معضلة أمن النفوذ: العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية وحدود السياسة الخارجية الإيرانية
The Security Dilemma of Influence: Shi'i Transnationalism and the Limits of Iranian Foreign Policy
الملخّص
ارتكزت سياسة إيران الخارجية على التزامٍ بالثورة الإسلامية القائمة على العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية، لتشّك ل آليةً مركزيةً من أجل ضمان نفوذ إيران الإقليمي والحفاظ على هويتها ما بعد الثورة. غير أنّ التطوّرات الأخيرة، لا سيّما في إثر حرب حزيران/ يونيو 2025 مع إسرائيل، ت ثير تساؤلاتٍ مهمّة بشأن استدامة هذه المقاربة. صحيحٌ أنّ دراسات عديدةُ تناولت السياسة الخارجية الإيرانية القائمة على الهوية، إلّا أّنها لم تتطرّق على نحوٍ كاٍفّ إلى مسألة التناقضات المزمنة التي توّلُّدها هذه السياسة ضمن إطار أمن إيران الأنطولوجي، أو كيفيّة تشكيل هذه التناقضات سلوك إيران الإقليمي وتقييده في آن معًا. تقدم هذه الدراسة مقاربة نظرية لمأزق إيران بوصفه فخًا أنطولوجيا، تنتج فيه الممارسات الروتينيةُ للسياسة الخارجية القائمة على الهوية حالة مزمنة من انعدام الأمن بدلا من ترسيخ الاستقرار. وُتقدّم الدراسة مفهوم معضلة أمن النفوذ، لبيان أنّ الشبكات العابرة للحدود الوطنيةُ صارت تثير معارضة قوميةً، وترهق السردية السائدة في إيران والعراق ولبنان.
Abstract
The Islamic Republic's foreign policy, grounded in a revolutionary commitment to Shi ʿ i transnationalism, has long been viewed as a central mechanism for securing Iran's regional influence and post-revolutionary identity. Yet recent developments, most notably the June 2025 war with Israel, raise critical questions about the sustainability of this approach. While much scholarship has explored Iran's identity-driven foreign policy, less attention has been paid to the chronic contradictions it generates within Iran's ontological security framework, or how these contradictions both shape and constrain Iran's regional conduct. This study approaches the problem by theorising Iran's predicament as an ontological trap, a condition in which identity-affirming foreign policy routines produce chronic insecurity rather than stabilisation. It introduces the concept of a security dilemma of influence to explain how transnational networks (once strategic assets) now provoke nationalist contestation and narrative fatigue in Iran, Iraq, and Lebanon.
- السياسة الخارجية الإيرانية
- الأمن الأنطولوجي
- العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية
- القومية
- معضلة أمن النفوذ
- Iranian Foreign Policy
- Shiʿi Transnationalism
- Nationalism
- Security Dilemma of Influence
مقدمة
على الرغم من الوضوح الأيديولوجي، أصبحت السياسة الخارجية الإيرانية بعد الثورة الاسلامية مصدرًا لانعدام الأمن الأنطولوجي، بسبب الصرامة التي اتصفت بها ممارسات تعزيز الهوية الشيعية العابرة للحدود الوطنية التي لم تعد تتماشى والشعور الوطني. فقد أصبحت هذه الممارسات، التي كانت تشكّل سابقًا ضرورةً ثورية،ً فخًا للهوية، وهي متجذرة أساسًا في الممارسات الروتينية للمؤسسات، تعزّزها الالتزامات التي يتعهّد بها أنصار النظام الرئيسون في خطاباتهم. وكّلمّا صوّرت جمهورية إيران الإسلامية نفسها على أنها تتزعّم مقاومةً شيعيةً عابرة للحدود الوطنية، ساهمت في إثارة حفيظة شعبها وحثّت على اندلاع مقاومة وطنية في الساحات نفسها التي تسعى للتأثير فيها. وقد تجلّت هذه الدينامية بوضوح خلال حرب حزيران/ يونيو 2025 مع إسرائيل؛ إذ أثبتت شبكات إيران العابرة للحدود الوطنية عدم فاعليتها إلى حدّ بعيد، وأصبح التماسك الوطني، بدلًا من التحالفات الإقليمية، العامل الحاسم في إدارة الأزمات. وترى هذه الدراسة أنّ الجمهورية الإسلامية واقعة فيما يمكن تسميته الفخ الأنطولوجي، حيث إنّ الممارسات الروتينية للسياسة الخارجية المصمّمة للحفاظ على تماسك الهوية تنتج، بخلاف ذلك، حالة مزمنة من عدم الاستقرار. ومن بين النتائج الجانبية الرئيسة لهذه الحالة ما يم كن تسميته أيضًا معضلة أمن النفوذ؛ ذلك أنّ تعزيز القوة العابرة للحدود الوطنية يساهم في تقويض المرونة الاستراتيجية وشرعية الهوية داخليًا وخارجيًا. من الناحية التاريخية، تعود جذور هذه الإشكالية إلى السنوات الأولى التي تلت قيام الجمهورية الإسلامية. ولم يتشكّل توجّه السياسة الخارجية الإيرانية، القائم على العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية، بفعل القناعة الأيديولوجية فحسب، بل بفعل الاستجابات للتهديدات الوجودية القوية. فبعيد ثورة 1979، واجهت البلاد عزلة فرضها الغرب، وناصبتها الدول العربية المجاورة العداء، فضلًا عن خوضها حربًا ضروسًا مع العراق (1988–1980). لم تؤِّدِ الحرب الإيرانية - العراقية إلى تعزيز هوية الجمهورية الإسلامية المقاوِمة فحسب، بل جعلت أيضًا التضامن الشيعي ضرورةً استراتيجية. وقد عزّز الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 هذا التوجّه أكثر؛ إذ انخرط مسؤولون إيرانيون، فضلًا عن وحدات الحرس الثوري الإسلامي، على نحوٍ مباشر في عملية دعم حركات المقاومة الشيعية، وأدّوا دورًا رئيسًا في ترسيخ حزب الله بوصفه فاعلًا من غير الدول، يقوم دوره على الردع1. وخلال هذه الفترة التأسيسية، في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، تلاقت العقيدة الثورية مع الضرورة البراغماتية. وقد ساهمت عملية تعبئة الشبكات الشيعية العابرة للحدود الوطنية في منح إيران عمقًا استراتيجيًا، ودورًا أخلاقيًا، بوصفها المدافعة عن المظلومين. لكنّ سياسة إيران الخارجية، حتى خلال فترة التشكّل هذه، كشفت عن خللٍ بنيوي يكمن في ميلها إلى منح الأداء المعّبر عن الهوية الأولويةَ على حساب التكيّف الاستراتيجي. وقد ظهر هذا النمط جلًّيًا خلال الحرب الإيرانية - العراقية، حينما لم تستفد إيران دبلوماسيًا من المكاسب الرمزية التي حقّقتها ميدانيًا2. فبدلًا من أن يجري النظام عملية إعادة تقييم، ضاعف من تمسّكه بالمقاومة، بوصفها ممارسةً روتينية أساسيةً تجسّد الهوية، معززًا عقيدةً بدأت تفقد أهميتها الاستراتيجية. وأدّى اعتماد الجمهورية الإسلامية المستمرّ على هذا البردايم إلى توسّع الفجوة بين أداء الدولة الذي يعّبر عن هويتها من ناحية، ومشاعر سكّانها من ناحية أخرى. فلا يمكن اختزال الهوية الإيرانية في القومية الفارسية أو الأممية الإسلامية الشيعية؛ إذ إنها تتشكّل بفعل توازنٍ دقيق ومشروط تاريخيًا بين هذين القطبين. وقد شهد هذا الإرث المزدوج تقلّبات في ظلّ أنظمة مختلفة، إرثٌ يمتدّ من الثورة الدستورية الفارسية إلى الثورة الإسلامية عام 1979. واعتمدت الدولة البهلوية على النزعة القومية الإيرانية القائمة على الإرث ما قبل الإسلامي والحداثة العلمانية. أمّا الجمهورية الإسلامية، فسعت للتخّلي عن هذا البردايم من خلال ترسيخ إيران ضمن الأمة الإسلامية حاضنةً لها، وإظهار التضامن مع المسلمين المضطهدين خارج حدودها. غير أنّ النظامين ساهما في زعزعة هذا التوازن، بترجيح إحدى الهويتين على الأخرى. وإذا كان المسار الأول قد ساهم في اندلاع الثورة الإسلامية نفسها، فإنّ المسار الثاني قد أفضى الآن إلى تصدّع أنطولوجي، يُقوّض قدرة الدولة على توليد الشرعية المجتمعية. لا يتجّلى هذا التصدّع الأنطولوجي في عملية صنع القرار النخبوي فحسب، بل يظهر أيضًا في الخطاب الشعبي. فعلى مدى العقدين
الماضيين، شكّكت حركات الاحتجاج في إيران، عدّة مرات، في شرعية التزامات الدولة العابرة للحدود الوطنية. ولم تنتقد شعارات، مثل "لا غزة ولا لبنان.. أضحي بحياتي من أجل إيران"، تشابكات إيران الإقليمية فحسب؛ بل أعادت أيضًا تأكيد مطالب وطنية بدولة ترتكز على السيادة والرفاه المادي والمساءلة المحلية3. لا ترفض هذه القومية الشعبية الناشئة العقيدة الشيعية نفسها، بل إنها تنبذ استغلال العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية مبرّرًا للمعاناة الاقتصادية والقمع السياسي أيضًا. وتطالب القومية الشعبية بهويةٍ تنافس تلك االتي تعتمدها الدولة: أي هوية تصوّر إيران بوصفها دولةً قومية، بدل من كونها مركزًا لمشروع عالمي للمقاومة. ويعكس التنافر المتزايد بين الأداء الذي يعّبر عن هوية الجمهورية الإسلامية وتصوّر الشعب لذاته، حالة مزمنة من انعدام الأمن الأنطولوجي. ولا ينشأ هذا الوضع بسبب التهديدات الخارجية فحسب، بل أيضًا بسبب التناقضات الداخلية بين ادعاءات النظام الأيديولوجية والواقع الذي يعيشه شعب إيران. تُقدّم هذه الدراسة مساهمةً نظرية وتشخيصية؛ فهي تساهم، من الناحية النظرية، في الأدبيات المتعلقة بالأمن الأنطولوجي من خلال توسيع إطار النقاشات بشأن الممارسات الروتينية التي تعّبر عن الهوية وانعكاساتها4. وقد تناولت عدّة دراسات الجهود التي تبذلها الدول للحفاظ على هويتها من خلال ممارسات السياسة الخارجية الروتينية5، وتطرّقت إلى تحفيز فترات الأزمات إعادةَ التشكّل الواعي للهوية6. ومع ذلك، فهي لم تُعِرْ أهمية إلى الحالات التي تتسبّب فيها الممارسات الهادفة إلى توفير الأمن الأنطولوجي تنافرًا مستمرًا. أشير إلى هذه الحالة من خلال مصطلح "الفخ الأنطولوجيُ" Trap Ontological. في حالة إيران، لا يزال هذا الفخّ قائمًا بسبب عجز النظام عن إعادة تقييم دوره، بوصفه قوة شيعية عابرة للحدود الوطنية، حتى مع عدم توافق هذه الهوية على نحو متزايدٍ مع المشاعر الوطنية والمصالح المادية. وليست النتيجة أزمة هوية عارضة، بل حالة بنيوية تُقوّض فيها ممارساتُ السياسة الخارجية الاستقرارَ الذي يُفترض أن تضمنه. يطرح هذا التحليل أيضًا مفهوم "معضلة أمن النفوذ" Security Influence of Dilemma؛ إذ يستعرض شكلًا جديدًا من التشابك الجيوسياسي الذي تواجهه الدول الملتزمة أيديولوجيًا. تناول مفهوم معضلة الأمن الكلاسيكية مخاطر التهديدات التي يسيء الفاعلون ذوو السيادة فهمها. أمّا هذا الشكل الجديد، فيُسلّط الضوء على مفارقة مختلفة؛ هي أنّ توسّع النفوذ العابر للحدود الوطنية من خلال الشبكات القائمة على الهوية قد يؤدي إلى حالة من انعدام الأمن، وذلك عبر تآكل الشرعية الوطنية وإثارة ردود فعل إقليمية عنيفة. وفي حالة إيران، لم يؤدّ انخراطها المتزايد في العراق ولبنان واليمن إلى تحالفات دائمة، ولم يُكسبها عمقًا استراتيجيًا. على العكس، لقد أفضى هذا الانخراط إلى قوة موازنة لدى المنافسين الإقليميين، وأشعل مقاومة وطنية داخل مناطق نفوذها. وعلى الصعيد المحلي، فشلت هذه الاستثمارات في السياسة الخارجية في تحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية، بل على العكس من ذلك، عزّزت تصوّرًا عامًا مفاده أنّ الدولة تعمل في خدمة مشروع أيديولوجي منفصل باطّراد عن الاحتياجات الشعبية. تبدأ الدراسة بمراجعة نقدية لأدبيات الأمن الأنطولوجي وأهميتها في الحالة الإيرانية، متتبّعةً التشكّل التاريخي لممارسات الهوية الشيعية العابرة للحدود الوطنية في إيران خلال السنوات التأسيسية للجمهورية الإسلامية. ومن ثم، تتناول مظاهر تنافر الهوية على المستوى المحّلي، مع التركيز على نحوٍ خاص على صعود القومية الشعبية وشرعية الممارسات الروتينية للسياسة الخارجية الإيرانية المتنازع عليها. ومن هنا، تُبلور الدراسة مفهومَي الفخ الأنطولوجي ومعضلة أمن النفوذ، بوصفهما أداتين تفسيريتين لفهم حالة عدم استقرار الهوية المزمنة في إيران. وتتناول الخاتمة آثار هذا النموذج على نطاق واسع، مشيرةً إلى أنّ انعدام الأمن الأنطولوجي في إيران ليس نتيجةً لفشل المقاومة، بل هو نتيجة لعجز الدولة عن التوفيق بين تصوّرها الثوري لذاتها والمطالب القومية المستمرة.
أولا: الأمن الأنطولوجي وتنافر الهوية وحدود الممارسات الروتينية للسياسة الخارجية
أصبح مفهوم الأمن الأنطولوجي يشكّل إطارًا محوريًا في حقل العلاقات الدولية لفهم كيف تسعى الدول للمحافظة على هويتها
إلى جانب بقائها. ورأى الباحثون، استنادًا إلى أعمال عالم الاجتماع البريطاني، أنتوني غيدنز Giddens Anthony، أنّ الدول - مثلها مثل الأفراد - تعتمد على علاقات روتينية، بما فيها العلاقات العدائية، للحفاظ على شعور مستقرّ بالذات. وتوفّر هذه العلاقات الروتينية إمكانية التنبؤِ وتشكّلُ حدودًا معرفيةً في عالم يسوده اللايقين. وقد شدّدت المساهمة التأسيسية لأستاذة العلوم السياسية، جينيفر ميتزن، على أنّ الدول ليست فواعل عقلانية تسعى لتحقيق منفعة مادية فحسب، بل هي أيضًا فواعل أنطولوجية تسعى لتحقيق الاتساق في فهمهم لذواتهم7. سلّطت ميتزن الضوء على وظيفة الممارسات الروتينية التي تحقّق الاستقرار، إّلا أنّ الدراسات أظهرت لاحقًا بعض الخصائص المهمّة. وحاجّ عدد من الباحثين بأنّ التكرار لا يبدّد دائمًا حالة انعدام الأمن الأنطولوجي، بخاصةٍ عندما تنفصل الممارسات الروتينية عن السياقات المتغيرة8. صحيحٌ أنّ السلوك الروتيني قد يَحدّ من الشعور بالقلق Anxiety على المدى القصير، إلا أنه قد يُرسّخ أيضًا ردود فعل متصلّبة ضدّ أي تغيير. ومُيّ يّز هؤلاء الباحثون بين عامل الخوف المرتبط بتهديدات محدّدة، والقلق الناجم عن عدم يقينٍ أنطولوجي قد يدفع الدول إلى تبني استراتيجيات صارمة، تتعلّق بالهوية في أدائها وإن كانت فارغة في جوهرها. لاقى هذا النقد رواجًا، وبرزت سلسلة من النقاشات على نطاقٍ أوسع. تستعرض بعض المساهمات كيف تتعامل الدول مع التناقضات ومسألة تصدّع الهوية. فبدلًا من تخّلي الدول عن سردياتها الجوهرية، قد تعيد صوغها بصفة انتقائية، من خلال قمع عناصر معيّنة وإبراز عناصر أخرى9. وتطرح أدبيات أخرى مفهوم التنافر الأنطولوجي Dissonance Ontological، لشرح كيفية الحفاظ على أولويات الهوية غير المتوافقة بصورةٍ متزامنة، من خلال الغموض أو عدم التماسك الاستراتيجي أو تأخّر المصالحة10. ومن منظور أنطولوجي، ناقش باحثون كيف تُعطّل المواقف الحرجة، مثل الصدمات الجيوسياسية أو لحظات الاضطرابات أو الخسارة الرمزية، الممارسات الروتينية التي تعّبر عن الهوية وتفرض على الدول الانخراط في التأمل الذاتي في السرديات11. ومن هذا المنطلق، لا يُعّد التنافر فشلًا بالضرورة، بل قد يصبح نمطًا للوجود. وتُوسّع الدراسات ذات الصلة نطاق الأمن الأنطولوجي ليتجاوز تماسك السرديات ويشمل الأبعاد المؤسسية والوجدانية والرمزية؛ فالدول لا تكتفي بسرد روايات عن نفسها فحسب، بل تُجسّد أيضًا سيادتها من خلال ممارسات مكانية ومادية، مثل ضبط الحدود والشعائر الاحتفالية أو الأداء الدبلوماسي12. ويرى البعض أنّ هذه الممارسات تُساهم في تثبيت "شخصية الدولة" عبر ترسيخ الحدود والشرعية. وفي السياق نفسه، تُسلّط أبحاث أستاذ العلوم السياسية، برنت ستيل، الضوء على كيفية تشكيل العمليات التنظيمية، بما فيها ديناميات النخبة العسكرية والخطاب الذكوري، وإنتاج الأمن الأنطولوجي13. ويُنظر أيضًا إلى الإنكار التاريخي والقلق الثقافي وقمع الهوية على أنها تهديدات مستمرة، بخاصةٍ في سياقات ما بعد الإمبريالية أو ما بعد الاستعمار14. تُعدّ العمليات الثقافية اللاواعية اليوم جزءًا لا يتجزأ من كيفية تعامل الدول مع قلق الهوية. ويشير بعض الدراسات إلى أنّ وعي الدولة ينشأ من خلال ممارسات براغماتية ومتجذرة تاريخيًا ومتعدّدة الطبقات15. وتتناول دراسات أخرى دور السجلات
الثقافية Repertoires Cultural والتسلسل الهرمي للمكانة، وحتى آليات الدفاع النفسية في تشكيل عملية الحفاظ على الهوية16. ووفقًا لهذه المنظورات، لا يُعدّ انعدام الأمن الأنطولوجي استجابة للصدمات الخارجية فحسب؛ بل قد يكون أيضًا متجذّرًا ومحتضَ نًا في البنية Embadded، ونتيجة لترسبات تاريخية Sedimented، ويُعاد إنتاجه من خلال ممارسات تبدو مستقرة لكنها تخفي تنافرًا أعمق. برزت السياسة الخارجية الإيرانية بوصفها حالة اختبار حاسمة لهذه النقاشات17. وفي هذا السياق، تفّسر مجموعةٌ مهمّة من الدراسات سلوكَ الجمهورية الإسلامية ما بعد الثورة على أنه ليس سلوكًا استراتيجيًا فحسب، بل تراه أيضًا سلوكًا مرتبطًا من الناحية الأدائية بالهوية الثورية. ويقوم هذا السلوك على دعم فلسطين وقيادة جبهة المقاومة ومواجهة الولايات المتحدة الأميركية. وغالبًا ما تُعدّ سياسة إيران الإقليمية من أشكال سياسة المقاومة المتجذّرة في سرديات مناهضة الإمبريالية، والتضامن الشيعي، والتحدي الأخلاقي. وقد جرى تصوير برنامجها الصاروخي ودعمها للفاعلين من غير الدول، فضلًا عن موقفها النووي، على أنها تجسيدات رمزية للاستقلالية والصمود18. غير أنّ اتجاهًا بحثيًا ناشئًا بدأ يشكّك في الفرضية القائلة إنّ هذه الممارسات الروتينية، التي تعّبر عن الهوية، لا تزال تُنتج حالة من الطمأنينة الأنطولوجية. ويرى بعض الباحثين أنّ خطاب الهوية الذي تعتمده إيران قد ازداد تصلّبًا، بعد الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة؛ ما أدّى إلى تضييق حيّز التعددية الداخلية، وتهميش الرؤى الوطنية البديلة19. ويُظهر باحثون آخرون كيف تُقوّض القيود المادية والإنهاك العام، على نحو متزايد، سردية الدولة القائمة على المقاومة، ولا سيما مع عدم تلبية المطالب الاقتصادية والسياسية20. وينجم عّما سبق اتساع الفجوة بين الإسقاط الرمزي والتجربة المعيشة. ويسلط المراقبون والباحثون أيضًا الضوء على التناقضات الداخلية بين مبادئ إيران الأيديولوجية واعتمادها البراغماتي على عقيدة المصلحة (النفعية)، بخاصةٍ فيما يتعلق بالالتزامات الإقليمية مثل قضية فلسطين21. وتكشف هذه الدراسات عن انقسام عميق بين الهوية الأخلاقية والمصلحة الوطنية؛ ما يعرقل تحقيق التماسك في أداء الدولة. يبرز في الأدبيات نمطٌ أوسع، يتمثّل في التنافر بين الهوية والأداء. صحيحٌ أنّ السياسة الخارجية الإيرانية كانت تستمدّ سابقًا تماسكها من أسسها الثورية، إّلا أنها لم تعد تتماشى اليوم والمشاعر المحلية في الداخل والقبول الإقليمي في المنطقة. وتشير تحليلات حديثة إلى أّن الممارسات ذاتها التي تهدف إلى ترسيخ دور إيران الأيديولوجي قد، تُساهم في عدم استقرارها الاستراتيجي والأنطولوجي. وليس التناقض في هذا الفهم، عارضًا أو مرحليًا، بل هو متجذّر بنيويًا في نظام هوية الجمهورية الإسلامية، ويستمرّ من خلال ممارسات يصعب إزالتها من دون تقويض السرديات التأسيسية التي يقوم عليها نظام الهوية نفسه. ومع أنّ هذه التوترات باتت أشدّ وضوحًا، فإن تفسيرها في العديد من الدراسات الأكاديمية الحالية لا يزال يستند إلى منظور الضغوط الخارجية، أو التنافس النخبوي، أو الخلل المؤقت في وظائف النظام. ولم تبحث سوى دراسات قليلة في إمكانية أن يصبح انعدام الأمن الأنطولوجي في حدّ ذاته روتينيًا، تحافظ عليه ممارسات ايلسياسة الخارجية التي لم تعد تضمن الهوية، لكنها لا يمكن التخّل عنها بسهولةٍ أيضًا. في هذا السياق، قد تساهم الأدوات المفهومية المتعلّقة بالفخ الأنطولوجي ومعضلة أمن النفوذ في توضيح الديناميات المؤثّرة. وذلك لأنّ الفخ الأنطولوجي يجسّد استمرارية الممارسات الروتينية التي تعّبر عن الهوية، والتي تُنتج حالة عدم استقرار أكثر مما تُحدثه من تماسك؛ أمّا معضلة أمن النفوذ، فتسلّط الضوء على المفارقة التي يُؤدي فيها نشر الهوية العابر للحدود، الذي يهدف إلى تعزيز السلطة، إلى إضعاف الشرعية في الداخل والخارج. تطوّر الأقسام التالية هذه المفاهيم، وتبدأ بفحص السنوات المبكرة التي تشكّلت فيها الجمهورية الإسلامية. وتُظهر الدراسة كيف
أصبحت هذه الممارسات الروتينية، التي تعّبر عن الهوية، متجذّرة في ممارسات الدولة الاستراتيجية، وتبّين كيف أثبتت قدرتها على مقاومة عملية إعادة التقييم بمرور الوقت، وذلك من خلال تتبّع نشوء الالتزامات الشيعية الإيرانية العابرة للحدود الوطنية في مواجهة التهديدات الوجودية المبكرة.
ثانيًا: تشّك ل الممارسات التي تعبّر عن الهوية الشيعية العابرة للحدود الوطنية في إيران ومأسسُتهاُ
لم تنشأ هوية السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية مكتملةً عند تشكلها في عام 1979؛ إذ تطوّرت عبر ثلاث فترات حرجة، اتسمت كل منها بقيودٍ تاريخية وبنيوية وإقليمية متمايزة. بدأت هوية السياسة الخارجية الإيرانية رؤيةً ثورية تعّبر عن التضامن الإسلامي، لتتصلّب تدريجيًا وتتحوّل إلى سياسة خارجية قائمة على العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية. ومن ثمّ، ترسخت مؤسّسيًا، من خلال بنى الدولة، والممارسات الروتينية الاستراتيجية. ويتتبّع هذا القسم مسار هذا التطوّر، أي من العشرية الثورية التأسيسية، مرورًا بفترة إعادةِ تقييمٍ براغماتية، وصولًا إلى مرحلة ما بعد عام 2003 التي عُرفت بترسيخ دور إيران الإقليمي وتوسّع أمني وتصاعد ردود الفعل العنيفة على كل ذلك. وتبّين الدراسة كيف أنّ ما بدا في البداية يشكّل استجابات تكيفيّة لعزلة جيوسياسية قد تحوّل إلى ممارسات جامدة تعّبر عن الهوية، تزامنت مع عائدات متناقصة باطّراد.
1. ترسيخ الثورة والسعي لتحقيق التضامن الإسلامي (1979 - 1989)
تأسس النظام الإيراني الجديد، بعد الثورة الإسلامية عام 1979، على أسسٍ أيديولوجية تلتزم بمشروع الصحوة الإسلامية، ومعاداة الإمبريالية، والتعبئة العابرة للحدود الوطنية. ولم يكن مبدأ تصدير الثورة، المنصوص عليه في المادة 154 من الدستور، عبارة عن خطابٍ فحسب، بل تجسّد مؤسسيًا في تشكيل الحرس الثوري الإسلامي، وضمنه، وحدة حركات التحرّر، المكلّفة بدعم الحركات الإسلامية في الخارج22. ومع ذلك، سرعان ما اصطدم هذا الطموح الساعي لتحقيق التضامن والوحدة الإسلامية بالسياسة الواقعية الإقليمية Realpolitik. فدعوات إيران إلى الوحدة الإسلامية قد قابلتها بالريبة الدول العربية السنية، التي انحاز العديد منها إلى العراق خلال الحرب العراقية - الإيرانية. وقد رسّخت الحربُ نفسُها، التي وصفتها إيران بالدفاع المقدس، إحساسَ الدولة باستثنائيتها الأنطولوجية، معززةً تصوّرها لذاتها بوصفها ضحيةً وفي طليعة الدفاع المقدس في آنٍ واحد23. تعزّز الطابع الطائفي في التوجّه الإيراني العابر للحدود الوطنية في إطار العزلة الدولية، وضرورات زمن الحرب. وقد دفع فشل التعبئة في سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية الأوسع، فضلًا عن موقف العراق القومي العربي، الخبراءَ الاستراتيجيين الإيرانيين إلى تطوير علاقات أعمق مع الحركات الشيعية في المنطقة. ولم يكن هذا المشروع قد صُمّم صراحةً بوصفه مشروعًا طائفيًا، ولكنه كان بمنزلة تحوّل من التضامن الإسلامي العالمي إلى التركيز على الجماعاتCommunities التي تشارك إيران نظرتها الدينية والسياسية. وقد منح الغزوُ الإسرائيلي للبنان عام 1982 إيرانَ فرصةً حاسمة. وذلك لأنّ نشر عناصر الحرس الثوري الإيراني في لبنان ودورهم في إنشاء حزب الله شّكلّا خطوة أولى نحو مأسسةٍ مستدامة للتوسّع الإيراني العابر للحدود الوطنية. وههنا تلاقت الأيديولوجيا والاستراتيجية؛ إذ تناغم الدفاع عن شيعة لبنان ضد العدوان الإسرائيلي مع الروح الثورية، وساهم، في الوقت نفسه، في إنشاء بنية موالية بالوكالة خارج حدود إيران24. انتهت هذه المرحلة الأولى بوفاة آية الله الخميني عام 1989، والموافقة على قرار مجلس الأمن رقم 598، فضلًا عن نهاية الحرب الباردة. غير أنّ البُنى المؤسسية التي نشأت خلال هذا العقد، بخاصةٍ قوات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وعقيدة المقاومة، أرست أسس هوية سياسة خارجية متجذّرة في التعبئة الشيعية العابرة للحدود الوطنية. وما بدأ بوصفه رَّدَ فعلٍ على الانكشاف الجيوسياسي أصبح عنصرًا أساسيًا في سجل أمن إيران الأنطولوجي الناشئ.
2. البراغماتية والاحتواء ومنطق الهوية الثنائي (1990 - 2003)
اتّسمت المرحلة الثانية من هوية السياسة الخارجية الإيرانية بتراجعٍ جزئيٍ عن النزعة الحدّية الأيديولوجية Maximalism. ففي عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني (1997–1989)، أولت إيران عمليةَ إعادة الإعمار بعد الحرب والتطبيع الإقليمي الأهميةَ. واتجهت إدارته إلى إصلاح علاقاتها بالدول العربية المجاورة، بخاصةٍ بالمملكة العربية السعودية، إضافةً إلى إعادة توجيه السياسة الخارجية نحو التعافي
الاقتصادي والاستقرار الداخلي25. صحيحٌ أنّ إيران تمسّكت بخطاب المقاومة، ولا سيما فيما يتعلّق بإسرائيل والولايات المتحدة، إّلا أّن خطاب تصدير الثورة خفّت حدّته. واتصفت نبرتها الدبلوماسية في هذه المرحلة بالبراغماتية، لا بإبراز نزعتها التوسعية. واستمرّت مرحلة إعادة التقييم هذه في عهد الرئيس محمد خاتمي (2005-1997)، الذي تبنّى موقفًا تصالحيًا أكثر تجاه الغرب، واعتمد لغة الحوار والتعددية الحضارية. وقد جسّدت مبادرة "الحوار بين الحضارات" محاولةً لإعادة صوغ هوية إيران، لا بوصفها دولة ثورية معزولة، بل بوصفها فاعلًا عقلانيًا ضمن النظام الدولي، وثريًا من الناحية الحضارية. وسعت إدارة خاتمي أيضًا لتخفيف حدّة االتوترات مع أوروبا، وإجراء مفاوضات بشأن القضايا النووية، فضل عن إعادة بناء الثقة مع الشركاء الإقليميين26. غير أنّ هذه الجهود لم تُحقّق سوى نجاح جزئي. فقد لاقت مبادرات خاتمي ترحيبًا في بعض الأوساط، إّلا أنّ واشنطن غالبًا ما كانت تنظر إليها بعين الريبة، بخاصةٍ بعد تصنيف إيران جزءًا من "محور الشرّ" عام.2002 وعلى الصعيد الداخلي، شهدت هذه المرحلة ترسيخًا لمنطق مزدوج ضمن هوية السياسة الخارجية الإيرانية. فكانت ثمة قومية براغماتية متمركزة حول الدولة تنتهجها السلطة التنفيذية المنتخبة من جهة، ومؤسسة أمنية - لا سيما الحرس الثوري الإسلامي - ظلت ملتزمة بالهوية الثورية التي تشكّلت في العقد الماضي من جهةٍ أخرى. لم تكن هذه الازدواجية مؤسسية فحسب، بل أنطولوجية أيضًا؛ إذ عكست توترات لم تُحلّ بعد بشأن إن كانت إيران ستكون دولة قومية تعمل لمصلحتها الخاصة، أم محورًا لمقاومة إسلامية شيعية عابرة للحدود الوطنية. صحيحٌ أنّ نشاط فيلق القدس كان معلّقًا نسبيًا خلال هذه الفترة، إّلا أنه حافظ على الاتصالات وشبكات النفوذ الإقليمية، على نحو ممهّد للتعبئة في المستقبل27. شكّل الغزو الأميركي للعراق عام 2003 نهايةً لهذه المرحلة. فقد أدّى إلى انهيار خصم إقليمي رئيس، وأحدث تغييرًا جذريًا في بنية الأمن الإقليمي. ومع وقوع كل من أفغانستان (2001) والعراق (2003) تحت الاحتلال الأميركي، وجدت إيران نفسها محاصرة،ً ولكن توافرت لها أيضًا فرص جديدة. ففي الوقت الذي تفككت فيه الدولة العراقية، برز فيلق القدس بوصفه أداةً رئيسة لتوسيع النفوذ الإيراني من خلال الميليشيات الشيعية والرعاية السياسية للوكلاء. ومالت الازدواجية التي ميّزت هذا العقد على نحوٍ حاسم لمصلحة العقيدة الإقليمية التي يتبنّاها الحرس الثوري الإيراني. وطغى مشروع أمني عابر للحدود الوطنية على السياسة الخارجية البراغماتية التي شهدتها تسعينيات القرن العشرين؛ وهو مشروعٌ يهدف إلى إعادة ترتيب التوازن الإقليمي.
3. ترسيخ الدور الإقليمي والتمدد الاستراتيجي المفرط وتصدّع الهوية
اتّسمت المرحلة الثالثة بالصعود والتمدد المفرط. ففي أعقاب حرب العراق، وسّعت إيران حضورها الإقليمي بسرعة من خلال شبكات غير متماثلة. فقد دعمت تشكيل قوات الحشد الشعبي في العراق، ورسخت وجودها وعزّزت تحالفها مع حزب الله في لبنان، وقدّمت الدعم لجماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن. وشكّل تدخل إيران في الحرب الأهلية السورية، بهدف الحفاظ على نظام بشار الأسد، التعبيرَ الأوضح عن هذه الاستراتيجية العابرة للحدود الوطنية من ناحية كثافة استخدام الموارد. وبرّرت طهران حملتها في سورية بأنها حملة ضد الإرهاب والدفاع عن محور المقاومة معًا28. ومع ذلك، شكّلت أيضًا نقطة تحوّل في كيفية النظر إلى إيران في المنطقة. صحيحٌ أنّ مواجهة حزب الله مع إسرائيل في حرب عام 2006 قد أثارت إعجابًا على الصعيد الإقليمي، إّلا أنّ القمع الوحشي للمتمرّدين السوريين بدعم من إيران وحزب الله أثار حفيظة العديد من الدوائر السنية، وأطلق جرس الإنذار في العواصم العربية29. وبمرور الوقت، أصبحت التزامات إيران العابرة للحدود الوطنية وواسعة النطاق أكثر أمننةً وشخصنة وأكثر اعتمادًا على السلطة الميدانية لفيلق القدس. وبرز الجنرال، قاسم سليماني، لا بوصفه الرأَس المدبّر لاستراتيجية إيران الإقليمية فحسب، بل أيضًا رمزًا لعزيمتها الثورية في أعين الجمهور. أمّا حضوره الميداني وصفاته الدبلوماسية، فضلًا عن مؤهلاته القيادية، فقد منحا الجمهورية الإسلامية عمقًا استراتيجيًا لا ينافسها فيه أي فاعل إقليمي آخر. غير أنّ هذا الاعتماد على سليماني قد أضفى طابعًا شخصانيًا أيضًا على هوية السياسة الخارجية الإيرانية التي بنتها إيران؛ إذ أصبح المشروع مرتبطًا على نحوٍ متزايد بشخصيته الكاريزمية وصدقيته. لذلك، لم يكن اغتياله، في
كانون الثاني/ يناير 2020، بمسّيةر أميركية، ضربةً تكتيكيةً فحسب، بل كان أيضًا بمنزلة قطيعة رمزية. فقد قوّض تماسك موقف إيران الردعي، ونجم عنه شعور عميق بالانكشاف الأنطولوجيOntological Vulnerability، ولا سّيمّا لدى شرائح الرأي العام الإيراني التي ربطت اعتزازها الوطني بصورة شخصيته التي لا تُقهر30. كشفت السنوات التي تلت ذلك حدود النموذج الإقليمي الذي تتبنّاه إيران؛ فقد أدّت العقوبات، وتدهور الوضع الاقتصادي، وتنامي السخط الداخلي، إلى تآكل شرعية تكلفة السياسة الخارجية الإيرانية31. وفي العراق، اتسعت ردود الفعل الوطنية العنيفة ضد قوات الحشد الشعبي؛ وفي لبنان، قوّض الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي صورة حزب الله بوصفه قوةَ استقرار. واعتمدت القيادة الإيرانية، التي تعاني أصلًا ضغوطًا داخلية، على الأفعال الرمزية بصفة متزايدة، مثل إحياء ذكرى سليماني، للحفاظ على شعور بالاستمرارية الثورية32. ولم يكن هرذا الاعتماد على الممارسات الروتينية العاطفية والتأبينية، التي تعّب عن الهوية، دليلًا على القوة، بل كان دليلًا على الإنهاك. ومع تراجع قدرة إيران على الحفاظ على تحالفاتها من الناحية المادية، باتت تعتمد أكثر فأكثر على شعائر المقاومة لإخفاء هشاشة موقفها. أصبحت هذه الهشاشة واضحةً بعد عملية طوفان الأقصى التي نفذتها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ضدّ إسرائيل، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فقد أدّى الردّ الإسرائيلي العنيف على العملية إلى انخراط محدود لحزب الله في الحرب. وأطاح اغتيال زعيم حزب الله الذي كان يتمتع بشخصية كاريزمية في 27 أيلول/ سبتمبر 2024 - قبل وقت قصير من إحياء الذكرى السنوية للحرب - الشريك الإقليمي الأقوى لإيران. وبخلاف اغتيال سليماني، الذي جرى تفسيره داخليًا على أنه استشهاد في مواجهة مع الغرب، أظهر هذا الحدث أنّ محور المقاومة تعرّض لانتكاسة استراتيجية. ولأول مرة منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اكتفت إيران بردّ فعل هشّ وغير متماسك على هذه النكسة. وغدت سياستها الخارجية، التي عرفت مدة طويلة بكونها سياسة متماسكة وصارمة، أقرب إلى أداءٍ فَقدَ تماسكه وانسجامه مع التوقعات الإقليمية والمحلية المتقلّبة. أمّا حرب إيران وإسرائيل، في حزيران/ يونيو 2025، فشكّلت نقطَة تحوّلٍ حاسمة في مسار سياسة إيران الإقليمية، وفي اعتمادها على التحالفات العابرة للحدود الوطنية. صحيحٌ أنّ المزاعم العقائدية الراسخة أكّدت أنّ انخراط إيران في نزاعات مثل الحرب في سورية كان بهدف "محاربة الأعداء في الخارج لتفادي القتال في طهران"، إّلا أّن تجربة حرب الاثنَي عشر يومًا أماطت اللثام عن القصور العملي لهذه الاستراتيجية33. ففي فترات الأزمات الحادة، لم يُقدّم حزب الله ولا وحدات الحشد الشعبي في العراق دعمًا فعّ لًا لإيران. واتّسم رد فعل الجمهور داخل إيران بشعورٍ ملموسٍ بالمفاجأة وخيبة الأمل؛ إذ تزايدت التساؤلات في التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي والنقاشات الخاصة بشأن صدقية محور المقاومة وقيمته بالنسبة إلى أمن إيران. وكشفت هذه الحرب مدى تآكل البنية التحتية لعملية التعبئة الشيعية العابرة للحدود الوطنية، من الناحيتين العملياتية والرمزية؛ ما دفع إيران إلى اعتماد مواردها الوطنية بصفة أساسية في لحظة تهديد وجودي34. وقد أدّى الأثر التراكمي لهذه الفترات الثلاث إلى مأسسة هوية السياسة الخارجية القائمة على التعبئة الشيعية العابرة للحدود الوطنية، والردع الأمني، والمقاومة الرمزية. وما بدأ بدافع الضرورة في ثمانينيات القرن العشرين تحوّل، مع مطلع الألفية الجديدة، إلى سلوكٍ مؤسٍّس وروتيني، واستمرّ على هذا المنوال مع بداية عشرينيات القرن الحادي والعشرين إلى حٍّدٍ بعيد، نتيجة حالة الجمود البنيوي التي تعرقل إعادة تعريف الذات وأولوياتها. غير أنّ هذا السلوك الروتيني لم يكن محايدًا؛ إذ تضمّن ترسيخ فرضيات أنطولوجية ضمن ممارسات الدولة: فرضيات تتعلّق بهوية إيران Is Iran Who، والقضايا التي تدافع عنها What Defends Iran، والجهات التي تتزعّمها Leads Iran Whom. ومع ترآكل صلاحية هذه الفرضيات، أصبحت الممارسات الروتينية التي تعّب عن الهوية التي تدعمها إيران غير مستقرّة على نحو متزايد.
ثالثًا: التنافر الوطني وقدرة الشعب المحدودة على التحمّل
دأبت النخب الثورية في تصوير السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، القائمة على الهوية، بوصفها أداةً ضروريةً لتحقيق الأمن الأنطولوجي؛ أي وسيلةً لضمان تماسك هوية إيران ما بعد الثورة
وحتميتها واستمراريتها. ومع ذلك، وعلى الرغم من ثبات هذه الممارسات والإصرار عليها، يرى الكثير من الإيرانيين بصورةٍ متزايدة أنها منفصلة عن تجربتهم التاريخية وعن واقعهم المعاصر. وبعيدًا عن توفير الأمان والطمأنينة، تثير الممارسات الشيعية العابرة للحدود الوطنية التي ترعاها الدولة تناقضات داخلية، ولا تتوافق مع الوعي الثقافي والتاريخي المركّب لدى الجمهور. ويعكس هذا التنافر، الذي يتجّلى اليوم في حلقات متكررة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، سوءَ فهمٍ عميق، من جانب نخب الدولة في مرحلة ما بعد الثورة، لكيفية تحقيق الأمن الأنطولوجي والمحافظة عليه على المستوى الوطني. قدّم السيد جواد طباطبائي (2023-1945)، أحد أبرز فلاسفة التاريخ السياسي في إيران، إطارًا مفهوميًا لا يزال يتّسم بأهميةٍ كبيرةٍ، يتيح فهم معضلات السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية. صحيحٌ أنّ المقاربة التي يعتمدها بشأن الهوية الإيرانية، والمستوحاة من فريدريش هيغل، لا تركّز على تقديم حلولٍ سياسية، إّلا أنه يستعرض رؤى مهمّة عن التنافر بين أيديولوجيا الدولة والوعي الوطني35. ويتمحور فكر الطباطبائي حول رفض ثنائية القومية (الإيرانية) والدين (الإسلامي)، ويصوّر الهوية الإيرانية على أنها توليفة تاريخية من الجانبين، متجذّرة في تراث حضاري تعدّدي. رأى طباطبائي، استنادًا إلى مفهوم "الوحدة في التعددية" عند هيغل، أنّ نظام إيران السياسي يشكّل نظامًا تاريخيًا قائمًا على الإشراك Inclusive، قادرًا على دمج الاختلافات الدينية واللغوية والإثنية في إطارٍ متماسك36. وقد شكّلت هذه التوليفة، التي نشأت للمرّة الأولى في عهد الإمبراطورية الأخمينيةAchaemenid Empire ثّم جرى تكييفها مع السياقات الإسلامية، صورة إيران الثابتة عن ذاتها. وتُجسّد نصوصٌ تأسيسية في كتب مثل سير الملوك Khodaynameh أو كتاب السياسة Siasatnameh37، كيف استوعب الحُكم الإيراني التعاليم الإسلامية من دون التخلص من التقاليد ما قبل الإسلامية38. في هذا السياق، يعكس توجّه الجمهورية الإسلامية نحو العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية تصدّعًا أكثر مما يشكّل أيّ استمرارية لما سبقه. فمن خلال إبراز هوية ثورية، تولي التضامن الأيديولوجي الأولوية على حساب الثقافة الوطنية، تُهمّش الدولة التوليفة الإيرانية التي حدّدها طباطبائي بوصفها محوريةً للشرعية السياسية الدائمة. إنّ اقتلاع العقيدة الشيعية من جذورها الفارسية، وإعادة تشكيلها أداةً للتعبئة الإقليمية، من شأنهما أن يقوّضا التوازن الحضاري بين القومية والدين الذي حافظ تاريخيًا على الهوية الإيرانية39. لقد عطّل كٌلّ من النظام الملكي البهلوي والجمهورية الإسلامية التوليفة بين القومية والدين التي تشكّل، بحسب طباطبائي، محورًا للهوية التاريخية الإيرانية. ففي عهد رضا شاه ومحمد رضا شاه، عزّزت الدولة قوميةً فارسية علمانية همّشت التقاليد والمؤسسات الدينية الإيرانية. وردّا على ذلك، أعاد مثقفون مثل جلال آل أحمد وعلي شريعتي، في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، التشديد على الإسلام بوصفه حجر الزاوية في الأصالة السياسية، وجمعا بين مناهَضة الإمبريالية والصحوة الدينية40. وقد عّبر ت ثورة 1979 عن هذا التغيير من خلال المؤسسات؛ إذ استبدلت القومية العلمانية بمشروع أيديولوجي شيعي عابر للحدود الوطنية، يركّز على تصدير الثورة ودعم حركات المقاومة في جميع أنحاء المنطقة. ومع ذلك، ارتكبت الجمهورية الإسلامية الخطأ نفسه الذي ارتكبه النظام السابق باختزال التعددية الحضارية الإيرانية في قطب أيديولوجي واحد. وبمرور الوقت، أصبح التزام الجمهورية الإسلامية بالعقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية، المتجذرة مؤسسيًا في الحرس الثوري الإسلامي وأذرعه الإقليميين، منفصلًا بصفة متزايدة عن تجارب الشعب المعيشة وحساسياته الثقافية. وقد صاغت النخب هذه الالتزامات في السياسة الخارجية، بوصفها ضرورية لتحقيق الأمن الأنطولوجي، إلا أنها شكّلت، بالنسبة إلى الكثير من المواطنين، مصدرًا لعدم الاستقرار والتفكك والاغتراب الثقافي41. ولم تعكس المظاهرات العامة المظالم المادية فحسب، بل عكست أيضًا شعورًا أعمق بسوء الاعتراف بالهوية. وقد همّشت مساعي الدولة لتحقيق التماسك، من خلال المقاومة الأيديولوجية، التوازنَ التعدّدي الذي دعم تاريخيًا فهم إيران لذاتها.
وفي صميم هذا الشعور المجتمعي المتزايد بخيبة الأمل، يكمن سوء فهم جوهري من جانب نخب الدولة للطابع التعددي والمستنير تاريخيًا للهوية الإيرانية، كما وصفها طباطبائي. وقد سعت الدولة، بدلًا من بلورة توليفة دقيقة بين القومية والإسلام الشيعي، لتحقيق التماسك من خلال التبسيط الأيديولوجي، معزّزةً المقاومة والتعبئة الثورية بوصفهما المؤشرين الدالين على الهوية. صحيحٌ أنّ هذا التأطير قد حافظ على قوةٍ بلاغيةٍ في الخطاب الثوري، إّلا أنه أغفل عملية تشكّل الهوية المعقّدة داخليًا والمتعدّدة الأبعاد تاريخيّا، وهو ما أكّده الفكر الإيرانيشهري42. ويرى طباطبائي أنّ الهوية الإيرانية وجدت تقليديًا "في داخلٍ هو في ذاته خارجٌ للعالم الإسلامي"، أي إنها مندمجة في الأطر الحضارية الإسلامية الأوسع ومتميزة منها في الوقت نفسه43. غير أنّ تبنّي الجمهورية الإسلامية فكرة التضامن الشيعي، العابر للحدود الوطنية، يضع إيران مباشرةً في قلب مشروع ثوري عابر للعالم الإسلامي Pan-Islamic؛ ما يطمس التوليفة الإيرانية الدقيقة التي شكّلت توازنًا تاريخيًا بين العناصر الدينية والوطنية. علاوة على ذلك، يعكس هذا الاختلال فشلًا تواصليًا واسع النطاق. وبحسب ما أكدته أدبيات الأمن الأنطولوجي الحديثة، على الدول نقل سرديات هويتها بفاعلية إلى مجتمعها في الداخل للحفاظ على شرعيتها وتماسكها44. وفي السياق الإيراني، واجهت نخب الدولة صعوبات في هذا المجال الحيوي. فقد أدّت استراتيجياتها القائمة على التواصل، والتي تعتمد كثيرًا على الرمزية الثورية وسرديات الشهادة، إلى نفور متزايد لدى أفراد شرائح من السكان؛ إذ يرون أنّ هذه السرديات منفصلة عن تجربتهم المعيشة ولا علاقة لها بفهمهم التاريخي لذاتهم. نتيجةً لذلك، وبدلًا من أن تُفضي هذه الممارسات إلى بلورة حالة من الأمان والطمأنينة، أي تأكيد الهوية الثورية للدولة من خلال ممارسات روتينية موجهة للمقاومة، دفعت نحو تعميق تصوّرات التناقض وعدم التماسك وتراجع الشرعية. تكشف فجوة الاتصال هذه عن انعدامٍ للأمن الأنطولوجي أعمق مما أقرّت به الدولة علنًا. صحيحٌ أنّ صنّاع القرار النخبويين دأبوا في صوغ خياراتهم في السياسة الخارجية بوصفها أفع لًا ضروريةً للحفاظ على الهوية والمقاومة، إّلا أنّ الإيرانيين باتوا ينظرون على نحو متزايدٍ إلى هذه الأفعال على أنها تشكّل انتهاكات للهوية لا تأكيدًا لها. وتساهم رؤية طباطبائي الدقيقة لتَشكُّل الهويةِ الإيرانية في تفسير حدوث سوء الاعتراف بها. فمن خلال تجاهل ممارسات الدولة التوليفة المتجذّرة تاريخيًا، التي تتبنى القومية الإيرانية، فشلت في تحقيق التوافق مع الفهوم المحلية لكينونة الذات Selfhood. وبدلًا من تعزيز الهوية الوطنية، أفضت هذه الممارسات الثورية إلى إضعاف الهوية وتحويلها إلى مادة مثيرة للجدل أكثر؛ ما أدّى إلى نشوء حالة مزمنة من التنافر بين الهوية والأداء المرتبط بها. إضافة إلى ذلك، لا يقتصر هذا التنافر على الساحة المحلية، بل إنّ صداه بدأ يتردّد إقليميًا؛ ما يساهم في تعقيد نفوذ إيران على نطاقٍ أوسع. ففي العراق، حيث أصبحت النزعة القومية أشد وضوحًا ومقاومةً للتدخل الخارجي، أثار استثمار إيران الأيديولوجي في التضامن الشيعي رد فعل قوميًا عنيفًا، بدلًا من ضمان تحالف استراتيجي دائم45. أمّا في لبنان، وعلى الرغم من أنّ المشاعر الوطنية أقل رسوخًا، فإنّ ارتباط حزب الله القوي بالهوية الثورية الإيرانية بات يثير انتقادات متزايدة، بخاصةٍ في ظلّ الانهيار الاقتصادي المتواصل والجمود السياسي المزمن. ومن ثمّ، فإن التباين بين ممارسات الدولة الإيرانية التي تعّبر عن الهوية والوعي بالهوية القومية يُضعف التماسك الداخلي ويقوّض الصدقية الإقليمية؛ إذ تفشل السردية الأيديولوجية التي تُوجّه السياسة الخارجية الإيرانية في مراعاة تنوّع المطالب القومية داخل حدودها وخارجها. لا تنشأ حالة انعدام الأمن الأنطولوجي المعاصرة في إيران عن التهديدات الخارجية، بقدر ما تنشأ عن التناقضات الداخلية المتجذرة في سوء فهم الدولة للهوية القومية وفي سوء تعبيرها عنها. وفي هذا الإطار، يطرح تصوّر طباطبائي للفكر الإيرانيشهري رؤية نقدية لهذه الدينامية، من خلال وضع توليفة القومية الإيرانية والعقيدة الشيعية أساسًا للهوية الإيرانية، بدلًا من تغيير مكانتها بطريقةٍ ثورية من خلال الالتزامات الأيديولوجية العابرة للحدود الوطنية. وعندما تنتهج نخب الدولة ممارسات السياسة الخارجية الروتينية، التي تفضّ ل النزعة الثورية العابرة للحدود الوطنية على حساب التعدّدية التاريخية، فإنها تعمّق التنافر الأنطولوجي. وتساهم الممارسات التي تهدف إلى تأكيد الهوية القومية، بدلًا من ذلك، في بلورة شعور مزمن بانعدام الاستقرار. ويكشف هذا التحوّل من الشعور بالطمأنينة إلى حالةٍ من التناقض عن ضعفٍ بنيويٍ أعمق داخل نظام الهوية في الجمهورية الإسلامية، ويُشير إلى حدود قدرة الشعب على التحمّل.
رابعًا: الفخ الأنطولوجي ومعضلة أمن النفوذ
أنتجت التزامات إيران بالهوية الشيعية العابرة للحدود الوطنية، التي كانت تهدف إلى تعزيز التماسك الوطني والمكانة الإقليمية، وعلى نحوٍ متزايد، انكشافات استراتيجية وأنطولوجية على الصعيدين المحلي والإقليمي. وبدلًا من أن تساهم هذه الممارسات الممأسسة في ترسيخ هوية إيران ما بعد الثورة، تحوّلت إلى فخٍ أنطولوجي؛ وأنتجت مفارقة تقيّد فيها الجهودُ المبذولةُ لتأكيد هوية الدولة المرونةَ الاستراتيجيةَ، وتثير ردود فعل عكسية من المجتمع الإيراني والدول المجاورة. وتتفاقم هذه الأزمة الداخلية المتمثلة في التنافر بين الأداء والهوية، بسبب معضلة أمنية خارجية في مجال بسط النفوذ؛ إذ يفشل نشر الأيديولوجيا المتزايد خارجيًا في ضمان الاعتراف أو الشرعية، ويؤدي بدلًا من ذلك إلى تعزيز المقاومة. وفي حين يشدّد الفخ الأنطولوجي على التكلفة الداخلية لعملية الحفاظ المتسرّعة على الهوية، تعّبر معضلة أمن النفوذ عن التداعيات الإقليمية لهذه الممارسات نفسها. ويكشفان معًا كيف أصبحت الممارسات الروتينية التي تعّبر عن الهوية في إيران عوامل تولّد عدم الاستقرار. ويكمن في صميم هذا الفخ الأنطولوجي توتر بنيوي بين التزامات إيران الأيديولوجية العابرة للحدود الوطنية، وصعود تيارات قومية حازمة في البلدان التي مارست فيها إيران نفوذها. ويُعدّ العراُق، الذي يُنظر إليه منذ مدّة طويلة على أنه يشكّل حجر الزاوية في عمق إيران الاستراتيجي منذ الغزو الأميركي عام 2003، المثالَ الأوضح لهذا التناقض. فقد بات العراقيون ينظرون على نحوٍ متنام إلى عملية تشكيل قوات الحشد الشعبي ومأسستها، والتي اكتسبت الشرعية في البداية تعبيرًا عن التضامن الشيعي والتعبئة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، بوصفها انتهاكًا للسيادة الوطنية وعاملًا مساهمًا في تعميق التفكك الطائفي. ومع اكتساب القومية العراقية زخمًا، بخاصةٍ في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية التي بدأت في عام 2019، تحوّلت الميليشيات الموالية لإيران إلى نقاطٍ محوريةٍ للمعارضة المحلية. وبدلًا من تعزيز السلطة الإقليمية، أصبح وجود إيران يرمز إلى التوسّع الأجنبي المفرط؛ إذ يرى الكثيرون في العراق أنّ دورها يقتصر على تأمين مصلحتها الذاتية، ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار46. وفي هذا السياق، تحوّل ما بدأ مشروعًا يهدف إلى تحقيق الطمأنينة الأنطولوجية العابرة للحدود الوطنية إلى مصدر للانكشاف الاستراتيجي ولردود الفعل العنيفة على الهوية. ويُوضّ ح لبنان، وهو من ركائز محور المقاومة الذي تقوده إيران، ديناميةً موازيةً في تشُّكُل هذا الفخ الأنطولوجي. فقد باتت شرعية حزب الله، المتجذّرة تاريخيًا في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تدعمها إيران بصفة متواصلة على الصعيدين الأيديولوجي والمادي، عرضةً لمساءلة داخلية متزايدة. وقد أدّى الانهيار الاقتصادي الطويل الأمد في البلاد، المصحوب بشللٍ سياسي غالبًا ما يجري ربطه بدور حزب الله في الحكومة، إلى تراجع مكانته بين المواطنين اللبنانيين. وبات ارتباطه الوثيق بمشروع إيران العابر للحدود الوطنية، الذي كان يُعدّ في السابق رمزًا للتضامن الإقليمي، يعزّز تصوّرات وجود تدخّل خارجي. ويرى الكثيرون في لبنان أنّ حزب الله لا يؤدّي دور حامي الوطن، بقدر ما يؤدّي دور فاعل بالوكالة؛ ما يقوّض سيادة الدولة اللبنانية ويعطّل مسار الإصلاحات47. وفي هذا السياق، تحوّلت العلاقة التي كان من المفترض أن تشكّل استقرارًا أنطولوجيًا إلى عبء سياسيٍ؛ ما يُضعف نفوذ إيران الاستراتيجي ويُبدد رأسمالها الرمزي. وقد ساهم في تفاقم هذا التراجع الإقليمي للشرعية حدثان رمزيان مهّما ن، هما: اغتيال سليماني، واغتيال حسن نصر الله في أيلول/ سبتمبر 2024. جسّدت هاتان الشخصيتان السلطة الكاريزمية الأساسية لسردية إيران المتعلّقة بالثورة العابرة للحدود الوطنية؛ إذ أدّتا دور الوسيط بين الرؤية الأيديولوجية والاستراتيجية الميدانية. وقد شكّل اغتيال سليماني ما يفوق النكسة التكتيكية؛ إذ عطّل قدرة إيران على اعتماد السردية التي تنصّبها حاميةً ثابتة للمجتمعات الشيعية الإقليمية. أمّا اغتيال نصر الله، فقد ساهم في تقويض تماسك هذه السردية، وأماط اللثام عن انكشاف بنية إيران الرمزية48. وفي غياب هاتين الشخصيتين، اتخذت ممارسات إيران لهوية إيران العابرة للحدود الوطنية طابعًا روتينيًا وشعائريًا على نحوٍ متزايد، يعتمد على الطقوس التأبينية التي تسعى لإحداث التأثير نفسه في الداخل أو الخارج. ويُقدم تدخّل إيران في سورية مث لًا آخر على العبء الذي تمثّله الالتزامات الإقليمية القائمة على الهوية، ويحدّ من أمنها الأنطولوجي بدلًا من أن يعززه. لقد أصبح الكثيرون في العالمين العربي والإسلامي ينظرون تدريجيًا إلى دعم إيران لنظام الأسد على أنه طائفي وتوسّعي، بعد أن بررت تدخلها بأنه دفاعٌ عن المقدّسات الشيعية ورٌدّ على تنامي التطرّف السني. وقد وضعت الخسائرُ البشرية والاقتصادية
التي خلّفها النزاع، إلى جانب وحشية نظام الأسد، إيرانَ في موقع المعتدي بدلًا من المدافع؛ ما أثار حفيظة الدول على المستوى الإقليمي49. ومن ثمّ، أصبحت سورية رمزًا للفخ الأنطولوجي، حيث أدّت ممارسات إيران الروتينية التي تعّبر عن الهوية وتحافظ عليها، إلى تآكل سمعتها ووضَ عَها في عزلةٍ إقليمية طويلة الأمد. وتَظهر ديناميات مشابهة في البحرين واليمن، وإن كانت أقل محورية في حسابات إيران الاستراتيجية. ففي كلتا الحالتين، كثيرًا ما أضرّ الدعم الخطابي والمادي الذي قدّمته إيران للفاعلين الشيعة بصدقيتها، على الرغم من ارتكازه على سرديات المقاومة والتضامن. وقد استغلت الأنظمة الإقليمية هذا الانخراط الإيراني لنزع الشرعية عن المظالم المحلية، وتصوير المعارضة الداخلية بوصفها أداة تتلاعب بها قوى خارجية. ونتيجةً لذلك، وبدلًا من تجاوز الانقسامات الطائفية، ساهمت تدخلات إيران العابرة للحدود الوطنية في ترسيخ هذه الانقسامات في كثير من الأحيان؛ وهو ما قيّد من فاعلية قوتها الناعمة وكشف حدود سجلها الهوياتي. في خضمّ هذه التحديات المتراكمة، تُبّين مبادرات طهران الدبلوماسية، وأبرزها التقارب مع السعودية الذي حصل عام 2023، عن محاولةٍ لإعادة تقييم وضعها الإقليمي. لكن ليس واضحًا بعد إن كانت هذه الخطوات تنمّ عن مراجعةٍ ذاتية أنطولوجية حقيقية. وعلى الرغم من هذه المبادرات، لا يوجد ما يشير إلى أنّ القيادة الإيرانية قد أعادت النظر جذريًا في سرديات الهوية التي تُشكّل أساس سياستها الخارجية. فالخطاب الرسمي لا يزال يُولي المقاومةَ والتحدي الأيديولوجي الأولويةَ؛ ما يدلّ على مواصلة المسار نفسه، بدلًا من السعي لإحداث تغيير. وبحسب كينفال وميتزن، قد تعكس هذه الخطوات تكيّفًا تكتيكيًا أكثر منها إعادةَ تشكّلٍ نابعةً من مراجعةٍ ذاتية أعمق50. واقد تعمل هذه الجهود الدبلوماسية بوصفها مُسكّنات مؤقتة بدل من توفير حلولٍ مستدامة للخروج من الفخ الأنطولوجي، وذلك إن لم يحصل تغيير بنيوي في التزامات إيران الأنطولوجية. يعكس الفخّ الأنطولوجي الذي تعيشه إيران إخفاقًا أعمق، على مستوى التواصل بشأن ممارساتها الهويّاتية. فبالنسبة إلى الدول التي تسعى لتحقيق الأمن الأنطولوجي، لا تعتمد فاعلية الممارسات المتعلّقة بالهوية على الاتساق فحسب، بل تشمل القدرة على إيصال سردياتها بطريقةٍ تُحدث صدى محلّيًا ودوليًا في آنٍ واحد. وفي الحالة الإيرانية، تواجه السرديات الثورية، التي كانت يومًا ما تحوز قيمة رمزية فعّالة، صعوبةً متزايدة في تبرير الكيفية التي تتوافق بها تدّخلّات إيران الإقليمية مع المصالح الوطنية أو مع متطلّبات الاستقرار الإقليمي. فقد غدت هذه السرديات، على نحوٍ متزايد، شعائريّةً وتكرارية ومنفصلة عن التحّولّات في التوقّعات المحلية والسياقات الإقليمية. ومن ثمّ، باتت الممارسات التي تعّبر عن الهوية، التي وجدت أساسًا لبث الطمأنينة، مصدرًا لما يمكن وصفه بإنهاكٍ ناجم عن أزمة الهوية؛ إذ باتت الأفعال الرمزية، التي كانت في السابق تُشكّل ركيزةً للتماسك الجمعي، تثير اليوم شعورًا بالخيبة وانعدام الأمن. تُسلّط ديناميات حرب الاثني عشر يومًا الضوء على قصور استراتيجيات الأمن الأنطولوجية التي تعتمد على الحرب بالوكالة، والردع عن بُعد. وقد روّج القادة الإيرانيون، طوال عقودٍ، للمنطق القائل إنّ التدخل العسكري في الخارج سينأى بالوطن عن النزاع المباشر. غير أنّ الحرب مع إسرائيل، في حزيران/ يونيو 2025، لم تكتفِ بخرق هذه الدفاعات الأمامية فحسب، بل بيّنت أيضًا ضعف محور المقاومة بوصفه ضامنًا لأمن إيران. وقد أدى فشل الشركاء الإقليميين في التدخل على نحوٍ فعّال إلى عملية إعادة تقييم، سواء في التصوّر العام لدى الشعب الإيراني أو في خطاب النخبة؛ وقد شهد الإيرانيون بأنفسهم قصور الممارسات الروتينية القائمة على الهوية التي ينتهجها النظام في سياسته الخارجية. ونشأت ظاهرة "الالتفاف حول العلم" سعيًا وراء البقاء الوطني، ولم تكن ثمرة للتعبئة العابرة للحدود الوطنية. بعد ذلك، حصل تحوّلٌ في خطاب الدولة، فتناول موضوعات الصمود والسيادة الإيرانيين، ليقرّ ضمنيًا بتآكل المنطق الأيديولوجي الذي استندت إليه ممارسات السياسة الخارجية السابقة. يُفاقم هذا التدهور في التواصل مباشرةً ما يم كن وصفه بمعضلة أمن النفوذ العكسية. فكّلمّا نشرت إيران هويتها الثورية عبر الشبكات الإقليمية بقدر أكبر من الحزم، استدرجت ردود فعل مضادة في الدول المجاورة والحركات القومية الواقعة ضمن نطاق نفوذها. وبدلًا من ترسيخ السلطة الإقليمية، يزيد هذا النشر المُكثّف للهوية من حالة انعدام الأمن، داخليًا وخارجيًا. وتنتج من ذلك حلقة تعيد إنتاج نفسها بنفسها: إذ تُفضي الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن الأنطولوجي من خلال الممارسات التي تعّبر عن الهوية إلى ردود فعلٍ عكسيةٍ،ٍ تدفع إيران إلى مزيدٍ من التصلّب والتشدد في التعبير عن تلك الهوية. وتشكّل حلقة التفاعل بين تآكل الشرعية وتضخيم التأكيد على الهوية
المركز البنيوي لعدم الاستقرار الاستراتيجي والأنطولوجي الحالي في إيران اليوم. وفي نهاية المطاف، يكشف هذا الفخ الأنطولوجي هشاشةَ السياسة الخارجية القائمة على الهوية عندما تصبح صارمة؛ إذ تخفق في الاستجابة للسياقات المحلية والإقليمية الآخذة في التطوّر، وتعتمد على الأداء الرمزي أكثر مما تعتمد على البراغماتية التكيّفية. ويوضّ ح سعي إيران المستمر لتحقيق النزعة الثورية العابرة للحدود الوطنية، في بيئة إقليمية تتشكّل باطّراد من خلال الإصرار على الانتماء القومي وإعادة التقييم الاستراتيجي، كيف تتحوّل الممارسات الروتينية التي تعّبر عن الهوية، والتي كانت توفر في السابق طمأنينة أنطولوجية، إلى مصادر اضطراب بصفة متواصلة.
خاتمة: سوء الاعتراف بالهوية الوطنية وإعادة إنتاج الانكشاف الأنطولوجي
بيّنت هذه الدراسة أنّ مشروع السياسة الخارجية، القائمة على العقيدة الشيعية العابرة لحدود إيران الوطنية، أدّى إلى حالةٍ مزمنةٍ من التنافر المتعلّق بالهوية، الذي يقوّض كًّلا من شرعيتها الداخلية ونفوذها الإقليمي، مع أنّ هذا المشروع كان مُعدّا في الأصل أداة لتحقيق الأمن الأنطولوجي. ويعود أساس هذا التوتر إلى ما قدمته هذه الدراسة بوصفه فًّخًا أنطولوجًّيا. وفي هذه الحالة، تعيد الدولة إنتاج المخاوف نفسها التي تسعى لتخفيفها، وذلك بالتوازي مع سعيها لتثبيت هويتها الثورية من خلال ممارسات روتينية تتجسّد برالتدخل الخارجي. وقد تحوّلت هذه الممارسات الروتينية التي تعّب عن الهوية، والتي أثبتت فاعليتها في تعزيز التماسك، بعد الثورة خلال الحرب الإيرانية - العراقية وبعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، إلى أدوات عقائدية متصلّبة لإثبات الذات. وبمرور الوقت، أصبح انسلاخها عن فهم الذات التاريخية والثقافية التعددية لدى الأمة الإيرانية أشد وضوحًا من أي وقت مضى. فبرز أحد أشكال الممارسات التي تعّبر عن الهوية التي لم تعد مصدرًا للطمأنينة، بل باتت تثير شعورًا بالاغتراب، والتي لم تعد تعني شيئًا؛ إذ أصبحت تعزّز الشعور بالاستلاب على نحو متزايد. ليس هذا الفخ الأنطولوجي ظرفيًا ولا عابرًا، بل هو متجذّر في ساوء تقدير بنيوي للهوية الإيرانية لدى دولة ما بعد الثورة. فبدل من الاعتراف بالتوليفة المركّبة، الإيرانية تاريخيًا والإسلامية ثقافيًا والشيعية سياسيًا، والتي تظهر دائمًا من خلال مصطلحات وطنية محددة، تعاملت الدولة مع الهوية بوصفها عنصرًا عقائديًا ثابتًا. وفشلت في تكييف هوية سياستها الخارجية لتتناسب والفهم الذاتي الذي يكتنف مواطنيها، وذلك بتفضيلها التعبئة العابرة للحدود الوطنية على حساب المصالحة الوطنية، وبتركيزها على الولاء لبردايم المقاومة على حساب تطوير سردية وطنية مشتركة. فليس العنصر الشيعي في حد ذاته هو الذي يُولّد التوتر، بل تجريد هذا العنصر من تركيبته الإيرانية، وإعادة صوغه عقيدةً فوق وطنية منفصلة عن المكان والثقافة والذاكرة. وهكذا، فإن الممارسات التي تعّبر عن الهوية، التي تُشكّل أساس السياسة الخارجية الإيرانية، لا تُؤدي إلى تراجع على الصعيد الجيوسياسي فحسب، بل إنها تُولّد أيضًا إنهاكًا أنطولوجيا داخليًا. على الصعيد الداخلي، لم تتجَّلَ هذه الحالة في لحظات الاضطرابات فحسب، بل في شعورٍ متواصل بالاستياء أيضًا؛ فالشعارات والمشاعر التي برزت في الاحتجاجات الشعبية، ليست ردود فعل على المصاعب الاقتصادية أو القمع السياسي وحدها، بل إنها عّبر ت أيضًا عن استياء أعمق من كيفية تعريف الدولة لذاتها. ويكشف الانفصام المتكرر، بين السرديات التي توظفها الدولة والسرديات التي يتبنّاها الشعب، عن فشل في تكامل السرديات. وبحسب مصطلحات الأمن الأنطولوجي، لم تعد ممارساتُ الدولة الروتينيةُ تولّد تماسكًا عبر مستويات التعبير عن الهوية. فهي، بخلاف ذلك، تعمل بوصفها سيناريوَهيَن متوازَييَن: تنفّذ الدولة أحدهما في حين يؤدي الشعب السيناريو الآخر، مع تقارب ضئيل في الأداء. ويسلّط هذا الصدع الداخلي الضوء على مفارقة الفخ الأنطولوجي. صحيحٌ أنّ الدولة تسعى لتأكيد هويتها، غير أنّ الوسائل التي تعتمدها تعيد إنتاج ظروف انعدام أمنها. وعلى الصعيد الإقليمي، يُفضي هذا الفخ إلى ما وصفته هذه الدراسة بمعضلة أمن النفوذ. ففي الوقت نفسه الذي تسعى فيه إيران لترسيخ نفوذها من خلال شبكات التوافق الأيديولوجي والدعم العسكري، ولا سيما في لبنان والعراق، فإنها تثير تعارض الآراء على الصعيد الوطني، وتُضعف التوافق، وتُقوّض شرعية حلفائها. وينشأ هذا المتغّير الأنطولوجي من الإفراط في الالتزامات القائمة على الهوية، بخلاف المعضلة الأمنية التقليدية التي تتجذّر في التصعيد المادي وسوء الفهم الاستراتيجي. فمن خلال محاولة الجمهورية الإسلامية مأسسة هويتها الثورية من خلال الآخرين، فهي تولّد مقاومة لا تقتصر على الخصوم فحسب، بل تشمل أيضًا المجتمعات المحلية التي قد تبدو متوافقة مع رؤيتها للعالم. ونتيجة ذلك نفوذ واسع النطاق ولكن تأثيره ضعيف، يجري الحفاظ عليه بالإكراه والرمزية بدلًا من التجذّر الثقافي أو الهدف المشترك. لم يتآكل النفوذ العابر للحدود الوطنية نتيجة تقلّبات جيوسياسية؛ إذ إنه يعكس استنفاد بردايم الهوية الذي لم يتطوّر. ويرمز اغتيال
سليماني ونصر الله إلى انهيار هذا البردايم. فقد جسّد سليماني، كونه مهندس التمدد الإيراني على الصعيد الإقليمي، تماسك المقاومة بوصفها هويةً، وقد كشف اغتياله عن انكشافاتها الكامنة. أمّا اغتيال نصر الله، الذي يُعدّ على نطاقٍ واسع الشخصية الأكثر كاريزمية وانضباطًا في التعبير عن السردية الإيرانية، فقد شكّل المثال الفعّال الأخير الذي يعّبر عن هذا البردايم خارج حدود إيران. لم يتسبّب اغتياله في نكسةٍ تكتيكية فحسب؛ إذ كشف أيضًا عن تفكك رمزي لمشروع هوية إقليمية فقدَ تلقائيًا الهالة التي كانت تحيط به. وفي كلتا الحالتين، يتزامن ضعف تأثير السرديات وتنامي الانتقادات المحلية والقومية لدور إيران الإقليمي، سواء خلال احتجاجات العراق أو من خلال الانهيار الاقتصادي في لبنان، أو ضمن عملية إعادة تقييم دور إيران في مرحلة ما بعد النزاع في سورية. وما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه تضامن وقائي، بات يُصوّر اليوم على نحوٍ متزايدٍ على أنه توسّعٌ إمبريالي مفرط. إنّ هذا التآكل الذي يتكشّف بالتوازي مع سعي إيران لاعتماد سياسة التقارب ومحاولتها إجراء عمليات إعادة تقييم دبلوماسية ليس بالأمر العابر؛ إذ تشير جميع الخطوات الرامية إلى استعادة العلاقات مع السعودية وتهدئة التوترات مع دول الخليج المجاورة، فضلًا عن إدارة المواقف الإقليمية بحذر أكبر، إلى وعي كامن لدى بعض النخب السياسية بتكلفة التمدد المفرط. غير أنه في غياب تحوّل جوهري في السردية، تظل عمليات إعادة التقييم هذه ردود فعل تكتيكية، لا ترقى إلى مستوى التحوّل البنيوي. صحيح أنّ إعادة التقييم هذه قد تعكس شكلًا من إدارة الأزمات، إلا أنها لا تعّبر عن عملية حقيقية لإعادة صوغ للهوية. فالممارسات الروتينية للدولة تظل على حالها، على الرغم مما قد يطرأ من ليونةٍ على شكلها، وهو نمط يعرّفه منظّرو الأمن الأنطولوجي بوصفه ميزة تتمتّع بها الدول التي تعاني أزمة في الهوية بصورة متواصلة51. والأهم من ذلك، تشير استمرارية هذا الفخ الأنطولوجي إلى محدودية السياسة الخارجية بوصفها أداةً للتماسك الداخلي؛ إذ لم تقتصر السياسة الخارجية الثورية الإيرانية على الأعداء الخارجيين أو الطموحات الإقليمية. فقد كانت منذ بدايتها تعويضًا عن التعبير عن الهوية الذي كان يهدف إلى ترسيخ نظام جديد وإضفاء الطابع المقدّس على أسسه العقائدية، فضلًا عن مواجهة التصدّع من خلال نشر صورة الاستمرارية. وقد شكّلت دعوتها للتعبئة الشيعية العابرة للحدود الوطنية رمزًا للمقاومة واستباقًا للمعارضة الداخلية. غير أنّ هذه السياسة الخارجية على مرّ الأيّام، واتساع الفجوة الثقافية والجيلية والتاريخية مقارنةً بعام 1979، ما عادا يوفّران الطمأنينة كما في السابق. فقد تصدّع التماسك الأنطولوجي الذي كانت قد تعهّدت به سابقًا؛ صحيح أنها أبقت على منطقها في الأداء، غير أنّ أثره الوجداني قد تلاشى. ويكمن الفخ في هذا الجمود المتمثّل في العجز عن النأي عن الممارسات الروتينية الثورية من دون إحداث المزيد من التصدّع، واستحالة الحفاظ عليها من دون تسريع وتيرة التأكل. ومن ثمّ، لم ينجم انعدام الأمن الأنطولوجي لدى إيران، بالضرورة، عن إخفاق في السياسة الخارجية، بل جاء نتيجة سوء اعتراف بالهوية على المستوى الداخلي. وقد أدّى الفشل في إدراج السياسة الخارجية ضمن الهوية المُركّبة التي تحظى بها الأمة الإيرانية تاريخيًا، لا بوصفها ثنائيةً تجمع بين الإسلام والقومية، بل بوصفها استمرارية متشابكة باينهما، إلى حالةٍ أصبحت فيها ممارسات الهوية تولّد الاغتراب بدل من تحقيق التماسك. ويكشف الإطار الذي قدّمه طباطبائي، وإن لم تشارك فيه الدولة مباشرةً، ضمنيًا عن البديل؛ وهو تقليد لا تكون فيه الهوية أحاديةً أو صارمةً، بل متعدّدة الأبعاد وقابلة للتفاوض، ومتموضعة تاريخيًا. وقد زعزعت سياسةُ الدولة الخارجيةُ، بانحرافها عن هذه التوليفة، الأسسَ نفسها التي سعت للحفاظ عليها. ولهذا، تكمن المفارقة في أنّ ما شكّل في السابق مصدرًا للطمأنينة بات مصدرًا للتوتر. وما كان يومًا مشروعًا لتحقيق التماسك أصبح اليوم مصدرًا للتصدّع. وما كان يومًا سرديةً شاملةً للمقاومة أصبح اليوم وعلى نحوٍ متزايد بمنزلة تكرارٍ محدود لشعارات لم تعد مصدرًا للإلهام. وهكذا، فإن أزمة هوية الجمهورية الإسلامية لا تكمن في افتقادها الهوية، بل في إعادة إنتاج الذات من دون وعيٍ بها. وقد أبرزت تداعيات حرب الاثني عشر يومًا، أكثر من أي وقت مضى، الإنهاك البنيوي لبردايم السياسة الخارجية الإيرانية. صحيح أنه كان في الإمكان مواجهة لحظات الأزمات السابقة بدعوات للتضامن ولتعزيز المقاومة العابرة للحدود الوطنية، إلا أنّ تجربة المواجهة المباشرة مع إسرائيل كشفت هشاشة هذه التحالفات، وبيّنت ضرورة إعادة تركيز النزعة القومية الإيرانية بوصفها محورًا للشرعية السياسية والأمن الأنطولوجي. وإذا كانت الاستجابة لمطلب "الالتفاف حول العلم" ظاهرة عابرة، فإن الفخ الأنطولوجي باقٍ ومستمر. ولكن إذا ساهمت تلك الظاهرة في تحفيز عملية إعادة تفكير جوهرية في تنظيم العلاقة بين الأولويات الوطنية وتلك العابرة للحدود، فقد تُشكّل هذه الحرب بداية مرحلةٍ جديدةٍ في سعي الجمهورية الإسلامية لتحقيق الأمن وإعادة تعريف ذاتها والاعتراف بها.
المراجع
Behravesh, Maysam. "State Revisionism and Ontological (In)Security in International Politics: The Complicated Case of Iran and Its Nuclear Behavior." Journal of International Relations and Development. vol. 21 (2018). Behrman, Chantal, Killian Clarke & Rima Majed. "From Victims to Dissidents: Legacies of Violence and Popular Mobilization in Iraq (2003–2018)." American Political Science Review. vol. 118 (2024). Boroujerdi, Mehrzad, & Alireza Shomali. "The Unfolding of Unreason: Javad Tabatabai's Idea of Political Decline in Iran." Iranian Studies. vol. 48 (2015). Bostani, Mostafa. "Exceptionalism and Nationalism in Contemporary Iranian Thought: A Study of Javad Tabatabai's Scholarship." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 52, no. 5 (2025). Cash, John. "Psychoanalysis, Cultures of Anarchy, and Ontological Insecurity." International Theory. vol. 12 (2020). Cingöz, Murat. "Iran's Palestinian Policy after Hamas' 7 October Attack." MANAS Sosyal Ara ş tırmalar Dergisi. vol. 14 (2025). Cingöz, Murat et al. "Iran's Axis of Resistance through the Lens of Ontological Security." Third World Quarterly. vol. 45 (2024). Daher, Aurélie. "Hassan Nasrallah: Impact of a Leadership on Shiite Sectarian and National Political Cultures." Middle East Critique. vol. 34, no. 3 (2025). Ejdus, Filip. "Critical Situations, Fundamental Questions and Ontological Insecurity in World Politics." Journal of International Relations and Development. vol. 21 (2018). El Husseini, Rola. "Hezbollah and the Axis of Refusal: Hamas, Iran and Syria." Third World Quarterly. vol. 31 (2010). Gustafsson, Karl & Nina C. Krickel-Choi. "Returning to the Roots of Ontological Security: Insights from the Existentialist Anxiety Literature." European Journal of International Relations. vol. 26 (2020). Innes, Alexandria. "Accounting for Inequalities: Divided Selves and Divided States in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 29 (2023). Kalantari, Mohammad R. The Clergy and the Modern Middle East: Shi ʿ i Political Activism in Iran, Iraq and Lebanon. London: Bloomsbury, 2021. _______. "The Media Contest during the Iran–Iraq War: The Failure of Mediatized Shi ʿ ism." Media, War & Conflict. vol. 15 (2022). Khatib, Lina. "Hezbollah's State Capture in Lebanon." Small Wars & Insurgencies. vol. 36 (2025). Khelghat-Doost, Hamoon. "The Foreign Policy of Post- Revolutionary Iran: Expediency at the Crossroad of Supra-Nationalism and Sovereignty." AUSTRAL: Brazilian Journal of Strategy & International Relations. vol. 11 (2023). Kinnvall, Catarina & Jennifer Mitzen. "Ontological Security and Conflict: The Dynamics of Crisis and the Constitution of Community." Journal of International Relations and Development. vol. 21
_______. "Anxiety, Fear, and Ontological Security in World Politics: Thinking with and beyond Giddens." International Theory. vol. 12 (2020). Kinnvall, Catarina. "Globalization and Religious Nationalism: Self, Identity, and the Search for Ontological Security." Political Psychology. vol. 25
Krickel-Choi, Nina C. "State Personhood and Ontological Security as a Framework of Existence: Moving beyond Identity, Discovering Sovereignty." Cambridge Review of International Affairs. vol. 37
Lerner, Adam B. "What's It Like to Be a State? An Argument for State Consciousness." International Theory. vol. 13 (2021). Lupovici, Amir. "Ontological Dissonance, Clashing Identities, and Israel's Unilateral Steps towards the Palestinians." Review of International Studies. vol. 38 (2012). Milani, Mohsen M. Iran's Rise and Rivalry with the United States in the Middle East. London: Oneworld, 2025. Mitzen, Jennifer. "Ontological Security in World Politics: State Identity and the Security Dilemma." European Journal of International Relations. vol. 12 (2006). Norton, Augustus R. Hezbollah: A Short History. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2018. Ostovar, Afshon. Vanguard of the Imam: Religion, Politics, and Iran's Revolutionary Guards. Oxford: Oxford University Press, 2018. Phillips, Christopher. The Battle for Syria: International Rivalry in the New Middle East. New Haven: Yale University Press, 2020. Pirsalami, Fariborz, Arash Moradi, & Hosein Alipour. "A Crisis of Ontological Security in Foreign Policy: Iran and International Sanctions in the Post– JCPOA Era." Third World Quarterly. vol. 45 (2024). Raisi, Alireza. "Alliance and Sectarian Attitudes in the MENA: The Case of Arab Opinion towards Iran." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 52
Razoux, Pierre. The Iran–Iraq War. Nicholas Elliott (trans.). Cambridge: Harvard University Press, 2015. Rees, Morgan Thomas. "Ontological (In)Security and the Iran Nuclear Deal—Explaining Instability in US Foreign Policy Interests." Foreign Policy Analysis. vol. 19 (2023). Saouli, Adham. "Identity, Anxiety, and War: Hezbollah and the Gaza Tragedy." Almuntaqa. vol. 7, no. 1
Selvik, Kjetil, & Banafsheh Ranji. "Messaging Soleimani's Killing: The Communication Vulnerabilities of Authoritarian States." International Affairs. vol. 99
Steele, Brent J. Ontological Security in International Relations: Self-Identity and the IR State. Abingdon: Routledge, 2008. _______. "Organizational Processes and Ontological (In)Security: Torture, the CIA and the United States." Cooperation and Conflict. vol. 52 (2017). Suboti ć , Jelena. "Narrative, Ontological Security, and Foreign Policy Change." Foreign Policy Analysis
Tabatabai, Javad. Dibache-ye Bar Nazariye-ye Enhetat-e Iran [An Introduction to the Theory of Iranian Decadence]. 4 th ed. Tehran: Minoo-ye Kherad, 2020. _______. Nazariye-ye Hokumat-e Qanun Dar Iran: Maktab-e Tabriz va Mabani-ye Tajaddodkhahi [The Theory of Rule of Law in Iran]. 3 rd ed. Tehran: Minoo-ye Kherad, 2020. Takeyh, Ray, & Nikolas K. Gvosdev. "Pragmatism in the Midst of Iranian Turmoil." The Washington Quarterly. vol. 27, no. 4 (2004). Wastnidge, Edward. "Iran and Syria: An Enduring Axis." Middle East Policy. vol. 24 (2017). Zahra Ali. "From Recognition to Redistribution? Protest Movements in Iraq in the Age of 'New Civil
Society'." Journal of Intervention and Statebuilding. vol. 15 (2021). Zarakol, Ay ş e. "Ontological (In)Security and State Denial of Historical Crimes: Turkey and Japan." International Relations. vol. 24 (2010). Zarakol, Ay ş e, & Zeynep Gülsah Çapan. "Turkey's Ambivalent Self: Ontological Insecurity in 'Kemalism' versus 'Erdo ğ anism'." Cambridge Review of International Affairs. vol. 32 (2019).