التنظير للدولة العربية: مسارات وزمنيات وتصوّرات بديلة

Theorising the Arab State: Alternative Trajectories, Temporalities, and Conceptions

باسل صلّوخ| Bassel F. Salloukh *

الملخّص

تقدم هذه الدراسة مقاربةً جديدةً متعلقة بالتنظير للدولة العربية بعد الانتفاضات الشعبية عبر خطوتين. ففي خطوة أولى، وعبر تعليق نموذج تشُّك ل الدولة في أوروبا الغربية، ووضع تجربة العالم العربي في حوارٍ مع تجارب مناطق أخرى من الجنوب الكبير، تفحص الدراسة تسلسلاتٍ ومسارات وزمنيات بديلةً لسيرورَتي تشُّكَُل الدولة العربية وبنائها. وبذلك تؤرّخ لعمليتي تشُّكُل الدولة وبنائها في العالم العربي مقارنةً بالنموذج الأوروبي الغربي وبمناطق أخرى في الجنوب الكبير. وتحرّرنا هذه الخطوة الأولى من المقارنات الصريحة والضمنية مع النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة. أمّا الخطوة الثانية، فتستعرض الدراسة تنظيراتٍ بديلة للدولة العربية بعد الانتفاضات الشعبية. ويُظهر تتبّع الافتراضات السببية الكامنة في هذه النظريات مدى اعتمادها على النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها نقطةَ انطلاقٍ تحليلية ومعيارًا ضمنيًا للمقارنة النقدية. وتعمل هذه المراجعة على تفكيك الافتراضات التي تضعها هذه النظريات حول الدولة، والتمييز بين الدول والأنظمة، وبين الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين، وبين المجاَل ين الخاص والعمومي، وكذلك بين القطاعَين الرسمي وغيرَ الرسمي. ولا يتمثل هدف هذه الدراسة في نزع الطابع الاستثنائي عن دول العالم العربي فحسب، بل أيضًا، والأهم من ذلك، في الاستفادة من أعمال غورميندر بهامبرا، في "تفكيك" فهمنا لعمليتي تشُّكُل الدولة وبنائها في العالم العربي، ومن ثم الإسهام، اقتداءً بوالتر منيولو، في إنتاج معرفة تخدم ش كلا من "إعادة التأسيس الإبستيمي" لمسارات تاريخية وإمكانات بديلة.

Abstract

This study advances a new approach to theorizing the Arab state after the popular uprisings. It does this in two steps. Suspending the western European model of state formation and bringing the Arab world's experience in conversation with other parts of the Global South, it examines alternative state formation and state building sequences, trajectories, and temporalities in the making of Arab states. It thus historicizes the process of state formation and state building in the Arab world as compared to the western European one and other regions in the Global South. This first step liberates us from explicit and implicit comparisons with the European model of state formation. The second step surveys alternative theorizations of the Arab state after the uprisings. Tracing the causal assumptions embedded in these theories reveals how much they rely on the European model of state formation and state building as an implicit point of analytic departure and critical comparison. This survey unpacks the assumptions these theories make about the state, the difference between states and regimes, state and non-state actors, the private and public realms, and the formal and informal sectors. The objective of this study is to not only de-exceptionalize states in the Arab world, but, more importantly, borrowing from Gurminder Bhambra, 'unmake' our understandings of state formation and state building in the Arab world and thus contribute, following Walter Mignolo, to a knowledge production that serves a form of 'epistemic reconstitution' of alternative historical trajectories and possibilities.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

في الوقت الراهن، غالبًا ما يُطلق على هذه الدول التابعة اسم "الدول الفاشلة"؛ وهذا الوضع يبرر المزيد من التدخّل العسكري غير الرسمي والتكيّف الاقتصادي مع الاقتصاد العالمي. لا يشير سوى عدد ضئيل جدًا من الإمبرياليين الليبراليين الجدد إلى أنّ "الدولة الفاشلة" هي ذاتها نتاج موجات من "الَّنَسخ" الإمبراطوري الرسمي وغير الرسمي لبناء الدولة الوطنية من جانب، وكفاح الشعوب المقاومة التي تحلم بابتداع أشكالها الخاصة من الروابط السياسية وحكم نفسها بطرائقها الخاصة من جانب آخر.

جيمس تالي1يذكّرنا جيمس تالي، في هذا الاقتباس، بأنّ المشروع الإمبراطوري يقع في القلب من سيرورة نشوء نظام الدول في الجنوب الكبير وتطوره. غير أّن دور الاستعمار الذي يتعدّى دوره المعترف به في إنشاء دول جديدة، ورسم حدودها الترابية، والتأثير في قدراتها، ليمتد إلى صوغ أشكال الدولة التي برزت في النهاية، لا يزال قيد التنظير2. وهذا هو الحال خصوصًا في دراسات الدولة العربية، حيث تفترض موجات الأبحاث السابقة، بصفة ضمنية أو صريحة، تصورًا مؤسسيًا فيبريًا جديدًا للدولة وقدراتها3؛ أي دولة متماسكة تستطيع التغلغل في المجتمع وضبطه من خلال بيروقراطية منركزية مستقلة وقادرة على احتكار العنف في إقليم ترابي معّي4؛ وتأثير هذا التصوّر، كما يؤكّد توبي دودج، "لا يأتيي من تكرار توظيفه الصريح فحسب، بل أيضًا، وهو الأهم، من الدور الذي يؤدّيه في توفير نقطة انطلاق للمقارنة، الضمنية غالبًا، من أجل تصنيف دول تفتقر إلى تراتبيات الإدارة والسيطرة المؤسسية الهرمية التي يرسم فيبر معالمها"5.ر ولقد فُرِّس الانحراف عن هذا النموذج العالمي، العقلاني - القانوني، من خلال سردية الغياب؛ أي غياب الشرعية6، أو غياب "أي حياة سياسية"7، أو غياب سلطات سياسية قابلة للحياة خارج معايير البنى البيروقراطية المتطورة الحديثة8، أو غياب "هيمنة أيديولوجية (بالمعنى الغرامشي) تمكّنها من إقامة كتلة اجتماعية 'تاريخية' تقبل بشرعية الطبقة الحاكمة"9. وتفترض المقاربات الماركسية10 أيضًا نموذجًا غربيًا معياريًا للعلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، وتحاول أن تلائم معه الدولة العربية11.

  1. James Tully, Public Philosophy in a New Key, vol. 2: Imperialism and Civic Freedom (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), p. 140.
  2. عزمي بشارة، الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024)؛ المولدي الأحمر، الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)؛ Mohammed Ayoob, The Third World Security Predicament: State Making, Regional Conflict, and the International System (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1995); Gurminder K. Bhambra, "The State: Postcolonial Histories of the Concept," in: Olivia U. Rutazibwa & Robbie Shilliam (eds.), Routledge Handbook of Postcolonial Politics (Abingdon: Routledge, 2018), pp. 200-209; Lisa Blaydes, "State Building in the Middle East," Annual Review of Political Science , vol. 20 (2017), pp. 487-504; Aula Hariri, "State Formation as an Outcome of the Imperial Encounter: The Case of Iraq," Review of International Studies , vol. 45, no. 5 (July 2019), pp. 848-869; Sebastián Mazzuca, Latecomer State Formation: Political Geography and Capacity Failure in Latin America (New
  3. Lisa Anderson, "The State in the Middle East and North Africa," Comparative Politics , vol. 20, no. 1 (October 1987), pp.1-18; Raymond
  4. لا يعني هذا أنّ ماكس فيبر (في أعماله الأخيرة) لم يقدّر دور الدولة بوصفها "شكلًا من أشكال السيطرة المنظمة من قبل بعضهم على آخرين يسعون وراء وسيلة لتحقيق غاية ما. فالدولة، وفقًا لفيبر، أداة تتوخّى السيطرة [...] وسيلة وليست هدفًا". ينظر: Miguel Angel Centeno, Atul Kohli & Deborah J. Yashar, "Unpacking States in the Developing World: Capacity, Performance, and Politics," in: Miguel Angel Centeno, Atul Kohli & Deborah J. Yashar (eds.), States in the Developing World (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), p. 7; كان فيبر واضحًا في أنّ "الدولة ليست تجسيدًا لإرادة الشعب الموحدة، بل أداة للقوة، والشعب هو موضوعها وليس ذاتها". ينظر: Karl Dusza, "Weber's Conception of the State," International Journal of Politics, Culture, and Society 3, no. 1 (Autumn 1989), p. 85; وينظر أيضًا: Max Weber, "Politics as a Vocation," in: H. H. Gerth & C. Wright Mills (eds.), From Max Weber: Essays in Sociology (New York: Oxford University Press, 1946), p. 87.
  5. Toby Dodge, "Rethinking the Postcolonial State in the Middle East: Elite Competition and Negotiation within the Disaggregated Iraqi State," in: Steven Heydemann & Marc Lynch (eds.), Making Sense of the Arab State (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2024), p. 87.
  6. Hudson. 7 Christopher Bickerton, "State-Building: Exporting State Failure," in: Philip Cunliffe, Alexander Gourevitch & Christopher Bickerton (eds.), Politics Without Sovereignty: A Critique of Contemporary International Relations (London: University College London Press, 2006), p. 102.
  7. Haven: Yale University Press, 2021); Joel S. Migdal, State in Society: Studying How States and Societies Transform and Constitute One Another (Cambridge: Cambridge University Press, 2001); Adham Saouli, The Arab State: Dilemmas of Late Formation (Oxon: Routledge, 2012); Walter Mignolo, "Interview – Walter Mignolo/Part 2: Key Concepts," E-International Relations , 21/1/2017, accessed on 22/2/2025, at: https://acr.ps/1L9F2dU
  8. الأحمر، ص.419
  9. Nazih N. Ayubi, Over-stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East (London: I.B. Tauris, 1995), p. 3. 10 عصام الخفاجي، الدولة والتطور الرأسمالي في العراق: 1968 - 1978 (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1983)؛ Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraq's Old Landed and Commercial Classes and of Its Communist, Ba ʿ thist, and Free Officers (Princeton: Princeton University Press, 1978). 11 غسان سلامة، المجتمع والدولة في المشرق العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019 1987[])، ص.201
  10. A. Hinnebusch, Egyptian Politics Under Sadat: The Post-Populist Development of an Authoritarian-Modernizing State (Boulder: Lynne Rienner, 1988); Michael Hudson, Arab Politics: The Search for Legitimacy (New Haven: Yale University Press, 1977); John Waterbury, The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes (Princeton: Princeton University Press, 1983); Joel S. Migdal, Strong Societies and Weak States: State-Society Relations and State Capabilities in the Third World (Princeton: Princeton University
  11. Press, 1988); Mounira M. Charrad, States and Women's Rights: The Making of Postcolonial Tunisia (Berkeley: University of California Press, 2001).

ثمة أدبيات متزايدة تتحدى هذه القراءة لماكس فيبر، وتعترض على نشر مفهوم الدولة البيروقراطية المثالية واستخدامه في الجنوب الكبير12. فعلى المستوى النظري، تقوم هذه الصورة المؤسساتية الفيبرية الجديدة للدولة على قراءة انتقائية له، تتسم ب "التركيز على قدرات الدولة"13. ولكي نقتبس من فيليب لوت ثولتز ونيكولا ليمِ إيبير بشيء من الإسهاب، ينصبّ التركيز هنا على "مؤسسات الدولة وقدراتها، خصوصًا من خلال الإشارة إلى 'الكادر الإداري' والحكومة. وتشِّكِل الأبعادُ المادية [...] مثل توفير الأمن ومجموعة من الخدمات العامة الأخرى، وكل ذلك على أساس احتكار الدولة للعنف، المعايير التي يمكن على أساسها تقييم كل دولة. في هذا السياق، يُفهم جهاز الدولة بوصفه كيانًا منفصلًا يمكن تمييزه بوضوح من المجتمع"14. والنتيجة هي صورة أو مفهوم للدولة الحديثة مع مجموعة من الافتراضات الأساسية لا مفّر منها، أوجزها ستاين سوندستال إريكسن بقوله: "تحتكر الدولة العنف، وتسيطر على أرضها وقدرتها على توفير الخدمات، كما تفترض الفصل بين الدولة والمجتمع من ناحية وبين الداخلي والخارجي من ناحيةٍ أرخرى. وتفترض، علاوةً على ذلك، وحدة الحاكم والمحكومين، حيث تعّب أفعال الدولة عن الإرادة الجماعية ل 'الشعب"'15. أمّا على المستوى الإمبريقي، فنجد أنّ الشكل المسيطر للتنظيم السياسي الذي ساد أولًا في أوروبا الغربية على جميع المنافسين االتاريخيين الآخرين، سواء أكانوا دول -مدنًا أم إمبراطوريات أو لورديات Lordships16، وعُِّرِفَ لاحقًا بأنّه "كيان سياسي مركزي متمايز يحظى باحتكار العنف على إقليم ترابي محدد"17. وكان فيبر أول من أسماه "الدولة الحديثة"، ثم دعاه تشارلز تيلي "الدولة الوطنية"، ليعيد راينهارد بنديكس تسميته "الدولة-الأمة"18، ثم أطلق عليه مؤخرًا اسم "الدولة الترابية ذات السيادة"19. إنّ هذا الشكل السائد من التنظيم السياسي، الذي انتشر أبعد من أوروبا مع الاستعمار والاستيطان الأوروبَييَن في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وصُِّدِر لاحقًا إلى بقية العالم بدءًا من القرن التاسع عشر20، لا يمكن فصله عن تشُّكُل الدولة الخاص به وتاريخ بنائها، ومساره، وزمنيته. إنه تاريخ كانت فيه الحروب والاستعدادات للحرب - في بيئة جيوسياسية تنافسية سادت أوروبا الغربية في بدايات العصر الحديث - العواملَ الأساسية التي جعلت الدولة الوطنية الشكلَ المهيمن للتنظيم السياسي، والتي دفعت إلى توسّع قدراتها البيروقراطية وترشيدها21. ولذلك، فإنّ افتراض أنّ هذا النموذج من التنظيم السياسي يمكن فرضه بلا أي إشكاليات على أجزاء أخرى من العالم هو ضرب من المركزية الأوروبية على الأقل. وكما يؤكد وائل حلاق، فإنّ نموذج الدولة الحديثة هذا أو صورتها المستمدة من تاريخية التجربة الأوروبية في تشُّكُل الدولة وبنائها لا يمكن أن "يتملص من الزمنية"، لأنّ هذه الدولة "نتاج تاريخي خاص لموقع ثقافي معّين: أوروبا الوسطى والأطلسية، وليس أميركا اللاتينية، ولا أفريقيا، أو آسيا"، لها "أركيولوجيتها وهندستها وبنيتها وتنظيمها وتكوينها العام"22.

  1. Mahmood Mamdani, Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism (Princeton: Princeton University Press, 1996); Timothy Mitchell (ed.), Questions of Modernity (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2000); Jean-François Bayart, The State in Africa: The Politics of the Belly (Cambridge: Polity Press, 2009); Christopher Bickerton, "State-
  2. Philipp Lottholz & Nicolas Lemay-Hébert, "Re-reading Weber, Re- Conceptualizing State-Building: From Neo-Weberian to Post-Weberian Approaches to State, Legitimacy and State-Building," Cambridge Review of International Affairs , vol. 29, no. 4 (December 2016), p. 1479.
  3. Ibid., p. 1472.
  4. Stein Sundstøl Eriksen, "'State Failure' in Theory and Practice: The Idea of the State and the Contradictions of State Formation," Review of International Studies , vol. 37, no. 1 (January 2011), pp. 238 - 239. 16 John A. Hall, "Varieties of State Experience," in: Stephan Leibfried et al. (eds.), The Oxford Handbook of Transformations of the State (Oxford: Oxford University Press, 2015); Thomas Ertman, Birth of the Leviathan: Building States and Regimes in Medieval and Early Modern Europe (Cambridge: Cambridge University Press, 1997).
  5. Building: Exporting State Failure." in: Cunliffe, Gourevitch & Bickerton (eds.), pp. 93-111; Partha Chatterjee, Lineages of Political Society: Studies in Postcolonial Democracy (New York: Columbia University Press, 2011); Daniel Neep, Occupying Syria under the French Mandate: Insurgency, Space and State Formation (Cambridge: Cambridge University Press, 2012); Amy Niang, The Postcolonial African State in Transition: Stateness and Modes of Sovereignty (London: Rowman & Littlefield International Ltd, 2018); Esteban Nicholls, "Studying the State: A Global South Perspective," Third World Thematics , vol. 3, no. 4 (2018), pp. 469-478; Olivia U. Rutazibwa & Robbie Shilliam, "Postcolonial Politics: An Introduction," in: Rutazibwa & Hilliam (eds.),
  6. Ibid., p. 375.
  7. Thomas Ertman, "State Formation and Statebuilding in Europe," in: Thomas Janoski et al. (eds.), The Handbook of Political Sociology (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), pp. 367 - 383..Ertman, Birth of the Leviathan ينظر, p. 3: 19 نعتمد "الدولة الترابية" ترجمة لمصطلح State Territorial؛ وللدقة، يمكن القول إنها الدولة ذات السيادة على إقليم ترابي محدد. (المحرر)
  8. pp. 1-15; Dodge, pp. 85-110; Heydemann & Lynch (eds.); Sean Yom, "Water, Stateness, and Tribalism in Jordan: The Case of the Disi Water Conveyance Project," in: Heydemann & Lynch (eds.), pp. 247 - 272.
  9. Matthew Lange, "State Formation and Transformation in Africa and Asia: The Third Phase of State Expansion," in: Leibfried et al. (eds.), pp. 116 - 130.
  10. Charles Tilly (ed.) The Formation of National States in Western Europe (Princeton: Princeton University Press, 1975); Hall.
  11. Wael B. Hallaq, The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity's Moral Predicament (New York: Columbia University Press, 2013), pp. 25, 36; Dusza, pp. 71 - 105.

أخيرًا، وعلى المستوى الفكري، يأخذ نموذجُ الدولة الحديثة، كمسلماتٍ، مجموعةً من الظروف التي تقف في الخلفية، وأعني "المخيال الاجتماعي الحديث" الغربي بفهمه الخاص للنظام الأخلاقي للمجتمع على أساس ثلاثة تحولات كبيرة حددها تشارلز تايلور23: مجتمعٌ منظم خارج السياسة في اقتصاد (السوق)، ومجتمعٌ بوصفه "شعبًا" أو دولة المواطنة، ونشوء المجال العمومي مج لًا علمانيًا خارج السياسة. وكما جادل عزمي بشارة في كتابه مسألة الدولة24، وهو مسح شامل بشأن نشوء الدولة الحديثة، وفي كتابه الدولة العربية: بحثٌ في المنشأ والمسار25، فهذا الطرح ليس جد لًا حول اختلاف أنطولوجي بين مجتمعات تعاقدية، تقوم على فكرة العقد الاجتماعي، وغيرها من المجتمعات القبلية أو الجماعتية ما قبل الحداثية. أضف إلى ذلك أنّ هذا ليس طرحًا حول "تعدديات غير قابلة للمقايسة" Incommensurablesوالمستندة إلى دعوات أصلانية ونسبية26، بل إنّ الأمر يتعلق بهذا التباين الكبير في مسار تشُّكُل الدولة بين الغرب والعالم العربي. تنطلق عمليتا تشكّل الدولة في كلتا الحالتين من الأصول العنيفة نفسها المتمثّلة في مركزة السلطة، وما تولّده من أشكال متنوّعة من المقاومة. غير أنّ مسار التباين يبدأ في القرن السابع عشر، حين اتخذ طريق بناء الدولة في ظلّ الإمبراطورية العثمانية مسارًا مختلفًا عن ذلك الذي سلكته أوروبا الغربية. وقد حدّدت ليزا بليدز ثلاثة اختلافات رئيسة ذات آثار عميقة، ففي الإمبراطورية العثمانية: 1. كانت السلطة المطلقة للسلطان تعني عدم وجود "هيئة تمثيلية، كما في أوروبا الغربية، يُطلب منها التداول في السياسات أو إقرار أفعال الدولة"، 2. أدّى التجنيد القسرري للجنود الذكور إلى نشوء نخبة عسكرية تفتقر إلى "قاعدة مستقلة من السلطة أو الثروة"، 3. استخدام نظام منح الأراضي على غرار نظام الإقطاع حيث تسيطر الدولة على الأرض الزراعية وحيث يؤدي تناوب الموظفين المسؤولين عن الأرض إلى غياب طبقة النبلاء27. ويتتبّع بشارة، في كتاب الدولة العربية، كيف أثّرت هذه السمات البنيوية للإمبراطورية العثمانية في إرث تشكّل الدولة لاحقًا، على نحوٍ انحرف بها عن مسار تجربة أوروبا الغربية. لقد خلق حقّ النخب المحلية في تحصيل الضرائب من خلال نظام الالتزاممراكز سلطة محلية متعددة - استخدمت عائدات الضرائب لتمويل سلطتها الخاصة - ولم تتحول أبدًا إلى "طبقة أرستقراطية عثمانية" يمكنها أن تحاسب السلطان وتوازن سلطته، كما كان الحال مع الأرستقراطية الإنكليزية، على سبيل المثال28. كما أنّ نظام الالتزاملم يجرِ "دمجه في كيان أكبر يمكن عندها أن تستولي عليه الدولة"29. وبالمثل، فإن ظهور الأوليغارشية الزراعية (أو مّلا ك الأراضي) المقيمين في المدن، بدءًا من القرن الثامن عشر، ورغبة هذه الأخيرة في حماية المناطق الريفية والسيطرة عليها، جعلها تعتمد على السلطات المركزية. وقد حال ذلك بدوره دون نشوء "مدن حرة كتلك التي عرفتها أوروبا، والتي كانت قادرة على الدفاع عن نفسها بنفسها، أو بالتحالف مع الملك أو أحد الأمراء الأقوياء، وشَّكَلت مصدرًا لتقاليد المواطنة بوصفها واجبًا، بل امتيازًا متمثلًا في المشاركة في الشأن العمومي قبل أن تكون حقًا"30. بخلاف ذلك، فإنّ جميع التحولات المادية والفكرية، المتمثّلة في تطور الملَكيات السلالية في الغرب، وظهور طبقة من نبلاء الأرض مقيمة في المناطق الريفية، وظهور نوع من الفكر السياسي انعكس في "نظريات" العقد الاجتماعي التي عملت أيديولوجيًا على تأسيس شرعية الدولة وسيادتها31، والثورات العلمية والصناعية وما صاحبها من ظهور نمط رأسمالي للإنتاج والاستهلاك32، جميعها عوامل أدت إلى بروز "المخيال الاجتماعي الحديث" المذكور أعلاه، الذي تناوله تايلور33، وساهمت لاحقًا في تحرير السلطة المركزية ودمقرطتها وتوطيد مؤسسات الدولة والسلطة في الغرب. وقد ساهمت نظريات العقد الاجتماعي، ونشوء اقتصاد السوق الرأسمالي، وظهور الطبقة الوسطى في المدن، في تعميم الفكرة التي مفادها أنّ الأفراد الأحرار قادرون على إطاعة القوانين التي ساهموا في تشريعها أو اختيار من شرّعها، وفي ترسيخ فكرة أنّ على الدولة واجبات تجاه الشعب لأنها نتاج تعاقد34.

  1. Charles Taylor, Modern Social Imaginaries (Durham: Duke University Press, 2004).
  2. عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة /
  3. بشارة، الدولة العربية.
  4. Aziz Al-Azmeh, "Secularism and Its Enemies," Working Paper Series of the CASHSS "Multiple Secularities – Beyond the West, Beyond Modernities ," no. 15, Leipzig University, 2020, p. 37.
  5. Blaydes, p. 499; Dusza, pp. 81-82; ينظر أيضًا: هيثم غالب الناهي، الدولة وخفايا إخفاق مؤسساتها في المنطقة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2016
  6. بشارة، الدولة العربية، ص.56
  7. Karen Barkey, Empire of Difference: The Ottomans in Comparative Perspective (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), p. 295.
  8. بشارة، الدولة العربية، ص.128 31 بشارة، مسألة الدولة، ص.181
  9. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 180. وينظر أيضًا الفصل 3 من الكتاب نفسه.
  10. المرجع نفسه، ص 180 -.181
  11. Taylor.
  12. بشارة، مسألة الدولة، ص 181-180؛ يرى الخفاجي، وفق منظور مختلف، أنّ المشرق في خمسينيات القرن العشرين وستينياته كان يسير على مسار مماثل لما كان في أوروبا عشية ثوراتها الصناعية. ويفّسر توافر الريع (في أوسع معانيه) في المشرق الاختلاف وتاليًا الطريق الذي لم يؤخذ إلى الحداثة والتصنيع. ينظر: Isam Al-Khafaji, Tormented Births: Passages to Modernity in Europe and the Middle East (London: I.B. Tauris & Co. Ltd., 2013).

يمكن، بالعودة إلى تاريخ التجربة الأوروبية في نشوء الدولة، أن نحدد مصدرًا آخر لهذا الاختلاف الكبير. تؤكد غورميندر بهامبرا أنّ النمط المثالي للدولة الحديثة المثالية "الذي قامت عليه دول ما بعد الاستعمار"35، والتي تقاس عليه جميع الاستنساخات اللاحقة، هو في الواقع دولة إمبرريالية؛ ف "الفترة التي ينظر إليها على أنّها تؤدي إلى نشوء الدولة الحديثة هي بالتحديد فترة التوسع التي شهدت هذه الدول وهي توطد سيطرتها على أجزاء أخرى من العالم. لكن هذه السيطرة 'الخارجية' لا يُنَّظَر لها على أنّها جانب تأسيسي للدولة التي تُقَّدَم بمصطلحات 'وطنية'، بدلًا من فهمها على أنّها دولة إمبريالية"36. في الواقع، يرتكز انتصار الدولة الحديثة المطلقة والميكانيكية واللاشخصية Impersonal، بوكالتها المصطنعة - "أول آلية حديثة بالأسلوب العظيم"37، التي يمتد التنظير لها حتى فكر توماس هوبز - على جميع الأشكال الأخرى، ويضرب بجذوره في انتمائها المزدوج إلى الإمبريالية وتراكم رأس المال38. ومن هذا المنطلق، فإنّ هذا التمرين في تأريخ تجربة أوروبا في نشوء الدولة يسلّط الضوء على الطابع الطارئ لشكل الدولة الحديثة المفروض على مجتمعات الجنوب الكبير. ويتيح لنا الكشف عن العنف الذي واجهته هذه السيرورة، بسبب "تعدد الأشكال المحلية للاقتصاد والسياسة وقانون 'العرف' والتحضر" التي سبقت التجربة الاستعمارية39؛ وهو عنف سلب ما يقارب "ثلثي سكان العالم [...] تاريخهم، ومعه طرائق وجودهم"40. ومن شأن هذا التركيز على "سيرورات مختلفة لنشوء الدولة والظروف التاريخية المكوّنة لمختلف دول ما بعد الاستعمار" أن يسمح لنا بالنظر في أشكال مختلفة للدولة، وما يترتب عليها من تداعيات عالى إمكانيات بناء الدولة مستقبل41. ويفتح هذا التأريخ لتجربة أوروبا في تشكيل الدولة فضاءً معرفيًا لتحدي "الافتراضات الأوروبية المركزية للمقاربات السائدة في بناء الدولة وصناعة الأمة التي اعتبرت الدول القومية Nation-states الأوروبية نماذج عالمية"42. وهذا موقف "نقدي حيال الطريقة التي اتخذت بها معظم نظريات الدولة الدولَ في 'البلدان الرأسمالية المتقدمة' نموذجًا عامًا للدولة الرأسمالية، بينما جرى تصوير الدول في 'المجتمعات الرأسمالية الطرفية' بوصفها نسخًا ناقصةً من هذا النموذج"43؛ وهو كذلك موقف نقدي حيال الهيمنة التي تمارسها "النماذج الغربية لتشُّكُل الدولة"، والتي تفترض أنّ "الدولة القومية هي الطريقة الوحيدة والخيار الحتمي، وليست مجرد محاولة واحدة من بين عدة محاولات لبناء الدولة"44، و"أنه لم يكن هناك أي احتمال لوجود شيء آخر، وأنّ السياسة كانت إلى الأبد مرادفة لهذه الدولة القومية"45؛ أو، وعلى نحو مماثل، أنّ "الدولة القومية هي بطريقة ما الغاية القصوى للدول"46. ويُعدّ هذا موقفًا نقديًا لأن "الدولة القومية الحديثة، على الرغم من أنها قد تظل الشكل السائد للسلطة السياسية والخيال السياسي في العصر المعاصر، فإنها اتخذت

  1. نقلًا عن: 238 p. Eriksen,:. وينظر Gurminder K. Bhambra, "Comparative Historical Sociology and the State: Problems of Method," Cultural Sociology , vol. 10, no. 3 (September 2016), pp. 335 - 351.
  2. Ibid., p. 340.
  3. G. L. Ulmen, "The Sociology of the State: Carl Schmitt and Max Weber," State, Culture, and Society , vol. 1, no. 2 (Winter 1985), p. 37.
  4. David Runciman, The Handover: How We Gave Control of Our Lives to Corporations, States, and AIs (London: Profile Books, 2023); ينظر أيضًا: David Runciman & Lea Ypi in conversation on "Past, Present, Future" Apple Podcasts, 7/9/2023, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2Ri
  5. Tully, p. 140; Mahmood Mamdani, Neither Settler nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities (Cambridge, MA: Belknap Press, 2020).
  6. Hallaq, p. 4; Edward W. Said, Culture and Imperialism (New York: Vintage Books, 1994); Wael B. Hallaq, An Introduction to Islamic Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2009); Wael B. Hallaq, Restating Orientalism: A Critique of Modern Knowledge (New York: Columbia
  7. Pinar Bilgin & Adam David Morton, "Historicising Representations of 'Failed States': Beyond the Cold-War Annexation of the Social Sciences?" Third World Quarterly , vol. 23, no. 1 (February 2002), p. 70.
  8. Mark T. Berger, "Specters of Colonialism: Building Postcolonial States and Making Modern Nations in the Americas," Latin American Research Review , vol. 35, no. 1 (2000), p. 163; Ali Abdullatif Ahmida, "Colonialism, State Formation and Civil Society in North Africa: Theoretical and Analytical Problems," International Journal of Islamic and Arabic Studies , vol. 11, no. 1 (1994), pp. 1-22; Loubna El Amine, "The Nation-State: 1648–2148," Political Theory , vol. 51, no. 1 (2023), pp. 65-73; Barkey; Bhambra, "Comparative Historical Sociology and the State: Problems of Method," pp. 335-351; Jane Burbank & Frederick Cooper, Post-Imperial Possibilities: Eurasia, Eurafrica, Afroasia (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2023); Dipesh Chakrabarty, Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference (Princeton: Princeton University Press, 2000); Fernando Coronil, The Magical State: Nature, Money, and Modernity in Venezuela (Chicago: University of Chicago Press, 1997); Adom Getachew, Worldmaking after Empire: The Rise and Fall of Self-Determination (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2019); Niang; David Nugent, Modernity at the Edge of Empire: State, Individual, and Nation in the Northern Peruvian Andes, 1885–1935 (Stanford, CA: Stanford University Press, 1997).
  9. Berger, p. 165; Coronil, p. 65.
  10. Ahmida, pp. 11 - 12.
  11. El Amine, p. 67; Lisa Anderson, "'Creative Destruction': States, Identities and Legitimacy in the Arab World," Philosophy and Social Criticism , vol. 40, no. 4 - 5 (May-June 2014), pp. 369-379; Burbank & Cooper. 46 Hall, p. 71.
  12. University Press, 2018).

أشك لًا محددة متعددة في أنحاء العالم، من دون أن تلغي أو تتجاوز تمامًا لغات السلطة والهيمنة العامة الأقدم"47. وبناءً على وجهة النظر هذه، فإنّ الإشكاليات التي تعانيها دول ما بعد الاستعمار ليست متجذرة في إخفاقاتٍ أو في انحرافاتٍ عن نموذج أوروبي للدولة القومية، تُقاس عليه دول الجنوب الكبير48. ومن الأحرى القول إنّ هذه الإشكاليات والأزمات، كما تقترح لبنى الأمين، مقتبسةً من عائشة زاراكول49، هي نتيجة "تبنّي ترتيبات السيادة الوستفالية في عالم شهد 'ترتيبات سيادة بديلة' [...] في معظم تاريخه"50، ونتيجةً لاعتناق هذه الدول "سبيلًا آخر لإقامة الدولة"، كما تؤكّد ليزا بلايديس51. فدراسة كارين باركي لأسلوب الإمبراطورية العثمانية الخاص "الذي انتهجته نحو مركزية الدولة"52، وكيف أنّ إدارتها للتنوع قبل بدء التنظيمات كانت أشبه "بمعجزةِ تحكمٍ مرنٍ في التعقد"53، لهي أمثلة حساسة لهذه المسارات والترتيبات البديلة الأخرى. إذا ما أخذنا في الحسبان وجهة النظر النقدية هذه، فإنّ السؤال المطروح هو: كيف ننظّر لمسارات نشوء الدولة وبنائها وزمنياتها في العالم العربي، على نحو يتحاشى، عن قصد، اتخاذ النموذج الأوروبي نقطة انطلاق تحليلية ومقارِنة نقدية؟54 وكيف يمكن تصوّر شكل مختلف للدولة بوقائعه وإمكاناته السياسية المختلفة بعد الاستقلال؟ أقدّم هنا تمييزين تحليليين يتيحان مثل هذا النوع من التنظير البديل. يتمثل الأول في تمييزي بين ما يسميه جورج سورينسن "الشكل المؤسسي للدولة ذات السيادة" و"جوهر" هذه الدولة55؛ ذلك أنّه على الرغم من أنّ "الشكل المؤسسي للدولة ذات السيادة كان الشكل المسيطر تمامًا للتنظيم السياسي منذ سيرورة تصفية الاستعمار"56، فإنّ هذه السيطرة "هي سيطرة ذات شكل مؤسسي، لا جوهر مؤسسي"57. وفي المقابل، "تُظهر الدول في الواقع قدرًا كبيرًا من التنوّع من حيث الجوهر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المحلي وأي جوهر آخر"58. وأستخدمُ هذا التمييز المفهومي لُأبّين كيف أّنُ التنوّع في مسارات تشُّكُل الدولة وزمنيات بنائها يتيح التنظير لشكل دولةٍ مختلف عن ذلك الذي أنتجته التجربة الأوروبية، وذلك بالتركيز على جوهر الدولة العربية القائمة بعد الاستعمار بغضّ النظر عن الهندسة العالمية لحالة الدولة ذات السيادة Statehood.Sovereign وأمّا التمييز الثاني، فهو تمييزي بين سيرورتين؛ هما تشُّكُل الدولة، وبناؤها. اعتمادًا على تقاليد علم الاجتماع التاريخي، يعرّف سيباستيان مازوكا تشُّكُل الدولة بأنه "السيرورة التي يجري من خلالها توطيد الإقليم الترابي واحتكار وسائل الإكراه في داخله"، بينما يشير بناء الدولة إلى "تطوير قدرة الإدارة المركزية على توفير السلع العمومية بكفاءة متزايدة وبطريقة عادلة إقليميًا"59. يتيح هذا التمييز لمازوكا تطوير نظرية عامة في تشُّكُل الدولة وبنائها، من خلال مقارنة أوروبا الغربية بأميركا اللاتينية. ففي أوروبا الغربية، تشُّكُل الدولة عن طريق الحروب هو "السيرورة المشتركة لتوطيد الإقليم واحتكار العنف حين لم تكن قد نشأت بعد أي دولة حديثة أخرى، وحين كانت الإقطاعية هي نمط الإنتاج السائد وكانت الماركنتيلية هي السياسة الاقتصادية الخارجية النمطية"60. في هذه الحالة، "تطور تشُّكُل الدولة وبناؤها يدًا في يد"61؛ إذ سعى المحاربون لزيادة المساحة الواقعة تحت سيطرتهم؛ لأنهم كانوا يحّضرون للحرب على الدوام. لقد كانوا، إذًا، صنّاع حرب62. بخلاف ذلك، يجري في أميركا اللاتينية "تشُّكُلٌ متأخرٌ للدولة"، تقوده التجارة "تحت رعاية القوى العظمى العالمية ورأسمالية السوق"، وفي "عالم تسكنه دستة على الأقل من الدول الحديثة"63. وفي هذه الحالة المختلفة، جرى "فصل" تشكّل الدولة عن مسار بناء الدولة64. واتخذ الساسة قرارات "لدمج وحدات دون وطنية مستقبلية أو استبعادها على أساس نتائج التحالفات المتوقعة من تضافر مناطق مختلفة"؛ لأن هدفها الرئيس كان توليد نمو يقوده التصدير. لقد كانوا في هذه الحالة "صنّاع سوق"65. علاوة على ذلك، يقلل مازوكا جازمًا من أهمية تأثير

  1. J. K ē haulani Kauanui, "Sovereignty: An Introduction," Cultural Anthropology , vol. 32, no. 3 (August 2017), p. 325.
  2. Evelyne Huber et al., "Conclusion: States Transforming," in: Leibfried et al. (eds.), p. 833; Sven Chojnacki & Anne Menzel, "State Failure and State Transformation," in: Leibfried et al. (eds.), pp. 745 - 760.
  3. Ay ş e Zarakol, Before the West (Cambridge: Cambridge University Press, 2022), p. 18.
  4. Ibid., p. 68.
  5. Blaydes, p. 499.
  6. Karen Barkey, Bandits and Bureaucrats: The Ottoman Route to State Centralization (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1994).
  7. Barkey, Empire of Difference , p. 294.
  8. Dodge, pp. 85-110; Chin-Hao Huang & David C. Kang, State Formation through Emulation: The East Asian Model (Cambridge: Cambridge University Press, 2022).
  9. Georg Sørensen, Changes in Statehood: The Transformation of
  10. Ibid., p. 342.
  11. Ibid., p. 343.
  12. Ibid., p. 342.
  13. Mazzuca, p. 6.
  14. Ibid., p. 389.
  15. Ibid., pp. 387-388.
  16. Ibid., p. 5.
  17. Ibid., p. 389. 64 Ibid., p. 388.
  18. International Relations (London: Palgrave, 2001), pp. 341 - 342.
  19. Ibid., p. 8.

الإرث الاستعماري في سيرورة تشُّكُل الدولة في أميركا اللاتينية، بحجة أنّه "ضعيف ويقتصر على حالتين (المكسيك وكولومبيا")66. وعلى منوال ذلك، يعرف فرانشسكو غارفياز وإميلي سيلارز، القادمان من حقل الاقتصاد السياسي التاريخي، بناءَ الدولة بأنّه "وضع القوة والإيرادات تحت سيطرة سلطة مركزية في دولة قائمة، بدلًا من ظهور دول جديدة"؛ بما "يشمل المركزية السياسية وزيادة موارد الحكومة المركزية وقوتها"67. وفي كلا التعريفين، يجري تشكيل الدولة وبناؤها "ضمن دولة قائمة." وخلافًا للمقاربات السابقة، أستخدم في هذه الدراسة فهمًا أكثر مرونة للعلاقة بين تشُّكُل الدولة وبنائها. وأقترح أنّ ما يقدّمه العالم العربي هو مسارٌ لتشُّكُل الدولة وبنائها مغايرٌ لما تبلور في كل من "دول الجيل الأول الحديثة" في أوروبا الغربية ودول "الجيل الثاني" في أميركا اللاتينية68. وفي المقابل، فإن ما نلحظه في العالم العربي هو علاقة موزعة زمنيًا وغير خطية بين تشُّكُل الدولة وبنائها. وفي وسعنا أن نطلق على هذه العملية - وفقًا لمازوكا - نشوء الجيل الثالث من الدول الحديثة. وبكلمات أكثر دقة، فإنّ عناصر تشُّكُل الدولة (احتكار العنف) وبناء الدولة (المركزة) تتداخل بدءًا من التنظيمات العثمانية في عام 1839، قبل إنشاء الدول الحديثة بفترة طويلة، مع فجوة زمنية تفصل هذه الديناميات عن عملية توحيد الإقليم الترابي التي جرت بمشيئة استعمارية. تتفادى هذه المقاربة التنظير لسيرورة تشُّكُل الدولة وبنائها في العالم العربي انطلاقًا من التجربة الأوروبية69. وعلاوة على ذلك، فإنّ افتراض سيرورة نشوءٍ للدولة أكثر مرونة70 تسمح بالتمييز المفهومي بين تشُّكُل الدولة وبنائها، بدلًا من افتراض أنّ "الدولة العربية لا تزال في سيرورة نشوء باكر، وهي سيرورة يمكن أن تأخذ الدولة إمّا في اتجاه التوطيد وإضفاء الشرعية وإما في اتجاه التشويه"71. تمضي الدراسة عبر خطوتين. تتمثّل الخطوة الأولى في تأريخ عملية تشُّكُل الدولة وبنائها في العالم العربي، وذلك مقارنةً بتجربة أوروبا الغربية ومناطق أخرى من الجنوب الكبير. ويشمل ذلك دراسة تأثير الإصلاحات العثمانية والحكم الاستعماري في سيروريَتي تشُّكُل الدولة وبنائها في العالم العربي. وتحرّرنا هذه الخطوة الأولى من المقارنات الصريحة والضمنية مع النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة. أمّا الخطوة الثانية، فتستطلع التنظيرات البديلة للدولة العربية بعد الانتفاضات الشعبية؛ إذ يكشف تتبع الافتراضات السببية المتضَّمَنة في هذه النظريات إلى أي حدّ تأخذ النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها نقطةً ضمنيةً لانطلاق التحليل والمقارنة النقدية72. ويكشف ذلك الصور التي تحملها هذه النظريات عن الدولة، وتاليًا الافتراضات التي تطرحها عن الدولة، والفرق بين الدول والأنظمة، وبين الفاعلين التابعين للدولة وغير التابعين لها، والمجاَليَن الخاص والعمومي، والقطاَعيَن الرسمي وغير الرسمي. ولا تهدف هذه الدراسة إلى نزع الطابع الاستثنائي عن الدول في العالم العربي فحسب، بل أيضًا، وهو الأهم، إلى "تفكيك" فهمنا لتشكّل الدولة وبنائها فيه، وذلك استعانةً بغورميندر بهامبرا. وبذلك، تسهم الدراسة، اقتداءً بوالتر منيولو، في إنتاج معرفة تخدم شكلًا من "إعادة التأسيس الإبستيمي" لمسارات تاريخية وإمكانات بديلة.

أولا: التنظير لمسارات وزمنيات بديلة

إنّ نقطة البداية في تعقّب تأثير نشوء الدولة الاستعمارية في ديناميات بناء الدولة اللاحق، في العالم العربي، هي أن نستعيد في سرديتنا ما يصفه تالي في الاقتباس الافتتاحي، في هذه الدراسة، بأنه "كفاح الشعوب المقاومة التي تحلم بخلق أشكالها الخاصة من الروابط السياسية وحكم نفسها بطرائقها الخاصة". ويشمل ذلك أيضًا أن نستعيد "فاعلية الفاعلين الأصليين الذين صاغوا بأنفسهم مساعيهم نحو إقامة الدولة، وحاولوا في الوقت نفسه الاستفادة من التوسع الاستعماري ومقاومته"73. ومن هذا المنظور، فإن تشُّكُل الدولة في العالم العربي صاغته أطوار زمنية وديناميات متعددة لكنها متداخلة. لقد صاغت تشُّكُلَ الدولة، في جزء منه، التحولاتُ الاجتماعيُة والاقتصاديةُ والعسكريةُ والقانونيةُ التي شهدها القرن التاسع عشر، وكانت مدفوعة بالإصلاحات العثمانية وبالسياسات الاستعمارية اللاحقة74. وفي الواقع، صنعت التنظيمات العثمانية

  1. Ibid., p. 400.
  2. Francisco Garfias & Emily A. Sellars, "State-Building in Historical Political Economy," in: Jeffery A. Jenkins & Jared Rubin (eds.), The Oxford Handbook of Historical Political Economy (Oxford: Oxford University Press, 2024), p. 211.
  3. Mazzuca, p. 388.
  4. Dietrich Jung, "War and State in the Middle East: Reassessing Charles Tilly in a Regional Context," in: Lars Bo Kaspersen & Jeppe Strandsbjerg (eds.), Does War Make States? Investigations of Charles Tilly's Historical Sociology (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), pp. 221 - 242.
  5. Blaydes.
  6. Adham Saouli, "States and State-Building in the Middle East," in: Raymond Hinnebusch & Jasmine Gani (eds.), The Routledge Handbook to the Middle East and North African State and States System , (London: Routledge, 2019), p. 45; Saouli, The Arab State.
  7. Dodge, p. 87.
  8. Saouli, "States and State-Building in the Middle East," p. 3.
  9. بشارة، الدولة العربية؛ عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)؛ Lisa Anderson, The State and Social Transformation in Tunisia and Libya: 1830–1980 (Princeton: Princeton University Press, 1986); Lisa Anderson, "The State in the Middle East and North Africa," Comparative Politics, vol. 20, no. 1 (October 1987), pp. 1-18; Selim Deringil, Conversion and Apostasy in the Late Ottoman Empire (Cambridge: Cambridge University Press, 2012).

"ثورة قانونية حقيقية"، تجلت في محاولة تحويل الإمبراطورية مفهومًا ومؤسسيًا، من شكل "الدولة السلطانية" إلى شكل "الدولة المركزية الحديثة"75. لكن هذه كانت "صيرورة تتضمن تناقضًا بين البنية الإمبراطورية المتعددة القوميات، وغير المركزية، وبنية الدولة المركزية القومية الطابع" الحديثة، وهو الأمر الذي كان متاحًا للمصلحين في حقبة التنظيمات، أو "التنظيماتيين"، كما يصفهم بشارة76. ومَّثَل فشلُ إصلاحات التنظيمات، بسبب الصدام بين هذين النموذَجيَن المختلفين للدولة، فرصة ضائعة حقيقية لمسارات سياسية مستقبلية في العالم العربي. وصاغت أيضًا تشُّكُلَ الدولة في العالم العربي الجدالاتُ الفكريةُ في سنوات النهضة حول نوع الدول التي تحتاج إليها المجتمعات العربية الإسلامية، كي تخرج من موقعها المأزوم في مواجهة الغرب77. مع ذلك، ستكون قصة تشُّكُل الدولة في العالم العربي غير مكتملة، إذا لم نُدرج في تحليلنا "نتيجة المواجهة الاستعمارية" أو "الصراع بين القوى الاستعمارية والحركات المحلية" في السنوات التي تلت مباشرة نهاية الدولة العثمانية. ذلك أنّه "هنا"، كما تلحظ علا الحريري، "في الدينامية بين الصراعات المناهضة للاستعمار والردود القمعية للسلطة الاستعمارية، يمكن أن نتتبع أثر المواجهة الاستعمارية التغييري في العلاقات بين الدولة والمجتمع"78، وفي أشكال الدولة ما بعد الاستعمارية التي ظهرت في وقت لاحق، وتاليًا في إمكانات بناء الدولة بعد الاستقلال. إنّ كون العديد من الشخصيات العربية الرئيسة في هذه الدراما، كانت نتاج إصلاحات التنظيمات، يؤكد الاستمرارية بين هذه الأطوار الزمنية والديناميات المختلفة79. وفي الواقع، كان الضباط العرب العثمانيون الخيط الواصل بين التنظيمات العثمانية وتأسيس الدول العربية الحديثة80، وبنائها لاحقًا. وكما هو الحال حيث تتفحّص بهامبرا كيف كان الاستعمار – سواء في الأراضي البعيدة أو حتى في أوروبا، كما كان الحال مع أ لمنَة المقاطعات الشرقية لألمانيا – جزءًا أساسيًا منGermanification تكوين الدولة الحديثة في أوروبا، فإن العالم العربي شهد ديناميتين متلازمتين: الفرض الاستعماري للإقليم الترابي واحتكار العنف من جهة، والمقاومة المحلية للمشروع الاستعماري من جهة أخرى. وقد شكّلت هاتان الديناميتان عملية تشُّكُل الدولة، ومسارات بناء الدولة لاحقًا، وإمكانات الدول الجديدة التي تشكّلت بعد انهيار الدولة العثمانية. لم تكن هناك نتائج محددة سلفًا أو حتمية لهذه المواجهة، وكانت أشكال الدولة التي نشأت لاحقًا في العالم العربي مرتبطة بهاتين الديناميتين وبالخيارات والفرص التي أنتجتهما81، ولم تمثّل قطيعة كاملة مع النظام العثماني السابق، بل كانت استمرارية وإعادة توظيف لمؤسساته وممارساته في عملية إقامة الدول الجديدة82. لطالما شدد وجيه كوثراني83 على الدور الحاسم الذي أدّته القوى المحلية في صوغ ديناميات نشوء الدولة الاستعمارية ما بعد العثمانية وبنائها في العالم العربي. ولقد اتخذت شكَليَن رئيسين. الأول هو ردود الفعل الأيديولوجية المحلية المتنافسة إزاء إلغاء مصطفى كمال (أتاتورك) الخلافة في عام 1924، وصوغ نموذج الحكم التركي الوليد على شكل الدولة القومية الغربية؛ مما يعكس بحث النخبة عن بدائل من الإمبراطورية العثمانية والتحديات التي تواجه جمع دول جديدة84. لم تكن ردود الفعل الأيديولوجية هذه من غير أنسابها الفكرية؛ إذ كانت استمرارًا لجهود سابقة رمت إلى الإفصاح عن تصورات جديدة للتمثيل الشعبي على أساس أفكار "المواطنية" العابرة للانقسامات الدينية، بدلًا من "الرعوية"، بدءًا من قانون التنظيمات المتعلق بقوانين المواطنة عام 1869، ثم مع القانون الأساسي (أو الدستور) المولود ميتًا عام 187685. أمّا الدينامية الثانية، التي أدّت دورًا مهمًا في صقل أشكال الدولة ما بعد الاستعمارية الناشئة، فقد اشتملت على سحق عدد لا يحصى من المقاومات الشعبية المحلية لمشروع ما أسماه تالي "'الَّنَسخ' الإمبراطوري لبناء الدولة القومية" الذي تبلور طوال عشرينيات القرن العشرين

  1. بشارة، الدولة العربية، ص.59
  2. المرجع نفسه.
  3. Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age, 1798–1939 (Cambridge: Cambridge University Press, 1983); Jens Hanssen & Max Weiss, Arabic Thought beyond the Liberal Age: Towards an Intellectual History of the Nahda (New York: Cambridge University Press, 2016).
  4. Hariri, p. 849.
  5. بشارة، الدولة العربية، ص.93 - 82
  6. المرجع نفسه، ص.127
  7. Elizabeth F. Thompson, How the West Stole Democracy from the Arabs: The Arab Congress of 1920, the Destruction of the Syrian State, and the Rise of Anti-Liberal Islamism (New York: Atlantic Monthly Press, 2020).
  8. بشارة، الدولة العربية؛ Adam Mestyan, Modern Arab Kingship: Remaking the Ottoman Political Order in the Interwar Middle East (Princeton: Princeton University Press, 2023); Adom Getachew & Karuna Mantena, "Anticolonialism and the Decolonization of Political Theory," Critical Times , vol. 4, no. 3 (December 2021), pp. 359 - 388.
  9. وجيه كوثراني، المسألة العربية: الدولة والمجتمع في التاريخ العربي (بيروت: منتدى المعارف، 2019)، ص.47
  10. وجيه كوثراني، الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبّان الثورة الكمالية في تركيا (بيروت: دار الطليعة، 1996)، ص 26؛ وجيه كوثراني، مختارات سياسية من مجلة "المنار" لرشيد رضا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019
  11. بشارة، الدولة العربية؛ وجيه كوثراني، "بواكير الفكر الدستوري: التنظيمات العثمانية والدستور (بين الرعوية والمواطنة")، تنبّي، مج 1، العدد 3 (شتاء 2013)، ص 7 -.22

وحتى أوائل ثلاثينياته في أرجاء الأرض العربية86. وسواء في مصر أو المغرب أو ليبيا أو فلسطين أو العراق أو سورية أو اليمن، تمردت المجتمعات المحلية ضد الفرض العنيف لدولة سعت لتوحيد أشكال الحياة ما قبل الاستعمار، وتحويلها إلى أشكال أكثر قابلية للفهم وأشد ألفة بالنسبة إلى النظرة الاستعمارية الأوروبية87. وفي جميع هذه الأماكن تقريبًا، كان ما يسميه كوثراني "الإسلام الشعبي التاريخي" هو الطريقة الرئيسة للتعبير الأيديولوجي والتنظيمي والسياسي عن حركات المقاومة الشعبية هذه88. في شمال المغرب، كانت جمهورية الريف التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي، بين عامَي 1923 و 1926، استثناءً نادرًا وإن كان مقتضبًا لموجة متواصلة من الهزائم89، سواء في ثورة العشرين العراقية أو الثورة السورية الكبرى (-1925 1927). ولقد صاغت المعارك الضائعة والخيارات التي اتخذت خلال هذه السنوات التكوينية من أوائل القرن العشرين ديناميات النخبة الممسكة بزمام الدولة، والعلاقات بين الدولة والمجتمع، و"الشكل المؤسسي للتحالفات السياسية"90 بين الدولة والمجتمع الذي حدد بدرجة كبيرة السياسات ما بعد الاستعمارية اللاحقة وإمكانات بناء الدولة. غير أنّ هذه المنعطفات الحرجة Junctures Critical ما بعد العثمانية وتأثيرها في أنساق سيطرة الدولة على المجتمع ومسارات بناء الدولة جرت بطرائق مختلفة، كما تبّين الأمثلة التالية. في العراق، صاغت الهزيمة البريطانية لثورة العشرين المناهضة للاستعمار "المعالم القسررية والسياسية للدولة الوليدة"، وعرقلت "قدرة الدولة العراقية على ترسيخ سلطتها على نحوٍ شامل في جميع أنحاء المجتمع"91. وفي لبنان، صاغت خيارات النخبة، عند منعطفات حرجة من نشوء الدولة الاستعمارية، العلاقات بين الدولة والمجتمع، كما صاغت لاحقًا إمكانات بناء الدولة. وقد لجأت النخبة السياسية إلى التوافقية في منعطف حرج من نشوء الدولة الاستعمارية، لتبرر الاستيلاء على مناصب الدولة ومواردها. وأدّى ذلك إلى عرقلة بناء الدولة، وأنتج نظامًا طائفيًا في لبنان ما بعد الاستعمار، أعيد إنتاجه لاحقًا في حقبة ما بعد الحرب92. وفي البحرين، صاغت السياسات الاستعمارية في أوائل القرن العشرين النظام السياسي وطبيعة الدولة: "جرى تأطير الاختلافات الإثنية الطائفية على أنّها جوانب أساسية واضحة للهوية التي حددت من ثم الدور السياسي والفاعلية السياسية لكل شخص. وقد شحذتها، بدورها، وجعلتها توفّر أساسًا قانونيًا رسميًا، مؤسسات الدولة الحديثة وتصنيفاتها، لا سيما في ظّل ديناميات فرق تسد"93. ولقد جرت سيرورة مماثلة من صنع الهوية الوطنية الاستعمارية عن طريق القانون والجيش في الأردن94. وصاغت ممارسات صغرى للعنف الاستعماري في عشرينيات القرن العشرين سيرورة تشُّكُل الدولة في سورية95. وبالمثل، ورثت الدولة المستقلة في المغرب عنف الدولة الاستعمارية96. وفي الكويت وإيران والأردن، يحدد تدخل القوى الاستعمارية المهيمنة المبكر خيارات التحالفات والبنى المؤسسية للدول الجديدة، كما يحدد أنظمتها، فيصوغ بذلك مسارات بناء الدولة ما بعد الاستعمارية. فهي "تترك إرثًا عميقًا عندما تحوّل الصراعات الاجتماعية قبل أن يقوم القادة بوضع القواعد الاقتصادية والروتينات السياسية التي تحكم دولتهم"97. وبالمثل، كان التنظيم الاقتصادي الحربي، في مصر وسورية المتّحدتين، منعطفًا حاسمًا ليس في الانتقال من ليبرالية السوق قبل الحرب إلى الدولتية فحسب، بل الأهم من ذلك في الشكل الذي اتخذته مقارنة بتجارب أخرى في الجنوب الكبير؛ إذ ساعدت على صوغ "قواعد الإدارة الاقتصادية التي ساعدت في شرعنة اقتصاد سورية ومصر الشعبوي، القائم على إعادة التوزيع، وتديره الدولة بعدوانية، في العقود اللاحقة بعد الحرب وجعله ممكنًا"98. وأخيرًا، أدّت مواريث بناء الدولة في أوائل القرن العشرين ومنتصفه، في منطقة الشرق

  1. كوثراني، المسألة العربية، ص.47
  2. الأحمر؛ Jonathan Wyrtzen, Worldmaking in the Long Great War: How Local and Colonial Struggles Shaped the Modern Middle East (New York: Columbia University Press, 2022).
  3. كوثراني، المسألة العربية، ص.48
  4. Ariel I. Ahram, Break All the Borders: Separatism and the Reshaping of the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2019), pp. 26 - 27.
  5. Andreas Wimmer, Nation Building: Why Some Countries Come Together While Others Fall Apart (Princeton: Princeton University Press, 2018), p. 8.
  6. Hariri, p. 849.
  7. Bassel F. Salloukh, "The State of Consociationalism in Lebanon," Nationalism and Ethnic Politics , vol. 30, no. 1 (2024), pp. 8 - 27.
  8. Omar H. AlShehabi, Contested Modernity: Sectarianism, Nationalism, and Colonialism in Bahrain (London: OneWorld Academic, 2019), p. 9; Tariq Tell, "State Formation and Underdevelopment in the Arab World," Lancet , vol. 383 (February 2014), pp. 480 - 482.
  9. Joseph A. Massad, Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan (New York: Columbia University Press, 2001).
  10. Neep.
  11. عبد العزيز الطاهري، "الدولة المعاصرة وإشكاليات العنف السياسي في المغرب"، في: الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة، محمد حمشي ومراد دياني (محرران) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 319 -.354
  12. Yom, p. 17.
  13. Robert Vitalis & Steven Heydemann, "War, Keynesianism, and Colonialism: Explaining State-Market Relations in the Postwar Middle East," in: Steven Heydemann (ed.), War, Institutions, and Social Change in the Middle East (California: University of California Press, 2000), pp. 106 - 107.

الأوسط وشمال أفريقيا، دورًا رئيسًا في تعزيز الصراعات الانفصالية وتقييدها بعد انتفاضات عام 201199. يمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات من المناقشة السابقة. الأول مفاده، خلافًا للتجارب الأوروبية واللاتينية الأميركية، أنّ مسار تشُّكُل الدولة وبناء الدولة في العالم العربي تعرّض للتشويه بفعل تأثيرَين متلازمين: الجهود الحديثة ما قبل الاستعمارية التي قام بها الحكام الاستبداديون الإصلاحيون - ما يسميه بشارة "التحديث السلطاني" - وبفعل الاستعمار100. وهذا المسار البديل والعلاقة المفككة زمنيًا بين تشُّكُل الدولة وبنائها، وليس ضروب الغياب أو الإخفاقات المزعومة، هما اللذان وضعا الدول العربية على مسار صاغ أشكالها أو مضامينها ما بعد الاستعمارية. ولم يكن هذا المسار البديل متماثلًا في جميع الدول العربية. بل كان أكثر قصديةً واستدامةً في بعض دول الجيل الثالث قياسًا على غيرها. أدّت سياسات التحديث من أعلى إلى أسفل، التي اتبعتها التنظيمات في ظل البنية الاستبدادية للدولة العثمانية ووسط التدخلات الاستعمارية، حيث كان لدى الإصلاحيين نموذج للدولة متاح بالفعل، إلى ديناميات لتشُّكُل الدولة وبنائها مختلفة عن تلك التي لوحِظت في التجارب الأوروبية والأميركية اللاتينية. ففي بعض الأماكن، سارت عناصر تشُّكُل الدولة جنبًا إلى جنب بدلًا من أن تتعاقب على نحو تسلسلي. وتُعَدّ مصر المثال الأوضح لدولة عربية خضعت لتوطيد الإقليم الترابي واحتكار العنف والتحول البيروقراطي - في شكل تركيز السلطة واحتكار التشريع - قبل الاستعمار. وبدمج عناصر الاستبداد الشخصي الساعي للريع مع أساليب جديدة في إدارة مؤسسات الدولة وتنظيم النظام التعليمي101، فقد مهّد محمد علي باشا لبناء الدولة المصرية، ووضع الشروط المسبقة لإنشاء دولة حديثة102. وكانت سياساته "سياساتٍ سلطانيةً بأدوات حديثة، وقادت إلى بناء مؤسسات دولة"103. وبالمثل، وتحت تأثير التنظيمات وإصلاحات محمد علي، إضافة إلى زيادة حجم العلاقات مع أوروبا، أدّى البايات الحسينيون دورًا حاسمًا في نشوء الأسس الترابية للدولة التونسية، لا سيما فيما يتعلق بتوحيد الأرض، واحتكار العنف، والإصلاحات التعليمية، والمركزية المالية والإدارية والتشريعية104. ولقد بدأت سيرورة تشُّكُل الدولة والمركزية البيروقراطية هذه، قبل فترة طويلة من ظهور الاستعمار في عام 1881، واكتملت خلال الحكم الاستعماري105. وكانت مث لًا آخر على التحديث السلطاني الذي يضع الأسس لدولة حديثة. لكن بشارة حريص على أن يؤكّد أنّ هذه السيرورة لم تكن قريبة من السيرورة الأوروبية التي أعادت التفاوض على العلاقة بين الحاكم والمحكوم في اتجاه تطوير معايير جديدة للمواطنة. وفي المقابل، فإنّ المغرب الذي لم يخضع للسيطرة العثمانية وتمتع بقدر كبير من الوحدة الترابية، وحكمته سلالة ذات أصول محلية لكنها واجهت مقاومة قوية من الجماعات القبلية، وكانت الزوايا الصوفية تجدد البيعة للحاكم سنويًا، لم يكتمل فيه احتكار العنف والتحول البيروقراطي قبل مجيء الحكم الاستعماري106. وبخلاف ذلك، لم يكن ثمة نشوء للدولة في شكل توحيد الإقليم الترابي واحتكارٍ للعنف قبل الاستعمار في سورية (وكذلك في جميع أنحاء الشرق العربي) والجزائر107. وفي كلتا الحالتين، وكذلك أيضًا في الأردن والعراق ولبنان، كان توحيد الأرض وافدًا متأخرًا جًّدًا. من نتائج هذا التشويه في تسلسل تشُّكُل الدولة وبنائها أن امتد إلى دولة ما بعد الاستقلال العديد من الفاعلين والبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت موجودة قبل الاستعمار، لكنها جُِّدرِت من وظائفها الأصلية. يسمّي كوثراني هذه البنى "وسائط السلطة"108، أو "أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي"109 التي عملت بصفتها وسطاء بين الجماعات المحلية والسلطة الحاكمة في إسطنبول أو ممثليها المحليين، سواء كانت من العلماء، أو الزوايا الصوفية، أو الجمعيات الحرفية، أو وجهاء الحضر والريف، أو زعماء القبائل. والنتيجة الفعلية لهذا المسار هي دول ومجتمعات عربية لديها ذلك المزيج الهجين من الأنظمة المشخصنة ومؤسسات الدولة (الحديثة)، وأنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية، والرأسمالية، وأخيرًا التشكيلات الاجتماعية ما قبل الحديثة، والحديثة110. أمّا الاستنتاج الأخير فيتعلق بالكيفية التي شكّلت بها المرحلة الاستعمارية بعد انهيار الدولة العثمانية، ليس فقط حدود الدول التي نشأت لاحقًا، من خلال توطيد الإقليم الترابي واحتكار العنف

  1. Ahram, p. 4.
  2. بشارة، الدولة العربية، ص.229
  3. العظمة، ص.77
  4. بشارة، الدولة العربية، ص.199
  5. المرجع نفسه، ص 281 -.282
  6. المرجع نفسه، ص 215، 220 - 221،.282
  7. بشارة، الدولة العربية؛ Anderson, The State and Social Transformation in Tunisia and Libya.
  8. بشارة، الدولة العربية، ص.283-282
  9. المرجع نفسه، ص.354-287
  10. وجيه كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي العربي أواخر العهد العثماني: وسائط السلطة في بلاد الشام (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
  11. المرجع نفسه، ص.70
  12. عبد الإله بلقزيز، "الدولة في الوطن العربي وأزمة الشرعية"، في أزمة الدولة في الوطن العربي )بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص 342-303؛ الأحمر.

(أو عدمه)، بل شكلت أيضًا جوهرها، أو مضمونها، من خلال تشكيل علاقات الدولة بالمجتمع بطرائق متجذرة وصعبة التغيير: أي بالكيفية التي شكّلت بها هذه المنعطفات الحرجة الطريقة التي "توسطت بها الدولة علاقاتها مع المجتمع"111 و"الشكل المؤسسي" الذي افترضته "التحالفات السياسية" بين الدولة والمجتمع في تكوينات تفترق كثيرًا عن تجارب أوروبا الغربية وحتى أميركا اللاتينية. وكان هذا هو الحال، على الرغم من أنّ نموذج الدولة الذي استوردته القوى الاستعمارية متاح بالفعل112. فقد "واصلت المشاريع الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية المتجددة علاقة متدرجة وعمودية مع الحكومات المحتلة والمفوضة والموقعة على المعاهدات بين الشعوب المهزومة"113. وهو ما ورثته لاحقًا أنظمة ما بعد الاستقلال، ومنع بذلك ظهور أشكال التحالفات السياسية الأفقية بين الدولة والمجتمع لصالح أشكال المحسوبية، أو ما يسميه كوثراني، مستخدمًا مصطلحات ابن خلدون، "أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني"114. وهذا أيضًا صاغ العلاقة بين الفرد (الواحد من الرعية وليس المواطن) والدولة بطرائق دائمة. وكانت النتيجة دولة ما بعد استقلال من دون ذلك "المركّب من الحقوق والواجبات الذي يشكّل قاسمًا مشتركًا بين الحكام والمحكومين بوصفه عضوية في الدولة"، ويُسمّى مواطنة115. وغرس بذور التباعد الكبير بين الدول والأنظمة في المنطقة116. لكنّ هذه الاختلافات ليست انحرافات عن معيار كوني غربي117، بل النتيجة المباشرة لمسارات وزمنيات بديلة في تشُّكُل الدولة وبنائها، ومنعطفاتهما الحرجة، وما يترتب على ذلك من أشكال الدولة. يتحرّى المبحث التالي استكشاف فائدة التنظيرات البديلة للدولة العربية بعد الانتفاضات الشعبية وحدودها. ويصنّف هذه التنظيرات إلى: 1. تلك التي تأخذ المسار الأوروبي الغربي في تشُّكُل الدولة وبنائها نقطةً للانطلاق والمقارنة النقدية، صراحةً أو ضمنًا؛ 2. تلك التي تستخدم صورةً لدولة متحررة من الثنائية النيوفيبرية؛ 3. تلك التي تستدعي تنظيرًا أدائيًا للدولة بعد الانتفاضات الشعبية.

ثانيًا: التنظير للدولة العربية بعد الانتفاضات

تجادل ليزا أندرسون في مقالة منشورة بعد انتفاضات عام 2011 الشعبية، بأن قصة العقود الماضية تتمثل في "تراجع قوة الدولة وسلطتها" في العالم العربي؛ وهي قوة وسلطة تُعرَّفان من حيث قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الرفاه العام، والسيطرة على أراضيها، ومكانتها بوصفها الفكرة الوطنية المهيمنة118. ولقد أطلق هذا العنانَ لقدرٍ من الاستخفاف والخوف والبحث عن إحساس جديد بالجماعة خارج الدولة؛ فأدى إلى تآكل الأخيرة وتراجعها إزاء منافسيها؛ أي مجموعة الهويات والشبكات الدينية والقبلية والإثنية، والفاعلين من غير الدول. وهكذا، نجد أنفسنا، بعد الانتفاضات، أمام "دول آيلة إلى الذبول في العالم العربي"119. غير أننا، إذا ابتعدنا عن المسار الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها بصفته نقطة مرجعية، واستحضرنا في تحليلنا أشكال الدولة البديلة، نجد أنّ الدولة العربية لا "تنحسرر" ولا "تذبل". تبدأ خريطة التنظيرات المختلفة للدولة العربية، التي أقدمها في ما يلي، من تلك التي تتخذ التصور الفيبري منطلقًا لا محطةً نهائيةً للتحليل. يبرز بشارة، في كتابه مسألة الدولة، تصورًا مشتركًا للمواطنة، وهو يطور نظرية جديدة في الدولة الحديثة. انطلاقًا من فيبر، يميز بشارة بين الدولة بصفتها تنظيمًا سياسيًا والدولة الحديثة؛ فالأولى هي علاقة بين حكام ومحكومين عبر الزمن، في حين أنّ الثانية هي عرلاقة بين مواطنين ودولة تحكمها مبادئ مواطنة مشتركة لا تعّب عن ماهية الدولة فحسب، بل أيضًا عما يتوقعه المواطنون منها أن تكون عليه120. والمسار التاريخي الذي يتطور من خلاله هذا الشعور بالاعتراف المتبادل بين الحكام والمحكومين هو على النحو التالي: في البداية يعتبر الحاكم الشعب رعايا، ثم يطور الرعايا، الذين يعيشون في إقليم ترابي محدد، هوية وطنية. "لكن آخر تجليات المشترك، الذي لم يعد من الممكن فهم الدولة الحديثة من دونه، هو المواطنة. الحكام والمحكومون هم مواطنو الدولة"121. وحدها الحقوق والواجبات المتأصلة في المواطنة يمكن أن تحول السلطة إلى دولة، لأنّه "في العصر الحديث لا دولة من دون مواطنة"122.

  1. Hariri, p. 849.
  2. بشارة، الدولة العربية، ص.120
  3. Mestyan, p. 2.
  4. وجيه كوثراني، مشروع النهضة العربية: أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني (بيروت: دار الطليعة،.)1995
  5. بشارة، الدولة العربية، ص.115
  6. الاستثناء هو دول الخليج الغنية بالنفط، حيث تسمح عائدات الريع للدولة بقدر كبير من الاستقلال عن المجتمع، فلا تتمايز الدولة من نظام الحكم. ينظر: المرجع نفسه،
  7. 117 Getachew & Mantena, pp. 374 - 375.
  8. Lisa Anderson, "Bread, Dignity and Social Justice: Populism in the Arab World," Philosophy and Social Criticism , vol. 44, no. 4 (May 2018), p. 479.
  9. Ibid.
  10. بشارة، مسألة الدولة، ص 93 - 135،.334 121 المرجع نفسه، ص.425
  11. ص.431
  12. 122 المرجع نفسه، ص.17

إنّ ما يميز الدولة الحديثة من أشكال التنظيم السياسي الأخرى هو طبيعة مؤسساتها ووظائفها، واستقلالها عن شخص الحكام؛ أي احتكارها العنف التشريعي والشرعي، وسلطتها على إقليم ترابي معّين وشعب معّين، وجهازها البيروقراطي المستقل، وعلاقتها بالمحكومين من خلال مبدأ المواطنة، وفي هذا الأخير خروج عن تعريف فيبر الكلاسيكي123. ومن دون هذا الفهم المشترك للحقوق والواجبات بين المواطنين، وبينهم وبين مؤسسات الدولة، لا يمكن أن تكون هناك دولة حديثة. ولذلك، يُعَُّدُ احتكار العنف شرطًا ضروريًا، لكنه غير كافٍ للدولة الحديثة124. و"مثلما استخلص فيبر مفهومه للدولة من الدول المتطورة في عصره، لا يجوز أن يتلخص الجهد الحالي [لتعريف الدولة الحديثة] بتأبيد تعريفات فيبر أو غيره"125. وبفعل ذلك، وعلى غرار رؤية بارينغتون مور126 أنّه لا ديمقراطية من دون برجوازية، يضيف بشارة سببية أخرى لنظريات الدولة: لا دولة حديثة من دون مواطنة. ووفقًا لهذه الرؤية ما بعد الانتفاضات، فإنّ كل الدول العربية تخفق في بلوغ مكانة الدولة الحديثة. وبناءً عليه، يمكن اعتبار "نمط التنظير المتموضع" لدى بشارة أحد السبل لصوغ "فئات مفهومية من خصوصية المآزق ما بعد الاستعمارية"، من أجل "تحديد الآفاق المعيارية والسياسية الكامنة في سياسات ما بعد الاستعمار"127. قد يكون تنظير بشارة الجديد للدولة مرتبطًا عضويًا بالواقع السياسي في العالم العربي، غير أنه يتناول تحديًا أوسع نطاقًا؛ ففي زمننا هذا، يظل التعريف المؤسسي للدولة تعريفًا ناقصًا، ما لم يقترن بمثُل المواطنة في تحققها الكامل. يقدّم أدهم صولي ورايموند هينبوش128 تنظيرًا آخر للدولة العربية، يفّسر إمكانية أن تتفسخ الدول حتى بعد فترة طويلة من بناء الدولة. ومن هذا المنظور الذي يتخذ شكل الجرس، من الأفضل أن يجري تصوّر بناء الدولة في العالم العربي، على أنّه "سيرورة" تعكس ديناميات الصراعات الاجتماعية السياسية بين مختلف متعهدي المشاريع السياسية Entrepreneurs Political في "الميادين الاجتماعية التي تتشكل فيها الدول ويتشوه شكلها Deform and Form"؛ تلك الميادين التي تتحدد من الناحية الجيوسياسية129. عندما تتمكن مجموعة سياسية من تحقيق احتكار العنف والسيطرة على وسائل الإنتاج الأيديولوجي وعلى الموارد الاقتصادية، يمكن فقط أن ينشأ نظام، وإن يكن ذلك النظام الذي يتعايش مع خصوم آخرين "يطمحون إلى السيطرة على السلطة وصوغ السياسة في ميدان اجتماعي"130. لكن الدولة، في هذه المرحلة من التشكل، تشير إلى "نظام - كوكبة من القوى الاجتماعية - يسيطر على الفصائل الأخرى داخل الميدان الاجتماعي: لا إلى تنظيم عمومي 'فوق المجتمع"'131. وتقاس قوة الدولة في هذا السياق ب "مدى قدرة مؤسسات الدولة على إدماج قوى اجتماعية مختلفة" بصرف النظر عن قدرات بنيتها التحتية132. وبناءً على هذا، فإنّ الدولة القوية هي الدولة التي توفر فيها المؤسسات "أساسًا قانونيًا لإدماج القوى الاجتماعية المختلفة" و"تؤدي دورًا مستقلًا عن القوى السياسية المتنافسة داخل الميدان الاجتماعي"133. فالدولة القوية، هي التي انتقلت "من نظام سلطوي، تقوده قوة اجتماعية أو أكثر، إلى مؤسسات ديمقراطية تسمو فوق جميع القوى الاجتماعية في مجال اجتماعي معّين "؛ وتُعتبر "تمثيلية وشرعية في نظر ناخبيها"134. وفقًا لهذا التنظير، ليس لدينا أيّ دولة عربية قوية، بل دول ضعيفة أو منهارة على طيف تشُّكُل الدولة/ تشُوّهها يمتد من تشوه الدولة/ اللادولة (إلى يسار الطيف) إلى تشُّكُل الدولة/ الدولة القوية (إلى اليمين) مع وجود دول ضعيفة في المنتصف. وإذا ما كان ثمة أي تنوّع بين هذه الدول العربية الضعيفة فهو من حيث قدرة النظام على صوغ المجتمع؛ فالسعودية والمغرب وسورية والأردن، ومصر وتونس قبل الثورة، جميعها أمثلة على دول ضعيفة يتمتع نظامها بقدرات قوية. أمّا لبنان، من جهة أخرى، فهو مثال لدولة ضعيفة مع ضعف قدرات النظام. يشير صولي وهينبوش أيضًا إلى أنه على الرغم من أنّ صلابة النظام شرط مسبق لبناء الدولة، فإن السيرورة الأخيرة ليست خطّية. وهما يريان في الواقع، وفي سببية أخرى نتجت من دراسة الدولة العربية، أنه في سياق الدول المتأخرة التشكّل، والتي تعرضت لتهديدات داخلية وخارجية، كلما زادت صلابة النظام، قلّ بناء الدولة. ومن ثّم،ّ في حين يفّسر مازوكا التنوّع في اقتران أو عدم اقتران تشُّكُل الدولة وبنائها في أوروبا الغربية وأميركا اللاتينية بالاختلاف بين أولويات صنّاع الحرب وصنّاع السوق، فإنّ ديناميات تشُّكُل الدولة المتأخر

  1. المرجع نفسه، ص.403
  2. المرجع نفسه، ص.333
  3. المرجع نفسه.
  4. Barrington Moore Jr., Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World (Boston: Beacon Press, 1966).
  5. Getachew & Mantena, p. 362.
  6. أدهم صولي، ورايموند هينبوش، "الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية تاريخية"، عمران، مج 10، العدد 37 (صيف 2021)، ص.36-7
  7. Saouli, The Arab State , p. 136; Adham Saouli, "Back to the Future: The Arab Uprisings and State (Re)formation in the Arab World," Democratization ,
  8. Saouli, The Arab State , p. 13l ينظر أيضًا: 50 - 49 pp. Hinnebusch, &.Saouli
  9. Saouli, The Arab State , p. 13.
  10. Ibid., p. 14.
  11. Ibid. 134 Ibid.
  12. vol. 22, no. 2 (2015), pp. 315 - 334.

في العالم العربي تشوّه بناء الدولة لأن (ما يمكن أن نسميهم) صنّاع النظام يقدّمون بقاءهم على بناء الدولة. ويبرز عبد الوهاب الأفندي التناقضات التي أشار إليها صولي وهينبوش بين صلابة النظام وبناء الدولة. وهو ينظر إلى الدولة العربية على أنّها "دولة الثقب الأسود" State Hole Black The؛ وهو مفهوم قُِّدِم أول مرة في تقرير التنمية البشرية العربية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2004135. إنها نظام هجين وفريد يجمع بين عناصر من السلطانية والشمولية، ويقع عند نقطة التقاء الاستبداد والإرهاب، و"يتميز بتوسع مستمر في نطاق نفوذ الدولة، ويرتبط بمركز للسلطة سريع التقلص. ويميل النظام، الذي تسيطر عليه اسميّا سلالة حاكمة أو حزب حاكم، إلى تركيز السلطة تدريجيًا في أيدي عصبة صغيرة من المقربين تحيط بالحاكم الفرد وأسرته القريبة"136. إنّ توصيف هذه الدول، باعتبارها أنظمة باتريمونيالية، لا يُنصفها بوصفها نمطًا للحكم، وذلك بسبب الطابع "المهني" لمؤسساتها الأمنية؛ إذ إنها "مؤسسات دولة متماسكة موجودة بالفعل، تتمثل في جهاز قمعي بالغ الكفاءة، ممول تمويلًا جيدًا، وُممُأسس نسبيًا"137. على الرغم من أنّ هذا الشكل من أشكال الدولة يشبه كثيرًا طور السلطوية ما بعد الشعبوية لدى صولي وهينبوش، لا سيما في بعده الرأسمالي المحاسيبي (أو المتعلق برأسمالية المحاسيب)، فإنّه صنف فريد من السلطوية، لأنه يعاني حساسية حيال أيّ نوع من المأسسة خارج الجهاز الأمني138؛ فهو لا يحول دون مأسسة المجالين الاقتصادي والأمني فحسب، بل يغرّب المجتمع أيضًا: "إن 'دولة الثقب الأسود' نموذج عربي [للدول] فريد من حيث إنّ نظامه لا يتوقف عن شن الحرب على الدولة والشعب في آن معًا"139. فالأنظمة الحاكمة "تفرغ الدولة بخصخصة وظائفها [العامة]، وحتى وظائفها الأمنية، في حين تُحوَّل مؤسساتها إلى إقطاعات شخصية أو عائلية أو طائفية"140. وبتحويل المجتمع كلّه إلى معارضة، تتسبب دولة الثقب الأسود في اندلاع الانتفاضات الشعبية. وعلى الرغم من الانتكاسات المضادة للثورة، فمن المحتم لذلك النظام أن يزول. يجمع مصطفى كامل السيد141 بين القدرة المؤسسية والتجانس الاجتماعي، من أجل التمييز بين دول قوية/ قديمة وهشة/ جديدة في العالم العربي. فالدول القوية، مثل مصر وتونس والمغرب142، تتمتع بالتجانس الاجتماعي وباستمرارية تاريخية في حدودها منذ عصور ما قبل الاستعمار. وهي تتميّز بوجود بيروقراطية متخصصة في الحكم ومستقلة عن الانقسامات الاجتماعية، فتحفظ الفصل بين الدولة والمجتمع. وخلافًا لذلك، فإن الدول الهشّة جديدة وموطن لسكان غير متجانسين. واستقرار حدودها وظيفة من وظائف الحماية الخارجية. يقدّم ستيفن هايدمان143 تنظيرًا آخر للدولة العربية بعد الانتفاضات، يستند إلى تنوع الجدال المؤسسي في شكل نظرية حالة الدولة المحدودة Statehood Limited؛ وهو إذ يضع نفسه في مواجهة نماذج ضعف الدولة القائمة على الهشاشة، يستعرض مسارات الدولة المحدودة في المنطقة العربية قبل الانتفاضات وبعدها، ليوضح كيف عبّأت نخب الدولة تاريخيًا أشكال الدولة المحدودة التي تعطي بقاء النظام الأولوية على الأهداف التنموية. ولقد "أسفرت جهودها عن ترسيخ الدول المبنية حول المواطنة المجزأة ونماذج الحكم التفاعلية التي جمعت بين المنطق المزدوج، حيث محاسيبية الدوائر الانتخابية بالنسبة إلى القلة المتميزة والمساومات السلطوية بالنسبة إلى الكثيرين. هكذا أنتجت مسارات بناء الدولة في [المنطقة العربية] دولًا ليست ضعيفة ولا هشة بل شرسة وغير متناظرة، حيث تعكس حالة الدولة والحوكمة ضرورات بقاء النظام"144. والاستثناءات البارزة لهذا الاتجاه العام في المنطقة هي ليبيا واليمن ولبنان، حيث "تحتجز الأنظمة تطور الدولة وتحد من قدرتها، في حين يطالب الفاعلون الاجتماعيون بتوسّع الدولة"145. وهكذا، خلقت سيرورات تطور الدولة المدفوع بالنخب حالة دولة محدودة بقدرة انتقائية أصلًا؛ إذ يجري السعي لبناء قدرات أكبر في القطاعات الأمنية، وفي المؤسسات التي تشرف على استخدام الموارد الطبيعية، وفي البنية التحتية للمراقبة. ويصّر هايدمان أيضًا على أنّ الانتفاضات، بعيدًا عن انهيار الدولة، زادت من

  1. Nader Fergany et al., Arab Human Development Report 2004: Towards Freedom in the Arab World (New York: UNDP, 2005), p. 15, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2Hv
  2. Abdelwahab El-Affendi, "The Moderation of Insecurity: Standing the Eurocentric Democratic Transition Paradigm on Its Head," in: Abdelwahab El-
  3. Ibid., p. 75.
  4. عبد الوهاب الأفندي، عن المثقف الإسلامي والأمراض العربية: تأملات في المحنة المعاصرة (الدوحة: منتدى العلاقات العربية الدولية، 2022)، ص 175 -.208
  5. المرجع نفسه، ص.205
  6. 140 المرجع نفسه
  7. مصطفى كامل السيد، "الدولة وإشكالياتها النظرية والعملية في الوطن العربي"، في: العطش للدولة والريبة منها (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 2019)، ص 3 -.20
  8. يضيف أيضًا إيران وتركيا من الشرق الأوسط.
  9. Steven Heydemann, "Seeing the State or Why Arab States Look the Way They Do," in: Heydemann & Lynch (eds.), pp. 25 - 54.
  10. Ibid., p. 47.
  11. 145 Ibid., p. 33.

كثافة اتجاه الدولة المحدودة هذا وقدرتها غير المتناظرة، لا سيما في قطاعات ووظائف الإكراه والمراقبة التي تتولاها الدولة. تتخذ جميع تنظيرات الدولة العربية بعد الانتفاضات، التي قدّمها صولي وهينبوش والأفندي والسيد، المسار الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها منطلقًا للتحليل والمقارنة النقدية. بذلك، تعيد إنتاج التجربة الأوروبية في تشُّكُل الدولة، مرجعًا لجميع التجارب الأخرى، ومعه "سيطرته الإبستيمية"146 على التصورات البديلة للدولة147، كما أنها تتقاسم الاهتمام بالقدرات المؤسسية للدولة؛ أي مقدار المأسسة التي تمتلكها الدولة148. وعلى الرغم من أنّ صولي وهينبوش يبتعدان عن فهم فيبر الخطي لتشُّكُل الدولة، ويؤكدان عامل الشرعية في مناقشتهما للإدماج Incorporation، فإن تمييزهما بين الدول الضعيفة والقوية مؤسسي؛ أي إن كانت المؤسسات "تؤدّي دورًا مستقلًا عن القوى السياسية المتنافسة داخل الميدان الاجتماعي" أم لا. وأخيرًا، يستخدم كلّ من صولي والسيد حجة التجانس الاجتماعي التي تهدد بالانزلاق إلى شكل من الحتمية الاجتماعية. فنجد في صيغة صولي أنّ "البنية الثقافية"، التي تشكّل إحدى "البُنى التكوينية" للحقل الاجتماعي149، تُعدّ هي "الأساس الذي تتشكّل عليه السياسة"؛ إذ إنها تصوغ عملية تشُّكُل الدولة، وسلوك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، ومصالحهم السياسية150. يتقاسم جميع الكتّاب السابقين أيضًا صورة الدولة القائمة على استقلال البيروقراطية والفصل بين الدولة والمجتمع، أو على الأقل يرون أنّ هذا ما ينبغي لدولة حديثة (في استخدام بشارة) أو قوية (في استخدام صولي وهينبوش) أن تمتلكه. ويبتعد رأي هايدمان بشأن الدولة المحدودة عن هذه الصورة، لكنّه يفترض أنّ الأنظمة "فوضت السلطة على نحو انتقائي إلى فاعلين من غير الدول" في مجالات "تعتبر أقلّ تهديدًا أو أقل أهمية لبقائها واستقرارها"؛ وبذلك يحافظ على الفصل بين الدولة والمجتمع151. غير أنّ تنظيرًا بديلًا للدولة، يستند إلى النظريات السياسية لأنطونيو غرامشي ونيكوس بولانتزاسNikos Poulantzas، يتيح لنا تعليق النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها، بوصفه نقطة انطلاق تحليلية، ومعيارًا للمقارنة النقدية في آنٍ معًا؛ فهو يُذيب كليًا الثنائية بين الدولة والمجتمع الموروثة من التجربة الأوروبية، سعيًا لالتقاط الديناميات القائمة بعد الانتفاضات في عدد من الدول العربية. يقول غرامشي: "الدولة هي المجموع المركّب Complex من الأنشطة العملية والنظرية التي تمارسها الطبقة الحاكمة، والتي لا تقتصر على تبرير هيمنتها والحفاظ عليها فحسب، بل تمكّنها أيضًا من حيازة قبولٍ نَشِطٍ لدى أولئك الذين تحكمهم"152. وحين نوسّع مفهوم غرامشي المفتاحي عن "الدولة المتكاملة" State Integral خارج سياقه الأصلي، يمكن توظيفه لالتقاط تكامل الأبعاد المادي والتنظيمي والأيديولوجي في إنتاج نظام اجتماعي وشكل الدولة الملازم له؛ شكل خالٍ من الثنائيات المفروضة مثل المجتمع المدني/ المجتمع السياسي، والرضا/ الإكراه، والدولة الضعيفة/ القوية، والمجال الخاص/ العمومي، والفاعلين من الدول/ من غير الدول، والقطاعات الرسمية/ غير الرسمية. وبعيدًا عن تشييء الدولة وتحويلها إلى مجرد كيان جامد، أو التقليل من شأنها، أو تجريدها، فإن هذا المنظور الغرامشي يسلط الضوء على الدولة بوصفها جزءًا من شبكة معقدة من "العلاقات الاجتماعية والمصالح المادية التي تشكّل [...] نظامًا اجتماعيًا"153. لقد استخدمتُ في أبحاثي أدوات غرامشي النظرية لتحليل كيف وضعت النخبة السياسية والاقتصادية في لبنان بعد الحرب سياسات الدولة المالية والنقدية في خدمة تراكم رأس المال، وكذلك لدمج فئات اجتماعية كبيرة في نظام ما بعد الحرب، عبر حوافز زبائنية طائفية صارمة154. وقد أدى هذا إلى تفكيك المصالح الطبقية العابرة للطوائف، وتوفير الشروط المادية اللازمة لضمان مستوى من القبول الأيديولوجي الطائفي، الذي حال دون ظهور بدائل سياسية قابلة للحياة في مرحلة ما بعد الحرب. وبينما استخدم غرامشي هذا المفهوم للتنظير للدولة

  1. Getachew & Mantena, p. 372.
  2. يقدّم بشارة رأيًا مماثلًا في كتابهالدولة العربية، فيلحظ أنّ قسمًا كبيرًا من التفسيرات لضعف الدولة في العالم العربي "يركز على ما يغيب لا على ما يحضر؛ أي إنها تفترض أسبابًا معيّنة لنشوء الدولة وقوتها في الغرب، والمجادلة بأن غيابها في الشرق يفّسر ضعف الدولة." ينظر: بشارة، الدولة العربية، ص 425. ويقدّم غسان سلامة الرأي ذاته في نقده كًّلا من تحليل حَّنَا بطاطو (1978) وعصام الخفاجي (1983) الطبقي للسياسة العراقية وكيف أنها لا تتماشى مع الديناميات الأوروبية: "هل النسق 'الشرقي' هو بالضرورة نسخة سنظل نتعجب من عدم مطابقتها لأصل موجود تاريخيًا خارج زماننا، وجغرافيًا خارج منطقتنا، وثقافًّيًا خارج حضارتنا؟". ينظر: سلامة، ص 201 - 202. وللاطلاع على تحل لي بطاطو والخفاجي، ينظر: الخفاجي؛.Batatu
  3. من الأمثلة الأخرى لأدبيات ما بعد الانتفاضات في العالم العربي التي تطرح افتراضات فيبرية جديدة مماثلة، ينظر: مروان قبلان، "لماذا انهارت ’دولة البعث‘ في سورية؟"، سياسات عربية، مج 9، العدد 53 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2021)، ص 34-7؛ سلامة؛ غسان سلامة،
  4. Saouli, The Arab State , p. 16 - 17.
  5. Ibid., p. 18.
  6. Heydemann & Lynch (eds.), p. 49. 152 Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks , Quintin Hoare & Geoffrey Nowell Smith (eds. & trans.) (New York: International Publishers, 1971), p. 244.
  7. العطش للدولة والريبة منها"، في: العطش للدولة والريبة منها، ص 20-3؛ حارث حسن، "تشريح دولة المحاصصة: النيوباتريمونالية والمكونات ومركز السلطة في العراق"، في: الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة، ص 354-319؛ Mehran Kamrava, Inside the Arab State (London: Hurst & Company, 2018).
  8. Bilgin & Morton, p. 69.
  9. Bassel F. Salloukh, "What We Talk about when We Talk about the State in Postwar Lebanon," in: Heydemann & Lynch (eds.), pp. 141-168.

الليبرالية في أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر وتحولات هذه الدول بالنسبة إلى البنى الطبقية الناضجة ونمو المجتمع المدني في سياقات رأسمالية متقدمة، فإنني أستخدم أدواته النظرية لتنظير الدولة في لبنان بعد الحرب باعتبارها نوعًا مختلفًا من الدولة المتكاملة، بكيان مختلف للدولة يعكس مسارًا بديلًا لتشُّكُل الدولة ومسارًا تاريخيًا مختلفًا في دول الجنوب الكبير؛ ما يؤدي إلى إنتاج أشكال دولة وفئات طبقية وتكوينات اجتماعية مختلفة عن تلك الموجودة في أوروبا155. في هذه الحالة، تعمل مصالح النخب الخاصة، التي تعّبر عن فئات طبقية مختلفة، ليس من خلال تحديد المحتوى الأخلاقي للدولة ضمن المجتمع المدني، ولا عبر تنظيم القبول Consent على المستوى الثقافي للمجتمع المدني، بل تتداخل مباشرة مع بنى الدولة. علاوة على ذلك، حدّت عمليات الدولة المتكاملة في مرحلة ما بعد الحرب من مجال المجتمع المدني الذي كان يمكن أن تنظّم فيه التشكيلات البديلة، سواء النقابات العمالية، أو النقابات المهنية، أو الأحزاب غير الطائفية ذات القواعد الشعبية الكبيرة، في حرب طويلة المدى لإضعاف السيطرة الأيديولوجية للنظام الطائفي. وبتعليق النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها، يُنظر إلى هذه الدولة ما بعد الحرب على أنها حرة من الثنائيات المفروضة، مثل المجتمع المدني/ المجتمع السياسي، والرضا/ الإكراه، والدولة الضعيفة/ القوية، والمجال الخاص/ العمومي، والفاعلين من الدول/ من غير الدول، والقطاعات الرسمية/ غير الرسمية، والتي ترتبط غالبًا بصورة الدولة الفيبرية الجديدة. من شأن هذا التنظير للدولة ما بعد الحرب أن يفّسر ليس أسباب الانهيار المالي والنقدي والاجتماعي والاقتصادي في لبنان بعد 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 فحسب، فضلًا عن كيفية إدارة النخبة السياسية والاقتصادية والمالية الحاكمة لهذا الانهيار، بل إنه يفّسر أيضًا الاستجابة التنظيمية والأيديولوجية المحدودة والمفككة على هذا الانهيار من أولئك الذين يعانون أشد المعاناة عواقبه الاجتماعية والاقتصادية والمالية. في المقابل، نجد أنّ تنظير بولانتزاس للدولة (الرأسمالية)، بوصفها "تكثيفًا لعلاقة القوى بين الطبقات والفئات الطبقية، في شكل محدد بالضرورة، داخل الدولة ذاتها"156، يؤكد دورها في إعادة إنتاج الطبقات والتشكيلات الاجتماعية157. فهو ينقل التحليل بعيدًا عن صورة الدولة، بوصفها "كتلةً متراصة"، إلى اعتبارها "حقلًا استراتيجيًا" تُدار فيه التناقضات بين الشرائح الطبقية المختلفة أو بين أعضاء النخبة الحاكمة، أو الكتلة المهيمنة158. إن تفوّق صورة الدولة هذه على صورة فيبر في وصف عدد من الدول العربية، كما هي موجودة بعد الانتفاضات، يمكن استخلاصه من الاقتباس التالي: "بدلًا من مواجهة مجموعة من موظفي الدولة وكادرها متحدين ومتآزرين حول إرادة سياسية موحدة، فإننا نتعامل مع إقطاعات وعشائر وشرائح: مجموعة متعددة من الميكروسياسات المختلفة"159. ويستخدم توبي دودج160 نظرية بولانتزاس السياسية، لا سيما التركيز على الصراعات بين فئات النخبة الحاكمة أو الكتلة المهيمنة، ليشرح واقع الدولة العراقية بعد عام 2003 وتناقضاتها. فبدلًا من تفسير الانحرافات عن مفاهيم سياسية يُفترض أنها كونية ومستمَّدَة من المسار الأوروبي لتشكّل الدولة، ينظر إلى الصراعات بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين - السياسيين في لحظة معيّنة، وكيف تُسهم هذه الصراعات في تشكيل مؤسسات الدولة وعلاقات الدولة بالمجتمع. وبناءً على ذلك، فإن "النظر إلى الدولة بوصفها حقلًا تنافسيًا يعني أّن شكلها ومضمونها قد تشّكلّا، تاريخيًا وفي السياسة المعاصرة، من خلال 'تكثيف' الصراعات السابقة والجارية"161. إنّ الطبيعة المتناقضة للدولة العراقية بعد عام 2003 تعكس التنافس بين الفئات السياسية الاجتماعية المختلفة التي تحركت للسيطرة على الدولة. وتصوغ هذه الصراعات الشكل الذي اتخذته الدولة، والعلاقة المترابطة بين مؤسسات الدولة ومختلف فئات النخبة الاجتماعية. إنّ التأريخ لأشكال الدولة بهدف التحرّر من النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها، والتنظير للدولة بما يتجاوز الثنائيات من قبيل دولة/ مجتمع، أو قطاع رسمي/ غير رسمي، أو فاعلين من الدول/ من غير الدول، أو بوصفها "تكثيفًا لعلاقة قوى بين الطبقات وشرائحها"، يتيح لنا أن نجمع طيفًا آخر غير تشُّكُل/ تشوّه الدولة الذي اقترحه صولي. نستطيع بدلًا من ذلك أن نجمع الدول العربية على طيف يمتد من دولة متكاملة (في أقصى اليسار) إلى دولة بشارة الحديثة (في أقصى اليمين)، مع جمع دول عربية مختلفة على طول الطيف بحسب قربها من الدولة المتكاملة الخالية من الثنائيات (كما في لبنان بعد الحرب) وقربها من إعادة صوغ بشارة ما تعنيه الدولة الحديثة في عصرنا (حيث لا نجد أي دولة عربية.)

  1. Bassel F. Salloukh, "The Anatomy of Lebanon's Postwar Integral State: The Political Economy of Cartels and Consent," Interventions: International Journal of Postcolonial Studies (2025).
  2. Nikos Poulantzas, State, Power, Socialism (London: Verso, 2014),
  3. بشارة، مسألة الدولة، ص.200 - 199
  4. Poulantzas, p. 138.
  5. Ibid., p. 135.
  6. p. 132. Dodge.
  7. Ibid.

وعلى خلاف التنظيرات السابقة للدولة العربية التي تتخذ النموذج الأوروبي مرجعًا تحليليًا ومقارنًا أو التي تركّز على القدرات المؤسسية للدولة (أو غيابها)، فإن مقاربة الدولة بوصفها تشابكًا بين أبعادها المادية والتنظيمية والأيديولوجية في شكل "الدولة المتكاملة"، أو بوصفها "تكثيفًا لعلاقة قوى بين الطبقات وشرائحها"، من شأنها أن تقدم لنا مقاربة أدائية للدولة العربية بعد الانتفاضات تبُرز أّن ممارساتها الرمزية اليومية والقوة الإنجازية لخطابها "تُنتِج وتُعيد إنتاج الدولة بوصفها الفكرة المهيمنة وبوصفها الإطار المؤسسي النهائي في زمانٍ ومكان محددين"162. وفقًا لهذا الرأي، وما سبقه منذ أمد طويل163، يُنظَر إلى الدولة "على أنّها أداء غير مكتمل دائمًا"164. تفّسر رباب المهدي165 مستوى قمع النظام المصري في 14 آب/ أغسطس 2013 في ميدان رابعة العدوية، والمظاهرات الحاشدة التي دعا إليها وزير الدفاع، حينها، عبد الفتاح السيسي في 26 تموز/ يوليو 2013 في ميدان التحرير، في ما أ طلق عليه جمعة التفويض، على أنّها مشاهدُ تضفي الشرعية على نفسها بنفسها، صادرة من دولة كانت في حاجة إلى الشرعية في لحظة أزمة. وبالمثل، فإن الإشارات المتواصلة إلى هيبة الدولة هي فعل أدائي "يرمي إلى إنتاج طرائق للوجود والتخيل والتفكير بين رعايا الدولة، وهي أبعد كثيرًا من مجرد تقييد أفعال أو سلوكيات معينة أو تعزيزها"166. هذه المشاهد والعنف الذي تريد أن تشرعنه، والخطاب الذي يستحضر شخص الدولة، هي مؤشر دالٌ على ما تعانيه الدولة من أزمة سيطرة (غرامشية)، وجهودها لإعادة إرساء هيمنتها. وفي مقاربة مماثلة، تستخدم لوري براند مفهوم الهيمنة عند غرامشي، لاستكشاف كيف يعمل خطاب الدولة، في شكل "سرديات رسمية"167، أداةً سياسيةً لصوغ سلطة الدولة والحفاظ على السلطة السياسية. ويشمل هذا تفحّص "أشكال كتابة وإعادة كتابة عناصر القصة الوطنية والهوية، والطريقة التي استُخدمت في بناء أو تعزيز الشرعية، والوحدة الوطنية، والاستقرار في الدول العربية بعد الاستقلال"168. من ناحية أخرى، تُعلي ليزا ويدين أيضًا169 "أنماط السيطرة الرمزية" على المطالب المادية والآليات القسررية، في شرح "العلاقات الأيديولوجية المعقدة الأساسية للحفاظ على السلطة السلطوية"170. ويستعمل جميل معوض مقاربة أدائية لدراسة كيف يستخدم اللبنانيون المهمشون الرياضة ل "تخيل" لبنان موَّحَد، ليس قوًّيًا ومقدامًا فحسب، بل يمكنه أيضًا أن ينافس تلك البلدان التي تتدخل في سياسته الداخلية171. وبذلك يجري تخيّل الدولة في الممارسات اليومية على أنّها "آخر" بالنسبة إلى النظام الضعيف المخترَق الذي يفتقر إلى الوحدة الوطنية بسبب الانتماءات الطائفية"172. وفي المقابل، فإنّ بناء خطاب مرن حول دولة لبنانية ضعيفة ليس أكثر من مجاز نخبوي طائفي لتعزيز سيطرة النظام الطائفي173. وهنا يعمل اهفعض نع ةلودلا لائًاااسم؛ ةمواقلام لاكشأ نم لاكًااش هفصوب ءادلاأ وغيابها، في حين يتبنى خطاب مواطنة ينتج مخيلة جماعية لما يمكن أن يكون وما يجب أن يكون، فقط لو حكمت النخب السياسية كما يجب أن تحكم. وبالمثل، يستخدم معوض وهانس باومان مقاربة ما بعد حداثية لتوضيح كيف يمكن أثر الدولة Effect State، عند تيموثي ميتشل174، أن "يظهر من الأسفل"، وينتج بذلك الدولة بصفتها بناءً أيديولوجيًا175. وفي المقابل، يمكن تصوّر الدولة كتخيل Fantasy من خلال تجارب السخرية اليومية. ويقترح سامي هرمز أنّ "تخيلات الناس بشأن ما ينبغي أن تكون عليه الدولة تعزز قوة الدولة ووجودها"176. وأخيرًا، كشفت دراسة خوسيه مارتينيز177، حول دور دعم الخبز في إدماج الدولة في الحياة اليومية للمواطنين

  1. Charles Tripp, "The State as an Always-Unfinished Performance: Improvisation and Performativity in the Face of Crisis," International Journal of Middle East Studies , vol. 50, no. 2 (May 2018), p. 337.
  2. Clifford Geertz, Negara: The Theatre State in Nineteenth-Century Bali (Princeton: Princeton University Press, 1980).
  3. Tripp, p. 337.
  4. Rabab El-Mahdi, "The Failure of the Regime or the Demise of the State?" International Journal of Middle East Studies , vol. 50, no. 2 (May 2018), pp. 328 - 332.
  5. Ibid., p. 329.
  6. Laurie A. Brand, Official Stories: Politics and National Narratives in Egypt and Algeria (Stanford: Stanford University Press, 2014), p. 6.
  7. Ibid., p. 2.
  8. Lisa Wedeen, Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgment, and Mourning in Syria (Chicago: University of Chicago Press, 2019), p. x.
  9. Ibid., p. 17.
  10. Jamil Mouawad, "Lebanese Football: Imagining a Defiant and United Lebanon?" Middle East Critique , vol. 27, no. 3 (2018), p. 290.
  11. Ibid., p. 291.
  12. Jamil Mouawad, "Unpacking Lebanon's Resilience: Undermining State Institutions and Consolidating the System?" IAI Working Papers , vol. 17 (October 2017), pp. 4 - 5.
  13. Timothy Mitchell, "Society, Economy, and the State Effect," in: Aradhana Sharma & Akhil Gupta (eds.), The Anthropology of the State: A Reader (Malden, MA: Blackwell Publishing, 2006), pp. 169 - 186.
  14. Jamil Mouawad & Hannes Baumann, "Wayna al-Dawla?: Locating the Lebanese State in Social Theory," Arab Studies Journal , vol. 25, no. 1 (Spring 2017), p. 79.
  15. Sami Hermez, "When the State Is (N)ever Present: On Cynicism and Political Mobilization in Lebanon," Journal of the Royal Anthropological Institute , vol. 21, no. 3 (September 2015), p. 512.
  16. José Ciro Martínez, States of Subsistence: The Politics of Bread in Contemporary Jordan (Stanford: Stanford University Press, 2022), p. 8.

الأردنيين، كيف أنّ الدولة تتشكل أداءً من خلال الموقع العادي واليومي للمخبز، كاشفةً أنّ "تكرار الممارسات التنظيمية في شكل الرعاية الاجتماعية يؤدي إلى تجسيد الدولة في الحياة اليومية"، ومن ثمّ يُنتج "وهم حالة المعطى" Given-ness of Illusion The178. لم يحلّ أٌّيٌ من التنظيرات الآنفة للدولة العربية بعد الانتفاضات العلاقةَ الإشكالية بين المقاربتين الأدائية والسببية. فعلى سبيل المثال، هل توقع السيسي أن يكون لأدائية المظاهرات تأثير دائم في السكان االذين كان يقمعهم؟ هل كان لخطاب هيبة الدولة آثار سببية، فضل عن إنتاج طرائق مستدامة للوجود والتخيل والفعل؟ تعترف براند بهذا القصور، واصفةً النتائج المستخلصة من المقاربة الأدائية بأنها "استدلالية، لكنها قد لا تكون حاسمة دائًا"179. وبالمثل، تعمل تصورات الدولة التي جرى إنتاجها في أمثلة معوّض وهرمز في اتجاهات متضادة: نحو مقاومة سلطة النخبة الطائفية في المثال الأول، ونحو "إعادة تأسيس دولة الزعيم"180 في المثال الثاني. وأخيرًا، كيف يمكننا التوفيق بين "وهم حالة المعطى" في حالة الدولة الأردنية، الذي ينتج أداءً، وبين ما قد يبدو، من منظور أكثر مادية، دولةً فشلت في خدمة شعبها من حيث الخطاب والسلطة؟ على الرغم من هذا القصور، تقدّم الدراسات الأدائية للدولة العربية بديلًا من التنظيرات المرتكزة على النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها وثباتها المؤسسي الملازم لها. فهي تكشف جوانب من الديناميات السياسية بعد الانتفاضات، لم تتمكن التنظيرات التقليدية للدولة العربية من التقاطها، سواء تلك التي تعيد إنتاج الصورة الثنائية لعلاقات الدولة - المجتمع المستوردة من التجربة الأوروبية، أو البدائل المادية التي تتجنب هذه الثنائية.

خاتمة

مع تعليق النموذج الغربي الأوروبي المهيمن لتشُّكُل الدولة وإدخال تجربة العالم العربي في حوار مع مناطق أخرى من الجنوب الكبير، تناولت هذه الدراسة تسلسلات ومسارات وزمنيات بديلة لنشوء الدول العربية وبنائها. وقد ركّز هذا "التفكيك" الضروري أيضًا على تلك اللحظات المفصلية بعد العهد العثماني في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته المبكرة، التي صاغت علاقات الدولة - المجتمع بطرائق دائمة مع آثار مباشرة في وقائع فترة بعد الاستقلال وإمكاناتها السياسية. وقد جادلت بأن نموذج الدولة الذي استوردته القوى الاستعمارية إلى العالم العربي، على الرغم من أنه كان متاحًا من الناحية المؤسسية، فإن جوهر الدولة أو الشكل الذي اتخذته الدول العربية تشكّل إلى حد بعيد بفعل هذه المسارات والزمنيات البديلة لتشكل الدولة وبنائها، وبفضل اللحظات المفصلية الحرجة. لقد مهّدت هذه الخطوة الأولى لاستطلاع التنظيرات البديلة للدولة في العالم العربي بعد الانتفاضات الشعبية. وكشف هذا التمرين النظري عن عدد من التصورات والصور المختلفة للدولة في المنطقة، لكلّ منها افتراضاته المنهجية وإمكاناته وحدوده التفسيرية. ففي حين أنّ بعضًا منها يواصل اتخاذ نموذج الدولة الأوروبية الغربية نقطةَ انطلاق للتحليل والمقارنة النقديين، يحيد بعضها الآخر عن هذا النموذج في ماحاولة للتنظير للدولة في العالم العربي كما هي موجودة فعل. وبالنسبة إلى المجموعة الأخيرة، ينبع ربط أشكال الدولة بمسار مختلف عن النموذج الأوروبي من الاقتناع، كما يقول أدوم غيتاشو وكارونا مانتينا، بأن "مفاهيم الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمسار التاريخي للحداثة في الغرب، فهي من ثم تصل إلى حدود واضحة عند تطبيقها من دون نقد على المجتمعات التي جرى إدماجها في التاريخ العالمي للحداثة بشروط مختلفة جدًا، وفق زمنيات مختلفة، وتحت ضغوط مختلفة"181. وبالنسبة إلى أولئك الواقفين على هذا الجانب من الانقسام المفهومي، فإنّ إعادة التنظير للدولة في العالم العربي توفّر سبيلًا للهروب من تفسير "التشكيلات السياسية في هذه المجتمعات على أنها مجرد تعبير عن غيابات وإخفاقات متعددة"182. وهي جزء من الاجتهاد الواجب على أي "إعادة تأسيس إبستيمي" تأخذ على محمل الجد مسؤولية التعبير عن مسارات وإمكانات تاريخية بديلة. يمكن اعتبار إعادة تأطير عزمي بشارة للدولة الحديثة نوعًا مختلفًا يموهفم ءايحإ ةداعإ" انيتنامو وشاتيغ هيمسي الم لا ثمو، امًات"م Conceptual Reanimation183 يمكن أن يمارسه المفكرون من الجنوب الكبير على مفاهيم تمتلك مدى عالميًا، بهدف إعادة بنائها بدلًا من رفضها، بصفتها جزءًا من جهد جماعي ل "نزع الاستعمار عن النظرية السياسية"، من أجل توليد معرفة نظرية من الجنوب الكبير. مع تجربة بشارة، بوصفها موقعًا للإنتاج الفكري، فإن الابتكار المفهومي في كتاب مسألة الدولة يضع العالم العربي في حوار نظري عالمي حقيقي. ففي هذه الحالة، تُبرِز نظرية الدولة الحديثة المنطلقة من منظور العالم العربي خصائص غائبة عن التنظير الأصلي، لكن لا بّد منها في زمننا؛ فأصولها قد تكون محلية، لكن أهميتها عالمية. هذا

  1. Ibid., pp. 231, 233.
  2. Brand, p. 25.
  3. Hermez, p. 520.
  4. Getachew & Mantena, p. 374.
  5. Ibid., p. 373.
  6. Ibid., p. 372.

الإنتاج لنظرية جديدة للدولة الحديثة هو نتيجة "مواجهة نقدية مع الحداثة الاستعمارية والفكر السياسي الغربي"، وهي مواجهة "تفسح مج لًا لتحرّي الوعي الذاتيي والابتكار، وذلك على وجه التحديد لأّن المفكرين غير الغربيين يمكن أن يروا المفاهيم الغربية من مسافة نقدية، وأحيانًا من وجهة نظر وافدين جدد للمجال، لكنهم على الدوام قادمون من داخله ومن خارجه في آن معًا"184. ويعّبر ذلك، إلى جانب الإسهامات الأخرى، التي استعرضتها هذه الدراسة، عن نمط من الإنتاج المعرفي المفكك للاستعمار، يظهر إلى أي حدّ أصبح االبحث العلمي عن العالم العربي ومنه موقعًا لتطوير النظرية بدل من الاستهلاك غير النقدي لها.

المراجع

العربية

الأحمر، المولدي. الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009

أزمة الدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011

الأفندي، عبد الوهاب. عن المثقف الإسلامي والأمراض العربية: تأملات في المحنة المعاصرة. الدوحة: منتدى العلاقات العربية الدولية،.2022

بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023._______ الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024

الخفاجي، عصام. الدولة والتطور الرأسمالي في العراق: 1968 -.1978

القاهرة: دار المستقبل العربي،.1983

الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة. محمد حمشي ومراد دياني (محرران). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023

سلامة، غسان. المجتمع والدولة في المشرق العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019.]1987[صولي، أدهم ورايموند هينبوش. "الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية تاريخية." عمران. مج 10، العدد 37 (صيف.)2021

العطش للدولة والريبة منها. بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية،.2019

العظمة، عزيز. العلمانية من منظور مختلف. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992

قبلان، مروان. "لماذا انهارت ’دولة البعث‘ في سورية؟." سياسات عربية. مج 9، العدد 53 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2021

كوثراني، وجيه. مشروع النهضة العربية: أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني. بيروت: دار الطليعة،.1995

  1. Ibid., p. 374.

._______ الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبّان الثورة الكمالية في تركيا. بيروت: دار الطليعة،.1996

_________. "بواكير الفكر الدستوري: التنظيمات العثمانية والدستور (بين الرعوية والمواطنة.") تنبّي. مج 1، العدد 3 (شتاء.)2013._______ السلطة والمجتمع والعمل السياسي العربي أواخر العهد العثماني: وسائط السلطة في بلاد الشام. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.]1988[._______ مختارات سياسية من مجلة "المنار" لرشيد رضا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019._______ المسألة العربية: الدولة والمجتمع في التاريخ العربي. بيروت: منتدى المعارف،.2019

الناهي، هيثم غالب. الدولة وخفايا إخفاق مؤسساتها في المنطقة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2016

الأجنبية

Ahmida, Ali Abdullatif. "Colonialism, State Formation and Civil Society in North Africa." International Journal of Islamic and Arabic Studies. vol. 11, no. 1

Ahram, Ariel I. Break All the Borders: Separatism and the Reshaping of the Middle East. Oxford: Oxford University Press, 2019. Al-Azmeh, Aziz. "Secularism and Its Enemies." Working Paper. no. 15. Leipzig University. 2020. Al-Khafaji, Isam. Tormented Births. London: I.B. Tauris, 2013. Anderson, Lisa. The State and Social Transformation in Tunisia and Libya. Princeton: Princeton University Press, 1986. Ayoob, Mohammed. The Third World Security Predicament. Boulder, CO: Lynne Rienner, 1995. Ayubi, Nazih N. Over-stating the Arab State. London: I.B. Tauris, 1995. Barkey, Karen. Bandits and Bureaucrats. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1994. ________. Empire of Difference. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Batatu, Hanna. The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. Princeton: Princeton University Press, 1978. Blaydes, Lisa. "State Building in the Middle East." Annual Review of Political Science. vol. 20 (2017). Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe. Princeton: Princeton University Press, 2000. Charrad, Mounira M. States and Women's Rights. Berkeley: University of California Press, 2001. Coronil, Fernando. The Magical State. Chicago: University of Chicago Press, 1997. El-Affendi, Abdelwahab & Khalil Al-Anani (eds.). After the Arab Revolutions: Decentring Democratic Edinburgh Edinburgh: Theory. Transition University Press, 2021. Eriksen, Stein Sundstøl. "'State Failure' in Theory and Practice: The Idea of the State and the Contradictions of State Formation." Review of International Studies. vol. 37, no. 1 (January 2011). Ertman, Thomas. Birth of the Leviathan: Building States and Regimes in Medieval and Early Modern Europe. Cambridge: Cambridge University Press, 1997. Geertz, Clifford. Negara: The Theatre State in Nineteenth- Century Bali. Princeton: Princeton University Press, 1980. Getachew, Adom & Karuna Mantena. Worldmaking after Empire: The Rise and Fall of Self-Determination. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2019. __________. "Anticolonialism and the Decolonization of Political Theory." Critical Times. vol. 4, no. 3

Gramsci, Antonio. Selections from the Prison Notebooks. Quintin Hoare & Geoffrey Nowell Smith (eds. & trans.). New York: International Publishers, 1971. Hallaq, Wael B. An Introduction to Islamic Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. _______. The Impossible State. New York: Columbia University Press, 2013. Hariri, Aula. "State Formation as an Outcome of the Imperial Encounter." Review of International Studies. vol. 45, no. 5 (2019). Hourani, Albert. Arabic Thought in the Liberal Age, 1798–1939. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Huang, Chin-Hao & David C. Kang. State Formation through Emulation. Cambridge: Cambridge University Press, 2022. Hudson, Michael. Arab Politics: The Search for Legitimacy. New Haven: Yale University Press, 1977. Kamrava, Mehran. Inside the Arab State. London: Hurst, 2018. Mamdani, Mahmood. Citizen and Subject. Princeton: Princeton University Press, 1996. ________. Neither Settler nor Native. Cambridge, MA: Belknap Press, 2020. Martínez, José Ciro. States of Subsistence. Stanford: Stanford University Press, 2022. Massad, Joseph A. Colonial Effects. New York: Columbia University Press, 2001. Mazzuca, Sebastián. Latecomer State Formation: Political Geography and Capacity Failure in Latin America. New Haven: Yale University Press, 2021. Mestyan, Adam. Modern Arab Kingship: Remaking the Ottoman Political Order in the Interwar Middle East. Princeton: Princeton University Press, 2023. Migdal, Joel S. Strong Societies and Weak States. Princeton: Princeton University Press, 1988. _________. State in Society. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Moore, Barrington Jr. Social Origins of Dictatorship and Democracy. Boston: Beacon Press, 1966. Neep, Daniel. Occupying Syria under the French Mandate. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Niang, Amy. The Postcolonial African State in Transition: Stateness and Modes of Sovereignty. London: Rowman & Littlefield International, 2018. Nicholls, Esteban. "Studying the State." Third World Thematics. vol. 3, no. 4 (2018). Nugent, David. Modernity at the Edge of Empire. Stanford, CA: Stanford University Press, 1997. Runciman, David. The Handover. London: Profile Books, 2023. Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York: Vintage Books, 1994. Salloukh, Bassel F. "The State of Consociationalism in Lebanon." Nationalism and Ethnic Politics. vol. 30, no. 1 (2024). __________. "The Anatomy of Lebanon's Postwar Integral State." Interventions (2025). Saouli, Adham. The Arab State: Dilemmas of Late Formation. Oxon: Routledge, 2012. Sørensen, Georg. Changes in Statehood: The Transformation of International Relations. London: Palgrave, 2001. Taylor, Charles. Modern Social Imaginaries. Durham: Duke University Press, 2004. Thompson, Elizabeth F. How the West Stole Democracy from the Arabs. New York: Atlantic Monthly Press, 2020.

Tilly, Charles (ed.). The Formation of National States in Western Europe. Princeton: Princeton University Press, 1975. Tripp, Charles. "The State as an Always-Unfinished Performance." International Journal of Middle East Studies. vol. 50, no. 2 (2018). Tully, James. Public Philosophy in a New Key, vol. 2: Imperialism and Civic Freedom. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Waterbury, John. The Egypt of Nasser and Sadat. Princeton: Princeton University Press, 1983. Wedeen, Lisa. Authoritarian Apprehensions. Chicago: University of Chicago Press, 2019. Wimmer, Andreas. Nation Building: Why Some Countries Come Together While Others Fall Apart. Princeton: Princeton University Press, 2018. Wyrtzen, Jonathan. Worldmaking in the Long Great War. New York: Columbia University Press, 2022. Zarakol, Ay ş e. Before the West. Cambridge: Cambridge University Press, 2022.