انتفاضات أم ثورات في تاريخ مصر الحديث؟
Uprisings or Revolutions in Modern Egyptian History?
الملخّص
عنوان الكتاب: انتفاضات أم ثورات في تاريخ مصر الحديث؟
Abstract
Book Title: Uprisings or Revolutions in Modern Egyptian History? [Arabic]
- مصر
- ثورة 25 يناير
- Egypt
- Egyptian Revolution of 2011
- Arab Uprisings
المؤلّف: محمد حافظ دياب. تقديم: لطيفة محمد سالم. الطبعة: الأولى، القاهرة،.2011 الناشر: دار الشروق. عدد الصفحات: 236 صفحة من القطع الكبير.
دأبت دار الشروق للنشر على إصدار سلسلة مؤلّفاتٍ تهتمُّ بإعادة قراءة التّاريخ المصريّ من خلال تناول إشكاليّة اجتماعيّة - سياسيّة وإعادة التّأريخ لصريورة تطوّرها. فخلال إرهاصات ثورة 25 يناير، تصدَّى الباحث محمّد حافظ دياب لقضيّة الانتفاضات والاحتجاجات المصريّة وفق تحقيبٍ زمنيٍّيرتكز على تحليل الوقائع ومن ثمّ سردها. يندرج الكتاب في إطار ما يسمّى التّاريخ - المسألة من خلال تناول قضيّة الاحتجاجات والانتفاضات والثورات في التّاريخ المصريّ وفق إعادة بناء للماضي وليس إحياء له. وذلك انطلاقًا من خلال تحليل المسألة المؤرَّخة بأدوات مختلف العلوم الاجتماعيّة (الاقتصاديّة والاجتماعيّة والديموغرافيّة والنفسيّة...)1. ويركِّز الباحث على التّحليل الاقتصادي والاجتماعي لفهم الظّاهرة المدروسة، ومن ثمّ ينتقل إلى التركيز على دور المشاعر في صنع التّاريخ والتصوّرات الخياليّة في تشكيل النّظر إلى الوقائع التّاريخية. ولذلك يعمد الباحث في كلّ مرحلة إلى تدعيم تأريخها من خلال المخيال الشعبي المصريّ، إمّا من خلال المواويل أو الأغاني أو الأهازيج الشعبيّة والأدب المرصيّ أو العالمي وفقًا للثقافة المخياليّة لمغنّيها أو كتّابها أو رواتها، والتي عدَّها الكاتب في منزلة "مدوّنات تعبيرية" واكبت الحركة الوطنيّة المصريّة وأضافت إليها. استطاع الباحث أن يتعامل بنجاحٍ مع الحدّ الفاصل بنيالواقع والمتخيَّل من خلال التّحليل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ورصد الوقائع القصصيّة في الزمان والمكان للظاهرة المدروسة2. يهدف الكاتب إلى عدم الاكتفاء بالرّصد الَّدي للأحداث، وإمنّ ا يضع في صلب أولويّاته تحديد القوى الاجتماعيّة والسياسيّة التي شكَّلت الحدثالتّاريخي وينبش عن جذورها التّاريخيّة وتطوّر حركتها في المجتمع، محدِّدًا في الوقت ذاته القوى التي أعاقت التّغيير أو وقفت في وجهه. يحوي الكتاب تسعة فصولٍ وخاتمة. وفي الوقت الذي يعالج فيه باختصار في الفصل الأوّل التّأصيل النّظري لمفاهيم الثّورة والانتفاضة والهبَّة والمقاومة، والتي كانت تحتاج إلى المزيد من الإيضاحات والنِّقاشات، خصّ الكاتب كلَّ الفصول الأخرى بمرحلةٍ زمنيّةٍ معيَّنةٍ من التّاريخ المصريّ، ليس من منطلق أفول أو بدء نظامٍ جديدٍ أو نهاية عهود كاريزميّات معيَّنة، وإمنّ ا من صعود وهبوط قوى اجتماعيّة جديدة صاغت التّاريخ المصري، مميّزًا بني تلك التحولّات من حيث كونها ثورات أو انتفاضات أو هبّات أو حركات مقاومة. بينما ختم الكتاب بالقول "إنّ الصوت القادم... قادم" خلال مناقشته مستقبل الحركة الوطنيّة المصريّة إبّان نهاية عهد حكم مبارك. يستعرض الكتاب في الفصل الثّاني وجهات نظر المؤرِّخين العرب في الجدل حول إرهاصات النّهضة العربيّة إن كانت بدأت مع الحملة الفرنسيّة على مصر أم مع إرهاصات تحديثٍ سابقةٍ بدأت مع مطلع القرن الثامن عشر من دون أن يقدِّم وجهة نظره. ينجح الباحث في تحديد العوامل النفسيّة والاجتماعيّة التي حكمت العلاقة بين قائد الحملة الفرنسيّة على مصر نابليون بونابرت وأعيان القاهرة وخاصّةً المشايخ منهم من جهة وبين المجتمع المصريّ والثّقافة الفرنسيّة من جهةٍ أخرى، وذلك من خلال سرد عوامل ووقائع الجذب والنبذ بين الثّقافتين الفرنسيّة والعربيّة المصريّة أو رجال الدين ونابليون. ومن ثمّ ينتقل إلى سرد وقائع المقاومة المصريّة للاحتلال الفرنسي مجادالً الباحثين الآخرين بأنَّ المقاومة المسلّحة بدأت منذ اليوم الأوّل لنزول السفن الفرنسيّة في الإسكندريّة ولم تكن مقتصرةً عىلانتفاضتي القاهرة الأولى والثّانية، بل امتدَّت إلى الأرياف المصريّة في الصّعيد. ومن خلال نقله عن المؤرّخالمرصيّ الجبرتي مصطلح "دولة الكفر - " أي فرنسا - إضافةً إلى سرد محاولة تغيير المنظومة الأخلاقيّة للمجتمع المرصيّ، يظهر لنا دور العامل الديني في توليد حركة المقاومة ضدَّ الاستعمار. ويرفض الكاتب الآراء التي تعزو المقاومة إلى الدَّورين الّترّ كيّ والمملوكي، ويدعم أفكاره بنقله وقائع عن الجبرتي تفيد بأنّ التّدخّل العثمانيّ كان عبئًا على المصريّني، كما أنَّ المماليك تخلَّوْا عن مؤازرة المصر نيّخلال الانتفاضة الأولى. يتّضح من خلال اختيار محمد حافظ دياب بداية تأريخه للاحتجاجات المصريّة منذ الحملة الفرنسيّة على مصر، انحيازه لآراء ألبرت حوراني بأنَّ الحملة الفرنسيّة شكَّلت وعي العرب المصر نيّ بتخلّفهم عن مواكبة التطوّر الصّناعي والمعرفي في العالم. وذلك لما تركته من وعيٍ وإدراكٍ لدى النّخبة المصريّة بضرورة مواجهة الغزوات الاستعماريّة الخارجيّة، والذي لا يقع إلا من خلال العمل على بناء دولةٍ مصريّةٍ مستقلّةٍ في قرارها. ويستنتج الباحث أنّ الهُويّة الوطنيّة المصريّة ولدت في المرحلة ما بعد هزيمة الفرنسييّن وخلال حملة فريزر البريطانيّة على مصر. وذلك من خلال عدم قبول الأهالي بمرابطة القوّات العسكريّة العثمانيّة في المدن والاحتجاجات على الولاة العثمانييّن "يا ربّ يا متجيلّ..اهلك العثمانيل"، اّ يعني أنَّ العثمانيّني أصبحوا غرباء عن مصر، إضافةً إلى المطالب الخاصّة بإعادة المواصلات بنيالقاهرة والصّعيد. ويرى
الباحث أنَّ خلع الأهالي للوالي العثماني خورشيد، وتعييين محمد علي بدالعنه واليًا على مرصلأوّل مرّة في التّاريخ المرصيّ، يمثِّل الدلالة الأعمق على ميلاد الهُويّة الوطنيّة المصريّة. تجلَّت هذه الهُويّة في قتال أهالي القاهرة خلال محاصرة الحملة الإنكليزيّة "فريزر" (الفصل الثالث) مدينة رشيد حتّى فكّ الحصار وانسحاب الحملة من مصر قبل وصول محمد علي وجيشه من الصّعيد الذي كان يقاتل المماليك. عرفت مصر في عهد محمد علي مرحلة الانتقال من "عالم العثمانلي" كما أسامها الباحث، إلى مرحلة الدّولة الوطنية. وتحوَّلت اقتصاديًّا من طابع الإقطاع الرشّقي إلى الاقتصاد الرأسالي المتخلِّف. واتّساقًا مع هذا المناختراوح المشهد الثّقافي بين المثقّف الليبرالي الذي يرى أنّ التحديث يكمن في الأخذ بأساليب التمدّن الأوروبيّة والمثقّف السلفي المطالب بالعودة إلى السلف الصالح. اّ خلق حالةً من الإرباك عند روّاد النّهضة العربيّة بالتقلّب بين الأصالة والحداثة وبين الإسالم وأوروبا المعاصرة. وأرجع الباحث هذه الحالة من الإرباك إلى عدم قيام ثورة صناعيّة حديثة تولّد قوى اجتماعيّة جديدة تقود عمليّة التغيير الاجتماعي والسياسي. ولهذا سوف يتأرجح روّاد النّهضة في مواقفهم وآرائهم من ناحية الموقف الجذري من الاستعمار أو مهادنة البنية الفوقيّة للعلاقات ما قبل الرأسمالية. ونتيجة لهذا الانقسام، الذي تضافر مع زيادة البعثات والجاليات الأجنبيّة وعودة الطالّ ب المصر نيّمن بعثاتهم في الخارج، وتشجيع الخديويات لنمط الحياة الغربي، ومحاولة تقليده في الثّقافة العمرانيّة والاجتماعيّة، نشأت حالةٌ من الانقسام الثّقافي بين القاهرة الشرقيّة والقاهرة الغربيّة. إذ ظلَّت الأولى محافظةً عىلطابعها الاجتماعي التقليدي، بينما اتّسمت الثّانية بالطابع التغريبي مكتسيةً هُويّة أوروبيّة. ومع ذلك، فقد أدّى نضوج الوعي الوطني نتيجة انتشار التعليم وتعدّد الصحف الرسميّة والشعبيّة وتكون الجمعيّات السريّة والعلنيّة، إلى توفريآليّات الدفع الاجتماعي والثّقافي نحو التّغيير، تجسّدت في ثورة 1881 (الفصل الرابع). أراد الكاتب خلال سرده صيرورة تطوّر وقائع الثّورة أن يوضّ ح أنّها عكست تراثالمجتمع المصريّ بوصفها أوَّل مشروعٍ تحرريٍّمن الاستبداد والاستعمار بعيدًا عن الأيديولوجيات الأوروبيّة، وذلك من خلال تشكيل أوّل حزبٍ سياسيٍّ"الحزب الوطني الأهلي المرصيّ" والذي مثَّل انقلابًا ثقافيًّا جذريًّا لكونه تجاوز مسألة الأساس الديني للعمل السياسي وكرَّس الأساس العلماني بديالعنه، وتعامل مع الفرد بصفته مواطنًا مصريًّا منتميًا للأمّة المصرية. كما عدّ انحياز ضبّاط الجيش للجمعيّة الوطنيّة (نواة الحزب) كجناحٍ عسكريٍّالمرة الأولى في تاريخ مصر التي يصبح فيها الجيش أداةً لحماية الحركة القوميّة وليس أداةً للقمع. يحدِّد محمد حافظ دياب القوى الاجتماعيّة للثورة بالفالّ حين والعسكر نيّوالأعيان والمثقّفين بعد أن يستعرض تحديداتٍ لبعض المؤرِّخني العرب والأجانب. تطوَرت مواقف الفالّ حين الاحتجاجيّة من الأشكال العبثيّة كإهمال الحصاد أو ما شابه قبل الثّورة إلى توكيل أحمد عرابي في الدِّفاع عن حقوقهم مع الثّورة، ومن ثمّ إلى تطوّع الفالّ حين للانضامم إلى صفوف الجيش بأعدادٍ كبيرةٍ قامت بدور أساسيّ في الثّورة. أطلق عليهم الباحث "الجهاديون" لما أبدَوه من دعمٍ عسكريٍّ للثورة أو لاستيلائهم على أملاك الإقطاعييّن وإرسالها كمعوناتٍ لجيش عرابي. أمّا بالنسبة إلى العسكرييّن، فيوضّ ح الباحث أنَّ العسكرييّن العرب كانوا ممنوعين من الترقية في عهد محمد علي وورثته في الحكم كما أنّ أحمد عرابي هو أوّل فالّ ح عسكريّ يصل إلى رتبة قائم مقام أو عقيد. ولعلَّ هذا ما دفع لطيفة سالم إلى أن تستثني العسكرييّن من القوى الاجتماعيّة التي صاغت الثّورة لكون أغلبهم من الفالّ حين أو الطبقة الوسطى الريفيّة. أمّا بالنسبة إلى الأعيان، فيتّضح مدى انتهازيّة هذه الفئة من خلال نقل الباحث عن محمد عبده مواقف الأعيان من الثّورة كيف تقلّبوا من تأييدها ومن ثمّ إلى معارضتها وفقًا لحسابات الربح والخسارة، وذلك على العكس من دور المثقّفين، وإن كانوا قد انقسموا بين مؤيّدٍ ومعارضٍ لها. ولكنَّ دور جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الله النديم وتلامذتهم وخاصّةً طلاب الأزهر كان لهم الدَّور الأساسي في صوغ مطالب الفالّ حين والقدرة على تجسيد الثّورة وتحويلها إلى واقع. يخصِّص الكاتب الفصل الخامس لتحليل ثورة عام 9191 ضدّ الاستعمار البريطانيّ، والتي كانت تهدف إلى إقامة الملكيّة الدستوريّة النيابيّة، مطلقًا عليها ثورة "كلّ المصرييّن" ولم يسمّها ثورة سعد زغلول كما هو شائع في العادة. ويستعرض الكاتب في هذا الفصل التغريّ ات الاقتصاديّة خلال بدايات الاستعمار البريطانيّ، وكيف تحوّل القطن إلى السّلعة الزراعيّة الأولى في مصر بفعل السياسات الاستعماريّة كي يصنّع في بريطانيا، حتّى أصبح محصول القطن قاعدة الجنيه المصريّ، والذي تتوقّف أسعاره في البنوك المركزيّة على محاصيل القطن. إضافةً إلى السياسات الاقتصاديّة والماليّة والإداريّة والإعلاميّة والطائفيّة والعسكريّة التي تضمن بريطانيا من خلالها مصالحها ومصالح رعاياها وكبار مالّ ك الأراضي الزراعيّة من المصرييّن. وفي المقابل، قامت بريطانيا بخطواتٍ تحديثيّةٍ في الدّولة المصريّة من خلال مدّ الطّرق
والسِّكك الحديديّة وترقيم المنازل وإعادة بناء المدن الكبرى وإعادة تنظيم القاهرة القديمة وتنويرها، والتي كانت تشهد أعلى نسبة وفيات في العالم بسبب تردّي الأوضاع الصحّية. ولعلّ إنشاء خطوط الرتام الثمانية التي تربط بين ميادين القاهرة ومختلف مناطق العاصمة كان في منزلة الانتقال من الأحياء المعزولة إلى المجتمعات المفتوحة وتفكّك العلاقات الاجتماعيّة التقليديّة، خاصّةً مع هجرة أهالي الرّيف إلى المدينة. ولذلك ستشهد هذه المرحلة نقلاتٍ نوعيّة في المجتمع المصريّ مع كتابات قاسم أمني عن تحرّر المرأة وانتعاش العروض المسرحيّة وإدخال الأزهر علوم الرياضيات والجغرافيا ورسم الخرائط في مقرّراته. وعليه، يكون التحديث في مصر قد جرى من حيث المبنى والمعنى على نمط التحديث الاستعماري، إذ اشتمل على تجديدات تمدينية، ولكنّها مقموعة بنظامٍ بوليسيّ ريفي. يُشبِّه محمد حافظ دياب هذا النمط من التحديث بالآلة البخاريّة الدقيقة في تفاصيلها، ولكنّها كانت تحت السيطرة التامّة. وعلى الرغم من ذلك أتاحت هذه التطوّرات للمصرييّن الخروج إلى المجال العامّ مع تنامي نشاط الجمعيات والنوادي والنقابات العامّ لية، إضافةً إلى ما أسامه الباحث ب "المثقّف الحديث". ولقد أتاحت هذه التطوّرات للصحف والمجالّ ت والحركات الطالّ بيّة خلق الشعور العدائيّ تجاه الاستعمار. ويحدِّد محمد حافظ دياب أصحاب هذا الاتّجاه بالطلبة الذين تلقَّوا تعليمهم في الخارج وتعرَّفوا على الثّقافة الليبراليّة الغربيّة ودعوا إلى القوميّة المصريّة والنضال ضدّ الاستعمار، والذي انتظم في حزبين هما "الحزب الوطني" و"حزب الأمّة". ومن ثمّ ينتقل الباحث إلى شرح العوامل الاقتصاديّة والسياسيّة المباشرة لانطلاق الثّورة ويسرد يوميّاتها كما وقعت بأسلوبٍ قصصيّ مشوقٍ، مؤرّخًا سرديّات طمسها التّاريخ، تظهر فيها روح الثّورة. مثّل العامّ ل والفالّ حون والطّلاّ ب والنّخب السياسيّة الحزبيّة، القوى الاجتماعيّة الأساسيّة للثورة الشعبيّة، والتي كانت فترة مخاضٍ لعصر أهمّ الأدباء المصرييّن (حافظ إبراهيم، أحمد شوقي، توفيق الحكيم، طه حسني...)، إضافةً إلى الزعماء السياس نيّ والقانون نيّ والاقتصاد نيّ والفنّانين. ولكنّ الطالّ ب كانوا الشرارة الأولى للثورة من خلال جمع التوكيلات للوفد لكييفاوض باسم المصرييّن، وكانوا أوَّل من خرج في التظاهرات. لم يتطرّق الباحث كما ينبغي، إلى شرح سياسات بريطانيا الطائفيّة ومحاولاتها كتابة القوانين في مصر على أسسٍ دينيّة بالاستناد إلى ذريعة "حماية الأقلّيات"، ولكنَّ النخبة المصريّة استطاعت إسقاط هذه القوانين والمساواة بين المسلمين والأقباط في قوانين الدّولة. ومن هنا تكمن أهميّة مشاركة الأقباط بكثافة في الثّورة كردٍّ على السّياسات البريطانيّة3 التي مرّ عليها الباحث ولكنه لم يولها الاهتمام الكافي4. ينقل الباحث عن أحد المؤرِّخين الغربيّينّ- والتر لاكير - مقولة "رمبّ ا لم يعرف التّاريخ مجتمعًا لعب فيه الطالّ ب دورًا طليعيًّا مثلما حدث في مصر"، والتّاريخ المصريّ المعاصر يشهد على ذلك. وبما أنّ الشّباب والطالّ ب هم أكثر الفئات إدراكًا للمتغريّ ات والأكثر ميالإلى التمرّد، فإنَّ انتفاضة الطالّ ب عام 935 1 (الفصل السادس) كانت من صنع جيلٍ عاش مصير ثورة 919 1 وعاين تحوّلها من حركةٍ ثوريّةٍ شعبيّةٍ إلى قضيّةٍ سياسيّةٍ، وهو ما ظهر في الصراع بين القصر والوفد والإرادة الاستعمارية. ويمكن القول إنّ الانتفاضة جسّدت حضور الطالّ ب كفاعلٍ سياسيِّ مهمٍّعلى الساحة السياسيّة المصريّة5. أمّا عن القوى السياسيّة التي كانت تقف خلف الانتفاضة، فقد تركها الباحث مثار جدلٍ بين المؤرِّخين ما بين مصر الفتاة والوفد والشيوعييّن. بينما يؤكِّد المستشار طارق البرشي أنَّ جمعيّة "مصر الفتاة" هي من تصدَّر المشهد الاحتجاجي في قيادة التظاهرات الطالّ بية6 ذات التوجّه العروبيّ الواضح، مع عدم تعارضها مع الهُويّة المصريّة والإسالمية7. كما تؤكِّد بعض الدراسات عىلدور أحزاب "الوفد" و"الشيوعي" و"الأحرار" في المشاركة في التظاهرات8. أدَّت التغّيرّ ات الاقتصاديّة في المجتمع المصريّ إبّان الحرب العالميّة الثّانية، إلى زيادة أعداد العامّ ل، خاصّةً مع تشجيع حكومة الوفد العّماّ ل على التكوين النقابيّ عام 942 1، إضافةً إلى ازدياد النشاط الشيوعي كجزءٍ من حركة المدّ الوطنيّ الشعبّي بهدف تحرير مصر من الاستعمار. وقد قاد ذلك إلى انتفاضة شعبيّة في عام 946 1 عمادها الأساسي العامّ ل والطلبة (الفصل السابع)، والتي تمخّضت عن اندماج
حركتي الطلبة والعامّ ل في جبهةٍ واحدةٍ عُرفت باسم "اللجنة الوطنيّة للعامّ ل والطلبة"، قادتها طلائع من مختلف فصائل الحركة الشيوعيّة وشباب الوفد واتّحاد نقابات العّماّ ل، وضمَّت مندوبين منتخبين انتخابًا ديمقراطيًّا. نجح الكاتب في إبراز أهمّ إنجازات اللجنة الوطنيّة للعّماّ ل والطلبة، فهي لم تتجاوز النظام السياسيّ فحسب، بل أيضًا الأحزاب التقليديّة التي أصبحت عاجزةً عن مواكبة المطالب الشعبيّة في التحرير، وذلك من خلال طرحها لخطابٍ وطنيٍّ تحرريٍّ شعبيٍّمن دون محاولة الهيمنة بفرض أيديولوجيتها على الشعب9. يقيِّم الباحث في الفصل السابع قبل الدخول في عهد الاشرتاكيّة وثورة 952 1، تجربة مرص الليبرالية ويصفها بأنّها تجربةٌ غير مكتملة بسبب ضيق قاعدتها المادّية المتمثِّلة في البرجوازيّة المصريّة التي لم تنْمُ بشكلٍ كافٍ، ولم توسِّع قاعدتها الجماهيرية، وذلك من خلال رفضها الإصلاح الزراعي، وعدم تحقيق العدالة الاجتماعيّة والاستئثار بالسلطة وعدم حسم قضيّة الاستقلال الوطني. ويثبت ذلك بالمقارنة بين متوسّط دخل الفرد سنويًّا في عام 950 1 للأسر المعدمة، وعددها حوالى 1.3 مليون أسرة، والذي يقدَّر تقريبًا ب 26 جنيهًا، مع متوسّط دخل كبار مالكي الأرض، والذي يقدَّر ب 15 ألف جنيه، يضاف إليه أكثر من نصف المبلغلمن يقوم بزراعة أرضه لحسابه الخاصّ. وعلى الرغم من ذلك يعترف الكاتب أنَّ تلك المرحلة كانت الأكر تعبيرًا عن خارطة التنوّع السياسيّ والاجتماعيّ والفكريّ في المجتمع، وعن الجدل الفكريّ حول قضايا الهُويّة. بينما يرى الكاتب أنّ ثورة 925 1 حقَّقت كلَّ ما عجزت عنه الليبراليّة في المراحل السابقة من ناحية العدالة الاجتماعيّة والاستقلال الوطني. ولكنَّ هزيمة عام 967 1 كشفت نقاط الضّ عف في التركيب السياسي للدولة وتدينّ مؤسّستها العسكرية، وهو ما أعاد الحركة الاحتجاجيّة للشارع المصريّ بعمودها الفقري (الطالّ ب والعامّ ل) ردًّا على الأحكام المخفَّفة في حقّ المتسبِّبين في الهزيمة. استمرّ النشاط الطالّ بي الاحتجاجي في ميدان التحرير بين عامي -1971 972 1 للمطالبة بتصحيح نتائج حرب 9671 وتحرير الأراضي العربيّة والمصريّة. وعلى إثر حرب أكتوبر 973 1، يحدِّد الباحث في الفصل التاسع خمسة تجمّعات طلابيّة في الجامعة، هي: اليسار الراديكالي الماركسي، واليسار الناصريّ العروبيّ، والجماعات الإسالميّة، واليمين الأيديولوجي، والمؤيّدون للنظام. وعلى إثر الانفتاح السياسيّ بعد منتصف السبعينيّات أقرَّت لائحةٌ طلابيّةٌ جديدةٌ للجامعة منحت أعضاءها سلطاتٍ واسعة لتنظيم الّلجان الاجتماعيّة والثّقافيّة والفنيّة، برز من خلالها قيادات طالّ بيّة من أمثال حمدين صباحي وعصام العريان وزياد عودة، ولاحقًا عبد المنعم أبو الفتوح وأحمد بهاء الدين شعبان وأبو العلا ماضي، وخاصّةً في المناظرات الشهيرة بين كلٍّ من الرئيس المصريّ الأسبق أنور السّادات والطالبين حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح. ساهمت الطلائع الأدبيّة لهذا الجيل في تحريك الوعي بالقضايا السياسيّة والاجتماعيّة المطروحة، عبر ما عُرف ب"ثورة الماستر" التي كُرِّست لظهور المجالّ ت غير الدوريّة. ومع إصدار الحكومة المصريّة قراراتٍ تتعلّق برفع الأسعار عاد المصريون، خاصّةً الطلبة والعامّ ل وأهالي العشوائيّات الفقرية، إلى الاحتجاج في صباح 7 1 كانون الثّاني / يناير في تسع محافظاتٍ في ما أسماه الباحث "هبّة الجياع" لتركيزها على العامل الاقتصاديّ وإظهار الفوارق الطبقيّة بين مكوّنات المجتمع المصريّ في هتافاتها وشعاراتها ومهاجمة بعض المنشآت والمحالّ ت التجاريّة والفنادق، وقد شارك فيها الإسالميّون والقوميّون واليساريّون بصورة عامّة. يظهر في الكتاب مدى مركزيّة القاهرة كموجِّه للحركة السياسيّة في مصر عمومًا، وعلى الرغم من أهميّة الحراك المديني ومركزيّته لا يمكن التغافل عن أهميّة انتفاضات الفالّ حين في الريف المصريّ ودورها، ولا عن أهميةالاحتجاجات العامّ ليّة، خاصّةً في مدينة المحلّة الكبرى. لم يتطرّق الكتاب إلى الاحتجاجات العامّ ليّة في مدينة المحلّة الكبرى في مرحلتي نهاية الأربعينيّات ومنتصف السبعينيّات، والتي كان لها الدّور الأساسي في ترسيخ الطابع الاحتجاجيّ لأهالي المدينة، خاصّةً أنّها قادت إلى أوّل انتفاضة ضدّ نظام مبارك في عام 008 2، والتي عُدّت إحدى أهمّ الشرارات لثورة 25 يناير10. كما لم يتطرّق الكتاب إلى انتفاضات الفلاحين وعلى الأخصّ انتفاضة فالّ حي كمشيش في محافظة المنوفية 966-1952 1 والتي قادتها الطبقة المثقّفة في القرية من ا المّ كين الصغار المتأثّرين بالفكر الماركسيّ ضدّ أسرة الفقي الإقطاعيّة وتجاوزاتها لقوانين الإصلاح الزراعي11. اكتفى الباحث بتحليل "هبّة الجياع" وتأريخها عام 977 1 كسقفٍ زمنيٍّ للدراسة. ونرى أنّه من المفيد لو تطرّق الكتاب إلى أحداثالأمن
المركزي عام 9861 خاصّةً أنَّ الكتابات عنها قليلة ونادرة، وذلك لما لها من أهميّة اجتماعيّة - اقتصاديّة تعكس العلاقة المتوتِّرة بين الرِّيف والمدينة في مصر، ودور العوامل الطبقيّة في الأحداث، ويستدلّ على ذلك بسهولةٍ من خلال تخريب مظاهر الرفاهية وتكسيرها في مناطق الاحتجاج كون غالبيّة رجال الأمن من الأرياف المصريّة. وكان من المفيد أيضًا أن يتطرَّق الكتاب إلى انتفاضة المحلّة الكبرى 008 2 التي نستطيع القول إنّها صنعت هُويّة احتجاجيّة في المجتمع المصريّ لما تركته من وعيٍ بالحقوق عند مختلف الفئات والقوى الاجتماعيّة، ومن قناعةٍ متزايدة بأنَّ حالة الظّلم والاستبداد لم تعد مقبولة. نجح الباحث في استخدام تواتر الأجيال كأداةٍ في التّحليل في ما يتعلّق بقضايا التغيير والاستمرار، استنادًا إلى أنَّ تتابع الأجيال أدعى إلى فرز القديم واكتشاف الجديد. ولعلَّ مساهمته الأساسيّة في هذا المجال هي دراسة القوى الاجتماعيّة والسياسيّة لجيل السبعينيّات من خلال تقّصيّالوقائع والتفاصيل الخاصّة بأبناء هذا الجيل في الجامعات. والغائب في الكتاب - وكان من المفيد أن يشير إليه الكاتب على الأقلّ في الخاتمة خلال مناقشته مستقبل الحركة الوطنيّة - أنَّ هذا الجيل هو من أخذ دوره التّاريخي في تبنّي القضايا الوطنيّة القوميّة والمحليّة في مقابل تراجع دور الطبقات والفئات الاجتماعيّة التقليديّة الشعبيّة في مرحلة الرّكود السياسي خلال العقد الأخير من القرن الحالي، وذلك من خلال حشده المصر نيّللخروج في احتجاجات تتعلّق بالقضايا القوميّة، ومن ثمّ تأسيسه "حركة كفاية" في أيلول / سبتمبر عام 004 2 من أجل تحقيق الإصلاح السياسي في مصر عن طريق الاحتجاج في الشارع. نجحت كفاية في تسييس فئة الشباب المصريّ الجديد من خلال نشاطاتها الاحتجاجيّة، وهي التي تلقَّفت القضيّة مستخدمةً أدواتٍ أكر تطوّرًا بما فيها التكنولوجيا الحديثة. يب الكاتب في بداية الكتاب في الصفحة 15، أنَّه يمكن لحظ مدوّنة تعبيريّة تهيِّئلظهور الحركة الوطنية، وهي مدوّنة تحوي مجادلاتٍ فكريّةً وصورًا نمطيّةً وأدبياتٍ وفنونًا تساهم بهذا القدر أو ذاك في التّكريس لعمليّة التغيير. ولذلك حاول الباحث دائمًا أن يرصد الحالة الفكريّة والأدبيّة لمرحلة ما قبل الحدثالسياسي أو تأريخ الحدث من خلال الثّقافة أدبيًّا أو شعريًّا أو غنائيًّا أو حتّى شعبيًّا. ويوضّ ح في خاتمة الكتاب أنّ المدوّنات عىلالإنترنت في السنوات العشر الأخرية قد اضطلعت بهذا الدور من خالل النِّقاشالفكريّ والجدل حول مبادئالديمقراطيّة والإصلاح السياسيّ ونقل مشاهد التعذيب في السّجون والإضرابات العامّ ليّة والاحتجاجات الجماهيريّة على صفحات الإنترنت. حتّى وصل عدد المدوّنات في مصر عام 010 2 إلى نحو مئتي ألف مدوّنة، ويُقدَّر عدد المشاركين فيها بنحو 70 1 ألف مدوّنٍ غالبيّتهم من فئة الشباب دون سنّ الثلاثين، بمن فيهم شباب "الإخوان المسلمين". كما سمح هذا المجال الإلكتروني المفتوح بنشوء حركاتٍ اجتماعيّةٍ جديدةٍ عابرةٍ للأيديولوجيات، تُجمِعُ على شيءٍ واحدٍ هو ضرورة إنجاز التغيير، متجنّبةً الخلافات الفكريّة والعقائديّة والأيديولوجيّة، وترسم خططها وبرامجها في الفضاء الإلكتروني في ظلّ التضييق الأمنيّ في المجال العامّ، ولكن من دون أن تغفل دوره كلمّا استطاعت تحقيق ذلك. يتبَّينَّلنا من خالل التّحقيب الزّمني الذي حدَّده الباحث لفترة الدراسة، أنَّ القضايا الوطنيّة والقوميّة كانت المحرِّك الأساسي لتحرّكات الشعب المصريّ في التّاريخ المصريّ الحديث، ومن ثمّ تأتي الأسباب الاقتصاديّة والاجتماعيّة كمولِّدٍ للحركات الاحتجاجيّة في مرحلةٍ ثانية. ولذلك سيجد المتتبّع للاحتجاجات المصريّة خلال السنوات العشر الأخرية من حكم مبارك أنّ القضايا القوميّة (الانتفاضة الفلسطينيّة 000 2، وحرب العراق 003 2) هي التي أعادت المشهد الاحتجاجيّ إلى الشارع المصريّ منذ عام 977 1، وولَّدت الاحتجاجات الفئويّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، حتّى تمكَّنت القوى الاجتماعيّة المصريّة من أن تسلك سلوكًا واحدًا في ثورة 25 يناير 011 2. يُعابُ على الكتاب أن كاتبه لم يحدّد المصادر والمراجع بدقّة، إذ اكتفى بوضعها في نهاية الكتاب من دون ترتيبٍ ممنهج يربط الأفكار بالمراجع. من المفيد لأيّ باحثٍ عن الانتفاضات والثورات والاحتجاجات في التّاريخ المرصيّ، أن يرجع إلى هذا الكتاب لما يقدِّمه من جديدٍ في تناول المسألة. ويعدُّ الكتاب خطوةً جيّدةً تحاول إعادة كتابة التّاريخ المصريّ وفقًا لرؤى جديدة، على الرغم من وجود نقائصَ وثغرات.