا من هذا التصنيف، يحاجّ تيد هوف بأن البنائية انقسمت إلى بنائيَتيَن، تقليدية Conventionalونقدية26 (حداثية وما بعد حداثية، على التوالي، في تصنيف روس–سميت). ومن الواضح أنّ مصدر هذا الانقسام، في كلا التصنيفين، إبستيمولوجي في المقام الأول. وهذا ما دفع هوف إلى القول إنّ البنائية وُلِدت نظرية نقدية، وكلما ابتعدت عن جذورها الإبستيمولوجية في النظرية النقدية، صارت أكثر تقليدية27. ومن الواضح أيضًا أنّ التصنيَفيَن يشيران إلى تقاربٍ إبستيمولوجي بين البنائية الحداثية التقليدية والعقلانية الوضعية من ناحية، وبين البنائية ما بعد الحداثية النقدية والتأملية ما بعد الوضعية من ناحية أخرى. يصنّف بيتر كاتزنشتاين وروبرت كيوهان وستيفن كراسنر28 البنائية إلى ثلاث بنائيات: التقليدية، والتأويلية، والنقدية. وتأتي البنائية التقليدية بمنزلة التيار المهيمن من البنائية، خاصة في الولايات المتحدة، وتعمل على فحص الأدوار التي تؤديها المعايير، وفي حالاتٍ أقلّ الأدوار التي تؤديها الهوياتُ في تشكيل السياسة الدولية. وأنصار هذا التيار في عمومهم ذوو توجهاتٍ إبستيمولوجية وضعية، ويدافعون بقوة عن مشروع تجسير الفجوة التي تفصل بين مختلف المقاربات النظرية في الحقل، ويستعملون المناهج الكيفية ودراسات الحالة التي تعتمد
25 Chris Reus-Smit, "The Constructivist Turn: Critical Theory after the Cold War," Working Paper , no. 1996/4, National Library of Australia, 1996, p. 10. مع ذلك، تنبغي الإشارة إلى أن المقصد، في البنائية عمومًا، الكامن في طرح سؤال "لماذا؟"، لا يتعلق بالتفسير Explanation، بل هو أكثر تعلّقًا بالتأويل Interpretation. لذلك، فإن البنائية، حتى في نسختها الحداثية/ التقليدية، تحافظ على مسافة واضحة من الإبستيمولوجيا الوضعية مهما اقتربت منها. وهذه الملاحظة مفيدة في قراءة النصوص العربية التي تعرّب
Interpretation، بالتفسير. عن هذه المسألة، ينظر:، خطأ Martin Hollis & Steve Smith, Explaining and Understanding International Relations (Oxford: Oxford University Press, 1990). 26 Hopf. 27 Ibid., pp. 172, 181. 28 Peter J. Katzenstein, Robert O. Keohane & Stephen D. Krasner, "International Organization and the Study of World Politics," International Organization , vol. 52, no. 4 (1998), p. 675.
على تتبّع المسار Study Case Process-tracing، ويستلهمون علم الاجتماع وعناصر من المؤسساتية الماكروسوسيولوجية ضمن مدرسة ستانفورد29. وأما البنائيتان التأويلية والنقدية، في المقابل، فتحظيان بشعبيةٍ أوسع في أوروبا، إذ تتجنب البنائية التأويلية الأسئلة ذات المساعي التفسيرية، وتلتزم بطرح أسئلةٍ استقرائية تستهدف إعادة بناء هوية الفاعل، باستعمال مناهج تعتمد على تحليل الخطاب، مع التركيز على عمليات القوة والسيطرة الملازمة للغة والخطاب. وتضيف البنائية النقدية بعدًا معياريًا صريحًا من خلال فحص المضامين التي يضيفها أعضاءُ الجماعة المعرفية في عملية (إعادة) إنتاج الهويات والعالم الذي يهتمون بدراسته. ويبدو أنّ الفرق بين التيارات التأويلية والنقدية من ناحية، والتقليدية من ناحية أخرى، في تصنيف كاتزنشتاين وكيوهان وكراسنر، هو فرق إبستيمولوجي كذلك. ففي حين يعتقد التقليديون أنّ التفاعل الرمزي يكوّن المعنى، نجدهم يتمسكون بالافتراض الوضعي القائل إنّ الواقع الاجتماعي يظل موجودًا ومستقًّلا عن تصور المنظّر له؛ كما أنهم يشددون على أهمية الأبحاث الإمبريقية في مقاربة ذلك الواقع "الموجود هناك". وهذا ما يجعل البنائيين التقليديين أقرب إلى العقلانيين الوضعيين. أمّا البنائيون التأويليون، والنقديون خاصةً، فيتصورون العالم "الموجود هناك" عالمًا مبنًّيًا في حد ذاته30، ما يتطلب فهم الطرائق التي بُنِي بها وصار بفضلها إلى النحو الذي يبدو عليه، وهذا ما يجعلهم أقرب إلى التأمليين ما بعد الوضعيين منهم إلى العقلانيين الوضعيين. وفي السياق نفسه، يرى جيفري تشاكل أنه من السهل ملاحظة هيمنة البنائيين التقليديين في الولايات المتحدة على دورية التنظيم الدولي التي يجري تحريرها في هارفارد، في حين يهيمن البنائيون التأويليون والنقديون على دورية الألفية والدورية الأوروبية للعلاقات الدولية اللَتيَن يجري تحريرهما في لندن وميونيخ، على التوالي31. تتوافر تصنيفات أخرى أشد اتساعًا، وقد يصعب حصرها. فيميز إيمانويل آدلر، مثلًا، بين أربع بنائيات تفصل بينها خطوط خلاف منهجية32: 1. بنائية حداثية ترى أن إزاحة التطرف الأنطولوجي،
29 Antje Wiener, "Constructivist Approaches in International Relations Theory: Puzzles and Promises," Constitutionalism Webpapers , no. 5 (2006), p. 12. 30 Ibid. 31 Jeffrey T. Checkel, "Social Constructivisms in Global and European Politics: A Review Essay," Review of International Studies , vol. 30 (2004), p. 223 (footnote 7). 32 ينبغي لنا أن نتذكر أن العلاقة بين الإبستيمولوجيا والمنهج، مثلها مثل العلاقة بين الفاعل والبنية في منطق البنائية، هي علاقة تشكيل متبادل. لذلك، فإن المنهج والإبستيمولوجيا صنوان. ومن ثمّ، فإن خطوط الفصل في تصنيف آدلر لا تختلف عن تصنيفات غيره.
الذي يميز البنائيين النقديين من ما بعد الحداثيين، كفيلة بسدّ ذرائع هؤلاء في استبعاد إمكانية استعمال المناهج التفسيرية جنبًا إلى جنب مع المناهج التأويلية؛ ويضع آدلر ونت في قلب هذه النسخة البنائية المتمركزة حول الدولة Statist، تمييزًا له من البنائيين الذين يرون في الفاعلين الأساسيين في العلاقات الدولية، مثل الأمم والجماعات الإثنية، سماتٍ ناشئةً أكثر من كونها فئات مادية يجري تشييئها Reified. 2. بنائية يقودها أونوف33 وفريدريك كراتوشفيل34، وهي توظف أفكارًا من القانون الدولي لإبراز أثر أشكال التفكير والإقناع في العلاقات بين الدول وفي سلوكها المقيّد بالقواعد؛ ويَسِم آدلر هذه البنائية، من دون أن يمنحها اسمًا، بأنها ما بعد وضعية من الناحية الإبستيمولوجية..3 بنائية تشدد على أهمية المعرفة السردية، ويصنف ضمنها أعمال آن تيكنر35 وسيسليا لينتش36 وجون راغي37 وأول ويفر38. 4. بنائية تركز على استعمال التقنيات المنهجية ما بعد الحداثية، مثل منهج ميشيل فوكو الجينيالوجي (في أعمال ريتشارد برايس39) ومنهج التفكيك (في أعمال توماس بايرستكر وسينثيا فيبر40)41. من ناحية أخرى، تتبنّى مايا زحفوس تصنيفًا للبنائيات بحسب روّادها من البنائيين، فتميز بين بنائية أونوف، وبنائية كراتوشفيل، وبنائية ونت42، من دون أن تطلق عليها وسومًا. ومن الواضح أن تمييزها بين بنائيتَي أونوف وونت يعكس أيضًا التمييز السائد بين البنائية التقليدية (الحداثية) والنقدية (ما بعد الحداثية). صحيح أنّ التصنيفات غير الثنائية، مثل التي وضعها كاتزنشتاين وكيوهان وكراسنر أو آدلر أو
33 Onuf, World of Our Making. 34 Friedrich Kratochwil, Rules, Norms and Decisions: On the Conditions of Practical and Legal Reasoning in International Relations and Domestic Affairs (Cambridge: Cambridge University Press, 1989). 35 Ann J. Tickner, Gender in International Relations (New York: Columbia University Press, 1992). 36 Cecelia Lynch, "E.H. Carr, International Relations Theory, and the Societal Origins of International Legal Norms," Millennium , vol. 23 (1994). 37 John G. Ruggie, "Peace in Our Time? Causality, Social Facts, and Narrative Knowing," American Society of International Law Proceedings , 89 th Annual Meeting (1995). 38 Ole Weaver, "Insecurity, Security and Asecurity in the West European Non-War Community," in: Emanuel Adler & Michael Barnett (eds.), Security Communities (Cambridge: Cambridge University Press, 1998). 39 Richard Price, "A Genealogy of the Chemical Weapons Taboo," International Organization , vol. 49 (1995). 40 Thomas J. Biersteker & Cynthia Weber (eds.), State Sovereignty as Social Construct (Cambridge: Cambridge University Press, 1996). 41 Adler, pp. 335-336. 42 Zehfuss, pp. 10-23.
زحفوس، ليست بالقدر نفسه من الرواج الذي تحظى به التصنيفات الثنائية، إلا أنّ ذلك لا يعني أن البنائيات، مهما تعددت، لا تأتلف حول نواَتيَن مركزيتين، تقليدية (حداثية) ونقدية (ما بعد حداثية)43. وهذا ما يُكسب التصنيفات الثنائية قدرةً أكبر على تبسيط حالة التنوع في الأطروحات البنائية، التي تُظهِر أحيانًا فروقًا دقيقة قد لا تُرى إلا من خلال عدسة النظرية الاجتماعية الأوسع. قد تبدو تصنيفات البنائية غير مقنعة، خاصة إذا نظرنا فيها على نحو مقارن، وهي في ذلك لا تختلف عن بقية التصنيفات في حقل العلاقات الدولية عامّةً44؛ لكنها تظل مفيدة حين يتعلق الأمر بفهم صيرورة النظرية، سواء في نقاشاتها البينية (أي بين تياراتها الداخلية)، أو في نقاشاتها مع غيرها من النظريات المنافسة في الحقل المعرفي الأوسع. وفي حالة البنائية، لا يمكننا أن نغفل مثلًا عن أنّ ونت نفسه، الذي تُعدّ بنائيتُه موضوعًا للتصنيف، يتبنى تصنيف البنائية بنائيَتيَن، حداثية وما بعد حداثية؛ ثم يقرّ صراحة بأنه ينحاز إلى البنائية الحداثية، بل يدافع عنها، مع ادعائه الاستمرار في استلهام البنائية ما بعد الحداثية45. وقد رفض البنائيون النقديون (أو ما بعد الحداثيون) انحيازه هذا ووجّهوا إليه وابلًا من النقد.
ثانيًا: بنائية ونت والجسر "المهجور" بين التأمليين والعقلانيين
بعد صدور مقالة ونت، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، أصبحت عبارة "البناء الاجتماعي للشيء"، تتصدر عناوين المقالات وفصول الكتب46؛ وباتت أطروحاته موضوعًا لشروح ومراجعات وانتقادات ينوء المرء بإحصائها. وينبغي أن نتذكر أن هذا الاحتفاء الذي استُقبِلت به أطروحاتُ ونت جاء في أوج نقاشين احتدما على نحو متزامن منذ بداية الثمانينيات: النقاش بين الواقعيين الجدد
43 تضاف إلى التصنيفات الواردة هنا تصنيفات ثنائية أخرى عديدة، مثل البنائية الكثيفة Thick والمخففة Thin؛ والبنائية الراديكالية والمعتدلة؛ والبنائية الأميركية والأوروبية، وغيرها. ينظر: Swati Srivastava, "Varieties of Social Construction," International Studies Review , vol. 22, no. 3 (2020). ولا نطرق هذه التصنيفات لأنها تتمفصل وفقًا لخطوط الانقسام، الإبستيمولوجية، نفسها التي تميز البنائيتين التقليدية والنقدية، على الترتيب. 44 Abdennour Benantar, Sécurité et immigration: Réflexions sur les études (critiques) de sécurité et l'Ecole de Copenhague (Oran: Ibn Nadim Editions, 2024), p. 19. 45 Wendt, "Anarchy is What States Make of It," p. 394 (footnote 12). 46 Guzzini, p. 147.
والليبراليين الجدد47، الذين ائتلفوا في توليفة سّما ها أول ويفر التوليفة الجديدة -الجديدة Neo-Neo Synthesis48، وصارت تسمى "توليفة عقلانية" (أو حتى "تحالفًا عقلانيًا"49)؛ والنقاش الآخر الذي يسمّى النقاش الثالث، ضمن سلسلة النقاشات الكبرى في حقل العلاقات الدولية، بين العقلانيين والتأمليين50.
تمكّن ونت من أن يجعل البنائية "المقيم الشرعي"، الوحيد تقريبًا، ضمن ما أصبح يسمّى "الأرضية الوسطى" بين طرَفي النقاش الثالث51. ويمكن القول إنّ مشروع بناء جسر يسدّ الفجوة بين
47 ينظر: David A. Baldwin (ed.), Neorealism and Neoliberalism: The Contemporary Debate (New York: Columbia University Press, 1993); Robert Powell, "Anarchy in International Relations Theory: The Neorealist-Neoliberal Debate," International Organization , vol. 48 (1994). 48 Ole Wæver, "The Rise and Fall of The Inter-paradigm Debate," in: Richard Little & Michæl Smith (eds.), Perspectives on World Politics (London: Routledge, 2006). 49 Wendt, "Anarchy is What States Make of It," p. 425. 50 ينظر: محمد حمشي، "النقاش الثالث بين نظريات العلاقات الدولية: حدود الاتصال المعرفي"، المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية، العدد 3 (كانون الأول / ديسمبر 2014)، ص 131-93؛ Yosef Lapid, "Through Dialogue to Engaged Pluralism: The Unfinished Business of the Third Debate," International Studies Review , vol. 5 (2003); Yosef Lapid, "The Third Debate: On the Prospects of International Theory in a Post-Positivist Era," International Studies Quarterly , vol. 33, no. 1 (1989). 51 Guzzini, p. 148.
العقلانيين والتأمليين، ويجمعهم على "طاولة نقاش" واحدة، يستند أساسًا إلى مقولة ونت، الذائعة الصيت، الواردة في كتابه نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، "من الناحية الإبستيمولوجية، أنا منحاز إلى صف الوضعيين، أما من الناحية الأنطولوجية، وهي الأهم بالنسبة إليّ، فسوف أنحاز إلى صفّ ما بعد الوضعيين"52. لكنّ هذا الانحياز بدأ في المقالة ليتطور ويتجلى أكثر فأكثر في الكتاب، كما سيتبين لاحقًا. أشار ونت، في مقالته "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، إلى أنّ هدفه يكمن في بناء جسر بين الواقعيين والليبراليين من ناحية والعقلانيين والتأمليين من ناحية أخرى، وذلك نيابة عن ادعاء الليبراليين القائل إنّ المؤسسات الدولية يمكنها تحويل هويّات الدول ومصالحها؛ وعلى الرغم من أنه أنكر اهتمامه بالصلة بين الأطروحات المؤسساتية والليبرالية في ذلك الوقت53، فإنه أبدى اهتمامًا صريحًا بإمكانية مساهمة البنائية في دفع الليبرالية إلى العناية بمسألة تشُّكُل الهوية والمصالح، ومن ثم تعزيز فهوم الليبرالية لمسائل التعلم والإدراك التي لطالما أغفلتها. ومن ناحية أخرى، يحتج ونت على ادعاء الواقعيين الجدد القائل إنّ الاعتماد على النفس هو نتاج بنية فوضوية خارجية المنشأ بالنسبة إلى العمليات ومستقلة عنها، وينكر في الوقت نفسه على البنائيين إحجامهم عن بذل جهد يُعتَدّ به لأخذ القوى السببية للفوضى على محمل الجد54. كانت تلك هي استراتيجية ونت التوفيقية بين طرَفي نقيض النقاش الثالث، عام 1992. وفي المقالة نفسها، ينتهي إلى الإقرار بصعوبة الحسم في سؤال تغّير هويات الدولة ومصالحها نتيجةً للتفاعل النظمي (أي عند مستوى النظام الدولي)؛ فيقول: "حتى لو كان التفاعل مهًّما في البداية في بناء الهويات والمصالح، فإنّ منطقه، عند مأسسته، قد يجعل التحوّل صعبًا جًّدًا. فإذا تغّير معنى البنية بالنسبة إلى أفعال الدولة ببطء شديد وأصبح معيارًا، بحكم الواقع، تجري ضمنه السيرورة، ربما يكون من المناسب، من الناحية الجوهرية، تبنّي الافتراض العقلاني القائل إنّ الهويات والمصالح معطاة"55. ثم يشدد من جديد على أنّ بحث هويات الدولة ومصالحها، نظريًا وإمبريقيًا، "لا يعني أنه لا ينبغي لنا البتّة التعامل مع الهويات والمصالح على أنها معطاة؛ إذ ينبغي أن يكون تأطير مشكلات البحث
52 Wendt, Social Theory of International Politics , p. 90. 53 سيحدث لاحقًا تقارب بين الليبرالية والمؤسساتية في إطار ما بات يُعرف بالمؤسساتية الليبرالية الجديدةNeoliberal Institutionalism ينظر:. Robert O. Keohane, International Institutions and State Power: Essays in International Relations Theory (New York: Routledge, 1989). 54 Wendt, "Anarchy is What States Make of It," p. 394. 55 Ibid., p. 423.
واستراتيجياته مدفوعًا بالأسئلة لا بالمنهج. وإذا لم نُعِر مسألة تشكّل الهويات والمصالح اهتمامًا، فقد نجد افتراضات الخطاب العقلاني معقولة تمامًا. بعبارة أخرى، لا ينبغي اعتبار أيّ مّما ورد في الدراسة هجومًا على العقلانية في حد ذاتها"56. وفي تعليقه على تمركز بنائيته على الدولة، يقول: "أعتقد، مع الواقعيين، أنّ الدول ذات السيادة ستظل على المدى المتوسط الفاعل المهيمن في النظام الدولي. وأنّ أيّ انتقال إلى بنى جديدة للهوية والسلطة السياسية العالمية – أي إلى سياسة ما بعد دولية – سيجري بوساطة الحل المؤسسي الخاص الذي يستهدف حل التوتر بين الوحدة والتنوع، أو بين الخصوصية والعالمية، أي الدولة ذات السيادة؛ سيجري هذا الانتقال بوساطة الدولة ذات السيادة وسيعتمد في الوقت نفسه على سيرورتها [...] ولذلك، فأنا واقعي ودولتي Statist. لم يأت تشديده على قربه "57 من الواقعية من دون تأكيد إيمانه بأن بنائيته يمكن - بل ينبغي - أن تعمل أيضًا يدًا في يدٍ مع ما يسميه الليبرالية القوية من أجل تطوير نظرية دولية تركز على السيرورة Process، التي تغفلها الواقعية. وفي هذا السياق، نجده ينكر على البنائيين الشحّ في بذل الجهد لسبر أغوار الأسئلة السببية والإمبريقية المتعلقة بكيفية إنتاج الهويات والمصالح من خلال الممارسة في ظل الفوضى؛ ومن ثم يؤاخذهم بتجاهل الرؤى الليبرالية بشأن التعلم والإدراك الاجتماعي58. وإذ توقّع ونت، من البداية، إعراض طرَفي النقاش الثالث عن خطاب كهذا، فإنه يعزو هذا الإعراض إلى "انهماكهما في الخلافات القائمة حول الحالة الإبستيمولوجية التي تشهدها العلوم الاجتماعية"، والتي تجعل الباحثين عرضة للوقوع في "فخّ علومٍ اجتماعية يحرّكها منهج البحث لا أسئلته"59. ثم يقول: "ليس ثمة سبب وجيه لإيلاء الإبستيمولوجيا هذه الأهمية الهائلة؛ فلا الوضعية ولا الواقعية العلمية ولا ما بعد البنيوية تفيدنا في فهم بنية الحياة الدولية ودينامياتها. إنّ فلسلفات العلوم ليست نظريات في العلاقات الدولية. ومّما يدعو إلى التفاؤل ههنا أنّ أنصار الليبرالية القوية والبنائيين الحداثيين وما بعد الحداثيين يطرحون أسئلة متشابهة، إلى حد بعيد، بشأن جوهر العلاقات الدولية، وهذا ما يميز كلا الفريقين من تحالف الواقعيين الجدد والعقلانيين. لا يزال أمام البنائيين وأنصار الليبرالية القوية مجال واسع للتعلّم المتبادل، إذا تمكّنوا من رؤية ما يجمعهم رغم ما تثيره الإبستيمولوجيا من سجال"60.
56 Ibid. 57 Ibid., pp. 424-425. 58 Ibid., p. 425. 59 Ibid. 60 Ibid.
كانت تلك خاتمة المقالة. لكنه بدا في كتاب نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، عام 1999، أشد وضوحًا، وربما أشد جرأةً في التعبير عن موقفه، إذ يقول: "إذا أخذ المرء التزاماتي الأنطولوجية الاجتماعية في الحسبان، فسيكون في إمكانه الاعتقادُ أنني يجب أن أصطف بقوة إلى جانب ما بعد الوضعية، من خلال تركيزي على الحديث عن الخطاب والتأويل بدلًا من اختبار الفرضيات ووجود واقعٍ موضوعي. ومع ذلك، حين يتعلق الأمر بإبستيمولوجيا المعرفة الاجتماعية، فأنا مؤمن قوٌّيٌ بالعلم [...]. أنا وضعي. وهذا ما يضعني على نحوٍ ما في قلب النقاش الثالث، لا لأنني أسعى للعثور على إبستيمولوجيا انتقائية، بل لأنني لا أعتقدُ أن الأنطولوجيا الاجتماعية تنطوي بالضرورة على إبستيمولوجيا ما بعد وضعية [...]. لذلك، يحدوني الأمل، في الواقع، في العثور على [أرضيةٍ وسطى] بين طرَفي النقاش الثالث من خلال التوفيق بين ما يراه الكثيرون بمنزلة مواقف إبستيمولوجية وأنطولوجية متضاربة. سيقول بعضهم إنه لا توجد أرضية وسطى، وقد يكونون على صواب؛ لكنني مع ذلك سأدافع عن حجتين أساسيتين. تتمثل الأولى في أن الأهم يكمن فيما هو موجود هناك وليس في الكيفية التي يمكننا بها معرفته؛ وتتمثل الثانية في أن العلم ينبغي له أن تحرّكه أسئلة البحث أكثر مما تحرّكه المناهج [...]. ولكي أكون أشد صراحة، أعتقد أن ما بعد الوضعيين يركزون على نحوٍ مُجحفٍ على الإبستيمولوجيا، كما أعتقد أن الوضعيين ينبغي أن يكونوا أشد انفتاحًا على الأسئلة والمناهج. لا أحد يستطيع أن يُجِبر الوضعيين وما بعد الوضعيين على الحديث بعضهم مع بعض، غير أنني آمل من سعيي لبناء منطقةٍ وسطى بين الطرفين أن أبّين على الأقل أن ثمة ما يمكن الحديث في شأنه"61. على هذا النحو، لا ترفض بنائية ونت فكرة العلم، المتجذرة في الإبستيمولوجيا الوضعية، لأنّ خلافها مع هذه الأخيرة ليس إبستيمولوجيًا، بل خلاف أنطولوجي يتعلق بأولوية الأنطولوجيا الاجتماعية على المادية، وهو ما يسمح لها باحتلال موقع "الأرضية الوسطى" بين أنصار العلم العقلانيين/ الوضعيين وخصومهم التأمليين/ ما بعد الوضعيين. ثمة مستويان لمشروع بنائية ونت. يتعلق المستوى الأول بمحاولة تحدي الوضعية ضمن حدودها الإبستيمولوجية الخاصة بها، فهي تهدف إلى استعمال منطلقات الإبستيمولوجيا العقلانية لإثبات محدودية الأنطولوجيا المادية، وذلك ببناء برنامج بحثي إمبريقي يثبت القوة التفسيرية للأفكار والمعايير. أما المستوى الثاني فيتعلق بمحاولة تبرئة التأمليين من التهمة القائلة إنهم لا يقومون بأيّ عملٍ
61 Wendt, Social Theory of International Politics , pp. 39-40.
إمبريقي، وهي تهمة من السهل إدانتهم بها كلما ركزوا على نقد الجوانب الإبستيمولوجية والمنهجية، بينما يهملون العمل على بناء تحليلاتٍ محكمة مفهوميًا ومؤيدة إمبريقيًا62. وفي الوقت نفسه، تَعِد بنائية الأرضية الوسطى بالاجتهاد في إقناع العقلانيين بمراجعة حجتهم التقليدية القائلة إن المعايير والهويات والخطاب عوامل غير مهمة في الدراسات الدولية. ومن باب الإنصاف القول إن هذا النمط من التموقع المبكر، الذي أصرّ عليه ونت وغيره من أنصار مشروع الأرضية الوسطى، هو ما سمح للبنائيين بالمساهمة في إثراء العديد من المجالات الفرعية في حقل العلاقات الدولية، مثل الدراسات الأمنية والاقتصاد السياسي الدولي، وأتاح لهم الانخراط في نقاش موضوعات عديدة كانت حكرًا على المقاربات الوضعية، مثل الأمن63، والعلاقة بين النموّ الاقتصادي والنزاعات المسلحة64، والنزاعات الداخلية65، وتوسّع حلف شمال الأطلسي "الناتو" والاتحاد الأوروبي66، من بين نقاشاتٍ مبكرة أخرى عديدة كان للبنائيين دورٌ حاسم في إثرائها. يكمن نجاحُ البنائية في انتقاداتها للوضعية (ممَّثَلةً في التوليفة العقلانية)، حتى إنْ بدت محدودة في حالة بنائية ونت، في أنها لم تركز على ما تناولته التوليفة العقلانية، بل على ما تجاهلته؛ خاصة فيما يتعلق بمضمون مصالح الدولة والبنية الاجتماعية للسياسة الدولية، ومصادرها67. وتفترض البنائية وجودَ تفاعلٍ مستمر بين الفاعلين والبنى، فتصبح الأنطولوجيا البنائية قائمة على فرضية التكوين المتبادل Constitution Mutual، حيث لا يجري اختزال وحدات التحليل، بعضُ ها في بعض، كما تفعل العقلانية68. وكان اتجاه البنائية المبكر نحو تجنّب المداخلات الإشكالية المتعلقة بالقضايا الإبستيمولوجية، والتركيز بدلًا من ذلك على القضايا الأنطولوجية، يمكّنها أيضًا من
62 Price & Reus-Smit, p. 264. 63 Seng Tan, "Rescuing Constructivism from the Constructivists: A Critical Reading of Constructivist Interventions in Southeast Asian Security," The Pacific Review , vol. 19, no. 2 (2006). 64 Margit Bussmann, "Gerald Schneider & Nina Wiesehomeier: Foreign Economic Liberalization and Peace: The Case of Sub-Saharan Africa," European Journal of International Relations , vol. 11, no. 4 (2005). 65 Mary Caprioli & Peter F. Trumbore, "Identifying 'Rogue' States and Testing Their Interstate Conflict Behaviour," European Journal of International Relations , vol. 9, no. 3 (2003). 66 K.M. Fierke & A. Wiener, "Constructing Institutional Interests: EU and NATO Enlargement," Journal of European Public Policy , vol. 6, no. 5 (1999). 67 Checkel, "The Constructivist Turn in International Relations Theory," p. 324. 68 Ibid., p. 326.
إثراء حزمة الأدوات التحليلية المتاحة في الحقل69، وذلك بتكثيف الاهتمام بالعديد من القضايا المحورية في حقولٍ معرفيةٍ أخرى، مثل علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والفلسفة؛ ومن بين هذه القضايا: المعايير والهويات والبينذاتية والتنشئة الاجتماعية70. لقد أشار كراتوشفيل وراغي، في دراسةٍ لهما حول نظرية المنظومات Theory Regime، إلى وجود تناقضٍ متأصل في هذه النظرية بين الأنطولوجيا والإبستيمولوجيا، وقد حَّذَرا من أنّ الإحجام عن التعامل نظريًا مع طبيعة المعايير البنائية (أي كونها مبنيّة اجتماعًّيًا) سيُبقي نظرية المنظومات في مواجهة مشكلة التناقض بين الإبستيمولوجيا الوضعية والأنطولوجيا الاجتماعية؛ لأنّ الوضعية تفترض الانفصال المسبق بين الذات والموضوع (أي بين الباحث وموضوع البحث)، ما يجعلها تنزع إلى التركيز على القوى الموضوعية التي تحرّك الفاعلين خلال تفاعلاتهم الاجتماعية، في حين أنّ الأنطولوجيا الاجتماعية تتبنّى نزعة بينذاتية، تجعلها تؤكد معرفتنا بالمنظومات من خلال الفهوم المتشارَكة التي نكوّنها (بوصفنا ذواتًا) بشأن أشكال السلوك الاجتماعي المقبولة والمرغوب فيها71. لكنّ مشكلة التناقض بين الإبستيمولوجيا الوضعية والأنطولوجيا الاجتماعية، هذه، تجعل الجسر الموعود، الممدود نحو نظرية وضعية مثل الواقعية الجديدة، أمرًا بعيدَ المنال، لأنها تفتقر إلى البعد البينذاتي في بنيانها النظري. وللتغلّب على هذه المشكلة، كان على البنائيين أن يختاروا بين حَّليَن: إمّا أن يتبنّوا أنطولوجيا بينذاتية تتوافق مع الإبستيمولوجيا الوضعية، وإمّا أن يعملوا على جعل الإبستيمولوجيا الوضعية تنفتح أمام الأدوات التأويلية. ويبدو أنّ البنائيين (التقليديين تحديدًا) فضّ لوا الخيار الأول، وذلك بالربط بين الإبستيمولوجيا الوضعية والأنطولوجيا البينذاتية72. ظلّ هذا الربط، الذي يُعَُّدُ روح مشروع بنائية ونت لتجسير الفجوة بين العقلانيين والتأمليين، غير متماسك من الناحية الإبستيمولوجية. فقد حاَّجَ جيم جورج، مثلًا، بأنّ الانتقادات التي وجّهها ونت إلى والتز ظلّت متأثرة بأطروحة وحدة العلم والسعي الحثيث لبناء نظرية دولية تستلهم الافتراضات الأساسية للوضعية، ما جعل قيمتها
69 تهدف الأدوات البنائية المضافة في الأساس إلى إدراك المعاني البينذاتية، بما في ذلك تحليل الخطاب وتتبّع المسار والجينيالوجيا ومقارنة البنى والمقابلات والملاحظة القائمة على
المشاركة وتحليل المضمون. ينظر: 395 p. Sikkink, &.Finnemore 70 Wiener, p. 7. 71 Friedrich V. Kratochwil & John G. Ruggie, "International Organization: A State of the Art on an Art of the State," International Organization , vol. 40, no. 4 (1986). 72 Wiener, pp. 10-11.
في تجاوز افتراضات الواقعية الجديدة محدودة73؛ هذا إذا افترضنا أنّ هذا المشروع يستهدف التحرك بعيدًا عن الطرَفيَن المتمترَسيَن إبستيمولوجيًا، وصولًا إلى أرضية وسطى. على الرغم من هذا التحدي، فإنّ دعوة ونت لقيت ما لقيته من آذان صاغية؛ إذ شهدت الأعوام اللاحقة لصدور مقالته، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، محاولات استجابة مكثفةً لنداء سدّ الفجوة الموروثة من النقاش الثالث، بين العقلانيين والتأمليين، خاصة عبر التوفيق بين البنائية عامةً والمقاربات المناوئة لها، بما في ذلك التوفيق بين الاهتمام بالأبعاد المادية والأبعاد المتعلقة بالأفكار. وبرزت أيضًا، ضمن تلك المحاولات، مساعٍ لتكييف البنائية ضمن مشاريع إمبريقية مختلفة، خصوصًا ما تعلق منها بالمؤسسات الدولية والمعايير والإذعان والتنشئة الاجتماعية (داخل الاتحاد الأوروبي مثلًا)74. وقد جعل هذا النوع من الاهتمامات النظرية الباحثين ينخرطون في مشاريع لتكييف مقارباتهم النظرية، البنائية والعقلانية على حد سواء، من أجل الاستجابة لنداء تجسير الفجوة بين طرَفي النقيض، العقلاني والتأمليي. يعزو تشاكل المعضلة التي واجهت بنائية ونت إلى استمرارها في الانشغال ببناء جسرٍ بممرٍ واحد يصل العقلانيين والبنائيين التقليديين من أنصار بنائية ونت، في وقت كان ينبغي لها أن تفتح ممرًا آخر يربط بين البنائيين التقليديين من جهة، والبنائيين النقديين (والتأويليين) من جهة أخرى. وربما كان تيد هوف75 من البنائيين القلائل الذين تعاملوا مع مفهوم "الأرضية الوسطى" بجدية أكبر، لأنه حاول أن يبني جسرًا بممَّرَين: يصل الأول بين البنائيين والعقلانيين، بينما يصل الثاني بين البنائيين التقليديين والبنائيين التأويليين (والنقديين)76. بصيغةٍ أخرى، يمكن الحجاج بأنّ تعدد التيارات داخل البنائية، وانقسامها على أساس خطوط فصل إبستيمولوجية، يزيدان من تعقّد مشروعها الذي دشّنه ونت، فبدلًا من أن تركّز على بناء الجسر الموعود بين العقلانيين والتأمليين، وجدت نفسها في حاجةٍ ملحّة إلى بناء جسور إضافية تهدف إلى سدّ الفجوة بين تياراتها الداخلية ذاتها.
73 Jim George, Discourses of Global Politics: A Critical (Re)Introduction to International Relations (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1994), p. 127. 74 Checkel, "Social Constructivisms in Global and European Politics," p. 241. 75 ينظر: Ted Hopf, Social Construction of International Politics: Identities and Foreign Policies, Moscow, 1955 & 1999 (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2002). 76 Checkel, "Social Constructivisms in Global and European Politics,"
تنجم هذه المعضلة عن صعوبة التخفيف من حدة الخلاف حول الإبستيمولوجيا، ما يجعل تأكيد ونت أنّ القضايا ما وراء النظرية هي قضايا أنطولوجية في الأساس وليست إبستيمولوجية تأكيدًا مبالغًا فيه. ففي مشروعه المشترك مع جيمس كابوراسو وجوزيف جوبيل حول الاتحاد الأوروبي والمؤسساتية77، على سبيل المثال، تذمّر تشاكل من صعوبة إشراك باحثين ذوي توجهاتٍ تأويلية أو نقدية؛ نظرًا إلى صعوبة الجمع بين المسائل التفسيرية والمسائل القيمية في "سلة" بحثية واحدة78. ثم إنّ الفصل بين القضايا الإبستيمولوجية والأنطولوجية للوصول إلى تسوية من قبيل "دعونا نفترضْ أننا متفقون إبستيمولوجيًا، ولنناقشْ ما نختلف بشأنه أنطولوجيًا" يظل صعب المنال. وقد أشار كراتوشفيل نفسُه إلى التشابك المعقد بين القضايا الإبستيمولوجية والأنطولوجية؛ على الأقل من خلال الأبنية اللغوية المُشكِّلة لها79. ولتفكيك هذه المعضلة، اقترحت آنتجه وينر العودة إلى ما وصفته بطبيعة البنائية البينذاتية في حد ذاتها80. فقد لاحظت أنه في الوقت الذي توضع فيه البنائية في سياقٍ زمني واحد ضمن المسار الذي عرفه الحقل خلال العقود الثلاثة التي تلت بروزها في حقل العلاقات الدولية، تأتي المداخلات النظرية المنضوية تحت لوائها، في الواقع، من جماعاتٍ أكاديمية متباينة. وهذه الملاحظة لا تدفع إلى إعادة النظر في طبيعة البنائية نفسها فحسب، بل حتى في طبيعة الأرضية الوسطى المنتظر منها احتلالها، والجسر الواصل المنتظر منها بناؤه. ويمكن التساؤلُ ههنا عّما إذا كانت هذه الأرضية الوسطى مج لًا موجودًا مُسبقًا على نحو موضوعي، أوجده التعارض الموروث عن النقاش الثالث بين التأملية والعقلانية غيرِ القابلتين للمقايسة81، أم أنها مجال يُنتظر من البنائيين أن يقوموا على بنائه اجتماعيًا، على نحو بينذاتي. وتعتقد وينر أن البنائيين، على الرغم من أنهم لا يتقاسمون موقفًا إبستيمولوجيًا واحدًا، يتفقون على أهمية الأنطولوجيا مقارنة بالإبستيمولوجيا؛ وبناءً عليه، فهم لا يميلون إلى التقارب عند الزاوية الثالثة للمثلث النظري بحسب التصور السائد (تأملية – بنائية – عقلانية)، ولكنهم في المقابل يعملون على تشكيل نصفِ دائرة تربط بين طرَفي النقاش الثالث، التأملية والعقلانية.
77 James Caporaso, Jeffrey T. Checkel & Joseph Jupille, "Integrating Institutions: Rationalism, Constructivism and the Study of the European Union," Comparative Political Studies , vol. 36 (2003). 78 Checkel, "Social Constructivisms in Global and European Politics," p. 242. 79 Kratochwil, p. 73. 80 Wiener, p. 13. 81 عن عدم القابلية للمقايسة في النقاش الثالث، ينظر: حمشي.
p. 233.
ثالثًا: محطات على امتداد الجسر بين التأمليين والعقلانيين
يقترن تشكّل نصف دائرة وينر وامتدادُها بظهور مواقف بنائية تتشكل عبر الابتعاد بالمسافة نفسها عن طرَفي القاعدة (الشكل 1). وتتميز هذه المواقف بثلاث خصائص82: إعطاء أهمية للأنطولوجيا مقارنة بالإبستيمولوجيا (فهي بذلك لا تختلف عن موقف ونت)؛ التمايز عن المواقف غير القابلة للمقايسة التي تتبناها العقلانية والتأملية، مع الاحتفاظ بالقدرة على الانخراط في نقاشٍ مع كلتيهما؛ والتنوع في الخيارات المتعلقة بالأدوات المنهجية. وكيفية تموقع هذه المواقف على طول نصف الدائرة تحددها النقاشاتُ البنائية التي تجري ضمن مجال الأرضية الوسطى. وبهذه الطريقة، يعمد البنائيون إلى بلورة منطقتهم الوسطى التي يُفترض أن تتيح التوفيق بين طرَفي القاعدة كلما ابتعدنا عنهما وصولًا إلى الحدود العليا لنصف الدائرة. وهكذا، فإن الأرضية الوسطى للبنائية لا تتشكل من موقفٍ واحد، بل من مواقف متعددة؛ وعلى الرغم من اختلافها فيما بينها، فإنها تأخذ على عاتقها عبء التعامل مع التناقضات بين الأنطولوجيا والإبستيمولوجيا. ويدعم هذا التعدد في المواقف ضمن مجال الأرضية الوسطى اعتقاد أن البنائية استطاعت أن تطلق نمطًا جديدًا من الاتصال المعرفي المتعدد الأطراف داخل حقل العلاقات الدولية.
82 Wiener, p. 15.
الشكل (1) المحطات الأساسية على طول نصف دائرة آنتجه وينر
المصدر: Antje Wiener, "Constructivist Approaches in International Relations Theory: Puzzles and Promises," Constitutionalism Webpapers , no. 5 (2006), p. 18.
يفيد مشروع المحطات النظرية، إذا تصورناه بديلًا من مشروع ونت الأصليي، في تأكيد أن قيمة البنائية المضافة تصبح أبعد من ارتباطها ببناء الأرضية الوسطى وتجسير الفجوة بين العقلانيين والتأمليين، لتمتد نحو السماح بظهور عدد من النقاشات الفرعية (أو المحادثات Conversations) داخل الحقل؛ وتشبه هذه النقاشات مجموعةً من المحطات على طول الجسر الرابط بين العقلانية والتأملية (الشكل.)1 وينطوي التموقعُ ضمن هذه المحطات، التي اقترحتها وينر، على خطوتين: الأولى إبستيمولوجية والثانية أنطولوجية. تتضمن الخطوة الأولى الابتعاد عن طرَفي القاعدة مع الاحتفاظ بالقدرة على النقاش معهما. أما الخطوة الثانية فتنطوي على إعادة بناء أنطولوجيا جديدةٍ تختلف عن الأنطولوجيات المتباينة التي يتبناها طرفا القاعدة. يمكن الاستعانة بالعديد من نماذج التنظير في الحقل. مثلًا، جرى التحرك بعيدًا عن "الحتمية المادية" نحو محطة "الأفكار الفردية" على الجزء الأيسر لنصف الدائرة من خلال التركيز على "الأفكار"، وهي خطوة تتضمن الابتعاد عن الطرف العقلاني. وفي الوقت نفسه، يمكن القول إن التحرك نحو الأنطولوجيا التكوينية يعّبر عن محاولة للاقتراب من "الحتمية الاجتماعية"، ومن ثم الاقتراب من الطرف التأمليي. وهذا المثال تجسّده إسهامات المؤسساتية الجديدة (الأقرب إلى البنائية، والتي سبق أن أشاد بها ونت ودعا البنائيين إلى استلهامها). وثمة مثال آخر يتعلق بالحركة التي جرت عبر الابتعاد أكثر عن طرف "الحتمية المادية"، من خلال التنظير للأفكار بوصفها عوامل اجتماعية والإقرار بتأثير الأنطولوجيا التكوينية للبيئة السوسيوثقافية في تشكيل المصالح، وهو ما أدى إلى بناء محطةٍ ثانية، تتمثل في محطة "الأفكار الاجتماعية". ويتموقع في هذه المحطة
البنائيون التقليديون، بحسب تصنيف كاتزنشتاين وكيوهان وكراسنر، أو البنائيون الحداثيون، بحسب تصنيف روس-سميت. وهي المحطة التي أفضت إلى تطوير مجموعة مهمة من الدراسات الإمبريقية المتعلقة بدور الأفكار والمعتقدات والمعايير في السياسة الدولية. وقد تطلّب بناءُ هذه المحطة خطوةً تضمنت الابتعاد عن الطرف العقلاني، عبر المحطة المؤسساتية الجديدة، محطة "الأفكار الفردية"، وصولًا إلى الأرضية الوسطى، وفي الوقت نفسه الابتعاد عن محطة "الحتمية الاجتماعية"، ولكن ذلك يكون من دون الانقطاع عنها83. ذلك هو الجانب العقلاني. أما على الجانب التأمليي في الطرف الأيمن من القاعدة، فيمكن الحديث عن الدور الذي أدّته نظرية ألعاب اللغة في تفسير النزاعات وفهمها عبر التركيز على الأنطولوجيا الاجتماعية لأفعال الخطاب Acts Speech، وهو ما سمح ببناء محطة "الخطاب (اللغة)". ثم إن التركيز على العلاقة الحاسمة بين المعايير، بوصفها محركًا، أو معِّوِقًا، للعوامل البنيوية والبعد الاجتماعي، أدى إلى إعادة الاعتبار للأنطولوجيا الاجتماعية للمعايير، وهو ما سمح ببناء محطة "التكوين المتبادل". وتتقاسم هذه المحطة فكرة التأثير البنيوي للمعايير مع البنائيين التقليديين، في الوقت الذي تستلهم فيه الأنطولوجيا التكوينية والتفاعلية التي من خلالها يجري فهمُ الكيفية التي تُبنى بها المعاييرُ وتتغير84، وهو ما تشترك فيه مع التيارات التأويلية والنقدية ضمن البنائية. ويسمح التحرك بعيدًا عن محطة "التكوين المتبادل"، وبعيدًا عن محطة "الأفكار الاجتماعية" بالمسافة نفسها من الجانبين نحو الحدود العليا لنصف الدائرة، بالالتقاء عند محطة "المعايير" التي تشكّل محطة الالتقاء ضمن الأرضية الوسطى. يبدو ابتكارُ مجموعةٍ من المحطات المبنية على نحو بينذاتي، كما تقترح وينر، أمرًا واعدًا في الوهلة الأولى، غير أن وجود هذه المحطات في حد ذاتها لا يعني أن الجميع، أو على الأقل أغلب الأطراف، ستحدوهم الحماسة لعبور الجسر والمرور عبرها على أمل الالتقاء في أرضية وسطى. وأقدّم ههنا حجتين أساسيتين يمكن الانطلاق منهما لفهم حدود هذا المشروع. تتمثل الحجة الأولى في ضعف الرهان الذي يضعه البنائيون، بمن فيهم ونت نفسه، على أهمية الأنطولوجيا مقارنة بالإبستيمولوجيا. ولا تكمن مشكلة هذا الرهان في نمط الترتيب فحسب، بل أيضًا في صعوبة الفصل بين القضايا الأنطولوجية والإبستيمولوجية في التنظير. إنّ ما يسلّم به البنائيون (خاصة التقليديون) إبستيمولوجيًا، وما يتبنّونه أنطولوجيًا، لا ينبغي أن يجري تقييمُه بمعزلٍ عن التطورات الفلسفية التي عرفها الحقل خلال النقاش الثالث. ولا يتعلق الأمر بالتعارض
83 Ibid., pp. 18-19. 84 Ibid., p. 19.
المتأصل بين الوضعية وما بعد الوضعية فحسب، بل بصعوبة الاحتواء المتبادل بينهما أيضًا؛ أي كيف يمكن أن تستوعب الإبستيمولوجيا الوضعية الافتراضات الأنطولوجية ما بعد الوضعية، والعكس كذلك؟ وأما الحجة الثانية فتكمن في أن المتنقلين عبر الجسر البنائي، بمختلف محطاته التي ابتكرتها وينر، هم البنائيون أنفسهم، بل يمكن الحجاج بأن هذا الجسر إن كانت له قيمة مضافة فإن البنائية وحدها تستفيد منها، لأن الجسر يمثل فضاءً للنقاش بين التيارات البنائية نفسِها، المنقسمةِ على أساس خطوطِ فصلٍ إبستيمولوجية كما رأينا في حالة البنائية التقليدية من ناحية، والبنائيَتيَن التأويلية والنقدية من ناحية أخرى. لذلك، فإن جدوى مشروع الأرضية الوسطى، الذي ترمي إليه بنائية ونت، تقوّضه منطلقاته منذ البداية؛ فما دامت البنائية التقليدية تتبنى إبستيمولوجيا وضعية، من المستبعد أن تنجح في إقناع المقاربات التأملية ما بعد الوضعية في الالتحاق بها حول طاولة النقاش، فضلًا عن الانخراط في نقاش أصيل مع المقاربات العقلانية الوضعية في الجانب الآخر؛ فالأمر دائمًا يتعلق بالإبستيمولوجيا، ولا سبيل لافتراض أن الأنطولوجيا أهم منها، خاصة في ظل ممارسات الانتماء والولاء النظرية السائدة. إن الانتماء إلى موقفٍ نظري معّين يقترن، في الغالب، باكتساب هوية معرفية صارمة. فإذا تبنيتَ الانتماء إلى العقلانية، فإن الهوية العقلانية التي تكتسبها تفرض عليك التزامًا صارمًا بما يترتب عليها: التفسير، والوضعية، والمنهج العلمي، والتركيز على العوامل المادية. وفي المقابل، إذا تبنّيتَ الانتماء إلى التأملية، فإنّ هذه الهوية تفرض عليك التزامًا صارمًا بما يترتب عليها: الفهم أو التأويل، وما بعد الوضعية، وإنكار المنهج العلمي، والتحوّل نحو التركيز على العوامل المتعلقة بالأفكار85. ويبدو أن بنائية ونت لا تمثل أيّ استثناءٍ من هذا التقليد، لأنها تفترض هوية إبستيمولوجية وأنطولوجية محددة تُلزِم الباحث بالتزاماتٍ معرفية بعينها، وهو ما يفرض حدودًا على ادعاءاتها المتعلقة بتجسير الفجوة بين العقلانية والتأملية. وهو أيضًا ما يجعلها تعيد إنتاج نقاش ثالث آخر بدلًا من جذب طرفيه إلى منطقة وسطى تجمع بينهما. وهذا ما جعل كاتزنشتاين وكيوهان وكراسنر يحاجّون بأنّ البنائية التقليدية لم تخض نقاشًا ثلاثيّ الأطراف مع العقلانية والتأملية بقدر ما خاضت نقاشًا ضيقًا مع العقلانية86،
85 Colin Wight, "Philosophy of Social Science and International Relations," in: Walter Carlsnaes et al. (eds.), Handbook of International Relations (London: Sage publications, 2002), p. 40. 86 Katzenstein, Keohane & Krasner, p. 646; وحين يقول كاتزنشتاين وكيوهان وكراسنر، مثلًا، إن التأملية تقع خارج حدود الحقل، على الأرجح بسبب افتقارها إلى إبستيمولوجيا خاصة بها، فإنهم بذلك إنما يصرفون النظر عن جميع التيارات التأملية، بما في ذلك البنائية التأملية والنقدية. ينظر أيضًا: 263 p. Reus-Smit, &.Price
في استجابة واضحة للدعوة إلى التوليف بين العقلانية والبنائية87؛ كما دفع أيضًا زحفوس إلى القول بأن أرضية ونت الوسطى كانت أقرب إلى العقلانية منها إلى التأملية88. وهكذا، تحوّل مشروع بنائية ونت من مشروع واعد لتجسير الفجوة بين العقلانية والتأملية إلى مشروع ضيق الأفق، يكتفي بسدّ الهوّة بين البنائيين التقليديين (أو المعتدلين كما يسمون أحيانًا) و"زملائهم" العقلانيين، مع الاستمرار في عزل "خصومهم" من التأمليين، بمن في ذلك البنائيون النقديون والتأمليون. وتضيف ناليني برسرام نقدًا ثاقبًا آخر، إذ إنها تلاحظ ما تسميه "الاستعمال الاستراتيجي للبنائية"89، مجادِلةً بأنّ وسم البنائية غالبًا ما يجري استخدامه استراتيجيًا (أي عن قصد) لإقصاء مقارباتٍ أخرى أشد راديكالية من الحقل، وذلك بوضع العقلانية على الطرف والبنائية على الطرف الآخر من الطيف. وفضلًا عن ذلك، تضيف زحفوس حجة أخرى فحواها أن التأكيد المستمر على النقاش بين البنائية والعقلانية، بوصفه النقاش الرئيس داخل الحقل، لا يضفي الشرعية على البنائية فحسب، بل إن الأهم من ذلك هو أنه يكسب العقلانية مبررًا أقوى للبقاء90 مهيمنةً على الحقل.
رابعًا: البنائية (الجديدة) بعد ونت وبعيدًا عنه
يبدو أن المشكلة الأساسية التي حالت دون نجاح بنائية ونت في الدفع بمشروع تجسير الفجوة بين العقلانيين والتأمليين نحو تجسيد مسعاه هي مشكلة الاتساق في البنائية بوصفها مشروعًا بحثيًا في حد ذاته؛ وهي مشكلة أنتجها، ورسخها أكثر فأكثر، ونت نفسُه
87 ينظر مثل:ا Alexander Wendt, "On the Via Media: A Response to the Critics," Review of International Studies , vol. 26 (2000), pp. 179-180. وقد أشار روبرت غاير إلى أن المشروع الذي طرحته بنائية ونت لم يحظ بتأييد العقلانيين ولا بتأييد التأمليين. ففي حين أصر التأمليون على رفض "انحياز" البنائيين الإبستيمولوجي، عمل العقلانيون في المقابل على دعوة البنائيين ليلتحقوا بهم بوصفهم "زملاء" في مشروعهم النظري. ينظر: Robert Geyer, "Europeanisation, Complexity, and the British Welfare State," Paper Presented to the UACES/ESRC Study Group on "The Europeanisation of British Politics and Policy-making," Department of Politics, University of Sheffield, 19/9/2003, p. 25. 88 Zehfuss, p. 5. 89 Nalini Persram, "Coda: Sovereignty, Subjectivity, Strategy," in: Jenny Edkins, Nalini Persram & Veronique Pin-Fat (eds.), Sovereignty and Subjectivity (London: Lynne Rienner Publishers, 1999), p. 164. 90 Zehfuss, p. 5.
عبر انحيازه الصريح إلى معسكر العقلانية، وإلى الواقعية على وجه التحديد. لكن هذا الانحياز، الذي يُفهَم أحيانًا تخلّيًا عن روح البنائية كما وُلدت في كتابات أونوف، لم يشفع لونت ولم يَقهِ انتقادات الواقعيين أنفسهم. يقول جيرار ديسوا: "لا أحد يدهش من أن ونت تعرّض لانتقادات أولئك الذين سبق له أن دان منهجهم. لكن يجب أن نضيف أنه وجد نفسه معزولًا في التيار ما بعد الوضعي، وما بعد العقلاني. عمومًا، لقد وقف الجميع ضده"91. ليس هذا مقامًا للتوسع والتفصيل في الانتقادات التي استهدفت ونت وبنائيته، بل البنائية عمومًا92؛ ففي عام 2006، أي في غضون أقل من عقد من صدور كتابه نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، صدر كتاب جماعي بعنوان البنائية والعلاقات الدولية: ألكسندر ونت ونقاده93، يضم مجموعة من الفصول التي تناولت مشروع ونت، والبنائية عمومًا، بالنقاش والنقد، وكتب ونت فصلًا ختاميًا للرد عليها، بعنوان "كتاب نظرية اجتماعية بوصفه علمًا ديكارتيًا: نقدٌ ذاتيّ من منظور كوانتي"94. وقد أشار فيه إلى أنه يشعر بشيء من الحرج في الرد على نقاد كتابه، لأنه كان قد شرع في مراجعة حجاجه من أساسه. وفي حين يجد نفسه على اتفاق معهم أحيانًا، فإنه لا يزال مختلفًا معهم أحيانًا أخرى، لكن ذلك ليس للأسباب القديمة التي كانت وليدة النقاشات التي تلت صدوره. وبناءً عليه، قدّم ونت "نقدًا ذاتيًا" للكتاب من منظور كوانتي Perspective Quantum A، مغاير للنقاشات السائدة حينئذ بشأن البنائية في حقل العلاقات الدولية. ربما كانت تلك إشارة، غير صريحة في ذلك الوقت، إلى شروع ونت في الابتعاد عن مشروعه البنائي. وقد أكد ذلك بنفسه بعد زهاء عشرين سنة من كتابته هذا الرد. ففي خطاب نيله، رفقة فينمور، جائزة يوهان سكايت للعلوم السياسية عام 2023، أشار إلى أنه "ترك مجال البنائية حوالى عام 2004"، وأنه " كتب، عام 2006، نقدًا ذاتيًا لأعماله من منظور كوانتي"95. وأدى به ذلك إلى تأليف كتاب عن العلوم
91 جيرار ديسوا، دراسة في العلاقات الدولية، الجزء الثاني: النظريات البيدولتية، ترجمة قاسم المقداد (دمشق: دار نينوى، 2015)، ص.228-227 92 يصعب إحصاء الأدبيات التي تناولت هذه الانتقادات، وللاطلاع على تكثيف جيد لها باللغة العربية، ينظر: المرجع نفسه، ص.286-193 93 Stefano Guzzini & Anna Leander (eds.), Constructivism and International Relations: Alexander Wendt and His Critics (London: Routledge, 2006). 94 Alexander Wendt, "Social Theory as Cartesian Science: An Auto- critique from a Quantum Perspective," in: Guzzini & Leander (eds.), pp. 178-216. 95 Martha Finnemore & Alexander Wendt, "When 'Old' Constructivism Was New: Reflections on Classical Constructivism," Perspectives on Politics , vol. 22, no. 4 (December 2024), p. 1249.
الاجتماعية الكوانتية، صدر عام 201596. وفي مقابلة له عام 2023 أيضًا، ذكر أنه لم يرغب في أن يمضي مزيدًا من الوقت في الدفاع عن حججه البنائية. أولًا، لأنّه شعر أن النقاش بشأن البنائية قد بلغ أقصاه؛ إذ يقول: "من الواضح أنني كنت ناجحًا، وأن نسختي من البنائية باتت سائدة. في التسعينيات، كان البنائيون ممن أعرفهم يرون في البنائية شيئًا أيديولوجيًا له سمة تبشيرية تتعلق بتغيير العالم. ولكنني في حدود عامَي 2004 و 2005، خرجت في مؤتمرات علنية أعلنت فيها أنني خارج إطار البنائية. وبما أنني كتبت كتابًا طويلًا بشأنها، فإنني أردت أن أفعل شيئًا مختلفًا". وهذا ما أكدّه أيضًا في مقابلة أخرى، حين قال: "لقد أدليت بدلوي في كتابي الأول، وقلت كل ما أريد قوله [...] لقد انتابني الملل حيال ذلك. وأنا أكتب كتابي الأول دارت في خلدي مسبقًا الانتقادات الممكنة والنقاشات اللانهائية التي قد تخوض فيها أطروحة الكتاب؛ وبناءً على ذلك،
اتخذت قرارًا بأّلا أمضي بقية حياتي الأكاديمية في الدفاع عّما كتبته في الثلاثينيات من عمري". وثانيًا، لأنه عثر على شعلة جديدة متقدة من الشغف في العلوم الاجتماعية الكوانتية، ورأى فيها مقاربة واعدة للسياسة الدولية97. ربما يلقي ذلك ضوءًا على جانب سوسيولوجي مهم في سيرورة الجماعات العلمية، خاصة في العلوم الاجتماعية، ويمكننا أن نسميه مجازًا سمة الاجتماع المعرفي (على غرار الاجتماع البشري في أدبيات عبد الرحمن بن خلدون)، إذ لا تخلو سيرورة التفاعل والتبادل والتنازع بين المنظرين من تحيزاتهم الذاتية والنفسية والاجتماعية وغيرها. ومنه، يمكن الادعاء أن ما يُعَدّ إخفاقًا في مشروع ونت للتوفيق بين العقلانيين والتأمليين لا يعود إلى تحيزاته الإبستيمولوجية فحسب، بل إنه يعود إلى أن مساعي التوفيق بين المواقف النظرية أيضًا، خاصة المتمترسة إبستيمولوجيًا، تكون شاقة، وغالبًا ما لا تحقق
96 Alexander Wendt, Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology (Cambridge: Cambridge University Press, 2015). وعام 2022، حرر ونت رفقة جيمس دردريان كتابًا آخر في الاتجاه نفسه، عنوانهالعلاقات الدولية الكوانتية: علم إنساني من أجل السياسة العالمية. ينظر: James Der Derian & Alexander Wendt (eds.), Quantum International Relations: A Human Science for World Politics (Oxford: Oxford University Press, 2022). 97 ينظر: سارة ناصر، "ألكسندر ونت"، موسوعة المعارف العربية - أرابيكا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، [قيد النشر]. وحين عرضنا، في دورية سياسات عربية، على ونت فكرة كتابة ورقة لهذا العدد الخاص، اعتذر بكل لطف وتقريبًا للسبب نفسه، قائلًا
إن "سنوات عديدة مرّت منذ أن اهتم بالبنائية، بوصفها مشروع نظرية كبرى، ثم انتقل
منذ زمن إلى مشروعه الكوانتي". لكنه أشاد بأن "مجموعةً من باحثي العلاقات الدولية العرب يعملون جماعيًا على تقييم مسائلَ في نظرية العلاقات الدولية"، قائلًا: "إن هذا لمأرٌ
لم يسبق له مثيلٌ على حدّ علمي!". ثم أضاف: "هل من الممكن أن تنضم مدرسة عربية إلى المدارس الصينية الناشئة والإنكليزية القديمة؟ على أي حال، أعتقد أن البنائية مدخل ممتاز لتأملاتكم". ألكسندر ونت، بريد إلكتروني إلى الباحث،.2021/8/25
مبتغاها. إن إرضاء الناس، ولا سيما المنِّرظِين منهم، غاية لا تُدرك. فكأن من يلتزم خطوط الانقسام والاستقطاب يحظى بالترحيب (على الأقل ممن يصطف إلى جانبهم)؛ في حين أن من يجتهد، ولو أخطأ، للحدّ من الاستقطاب يدينه هؤلاء وأولئك على حد سواء. وهذا ربما يفسر "شعور ونت بالملل" وقراره: "أّلا أمضي بقية حياتي الأكاديمية في الدفاع عّما كتبته في الثلاثينيات من عمري".
ما من شك في أن مشروع ونت الكوانتي الجديد يستحق الانتباه والتأمل، لكن هذه الدراسة ليست المقام المناسب لذلك. ما نودّ التركيز عليه ههنا هو الحجاج بأنّ حركة الابتعاد بين البنائية وونت لم تكن في اتجاه واحد؛ فهو لم يكن وحده الذي ابتعد عن البنائية، بل إن البنائية نفسها اتخذت مسالك شتى بعيدًا عن نسخته العقلانية الوضعية98. ولا شك أيضًا في أنّ الأدبيات البنائية (في عمومها، وبصرف النظر عن الأسباب) لا تزال متناثرة، وغير متسقة، ولا تمثل حالة نموذجية للنظرية في شكلها التقليدي الذي تمثّله نظريات مثل الواقعية الجديدة بمختلف تياراتها، أو المؤسساتية الليبرالية الجديدة99. ومن الإجحاف القول إنّ هذه الميزة تمثل عيبًا من عيوبها، إذا أخذنا في الحسبان ما ابتليت به من شقاق واختلاف على نحو ما بيّناه في المباحث الثلاثة السابقة من الدراسة. ومن الإجحاف أيضًا الاستمرار في تحميل ونت ورفاقه من البنائيين التقليديين مسؤولية ذلك؛ فهم في نهاية المطاف لا يمثلون سوى
98 مع ذلك، ينبغي دومًا تأكيد أن حركة الابتعاد هذه، في الاتجاهين، حدثت من دون أن تختفي بنائية ونت من النقاش ضمن البنائية، فهي تظل مرجعية في دراسة المسالك المختلفة، سواء تلك التي تمسكت ببنائيته أو التي تحفظت عنها. 99 للاطلاع على مناقشة بشأن هذه المسألة، ينظر: Chris Brown, "The Poverty of Grand Theory," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3 (2013).
تايار واحد ضمن البنائية. ولا ريب أيضًا في أنّ أعمالهم ألهمت جيل كاملًا من الباحثين وما زالت تلهمهم100، وبعضهم لا يصِّنِف نفسه بنائيًا، لتطوير مقاربات أشد تنوعًا، سواء ضمن التيارات النقدية نفسها، أو ما بعد الكولونيالية، أو النسوية، أو غيرها ممّن أطلق عليهم ديفيد ماكورت اسم البنائيين الجدد101؛ في حين أطلق ونت وفينمور هذا الاسم على كل البنائيين الذين يركزون على العمليات، في مقابل الذين يركزون على البنى102 (وونت نفسه من بين هؤلاء). هذا من دون أن نغفل عن دور ونت الفارق في تاريخ الحقل برمّته، ويشهد له أونوف بأنّ مقالته، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، ساهمت "في تقديم البنائية إلى العديد من الباحثين أكثر مما فعل كتاب [أونوف] عالم من نصعنا على الإطلاق"، وأنه "ساهم في إضفاء الشرعية على الحركة البنائية ومنحها زخمًا "، فضلًا عن تحويل "البنائية من حركة هامشية إلى سمة مميزة للحقل، اليوم وفي المستقبل المنظور"103. لقد استمرت البنائية في الازدهار بعيدًا عن ونت ومشروعه المبكر لتجسير الفجوة بين العقلانية الوضعية والتأملية ما بعد الوضعية. ولا يعني ذلك أن الفضل في ازدهارها يعود إلى ابتعادها عنه أو ابتعاده عنها، بل سأحاجّ بأنّ ثلاثة عوامل رئيسة ساهمت في ذلك. لكن قبل مناقشة هذه العوامل، ينبغي سبر ما ينضوي تحت لواء "البنائية الجديدة"، وهو وسمٌ أطلقه ماكورت عامَي 2016104 و 2020105،
100 ينظر، على سبيل المثال، كيف أعاد بعض البنائيين الجدد مراجعة أطروحات أونوف (وكراتوشفيل أيضًا) بشأن القواعد والمعايير ودور اللغة: Harry Gould (ed.), The Art of World- Making: Nicholas Onuf and His Critics (London: Routledge, 2017); Tanja E. Aalberts, Constructing Sovereignty between Politics and Law (Abingdon: Routledge, 2012); Mark Raymond, Social Practices of Rule- Making in World Politics (New York: Oxford University Press, 2019); Mark Raymond, "Social Practices for Rule- Making for International Law in the Cyber Domain," Journal of Global Security Studies , vol. 6, no. 2 (2020); ينظر أيضًا الكتاب الجماعي الذي خُصص، عام 2017، لمراجعة أطروحات أونوف، الذي يُعّد تثمينًا لها حتى إن اختار له محرره عنوانًا شبيهًا بعنوان الكتاب الذي خُصص عام 2006 لنقد أطروحات ونت: Harry D. Gould (ed.), The Art of World-Making: Nicholas Greenwood Onuf and His Critics (London: Routledge, 2017). 101 ينظر: David McCourt, "Practice Theory and Relationalism as the New Constructivism," International Studies Quarterly , vol. 60, no. 3 (2016); David McCourt, The New Constructivism in International Relations Theory (Bristol: Bristol University Press, 2022). 102 Finnemore & Wendt, p. 1261 (note 6). 103 ينظر في هذا العدد: أونوف، ص.26 104 McCourt, "Practice Theory and Relationalism as the New Constructivism." 105 McCourt, The New Constructivism in International Relations Theory.
ووافقه عليه ونت وفينمور عام 2024106. وقبل ذلك أيضًا، ينبغي الإشارة إلى أن نعت "الجديدة" (بالإنكليزية New وليس Neo) لا يقدم ثنائية أخرى تضاف إلى الثنائيات التي سبقت مناقشتها. ففي مقابلها، تأتي البنائية "القديمة" Old، حتى إن فَّضَ ل ونت تسميتها كلاسيكية107، ولعله محقّ في ذلك. إنها ليست تقليدية Conventional مثلما توحي به الثنائيات التي تناولناها سابقًا، القائمة على الاستقطاب والإقصاء المتبادل، مثل التقليدية والنقدية أو الحداثية وما بعد الحداثية. تضمّ البنائية الجديدة عددًا كبيرًا متزايدًا من الباحثين الملتزمين بروح المشروع البنائي، بصرف النظر عن الخلافات التي حلّت لاحقًا بين التقليديين الحداثيين والنقديين ما بعد الحداثيين من جيل البنائيين الأول. لقد سلك البنائيون مسالكَ عديدة قد تتعدد بتعدد السالكين، لكنها تتبدى في نهاية المطاف أشبه بمسالك متجاورة ضمن طريق واحدة أوسع. فإضافةً إلى استمرار العمل على المشاريع الجزئية المألوفة في التقليد البنائي، مثل الثقافة والهوية والمعايير، تطورت مشاريع بارزة أخرى، مثل نظرية الممارسة108، والعلائقية109، والأمن الأنطولوجي110، والأمننة111، ودراسة
106 Finnemore & Wendt. 107 يسميها كذلك تشبيهًا لها بالفيزياء الكلاسيكية أو الاقتصاد الكلاسيكي أو الواقعية الكلاسيكية. وهي كلّها تحتفظ، على الرغم من أنها أقدم من خليفتها، بقيمتها المعرفية ضمن مجالها المعرفي الأوسع؛ فكر في الاقتصاد "الكلاسيكي الجديد". ينظر: Finnemore & Wendt, pp. 1260-1262. 108 Emanuel Adler & Vincent Pouliot, "International Practices," International Theory , vol. 3, no. 1 (2011); Ted Hopf, "Common-sense Constructivism and Hegemony in World Politics," International Organization , vol. 67, no. 2 (2013); Séverine Autoserre, Peaceland: Conflict Resolution and the Everyday Politics of International Intervention (Cambridge: Cambridge University Press, 2014); Lise Morjé Howard, "US Foreign Policy Habits in Ethnic Conflict," International Studies Quarterly , vol. 59, no. 4 (2015); Christian Bueger & Frank Gadinger, International Practice Theory (Houndmills: Palgrave Macmillan, 2014). 109 Milja Kurki, International Relations in a Relational Universe (Oxford: Oxford University Press, 2020); Jackson Patrick Thaddeus & Daniel H. Nexon, "Relations before States: Substance, Process and the Study of World Politics," European Journal of International Relations , vol. 5, no. 3 (1999). 110 Brent J. Steele, Ontological Security in International Relations: Self–Identity and the IR State (New York: Routledge, 2008); Brent J. Steele, "Ontological Security and the Power of Self-Identity: British Neutrality and the American Civil War," Review of International Studies , vol. 31, no. 3 (2005); Jennifer Mitzen, "Ontological Security in World Politics: State Identity and the Security Dilemma," European Journal of International Relations , vol. 12, no. 3 (2006); Nina C. Krickel–Choi, "The Concept of Anxiety in Ontological Security Studies," International Studies Review , vol. 24, no. 3 (2022); Bahar Rumelili, "Integrating Anxiety into International Relations Theory: Hobbes, Existentialism, and Ontological Security," International Theory , vol. 12, no. 2 (2020); أدهم صولي، "بين الهوية والقلق والحرب: حزب الله وتراجيديا غزة"، عمران، مج 94، العدد 111 تأسس مشروع أبحاث الأمننة منتصف التسعينيات، لكنه استمر في جذب اهتمام باحثي الدراسات الأمنية ولا يزال كذلك.
العاطفة في السياسة الدولية112، ودراسة الزمن في السياسة العالمية113، وعودة التحليل النفسي في العلاقات الدولية114، والتحول نحو المقاربة الكوانتية للسياسة الدولية115، وغير ذلك. وحتى المشاريع التقليدية شهدت، أيضًا، تطويرًا ملحوظًا لأطروحاتها مع تطور الأبحاث الإمبريقية المرتبطة بها؛ والمثال الأوضح على ذلك مقاربة آدلر للجماعات الأمنية Security Communities116 التي تأثرت بنظرية الممارسة، لتتطور إلى.117جماعات الممارسة Communities of Practice وعلى مستوى المنهج، اتسع نطاق المقاربات البنائية ليشمل المناهج الكمية جنبًا إلى جنب مع المناهج الكيفية118. وقد طور بنائيون كثُر البنائية بوصفها برنامجًا بحثيًا إمبريقيًا؛ فتجاوزوا بذلك المجالات التقليدية، التي اقتصرت على الأبحاث الكيفية، مثل الدراسات الأمنية119 والاقتصاد السياسي الدولي120 والحوكمة العالمية121.
112 Neta Crawford, "The Passion of World Politics," International Security , vol. 24, no. 4 (2000); Janice Bially Mattern, Ordering International Politics: Identity, Crisis, and Representational Force (New York: Routledge, 2005); Janice Bially Mattern, "A Practice Theory of Emotion for International Relations," in: Emanuel Adler & Vincent Pouliot (eds.), International Practices (Cambridge: Cambridge University Press, 2011); Andrew A.G. Ross, Mixed Emotions: Beyond Fear and Hatred in International Conflict (Chicago: Chicago University Press, 2014); Marcus Holmes, "Believing This and Alieving That: Theorizing Affect and Intuitions in International Politics," International Studies Quarterly , vol. 59, no. 4 (2015); Emma Hutchison, Affective Communities in World Politics: Collective Emotions after Trauma (New York: Cambridge University Press, 2016). 113 Kimberly Hutchings, Time and World Politics (Manchester: Manchester University Press, 2013). 114 John Cash, "Psychoanalysis, Cultures of Anarchy, and Ontological Insecurity," International Theory , vol. 12 (2020). 115 Der Derian & Wendt (eds.). 116 Emanuel Adler & Michael Barnett (eds.), Security Communities (Cambridge: Cambridge University Press, 1998). 117 Adler & Pouliot, International Practices ; Emanuel Adler, World Ordering: A Social Theory of Cognitive Evolution (Cambridge: Cambridge University Press, 2019).
118 ينظر مثل:ا
J. Samuel Barkin & Laura Sjoberg (eds.), Interpretive Quantification: Methodological Explorations for Critical and Constructivist IR (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2017).
119 ينظر في هذا العدد: عبد النور بن عنتر، "الأمن من منظور بنائي: الأمن هو ما تصنعه الدول منه"، سياسات عربية، مج 13، العدد 73 (آذار/ مارس)، ص.82-56 120 ينظر مثلًا:
Peter Katzenstein & Stephen Nelson, "Reading the Right Signals and Reading the Signals Right: IPE and the Financial Crisis of 2008," Review of International Political Economy , vol. 20, no. 5 (2013); Stephen Nelson & Peter Katzenstein, "Uncertainty, Risk, and the Financial Crisis of 2008," International Organization , vol. 68, no. 2 (2014).
121 ينظر مثل:ا
Ian Hurd, After Anarchy: Legitimacy and Power in the United Nations Security Council (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2007); Michael Barnett & Martha Finnemore, Rules for the World: International Organizations in World Politics (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2004);
وعن التطورات المنهجية في برنامج البحث البنائي، ينظر:
Finnemore & Wendt, pp. 1257-1259.
وتبدي البنائية الجديدة انفتاحًا متزايدًا على النماذج الحاسوبية المنسجمة مع المنطلقات الفلسفية التي تقوم عليها البنائية122؛ فقد بّين ماكورت، على سبيل المثال، أهمية استخدام نموذج تحليل البيانات Multiple Correspondence Analysis المتغيرات المتعددة وأهميته123. وإضافة إلى ذلك، يمكن أن يستخدم البنائيون الجدد مناهج أخرى مثل تحليل الشبكات Network Analysis124. وإذ يعيد ماكورت تأكيد ملاءمة الفلسفة البنائية مسوّغًا لاستخدام مثل هذه المناهج والنماذج، فإنه يشدد أيضًا على أن كثيرًا من البنائيين الجدد لا يرون في تعلّمها ضرورة، لكن استخدامها ممكن ولا ينبغي أن تحول دونه معايير صارمة يفرضها الاختصاص125. وهذا ما يجعل البنائية الجديدة برنامجًا بحثيًا تقدميًا. وفضلًا عن ذلك، ينافح البنائيون الجدد عن فكرة أن المناهج ينبغي أن تُصمَّم لتناسب مشكلات البحث، لا العكس؛ فلا ينبغي أن يتبنى الباحث منهجًا ناجزًا فقط لأنه المنهج الذي "يُفترض" أن يتبناه126. أما من الناحية الإبستيمولوجية، وعلى الرغم من أن البنائية (أو البنائيات، مرة أخرى) الجديدة لا تزعم أنها تتخذ موقفًا إبستيمولوجيًا بعينه، فإنها تتسم، في نظر ماكورت، بأنها عملية (بمعنى أنها تأخذ نظرية الممارسة على محمل الجد)، وعلائقية، وتاريخية، وتأملية127، وهو ما يكسبها نفوذًا في العديد من البرامج البحثية الناشئة، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مثل الدراسات الأمنية النقدية128، والجيوسياسية النقدية129، ودراسات الإرهاب النقدية130، ودراسات الاستخبارات
122 McCourt, p. 110. 123 Ibid., pp. 100-106. 124 Hafner- Burton, Emilie M., Miles Kahler & Alexander H. Montgomery, "Network Analysis for International Relations," International Organization , vol. 63, no. 3 (2009). 125 McCourt, p. 110. 126 Ibid., p. 109. 127 Ibid., p. 51. 128 ينظر في هذا العدد: بن عنتر، ص.82-56 129 Rebin Fard, "Towards a New Concept of Constructivist Geopolitics: Bridging Classical and Critical Geopolitics," Central European Journal of International and Security Studies , vol. 15, no. 1(2021). 130 Rainer Hülsse & Alexander Spencer, "The Metaphor of Terror: Terrorism Studies and the Constructivist Turn," Security Dialogue , vol. 39, no. 6 (2008); Alexander Spencer, "The Social Construction of Terrorism: Media, Metaphors and Policy Implications," Journal of International Relations and Development , vol. 15, no. 3 (2012).
النقدية131، والدراسات الشرطية النقدية132، وغيرها من البرامج البحثية التي يزعم بعضها لنفسه حالة الحقل المعرفي المستقل عن نظيره التقليدي (غير النقدي). نختم الدراسة بالحجاج بأنّ ثلاثة عوامل أدت إلى ازدهار البنائية (الجديدة) خلال السنوات الأخيرة، بالرغم من الانتقادات التي وُجّهت إلى ونت والإخفاق الذي مُنِيَ به مشروعه، رفقة بنائيين آخرين، لتجسير الفجوة بين العقلانيين الوضعيين والتأمليين ما بعد الوضعيين. وهذه العوامل الثلاثة متشابكة، ينتج بعضها بعضًا ويعززه. العامل الأول هو تراجع حدة الاستقطاب الإبستيمولوجي في حقل العلاقات الدولية؛ والثاني هو صعود الواقعية النقدية Realism Critical فلسفةً لعلم العلاقات الدولية؛ والثالث هو تزايد الاهتمام بالانتقائية التحليليةEclecticism مخرجًا من مأزق النظرية الكبرى في حقل العلاقات الدولية. لقد سبق أن ناقشنا جوهر هذه العوامل الثلاثة133، ولا يتسع المقام للتعمق فيها أكثر، لكننا مهتمون هنا بإبراز كيفية مساهمة البنائية (بتياراتها المبكرة أو الكلاسيكية، بحسب وصف ونت، والجديدة) في هذه الحركات الثلاث، فضلًا عن كيفية مساهمة هذه الحركات في ازدهار البنائية خلال السنوات الأخيرة. أولًا، عام 2013، نشرت الدورية الأوروبية للعلاقات الدولية عددًا خاصًا عن "نهاية نظرية العلاقات الدولية"، أعلن فيه محرروه، تيم دان ولين هانسن وكولين وايت، صراحةً أنّ "الحروب بين البردايمات قد وضعت أوزارها"، وأنّ حقل العلاقات الدولية قد استقر في حقبة من "السلام النظري". واستدلوا على ذلك بخبرتهم في تحرير هذه الدورية في المدة 2013-2008، إذ لاحظوا تراجعًا حادّا في النقاشات النظرية عبر البردايمات المتضاربة والمتمايزة إبستيمولوجيًا134. يعدّ ونت - ويا للمفارقة! - من بين أبرز الذين دفعوا إلى تراجع حدة الاستقطاب الإبستيمولوجي في الحقل (وفي رأينا، هذا دافع من دوافع الشعور بالنجاح الذي انتابه وهو يغادر البنائية، حتى
131 Samantha Newbery & Christian Kaunert, "Critical Intelligence Studies: A New Framework for Analysis," Intelligence and National Security , vol. 38, no. 5 (2023); Hamilton Bean, Peter de Werd & Cristina Ivan, "Critical Intelligence Studies: Introduction to the Special Issue," Intelligence and National Security , vol. 36, no. 4 (2021). 132 Howard Ryan, "Critical Policing Studies: Toward a 'Fully Social' Framework," Critical Criminology , vol. 31, no. 3 (2023). 133 محمد حمشي، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.418-379 134 Tim Dunne, Lene Hansen & Colin Wight, "The End of International Relations Theory?" European Journal of International Relations , vol. 19, no. 3
إن لم يَعِ ذلك). ففضلًا عن دعوته إلى المصالحة (وإن كانت صعبة، لكنها ليست مستحيلة) بين الإبستيمولوجيا الوضعية والأنطولوجيا الاجتماعية، ما دفع كثيرًا من البنائيين، المتقدمين والمتأخرين، نحو الانخراط في أبحاث إمبريقية، شدد ونت في وقت مبكر على أن الشغل الشاغل في حقل العلاقات الدولية ينبغي أن ينصرف إلى تحسين فهمنا لآلية عمل العالم، لا إلى الانشغال بكيفية معرفتنا لتلك الآلية. فما يهمنا هو الأنطولوجيا لا الإبستيمولوجيا، ولا يعني هذا غياب أسئلة إبستيمولوجية (ينبغي أن تكون) مثيرة لاهتمام الحقل المعرفي135، ولكن من الأفضل أن يتعامل مع هذه الأسئلة فلاسفة وعلماء متخصصون في مجال علم اجتماع المعرفة، لا علماءُ السياسة. ويذكّرنا ونت بأنّ الخوض في مسائل إبستيمولوجيا نظريات العلاقات الدولية يشتت انتباهنا ويصرفنا عن العمل الحقيقي الذي ينبغي الانشغال به، وهو العلاقات الدولية في حدّ ذاتها، وأنّ نقاشاتنا ينبغي أن تنصبّ على قضايا الدرجة الأولى (الموضوع في حدّ ذاته)، وأّلا تنصبّ على قضايا الدرجة الثانية (المنهج)136. كانت تلك دعوة صريحة إلى التخّلي عن حالة استقطاب الحقل ضمن حروب بين البردايمات Wars Paradigm. وللخروج من حالة الاستقطاب هذه، دعا ونت الوضعيين وما بعد الوضعيين، على حد سواءٍ، إلى حوارٍ ودّي على أساس قاعدة الاعتراف المتبادل بالأسئلة التي يفضّ لها كل طرف؛ مشِّدِدًا على أنه إذا أريد لعلم السياسة (وحقل العلاقات الدولية نتيجةً لذلك) أن يكون نقديًا وتأمليًا، فلا بد من أنه سيكون في حاجة إلى كِّلِ / أِّيِ شكل من أشكال المعرفة التي يمكنه الحصول عليها137. ونتصور أن كثيرًا من البنائيين، بعد نهاية حروب البردايمات هذه، تفرغوا للبحث بحرية أكبر، بدلًا من الاستمرار في الدفاع عن خياراتهم الإبستيمولوجية، سواء ضمن مشروع المنطقة الوسطى بين الوضعية وما بعد الوضعية أو خارجه. وفي هذا السياق، ربما، تأتي ملاحظة أونوف القائلة إن جمهور ونت كان من "الجيل الجديد الذي صقلته الأحداث لا النقاشات"138. ثانيًا، أفسح ونت مج لًا لولوج تأملات مبكرة حول ضرورة إقحام فلسفة واقعية نقدية في حقل العلاقات الدولية، وهي كما يدل اسمها، صيغة نقديةٌ من الواقعية العلميةScientific Realism التي تبنّاها ونت، وعلى أساسها بنى أطروحته الرئيسة في كتاب نظرية اجتماعية
135 هذا خلاف ما يذهب إليه معظم الواقعيين الذين يعدّون النقاشات الإبستيمولوجية سخيفة ومشتّتة للانتباه. ينظر في هذ العدد: أونوف، ص.27 136 Alexander Wendt, "On Constitution and Causation in International Relations," Review of International Studies , vol. 24, no. 5 (1998), p. 115. 137 Ibid., p. 117. 138 ينظر في هذ العدد: أونوف، ص.27
للسياسة الدولية139، والتي يحاجّ كولين وايت وميليا كوركي بأنها أدت دورًا مهًّما في تطوير البنائية، على الرغم من أنها لم تحظ بتأييد جميع البنائيين، وعلى الرغم أيضًا من الانتقادات التي تعرّض لها ونت بحجة أن واقعيته العلمية هي التي حالت دون ابتعاده على نحو كافٍ عن حدود النقاش الثالث وأبقته ملتزمًا بنسخة معَّدَلة من الوضعية140. يقدّم الواقعيون النقديون أنفسهم بوصفهم نسبويينRelativists من الناحية الإبستيمولوجية، ويجادلون بأن ما من موقف إبستيمولوجي يملك الأولوية في بناء المعرفة؛ فثمة دائمًا طرائق كثيرة يمكن من خلالها التوصل إلى معرفة العالم. لكن هذا لا يعني أن وجهات نظرهم كلها صحيحة بالدرجة نفسها، وهُم يؤمنون بإمكانية الحكم عقلانيًا على الادعاءات المعرفية المتنافسة. المهم بالنسبة إلى العلوم هو أنّ أيّ/ كلّ ادعاءٍ يظل قابلًا لأن تتحداه ادعاءات أخرى، ما يؤكد وجوب استناد العلوم إلى الالتزام بالنقد المستمر، بدلًا من الالتزام بالإصرار الدوغمائي على صحة ادعاءاتها. ومن الناحية المنهجية، يتخذ الواقعيون النقديون موقفًا تعدديًا إزاء المواقف والخيارات المنهجية. ولأن العالم الاجتماعي شديد التعقد من الناحية الأنطولوجية، فمن الأفضل أّلا يحصر الباحث أساليب البحث في الاستدلال المسبق141. لا نزعم، في هذا السياق، أننا نَسِم بالواقعيةِ النقديةِ البنائيةَ على النحو الذي تطورت به بعيدًا عن ونت، لكنّ ملاحظةً مقارِنةً بسيطةً بين محتوى أبرز ثلاثة كتب نشُرت عن المنهجيات البنائية، خلال أقل من عقد ونصف على مغادرة ونت للبنائية، تخبرنا بالكثير عن التحولات الإبستيمولوجية (والمنهجية بالنتيجة) التي شهدها برنامج البحث البنائي، توسيعًا وتعميقًا وتوليفًا بين إبستيمولوجيات لم يكن بينها في الماضي حوارٌ يُذكر. نُِشر الكتاب الأول عام 2007، وهو استراتيجيات
139 Wendt, Social Theory of International Politics , pp. 47-91. 140 ينظر: ميليا كوركي وكولين وايت، "العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية"، في: نظريات العلاقات الدولية، ص.97-91 141 لا يسمح مجال الدراسة بتوسع أكثر في هذا الشأن. ويمكن العودة إلى: حمشي، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية؛ Milja Kurki, Causation in International Relations: Reclaiming Causal Analysis (Cambridge: Cambridge University Press, 2008); Milja Kurki, "Critical Realism and Causal Analysis in International Relations," Millennium , vol. 35, no. 2 (2007); Colin Wight, Agents, Structures and International Relations: Politics as Ontology (New York: Cambridge University Press, 2006); Heikki Patomäki, After International Relations: Critical Realism and the (Re) construction of World Politics (London/ New York: Routledge, 2002); Heikki Patomäki & Colin Wight, "After Post-Positivism? The Promises of Critical Realism," International Studies Quarterly , vol. 44, no. 2 (2000); Heikki Patomäki, "How to Tell Better Stories about World Politics," European Journal of International Relations , vol. 2, no. 1 (1996).
للبحث في حقل العلاقات الدولية البنائي142، بينما نُِشر الكتاب الثاني بعده بعشر سنوات، وهو التكميم التأويلي: كشوف منهجية من أجل حقل العلاقات الدولية النقدي والبنائي143. وبعد ثلاث سنوات، نُِشر كتاب البنائية التكتيكية والمنهج والعلاقات الدولية144. وحتى من لم يحمله الفضول على تصفّح هذه الكتب، يكفيه أن يتأمّل عنوان الكتاب الثاني، التكميم التأويلي Interpretive Quantification ليدرك حدود جرأة البنائيين الإبستيمولوجية في التوليف بين الكمّي والتأو ليي. وإذا كنّا لا ندّعي أننا نَسِم البنائية بالواقعية النقدية، فإننا نزعم، بالنظر إلى ما وقفنا عليه من تطورات وتحولات في أبحاث البنائية الجديدة أنّ البنائية باتت قاب قوسين أو أدنى من تعريف أونوف، المؤسس للبنائية، نظرية اجتماعية تستند إليها نظريات السياسة الدولية145. ثالثًا، شهد حقل العلاقات الدولية، مع بداية القرن الحادي والعشرين، صعود الانتقائية التحليلية؛ وهي، في أبسط تعريفاتها وأدقّها، مقاربةٌ لممارسة البحث تشجّع على "استخراج العناصر التحليلية – المفاهيم والمنطلقات والميكانيزمات السببية والتفسيرات – الخاصة بالنظريات أو السرديات التي جرى تطويرها ضمن بردايمات منفصلة، ونقلها ودمجها بصورة انتقائية، لكن على أن تتناول الجوانب ذات الصلة بمشكلات جوهرية لها أهمية علمية وعملية"146. لقد بدا حًّقًا أن حقل العلاقات الدولية، على الرغم من أنه ما يزال منظمًا حول تقاليد بحثية محددة، لكل منها التزاماته الإبستيمولوجية ومفرداته النظرية ومعاييره البحثية، يشهد نزعة متزايدة، حتى بين بعض من يُعرَف عنهم التزامهم بتقاليد بحثية معيّنة، للإقرار بالحاجة إلى إدماج عناصر تحليلية من مقاربات أخرى (مختلفة)147.
142 Audie Klotz & Cecelia Lynch, Strategies for Research in Constructing International Relations (Armonk, NY: M. E. Sharpe, 2007). 143 Barkin & Sjoberg (eds.), Interpretive Quantification: Methodological Explorations for Critical and Constructivist IR. 144 Brent J. Steele, Harry D. Gould & Oliver Kessler (eds.), Tactical Constructivism, Method, and International Relations (London: Routledge, 2020). 145 Nicolas Onuf, "Constructivism: A User's Manuel," in: Vendulka Kusalkova, Nicholas Onuf, Paul Kowert (eds.), International Relations in a Constructed World (London: Routledge, 1998), pp. 58-78. 146 Rudra Sil & Peter J. Katzenstein, Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics (New York: Palgrave Macmillan, 2010), p. 10; للاطلاع على مناقشة مفصّلة عن الانتقائية التحليلية، ينظر: محمد حمشي، "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية"، سياسات عربية، مج 5، العدد 28 (أيلول/ سبتمبر 2017)؛ وينظر أيضًا السجال بشأن إمكانيات الانتقائية التحليلية وحدودها، في: سيد أحمد قوج ليي، "أفول النظرية الكبرى: نقد الانتقائية التحليلية"، سياسات عربية، مج 10، العدد 56 (أيار/ مايو 2022)؛ محمد حمشي، "الانتقاُئّيُ التحليُلّيُ والنظريات الكبرى: زَّهَار أم نحلة؟ 'مِن
كل بستانٍ زهرةٌ' أم 'شرابٌ مختلفٌ ألوانُه فيه شفاءٌ للناس'؟"، سياسات عربية، مج 10، العدد 65 (أيار/ مايو.)2022 147 حمشي، "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية"، ص.49
كان رودرا سيل وبيتر كاتزنشتاين، على حدّ علمنا، أوّل من توسّع في تقديم الانتقائية التحليلية إلى حقل العلاقات الدولية148. ونشدّ ههنا انتباه القارئ إلى ملاحظتين: الأولى هي أنّ كاتزنشتاين (-1945) بناٌئّيٌ من الرعيل الأول من مؤسسي البنائية؛ والثانية هي أنهما حين قدّما الانتقائية التحليلية إلى الحقل مشفوعة بنماذج من أعمال تتوسل بها في البحث، اقترحا ثلاثة نماذج هي: كتاب جون كامبال، التغير المؤسساتي والعولمة149؛ وكتاب روبرت جرفيس، السياسة الخارجية الأميركية في حقبة جديدة150؛ وكتاب مايكل بارنيت ومارثا فينمور، قواعد من أجل العالم: المنظمات الدولية في السياسة العالمية151؛ ومن بين هؤلاء بارنيت وفينمور، وهما بنائيان من الجيل المبكر الذي طوّر البنائية بعد أونوف وكاتزنشتاين وكراتوشفيل وونت. وأما جرفيس فيُعَدّ، وهو كذلك بحق، من أبرز منظري العلاقات الدولية المخضرمين الذي أَّثَروا في التأملات البنائية المبكرة، من خلال أعماله عن الإدراك وسوء الإدراك Mis)perception(في السياسة الدولية152. مع ذلك، قد يكون من الصعب، في غياب دراسة معمقة، الادعاءُ أنّ الفضل في صعود الانتقائية يعود إلى البنائية، مثلما فعل غريغ بارسونز153؛ لكننا ندعو القارئ، ونحن على مشارف خاتمة الدراسة، إلى تأمّل الشكل الذي لخّص فيه سيل وكاتزنشتاين موقف الانتقائية وموقعها من نقاشات الحقل حول ثنائيتَي البنية والفاعل، والعوامل المادية والمتعلقة بالأفكار (ينظر الشكل 2)؛ ثم نطرح السؤال: أليس ما تسعى إليه البنائية من تقريب وجهات نظر العقلانيين والتأمليين، بشأن التعارض بين طرَفي ثنائيتَي البنية والفاعل والعوامل المادية والمتعلقة بالأفكار، هو تقريبًا نفسه ما تدعو إليه الانتقائية بطريقة مختلفة؟ ما نودّ الاستدلال عليه هو أنّ صعود الانتقائية التحليلية تزامن مع ازدهار البنائية (الجديدة) في السنوات الأخيرة.
148 Sil & Katzenstein, Beyond Paradigms ; Rudra Sil & Peter J. Katzenstein, "Analytical Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms across Research Traditions," Perspectives on Politics , vol. 8, no. 2 (2010). 149 John Campbell, Institutional Change and Globalization (Princeton: Princeton University Press, 2005). 150 Robert Jervis, American Foreign Policy in a New Era (New York: Routledge, 2005). 151 Michael Barnett & Martha Finnemore, Rules for the World: International Organizations in Global Politics (Ithaca: Cornell University Press, 2004). 152 ديسوا، ص 202-197؛ Robert Jervis, Perception and Misperception in International Politics (Princeton: Princeton University Press, 1976). 153 Craig Parsons, "Before Eclecticism: Competing Alternatives in Constructivist Research," International Theory , vol. 7, no. 3 (2015), p. 530.
الشكل (2) الانتقائية والانقسامات حول البنية - الفاعلية والعوامل المادية - العوامل المتعلقة بالأفكار
المصدر: Rudra Sil & Peter J. Katzenstein, Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics (New York: Palgrave Macmillan, 2010), p. 21.
خاتمة
تجدر الإشارة، في خاتمة الدراسة، إلى أنّ الفكرة الأصلية التي انبثقت منها كانت احتفائية جًّدًا؛ الاحتفاء بمقالة ونت المرجعية في البنائية "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، التي، بحلول عام 2022، يكون قد مرّ على صدورها ثلاثون عامًا. وفضلًا عن ذلك، بحلول عام 2024، تكون قد مرت على الأقل عشرون عامًا من بدايات انسحاب ونت من برنامج البحث البنائي، واتجاهه نحو الاهتمام بالعلوم الاجتماعية (ثم العلاقات الدولية) الكوانتية. فكانت فكرة هذه الدراسة هي النظر في أثر ونت ومقالته المرجعية في صيرورة البنائية خلال الأعوام الثلاثين الماضية. لكن تبلور مشروع هذا العدد الخاص، في دورية سياسات عربية، جعل مسار الدراسة يتحوّل قليلًا نحو سبر صيرورة البنائية والانقسامات التي حلّت بها حول بنائية ونت ومشروعه لاحتلال منطقة وسطى، أو تجسير الفجوة الإبستيمولوجية، بين طرَفي النقاش الثالث. ولم يكن ثمة بٌُّدٌ من فحص المسالك التي اتخذها برنامج البحث البنائي بعد انسحاب ونت منه. يمكننا، في خاتمة الدراسة، سَْبر الاستنتاجات الرئيسة التالية: أولًا، لم تكن البنائية رافدًا من روافد الثورة التأملية التي شهدها حقل العلاقات الدولية مع بداية الثمانينيات فحسب، بل تحوّلت أيضًا إلى نظرية سائدة أعادت صياغة الأسئلة الكبرى في حقل العلاقات الدولية. وإذا كان نشوؤها قد ارتبط، في البداية، بنهاية الحرب الباردة وما بعدها، فإنّ رسوخها في الحقل وامتداد نفوذها لاحقًا لتستقطب عددًا أوسع فأوسع من الباحثين ارتبط على نحو وثيق بمشروع ونت
النظري والانتقادات التي وجّهها إليه رفاقه من البنائيين النقديين، فضلًا، بطبيعة الحال، عن توسّع العدّة، المنهجية والمفهومية، البنائية لتشمل عددًا من الافتراضات والأطروحات والأدوات المنهجية التي لا تزال تثير اهتمام باحثي العلاقات الدولية. ثانيًا، لا يقتصر إرث ونت على تطوير البنائية نفسها وإكسابها شعبية بين باحثي العلاقات الدولية في مطلع التسعينيات. لقد تمكّن ونت من جعل البنائية تقف على قدم الندّية مع الواقعية والليبرالية، حتى إن كتابه، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، تحوّل إلى نص مرجعي في أدبيات حقل العلاقات الدولية، لا يقل أهمية عن كتاب كينيث والتز، نظرية السياسة الدولية. أبعد من ذلك، يشمل إرث ونت وأثره أيضًا تحويل البنائية من حالة التأملات النقدية إلى نظرية ذات طموح إمبريقي، والدفع بها نحو بناء أرضية وسطى بين طرَفي النقاش الثالث، وتجسير الفجوة الإبستيمولوجية بينهما. وعلى الرغم من اتهامه بالانحياز إلى العقلانية، فإنّ إسهاماته أتاحت للبنائية الانخراط في برامج بحثية جزئية متنامية وواعدة، كما وسّعت نفوذها خارج حدود حقل العلاقات الدولية، خاصة في الدراسات الأمنية والاقتصاد السياسي الدولي. ثالثًا، اتخذ البنائيون، منذ البداية، مسالك شتى، وتعددت الخلافات بينهم إبستيمولوجيةً كانت أو منهجيةً. وعلى الرغم من تعدد مسالك البنائية، بين تقليدية حداثية ونقدية ما بعد حداثية، وعلى الرغم مّما يُعَدّ إخفاقًا في مشروع ونت لتجسير الفجوة بين العقلانيين والتأمليين، فإنّ البنائية استمرت في الازدهار بعيدًا عن هذا المشروع. وقد حاجّت هذه الدراسة بأنّ هذا الازدهار يمكن أن يعزى إلى ثلاثة عوامل يثري كل منها الآخر: تراجع الاستقطاب الإبستيمولوجي في حقل العلاقات الدولية، وصعود الواقعية النقدية فلسفةً لعلم العلاقات الدولية، وصعود النزعة الانتقائية التحليلية التي تزامنت مع حركة ازدهار البنائية خلال الأعوام العشرين الماضية. رابعًا، يظل ونت وبنائيته حاضرَين في سيرورة البنائية، وفي تطور حقل العلاقات الدولية الأوسع، حتى بعد ابتعاده عن البنائية نفسها في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولعلّ المفارقة تكمن في أن المشروع الذي أراده جسرًا ذا ممر واحد، تحوّل إلى جسر ذي مسالك متعددة، تسمح بعبور الباحثين بين مقاربات نظرية متنوعة، سواء من البنائيين أنفسهم أو من غير البنائيين. وههنا تكمن قيمة البنائية التي لم تحظَ بها نظرية أخرى في حقل العلاقات الدولية؛ ولعل ذلك ما يسوغ ادعاء التزامن اللافت بين تحولات البنائية (خاصة في نسخها الجديدة) وصعود الانتقائية التحليلية. خامسًا، على الرغم من أنّ البنائية الجديدة تبني على البنائية الكلاسيكية وتتقاطع معها، فإنّها تعمل على توسيع برنامج البحث البنائي لينشغل
بموضوعات ومناهج، إمّا أنها لم تُطرق من قبل وإمّا جرى طرقها من زوايا مغايرة، مثل نظرية الممارسة، والعلائقية، والأمن الأنطولوجي، والأمننة، والعاطفة في السياسة الدولية، والزمن في السياسة العالمية، فضلًا عن تزايد الاهتمام بالمناهج الكمّية والحاسوبية. ومن ثم، فإن البنائية تتكشف عن قدرة لافتة على الاستجابة للتحولات المعرفية والمنهجية من دون التخّلي عن جوهرها بوصفها نظرية اجتماعية. لقد استعملنا مرارًا، عن قصد، عبارة "ما يُعَدّ إخفاقًا" في وصف ما آل إليه مشروع ونت لتجسير الفجوة العقلانية - التأملية. وكان الغرض من هذه العبارة التحفّظ عن الحكم عليه بالإخفاق. وحتى لو جارينا هذا الحكم، فإنّ الربط بين إخفاق مشروع معرفي جزئي ضمن برنامج بحثي أوسع ليس معقولًا؛ ويسري ذلك أيضًا على استعجال التفكير في أنّ مَلل ونت من الرد على الانتقادات التي شملت مشروعه، وقرارَه مغادرة برنامج البنائية البحثي برمّته، يعني نهاية البنائية. أولًا، لأنّ ونت يذكر صراحةً أنّ انسحابه من النقاشات مع البنائية وضمنها كان مدفوعًا بشغف جديد للاهتمام بمشروع آخر مختلف تمامًا (وهو مشروع يستحق الاهتمام). وثانيًا، لأن هذا يؤكد أن البنائية، التي استمرت في النمو والازدهار بعيدًا عن ونت، لا ينبغي أن ترتبط باسمه، فهي لم تكن كذلك إّلا حين استُخدِمت استخدامًا استراتيجيًا لتعزيز شرعية التيار الوضعي السائد، المتشِّكِل من التوليفة العقلانية بين الواقعية والليبرالية، بعد أن أعلن ونت تأييده لها من الناحية الإبستيمولوجية. ويبين أونوف، في هذا العدد، كيفية ارتباط البنائية بسنوات من العمل ضمن ما بات يسمّى التأملية، قبل أن يتولى ونت زمام تطويرها إلى نظرية ضمن التيار السائد. بعد ونت، وبعيدًا عنه، لم تتوقف البنائية عند حدود نسخته التقليدية، التي فضّ ل لاحقًا تسميتها كلاسيكية، بل أخذت مسالك متعددة وجديدة. ولا ينبغي أن تُحسَب هذه التعددية عليها، بل ينبغي أن يُنظر إليها بوصفها مصدر ثراء وقوة. وبهذا المعنى، تعلّمنا البنائية درسًا بليغًا مفاده أنّ قدرة النظرية على الصمود لا تكمن في القدرة على بناء الجدران طلبًا لنقاء الهويات النظرية وصونًا للولاءات النظرية، بل تكمن في القدرة على بناء الجسور وفتح المسالك، سواء بين أنصار النظرية نفسها أو مع مناوئيها؛ وما جُرْسُ ونت، وإن هجَره السالكون زمنًا، إّلا أبرزها.
المراجع
العربية
أونوف، نيكولاس. "ما الذي ينبغي أن نصنعه من مقال 'الفوضى هي ما تصنعه الدول منها'؟". سياسات عربية. مج 13، العدد 73
بن عنتر، عبد النور. "الأمن من منظور بنائي: الأمن هو ما تصنعه الدول منه". سياسات عربية. مج 13، العدد 73 (2025). حمشي، محمد. "النقاش الثالث بين نظريات العلاقات الدولية: حدود الاتصال المعرفي". المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية. العدد 3 (كانون الأول/ ديسمبر).2014 ________. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 ________. "الانتقاُئّيُ التحليُلّيُ والنظريات الكبرى: زَّهَار أم نحلة؟ 'مِن كل بستانٍ زهرةٌ' أم 'شرابٌ مختلفٌ ألوانُه فيه شفاءٌ للناس'؟". سياسات عربية. مج 10، العدد 56.)2022(ديسوا، جيرار. دراسة في العلاقات الدولية، الجزء الثاني: النظريات البيدولتية. ترجمة قاسم المقداد. دمشق: دار نينوى،.2015 صولي، أدهم. "بين الهوية والقلق والحرب: حزب الله وتراجيديا غزة". عمران. مج 94، العدد 13.)2024(ناصر، سارة. "رحلة ألكسندر ونت من 'نظرية اجتماعية للسياسة الدولية' إلى 'توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية'". سياسات عربية. مج 13، العدد 73.)2025(نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع. تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث )محررون). ترجمة ديما الخضرا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
الأجنبية
Alberts, Tanja E. Constructing Sovereignty between Politics and Law. Abingdon: Routledge, 2012. Adler, Emanuel. "Seizing the Middle Ground: Constructivism in World Politics." European Journal of International Relations. vol. 3, no. 3 (1997).
________. World Ordering: A Social Theory of Cognitive Evolution. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Adler, Emanuel & Michael Barnett (eds.). Security Communities. Cambridge: Cambridge University Press, 1998. Adler, Emanuel & Vincent Pouliot. "International Practices." International Theory. vol. 3, no. 1 (2011). Adler, Emanuel & Vincent Pouliot (eds.). International Practices. Cambridge: Cambridge University Press,
Autoserre, Séverine. Peaceland: Conflict Resolution and the Everyday Politics of International Intervention. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Baldwin, David A. (ed.). Neorealism and Neoliberalism: The Contemporary Debate. New York: Columbia University Press, 1993. Barkin, J. Samuel & Laura Sjoberg (eds.). Interpretive Explorations
Methodological
Quantification: for Critical and Constructivist IR. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2017. Barnett, Michael & Martha Finnemore. Rules for the World: International Organizations in Global Politics. Ithaca: Cornell University Press, 2004. Barnett, Michael & Raymond Duvall. "Power in International Politics." International Organization. vol. 59, no. 1 (2005). Bean, Hamilton, Peter de Werd & Cristina Ivan. "Critical Intelligence Studies: Introduction to the Special Issue." Intelligence and National Security. vol. 36. no. 4 (2021). Benantar, Abdennour. Sécurité et immigration: Réflexions sur les études (critiques) de sécurité et l'Ecole de Copenhague. Oran: Ibn Nadim Editions, 2024.
Biersteker, Thomas J. & Cynthia Weber (eds.). State Sovereignty as Social Construct. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Brown, Chris. "The Poverty of Grand Theory." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Bueger, Christian & Frank Gadinger. International Practice Theory. Houndmills: Palgrave Macmillan, 2014. Bussmann, Margit. "Gerald Schneider and Nina Wiesehomeier: Foreign Economic Liberalization and Peace: The Case of Sub-Saharan Africa." European Journal of International Relations. vol. 11, no. 4 (2005). Campbell, John. Institutional Change and Globalization. Princeton: Princeton University Press, 2005. Caporaso, James, Jeffrey T. Checkel & Joseph Jupille. "Integrating Institutions: Rationalism, Constructivism and the Study of the European Union." Comparative Political Studies. vol. 36 (2003). Caprioli, Mary & Peter F. Trumbore. "Identifying 'Rogue' States and Testing their Interstate Conflict Behaviour." European Journal of International Relations. vol. 9, no. 3 (2003). Carlsnaes, Walter et al. (eds.). Handbook of International Relations. London: Sage Publications, 2002. Cash, John. "Psychoanalysis, Cultures of Anarchy, and Ontological Insecurity." International Theory. vol. 12 (2020). Checkel, Jeffrey T. "Social Constructivisms in Global and European Politics: A Review Essay." Review of International Studies. vol. 30 (2004). ________. "The Constructivist Turn in International Relations Theory." World Politics. vol. 50, no. 2 (1998). Crawford, Neta. "The Passion of World Politics." International Security. vol. 24, no. 4 (2000).
Der Derian, James & Alexander Wendt (eds.). Quantum International Relations: A Human Science for World Politics. Oxford: Oxford University Press, 2022. Dunne, Tim, Lene Hansen & Colin Wight. "The End of International Relations Theory?" European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Edkins, Jenny, Nalini Persram & Veronique Pin-Fat (eds.). Sovereignty and Subjectivity. London: Lynne Rienner Publishers, 1999. Fard, Rebin. "Towards a New Concept of Constructivist Geopolitics: Bridging Classical and Critical Geopolitics." Central European Journal of International and Security Studies. vol. 15, no. 1 (2021). Fierke, Karin M. & Knud Erik Jorgensen (eds.). Constructing International Relations: The Next Generation. London: Routledge, 2015. Fierke, Karin M. & Antje Wiener. "Constructing NATO
and
EU
Interests:
Institutional Enlargement." Journal of European Public Policy. vol. 6, no. 5 (1999). Finnemore, Martha & Alexander Wendt. "When 'Old' Constructivism Was New: Reflections on Classical Constructivism." Perspectives on Politics. vol. 22, no. 4 (2024). Finnemore, Martha & Kathryn Sikkink. "Taking Stock: The Constructivist Research Program in International Relations and Comparative Politics." Annual Review of Political Science. vol. 4 (2001). George, Jim. Discourses of Global Politics: A Critical (Re) Introduction to International Relations. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1994. George, Jim & David Campbell. "Patterns of Dissent and the Celebration of Difference: Critical Social Theory and International Relations." International Studies Quarterly. vol. 34, no. 3 (1990).
Geyer, Robert. "Europeanisation, Complexity, and the British Welfare State." A Paper Presented to the UACES/ESRC Study Group on "The Europeanisation of British Politics and Policy-making." Department of Politics. University of Sheffield. 19/9/2003. Gould, Harry D. (ed.). The Art of World-Making: Nicholas Greenwood Onuf and His Critics. London: Routledge, 2017. Guzzini, Stefano. "A Reconstruction of Constructivism in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 6, no. 2 (2000). Guzzini, Stefano & Anna Leander (eds.). Constructivism and International Relations: Alexander Wendt and His Critics. London: Routledge, 2006. Hafner- Burton, Emilie M., Miles Kahler & Alexander H. Montgomery. "Network Analysis for International Relations." International Organization. vol. 63, no. 3 (2009). Hollis, Martin & Steve Smith. Explaining and Understanding International Relations. Oxford: Oxford University Press, 1990. Holmes, Marcus. "Believing This and Alieving That: Theorizing Affect and Intuitions in International Politics." International Studies Quarterly. vol. 59, no. 4 (2015). Hopf, Ted. "The Promise of Constructivism in International Relations Theory." International Security. vol. 23, no. 1 (1998). ________. Social Construction of International Politics: Identities and Foreign Policies, Moscow, 1955 & 1999. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2002. and
Constructivism
"Common-sense Hegemony in World Politics." International Organization. vol. 67, no. 2 (2013).
Howard, Lise Morjé. "US Foreign Policy Habits in Ethnic Conflict." International Studies Quarterly. vol. 59, no. 4 (2015). Hülsse, Rainer & Alexander Spencer. "The Metaphor of Terror: Terrorism Studies and the Constructivist Turn." Security Dialogue. vol. 39, no. 6 (2008). Hurd, Ian. After Anarchy: Legitimacy and Power in the United Nations Security Council. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2007. ________. Affective Communities in World Politics: Collective Emotions after Trauma. New York: Cambridge University Press, 2016. Hutchings, Kimberly. Time and World Politics. Manchester: Manchester University Press, 2013. Jervis, Robert. Perception and Misperception in Princeton
Princeton:
Politics.
International University Press, 1976. ________. American Foreign Policy in a New Era. New York: Routledge, 2005. Katzenstein, Peter, Robert O. Keohane & Stephen D. Krasner. "International Organization and the Study of World Politics." International Organization. vol. 52, no. 4 (1998). Katzenstein, Peter & Stephen Nelson. "Reading the Right Signals and Reading the Signals Right: IPE and the Financial Crisis of 2008." Review of International Political Economy. vol. 20, no. 5 (2013). Keohane, Robert O. International Institutions and State Power: Essays in International Relations Theory. New York: Routledge, 1989. Klotz, Audie & Cecelia Lynch. Strategies for Research in Constructing International Relations. Armonk, NY: M. E. Sharpe, 2007. Kratochwil, Friedrich. "Constructing a New Orthodoxy? Wendt's 'Social Theory of International Politics'
and the Constructivist Challenge." Millennium. vol. 29, no. 1 (2000). Kratochwil, Friedrich & John G. Ruggie. "International Organization: A State of the Art on an Art of the State." International Organization. vol. 40, no. 4 (1986). Krickel–Choi, Nina C. "The Concept of Anxiety in Ontological Security Studies." International Studies Review. vol. 24, no. 3 (2022). Kurki, Milja. "Critical Realism and Causal Analysis in International Relations." Millennium. vol. 35, no. 2
________. Causation in International Relations: Cambridge:
Analysis.
Causal
Reclaiming Cambridge University Press, 2008. ________. International Relations in a Relational Universe. Oxford: Oxford University Press, 2020. Kusalkova, Vendulka, Nicholas Onuf & Paul Kowert (eds.). International Relations in a Constructed World. London: Routledge, 1998. Lapid, Yosef. "The Third Debate: On the Prospects of International Theory in a Post-Positivist Era." International Studies Quarterly. vol. 33, no. 1 (1989). ________. "Through Dialogue to Engaged Pluralism: The Unfinished Business of the Third Debate." International Studies Review. vol. 5 (2003). Little, Richard & Michæl Smith (eds.). Perspectives on World Politics. London: Routledge, 2006. Lynch, Cecelia. "E.H. Carr, International Relations Theory, and the Societal Origins of International Legal Norms." Millennium. vol. 23 (1994). Mattern, Janice Bially. Ordering International Politics: Identity, Crisis, and Representational Force. New York: Routledge, 2005.
McCourt, David. "Practice Theory and Relationalism as the New Constructivism." International Studies Quarterly. vol. 60, no. 3 (2016). ________. The New Constructivism in International Relations Theory. Bristol: Bristol University Press, 2022. Mitzen, Jennifer. "Ontological Security in World Politics: State Identity and the Security Dilemma." European Journal of International Relations. vol. 12, no. 3 (2006). Nelson, Stephen & Peter Katzenstein. "Uncertainty, Risk, and the Financial Crisis of 2008." International Organization. vol. 68, no. 2 (2014). Newbery, Samantha & Christian Kaunert. "Critical Intelligence Studies: A New Framework for Analysis." Intelligence and National Security. vol. 38, no. 5 (2023). Onuf, Nicholas Greenwood. World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations. Columbia: University of South Carolina Press, 1989. ________. "Constructivism at the Crossroads; or, the Problem of Moderate-Sized Dry Goods." International Political Sociology. vol. 10, no. 2 (2016). Parsons, Craig. "Before Eclecticism: Competing Research."
Constructivist
in
Alternatives International Theory. vol. 7, no. 3 (2015). Patomäki, Heikki. "How to Tell Better Stories about World Politics." European Journal of International Relations. vol. 2, no. 1 (1996). ________. After International Relations: Critical Realism and the (Re)construction of World Politics. London/ New York: Routledge, 2002. Patomäki, Heikki & Colin Wight. "After Post-Positivism?: The Promises of Critical Realism." International Studies Quarterly. vol. 44, no. 2 (2000).
Powell, Robert. "Anarchy in International Relations Theory: The Neorealist-Neoliberal Debate." International Organization. vol. 48 (1994). Price, Richard. "A Genealogy of the Chemical Weapons Taboo." International Organization. vol. 49 (1995). Price, Richard & Christian Reus-Smit. "Dangerous Liaisons? Critical International Theory and Constructivism." European Journal of International Relations. vol. 4, no. 3 (1998). Raymond, Mark. Social Practices of Rule- Making in World Politics. New York: Oxford University Press, 2019. Reus-Smit, Chris. "The Constructivist Turn: Critical Theory after the Cold War." Working Paper. no. 1996/4. National Library of Australia, 1996. Ross, Andrew A.G. Mixed Emotions: Beyond Fear and Hatred in International Conflict. Chicago: Chicago University Press, 2014. Ruggie, John Gerard. "Peace in Our Time? Causality, of
Social Facts, and Narrative Knowing." American Society of International Law Proceedings. 89 th Annual Meeting (1995). ________. "What Makes the World Hang Together? Neo-Utilitarianism and the Social Constructivist Challenge." International Organization. vol. 52, no. 4 (1998). Rumelili, Bahar. "Integrating Anxiety into International Relations Theory: Hobbes, Existentialism, and Ontological Security." International Theory. vol. 12, no. 2 (2020). Ryan, Howard. "Critical Policing Studies: Toward a 'Fully Social' Framework." Critical Criminology. vol. 31, no. 3 (2023). Sil, Rudra & Peter J. Katzenstein, "Analytical Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems
and Mechanisms across Research Traditions." Perspectives on Politics. vol. 8, no. 2 (2010). ________. Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics. New York: Palgrave Macmillan, 2010. Spencer, Alexander. "The Social Construction of Terrorism: Media, Metaphors and Policy Implications." Journal of International Relations and Development. vol. 15, no. 3 (2012). Srivastava, Swati. "Varieties of Social Construction." International Studies Review. vol. 22, no. 3 (2020). Steele, Brent J. Ontological Security in International Relations: Self–Identity and the IR State. New York: Routledge, 2008. Steele, Brent J., Harry D. Gould & Oliver Kessler (eds.). Tactical Constructivism, Method, and International Relations. London: Routledge, 2020. Tan, Seng. "Rescuing Constructivism from the Reading
Critical
A
Constructivists: Constructivist Interventions in Southeast Asian Security." The Pacific Review. vol. 19, no. 2 (2006). Thaddeus, Jackson Patrick & Daniel H. Nexon. "Relations before States: Substance, Process and the Study of World Politics." European Journal of International Relations. vol. 5, no. 3 (1999). Tickner, Ann J. Gender in International Relations. New York: Columbia University Press, 1992. Walt, Stephen. "International Relations: One World, Many Theories." Foreign Policy. vol. 110 (1998). Wendt, Alexander. "On Constitution and Causation in International Relations." Review of International Studies. vol. 24, no. 5 (1998). ________. "On the Via Media: A Response to the Critics." Review of International Studies. vol. 26 (2000).
________. Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. ________. "Anarchy Is What States Make of it: The Social Construction of Power Politics. " International Organization. vol. 46, no. 2 (1992). ________. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Wiener, Antje. "Constructivist Approaches in International Promises."
and
Puzzles
Theory:
Relations Constitutionalism Webpapers. no. 5 (2006). Wight, Colin. Agents, Structures and International Relations: Politics as Ontology. New York: Cambridge University Press, 2006. Zehfuss, Maja. Constructivism in International Relations: The Politics of Reality. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.