الرّئاسة الإيرانيّة في ضوء تجربة أحمدي نجاد
The Iranian Presidency in light of the Ahmadinejad Experience
الملخّص
تتناول هذه الدراسة مؤسسة الرئاسة الإيرانية من خلال زاويتين أساسيتين، الأولى تتعلق بالمعطيات النظرية والتاريخية التي أحاطت بتأسيس رئاسة الدولة وممارستها في نظام الجمهورية الإسل مية، كما حاولت الزاوية الثانية مناقشة تجربة الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد. وتسير المعالجة من الزاوية الثانية مستعينة بالمنهجين التحليلي والتاريخي، نحو إثبات فرضيتين أساسيتين. تقول أولاهما بفشل مؤسسة الرئاسة في نظام الجمهورية الإسل مية في تحقيق الكفاءة ومبدإ السيادة الشعبية، لكونها قد ظلت سجينةً لنظرية ولاية الفقيه السياسية، التي أعطت في تطبيقاتها العملية سلطاتٍ واسعةً لمرشد الثورة علي خامنئي، وللأجهزة المحيطة به، بما فيها الحرس الثوري. أما الفرضية الثانية التي اجتهد الباحث في إثباتها فهي فشل تجربة أحمدي نجاد الرئاسية، نسبةً لما اعتراها من الخلل في طريقة انتخابها وفي ممارستها التي شابها الاضطراب في الخطاب والعمل. كما شابها أيضًا الاصطدام مع رموز وقوى مجتمعية وسياسية، يُضاف إلى ذلك عجزها عن الإيفاء بما وعدت به الناخبين.
Abstract
This study deals with the Iranian presidency from two main angles: the first is related to the theoretical and historical givens that surround the foundation of the office of president and its practices in the regime of the Islamic Republic.
- أحمدي نجاد
- إيران
- Mahmoud Ahmadinejad
- Iran
المقدّمة
تختلف مؤسَّسة الرّئاسة في إيران عن النماذج الرئاسيّة العالميّة الأخرى في كونها تعمل تحت سلطة الوليّ الفقيه، إذ حاول نموذج "الجمهوريّة الإسالميّة" تجاوز التقابل القائم في الفكر السياسي الشيعيّ الإثني عشري بين الولاية الإلهيّة والولاية الشعبيّة، وقد استقطبت التجربة الرئاسيّة الإيرانيّة اهتمام الدارسني، فهي تقدِّم فرصةً لاختبار مدى استحكام السِّيادة الشعبيّة، والقدرة على التداول في تجربة الجمهوريّة الإسلاميّة. في هذا الإطار تندرج دراسة: "الرئاسة الإيرانيّة في ضوء تجربة أحمدي نجاد"، وهي تسعى إلى تناول نجاعة مؤسَّسة الرئاسة الإيرانيّة من خلال تجربة الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد، ذلك أنّ الجمهوريّة الإسالميّة مقبلةٌ على انتخاباتها الرئاسيّة الحادية عشرة في صيف 013 2، بعد تجربةٍ رئاسيّة مثيرةٍ للجدل ومُثقلة بالخلاصات، ووسط ظروفٍ إقليميّة ودوليّة مختلفة تمامًا عامّ عرفته في السنوات الماضية. ولمعالجة الموضوع قامت الدراسة على فرضيَّتين أساسيَّتين هما: فشلت تجربة الرئاسة في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في تحقيق مبدإ السِّيادة الشعبية، مما يستوجب مراجعةً عميقة لنظريّة ولاية الفقيه، وتغيريًا على مستوى البنية الدستوريّة لنظام الجمهوريّة الإسلاميّة. لم تنجح رئاسة أحمدي نجاد في تحقيق مبدإ السيادة الشعبيّة، وتفتقر إلى كفاءة الإدارة وتنفيذ البرامج. ولإثبات ما سبق، استفدتُ من منهجين أساسييّن هما: المنهج التاريخيّ والمنهج التحليليّ، وتعمَّدتُ تقديم قاعدة نظريّة وتاريخيّة ضمن محورين كمدخل لفهم جذور القضايا المرتبطة بموضوع الرئاسة الإيرانيّة، ثمّ خصَّصتُ المحور الثالث وما تفرّع عنه من محاورَ ثانويّة وعناوينَ فرعيّة لبسط أهمّ محدِّدات تجربة نجاد الرئاسيّة وإشكالاتها، ثمّ أنهيتُ الدراسة بمحورٍ تحليليّ حاول استثمار نتائج المحاور السابقة وخلاصاتها.
-1 مؤسَّ سة الرئاسة: التأسيس والجذور
يصنَّف البناء الدستوري الإيرانيّ في مقدّمة دساتير العالم الأكر تعقيدًا، وذلك لسعيه إلى الموافقة بين الولاية الإلهيّة والولاية الشعبيّة، إذ تركَّزت الأولى في منصب الوليّ الفقيه، بينما يمثِّل الثانية رئيس الجمهوريّة. وعىلالرغم من كون رئيس الجمهوريّة منتخبًا بطريقة مباشرة من الشعب، فالتركيبة المتداخلة للنظام، وتعدّد مواقع اتّخاذ القرار التابعة للوليّ الفقيه، تجعل الرئيس في كثيرٍ من الأحيان يظهر في صورة مدير للسلطة التنفيذيّة إلى جانب رئيسيَالسلطتين القضائيّة والتشريعيّة. وقد ساهمت الصلاحيات التي أعطاها الدستور في فصله السادس للبرلمان ولمجلس صيانة الدستور، في تكريس محدوديّة سلطة رئيس الجمهورية. فمن حقّ مجلس الشورى أن يعترض على قرارات الرئيس أو عزله في بعض الظروف، بينما يستطيع مجلس صيانة الدستور عرقلة برامج الرئاسة من خالل الحكم بعدم دستوريتها، حتى لو صادق عليها مجلس الشورى. هذا الوضع يجعل مؤسَّسة الرئاسة في النهاية بين ثلاثمؤسَّسات مركزيّة في النظام: مؤسَّسة المرشد ومجلس الشورى الإسالمي ومجلس صيانة الدستور، لكن تبقى الأولى، أي سلطة الوليّ الفقيه هي الأكر تأثيرًا وتحكاّمفي حركة رئيس الجمهوريّة وصلاحياته.
وقد حاول المشرِّع الإيرانيّ أن يجعل من صلاحيّات رئيس الجمهوريّة التنفيذيّة تعبريا عن مفهوم "إرادة وسلطة الشعب"، إلا أنّ الصلاحيّات الواسعة التي يتمتّع بها مرشد الثورة تفرغ تلك السلطة من مضمونها، ففي الفصل الثامن من الدستور، المادّة 0 11، جرى تحديد إحدى عشرة وظيفة للمرشد، منها مثالً: إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهوريّة بعد انتخاب الشعب له. ثمّ عزل الرئيس بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلّفه عن وظائفه القانونيّة1. وقد ساهمت طبيعة هذا البناء الدستوريّ في إعطاء النظام الحاكم قدرة كبيرة على إعادة إنتاج نفسه، وذلك من خلال قوى موزَّعة في تفاصيل أجهزة الدولة ومؤسّساتها الحيويّة، بحيث تنتظم هذه القوى داخل خيمةٍ يحكمها منطق الحماية مقابل النفوذ والمنفعة، فالقوى
المتعدِّدة تمثِّل الأوتاد الضّ امنة للحماية والاستحكام، بينما يؤدّي النظام دور العمود الذي يوفِّر لها النفوذ والمنافع المختلفة. تؤثِّر هذه العلاقة بين النظام والقوى الحامية له بصورةٍ مباشرة في صلاحيات الرئيس وقدرته على ممارسة مهامّه، مّماّ دفع الكثير من الباحثين إلى الاعتقاد أنّ السلطة التنفيذيّة في الجمهوريّة الإسالميّة "هي أضعف حلقة من حلقات السلطة في إيران، فهي لا تحظى بالصلاحيّات التي تؤهِّلها لتكون سلطة ذات تأثير مقارنةً بسلطة الوليّ الفقيه، وبقيّة المؤسَّسات الدستوريّة التي تعلو في سلطتها على السلطة التنفيذيّة"2.
ويرجع هذا التفاوت الواضح في البنية الدستوريّة الإيرانيّة إلى جذور الدولة العقائديّة، والتي أعطى فيها المشُرِّع للولاية الإلهيّة سلطة عليا قابلة للتمدّد بحسب الظروف والحوادث، وجعلها الضامن الأوحد لاستمرار النظام وسلامته. إذ وفق رواية المذهب الشيعي الاثني عشري3، وبعد حادثة الغيبة الكبرى للإمام المهدي بن الحسن العسكري4، اضطرّ فقهاء المذهب إلى مباشرة أمر الولاية الفقهيّة عن الغائب، وترك أمور الحُكم إلى أن يظهر الإمام المؤهَّل شرعًا لقيادة الأمّة، وفي مطلع القرن العاشر
ناخب5. الهجري اقتنع فقهاء المذهب بأنّ نظريّة الانتظار تشكّل حاجزًا من دون تأسيس دولة شيعيّة، فأجازوا لزعمائهم غريالمعصومين ولا المنصوص عليهم من الله القيام بمهامّ الإمامة في الحكم، وفي هذا السياق ظهر حكم الصفوييّن في إيران. وفي القرن 13 الهجري قدَّم أحمد مهدي النراقي (تويفّ 1245 هجرية) نظريّة "ولاية الفقيه"، وفيها تخ عن اشرتاط العصمة والنصّ والسلالة العلويّة في الإمام، واكتفى بشرطي الفقاهة والعدالة6. وكان إسقاط النظام الملك في إيران سنة 9791 مرحلة جديدة في تطوّر نظريّة "ولاية الفقيه" في تاريخ المذهب الاثني عشري، إذ حاول الخميني التوفيق في نموذج "الجمهوريّة الإسالميّة" بين حقّ الإمام الغائب في الحكم والقيادة، وحقِّالشّعب في تدبير أموره الدنيويّة. وهو ما ترجمه المشرِّع من خلال مؤسّستَي المرشد والرئاسة، يمثِّل الأولى مرشد الثورة، بينما يمثِّل الثانية رئيس الجمهورية. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل نجح هذا التوفيق في تجربة الحكم طوال العقود الثلاثة الماضية؟ وهل استطاعت مؤسَّسة الرئاسة أن تحصِّن الإرادة الشعبيّة أمام ما يمكن أن يصدر عن مؤسَّسة المرشد من تمدّدٍ في الصلاحيّات أو استبداد في الحكم؟
-2 محطّات من تاريخ الرّئاسة الإيرانيّة
يمكن رصد التجربة التوفيقيّة للمشرِّع الإيرانيّ بين ولاية الفقيه وولاية الشعب من خلال الممارسة عبر عدّة محطّاتٍ تاريخيّة حدث فيها التوافق أو التعارض بين الطرفين، ما يقدِّم من جهةٍ صورةً واضحةً عن مسار التقابل بينهما، ومن جهةٍ أخرى مدى استحكام مؤسَّسة الرئاسة في مواجهة سلطة مؤسَّسة الإرشاد. اختار الإيرانيّون الليبراليّ أبا الحسن بني صدر (-1931) أوّل رئيس للجمهوريّة الإسالميّة سنة 980 1 في انتخاباتٍ شارك فيها 14 مليون
كان أبو الحسن بني صدر قريبًا من الخميني ومرافقًا له في منفاه الفرنسيقبل الثورة، لكنَّ طبيعة المرحلة التأسيسيّة الثورية، وضعف الشرعيّة الدستورية، إضافةً إلى تباين الاختلافات الأيديولوجيّة بينه وبين القوى الدينيّة المحافظة، كانت من أهمّ موجِّهات رئاسة بني صدر. يحكيأبو الحسن بني صدر في سيرته أنّه واجه تدخلاتٍ متكرِّرة من مرشد الثورة روح الله الخميني في صلاحياته الدستورية7. وتزامن ذلك مع ضغوطٍ قويّةٍ وعرقلةٍ من مجلس الشورى الذي يسيطر عليه حزب الجمهوريّة الإسالميّة الديني المحافظ، فكان أوَّل اصطدام بين الطرفنيعندما رفض مجلس الشورى الوزير الأوّل مرشّح الرئيس، وفرض محمد رجائي من حزب الجمهوريّة الإسالميّة بديالعنه، ثمّ الاتهامات الموجَّهة إلى الرئيس بتقاعسه في إدارة الحرب ضدّ العراق، وعدم الكفاءة في إدارة البلاد، والتبذير، والتعاون مع القوى المعارضة للنظام الإسلاميّ8. انتهت رئاسة بني صدر عندما سحب مجلس الشورى الثقة منه، وأخرجه من الرئاسة بعد ستّة عشر شهرًا فقط من انتخابه، وبعد ذلك هرب من إيران متّجهًا نحو باريس التي لا يزال إلى اليوم يعب رِّ فيها عن معارضته نظام الجمهوريّة الإسلاميّة. يؤكِّد حجم التأييد الشعبي الذي ناله أبو الحسن بني صدر أنّ الرَّأي العامّ الإيراني يومئذ كان متّجهًا نحو تأكيد مبدإ الجمهوريّة في النظام الجديد، والاحتراز من أيّ اتّجاه نحو مركزيّة للسلطة تنتهي باستبدادٍ مشابه للتجربة الملكيّة، خاصّةً أنّ خطاب بني صدر السياسي كان مخالفًا لمبدإ ولاية الفقيه المطلقة. تختلف التحاليل التي تناولت هذه المرحلة من الثورة الإسالميّة، فبعضها يرى أنَّ الخميني استفاد من غطاء الليبرالييّن عندما كلّف المهندس بازرجان برئاسة الوزراء، ووافق على ترشّح الليبراليين للبرلمان ورئاسة الدولة، لكن قراءات أخرى ترى أنّ الخميني لم يخطِّط لسيطرة رجال الدين عىل الدولة9، بل حدثذلك بعد فشله في إقناع الفقهاء بالعودة إلى قُم، وتراجعه أمام ضغوط القوى الدينيّة المتشدِّدة ومناوراتها، ودخول الثورة في مواجهةٍ مفتوحة ودمويّة مع مناوئيها في الداخل والخارج، وهو ما سرَّع الاتّجاه نحو تركيز مفهوم ولاية الفقيه المطلقة، وتحجيم الشرعيّة الدستوريّة لصالح المؤسّسات الثوريّة الوليدة، والتي كان لها دورٌ كبريٌ في تصفية القوى الليبراليّة واليساريّة المعارضة للنظام. بعد شهرين من إقالة بني صدر، انتُخِب أحد مؤسِسّيحزب الجمهوريّة الإسلاميّة وهو محمد علي رجائي (981-19331) رئيسًا للجمهوريّة في الثاني من آب / أغسطس 981 1، لكنَّ ولايته لم تدم سوى 92 يومًا بسبب اغتياله في انفجارٍ استهدف مقرّ مجلس الوزراء في طهران10. عربّ ت رئاسة رجائي عن طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها الثورة الإيرانيّة، إذ لم يسمح بالتّنافس فيها إلا لأربع شخصيّات ذات مرجعيّة إسالميّة ثورية، خلافًا للرئاسة السابقة التي فُتح فيها باب التنافس ل 07 1 مرشّحين من مختلف الاتّجاهات الأيديولوجية. إنّ فوز مرشّح حزب الجمهوريّة الإسلاميّة يعني بوضوحٍ نجاح القوى الثوريّة الدينيّة في تحقيق السيطرة على الثورة والدولة معًا، فهل سيتحقَّق الوفاق بين وظائف الرئاسة باعتبارها رمز الدولة، ووظائف المرشد باعتباره رمز الثورة؟ فاز علي خامنئي (-1939) بانتخابات الرئاسة الموالية في تشرين الأوّل / أكتوبر 981 1، بعدد أصواتٍ شبه مطلق بلغ 15 مليون صوت من بين نحو 16 مليون صوت مشارك. حقَّق خامنئي فوزًا مماثالتقريبًا في منافسات الرئاسة الموالية، ليستمرّ حكمه حتّى سنة.989 111مثّل فوز خامنئي بالرئاسة انتصارًا للتيّار الدّيني التّقليدي داخل تشكيلات القوى الثورية، وهو استمرارٌ أيضًا لسيطرة حزب الجمهوريّة الإسلاميّة القائم على فكر المُؤسِّس روح الله الخميني، على الرغم من أنّ التمايز لم يكن واضحًا في هذه المرحلة بين تلك القوى، لكنّه لم يصل بعدُ إلى درجة التعارض الذي رأيناه بعد وفاة الخميني سنة 9891، والذي ساهم حضوره إضافةً إلى ظروف الحرب العراقيّة الإيرانيّة والتصفيات الدمويّة التي طالت رموز الثورة وأعداءهم على السواء، في إخفاء حدّة الاختلافات الأيديولوجيّة بين يسار القوى الثوريّة الإسلاميّة ويمينها. لكن، كلّ ما سلف ذكره لم يمنع من بروز اصطدامات على مستوى مؤسَّسة الرئاسة، تارةً مع مجلس الشورى، وأخرى مع مرشد الثورة نفسه. ففي المرحلة الأولى من رئاسته، وجد خامنئي نفسه - مثل
سابقه بني صدر - مقيّدًا في اختيار رئيس وزرائه، إذ قاوم مجلس الشورى رغبة الرئيس في تكليف عيل أكبر ولايتي بتويلّمهمّة رئيس الوزراء، وفرض عليه في النهاية مير حسنيموسوي، اّ طبع علاقة الرجلنيبالتنافر طوال فترة عملهما معًا، وهو ما برَّر إلغاء منصب رئيس الوزراء في دستور 989 112. وعرفت رئاسة خامنئي سنة 9871 حادث اصطدام مع سلطة الوليّ الفقيه، وذلك عندما تدخّل الخميني بطريقةٍ مباشرة في عمل الحكومة، مجيزًا تطبيق قانون العمل من دون إتمامه المراحل القانونيّة اللاّزمة. ويمكن إجمال ذلك الحدثفي رفض مجلس المحافظة على الدّستور التّصويت على قانون العمل الذي أعدهّ مجلس الشّورى وعدّله ثماني مرّات، بحجّة مخالفته للإسالم، اّ اضطرّ وزير العمل إلى الاستعانة بالخميني الذي كان يمثّل أعلى سلطة في البلاد، فأجاز الخميني للوزير تطبيق القانون الذي شرّعه مجلس الشّورى من دون أن يُوافق عليه مجلس المحافظة على الدّستور. اغتنم وزير العمل فرصة سامح الخميني له بتطبيق ذلك القانون لِيُبادر بتوسيع صلاحيّاته وتطبيق عددٍ من القواننيالتي لم تتمّ إجراءاتها القانونيّة بعد، اّ أثار حفيظة رئيس الجمهوريّة حينئذ علي خامنئي، فخطب في صلاة الجمعة بتاريخ 31 كانون الأوّل / ديسمبر 987 1 مُدينًا توسّع وزير العمل بالاستفادة من إجازة الخميني الذي غضب من حديث الرئيس، ووجّه له رسالةً أكّد فيها على المفهوم المطلق لولاية الفقيه. وتُعدّ هذه الرسالة إلى اليوم وثيقةً ثمينةً في يد أنصار ولاية الفقيه المطلقة. تو علي أكبر هاشمي رفسنجاني - (1934) الرئاستين الخامسة والسادسة، بين عامي و 9899971 1. فاز في الدورة الأولى بأغلبيّة مطلقة وصلت إلى نحو 15 مليون صوت، بينما تراجع عدد الأصوات لرفسنجاني الفائز في الدورة الثانية إلى نحو عشرة ملايين صوت13. يُعدّ رفسنجاني من أعمدة نظام الجمهوريّة الإسلاميّة المؤسِّسين، وقد كان للرجل دورٌ أساسيٌّفي إقناع أعضاء مجلس الخبراء بأهليّة علي خامنئي لمنصب مرشد الثورة بعد وفاة الخميني سنة 989 1، لذلك اكتسب موقع الرئاسة في عهده قوّةً لم تكن لسابقيه. يشرح سلطان النعيمي هذا الأمر قائالً: "..أثبت الواقع أنّ هذه السلطة [التنفيذيّة] تستمدُّ مكانتها من شخصيّة من يمثِّلها، ومدى قوّة التيّار أو الجناح الذي ينتسب إليه، ولعلَّ الشخصيّة الوحيدة التي جسَّدت ما جاء في هذه المادّة [المادّة 113 من الدستور والتي تنصّ على أنّ الرئيس هو أعلى سلطة في البلاد بعد المرشد] هي هاشمي رفسنجاني، وهي بلا شكّ أقوى الشخصيات الإيرانيّة وإحدى الركائز الأصليّة في هذا النظام"14. وجدت رئاسة رفسنجاني نفسها أمام تحدّياتٍ اقتصاديّة كبيرةٍ بعد انتهاء الحرب، لذلك تبنّت برنامجًا اقتصاديًّا منفتحًا تحت شعار (البناء والتعمير) داخليًّا، واعتمدت سياسة براغماتيّة معتدلة خارجيًّا بهدف إخراج البلاد من عزلتها، بينما فضَّ لت المحافظة في ما يتّصل بالقضايا الثقافيّة والاجتماعيّة في الداخل15. لقي رفسنجاني في الدورة الأولى من رئاسته معارضةً من مجلس الشورى الذي كان تحت سيطرة اليسار الديني تجاه سياساته الاقتصاديّة المنفتحة، والهادفة إلى الخصخصة وتشجيع الاستثمار وحريّة التجارة، كما فرض عليه المجلس إقالة محمد خاتمي، وزير الثقافة حينئذ في حكومته بسبب توجّهاته المنفتحة في السياسة الثقافيّة للبلاد16. عرفت الدورة الثانية من رئاسة رفسنجاني سيطرة اليمين على مجلس الشورى، مّماّ أتاح حدًّا أدنىمن الانسجام، لم يخلُ من مواجهات وتجاذبات بين الطرفين. فعلى الرغم من إقرار الخميني قبيل وفاته سنة 989 1 تعديلات دستوريّة جديدة وسّعت صلاحيات المرشد، لم تعرف رئاسة هاشمي رفسنجاني بدورتيها بني و 9899971 1 اصطدامات ملحوظة مع مرشد الثورة علي خامنئي، بل كان رفسنجاني في الدورة الأولى من رئاسته في موقع الشخصيّة الأولى في النظام، جمع بين إدارة السلطة التنفيذيّة ورئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام، وكان الرجل أيضًا وراء معظم القرارات الكبرى للمرحلة، في حين كانت شخصيّة علي خامنئي أضعف في القيادة، وأقلّ بكثير من النموذج الذي قدّمه الخميني17. وفي الدورة الرئاسيّة الثانية بدأت تظهر اختلافات بين رفسنجاني الرئيس وخامنئي المرشد، وكان محلّ الاختلاف الأساس بينهما هو
الموقف من التعامل مع الغرب والثقافة الغربيّة. رفسنجاني بطبيعته البراغماتية كان يرى أنّ الوقت قد حان لتجديد النظر في بعض المواقف والمقولات السياسيّة الثورية، بينما كان خامنئي يرى في ذلك خروجًا على مبادئالتشيّع وخطّ مؤسِّس النظام روح الله الخميني، وهو ما دفع الطرفين إلى الدخول في حالةٍ من الاستقطاب بدأت بوادرها مع نهاية ولاية هاشمي رفسنجاني18. فقد برزت ميول خامنئي نحو تيّار اليمين المحافظ، بينما كان رفسنجاني براغماتيًّا ذا ميول تجديدية، وهي التطوّرات التي فسحت المجال لظهور تيّار جديد في الساحة السياسيّة الإيرانيّة بزعامة الرئيس الجديد محمد خاتمي. دخل محمد خاتمي (1943 -) إلى قصر الرئاسة في سنة 997 1 بدعمٍ من 0 2 مليون صوت، من بين نحو 9 اركوا في 2 مليون ناخب ش العملية، وارتفع هذا العدد في الدورة الثانية من رئاسته التي فاز فيها إلى نحو 22 مليون صوت19. كانت تجربة خاتمي الرئاسيّة تعبيرًا عن نضج مرحلةٍ تاريخيّة من مراجعات اليسار الديني، هذا التيّار الذي قام بدور الحارس المتشدِّد في الحفاظ على مبادئ الثورة قبل وفاة مؤسِّسها روح الله الخميني، ثمّ أصبح بعد وفاته رمزًا للتجديد وإعادة القراءة في مجمل التجربة. وهو التيّار الذي اشتهر إعلاميًّا ب "التيّار الإصلاحي"، وتشكَّل من قوى اليسار المعتدل واليسار المتشدِّد واليمين الوسطي. ونشريهنا إلى دور حلقة "كيان" التي أدَّت دور الحاضن الأوّل للمراجعات الفكريّة العميقة التي قام بها اليسار الديني الإيرانيّ. وكان "أعضاء (كيان) مزيجًا من الليبرالييّن واليسارييّن الذين يجتمعون أسبوعيًّا كلّ أربعاء في منزلٍ واحدٍ من الأعضاء، وكانت الجلسات تتضمّن نقاشاتٍ معرفيّة وفلسفيّة"20. قام مشروع "كيان" النظريّ على المراجعة الشاملة للأفكار الرائجة بنيجيلٍ كامل من أبناء الثورة الإسالميّة، ليخلص الجميع في النهاية إلى ضرورة المواءمة بني المبادئالإسالميّة والوطنيّة والغربية21. وقد كان لهذه المراجعات أثرٌ كبريٌ في الخطاب الأيديولوجي للرئيس محمد خاتمي، فالرجل لا يرى تعارضًا بين مبادئالتجربة الديمقراطيّة الغربيّة ومبادئ الثورة الإسلاميّة، فكانت شعاراته الرئاسيّة تعبيرًا عن هذا الدمج؛ ومن أهمّها: المجتمع المدني، واحرتام القانون، والتنوّع والتعدّديّة الفكرية، وحوار الحضارات. حاول خاتمي في رئاسته أن يكبح جموح نخبةٍ من الإصلاحييّن الراديكاليّني، إذ رفض محاولة البعض توظيف تجربة حكومته في إسقاط النظام وتقويض ولاية الفقيه23 التي كان مؤمنًا بضرورة اعتمادها أساسًا للنظام، مع تقييدها بمبادئالدستور. ففي دورته الرئاسيّة الأولى 002-1997(2) كان خاتمي مدعومًا بالسلطة التشريعيّة التي كانت تحت سيطرة اليسار، لكنّه لم يستطع تنفيذ برامجه لكون باقي المؤسّسات الدستوريّة المؤثِّرة في الحكم تقع تحت سيطرة اليمين المحافظ واليمين المتشدِّد، في حين ضعفت فرص خاتمي في دورته الرئاسيّة الثانية بعد عزوف ناخبيه عن انتخابات المجالس المحليّة (0032) ومجلس الشورى الإسلامي (004 2)، وتصويت أنصار التيّار المحافظ بكثافة لمرشّحيهم في تلك الانتخابات24. على عكس هاشمي رفسنجاني الذي أسَّس تجربته على مشروع البناء الاقتصادي، والتأثير القويّ في مرشد الثورة علي خامنئي، كان محمد خاتمي مبش رًِّا ثقافيًّا واجتماعيًّا، اعتمد آليّات الحوار مع المرشد، وابتعد عن كلّ مسبِّبات الاصطدام معه، اّ جعله أكثر انعطافًا واستجابةً لضغوط التيّار اليميني "المحافظون". لذلك اتّهِمَ محمد خاتمي من جانب التيّار الدّاعم له بخذلان النخبة الإصلاحيّة، والتراجع عن المبادئ والشِّعارات التي قادته إلى الرئاسة، بينما اشتهر الرجل إعلاميًّا في نهاية ولايته بوصفه "رئيسًا ذا صلاحياتٍ أقلّ من مواطنٍ عاديّ". أمّا شعبيًّا فظهر خاتمي في صورة رئيس خذل ناخبيه ولم يحقِّق شيئًا اّ وعد به.
-3 أحمدي نجاد وتجربة الرّئاسة
أسفرت النّتائج الاقتصاديّة الضعيفة لتجربة محمد خاتمي، وتفاقم حدّة الاختلافات داخل التيّار اليساري "الإصلاحيون" عن فوز أحمدي
نجاد -(1956) بالرئاسة في انتخابات سنة 005 2 والتي عرفت مشاركة نحو 28 مليون ناخب، مُحرزًا نحو 7 1 مليون صوت. وفي انتخابات سنة 009 2، والتي شارك فيها نحو 9 3 مليون ناخب، فاز أحمدي نجاد بأصوات نحو 24 مليون منهم25. ولم يعترف المنافسان الرئيسان المعارضان مير حسين موسوي ومهدي كروبي26 بهذه النتائج، واتّهما أجهزة النظام بتزويرها، وكان إعلانها سببًا في اندلاع احتجاجاتٍ حاشدة في إيران عُرفت إعلاميًّا ب"الحركة الخضراء"27. لم يكن محمود أحمدي نجاد معروفًا بما يكفي، كا أنّه لم يكن مدعومًا في حملته الانتخابيّة من الهيئات السياسيّة التي كان مقرّبًا منها. وكان خطابه السياسي موجّهًا بالأساس للفئات الشعبيّة الفقيرة، وأيديولوجيًّا يمكن اعتبار أحمدي نجاد طريقًا ثالثًا من داخل التيّار اليميني المحافظ، أثارت تجربته الرئاسيّة التي ستنتهي في صيف 013 2 جدالً كبيرًا في الداخل والخارج الإيرانيّ. ففي الداخل مرَّت رئاسته بأكر من محطّة صداميّة، كان معظمها ضدّ التيار اليميني المحافظ، بمن فيهم المراجع الدينيّة وأنصار المرشد خامنئي، وقيادات الحرس الثوري. أمّا أسباب الصِّدام فكانت في الغالب ثقافيّة، أو سياسيّة، أو قانونيّة. اّ جعل فترة رئاسة الرجل مادّةً دسمةً للمتابعين والدارسنيعلى السواء.
يعتقد كثيرون داخل إيران وخارجها، أنّ الرئيس نجاد لم يكن سوى وسيلة بيد المرشد علي خامنئي أعاد بها ترتيب المشهد السياسي بحسب رغباته، وقطع بها دابر التيّار الإصلاحي28. وقد عزَّز خضوع أحمدي نجاد في بداية رئاسته لإرادة خامنئي هذا التصوّر، لكن سرعان ما تغريّ الأمر في ولايته الثانية بعد سنة 009.2 ولذلك يستحقّ أحمدي نجاد لقب "الرئيس المختلف" بجدارة، فالناظر إلى سابقيه في تاريخ الرئاسة الإيرانية، سيجد أنّ تجربة الرجل تختلف كثيرًا عن تجارب سابقيه في تدبير منصب الرئاسة الإيرانيّة. كيف ذلك؟
أ. عقيدة أحمدي نجاد وفكره
لم يكن أحمدي نجاد يُروِّج لمشروعٍ ثقافيّ وأيديولوجيّ واضحٍ مثل محمد خاتمي، إلا أنّه كان صاحب عقيدةٍ وأفكارٍ لا يتردّد في التعبير عنها. ابتعد عن التلفيق بين النظريّات الإسالميّة والغربيّة، لكنّه لم ينجح في تقديم قناعاتِه ضمن منهجٍ فكريّ منسجمٍ يحظى بالحدّ الأدنىمن القبول، اّ جلب إليه الكثير من الانتقادات والمتاعب. ومتُ ثّل المهدويّة أهمَّ عنوانٍ عقديّ في خطاب أحمدي نجاد، فمنذ بداية رئاسته وهو يتحدَّث عن دور المهدي المنتظر في رئاسته وتدبير حكومته، ولم يتردَّد في التبشري أكر من مرّة بقدوم المهدي من على منبر الأمم المتّحدة. لقي هذا التوجّه انتقاداتٍ شديدةً من المرجعيات الدينيّة في قُم، ومن كلِّالأطياف السياسيّة الإيرانيّة. بل وأثار أيضًا حفيظة المرشد علي خامنئي الذي رأى فيه تراميًا على صلاحيّاته الدينية، وقد لمَّح في إحدى خطبه إلى ذلك، قائالً: "إنّ ادّعاء البعض أشياء غري واقعية، وبطرقٍ خرافيّة مثل رؤية الإمام المهدي والتشرّف بلقائه، والصلاة خلفه، هي برأيي ادّعاءات مخجلة وبدع باطلة تهدف إلى زعزعة هذه الحقيقة المضيئة في قلوب المؤمنين"29. لم يسبق لأيّ رئيسٍ إيرانيّ أن وظّف عقيدة المهدويّة في خطابه السياسيّ كما فعل أحمدي نجاد، الأمر الذي جعل خصومه السياسييّن ينظرون إلى ذلك التوظيف كمنافسة غير شريفة، وتغطية على فشله في إدارة البلاد. وإلى جانب المهدويّة، روَّج أحمدي نجاد خلال رئاسته أيضًا لمفهوم "الإسلام الإيرانيّ"، وهو مفهوم يسعى إلى المزج بين عناصر التشيّع الاثني عرشي ومقوّمات الثقافة الفارسيّة القديمة. إلاّ أنّ الفقهاء عدّوا النّظريّة محاولةً لهدم إسلاميّة الدّولة، واستهدافًا لعقيدة النّظام. ويبدو أنّ حديث نجاد عن "الإسالم الإيرانيّ" ليس إالّاستمالة للتيّار القومي الإيرانيّ، وبحثًا عن هُويّةٍ إيرانيّة متفرِّدة وبعيدة عن المجال العربيّ الإسالميّ. ويمثّل موقف أحمدي نجاد من المرأة تعبيرًا
ثقافيًّا متميزًا، إذ ع عن رفضه الحملات التي تشنّها الشرطة لملاحقة النساء في الشوارع بتهمة "عدم الالتزام بالحجاب"، كما سبق له أن عربّعن تأييده حضور النساء لمشاهدة مباريات كرة القدم. ويرى خصوم أحمدي نجاد في معسكر اليمين المحافظ أنَّ الرئيس في عقيدته وتصوّراته الفكريّة والثقافيّة يخضع لتأثير صهره ورئيس مكتبه السابق اسفنديار رحيم مشائي30، والذي يتّهمونه بتزعّم (التيّار المنحرف)31، وقد سبق لأحمدي نجاد أن حاول تعيينه نائبًا له في بداية رئاسته، لكنّ تدخّل خامنئي منعه من المضيّ في هذا القرار32.
ب. خطاب أحمدي نجاد
قدّم أحمدي نجاد نفسه للمجتمع الإيرانيّ باعتباره منقذًا يستطيع تحقيق آمال الشعب، لذلك كان خطابه السياسيّ مؤسَّسًا على مجموعة من الشِّعارات الموجِّهة للفقراء والمحرومين، ومن أهمّها: "توزيع أموال البترول على الفقراء"، "تشغيل العاطلين"، "فضح المفسدين ومحاربة الفساد المالي والاقتصادي"، "خدمة الشعب"33.
إنّ مشكلة إيران بحسب رأي نجاد هي غياب العدالة الاجتماعية، وليست الحاجة إلى الديمقراطيّة. يمكن أن يكون هذا التصوّر نوعًا من "الشعبوية" التي تسعى إلى استمالة عواطف الناس بتسطيح المشاكل وتجاهل جذورها العميقة، لكن البعض يراها ردَّة فعلٍ طبيعيّة على سياسات سابقيه، رفسنجاني وخاتمي. يشرح تييري كوفيل هذا الأمر بقوله: "..اختار الرَّئيس الجديد كامأعلن في حملته الانتخابيّة العمل لأجل (إيرانيِّي الشارع)، الفقير المؤمن، وضدّ (الكادر الفاسد). رمزيًّا كان الشيخ هاشمي رفسنجاني قد قام بدور القائد البراغماتي و (الداهية)، الذي سيعمِّر إيران، وكان سيد محمد خاتمي قد قام بدور المثقّف الدينيّ والحداثي، أمّا أحمدي نجاد فهو يريد أن يكون (خادم الشعب)"34. ومن مفارقات خطاب أحمدي نجاد غير المسبوقة في تاريخ الرئاسة الإيرانيّة، اعتماده لغة الخطاب الشّعبي اليومي، إذ تعمَّد الرجل أن يخاطب الشّعب أو مجلس الشورى الإسالميّ أو الصحافة بلغة الشارع الإيرانيّ، وهي لغة تخلو من أدبيّات النخبة وأساليب الطبقة السياسيّة، ويكر فيها استخدام الفذلكات اللغويّة والأمثال والحكايات، وقد سبق لأعضاء في مجلس الشورى أن قدَّموا احتجاجًا للرئيس دعوه فيه إلى رفع مستوى لغة خطابه، وتجنّب ابتذال منصب رئيس الجمهوريّة. ولئناستفاد نجاد من خطابه الشعبوي في بداية السنوات الأولى من رئاسته، فإنَّ ذلك الخطاب قد جرّ عليه سخط الطبقات الفقيرة في الدورة الثانية من رئاسته، خاصّةً بعد اشتداد الحصار الاقتصادي وانهيار العملة المحلّية، وغلاء الأسعار، لكنَّ نجاد حمّل القوى النافذة في النظام مسؤوليّة فشل برامجه، ملمِّحًا للحرس الثوريّ ومحيط خامنئي.
ج. أحمدي نجاد بين الاضطراب والاصطدام
يُنظر إلى رئاسة أحمدي نجاد على أنّها أكر التجارب الرئاسيّة في إيران اضطرابًا في تدبيرها، واصطدامًا مع المؤسّسات الدستوريّة والخصوم السياسييّن والمرجعيّات الدينية. يصف مدحت أحمد حماد فترة رئاسة أحمدي نجاد بالمضطربة، ويرى أنَّ الرجل مدفوعٌ به نحو الرئاسة بهدف إثارة الأجواء الداخليّة والخارجيّة، يقول حماد: "إنَّ النظام السياسي الإيرانيّ كان يدرك جيّدًا حقيقة السِّات الشخصيّة لأحمدي نجاد، ورمبّ ا كان قراره بالدفع به لانتخابات رئاسة الجمهوريّة إمنّ ا كان عمالعمديًّا ومقصودًا لذاته
انطلاقًا من قناعةٍ مفادها أنَّ النظام السياسي الإيرانيّ في حاجةٍ الآن إلى شخصيّة اضطرابية، أي مثيرة للقلق والاضطراب.."35. بغضّ النظر عن الدوافع التي كانت وراء الساح لأحمدي نجاد بدخول حلبة السباق الرئاسي، فقد تركت تجربته المضطربة في قيادة السلطة التنفيذيّة أثرًا بالغًا في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة الإيرانيّة، وفي منصب الرئاسة خصوصًا. ويمكن رصد اضطرابات أحمدي نجاد العقدي. الرئاسيّة واصطداماته من خلال عدّة عناوين، من أبرزها:
كثرة الإقالات
يُعدّ أحمدي نجاد من أكر الرؤساء الإيرانييّن إقالةً لفريقه الحكومي، فقد أقال 13 وزيرًا، كان آخرهم وزير المخابرات حيدر مصلحي الذي عاد إلى منصبه بقرارٍ من المرشد علي خامنئي في 9 1 نيسان / أبريل 011 2. وقبله أقال وزير الخارجيّة السّابق منوشهر متكي في 13 كانون الأوّل / ديسمبر 010 2، وهو في مهمّة رسميّة خارج البلاد، بينما بلغ عدد المستشارين الذين أقالهم نجاد نحو 14 مستشارًا36.
الاصطدام بالمرجعيات الدينيّة
لم يسبق لأيّ رئيس إيرانيّ أن اصطدم بالمرجعيّة الدينيّة كما حدث مع أحمدي نجاد. وتعود أسباب هذا الاصطدام بالأساس إلى إصرار نجاد على موضوع "المهدوية"، والذي عدهّ آيات الله استفزازًا للمرجعيّات، لأنّه جرأة من غير المتخصّص، وتقويض للمؤسَّسة الدينية، وفي نظر أنصار خامنئي تطاول عىلصلاحيات الوليّ الفقيه. هناك أيضًا قناعة متأصّلة عند نجاد بفساد الكثير من الشخصيات الدينيّة، لتورّطهم في قضايا اختالس ورشىً، وامتيازاتٍ ضريبيّة واقتصاديّة غير مشروعة، وقد فشل نجاد في محاصرة هؤلاء، وذلك بعد فشل خطّة تسريبات عُرفت في الصحافة الإيرانيّة ب "تسريبات باليزارد". وهي تسريبات قام بها عباس باليزارد الرئيس السابق لمكتب دراسات البنية التحتيّة في مركز أبحاثمجلس الشورى الإسلامي، ومراجع الحسابات في المحكمة العليا بشأن ملفّات الفساد، وتتضمَّن اتّهاماتٍ صريحةً بالفساد المالي والاقتصادي لنحو 44 شخصيّة مؤثِّرة في النظام، من بينها تسْع شخصيّات دينيّة معروفة. اتُّهم باليزارد بالمساس بالأمن القومي، وعند لحظة. التحقيق معه اعترف بأنّ أحمدي نجاد كان وراء تلك التسريبات بهدف النّيل من خصومه السياسيِيّن37. وفي المقابل، يرفع الفقهاء المقرّبون من خامنئي مجموعة من العناوين يبرِّرون بها سخطهم على نجاد، وهي: مواقفه بخصوص المرأة، وحديثه عن الإسلام الإيرانيّ، وقربه من اسفنديار رحيم مشائي المتّهم بالانحراف
الاصطدام بمجلس الشورى
على الرغم من سيطرة التيّار اليميني المقرّب من خامنئي على مجلس الشورى، فإنَّه لم يكن يومًا موافقًا على توجّهات نجاد وسياساته، إذ ظلَّ المجلس طوال السنوات الماضية معاكسًا للرجل، ومعرقاللبرامجه في كلّ المجالات، وظلَّ الطرفان إلى اليوم يتبادلان الاتّهامات في ما بينهما. ويمكن أن نذكر هنا موقف المجلس في بداية رئاسة نجاد، فقد رفض ترشيحاته الوزاريّة لأكر من وزارة، خاصّةً وزارة النفط التي تمثّل حجر الزاوية في وعوده الانتخابيّة، وذلك بتطهيرها من الفساد. لقد رفض المجلس لثلاثمرّات مرشَّحي الرئيس، وهي المرّة الأولى التي يحصل فيها هذا الرفض لوزير النفط المرشَّح من الرئيس في تاريخ حكومات الجمهوريّة الإسلاميّة38. تعمَّق الاصطدام بين الطرفين بخصوص مجموعة من القوانين التي رآها المجلس مخالفة للدستور، وبلغالصراع بينهامأوجه عندما استدعى المجلس أحمدي نجاد للمساءلة في آذار/ مارس 012 2، وهي المرّة الأولى التي تجري فيها مساءلة الرئيس في مجلس الشورى الإسالميّ39، وكاد هذا الأمر يتكرَّر في تشرين الأول / أكتوبر 012 2 تحت عنوان عدم كفاءة الرئيس في إدارة أزمة انهيار العملة الإيرانيّة، لكنَّ تدخُّل خامنئي أوقف هذا المسار في لحظاته الأخيرة، بحجّة أنَّ مساءلة الرئيس فيها إضعاف للنظام. يتّهم أحمدي نجاد مجلس الشورى بالعرقلة الدائمة لبرامجه، بينما يتّهمه المجلس بعدم احترام الدستور والقوانين، وعدم الكفاءة في إدارة البلاد، ويتحدَّث مجموعة من أعضاء المجلس عن وجود نحو 0 4 ملفًّا جاهزًا من المخالفات القانونيّة للرئيس، ويمكن تقديمها للقضاء في أيّ
أحمدي نجاد والسلطة القضائيّة
تُضاف السلطة القضائيّة إلى الجهات والمؤسّسات التي اصطدم معها الرئيس، ويُعدّ منعه من زيارة سجن (إفين) في طهران في تشرين الأوّل/ أكتوبر 012 2 من أهمّ محطّات الاصطدام بين الطرفين. فالدستور يعدّ السلطة القضائيّة المتكفِّل الوحيد في الدولة بإدارة السجون. وقد برز نجاد في هذا الموقف كموظّف حكوميّ فقط، ولم تنفعه صفته الرئاسيّة في انتزاع زيارة إلى سجن العاصمة.
أحمدي نجاد وخامنئي
يعدّ الصِّدام بين أحمدي نجاد ومرشد الثّورة عيل خامنئي، أكر محطّات الرئيس الصِّداميّة التي فاجأت المراقبين، وهي التي قلبت النظرة إلى الرجل. فبعد أن كان أحمدي نجاد في دورته الرئاسيّة الأولى في موقف الرئيس المطيع للمرشد، وقد نال وقتها شهادة تزكية استثنائيّة منه40، أصبحنا في الدورة الرئاسيّة الثانية أمام رئيسٍ يواجه المرشد، ورمبّ ا ينازعه في سلطاته الدينيّة والدنيوية. كان موضوع المهدويّة عند نجاد أمرًا مزعجًا لخامنئي، فهو استفزاز للوليّ الفقيه باعتباره الشخص الوحيد في النظام الذي يملك مفتاح هذا الموضوع. وهو النائب الَّعي للإمام المهدي، والقائم بأمره إلى حين ظهوره، وأيّ جهة تسعى للتبشير بقرب عودته هي في الحقيقة لا تبش رِّ سوى بنهاية سلطة الوليّ الفقيه، وانحسار سلطة الفقهاء والمؤسَّسة الدينيّة الشيعيّة. كانت إقالة نجاد لمنوشهر متكيوزير الخارجيّة المحسوب على خامنئي، إعلانًا للخلاف بين الرجلين في إدارة القضايا الخارجيّة، خاصّةً أنّ خامنئي قد أحبط قبل ذلك محاولةً من نجاد لتأسيس خليّة من المستشارين في الرئاسة كانت مهمّتهم مباشرة ملفّات دوليّة. وعندما حاول نجاد أن يكرِّر الموقف ذاته مع حيدر مصلحي وزير المخابرات المحسوب أيضًا على خامنئي، تدخَّل المرشد، وأعاد الرجل إلى منصبه، فكان الموقف سببًا في تفجّر أزمة غير مسبوقة في تاريخ صراع الرئاسة والمرشد، إذ اعتكف نجاد في بيته لمدّة عشرة أيّام احتجاجًا على تدخّل خامنئي، اّ جرَّ عليه اتّهاماتٍ بعصيان الوليّ الفقيه41.
أحمدي نجاد والحرس الثوري
توتَّرت العلاقة بنيأحمدي نجاد والحرس الثوري عندما شرعت الحكومة في ممارسة الرقابة على أنشطة الحرس الاقتصاديّة والتجاريّة. وهو التصعيد الذي بلغأوجه بتصريحات تلفزيونيّة لأحمدي نجاد اتّهم فيها الحرس الثوري باستغلال موانئصغيرة لتهريب السلع والعملة42. وسعيًا منه لإبعاد الحرس الثوريّ عن مواقع حسَّاسة في حكومته، أقال نجاد في شباط / فبراير 0102 وزير النفط مير كاظمي، وحاول إقالة وزير المخابرات حيدر مصلحي في نيسان / أبريل 011 2، والرجلان من الشخصيات التابعة للحرس الثوري في حكومته. وفي المقابل، كانت ردّة فعل الحرس الثوريّ سريعة، إذ تعرَّضت مجموعة من الشخصيَّات الحكوميّة والاقتصاديّة الموالية لنجاد للإقالة أو الاعتقال والمحاكمة بتهم الانحراف العقدي والفساد الماليّ والإداريّ43.
أحمدي نجاد وآخرون
اصطدم أحمدي نجاد في حملته الانتخابيّة سنة 0092 مع رئيس مجمَّع تشخيص مصلحة النظام، ورئيس مجلس الخبراء سابقًا هاشمي رفسنجاني، وذلك بعد أن اتّهم أسرته في مناظرة تلفزيونيّة بالفساد الماليّ والاقتصاديّ، وقد تسبَّبت هذه الاتّهامات في توتير العلاقة بين رفسنجاني والمرشد خامنئي الذي كان حينها داعما لأحمدي نجاد. كما اصطدم نجاد أيضًا مع قيادات تيّار اليسار الديني (الإصلاحيون) وأنصاره، وكان متحمّسًا للاعتقالات والمحاكمات التي تعرَّض لها وزراء ومثقّفون وديبلوماسيون من الإصلاحييّن، ويعدّ هؤلاء أحمدي نجاد
مسؤوالً مباشرًا عن كلّ التجاوزات والاعتداءات التي لحقتهم بعد أحداث انتخابات 009 2.
نجاد وقضايا الفساد
كان شعار "محاربة الفساد الماليّ والاقتصاديّ" من أبرز الشِّعارات التي ظلَّ أحمدي نجاد يردِّدها بقوّة طوال سنوات رئاسته الأولى. وقد صاحب ذلك تهديده بكشف ملفّاتٍ ووثائق تفضح تورّط جهات نافذة في قضايا فسادٍ ماليّ واقتصاديّ، وقد تكون "تسريبات باليزارد" خطوةً في هذا الاتّجاه. لكن المفاجأة التي حدثت عند الجميع هي الاتّهامات والاعتقالات في صفوف مقرّبين من أحمدي نجاد في قضايا فسادٍ ماليّ غير مسبوقة، وكان أهمّها قضيّة الملياردير الإيراني أمير منصور خرسوي التي هزَّت إيران سنة 011 2، وصفها رئيس وحدة التّحقيق القضائي بأنّها من أكبر قضايا الفساد الماليّ في تاريخ إيران. فقد جرى فيها الاستيلاء على ما يقارب ثلاثة مليارات دولار، وتهريبها على ما يبدو خارج البلاد، والمتّهم الرّئيس في القضيّة هو الملياردير أمير منصور خسروي الذي احتال على بنوكٍ إيرانيّة عدّة منذ عام 007 2 بناءً على سلسلة من القروض المصرفيّة، جرى سحبها من مصارفَ عدّة كان أبرزها "بنك صادرات إيران". وهي قروض ماليّة كانت تُستخدم لشراء الرشكات المخصخصة من جانب الدولة، لتستخدم هذه الشركات كضمان للحصول على قروض أكبر44. ويتّهم أنصار خامنئي اسفنديار مشائي مدير مكتب أحمدي نجاد وصهره بتسهيل عمليات الملياردير منصور عبر شبكة من الموظّفين. استنكر أحمدي نجاد الاتّهامات التي طالت مقرّبيه، وعدّها تصفيةً سياسيّةً لفريقه الذي وقف أمام المفسدين المتحكّمين في السلطة والروة في إيران. حاول أحمدي نجاد أن يُعيد لمنصب الرئاسة وهجه الثوريّ، وكان منهجه مفيدًا لمرشد الثّورة علي خامنئي وأنصاره من حيث فاعليته في تحييد تيّار اليسار الديني (الإصلاحيون) المروِّج لقراءات جديدة للثورة الإسالميّة ومقولاتها الكبرى. لكنّه لم يكن مفيدًا للمرشد من جهة كونه يطرح ازدواجيّة التمثيل السياسي والديني للثورة وشرعيّتها، وهو ما يراه المرشد مساسًا بصلاحياته، في حين قادت قراءة أحمدي نجاد المبسِّطة للأزمة في الجمهوريّة الإسالميّة إلى الدخول في مسارٍ من الاضطرابات والصدامات مع جهاتٍ وشخصيّاتٍ يُعدّ بعضها من ركائز النظام. وبينما يؤمن أحمدي نجاد بكون رئاسته للجمهوريّة الإسالميّة هي رئاسة استثنائيّة غير مسبوقة من حيث الإنجازات والمكاسب الماديّة والمعنويّة التي حقّقتها، على الرغم اّ واجهه من حصارٍ ومعاكسة من أجهزة النظام، يرى خصومه أنّ رئاسته بالفعل استثنائيّة، لكن في الاتّجاه السلبي، بالنظر إلى هزال حصيلتها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.
-4 مؤسَّ سة الرئاسة الإيرانيّة وجدل التغيير
لا يفصلنا اليوم عن نهاية رئاسة أحمدي نجاد سوى بضعة أشهرٍ، وهي الفترة التي يودّ المرشد علي خامنئي أن تمرّ من دون مشاكل وأزمات إضافية، إذ يبدو أنّ كلفة نجاد بالنسبة إليه أصبحت باهظة بعد أن سانده في سنة 009 2. وقد تؤدّي إخفاقات أخرى لنجاد إلى المزيد من التعرية لاختيار خامنئي وفشله في التقدير، في مرحلة يواجه فيها سيالً من الاتّهامات في الداخل والخارج تحمِّله مسؤوليّة ما آلت إليه البلاد، وما يمكن أن تؤول إليه مستقبالفي ظلّ حصارٍ اقتصادي خانق وانسدادٍ سياسي وعزلة عن العالم. ولا شكَّ في أنّ المنهج الذي سلكه أنصار علي خامنئي تجاه أحمدي نجاد منذ سنتين تقريبًا، قد بدأ يعطي ثماره بالفعل، وذلك حين عمل هؤلاء على تحييد الشخصيات المحسوبة على تيّار نجاد من مؤسَّساتٍ وأجهزة حكوميّة. فأنصار المرشد ومستشاروه مشغولون كثيرًا بمصير هذا التيّار بعد انتهاء ولاية نجاد، ومن المهمّ بالنسبة إليهم أن يجري تحجيم فاعليتهم وإضعاف تأثيرهم، حتّى لا تتكرَّر تجربة رئاسيّة أخرى مشابهة لتجربة أحمدي نجاد. في حديثٍ موجَّه لأصحاب هذا التوجّه، حذَّر أحمدي نجاد في بداية كانون الأوّل / ديسمبر 012 2 من خطط جماعة تروِّج لاسم الرئيس الإيرانيّ المقبل، وتسعى للتلاعب بأصوات الشعب. وأضاف أنّ انتخاب الرئيس ينبغي أن يبقى حرًّا، ولا حقَّ لأيّ مجموعةٍ في التدخّل فيه أو توجيهه وفق رغباتها. وفي سياق رفضه أيّ تغيير يطال قانون الانتخابات الرئاسيّة، لم يتردَّد نجاد في المقارنة بين آليّة انتخاب الرئيس وآليّة انتخاب
المرشد45. وباعتقادنا تستبطن هذه المقارنة تمجيد شرعيّة رئيس الجمهوريّة المنتخب مباشرةً من الشعب من دون وسيط. وانتقادًا لتدخلّات مجلس الشورى، قال نجاد: "يعتقد البعض، ومثل ما كان الوضع في زمن الاستبداد القاجاري، أنّ حقوق الشّعب تتبلور كلّها في مجلس الشورى، بينما الأمر ليس كذلك، فمكاسب الشّعب والثّورة لا تتلخّص في المجلس فقط"46. ويندرج هذا الموقف طبعًا ضمن صراع الشرعيّة والصلاحيّات، فأحمدي نجاد - مثل بقيّة الرّؤساء السّابقين - يعتقد أنَّ التأييد الشّعبي الذي يحصل عليه، يؤهِّله لتنفيذ برنامجه الانتخابي، ولا يحقّ لأيّ جهةٍ، سواء كانت المرشد أو المجلس، أن تُحجِّم من سلطة الرئيس. ويسعى أحمدي نجاد بقوّة لإيقاف مرشوع "إصالح قانون الانتخابات" الذي يجري إعداده في مجلس الشورى، ويسعى أصحابه الموالون للمرشد إلى استخدامه سالحًا في وجه أنصار نجاد، ورمبّ ا في وجه خطط هاشمي رفسنجاني للعودة إلى الرئاسة في الصيف المقبل. ويبدو واضحًا من حديث أحمدي نجاد أنّه استشعر استهدافًا مباشرًا لمقرّبين منه ينتظر أن يقدِّموا ترشيحاتهم للرئاسة، إذ إضافةً إلى بنودٍ تضيف شروطًا جديدة إلى الشروط المنصوص عليها دستوريًّا، فمن المتوقَّع أن يحرم القانون المذكور في حال الموافقة عليه الحكومة من مهمّة الإشراف على الانتخابات الرئاسية، وذلك بالنصّ على تأسيس لجنة تقوم بهذه المهمّة برئاسة النائب العامّ. إنَّ الصرِّاع الدائر حاليًّا بين أحمدي نجاد والمرشد علي خامنئي ومجلس الشورى الإسالمي، يعيدنا إلى مقدّمة هذه الورقة، ونقصد معادلة الولاية الشعبيّة والولاية الإلهيّة، وبوضوحٍ أكر معادلة الرئيس/المرشد، وهي المعضلة المستحكمة في بنية النظام السياسي الإيرانيّ. يبدو أنَّ حلَّ هذه المعضلة في نظر مرشد الثورة علي خامنئي هو تحقيق الحدِّ الأقصىمن التوافق والتطابق بين مؤسَّسة مرشد الثورة وباقي المؤسَّسات المنتخبَة، بما فيها مؤسَّسة الرئاسة، ففي اعتقاد الرجل لم يعد هناك أمام النظام خيارات أخرى بعد عشر تجاربَ رئاسيّة، شهدت كلّها وبدرجاتٍ متفاوتة، اصطداماتٍ بين الطرفين، فالحفاظعلى نظام الجمهوريّة الإسالميّة وضمان استمراره من أولويّات خامنئي المطلقة. ولتنفيذ هذه القناعة على المدى القريب، من المرجَّح أن يلجأ خامنئي مستخدمًا وسائل دستوريّة، إلى منع وصول رئيس غير متوافق معه إلى منصب الرئاسة في حزيران / يونيو 013 2. وينطبق هذا الأمر أيضًا على مجلس الشورى الإسلامي. أمّا على المدى المتوسّط والطويل، فمن المحتمل جدًّا أن يلجأ خامنئي إلى الدَّفع بمشروع الرِّئاسة البرلمانيّة، إذ سبق له أن تحدَّثعن ضرورة إعادة هندسة نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، مشريًا إلى إمكانيّة استبدال نظام الرئاسة المباشرة بالرئاسة البرلمانيّة التي تحصر مهمّة انتخاب رئيس الجمهوريّة في البرلمان. من الواضح إذن أنّ مؤسَّسة الرئاسة الإيرانيّة تعاني من فشلٍ شاملٍ في أداء وظيفتها المفترَضة دستوريًّا، وهي تجسيد السِّيادة الشعبية، وتدبريأحوال الدولة والمجتمع الآنيّة والمستقبليّة. ومن المستبعد في اعتقادي أن تنجح الإجراءات الاحتوائيّة السياسيّة والدستوريّة في معالجة هذا الفشل، ذلك أنّ أسبابه تعود إلى القصور الحاصل في نظريّة ولاية الفقيه، والذي انعكس بدوره عىلهيكلة النظام كما يرسمها الدستور. وعليه، فإنَّ تجاوز مؤسَّسة الرئاسة في الجمهوريّة الإسالميّة لمعضلتها البنيويّة، يفرض على قيادة النظام التوجّه نحو القيام بمراجعات عميقة لنظريّة ولاية الفقيه، على اعتبار أنّها اجتهادٌ برشيّ برز ضمن شروطٍ تاريخيّة ومعرفيّة أصبحت متجاوزَة اليوم، وقد يشكِّل جهد بعض المرجعيات الفقهيّة والمفكّرين الإيرانييّن والعرب على السواء، نقطةَ انطلاقٍ ملائمة في هذا السّياق. وستكون هذه المراجعة النظريّة مقدّمةً طبيعيةً لأيّ إصلاحٍ دستوريّ يعيد الاعتبار لمفهوم السِّيادة الشعبية، ولحريّة المجتمع في اتّخاذ قراراته وتحديد مصيره. وختامًا، لا يمكن للنظام الإيرانيّ أن ينجح في هذا المسعى من دون أن يفتح باب المصالحة والوفاق الوطني بين مختلف القوى السياسيّة والمجتمعيّة في الداخل والخارج، وينبغي لهذا القرار السياسيّ أن يكون تعبيرًا عن صيرورة شاملة تُخرج إيران من أزماتها التاريخيّة والثقافيّة.