تقديم: حرب 15 نيسان/ أبريل 2023، ذروة عنف في دولة مضطربة
Introduction: The April 15, 2023 War: The Apex of Violence in an Unstable State
الملخّص
يأتي هذا الملف الخاص الذي تصدره دورية سياسات عربية عن السودان، مواكبًا لتطورات الحرب، ويتناول بعض القضايا المرتبطة بالأزمة السودانية الممتدة. ولا يطمح هذا التقديم إلى الإحاطة بجميع الاهتمامات البحثية التي أفرزتها الحرب، مثل قضايا النزوح واللجوء والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للنزاع، وهي موضوعات تتجاوز المساحة المتاحة هنا. غير أنه يسلط الضوء على عدد من المجالات البحثية التي دفعت بها الحرب بقوة إلى واجهة الاهتمام، وفي مقدمتها المسائل الأمنية والعسكرية، ودراسات العنف، وإشكاليات تحقيق السلام، وهي موضوعات لم تنل بعد ما يكفي من البحث والتحليل العلمي.
Abstract
This special issue of Siyasat Arabiya, dedicated to Sudan, accompanies the evolving dynamics of the war and addresses key issues related to the protracted Sudanese crisis. It does not seek to cover all research agendas generated by the war, such as displacement, refuge, and the economic and social impacts of the conflict, which lie beyond the scope of this issue. Rather, it highlights several research areas that the war has forcefully brought to the forefront, most notably security and military issues, studies of violence, and the challenges of peacebuilding fields that remain insufficiently examined through rigorous scholarly analysis.
- السودان
- حرب 15 نيسان/ أبريل
- الحرب الأهلية في السودان
- Sudan
- April 15th 2023 War
- Sudanese civil war
Introduction: The April 15 , 2023 War: The Apex of Violence in an Unstable State
وصف بيتر ودوارد السودان بأنه "دولة مضطربة"، وذلك في سياق تحليله التطورات التي شهدتها البلاد منذ بداية الاستعمار البريطاني عام 1898 إلى عام 19891. وتؤكد الأحداث اللاحقة، وصولًا إلى ما يزيد على عاَميَن من اندلاع حرب 15 نيسان/ أبريل 2023، أنّ مستوى الاضطراب قد تفاقم، وأنّ رقعة الحروب الداخلية اتّسعت لتشمل مناطق جديدة. فبعد ثلاث مراحل من الحكم المدني تخللتها أربع فترات من الحكم العسكري، وتوالت خلالها دورات من الحروب الأهلية التي تفاوتت في حدّتها ونطاقَيها الزمني والجغرافي، جاءت الحرب الحالية لتمثّل ذروة جديدة في مسار الاضطراب والاستقطاب. في هذا السياق، يأتي هذا الملف الخاص الذي تصدره دورية سياسات عربية عن السودان، مواكبًا لتطورات الحرب، ويتناول بعض القضايا المرتبطة بالأزمة السودانية الممتدة. ولا يطمح هذا التقديم إلى الإحاطة بجميع الاهتمامات البحثية التي أفرزتها الحرب، مثل قضايا النزوح واللجوء والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للنزاع، وهي موضوعات تتجاوز المساحة المتاحة هنا. غير أنه يسلط الضوء على عدد من المجالات البحثية التي دفعت بها الحرب بقوة إلى واجهة الاهتمام، وفي مقدمتها المسائل الأمنية والعسكرية، ودراسات العنف، وإشكاليات تحقيق السلام، وهي موضوعات لم تنل بعد ما يكفي من البحث والتحليل العلمي.
أولا: القضايا العسكرية والأمنية
تظهر حرب 15 نيسان/ أبريل 2023، التي لا تزال مستعرة في السودان لحظة صدور هذا العدد، الحاجة الملحّة إلى تحليلٍ أشمل وأعمق لقضايا السودان من منظور حقل الدراسات الأمنية النقدية. فقد أفرزت طيفًا واسعًا من الموضوعات الأمنية التي اتسع نطاقها وما تزال تعد بالمزيد من تعقيد الإشكاليات البحثية وتعميقها. وفيما يلي بعض هذه الإشكاليات.
1. العلاقات العسكرية - المدنية
يشير واقع الحال إلى أن مجال العلاقات المدنية - العسكرية في السودان لم يعد يقتصر على تدخّل المؤسسة العسكرية في السلطة بدوافع سياسية أو مؤسسية، أو على تأثير المدنيين في الحكم عبر الانقلابات العسكرية2، كما تُظهر إحدى دراسات هذا العدد الخاص، بل أصبح يستدعي تحليلًا أوسع لقضايا أكثر تشعبًا، من بينها أشكال الاقتصاد السياسي التي كرّستها هيمنة الفاعلين العسكريين والسياسيين والاقتصاديين، وهي هيمنة تزايدت في السنوات الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب. فقد أدى تطبيق
سياسات الانفتاح الاقتصادي، التي أخفقت في ظل بعض الأنظمة في السودان في توظيفها لتحقيق تنمية حقيقية، إلى بروز أوليغارشية عسكرية تعمل تحت غطاء مدني، وأسهمت في تعزيز نفوذ الجيش وتمكينه من الهيمنة على القطاع الاقتصادي إضافة إلى سيطرته على المجال السياسي3. وقد عكست الحرب الراهنة بلوغ التعبئة والتحشيد وعمليات العسكرة مستويات غير مسبوقة، شملت قطاعات واسعة من المجتمع4، بما ينذر، إذا طال أمدها، بتداعيات سلبية على مسار الانتقال الديمقراطي. ويُظهر الواقع السوداني بروز تحالفات بين المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع ومجموعات مدنية خلال الفترة التي سبقت الحرب، وهو ما يبين اتساع الدور السياسي للفاعلين العسكريين، وتشابك مصالحهم مع قوى مدنية محلية.
2. الفاعلون المسلحون
أدى تعدد الفاعلين المسلحين في السودان، من ميليشيات وتنظيمات شبه عسكرية وحركات مسلحة ومجموعات متمردة على السلطة المركزية وأمراء حرب، إلى تحولات واسعة في خرائط التحالفات المسلحة، وازدياد وتيرة العنف، وتنوّع أنماطه، فضلًا عن بروز إدارات محلية في المناطق الخاضعة لسيطرة هذه القوى. ولم يحظَ هؤلاء الفاعلون المسلحون بما يكفي من البحث والتمحيص، باستثناء عدد محدود من الدراسات التي تناولت تطور قوات الدعم السريع، وانقلابها على الحكومة بعد فشل السيطرة عليها5، أو تلك التي انصبت على دراسة التكوين الإثني للمرتزقة المشاركين في الحرب الراهنة6. ومقارنة بحالات مشابهة في دول أخرى، نلاحظ محدودية الاهتمام البحثي بالجماعات المسلحة في السودان. فقد تطرقت الأدبيات التي درست تجارب مماثلة إلى تأثير البنية التنظيمية في أداء الجماعات المسلحة وطرائق اتخاذها القرارات الاستراتيجية، خصوصًا فيما يتعلق بالتفاعل بين الأهداف السياسية والوسائل المتاحة. وتناولت دراسات أخرى تطوّر جماعات مسلحة وأدوارها، مثل مجموعات القرصنة في الصومال7، أو تنظيم الشباب في البلد نفسه8. واهتمت أعمال أخرى بدور هذه الجماعات في المنافسة الجيوسياسية باعتبارها أدوات أقل تكلفة للدول، أو في السياسة الخارجية؛ إذ إن بعضها خلص إلى أن إشراك هؤلاء الفاعلين يوسّع نطاق دراسة السياسة الخارجية التي ظلّت حكرًا، في معظم الأدبيات، على الدول، حيث تناولت دراسات حالة سياسات خارجية لجماعات مسلّحة بعينها9.
السودان بوصفه جزءًا من مركب أمن إقليمي
تطغى على الحرب في السودان ديناميات أمنية إقليمية شديدة التعقيد. واستنادًا إلى الدعم العسكري المباشر وخطوط الإمداد وتدفّق المرتزقة وشبكات الدعم اللوجستي، لم تعد الحرب السودانية مواجهة بين فاعلين محليين فحسب، بل تحوّلت أيضًا إلى حرب ذات أبعاد إقليمية تشارك فيها دول من الجوار في الساحل الأفريقي والقرن الأفريقي ومنطقة الخليج العربي، بوصفها أطرافًا فاعلة في مسار الصراع. بناء عليه، لا تعّبر الحرب عن ديناميات السياسة السودانية الداخلية فقط، بل تكشف كذلك تعقيد المشهد الأمني الإقليمي المحيط بالبلاد. في هذا السياق، يصبح السودان جزءًا مما يسميه باري بوزان "مركب الأمن الإقليمي" Complex Security Regional، وهو إطار تحليلي يشير إلى درجة عالية من الترابط بين وحدات إقليمية تجعل قضايا الأمن بينها غير قابلة للفصل. وقد عرّف بوزان هذا المركب في صياغته الأولى بأنه "مجموعة من الدول التي تترابط تصوراتها وشواغلها الأمنية الرئيسة بدرجة كبيرة بحيث لا يمكن تحليل مشاكلها الأمنية الوطنية أو حلّها على نحو معقول بمعزل بعضها عن بعص". ثم طوّر التعريف لاحقًا بإضافة بُعد البناء الاجتماعي، الذي يُعدّ بوزان أحد مناصريه، مستخدمًا مفهوم الأمننة Securitization، الذي مثّل أحد مرتكزات مدرسة كوبنهاغن، ليصبح مركب الأمن الإقليمي "مجموعة من الوحدات التي تكون عمليات الأمننة الرئيسة المرتبطة بها أو إزالة هذه الأمننة أو كلتاهما مترابطة، بحيث لا يمكن تحليل مشاكلها الأمنية أو حلها بطريقة معقولة بمعزل بعضها عن بعص"10. وتعكس
الحالة السودانية هذا الترابط الأمني الوثيق بين السودان وجيرانه في منطقتَي الساحل الأفريقي والقرن الأفريقي، إضافة إلى ليبيا وجنوب السودان، فخطوط الإمداد العسكري ونقل المقاتلين إلى ساحات القتال تمرّ عبر أراضي هذه الدول. وتمثّل الحرب السودانية، من زاوية أخرى، حالةً نموذجية لاستخدام الفاعلين المسلحين بوصفهم وكلاء في تنفيذ استراتيجيات عسكرية في دول أخرى؛ نظرًا إلى انخفاض تكلفتها المالية والمادية وتخفيفها الأعباء السياسية المباشرة عن الأطراف الداعمة11.
4. الحرب الداخلية المدعومة بحرب هجينة
تمثّل الحرب في السودان نموذجًا للحروب التي جمعت بين أنماط الحروب الداخلية التقليدية والحروب ذات الطابع الرمادي أو الهجين12. وتشير الحروب الأخيرة إلى توظيف أدوات القوة المتعددة والمتزامنة لاستهداف نقاط ضعف محددة وإحداث تأثيرات خطّية وغير خطّية. وهي "النشاط الذي يكون قسريًا وعدوانيًا بطبيعته، ولكنه صُمّم عمدًا ليظل دون عتبة الصراع العسكري التقليدي والحرب المفتوحة بين الدول"13. وتتميّز الحالة السودانية بأن الحروب ذات الطابع الرمادي أو الهجين جاءت مكملة للحرب التقليدية ومعززة لها. فقد استُخدمت فيها مجموعة واسعة من التدابير العسكرية وشبه العسكرية والمدنية، العلنية والسرية، على نحو ممنهج، بما في ذلك تدمير البنية التحتية. ويبرز في هذا السياق الاستخدام المكثّف لحملات التضليل الإعلامي ونشر الأخبار الكاذبة والترويج لبيئة "ما بعد الحقيقة"14. وقد انتشر هذا المفهوم لوصف المحتوى المتداوَل على منصات التواصل الاجتماعي بصورة عامة بعد اندلاع انتفاضات الربيع العربي عام 201115، وأصبح اليوم أحد الأسلحة الفاعلة في الحرب السودانية، مكمّلًا للمعارك الميدانية على الأرض.
5. العنف ضد المدنيين
تشهد الحرب الجارية مستوى غير مسبوق من العنف الطاغي الذي استهدف المدنيين على نحو خاص، وتجّلى في انتهاكات جسيمة شملت القتل على الهوية، والقتل العشوائي بغرض الترهيب والإرهاب، والقتل بهدف الاستيلاء على الممتلكات الخاصة، إضافة إلى الاغتصاب والاختطاف، بدرجة فاقت بكثير ما سُجّل في حروب السودان السابقة. وقد وثّقت تقارير منظمات دولية هذه الانتهاكات كاشفةً عن حدّتها واتساع نطاقها والجهات المسؤولة عنها. لكنّ الدراسات العلمية الرصينة التي سعت إلى تفسير أسباب هذا التصاعد في العنف ضد المدنيين ما تزال محدودة16. وقد تناول عدد من الدراسات هذه الظاهرة في إطار بحث أوسع حول نشوب العنف السياسي وأسبابه، بهدف فهم دوافعه ومحدداته. وحلل بعضها موضوع العنف ضد المدنيين ضمن مقاربة عامة للأزمة السودانية وحروبها المتقطعة وفشل مؤسسات الدولة الوطنية17. بينما ركزت دراسات أخرى على خلل بنيوي عميق لازَم تكوين الدولة والنخب الحاكمة منذ الحقبة الاستعمارية، وربما منذ الحكم العثماني، وأسهم في إضعاف المجتمع المدني وتعزيز ديناميات العنف وإعادة إنتاجه18. ورأى بعض الباحثين أن التركيز على إنجاز اتفاقية السلام الشامل عام
2005 أسهم في غضّ الطرف عن بروز العنف في مناطق أخرى من السودان19. لذلك، فإن دراسة تنامي العنف الموجّه ضد المدنيين في سياق الأزمة السودانية الممتدة وتحليله نظريًا، سواء بالإسقاط أو التكييف أو تقديم تفسيرات جديدة، لا تزال في طور محدود. ومن بين الإسهامات ذات الصلة دراسة تناولت "الحروب الجديدة" في السودان إلى جانب حالات أخرى من دول الجنوب20؛ إذ قاربت ماري كالدور تفسير العنف الموَّجَه ضد المدنيين باعتباره سمة بنيوية لهذه الحروب21. وقد أثار هذا الطرح سج لًا بين باحثين مؤيّدين رأوا في الحروب الجديدة نمطًا مميزًا، وآخرين اعتبروا أن استهداف المدنيين كان سمة أصيلة في الحروب عمومًا قديمها وحديثها على السواء. وعلى الرغم من أن هذه الحرب شهدت تحالفات متعددة، خاصة بين المدنيين والجهات المسلحة، فإن هذه التحالفات لم تنل إلا اهتمامًا بحثيًا محدودًا؛ مع إمكان الاستفادة من إسهامات نظرية أوسع لفهم طبيعة هذه التشكيلات وديناميات عملها. وهنا يبرز ما طرحه ستاثيس كاليفاس من أنّ العنف المصاحب للحروب الأهلية لا يُعدّ النتيجة الطبيعية للحرب، بل هو أداة تُستخدم في سياقها لتشكيل التحالفات وربط مجموعات متباعدة بأهداف الحرب الأهلية ومساراتها22.
6. الإصلاح العسكري والأمني
أدى بروز الفاعلين المسلحين إلى تعقيد عملية إصلاح القطاَعيَن العسكري والأمني؛ فهؤلاء الفاعلون لهم مصالح متباينة، وتتبدّل تحالفاتهم باستمرار، ويرتبط بعضهم بدعمٍ أو علاقات خارجية. وقد مثّل الخلاف حول كيفية بناء جيش وطني موحّد أحد العوامل التي أسهمت في تأجيج الحرب. وما زاد من تعّثر جهود إصلاح القطاع العسكري وتأسيس جيش وطني خاضع لسلطة منتخَبة، اعتماد مقاربة خطّية للإصلاح اتسمت برؤية تكنوقراطية فوقية تفترض سير العملية في مسار يقود تلقائيًا إلى تحقيق سلام ليبرالي - ديمقراطي23. وتُظهر الأوضاع الراهنة استمرار هيمنة المكوّن العسكري/ المسلّح على النظاَميَن السياسي والاقتصادي، بينما تعكس التحالفات الهجينة التي تطغى على المشهد السوداني مظاهر هذه الهيمنة؛ ما يزيد من صعوبة عملية الإصلاح العسكري وتعقيدها.
ثانيًا: قضايا السلام
ظل السعي لتحقيق سلام مستدام سمة ملازمة للحياة السياسية في السودان. فعلى الرغم من توقيع عدد كبير من اتفاقيات السلام، فإنها أخفقت في إرساء سلام دائم. وقد اتسمت الاتفاقيات المبرَمة بين الأطراف السودانية، منذ اتفاقية أديس أبابا عام 1972، بمنحى التسويات السياسية، وتشمل اتفاقيات أبوجا وإنجمينا والدوحة والشرق وجوبا عام 2020. وتقوم هذه التسويات على ترتيبات بين النخب السياسية تضمن لها الحصول على نصيب مهمّ من الموارد العامة مقابل وقف النزاع والعنف24. غير أن الاعتماد المتزايد على هذا النهج دفع النخب إلى عقد مزيد من الاتفاقيات، وأسهم في زيادة تشرذمها، حتى بلغ عدد المسارات التي تناولتها اتفاقية جوبا سبعة مسارات. وكما حدث في اتفاقية السلام الشامل، فقد تضمّنت اتفاقية جوبا للسلام تفاصيل معقدة جعلت تنفيذ عدد من بنودها صعبًا عند الانتقال إلى مرحلة التطبيق25. ومن ثمّ، يطرح تكرار الاتفاقيات سؤلًا محوريًا: أتصلح الاتفاقيات السابقة أساسًا يمكن البناء عليه أم أن السودان يحتاج إلى مقاربة جديدة لتحقيق السلام؟ تحاول إحدى دراسات هذا العدد الإجابة عن هذا السؤال.
ثالثًا: العلاقة بين المركز والأقاليم وتحديات الحكم اللامركزي
أثارت العلاقة بين المركز ومناطق السودان المختلفة، منذ الاستقلال عام 1956، مطالب سياسية بتمثيلٍ عادل في السلطة المركزية في الخرطوم. ومع مرور الوقت، تطورت هذه المطالب إلى انتفاضات مسلّحة ضد السلطة الحاكمة. وقد طالبت القوى السياسية في جنوب السودان منذ السنوات الأولى للاستقلال بتطبيق نظام فدرالي، غير أن مطالبها قوبلت بالتجاهل. وعندما طُبّق ذلك النظام لاحقًا، كانت حرب الجنوب قد بلغت ذروتها، لتلحق بها، فيما بعد، حركات
مسلّحة من دارفور وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان. وقد نتج من تطبيق نظام الحكم الاتحادي نتائج متباينة. فمن جهة، أسهم في توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتسهيل وصول الخدمات إلى المواطنين، ومن جهة أخرى، أدى إلى تصاعد النزعات الإثنية السياسية وزيادة الإنفاق على الجهاز البيروقراطي على حساب التنمية المحلية. ومع ذلك، تستمر الحركات المسلّحة في المطالبة بتطبيق نظام الأقاليم في السودان. وما تزال قضايا توزيع الصلاحيات والاختصاصات بين الأقاليم والولايات، لا سيما ما يتعلق بتوزيع الموارد، موضع نقاش متجدد بعد توقيع اتفاقية جوبا للسلام.
رابعًا: مساهمات هذا العدد الخاص
أعدّت الدراسات المنشورة في هذا العدد الخاص حول السودان وحرب 15 نيسان/ أبريل 2023 بعد أشهر قليلة من اندلاع الصراع. وعند اكتمال أعمال التحكيم والتحرير العلمي، كانت الأزمة قد ازدادت تعقيدًا مع تصاعد حدة الحرب وتشابك دينامياتها المحلية والإقليمية، وتنوّع مصالح الفاعلين المنخرطين فيها. ومع تفاقم الانتهاكات وتدهور الأوضاع الإنسانية، تصاعد الاهتمام الدولي بالسودان بصورة ملحوظة. وإدراكًا لتعدّد أبعاد الأزمة السودانية وتشابك قضاياها، تصدر دورية سياسات عربية هذا العدد الخاص مساهمةً في تعزيز فهم جوانب مركزية في هذه الأزمة. وتتناول كل دراسة من الدراسات الواردة في هذا العدد قضية رئيسة من قضايا النقاش العامّ والأكاديمي المتعلقة بالسودان.
1. الخلل البنيوي وتعثر بناء الأمة/ الدولةّ
ضمن مداخل الخلل البنيوي وتعّثر بناء الأمة/ الدولة، يضمّ هذا العدد الخاص دراسَتيَن تستقرئان حرب 15 نيسان/ أبريل بوصفها تجلّيًا لهذا الخلل البنيوي. في الدراسة الأولى، بعنوان "'الغابة للأشجار': حرب 15 نيسان/ أبريل 2023 وتحدي بناء الأمة والدولة في السودان"26، يتناول محمد محجوب هارون مشروع بناء الأمة والدولة في السودان على امتداد خمسة قرون. ويفحص ما يعتبره حالة تأرجح بنيوية في مكونات ذلك البناء، بين استمراريةٍ وانقطاع، وتمددٍ وانحسارٍ جغرافي وديموغرافي، ونمٍّوٍ وتراجع في الاندماج القومي، وبين تقويض واستكمال متعاقَبيَن لعملية بناء الأمة والدولة. ويركز على مرحلتَي ما بعد الاستقلاَليَن: إبّان الثورة المهدية، وما بعد الاستعمار البريطاني. ويرى أن الفترَتيَن شهدتا احتفاءً بالشعارات على حساب المشروعات، وفشلًا في تحديد المصلحة العامة للسودانيين، ثم انكفاء على الهويات والكيانات الضيّقة؛ ما فاقم الاستقطاب السياسي والاجتماعي. ويصف حكم الإسلاميين بأنه عانى متلازمة فقدان المشروعية/ المشروعية المنقوصة؛ وهذا أدى إلى تحوّل وظيفة الدولة من خدمة المواطنين إلى التمسّك بالسلطة. وتُختم الدراسة بتحليل السياق السابق مباشرة لاندلاع الحرب، ومناقشة الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل تكلفة الحرب إلى فرصة لإعادة بناء دولة مقتدرة. وفي الدراسة الثانية27، يتناول متوكل دقاش، من المنظور نفسه، عملية التفكك البنيوي التي تشهدها البلاد نتيجة تراكمات ممتدة عبر عقود. ويعرض خمسة متغيرات أسهمت في الدفع بهذا التفكك وتعزيزه، هي: الحرب، وصراع النخب، والتدخّل الجيوستراتيجي، وتآكل الشرعية، وضغط العولمة. ويرى أن ما أسسه الأتراك والبريطانيون في السودان لم يتجاوز بناء دولة بأشكال حكم مصطنعة، لم تتُرجَم إلى بنية سياسية واجتماعية متماسكة. ويجادل بأن جذور تفكك الدولة السودانية تكمن في تعقّد الصراعات الاجتماعية، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدّد الفاعلين العسكريين، والتدخّل الخارجي، وتعّثر المسار الديمقراطي، وتآكل مشروعية الدولة، إضافةً إلى الثقافة السياسية السائدة، وانتقال جغرافية الصراع من الأطراف إلى المركز.
2. اتفاقيات السلام
تناول عدد من الباحثين قضية بناء السلام في السودان، التي ظلت ملازمة لحالته السياسية المضطربة، متّبعين مناهج متعددة في التحليل؛ ابتداءً من مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965، مرورًا باتفاقية أديس أبابا، ثم اتفاقية السلام الشامل، وصولًا إلى اتفاقية جوبا. وقد ركّز بعضهم على جانب المذكرات والتوثيق الشخصي، في حين تناول آخرون إخفاقات التنفيذ، بينما اتجه فريق ثالث إلى تحليل الوقائع وتوثيق كل اتفاقية على حدة، وخصّ بعضهم اهتمامه بالجوانب السياسية والدستورية دون غيرها. يحلل أحمد إبراهيم أبوشوك في دراسته28، اتفاقيات السلام الثنائية بين الحكومة المركزية والحركات المطلبية، بدءًا من اتفاقية أديس أبابا وانتهاءً باتفاقية جوبا. ويرى أن معظم هذه الاتفاقيات لم تعالج جذور الأزمات التي دفعت تلك الحركات إلى حمل السلاح،
كما أنّ بعضها تعرّض للنقض من جانب السلطة المركزية نفسها، فكان مصيره الفشل في تحقيق سلام مستدام. وُتبُرز الدراسة أن إرث النشأة التاريخية للدولة السودانية أسهم في إنتاج صراعات متكررة بين الحكومات الوطنية المتعاقبة والحركات المطلبية التي انتقلت من النضال السلمي إلى الكفاح المسلح. وتشير إلى قواسم مشتركة بين أغلب اتفاقيات السلام، من أبرزها: اعتماد نموذج جزئي في تقاسم السلطة، وغياب الثقة بين أطراف العملية السلمية، والاعتماد على وسطاء خارجيين ومسارات تفاوض خارج البلاد. وتحلل الدراسة ثلاث قضايا محورية شكّلت جوهر الخلاف بين السلطة المركزية في الخرطوم والحركات المسلّحة من جهة، وبين القوى السياسية ذات التوجهات الفكرية المتباينة من جهة أخرى، وهي: إشكالية التنوّع والمواطنة، والعلاقة بين الدين والدولة، ثم تلازم الديمقراطية والفدرالية اللَتيَن باتتا مكوَّنيَن ثابَتيَن في معظم اتفاقيات السلام، باعتبار أن الديمقراطية شرط أساسي لنجاح النظام الفدرالي. وتخلص الدراسة إلى أهمية معالجة هذه القضايا في إطار وطني جامع وشامل. في السياق نفسه، تقدّم سجى طرمان مراجعة معمقة لكتاب حين يقتل السلام السياسة: التدخل الدولي وحروب لا نتتهي في السوداَنيَن، الذي يقدّم فيه شاراث سرينيفاسان29 قراءة نقدية لمسارات صناعة السلام في السودان، ويُظهر كيفية تحوّل اتفاقيات السلام ومشاريع إنهاء الحرب إلى عامل يُضعِف السياسة المدنية اللاعنفية ويعِّمِق ديناميات العنف، موضحًا أنّ الإشكال لا يكمن في نتائج الاتفاقيات وحدها، بل في منطق صناعتها القائم على الأدوات والغايات. ويفضي هذا المنطق، إلى تحويل السلام من وسيلة لإنهاء الحرب إلى عنصر يغذّي استمرارها، بما يؤدي إلى إفراغ السياسة من مضمونها وتعطيل إمكان بناء عقد اجتماعي مدني حقيقي30.
3. العلاقات المدنية - العسكرية
يجادل البدوي عبد القادر في دراسته، "العلاقات المدنية - العسكرية في السودان: إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية"، بضرورة توسيع مقاربة هذا الموضوع في الحالة السودانية، وعدم اختزاله في ظاهرة الانقلابات أو النظر إلى الإصلاح العسكري بوصفه إقصاء الجيش عن المجال السياسي. وتهدف الدراسة إلى إطلاق نقاش عقلاني يعيد فهم العلاقة بين المدنيين والعسكريين من منظورٍ أوسع وفهم أشمل للعلاقات المدنية - العسكرية. وتبحث الدراسة في كيفية تفاعل المؤسسة العسكرية مع المجاَليَن السياسي والاقتصادي. وترى أن هذه العلاقات يجب أن تناقَش في إطار اندماج المؤسسة العسكرية في الدولة والمجتمع المدني، بدلًا من التعامل معها باعتبارها تهديدًا لبنية الدولة. ووفقًا للدراسة، فإن التركيز لا ينبغي أن ينحصر في آليات تعزيز السيطرة المدنية وتقليص النفوذ العسكري، بل يجب أن يتجه نحو صياغة قوانين واضحة ومنظمة للعلاقة بين الطرفين، بما يحدد الأدوار والاختصاصات ويرسم الحدود بينهما. وتخلص إلى أن الإصغاء السياسي لرأي الخبراء العسكريين يسهم في تعزيز الثقة المتبادلة وتطوير العلاقة بين الجانبين31.
4. الحكم اللامركزي وإدارة التنوع والنزاع
في محور علاقات المركز بالأطراف والأقاليم، وفي إطار تحليل قضايا تطبيق النظام اللامركزي في السودان، يتناول حسام إبراهيم وجوليا بربر، في دراسة بعنوان "التوجّه نحو اللامركزية في السودان ما بعد الحرب: بين الفرص والمحدّدات البنيوية والاستراتيجية"، المتطلبات الأساسية اللازمة لضمان تطبيقٍ فعّال للنظام اللامركزي. وتقدّم الدراسة خريطة طريق توضح شروط إمكان تطبيق اللامركزية بصيغة ملائمة للسياق السوداني. وتستعرض المحددات السياسية والإدارية والتنظيمية الضرورية لإنجاح اللامركزية. فمن الناحية السياسية تبرز أهمية إعادة توزيع السلطات والموارد بين المركز والولايات. أما على الصعيدَين الإداري والتنظيمي، فتشير الدراسة إلى ضرورة توافر الموارد المالية الكافية، وضمان الاستقلال الإداري والمالي للولايات، وتعزيز مشاركة المجتمع المحلي وبناء القدرات، وإدارة التنوّع المجتمعي بكفاءة، إضافةً إلى تفعيل أدوات المراقبة والمساءلة. كما تتناول الفرص المتاحة والتحديات التي تعترض مسار تطبيق النظام اللامركزي في السودان32.
المراجع
العربية
إبراهيم، حسام وجوليا بربر. "التوجّه نحو اللامركزية في السودان ما بعد الحرب: بين الفرص والمحدّدات البنيوية والاستراتيجية". سياسات عربية. مج 13، العدد 76 (أيلول/ سبتمبر.)2025
أبو خريس، عبد الرحمن. "اتفاقية جوبا للسلام في السودان: رؤية تحليلية إستراتيجية". المستقبل العربي. مج 46، العدد 531 (أيار/ مايو.)2023
أبوشوك، أحمد إبراهيم. "اتفاقيات السلام السودانية (2020-1972): إرث المنشأ وتحديات الاستدامة". سياسات عربية. مج 13، العدد 76 (أيلول/ سبتمبر.)2025
تبار، عديلة. "خطاب ما بعد الحقيقة أثناء ثورة 2019
والمرحلة الانتقالية التي تلتها في السودان: دراسة في دور وسائط التواصل الاجتماعي". سياسات عربية. مج 13، العدد 75 (تموز/ يوليو.)2025
الحاج علي أحمد، حسن. "الانقلاب بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة في السودان". سياسات عربية. مج 5، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير.)2017
________. "الهجنة العسكرية في السودان وتحديات إصلاح القطاع العسكري". حكامة. مج 6، العدد 11.)2025(دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان. عبد الوهاب الأفندي وسيدي أحمد ولد محمد سالم )محرران(. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2013
دقاش، متوكل. "تفكك الدولة في السودان: دراسة في الأسباب والعوامل )2025-1821(". سياسات عربية. مج 13، العدد 76 )أيلول/ سبتمبر.(2025
طرمان، سجى. "حرب فاتفاق سلام، فانهيار، فحرب: معضلات صنع السلام في السودانين". سياسات عربية. مج 13، العدد 76 )أيلول/ سبتمبر.(2025
عبد القادر البدوي. "العلاقات المدنية - العسكرية في السودان: إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية". سياسات عربية. مج 13، العدد 76 )أيلول/ سبتمبر.(2025
عثمان الفيل، خالد. "سياسات التحرير الاقتصادي وأثره في العلاقات المدنية - العسكرية: حالات عربية مختارة". سياسات عربية. مج 8، العدد 44 )أيار/ مايو.)2020
كاليفاس، ستاثيس. منطق العنف في الحروب الأهلية. ترجمة عبيدة عامر. الدوحة: دار جامعة حمد بن خليفة للنشر،.2021
المال والحروب وإدارة أعمال السلطة: السودان كسوق أعمال سياسية، مختارات من أعمال أليكس دي وال. ترجمة الحارث عبد الله. الخرطوم: مركز تأسيس،.2021
مكاوي محمد قيلي، بهاء الدين. "تنامي ظاهرة العسكرة في السودان: المظاهر والأسباب والتداعيات". سياسات عربية. مج 12، العدد 71 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2024
هارون، محمد محجوب. "الغابة للأشجار: حرب 15 نيسان/ أبريل 2023
وتحدّي بناء الأمّة والدولة في السودان". سياسات عربية. مج 13، العدد 76 (أيلول/ سبتمبر.)2025
الأجنبية
Azad, Tahir Mahmood et al. "Understanding Gray Zone Warfare from Multiple Perspectives." World Affairs. vol. 186, no. 1 (2022). Bach, Jean-Nicolas et al. (eds.). The Routledge Handbook on the Horn of Africa. London: Routledge, 2022. Behuria, Pritish, Lars Buur & Hazel Gray. "Research Note: Studying Political Settlements in Africa." African Affairs. vol. 116, no. 64 (July 2017). Ben Hammou, Salah. "The Varieties of Civilian Praetorianism: Evidence from Sudan's Coup Politics." Armed Forces & Society. vol. 50, no. 4 (2023). Berg-Schlosser, Dirk et al. (eds.). Sage Handbook of Political Science. Thousand Oaks: Sage, 2020. Caldor, Mary. New and Old Wars: Organised Violence in a Global Era. Redwood: Stanford University Press, 2012. Darwich, May. "Foreign Policy Analysis and Armed Non-State Actors in World Politics: Lessons from the Middle East." Foreign Policy Analysis. vol. 17, no. 4 (October 2021). De Waal, Alex et al. "The Epidemiology of Lethal Violence in Darfur: Using Micro-data to Explore Complex Patterns of Ongoing Armed Conflict." Social Science & Medicine. vol. 120 (2014). Elhagali, Hassan. "Outsourcing Proxy Wars in Libya and Yemen: The Use of Foreign Militias in Regional Security Complexes." A Paper Presented at the 61 st
Annual Convention of the International Studies Association. March 25-28, 2020. Gallab, Abdullahi A. A Civil Society Deferred: The Tertiary Grip of Violence in the Sudan. Gainesville: University Press of Florida, 2011. Ḥ ar ī r, Shar ī f ʻ Abd All ā h & Terje Tvedt. Short‐Cut to Decay: The Case of the Sudan. Upsala: The Nordic Africa Institute, 1994. Jay, Bahadur. The Pirates of Somalia: Inside their Hidden World. New York: Harper Perennial, 2011. Jones, Marc Owen. Digital Authoritarianism in the Middle East: Deception, Disinformation, and Social Media. London: Hurst, 2022. Mohammed, Nadir. "Militarization in Sudan: Trends and Determinants." Armed Forces & Society. vol. 19, no. 4 (1993). Siman, Bernard. "Russia's Hybrid Wars Come to Sudan Brussels." Policy Brief , EGMONT: Royal Institute for International Relations Security. 4/5/2023. Söderbaum, Fredrik & Timothy M. Shaw (eds.). Theories of New Regionalism. London: Palgrave Macmillan, 2003. Srinivasan, Sharath. When Peace Kills Politics: International Intervention and Unending Wars in the Sudans. London: Hurst, 2021. Ye ş ilta ş , Murat & Tuncay Karda ş. Non-State Armed Actors in the Middle East: Geopolitics, Ideology, and Strategy. London: Palgrave Macmillan, 2018. Ylönen, Aleksi. "On Sources of Political Violence in Africa: The Case of 'Marginalizing State' in Sudan." Política y Cultura, otoño. no. 32 (2009). Woodward, Peter. Sudan 1898–1989: The Unstable State. Boulder, CO: Lynne Reinner Publishers, 1990. Zaidan, Yasir. "Ethno-mercenarism in Sudan's RSF and the Sahelian Arab Belt in Africa." Small Wars & Insurgencies (2025).