المؤتمر السنوي لمراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الوطن العربي
Annual Conference of Strategic and Policy Studies Research Centers in the Arab World
الملخّص
المؤتمر السنوي لمراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الوطن العربي: تحولات جيوستراتيجية في سياق الثوات
Abstract
The first Annual Conference for Strategic and Policy Studies in the Arab World was hosted by the Arab Center for Research and Policy Studies from December 15 to December 17, 2012. The brought together scholars working within policy research centers, the directors of these organizations and representatives of funding bodies.
- الولايات المتحدة
- الاتحاد الأوروبي
- الدول العربية
- روسيا
- United States
- European Union
- Arab states
- Russia
تحولّات جيوستراتيجية في سياق الثورات العربيّة
عقد المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة مؤتمرًا علميًّا أكاديميًّا في الفترة ما بين 7-15 1 كانون الأوّل / ديسمبر 0122، ناقش جانبنيمهميّن يواجههامالعمل العلمي الأكاديمي العربيّ في العقد الثاني من الألفيّة الثالثة، ويبدو أنّهما سيلازمانه. فمن جانبٍ، طفت على السطح وبجدّية قضيّة مراكز الأبحاثالسياسية والإستراتيجية من حيث أدوارها ومهامّها وتمويلها وأوضاعها التشريعية ومدى إسهامها في رفد العالم الأكاديمي والسياسي العربيّ بالمعرفة اللازمة والمطلوبة لتسهل لهما إمكانية التعامل مع المعطيات والتداعيات الماثلة في عالمٍ عربيّ متغريّبفعل الثورات العربيّة. ومن جانبٍ آخر، أحدثت الثورات العربيّة تغريّ ات جيوسرتاتيجية لا يمكن إنكارها على مجمل الوضع العربيّ العامّ، وهي تغريّ ات فرضت نفسها على أجندة الشعب العربيّ بأقطاره وحكّامه كافّة. ولم تقترصهذه التغّيرّ ات بمجمل الوطن العربيّ على انتشاره الجيوبوليتيكيفحسب، بل سحبت تأثيراتها على جواره الجغرافي، وبالأخصّ في جناحه الشرقي، من حيث تأثّر كلٍّ من تركيا وإيران بما يجري وتأثيرهما فيه. وكان لانعكاسات هذه التغريّ ات على الصعيد الدولي أيضًا، أثرٌ ماثل من حيث تأثّر الكتل الدولية الكبرى، وهي الولايات المتّحدة الأميركيّة، والاتّحاد الأوروبيّ، وروسيا والصين، فضالً عن الهند، بتداعيات ما يجري بحيث تحوّلت بعض هذه القوى الدولية إلى لاعبٍ رئيس في هذا السّياق والسّجال الجاري على الأرض العربيّة. لقد شرّف سموّ وليّ عهد دولة قطر وراعي المؤتمر الحاضرين بكلمةٍ عالج فيها هذه التغيرات برؤية شفّافة ومعمّقة أضفت على جوّ المؤتمر منطلقًا علميًّا وجدّيًّا. وأكّد سموهّ في كلمته على أهميّة التعاون الجادّ بين المفكّرين والأكاديميين والباحثين من جهة، وصنّاع القرار والسياسييّن من جهةٍ أخرى. وقد أوضح في كلمته بطلان تفسير انتفاضة الشعوب العربيّة وفق نظريّة المؤامرة قائالإنّها ما خرجت إلى الشارع إالّطلبًا للكرامة وحقوق المواطن ولقمة العيش، مبيّنًا أنّه باستطاعة دولةٍ عظمى أن تدفع جيشَ بلدٍ آخر إلى أن يُحدثانقلابًا عىلنظام حكمه كما كان يحصل في أمريكا اللاتينيّة، لكنّها لن تصنع ثورة شعبية وليس بوسعها القيام بذلك سواء كانت وحدها أو مع مجموعة دولٍ. ومن هنا لن يكون ممكنًا إجراء نقاشٍ حقيقي بشأن ما يجري في الوطن العربيّ ".. من دون أن ندرك أنّ الناس قد خرجت لأنّ لديها أسبابًا كافية لذلك.." وأردف سموهّ قائالً".. وإذا ما سلّمنا بأنّ الثورات في العالم العربيّ هي ظاهرة اجتماعيّة وسياسية مركّبة لها أسبابها وظروفها وعواملها، فمن شأن ذلك أن يساعد الأنظمة الرشيدة على تجنّب هذه الأسباب، لأنّ الثورات ليست هي الطريقة المثلى للتغيري، وإمنّ ا يلجأ إليها الناس في غياب أيّ أفقٍ لأيّ وسيلة أخرى: ولو توفّر بصيص أمل للتغيريمن دون التضحية الهائلة والمجازفة بعدم الاستقرار لما خرجت الناس للثورة..". ثمّ ألقى سموهّ الضوء على التغييرات الإستراتيجية المتوقّعة من الثورات العربيّة، مبيّنًا تفاؤله من انعكاساتها الإيجابية مستد بالصفعتين اللتين تلقّتهما إسرائيل مؤخّرًا في غزّة وفي الأمم المتّحدة، إذ لم تكونا لتحصلا لولا المناخ الإيجابي الذي أحدثته الثورات العربيّة. وبنيّسموهّ أنّ كلّ معطيات الثقافة والجغرافية والتاريخ تصبّ في اتّجاه تعاون العرب لكيلا يكونوا مراكز نفوذ للآخرين. وعن الوضع في سورية الجريحة، بنيّسموهّ حاجة الشعب السوريّ إلى الدعم والمساعدة بغضّ النظر عن نوايا أصحاب هذه المساعدات، وأبرز أنّ تضامن الآخرين مع الشعب السوريّ لا يعني تبعيّة من قام بالثورة لهذا أو ذاك. وفي ختام كلمته، تمنّى سموّ وليّ العهد للمؤتمر النجاح. وعقب كلمة الافتتاح، عُقدت جلسة حواريّة أدارها الإعلامي علي الظفريي تناولت موضوع المؤتمر وهو "تحولّات جيوسرتاتيجية في سياق الثورات العربيّة"، تحدّث فيها كلٌّمن الدكتور حسن نافعة، والدكتور برهان غليون، والسفير الدكتور ناصر آل خليفة، والإعلامي صلاح الدين الجورشي، والسيدة جمانة غنيمات؛ جرى فيها إلقاء الضوء على ما أحدثته الثورات العربيّة من تحولّاتٍ في المناخالسياسي والجيوستراتيجي في الوطن العربيّ. تحوّل المؤتمر بعدها لمناقشة أوراق الباحثني الأكاديمية التي حلّلت وناقشت التغريّ ات الجيوسرتاتيجية في الوطن العربيّ نتيجة الثورات بعد التعرّف على المصالح المتفاعلة بين الوطن العربيّ وجواره الإقليمي المباشر؛ إيران وتركيا والاتّحاد الأوروبيّ والهند وباكستان، والقوى الدولية كالولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا والصين واليابان. وعُقدت لهذا الغرض جلسات عمل أكاديمية قُدّمت فيها أوراق بحثية محكّمة أكاديميًّا، جرى التعقيب عليها بأوراق أكاديميّة أيضًا. وقد توزّعت الأوراق البحثيّة كما يلي:
النظام الإقليمي العربيّ
قدّم الدكتور وليد عبد الحيّ ورقة عن "النظام العربيّ كنظام مخترق"، بدأها بالتمييز بين المنظورين الإسرتاتيجييّن في إدارة الصراع الدولي، واللذيْن تباين تفسريهما في أدبيات العلاقات الدولية المعاصرة؛ وهما إسرتاتيجية الاختراق، وإسرتاتيجية إعادة التشكيل. ويتركّز التباين
في تعيني حدود كلٍّمن الإسرتاتيجيّتين وظروفهما وآليّاتهما، وهو ما يتّضح في النظريات البنائيّة والنيوليبرالية والجيوثقافية ونظريّات العولمة وغيرها. أوضح الباحث توظيف نمط التصويت الذي أجرته الدول العربيّة في المنظمّات الدوليّة وسعيها إلى الحصول على القروض من المنظمّات الاقتصادية العالمية. وألقى الضوء على اختراق القوى الدولية النخب المثقّفة العربيّة باعتبارها إحدى وسائل الاختراق الناعم، مبيّنًا في الوقت ذاته وسائل الاختراق الغربيّ الخشن للنظام العربيّ المعربّعنها بالقواعد العسكرية الغربيّة على الأرض العربيّة، والتعاون الأمنيّ والاستخباراتي الكثيف، فضالعن تشغيل ورقة الأقلّيات والتفتيت كإحدى وسائل الاختراق الخشن. وعقّب الدكتور الطيّب زين العابدين على ورقة الدكتور عبد الحيّ، مؤيّدًا أطروحة أنّ النظام الإقليمي العربيّ هو من أكر الأنظمة اختراقًا في العالم، ويشري - مكمالطرح الباحث-رة الولايات المتّحدة بنظ إلى الحكم في النظام العربيّ، وهشاشة الأنظمة السياسيّة في الوطن العربيّ. ثمّ ألقى الضوء على فشل مشروع الشرق الأوسط الكبير مبيّنًا أسبابه. وكذلك الثورات العربيّة كردٍّ على الاخرتاق العميق للنظام السياسي العربيّ لأنّها نجحت في إقامة أنظمة أقلّ ارتباطًا بالغرب. وأكّد المعقّب على صيانة الاستقلال الوطني باعتباره من أهمّ وسائل إحباط الاختراق.
الولايات المتحدةّ والنظام الإقليمي العربيّ
كانت الدراسة الثانية للدكتور مروان بشارة الذي قدّم رؤيته عن مصالح الولايات المتّحدة وأهدافها في النظام الإقليمي العربيّ، وحدّد أهمّها بالوصول إلى مصادر الطاقة من دون تحدٍّ من قوى أخرى، فضلا عن عدم إتاحة أيّ مجال لقوى دوليّة أخرى لمنافسة الولايات المتّحدة الأميركيّة على دورها الذي صنعته لنفسها في النظام الإقليمي العربيّ ونظمه الفرعيّة وبالأخصّ في الخليج العربيّ والمشرق. وتناول الباحث حقيقة عدم وجود دولة عربيّة قادرة على وضع حدٍّ للتدخّل الأمريكيّ. وانتقل إلى العلاقات الأميركيّة الإسرائيليّة وأوضح أنّ هناك اختلافًا في وجهة كلٍّمن الطرفنيفي موضوع أمن "إسرائيل". وألقى الضوء على وسائل دعم الولايات المتّحدة لتابعيها ووكلائها في المنطقة وإسنادهم. وناقش براغماتية إستراتيجية أوباما التي رمت إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وبنيّأنّه خفض سقف توقّعاته للتحدّيات التي واجهتها. وفي ما يخصّ الثورات العربيّة، بنيّالباحث أنّ الولايات المتّحدة اتّخذت مسار التعامل مع كلّ ثورة عىل حدة، ثمّ أوكلت لحلفائها التعامل الفردي مع هذه الثورات كما في حالة السعودية بالنسبة إلى اليمن والبحرين، وتركيا بالنسبة إلى سورية، والأوروبييّن في حالة ليبيا. وحذّر من استغلال الولايات المتّحدة النزاعات الأثنية والطائفية التي تحدثفي المنطقة العربيّة. وعقّب الدكتور أسامة أبو رشيد على ورقة الدكتور مروان بشارة مؤيّدًا ما جاء فيها مقدّمًا ما رآه غائبًا عنها من تحليلٍ معاصر للأهداف الأميركيّة في المنطقة، إذ يرى أنّ الجميع متّفق على مصالح الولايات المتّحدة في المنطقة، إالّأنّه يرى أنّ تغييرًا قد حصل في مقاربات الولايات المتّحدة من دون إستراتيجيتها حيال المنطقة.
الاتحاد الأوروبيّ
أمّا عن مصالح الاتّحاد الأوروبيّ، فقد قدّم الدكتور بشارة خضر ورقة عنوانها "الاتّحاد الأوروبيّ والعالم العربيّ من الحوار الأوروبيّ العربيّ إلى الربيع العربيّ"، مبيّنًا أنّ حاجة أوروبا إلى العالم العربيّ هي حاجة إستراتيجية، فقد رأى في الوطن العربيّ ".. مفتاح أوروبا للعالم" وممرّها إلى القارّات الثلاث، ولذلك فإنّ كلّ اضطرابٍ في العالم العربيّ يعيق بصورةٍ مباشرة حجم التبادل التجاري وتدفّق الروات. ومن هنا، فإنّ أمن الفضاء العربيّ مصلحة إسرتاتيجية حتّى لو كان على حساب الديمقراطيّة في المنطقة، وعلى حساب الشعوب العربيّة، وعلى حساب الشعب الفلسطينيّ. لقد حدّد الدكتور خضر حجم التبادل التجاريّ العربيّ الأوروبي بثلثي حجم التبادل الأوروبي الصيني، وما يفوق بدرجاتٍ حجم التبادل الأوروبي مع أميركا اللاتينية. وتناول الباحث قضيّة هجرة العمالة العربيّة إلى أوروبا كونها عاملَ ربط مه وبالخصوص هناك شريحة مهمّة من هذه العمالة تعدّ من الطبقة الوسطى التي تقتضي المصلحة الأوروبيّة دمجها في مجتمعاتها. وأبدى خشيته من أن تعيق السياسات العنصريّة والتمييز داخل المجتمعات الأوروبيّة هذا الميل نحو الدمج. ومن منظور الثورات العربيّة، بنيّالدكتور خضر أنّ الصيغة التي قرّرها الاتحاد الأوروبي هي المزيد مقابل المزيد في علاقته مع العالم العربيّ، بمعنى "إصلاحات أسرع تعني مكافآت أكثر". ويعلّق الدكتور خضر عىلذلك مبيّنًا ضرورة زيادة المساعدات وفتح الأسواق وتعزيز الاتّصالات، إلا أنّ الأهمّ من ذلك كلّه هو تعزيز الديمقراطية والأمن الإنساني من خلال
إسداء النصيحة والمشورة لا من خلال إعطاء الدروس. وأوضح الدكتور خضر أنّ مبادرات الاتحاد الأوروبي الأخيرة لا تسير في الاتّجاه الصحيح لأنّها تعزّز علاقاته بإسرائيل مع إمعانها في إحكام قبضتها على الأرض الفلسطينيّة استيطانًا ومصادرة، وسياستها في العقاب الجماعي وتمزيق أوصال الأراضي المحتلّة. وفي تعقيبه، بّينّالدكتور خطار أبو دياب أهمّية إبراز نوعية العلاقات الأوروبيّة الإسرائيليّة في مجالات البحث العلمي، والتعاون التكنولوجي العالي المستوى، مشدّدًا على أنّ الاتحاد الأوروبي ليس جمعية خيريّة، بل هو تكتّل عملاق يوازن مصالحه الإستراتيجية وفق مقتضيات علاقات القوّة في المنطقة. وركّز الدكتور أبو ذياب على خطورة الهوّة الثقافية بين دول العالم العربيّ والاتّحاد الأوروبي، فقد ساهمت محطّات تاريخية عديدة في تشكيلها أهمّها حرب الجزائر، وتدفّقات الهجرة وآثارها الاقتصاديّة التي تحوّلت فيما بعد إلى آثار اجتماعية ذات بعدٍ ديني.
الصّ ين وروسيا
قدّم محمد فايز فرحات رؤيته بخصوص مصالح الصين وروسيا في النظام السياسي العربيّ، مشدّدًا على ما دعاه بما وراء العلاقات الاقتصادية البينيّة، ومنها الانتقال من النظام الأحادي القطبيّة إلى النظام متعدّد الأقطاب، والسعي إلى الحفاظ على المبادئالتي قام عليها النظام الدولي عقب الحرب العالميّة الثانية، وتحديدًا مبدأ السيادة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية. ورأى في هذا السلوك انعكاسًا لطبيعة الأنظمة السياسيّة الداخلية في كلا البلدين. وأبرز فرحات أهمّية الأزمة السوريّة كحلقة مهمّة في عملية التحوّل من النظام أحادي القطبية إلى النظام متعدّد الأقطاب لأهمّية موقع سورية ودورها في قلب الشرق الأوسط. ويرى في إصرار البلدين على قضيّة السيادة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية فعالتضييقيًّا لحركة القوى المهيمنة على النظام الدولي الراهن وتحديدًا الولايات المتّحدة. وخلص فرحات إلى أنّ الثورات العربيّة تمثّل تهديدًا للنماذج الوطنيّة للإصلاح في البلدين ولاستقرارهما الداخلي، إذ يفتقر البلدان إلى الكثير في ما يخصّ الممارسة الديمقراطيّة فيهما. وفي تعقيبه على محمد فايز فرحات دعا الدكتور محمد السيّد سليم إلى ضرورة مراجعة العلاقات العربيّة مع كلٍّمن الصين وروسيا، موضّ حًا أنّ العرب ضاقوا ذرعًا بعلاقاتهم بالغرب، وتحديدًا بالولايات المتّحدة الأميركيّة، ما دفعهم في الماضي إلى اتّخاذ مواقف ذات مكاسبَ سريعة، سرعان ما تتحوّل إلى خسائرَ في المدى الطويل، ومنها العلاقة بروسيا والصين. وللاستدلال على صحّة خلاصته، ضرب الدكتور سليم مثلا بدعم العرب للغرب في طرد السوفييت من أفغانستان الذي كان مكسبًا في حينه، سرعان ما تحوّل إلى خسارة بعد انهيار الاتحاد السوفياتيّ. ودعا الدكتور سليم في ختام تعقيبه إلى ضرورة استنباط خيارات أخرى في تسوية الأوضاع مع روسيا والصين بعيدًا عن المجابهة.
القوى الإقليميّة والنظام الإقليمي العربيّ
كانت ورقة الدكتور سمير صالحة "الأهداف والمصالح التركية في النظام الإقليمي العربي"، أولى أوراق هذا المحور. وقد ركّز الباحث على عودة تركيا كقوّة فاعلة في الإقليم ولكن بصيغة جديدة تختلف عن نموذجها العثمانيّ السابق. وبنيّأنّ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا قد جاء بتغييرين مهميّن؛ أوّلهما إزاحة القيادات التركيّة التقليدية السابقة التي كانت تولّد الشحناء والصدام مع العالم العربيّ، وثانيهما توجّهات هذا الحزب نحو العالم العربيّ بهدف صوغ دورٍ إقليمي فاعل لتركيا. ولا يرى الدكتور صالحة أنّ تلك التوجّهات تعني عودة العثمانية كما يرى بعض الأكاديميين، وأنّ إعادة الاعتبار للتاريخ العثامنيّ لا تعني بأيّ حال طموحات عثمانيّة لحزب العدالة والتنمية. وشدّد صالحة على نجاح التجربة الإصلاحية التي قادها الحزب، فقد أضحت تركيا في الموقع الرابع عشر بنيالاقتصادات العالميّة، الأمر الذي أعطى دفعة مهمّة للدور التركيّ الفاعل في الإقليم على الصعيد الإسرتاتيجي، على المدى الطويل وليس صعودًا ظرفيًّا. وفي هذا المجال دعا صالحة العرب إلى التعاطي الفعّال مع الإنجازات التركيّة والسعي إلى بناء تقاطعات معها باعتبار النموذج التركيّ نموذجًا طموحًا إسرتاتيجيًّا. كما رأى صالحة أنّ تركيا لا تقدّم نموذجًا إسالميًّا معتداليمكن أن يحتذي به العالم العربيّ لأنّ التجربة التركيّة لا تزال في دور السيرورة ولم تكتمل أبعادها بعد. وفي تعقيبه على الدكتور سمير صالحة، استعرض الدكتور محمد نور الدين التجربة التركيّة بعنيٍ نقديّة موضّ حًا أنّه لم تكن لتركيا نظرة معياريّة واحدة حيال الثورات العربيّة؛ فهي كانت متفاجئة في تونس،
ومتحمّسة في مرص، ورمادية التوجّه في اليمن، ومتجاهلة في حالة البحرين. وعندما اندلعت الثورة السوريّة وجدنا تركيا متحمّسة طامحة للقيام بدور اللاعب الأقوى في المنطقة، ومن هنا كانت راغبة في إسقاطٍ سريع للنظام السوريّ يمكن أن يقلّص دور إيران ونفوذها. وبّينّالدكتور نور الدين أنّ تركيا تحت حكم العدالة والتنمية تطمح لبناء العثمانية الجديدة مستد عىلقوله بإيراد تصريحات عديدة لرئيس الوزراء التركيّ رجب طيب أردوغان. وفي ختام مداخلته رأى أنّ الدور التركيّ ليس إلا ظ للدور الأطلس الدائر في فلك الولايات المتّحدة، وبهذا فقد خسرت تركيا حلفاءها القدماء ولم تكسب حلفاء جددًا كمصر ما بعد الثورة. وقرأ نيروز ساتيك ورقة طلال عتريس "أهداف إيران ومصالحها في النظام الإقليمي العربيّ"، وكانت خلاصتها أنّ إيران قد تفاجأت بثورات الربيع العربيّ كغيرها بسبب انشغالها بقضاياها الذاتيّة ولا سيمّا الملفّ النووي الإيرانيّ. ورأت إيران في الثورات صحوة إسالميّة كونها قامت على أنظمة قريبة من الغرب، إلا أنّها بعد الثورة السوريّة رأت فيها محاولة لتقليص دورها في الشرق الأوسط، ولاسيمّا مع ميل المعارضة السوريّة لإقامة تحالفات مع الغرب ضدّ إيران. لذلك وقفت إيران مع النظام السوريّ ودعمته لأنّ كلّ السيناريوهات القائمة في الثورة السوريّة ما عدا بقاء الأسد، هي سيناريوهات تضرّ بالمصلحة القومية الإيرانيّة. وفي تعقيبه على الدكتور عتريسي، ألقى الدكتور محجوب الزويري الضوء على الإرثوالتراكمات التاريخية بصفتها حاضرة في سياسات الجمهورية الإسالمية طوال السنوات الثالثوالثلاثين الماضية، كما كانت حاضرة في العهد الملك مؤكّدًا أنّ التباعد العربيّ الإيرانيّ قد ازداد بعد الثورة الإسالمية فقد كان المؤثّر المذهبي حاضرًا وبقوّة في سياسات الجمهورية الإسالميّة. وبنيّأنّ إيران لم تقدّم نفسها كدولة ثورية في خطابها مع العالم العربيّ إلا بعد اندلاع أزمة البرنامج النووي الإيرانيّ. وأكّد الزويري على أنّ الثورة السوريّة قد أعادت إيران إلى المربّع الأوّل ذي البعد الطائفي، وهو أمر لم تكن ترغب فيه. وفي مجال المصالح الهندية والباكستانية مع العالم العربيّ، أخذ الدكتور عبدالوهاب القصاب العلاقة البينية مع دول مجلس التعاون الخليجي نموذجًا، وبنيّعوامل الربط والجذب بنيالطرفين انطلاقًا من الجوار الجغرافي والعلاقات التاريخية والتجارية باعتبارها روافع لهذه العلاقات، ثمّ عرّج عىلأهمّ المحطّات في هذه العلاقات البينية موضّ حًا تأثير كلٍّمن الموقع الجيوبوليتيكيوالتجارة والعمالة والهجرة الوافدة وانعكاسات الوازن النووي الهنديّ الباكستانيّ على المحيط الإقليمي مناقشًا العوامل الفرعيّة لكلٍّمن هذه المؤثّرات عىلالمحصّلة العلائقية النهائية وبالتفصيل معزّزًا رؤيته بإحصاءاتٍ وجداولَ ومخطّطات بيانيّة. وبنيّفي مداخلته موقف البلدين من ربيع الثورات العربيّة مستغربًا الموقف الرسمي الهنديّ الذي تبنّى، في مؤتمر عدم الانحياز، الرؤية الإيرانيّة والروسيّة بكون هذه الثورات مدفوعة من الخارج. كما أوضح انتقال الموقف الهنديّ من موقف المؤيّد للحقّ العربيّ والمناصر لقضايا العرب، إلى موقفٍ مصلحي بدأ بالانحياز في بعض مواقفه لصالح إسرائيل الأمر الذي رأى الباحث فيه نكوصًا عن الموقف الهنديّ التقليدي، وكذلك تماهي الهند مع سياسات الولايات المتّحدة الأمر الذي وجّه الاتّفاق النووي الذي وقّعه الرئيس السابق بوشفي زيارته للهند والذي اعترف فيه للهند بأولويّتها في إقليم المحيط الهنديّ. وعقّب الدكتور محمد جواد علي على ورقة الدكتور القصاب مستعرضًا التغريّ ات التي أفرزتها نهاية الحرب الباردة على البيئة الإقليميّة وتطوّر علاقة الهند بالولايات المتّحدة الأميركيّة. كما أنّ تركيز الهند على تطوير وضعها الاقتصادي يعدّ مدخالً مه في هذا المجال، كما أشار إلى تعزيز الهند قدراتها الدفاعية في البرّ والبحر والجوّ والخيار النووي، اّ عزّز من حضورها وفرصها في الساحة الدولية والإقليميّة. وأشار في هذا الصدد إلى التطوّر الكبير الذي شهدته العلاقة الهنديّة مع كلٍّ من الولايات المتّحدة وإسرائيل. وفي مجال الأهداف والمطامع الإسرائيليّة في النظام الإقليمي العربيّ، بنيّالدكتور محسن صالح أنّ المشروعين الصهيونيّ والإمبريالي يلتقيان على هدف إبقاء العالم العربيّ يعاني من تخلّفه لضمان السيطرة عليه. وأكّد الباحث على سمات المشروع الصهيونيّ؛ وأهمّها أنّه كيان ذو سمة وظيفية هدفها خدمة المشروع الغربيّ، فضالعن الطبيعة التوسعيّة لهذا المشروع. وأورد الباحث الأهداف والمصالح الإسرائيليّة في الوطن العربيّ، وحدّدها بما يلي: استمرار حالة الضعف العربيّة، وتشجيع حالة الانقسام والتشرذم العربيّ على أسسٍ طائفية وأثنيّة، والسعي إلى الوصول إلى معاهدات تسوية منفردة مع الدول العربيّة تحيّدها في معادلة الصراع العربي - الإسرائيليّ، ثمّ عزل الشعب الفلسطينيّ وهو هدفٌ رأى الباحث أنه فشل بالكامل، وتوطين اللاجئين الفلسطينييّن
في الدول العربيّة، ودعم الأنظمة العربيّة المعتدلة والموالية للغرب حتّى لو كانت مستبدّةً. وعقّب الدكتور أحمد سعيد نوفل على ورقة الدكتور محسن صالح، مؤيّدًا ما جاء فيها، مركّزًا على قضايا تثير جدالمثل، هل استطاعت إسرائيل بعد كلّ هذه السنين تحقيق أهدافها؟ وللإجابة عن ذلك رأى أنّ ما يروّج له من قوّة إسرائيل كدولة متجانسة أمرٌ مبالغفيه، كما أنّها لم تستطع تحقيق ما كانت تهدف إليه، فلم تتمكّن مثالمن القضاء على المقاومة العربيّة على الرغم من كلّ الحروب التي خاضتها، إضافةً إلى فشل مشروعها في تفتيت الجوار العربيّ طائفيًّا وإثنيًّا حتّى الآن. ويرى المعقّب أنّ إسرائيل أضحت تعي أنّ التغريّ ات الحاصلة في الوطن العربيّ لا تخدم مصلحتها، ذلك أنّ الشعوب العربيّة لا تقف إلا ضدّ إسرائيل. وفي الجلسة الختاميّة للمؤتمر، تحدّثالدكتور محمود محارب عن "إسرائيل والمتغريّ ات في الوطن العربيّ"، مبيّنًا أنّ إسرائيل تولي اهتمامًا كبيرًا لما يجري في الوطن العربيّ، لتأثير ذلك في أمنها ووجودها. وحصر محارب عوامل القوّة الإسرائيليّة في العلاقة مع الولايات المتّحدة، واحتكارها الخيار النووي، واستبداد النظم العربيّة، لذلك وقفت بوقاحة في وجه الثورات العربيّة، وطالبت الولايات المتّحدة بحماية النظم العربيّة الدكتاتورية المتحالفة معها. ورصد محارب ثلاثة أسس تقوم عليها سياسة إسرائيل حيال العالم العربيّ؛ وهي التحالف مع المعتدلين، والتحالف مع الأقلّيات طائفيّة كانت أو إثنيّة، والتحالف مع المحيط، أي تركيا وإثيوبيا والدول الأفريقيّة. وأشار إلى أنّه في مقابل مشروع السلام الذي قدّمه العرب لم تقدّم هي إالّالاستيطان والتوسّع والعدوان. وختم الدكتور محارب مداخلته بأنّ إسرائيل تخشىقيام الديمقراطيات العربيّةك وهو ما سيدفع الولايات المتّحدة وأوروبا لإقامة علاقاتٍ جيّدة مع هذه الديمقراطيات الجديدة، وسيفقدها حظوتها وأبرز مرتكزات قوّتها لدى الغرب. كما تخش من احتمال تنسيق الديمقراطيات العربيّة الناجمة عن الثورات في ما بينها لغير صالح إسرائيل. وعقّب الدكتور هاني المصري مركّزًا على بعض ما عرضه الدكتور محمود محارب، مبيّنًا أنّ هناك مبالغة في تناوله للثورات العربيّة إذ تجاهل مخاطرها ومدى تأثيرها في نظرة إسرائيل للتغيرات الحاصلة، كما بنيّأنّه من المبكر الحكم على الأنظمة القادمة وسلوكها السياسي والإسرتاتيجي بعد الثورات، فلا يوجد ما يضمن أنها ستكون نظامً ديمقراطية في ظلّ التدخلات الدوليّة. وكانت آخر المداخلات للدكتور هشام قروي من خالل ورقته عن المنظمّات والحركات العابرة للحدود، وصنّف في هذا المجال الحركات الإسالميّة الراديكالية حركات عابرة للحدود لمعارضتها مفهوم سيادة الدول، ولعدم اعترافها بالدول الوطنيّة. ولكون هذه الحركات كانت مكوّنًا رئيسًا من القوى المناهضة والمحاربة للدكتاتوريات العربيّة قبل ربيع الثورات، فإنّها ستحاول حتامًاستغلال نتائج الثورات لصالحها. وقرن ذلك بإدراك مراكز الدراسات وأجهزة اتّخاذ القرار في الدول الغربيّة الخطورة المتوقّعة من تنامي تأثير هذه التيّارات في المصالح الغربيّة بعد انتصار الثورات. وقد عقّب حسين أبو هنية على ورقة القروي مبيّنًا أنّ تنظيم القاعدة والحركات السلفية الجهاديّة هي المقصودة تحديدًا بتعبير الحركات الراديكالية والعابرة للحدود. وبنيّأنّ القاعدة والسلفييّن الجهادييّن قد تفاجأوا بالثورات العربيّة التي أرست نمطًا جديدًا للتغيير يختلف عن أنماطها. وألقى الضوء على نشاط القاعدة في ما سُمّي بالجهاد الإلكرتوني، أو جهاد الجيل الثالث، الأمر الذي فرض لاحقًا تكيّفًا مع موجات الثورة والتغيير، وشهد تخيلّبعض السلفيات الجهادية عن أنماط عملها وأطره قبل الثورات، فتبنّت أنماطًا جديدة فرضها التغيير. وجدير بالذكر أنّ مديري مراكز الأبحاثالعربيّة ناقشوا المشاكل والتحدّيات التي تواجه هذه المراكز على مدى ثلاثجلسات سبقت الافتتاح الرسميّ للمؤتمر. وتوصّل المؤتمرون إلى تشكيل شبكة ارتباط بين هذه المراكز يجري العمل عليها ومناقشتها، لوضع رؤيتها وأهدافها بغية إقرارها والعمل بها في المؤتمر السنويّ القادم لمراكز الأبحاث في خريف 013 2.