تاريخ سورية المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011
The Modern History of Syria from the French Mandate to Summer 2011
الملخّص
عنوان الكتاب: تاريخ سورية المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011 المؤلّف: كمال ديب. الطبعة: الأولى، بيروت، 2011 الناشر: دار النهار. عدد الصفحات: 830 صفحة من القطع المتوسط.
Abstract
Book Title: The Modern History of Syria from the French Mandate to Summer 2011 [Arabic]
- سورية
- الانتداب الفرنسي
- الثورة السورية
- فرنسا
- الجولان
- Syria
- The French Mandate
- The Syrian Revolution
- France
- Golan
المؤلّف: كمال ديب. الطبعة: الأولى، بيروت،.2011 الناشر: دار النهار. عدد الصفحات: 083 صفحة من القطع المتوسط.
يعدّ كتاب تاريخ سورية المعاصر للكاتب كمال ديب الكتاب الوحيد في المكتبة العربيّة، حتى الآن، الذي يؤرِّخ في عملٍ بحثيٍّ واحدٍ حقبًا تاريخيّةً متعدِّدةً من تاريخ سورية، تمتدُّ من الحكم الفيصلي إلى عام 011 2. هذه الميزة النسبيّة تجعل من الكتاب واحدًا من أهمّ المراجع العربيّة المتخصِّصة في تأريخ التّاريخ السوري، أو ما يدعى بالإيستوريوغرافيا. فالكتاب يغطِّي ثغرةً طالما وُجدت في المكتبة العربية، والأجنبية، إذ لا يوجد مرجعٌ حديثٌ وشاملٌ عن بلدٍ مثل سورية يحظى بأهميّة جيوسياسيّة كبيرة، تجعله واحدًا من المحاور الأساسيّة التي تتفاعل فيها القوى الدوليّة والإقليميّة.
محتويات الكتاب
يضمّ كتاب تاريخ سورية المعاصر 7 2 فصلا، يضعها الكاتب ضمن خمسة أجزاء رئيسة. يتناول الكاتب في الجزء الأول، ما يسمّيه ولادة "الدّولة الوطنية"1 بعد جلاء القوات الفرنسيّة عن سورية في عام 946 1، القائمة على الحدود الجغرافيّة السياسيّة التي حدَّدتها اتفاقيّة سايكس بيكو. ويقدم الكتاب عرضًا تاريخيًّا عن مرحلة الانتداب الفرنسيونهج التجزئة الاستعماريّة في تقسيم سورية على أساسٍ طائفيٍّ، ويُلحق ذلك بموجزٍ توصيفيٍّعن تاريخ الطّوائف الدينيّة في سورية (السنة، العلويون، الدروز..). كما يعرض سمات الاقتصاد السوري ومراكز الثِّقل الاقتصادي في هذه الفترة، قبيل الانتقال إلى الحديث عن أهمّ الأحزاب السياسيّة التي كانت موجودة عند الاستقلال (حزب الشعب، الحزب الوطني، الشيوعي، القومي السوري، عصبة العمل القومي، الاشتراكي العربي..). ويقدِّم الكتاب عرضًا موجزًا عن نشأتها، وتبلورها، وعن الشخصيّات السياسيّة المؤسِّسة لها. كما يخصِّص الكاتب في هذا الجزء مبحثًا يركِّز على ولادة الجيش الوطني والظروف الداخليّة والحزبيّة التي رافقت تأسيسه، ويختتم هذا الجزء بعرض الأخطار الخارجيّة، العربيّة والإقليميّة، التي واجهت الدّولة الجديدة، وأبرزها نكبة فلسطين في عام 948 1.
يعالج الكاتب في الجزء الثّاني من الكتاب الِّصرِّاع الإقليميّ- الدولي على سورية، وما رافق ذلك من انقلاباتٍ عسكريّةٍ وفوضى في الحياة السياسيّة؛ (انقلاب حسني الزعيم، انقلاب سامي الحناوي، انقلاب أديب الشيشكلي). ويستعرض الكاتب في هذا الجزء محاولات جيران سورية ابتلاعها وجرّها إلى صراعاتٍ وأحلافٍ إقليميّةٍ بالتنسيق مع قوى داخليّة حزبيّة وسياسيّة مثل مشروع سورية الكبرى الأردني، ومشروع الهالل الخصيب العراقي، ومشروع الهلال الخصيب العراقي - التركي، ثمّ نهوض المشروع القومي العربي الذي بلور أوّل وحدة عربيّة في عام 958 1، لكنّه جعل سورية مجرّد إقليمٍ في الجمهوريّة العربيّة المتحدة. أمّا الأجزاء الثلاثة الأخرى، فهي تحقيب للمراحل ونهاياتها، الأولى عنونها الكاتب ب " ثورة البعث" التي امتدَّت من عام 963 1 إلى عام 970 1، لتبدأ المرحلة الثانية من دولة البعث في فرتة حكم الرّئيس السابق حافظ الأسد منذ عام 9701 حتى وفاته في عام 0002، وهي مرحلة صعود سورية كقوّةٍ فاعلةٍ في الإقليم تشهد استقرارًا في نظام الحكم مقارنةً بمراحل تاريخيّة سابقة. أمّا الجزء الخامس والأخير فيغطّي فترة حكم الرّئيس بشار الأسد منذ تسلّمه السلطة بعد وفاة والده في عام 0002 إلى انطلاق الثّورة السوريّة في عام 011 2. ويستعرض الكاتب في هذا الجزء جميع الملفّات السياسيّة الداخليّة والاقتصاديّة
والملفّات الإقليميّة ودور سورية في أحداث لبنان، والعراق، والقضيّة الفلسطينيّة، إضافةً إلى تحالفاتها وأنساق سياساتها الخارجيّة.
التاريخ الجديد: اتّجاهات معرفيّة تتجاوز الممارسة التاريخيّة الكلاسيكيّة
يُنظر إلى "التّاريخ الجديد" على أنه يمثِّل اتجاهاتٍ وليس مدرسةً، وهذه الاتجاهات تتطلّب انفتاحًا على مجالات العلوم الاجتماعيّة والإنسانية كافة: على الجغرافيا، والاقتصاد، والديموغرافيا، والسوسيولوجيا، وعلم النفس. والسؤال الذي يُطرح في ضوء ذلك هو: إلى أيّ حدٍ استخدم الباحث الاتجاهات الجديدة في بحثه؟ لقد استخدم الكاتب في بحثه هذه الاتجاهات إلى حدٍّ كبيرٍ، فقد اعتمد على شبكةٍ منهجيّةٍ تتكامل فيها العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة. لذلك نجد أنّ تركيزه ينصبُّفي تأريخ الحقب التّاريخيّة، على تحليلٍ بنيويٍّ لأنظمة الحكم المتعدِّدة في سورية (مراكز القوى)، وتموضعها في إطار الجغرافية السياسيّة العربيّة والإقليميّة المحيطة بها، وطبيعة الاقتصاد السوري في هذه الحقب، ومؤشرِّاته الكليّة والجزئيّة. يُضاف إلى ذلك، دراسة الخصائص الكاريزماتيّة للقادة والشخصيّات السياسية، إلى جانب المؤشرِّات والأرقام المتعلِّقة بالبعد الديموغرافي، والخصائص الإثنيّة، والعرقيّة، للشرائح السكانيّة في سورية وتفاعلاتها مجتمعيًّا. وبناءً عليه، فإننا نلاحظ أنّ بناء "الإستوريوغرافيا" الذي اعتمده منهج الكاتب لم يرتكز على الممارسة التّاريخيّة، بمعناها الكلاسيكي، بل شمل مختلف الظواهر الإجرائية. من هنا يُعدّ العرض التّاريخي الذي قدَّمه الكاتب "عرضًا كليًّا" من الناحية المنهجيّة، خاصّةً عندما حاول الكاتب، بقدرٍ كبري، الابتعاد عن نهج "شخصنة النظام"، أو تغليب "التّحليل المذهبي" للتاريخ، ولاسيمّا في مرحلة حكم الرّئيس السّابق حافظ الأسد. ارتكز الكاتب على المنحى البحثي الذي قدَّمه الكاتب الألماني فولكر بيرتس، الذي وضع نقدًا شامالللمنطق الأقلّويّ في الأبحاثالغربيّة التي تناولت سورية. ومن هنا، كان تركيزه على الجانب الاقتصادي، والسوسيولوجي، مبتعدًا عن التهافت على اعتماد المذهبيّة وحدها كأداةٍ للتحليل الأولّي في فهم تاريخ هذا البلد (ص. 62). وعليه، فقد نجح الكاتب إلى حدٍّ كبيرٍ في التغلّب على مشاكلَ جمّة حكمت نمطًا من تعاطي البعض مع التّاريخ، وكأنّه سيرة شخصيّة للملوك والرؤساء والزعماء. فقد أفرد الكاتب مساحةً واسعةً لمعالجة البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة وتحليل الخلفيّات المؤسَّساتيّة من أحزابٍ، وهيئاتٍ سياسية، وجماعاتٍ منظَّمة. ميَّز هذا الكاتب أيضًا نجاحُه في تجاوز "المفارقة التّاريخية" في عمله، التي تعدّ، بحسب "لوسيان فيفر"، الخطيئة الكبرى في الكتابة التّاريخية التي تتجىلّفي إسقاط مشاعر ومفاهيم مرحلةٍ معيّنةٍ، على مرحلةٍ أخرى لم تعرفها، وغالبًا ما تقع الكتابات التّاريخيّة السورية في هذا الفخّ، نتيجةً لخلطها ما بين الأيديولوجي، والتوظيفي، واستخدامها التّاريخ أداتيًّا لتبرير أفكار وخطط في مرحلتها. إذن، يمكن القول إنَّ الكتاب عرض بشكلٍ مكثّفٍ التّاريخ السوري العامّ خلال الفترة الممتدّة من عام 920 1 إلى عام 011 2، وقد تميّز بحصافة تحقيبه للمراحل الأساسيّة في هذا التّاريخ. ويتابع الكاتب هنا الإطار العام لعمليّة التّحقيب في بعض كتب التّاريخ السوري العامّة في المكتبة التّاريخيّة السورية. لكنّه، يضيف المرحلة الممتدّة ما بين عام 0002 وعام 011 2، وتلك من أبرز الإضافات الجديدة التي يقدِّمها العمل، لكن من دون أن يب بصورةٍ كافية نهاية هذه المرحلة (نهاية النموذج) واصطدامه بالتناقضات القائمة حاليًّا. فلقد كان من المتوقّع في ضوء اختصاص الباحث ومهاراته المهنيّة المتعدِّدة، ولا سيمّا في مجال الاقتصاد السياسي، أن يقدِّم تبريرًا للوقفة النهائيّة باعتبارها حقبةً مكتملة الخصائص والصيرورات والنتائج. وبحسب رأينا فإنَّ السبب الذي أعاق إظهار خصائص هذه المرحلة بشكلها الواضح هو ميل الكاتب لتناولها موضوعيًّا في إطار "معياري إيجابي"، لكنّه بعيدٌ عن الأيديولوجيا. فمدخل الابتعاد، عن الشخصنة في تحليل الشؤون السوريّة، يجب أن لا يبعدنا عن دراسة "الشخصية". وهذا ما أوقع الكاتب في هفواتٍ حادت به عن دراسة تأثير الخصائص السياسيّة والكاريزماتيّة للقيادة، ومدى انعكاساتها عىل صيرورات الحدثالتّاريخي. ولقد تجىلّذلك بصورة طفيفة في مرحلة السبعينيات، وبصورةٍ أكبر في مرحلة الرّئيس بشار الأسد، إذ نظر الكاتب ضمنيًّا لعهدٍ إصلاحيٍّكبيرٍ، من دون الأخذ في الاعتبار المستجدّات الطارئة كالاحتجاجات في مناطق عدّة من سورية غالبيتها تأثّرت سلبًا بالسياسات الاقتصاديّة الاجتماعيّة المتّبعة في العشريّة الأخيرة2.
ويبدو أنّ التركيز على هذا البعد ليس له علاقة بتموضعٍ أو توجّهٍ سياسيّ، وإنما كان جزءًا من إطارٍ منهجيٍّ، كان من الممكن تداركه بمحاولة الابتعاد عن تأريخ الدّولة باتجاه تأريخ السلطة (تفاعل القوّة). وهذا الجانب السلطوي (القوّة) أحد أهمّ مداخل تأريخ التّاريخ الجديد الذي يتبعه الكاتب منهجيًّا، إذ يرى الدكتور وجيه كوثراني في كتابه تأريخ التّاريخأنّ "التجديد الذي أعاد إلى التّاريخ السياسي موقعًا بنياهتمامات التّاريخ الجديد يتمثّل في التّأريخ للسلطة وليس للدولة، ذلك أنّ التّأريخ للسلطة، بما هي علاقات قوّة المجتمع، هو تأريخٌ لطبقاتٍ، وفئاتٍ، وأيديولوجياتٍ، وأفكارٍ، وأساليب تحكّمٍ، وسيطرةٍ، وإخضاعٍ، واستتباعٍ. وفي المقابل هو أيضًا تاريخٌ لأشكالٍ من الخضوع والتبعيّة والاستلاب، أو لأشكال من الرّفض والممانعة والمقاومة"3. ووفقًا لهذا المنظور يصبح التّاريخ السياسي بحسب وجيه كوثراني تاريخًا علائقيًّا للسلطة5 في المجتمع، وليس تاريخ مؤسّساتٍ وسياساتٍ عليا للحكومات وللأحزاب فحسب. صدر كتاب تاريخ سورية المعاصر في نهاية شهر تشرين الأول / أكتوبر من عام 011 2. وبحسب رأينا فإنَّ المدّة الزمنيّة بين تاريخ صدور الكتاب، وتمظهر الثّورة السوريّة كانت كفيلةً بجعل الكاتب يراجع مقاربته الاقتصاديّة والسوسيولوجيّة بطريقة عميقة. صحيح أنَّ العرفَ المنهجيَّ في هذا الحقل المعرفي يرى أنّ المرحلة التّاريخيّة يجري تأريخها بوضوح نهايتها، وهذه نقطة منهجيّة تبرِّر للكاتب عدم الرغبة في الخوض تفصيليًّا في المدّة الزمنيّة التي أعقبت انطلاق الثّورة السورية. غير أنّ ذلك لا يبرِّر له تجاهلها، على اعتبار أنَّ هذه الفترة لا تكتسب أهميَّتها من تفاصيل الحدث، وإمنّ ا من كونها أنهت على الأقلّ معالم المرحلة الممتدّة بين عامي 011-2000 2. وعلى سبيل المثال، فقد أماطت الرقعة الجغرافية، التي انتشرت فيها الاحتجاجات الشعبيّة السلمية، اللثام عن التصوّر النّمطي الخاطئ عن نجاعة السياسات الاقتصادية الاجتماعيّة التي جرى اتّباعها. وعليه، فإنّ ضرورة تناولها من واقع التحليل الاقتصادي أمرٌ من شأنه أن يدقِّق التعميمات المستنتجة. كما أنه سيساعد على إنضاج الخاتمة الملائمة التي غابت عن الكتاب، والتي تجسِّد تجذّر الاحتجاجات الشعبيّة المطالبة بالتغيير، تلك التي اقترب الكاتب في توصيفها من الخطاب الرسمي السوري. ولو حصل ذلك لكنّا أمام مرجعٍ غنيٍّوعميقٍ، خاصّةً وأنَّ المكتبة الاقتصاديّة السوريّة توفِّر مراجعَ علمية، وبياناتٍ إحصائيّة وداالّ ت اقتصاديّة تمكِّنه من ذلك.
الثغرة الكبيرة في المراجع الوسيطة
يعتمد الباحث في معظم مراجع الكتاب على الكتب والدراسات الغربيّة ولا سيمّا المؤلَّفة باللغة الإنكليزيّة، أو بعض الأعمال العربيّة المترجمة باللغة الإنكليزيّة. وفي هذا الإطار يمكن اعتبار الكتاب نوعًا من معالجةٍ تركيبيّةٍ لما جاء في ذلك الإنتاج باللغة الإنكليزيّة، أو المترجم إليها. ونطرح هنا تساؤلين رئيسني، أوّلهما: ما درجة اعتماد الكاتب على الرتّ اكم في حقل الكتابة التّاريخيّة السورية؟ والثاني: ما الجديد الذي يقدِّمه الكتاب على مستوى المراجع أو بناء الوثائق والمعطيات الجديدة أو على المستوى الرتّ اكمي والنّوعي للإستوريوغرافيا الجديدة؟ تتمثَّل ثغرة الكتاب في أنه اعتمد، كما ذكرنا سابقًا، على الإنتاج باللغة الإنكليزيّة أو ما تُرجم إليها، وهو إنتاج محدودٌ، وانطوى الاقتباس من بعضها على أخطاء لغويّة وعلمية. وتتجىلّ ثغرة الكتاب أيضًا في أنَّ الكاتب لم يبحث في مصادر ومراجع (ملقاة على الرصيف) في سورية من نوع الكمّ الكبير من الوثائق الأصليّة المتاحة في مركز الوثائق التّاريخيّة بدمشق، وأعداد الجريدة الرسمية، هذا إن لم نذكر المراجع المساعدة، والتي تحتاج -كما الوثائق- إلى النّقدين الداخلي والخارجي. والواقع أنَّ العودة إلى هذه المصادر والمراجع المتاحة، بما في ذلك كتب المذكّرات التي يتطلَّب استخدامها في حقل الكتابة التّاريخيّة بناءَ إطارٍ نظريٍّمضبوطٍ للمذكّرات كمصدرٍ مساعدٍ فيها، يعطي مجمل الوقائع والصيرورات التّاريخيّة طابعًا حيويًّا هو من أكر ما يحفل به المؤرِّخ. ويصل عدد كتب المذكّرات المنتجة وفق المسح الذي قام به
الباحث جمال باروت إلى أكر من 013 كتابًا حتّى الآن. وفي المجمل لا صحّة لشكوى بعض الباحثين من ندرة الوثائق في سورية، بل على العكس من ذلك فإنّ الباحثين والمؤرّخين لم يستخدموا حتّى ما هو متاح وسهل الوصول إليه في بحوثهم، فضالعن الإمكانيّة المفتوحة في بناء معطيات وسلاسل جديدة في ضوء مفهوم بعض اتّجاهات التّاريخ الجديد لما يسمّى بالتّاريخ "السلاسيل ". ويسمح التّاريخ السلاسلي ببناء المؤشرِّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والعمرانيّة التي يكون من الصعب فهم العمليّات التّاريخية من دونها.
لذلك بدا العمل، من الناحية الأكاديميّة، مفتقرًا إلى "مصدرية" الوثيقة التي هي أقوى من المرجع المكتبي على أهميته. ولا يمكن تبرير الاعتماد منهجيًّا على اتجاهات التّاريخ الجديد للاستغناء عنها. فعلى الرغم من الضربة "القاضية" التي وجّهتها مدرسة "الحوليّات" لمفهوم "الوثيقة" التقليدية، كما رسّختها المدرسة "المنهجية" الفرنسية، فإنَّ هذا لم ينفِقطّ أهميّة الوثيقة التقليديّة وأساسيتها في بناء التّاريخ. وكان نقد "الحوليات" متعلّقًا بعبادة الوثيقة واعتبارها مصدرًا وحيدًا لبناء التّاريخ، بينما رأت إمكانيّة بناء الوثائق غير التقليديّة من خلال معطياتٍ لامتناهية، وهذا هو التّاريخ الاجتماعي مكان النصوص. لقد افتقدنا في كتاب كمال ديب مصدريّة الوثيقة بالمعنيين الحولياتي والمنهجي لصالح الاعتماد على دراسات وكتب وسيطة تناولت ذلك أو استندت إليه أو علّقت عليه. وفي مفهوم التراكم العلمي ليس عىلالمؤرّخأن يعيد اخرتاع العجلة، لكن في حال الاعتماد على مراجع وسيطة تشتدّ الحاجة إلى نقديته. كما يعدّ إهمال الكتاب للجريدة الرسميّة نقصًا فادحًا في فهم التّاريخ السوري، وهدرًا لوثائق متاحة ومتوفِّرة. ونتساءل هنا عن أيّ إمكانيّة علميّة لبناء التّاريخ من دون العودة إلى وثائق الجريدة الرسميّة التي تمثِّل بالنسبة إلى المؤرِّخ المحترف منجامً هائالً، ليس لحياة بيروقراطيّة الدّولة فحسب، بل ولتاريخ المجتمع. ففي الجريدة الرسميّة قرارات ومحاضر لجان تحقيق، وأحكام القضاء، وقرارات الوزارات، وقرارات المجالس النيابية، وهذا كنز ثمين. إذ إن عدم الاعتماد مثالعلى مداولات المجالس النيابيّة المنشورة في الجريدة الرسمية، والتي تضمّ مداولاتٍ أساسيّةً تستخدم معلوماتٍ مسجّلةً وموثقةً، حرم العمل من الكشف عن اتجاهات ومواقف الأحداث الأساسيّة التي يكثِّفها الباحث بعين المؤرِّخ. والواقع أنَّ البرلمانييّن السورييّن كانوا منحدرين من خلفيّاتٍ متعدِّدةٍ تعكس بنية المجتمع، وبالتالي تكشف مداولاتهم المغلقة جانبًا كبيرًا من صورة الأحداثالأساسيّة التي يهتمّ بها المؤرِّخ. ومادامت معظم التواريخ قد أهملت الجريدة الرسميّة كمصدرٍ وثائقيٍّ أساسيٍّ في مهنة مؤرِّخ التّاريخ السوري، فستبقى هذه الكتابات كافّةً محاطة بالقصور، في منظور المؤرِّخ المحترف، لأنَّها تمثِّل حالة التفاعل "الساكن" بين الدّولة والمجتمع. ومهمّة المؤرِّخ هي نقل التّاريخ "الساكن" إلى تاريخٍ متحرِّكٍ بفهم سياقات ما نشُر في تلك الجريدة، ووظائفه، والقوى الاجتماعيّة التي تقف خلفه، ومستوى الرصيد الاجتماعي المعلوماتي الذي تعربّ عنه. يُضاف إلى ذلك، مشكلة الاعتماد على ملخّص الملخّصات في التّاريخ الاقتصادي - الاجتماعي مع توفر المصادر الأصليّة والمرجعيّة بشكلٍ وافٍ. فالتّقارير الصحفيّة والسياسيّة والتعليقات والملخّصات تنطوي كلّها على هامش الانحراف في منظور المؤرِّخالمحترف، في ضوء توافر الوثيقة، لا تصلح للاستخدام، ما لم يجر التأكّد من صدقيّة مستنداتها. وعند التأكّد من هذه المستندات يجري اعتماد تلك الملخّصات. وفي الخلاصة، نقول إنّ كمال ديب قدَّم جهدًا بحثيًّا متقدِّمًا يجعل من الكتاب قبلةً للمهتميّن بحثيًّا وسياسيًّا بتاريخ سورية، ولا شكّ في أنه سيكون له موقعٌ مرجعيٌّفي المكتبة العربية.