مواقف الجيوش من الثوراّت

The Attitudes of Armies Toward Revolutions

زولتان براني *

الملخّص

تستعرض هذه الورقة المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في موقف الجيش من الثورة، وهيّ كثيرةٌ ومتنوعة، وتختلف باختلاف طبيعة الجيوش والمجتمع الذي ينبثق منه، والبيئة الدولية التي يوجد فيها. انطلاقًا من ذلك، يرى الباحث أن مصير الثورات يتحدّد – مع استثناءات الملخص التنفيذي نادرة- بسلوك الجيش، سواء في انحيازه إليها أو للنظام القائم لمواجهتها. يتطرق الباحث أيضًا إلى العوامل المجتمعية ودورها في تحديد سلوك الجيش وموقفه من الثورات، لا سيما في المجتمعات المتعدّدة إثنيًا أو دينيا أو طائفيًا. ويقدّم الباحث النموذج السوريّ مثالا واضحًا ضمن الثورات والانتفاضات العربيّة. ويخلص الباحث في نهاية ورقته إلى أن توقّع سلوك الجيوش تجاه الثورات ليس على درجة واحدة من السهولة أو الصعوبة في جميع الحالات، نظرا لكثرة العوامل التي يحتمل أن تؤثر فيها.ّ

Abstract

This paper examines the variables that could affect the attitude of armies towards revolutions. These variables are numerous and diverse, and they differ depending on the nature of the armies and the societies from which they emerge, as well as the international climate in which they exist. As such, the paper argues that the fate of revolutions is determined - with rare exceptions - by the attitude of the army in terms of its bias toward the revolution or toward the existing regime confronting it. The paper also explores societal factors and their role in determining the behavior of the army and its attitude towards revolution, especially in societies characterized by ethnic, religious, and sectarian diversity. The paper looks to Syria as a clear model of the phenomenon within the context of Arab revolutions and uprisings. The paper concludes that the ease or difficulty of predicting the behavior of armies towards revolutions varies between different cases given the multiplicity of factors that could affect it.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

تستعرض هذه الورقة المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في موقف الجيش من الثورة، وهيّ كثيرةٌ ومتنوعة، وتختلف باختلاف طبيعة الجيوش والمجتمع الذي ينبثق منه، والبيئة الدولية التي يوجد فيها. انطلاقًا من ذلك، يرى الباحث أن مصير الثورات يتحدّد – مع استثناءات الملخص التنفيذي

نادرة- بسلوك الجيش، سواء في انحيازه إليها أو للنظام القائم لمواجهتها. يتطرق الباحث أيضًا إلى العوامل المجتمعية ودورها في تحديد سلوك الجيش وموقفه من الثورات، لا سيما في المجتمعات المتعدّدة إثنيًا أو دينيا أو طائفيًا. ويقدّم الباحث النموذج السوريّ مثالا واضحًا ضمن الثورات والانتفاضات العربيّة. ويخلص الباحث في نهاية ورقته إلى أن توقّع سلوك الجيوش تجاه الثورات ليس على درجة واحدة من السهولة أو الصعوبة في جميع الحالات، نظرا لكثرة العوامل التي يحتمل أن تؤثر فيها.ّ

أثبتت الانتفاضات الأخيرة الواقعة في الشّق الأوسط وشمال أفريقيا مرّةً أخرى، أنّ علماء الاجتماع – فضلً عن السّياسييّن والمحلِّلين الاستخباراتييّن - يفتقرون إلى المقدرة على التنبّؤ بالثّورات. إذ يمكن أن نلاحظ بدقّةٍ ظهور جميع أعراض نضوج الثّورة على بلدٍ ما أو منطقةٍ ما، على غرار ما فعل لينين لمّا تكهّن بمستقبل أوروبّا وقال كلماته الشّهيرة: "أوروبّا حبلى بالثّورة". لكنّنا لا نعرف متى تندلع الثّورة فيها فعليًّا، هذا إن اندلعت بالفعل. ومن المدهش أن يستمرّ نظامٌ استبداديٌّ في الوجود العقد تلو الآخر، ثمّ يتسبّب حدثٌ تافهٌ في ظاهره في اندلاع ثورةٍ عارمةٍ ضدّه؛ قد تعمّ المنطقةَ برمّتها في حالاتٍ نادرةٍ. ومثالً على تلك الأحداث، نذكر توزيع مناشير تنتقد الملك في صقليّة في كانون الثّاني / يناير 8481، وإهانة موظّف بلديّةٍ لبائعِ خضرٍ في تونس في كانون الأوّل / ديسمبر.2010 وعلى الرّغم من تواصل حيرتنا تجاه سبب انطلاق شرارة الثّورات، فإنّنا على علمٍ بأمرٍ في غاية الأهميّة بشأنها: لا يمكن للثّورات أن تنجح بعد انطلاقها - إلّ في ما ندر- من دون دعمٍ من الجهاز القمعيّ للنِّظام، وبالخصوص الجيش النِّظامي. لقد لاحظ لينين أنّه "لا يمكن لثورةٍ جماهيريّةٍ أن تنتصر، من دون مساعدة قطاعٍ من القوّات المسلّحة الدّاعمة للنِّظام القديم". وكان رأي أندرز جيفسكي واضحًا، عندما قال إنّ "الثّورة لا يمكن أن تنتصر، مادامت الحكومة تحظى بولاء القوّات المسلّحة". وأيّدت الدّراستان المهمّتان- اللّتان ركّزتا على دور الجيش في الأزمات الثّورية - هذا التصوّر، من خلال استنتاج أنّ مصيرَ الثّورات هو الفشلُ، إذا ما بقي الجيش على حاله واستخدمه النِّظام القائم بفعاليّة. من المؤكّد أنّ موقف الجيش من الثّورة، ليس العامل الوحيد الذي يسمح لنا بالتّنبّؤ بنجاحها في استئصال النّظام القائم أو فشلها في ذلك. فالمسألة المهمّة هنا، هي أنّ دعم الجيش للثّورة - أو حياده على الأقلّ - شرطٌ ضروريٌ لانتصارها. وإذا ما استطعنا التنبّؤ بموقف الجيش من

1 V. I. Lenin, “Lecture on the 1905 Revolution”, Collected Works (Moscow: Progress Publishers, 1964), vol. 23, p. 253. 2 Cited by D. E. H. Russell, Rebellion Revolution, and Armed Force (London: Academic Press, 1974), p. 3. 3 Stanislaw Andrzejewski, Military Organization and Society (London: Routledge & Kegan Paul, 1954), p. 71. 4 Katherine Chorley, Armies and the Art of Revolution (London: Faber & Faber, 1943); & Russell, Rebellion Revolution, and Armed Force.

الثّورة، فسنكون في موقعٍ قويٍّ يسمح لنا بالتّكهّن بمصيرها. فلماذا تتصرّف الجيوش تجاه الثّورات بهذه الكيفيّة؟ وما الذي يقرِّر إن كانت ستدعم النِّظام القديم، أم الثوّار، أم سيتوزّع ولاؤها بين الطّرفين؟ هل يمكن توقّع ردّة فعل الجنرالات تجاه الثّورة في سياقٍ معيّ؟

إنّ كثرة المتغيّ ات التي يمكن أن تؤثّر في موقف الجيش من الثّورة، هي ما يجعل إجراء قراءةٍ صحيحةٍ بالكامل لوقائع تلك الثّورة أمرًا صعبًا. لكنّني أعتقد أنّه بالإمكان الخروج فعلً برأيٍ دقيقٍ حول مواقف الجيوش من الثّورات؛ إذا امتلكنا معرفةً كافيةً عن الجيش والدّولة التي يُفترض أن يخدمها، وعن المجتمع الذي انبثق منه، والبيئة الدّولية التي يوجد فيها. ولقد حاول باحثون عديدون تفسير الاعتبارات التي يضعها الجيش في حسبانه عندما يقرّر موقفه وسلوكه تجاه الثّورة. فأورد بعضهم عدّة عوامل مفسّة لذلك في سياق دراستهم لهذه الظاهرة، في حين أولى آخرون لمتغيِّ واحدٍ أهميّةً تفوق ما لسائر المتغيِّ ات من قيمة. بيد أنّ اهتماماتهم، قد انصبّت في معظم الحالات إمّا على سمات القوّات المسلّحة أو على طبيعة النّظام أو على ملامح المجتمع. وأزعم في هذا السّياق أنَّ اعتماد منهجيّةٍ أكثر شموليّةً، تأخذ بعين الاعتبار جميع المصادر الرّئيسة التي يستقي منها الجيش معلوماته، من شأنه ليس فقط أن يُؤدّي إلى آراء أكثر دقّةً بشأن الموقف المرجَّح من الثّورة، بل إنّه يوسّع أيضًا مجال تطابق هذه الآراء مع أوضاع مختلفةٍ. تخيّل معي السّيناريو التّالي: أنت محلِّلٌ في منظّمةٍ استخباراتيّةٍ، ومهمّتك تقديم المشورة للحكومة بشأن الموقف الذي يُرجَّح أن تتّخذه

5 Chorley; Russell; & Eva Bellin, “The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective”, Comparative Politics , vol. 36, no. 2 (2004), pp. 145-146; “Reconsidering the Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Lessons from the Arab Spring”, Comparative Politics , vol. 44, no.2 (January 2012), pp. 130-135; Zoltan Barany, “Comparing the Arab Revolts: The Role of the Military”, Journal of Democracy , vol. 22, no.4 (October 2011), pp. 25-26; Derek Lutterbeck, “Arab Uprisings and Armed Forces: Between Openness and Resistance”, DCAF (Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces), SSR Paper 2 (2011), pp. 15-17.

القوّات المسلّحة في بلدٍ معيّ يشهد انتفاضة ثوريةً، فمن أين تبدأ في البحث عن أجوبة؟ وما العوامل التي تُغني بحثك؟ إنّ الغاية من هذه المقالة، هي تقديم أدواتٍ تسمح بإنتاج تحليلٍ منطقيٍّ متماسكٍ، وتقديم تقريرٍ غنيٍّ قدر الإمكان إلى الحكومة في ذلك الشّأن.

مصادر المعلومات

يستخدم الجيش عند صياغة موقفه من الثّورة، أربعة مصادر معلوماتٍ؛ وهي - ابتداءً بأكثرها أهميّة - التالية: المؤسّسة العسكريّة، فالدّولة، فالمجتمع، وآخرها المحيط الخارجيّ. فالمصدر الأهمّ من بين هذه المصادر هو أنّ على الجنرالات أن يدرسوا خصائص القوّات المسلّحة وأوضاعها وتركيبتها. ويتمثّل المصدر الثّاني للمعلومات، في الدّولة؛ إذ هي التي تقف وراء عمليّة صنع القرار في الجيش، بما يتضمّنه ذلك من معاملتها للقوّات المسلّحة، ومن سجلّ الحوكمة، ومن التّعليمات الصّادرة للجيش أثناء الثّورة. أمّا المصدر الثّالث للمعلومات، فهو المجتمع، ولا سيمّا العلاقات بين القوّات المسلّحة والمجتمع، والسمّات الرّئيسة للاحتجاجات أو التمرّد. ويتمثّل آخر المصادر في الآثار التي يطبع بها الوضع الدّولي في الغالب موقف الجيش من الثّورة، وفي أثر قضايا المدّ الثّوري أو خطر التدخّل الخارجي مثلً في ذلك الموقف. وليست العوامل المنبثقة من هذه المصادر الأربعة منعزلةً عن بعضها البعض؛ بل يؤثِّر أحدها في الآخر. ولمّا كان الاهتمام الأساس منصبًّا هنا على موقف الجيش من الثّورات، فإنّنا سننظر إلى عوامل الدّولة والمجتمع والخارج من منظور الجيش. ولهذا، فإن متغيّ "نظرة الجنرالات إلى النّظام القائم"، الذي يمكن تصنيفه تحت خانة عوامل الجيش والدّولة، يندرج ضمن إطار "الدّولة". من نافل القول إنّ هذه العوامل التّوضيحيّة ليست متساويةً؛ فبعضها يفسِّ أكثر من غيره موقف القوّات المسلّحة من الثّورة. كما أنّ القضايا بالغةً الأهميّةً في حالةٍ معيَّنةٍ، كالانقسامات الدينيّة بين الضبّاط، لا تحظى بأهميّةٍ تُذكر في حالاتٍ أخرى، لا بل قد لا تندرج البتّة ضمن العوامل المذكورة. وعلى الرّغم من انعدام نموذجٍ ذكيٍّ بوسعه أن يدلّنا مباشرةً على الموقف الذي سيتّخذه الجيش حالما ندخل إليه المتغيّ ات الملائمة، فإن الدلّائل المستقاة من الثّورات السّابقة، تسمح لنا بالوصول إلى بعض التّعميمات المفيدة. وفي نهاية المطاف، لا بدّ من الاعتراف بأنّ وزن كلّ متغيرٍ يتحدّد في هذا التّحليل تبعًا لكلّ حالةٍ على حدةٍ، وأنّه ليس هناك طرقٌ مختصَةٌ، ولا مندوحة عن معرفة الحالات الفرديّة التي نتأمّلها معرفةً عميقةً.

وفي معرض هذا البحث، سأحدّد المصادر الأساسيّة المؤثِّرة في موقف الجيش من الثّورات. وسأبدأ بالمتغيرات المرتبطة بالقوّات المسلّحة، ثمّ أنتقل إلى العوامل المرتبطة بالدّولة، والمتغيّ ات الاجتماعيّة. وسأبيّ أخًا احتمالات تأثير المحيط الخارجي في موقف الجنرالات من الثّورات. وسأناقش في جميع ما سبق شتّى العوامل، بدءًا من أكثرها أهميّةً من النّاحية العامّة في معظم السّياقات.

العوامل العسكريّة

إنّ الاعتبارات الخاصّة بالقوّات المسلّحة، هي العوامل الأهمّ في تحديد كيفيّة تعامل الجنرالات مع الانتفاضات. ويكمن أهمّ عاملٍ في تماسك القوّات المسلّحة داخليًّا، وذلك على الرّغم من وجود عوامل أخرى تلعب دورًا حاسمً في تحديد موقف الجيش من الانتفاضات، إذا ما توفّرت الشّوط الصّحيحة. ولنستعرض الآن هذه المتغيّ ات بمزيدٍ من التّفصيل.

التماسك الدّاخلي للقوّات المسلّحةّ

يُعَدّ التمّاسك الدّاخلي للقوّات المسلّحة، السّمة الأهمّ في تحديد ردّة فعلها تجاه الثّورة. فمن شأن الجيش الموحَّد داخليًّا، أن يقف موقفًا واحدًا على الأرجح، سواءً كان ذلك بدعم النّظام أو بالوقوف ضدّه. وفي هذا السّياق، يُستبعد تأثُّره الكبير بالانشقاقات. وفي الحقيقة، يُعَدّ التمّاسك الدّاخلي للجيش حصيلة تراكب عوامل عدّة، تتعلّق بإمكانيّة الانقسام داخله. فما هي المؤشّات الدالّة على تماسك الجيش؟ أو بعبارةٍ أخرى: ما هي الانقسامات المحتملَة التي يمكن أن تؤثِّر في وحدته؟ وما هي أشكال الانقسام التي ينبغي الانتباه إليها؟

الانقسامات العرقيّة - الدينيّة

كثيرًا ما تمثّل الجيوش التي تتبع نظام التّجنيد الإلزامي بالخصوص، مقطعًا عرْضيًّا يعكس كامل التّ كيبة السكّانية للبلد. ففي الدّول متعدّدة الأعراق والأديان، غالبًا ما تتأثّر القوّات المسلَّحة بالانقسامات الطّائفيّة والعرقيّة التي يعرفها المجتمع عمومًا. وكثيرًا ما تطغى الهويّة العرقيّة و / أو الدّينية على الهويّات الأخرى؛ كهويّة الجنود المحترفين، أو هويّة مواطني الدّولة أو معتنقي أيديولوجيّةٍ معيّنةٍ. وذلك حتّى عندما يبذل الجيش جهدًا كبيرًا في التّثقيف العقائدي وبناء هويّةٍ مشتركةٍ لعناصره. وفي بعض الأوضاع، قد تكون الانقسامات العرقيّة - الدينيّة في صفوف الضبّاط، هي الانقسام الأهمّ في كيان الجيش. ومن المرجّح، أن تحدّد تلك الانقسامات موقف الضبّاط؛ ولا سيمّا إذا كانت المظالم العرقيّة - الدينيّة على صلةٍ بالثّورة.

لقد حاولت الدّول متعدّدة الأعراق والأديان، وبطرقٍ شتّى، أن تمنع المكوّنات العرقيّة والدّينيّة في جيوشها من التكتّل في مجموعاتٍ منظّمةٍ. ففي الاتّحاد السّوفييتي مثلً، كان المجنَّدون الإلزاميّون الذين هم من قوميّاتٍ مختلفةٍ، يخدمون عمومًا في وحداتٍ مختلطةٍ في جمهوريّاتٍ بعيدةٍ عن بعضها البعض. ولم يكن الجنود الذين هم من بعض القوميّات – كتركمانستان وأوزبكستان وغيرها من القوميّات ذات الأغلبيّة المسلمة - يحملون أسلحةً، وهم عادةً ما يخدمون في كتائب إنشائيّةٍ ويؤدّون مهمّ تٍ غير قتاليّة. وفي بعض البلدان، تشكّل العلاقات بين الجماعات العرقيّة و / أو الدّينية المختلفة موضوعًا خلافيًّا، إلى حدّ جعل النّخب السياسيّة والعسكريّة تُقصي السكّان المهمَّشين فعليًّا عن القوّات المسلّحة، وغالبًا عن المؤسّسة الأمنيّة - العسكريّة برمّتها. ونجد مثل هذه الحالة في الأردن والبحرين؛ إذ يصعب أن تجد أردنييّن من أصلٍ فلسطيني أو مسلمين شيعة في المؤسّسة العسكريّة. ولقد برّرت الاضطرابات الجارية في البحرين تلك الإجراءات الاحترازيّة التي اتّخذها النّظام البحريني السنّي.

الانقسامات الاجتماعيّة السياسيّة بين النخب العسكريةّ

قد يختلف الجنرالات حول عددٍ من القضايا الاجتماعيّة السياسيّة وينقسمون؛ كقضايا التوجّه السياسي، والفروق المهنيّة، واختلاف الخبرات التعليميّة. وبعض الجنرالات قد يدعمون النّظام القائم، بينما يتعاطف آخرون مع أهداف المعارضة. وربما يختلف هؤلاء في شأن مسائل العقيدة وبرامج التّسليح وطرق التّدريب. كما يمكن للجنرالات ممّن تدرّبوا في أكاديميّات النّخبة العسكريّة، أن يتحيّزوا ضدّ زملائهم الذين تعلّموا في مؤسّساتٍ أدنى شأنًا. وفي جيوشٍ أخرى، كما هي الحال في كوريا الجنوبيّة وتايلاند وإندونيسيا، تمثِّل سنة التخرّج من الأكاديميّة العسكريّة عاملً هامًّا، يجري الاصطفاف داخل الجيش على أساسه؛ إذ يميل أفراد الدّفعة الواحدة إلى التّكاتف والتّعاضد طيلة حياتهم العسكريّة. وفي بعض الجيوش، ينحدر الضبّاط من أصولٍ اجتماعيّةٍ مختلفةٍ إلى حدٍّ كبيرٍ. فقد يكون بعضهم منتميًا إلى نخبٍ اجتماعيّةٍ، وعادةً ما ينحدرون من أسرٍ كانت الخدمة العسكريّة فيها تقليدًا عريقًا رفيع الشّأن، بينما ينحدر قسمٌ آخر من منابت اجتماعيّةٍ أقلّ نفوذًا؛ أي من أسرٍ ترى الانخراط في الجيش عاملً أساسيًّا في ارتقاء المنزلة الاجتماعيّة. وفي

6 Debora Yarsike Ball, “Ethnic Conflict, Unit Performance, and the Soviet Armed Forces", Armed Forces & Society , vol 20, no.2 (Winter 1994), pp. 239-

هذه الأحوال، يُرجّح أن يكون الشقّ الأوّل أقلّ تأييدًا للثّورة من الثاني. وعمومًا، يُرجَّح أن يتّخذ الفريقان موقفين مختلفين من الرّغبة في الثّورة.

الانقسامات بين وحدات النخبةّ والوحدات النظاميّة

يلجأ كثيرٌ من الأنظمة الاستبداديّة إلى تشكيل وحدات نخبةٍ أو فروعًا خاصّةً في الجيش، تكون مكمِّلةً للقوّات المسلّحة. وتنضوي هذه الوحدات - في بعض الحالات - ضمن الهيكليّة الإداريّة للجيش، بينما تكون منفصلةً عن الجيش النِّظامي ومستقلّةً عنه في حالاتٍ أخرى. وكثيرًا ما يكون السّبب الرّئيس الذي يقف وراء إنشاء هذه الأجهزة، متمثِّلً في خلق تنافسٍ مهنيٍّ بين الجيش النِّظامي وقوّات النّخبة. فالنّخب الحاكمة عمومًا لا تمنح الجيش ثقةً كاملةً، وترغب في تشكيل قوّاتٍ منافسةٍ تتبعها مباشرةً وتضمن ولاءها. وتحظى قوّات النّخبة غالبًا بمعاملةٍ أفضل من الجيش النِّظامي؛ إذ يكون لها رواتب أعلى، وامتيازاتٍ أكثر، وتجهيزاتٍ أحدث. ومن غير المستغرب أن تنشأ منافساتٌ مؤسّسيةٌ بين القوّات النِّظاميّة؛ بسبب الاستياء الذي تشعر به، والحسد الذي تبديه نتيجة الأوضاع الأفضل للوحدات الخاصّة. وغالبًا ما يتجلّ الانقسام في المؤسّسة العسكريّة – الأمنيّة، في اختلاف درجات الولاء للنِّظام؛ إذ يُرجَّح أن تكون وحدات النّخبة أكثر ولاءً من الجيش النِّظامي الذي يتحوّل ولاؤه بسهولةٍ أكبر إلى الثّورة. وبوسعنا أن نذكر أمثلةً كثيرةً على ذلك؛ فقد أسّس الرّئيس الغاني كوامي نكروما الحرس الرِّئاسي في عام 9601، وكان وحدةً بحجم سريّةٍ، ما لبثت بعد ستّ سنواتٍ أن أصبحت 2001 جنديٍّ وضابطٍ، وأصبح اسمها "فوج الحرس الرّئاسي الخاصّ". وشكّل وجود هذه القوّة الموازية المميّزة تهديدًا مباشرًا للاستقلال المهني للجيش النّظامي ولصورته، كما رفع درجة الاستياء الموجود من نظام نكروما. وفي العراق وقع تأسيس الحرس الجمهوري النّخبوي عام 9691، على اعتبار أنّه حرسٌ شخصيٌّ للرّئيس (لاحقًا الحرس الجمهوري الخاصّ،

7 Simon Baynham, The Military and Politics in Nkrumah’s Ghana (Boulder, CO: Westview Press, 1988), p. 139.

وسُمّي أيضًا قوّات الحماية الخاصّة في الحرس الجمهوري). وقاتل هذا الحرس بمصداقيّةٍ عاليةٍ في حروب العراق، وأصبح في عهد صدّام حسين تحت قيادة ابنه قصيّ مباشرة. غير أنّه توجد بعض الأمثلة، التي لا تدعم فرضيّة ولاء قوّات النّخبة للنّظام؛ فبعد الحرب العالميّة الثّانية، أنشأ إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي وحدةً عسكريّةً ذات حِرَفيّةٍ عاليةٍ – تُدعى بالحرس الإمبراطوري- تدين له بالولاء شخصيًّا. وفي كانون الأوّل / ديسمبر 9601، كان الحرس الإمبراطوري - وليس الجيش النّظامي - هو من قام بمحاولة انقلابٍ، واستولى لفترةٍ وجيزةٍ على العاصمة أديس أبابا، مستغلًّ وجود الإمبراطور خارج البلاد.

الانقسامات بين الجيش وأجهزة الدّولة الأمنيّة الأخرى

في الدّول الاستبداديّة، لا يكون المنافسون المؤسّساتيّون للقوّات المسلّحة النِّظامية من داخل الجيش بل من خارج هيكله التّنظيمي؛ كالشّطة أو الشّطة السريّة، التي تغدو قويّةً وذات حظوةٍ عند النّظام (كجهاز الشّطة في عهد الرّئيس التّونسي زين العابدين بن عليّ، أو الشّطة السريّة في عهد الرّئيس الرّوماني نيكولاي تشاوشيسكو). وقد يكون الدّافع وراء إنشاء أجهزةٍ أمنيّةٍ مختلفةٍ، هو منح مناصب قياديّةٍ لأعضاء الأسرة الحاكمة (كالبحرين وليبيا واليمن)، إضافةً إلى تحقيق التّوازن بين نفوذ كلٍّ منها ونفوذ القوّات النِّظاميّة. وينظر الجيش عادةً إلى هذه الكيانات بعين الرّيبة؛ لأنّه يشكِّك في ولائها السياسيّ وفي مواقفها المحتملَة من الثّورة.

الانقسامات بين فروع القوّات المسلحةّ

غالبًا ما يرتبط أفراد القوّات البريّة أو البحريّة أو الجويّة بفروعهم التي ينتمون إليها ارتباطًا وثيقًا. والحقيقة أنّ الفرع المعنيّ (البرّ أو البحر أو الجوّ)، هو الذي يشجِّع مثل هذا الولاء ويغذّيه بعنايةٍ؛ لأنّه يعزِّز في الجنود روح الرِّفاقيّة والارتباط بذلك النّوع من السِلّاح. ويختصّ كلّ فرعٍ من فروع المؤسّسة العسكريّة بخصائص معيّنةٍ؛ فمثلً، يُعدّ سلاح البحريّة في كثيرٍ من الجيوش نخبويًّا، ويُعدّ سلاح الجوّ متقدِّمًا تقنيًّا ومعتادًا على الأوضاع المريحة. ويعبِّ الارتباط بفرعٍ ما من السلّاح عن نفسه بسلوكٍ مناوئٍ لفروع الأسلحة الأخرى.

8 Ibrahim Al-Marashi, “Iraq’s Security and Intelligence Network: A Guide and Analysis”, Middle East Review of International Affairs , vol. 6, no.3 (September 2002), available at: http://meria.idc.ac.il/journal/2002/issue3/ jv6n3a1.html. 9 Ernest W. Lefever, Spear & Scepter, Army, Police, and Politics in Tropical Africa (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1970), p. 146.

وفي كثيرٍ من الأنظمة العسكريّة، نجد أحد الفروع (القوّات البريّة في الغالب) منخرطًا في السّياسة، بينما تقنع الفروع الأخرى بالبقاء محايدةً. ونظام الكولونيلات (العقداء) اليوناني (-1967 9741) خير مثالٍ على ذلك؛ إذ كان بمنزلة مجلسٍ عسكريٍّ مكوَّنٍ من 21 كولونيلً من القوّات البريّة. وكان معروفًا عن سلاحيْ الجوّ والبحريّة عدم تحمّسهما لمساندة النِّظام، كما لم يكن لهما دورٌ بارزٌ في الحكم، حتّى أنّ ضبّاطًا من البحريّة تورّطوا في أيّار / مايو 9731 في محاولة انقلابٍ مضادٍّ فاشلة.

الانقسام بين الأجيال (الجنرالات في وجه صغار الضبّاط)

كثيرًا ما يُعدّ التّباين في وجهات النّظر بين الشّباب والكهول مصدرًا للصِّاع. ويتجلّ ذلك الصّاع بين الأجيال على نحوٍ خاصٍّ في القوّات المسلّحة. إذ هي تنظيمٌ صارم التراتبيّة، يتُرجم فيه العمر – أي فترة الخدمة – إلى رتبٍ أسمى، وإلى رواتب أعلى، وامتيازاتٍ أكثر، ومسؤوليّات أكبر. ويغلبُ على الضبّاط الصِّغار أن يكونوا أكثر تحرّرًا ونزوعًا نحو الرّاديكاليّة. وهو ما يُرجِّح وقوفهم موقفًا داعمً للعمل الثّوري. علاوةً على ذلك، ونظرًا إلى قصر فترة خدمتهم في الجيش، فإنّ النّظام القائم لا يمنحهم إلّ صلاحيّاتٍ أقلّ، ولهذا يُرجَّح أن يساندوا الثّورات أكثر من زملائهم الأكبر سنًّا. وثمّة العديد من الأمثلة عن انقلاباتٍ وثوراتٍ أيّدها ضبّاطٌ صغارٌ، إثر تعارضهم مع رؤسائهم؛ مثلما حدث في مصر (سنة 9521)، وفي تركيا (سنة 9601) والبرتغال (سنة 9741) وغانا (سنة.)1979

جنود محترفون في مقابل مجندين تجنيدًا إلزاميًاّ

من أهمّ خصائص أيّ جيشٍ، صفة الجنود الذين يَنضَ وُون تحت صفوفه، ومعرفة إن كانوا متطوّعين بإرادتهم الحرّة أو مجنّدين لتأدية الخدمة الإلزاميّة. فالمتطوِّعون هم مجموعةٌ من الشّباب والشّابات الذين اختاروا الخدمة العسكريّة بمحض إرادتهم، وهم أميل إلى تبنّي تراتبيّة الجيش وانضباطه ونظام حياته الصّارم وقيَمه المحافِظة. ومن جهةٍ أخرى، يمثِّل المجنَّدون جميع مكوّنات المجتمع (أو يُفترض بهم أن يكونوا كذلك)، إذا ما وقع تجنيدهم بكيفيّةٍ عادلةٍ. والمهمّ هنا، أنّ المجنَّدين هم على الأرجح أكثر تعاطفًا مع الثّورة ذات القاعدة الشّعبية العريضة، بينما يرجّح أن يلتزم المتطوِّعون بموقف قيادة

10 Zoltan Barany, The Soldier and the Changing State: Building Democratic Armies in Africa, Asia, Europe, and the Americas (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2012), pp. 131-132.

الجيش. وبناءً عليه، فإنّ المتطوّعين هم أكثر استعدادًا من المجنَّدين لاستخدام العنف ضدّ المتظاهرين. تتّفق انتفاضات القرن الحادي والعشرين جميعها مع هذه الافتراضات عمليًّا. فالثّورات التي تحدث في دولٍ جيوشُها مكوَّنةٌ من مجنّدين ينتمون إلى عامّة الشّعب، غالبًا ما تنجح. والأمثلة على ذلك كثيرةٌ: صربيا والجبل الأسود (2000)، وجورجيا (2003)، وأوكرانيا (2005)، ولبنان (2005)، وقرغيزستان (2005)، وتونس (2011)، ومصر (2011). وعلى النّقيض من ذلك، لم تنجح الثّورات التي وقعت في الدّول التي تتكوّن جيوشها من متطوِّعين محترفين انضمّوا إلى القوّات المسلّحة عبر التطوّع أو التّجنيد الانتقائي. ومثال ذلك ما وقع في بورما (2007)، وزيمبابوي (2008)، وإيران (2009)، والبحرين (.2011)

استقلاليّة الجنرالات في اتخاذ القراراتّ

ما مدى حريّة الجنرالات في اتِّخاذ القرارات؟ هل هم مقيَّدون بقرارات حكّامهم المدنييّن، أم يُسمَح لهم باتِّخاذ خياراتٍ مستقلّةٍ تتعلّق بشؤونهم المهنيّة؟ إنّ مأتى طرح هذين السؤالين يكمن في الفروق القائمة داخل القوّات المسلّحة بين ما يدعوه صامويل هنتينغتون "السّيطرة الموضوعيّة" (تلك التي يتمتّع الجنرالات في ظلّها بقدرٍ كبيرٍ من الاستقلاليّة المهنيّة)، و"السّيطرة الذّاتيّة" (وهي التي يخضع فيها الجنرالات لرقابةٍ دقيقةٍ، ولا يتمتّعون إلّ بحدٍّ أدنى من صلاحيّات اتّخاذ القرار). ففي بعض الدّول، تمسك الدّولة زمام الجيش بقبضةٍ قويّةٍ؛ إمّا بسبب تدخّلٍ سابقٍ له في السّياسة (كالأرجنتين)، أو بسبب الخوف من أن تؤدّي استقلاليّة قرار الجنرالات إلى زيادة استقلاليّتهم عن الحكومة، ممّ قد يتحوّل في نهاية المطاف إلى تدخّلهم في السّياسة (كالهند واليابان). ويكمن لبّ المسألة، في أنّ النّخب العسكريّة التي لم تَعْتَد اتّخاذ قراراتٍ مهمّة، والتي تكون أنظار الحكّام المدنييّن مسلَّطةً عليها باستمرارٍ، قد تتردّد أو تمتنع عن الإقدام على فعلٍ حاسمٍ. وفي بعض الحالات، تشعر هذه النّخب عمليًّا بالشّلل أمام المسؤوليّة الهائلة الملقاة على عاتقها؛ إذ ما الموقف الذي يجب أن تتخّذه تجاه النّظام؟ أهو مساندته أم الانقلاب ضدّه؟ وخير مثالٍ على ذلك ما حدث لقيادة الجيش الإيراني أثناء الثّورة الإسلامية 979-19781؛ تلك الثّورة التي أطاحت بالشّاه محمّد رضا بهلوي. وقد أدار الشّاه شؤون القوّات

11 Lutterbeck, pp. 16-17. 12 Samuel P. Huntington, The Soldier and the State (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1957), pp. 79-83.

المسلّحة الإمبراطوريّة إدارةً مباشرةً؛ فكان يشُرف شخصيًّا على جميع التّقيات، من "رتبة رائد" وما فوقها، في جيشه القويّ الذي يعد 400 ألف جندي. هذا ما حوّل القوّات المسلّحة إلى "عملاق مُقعد"، غير قادر على القيام بفعلٍ جريء. وباختصارٍ، فإنّ تاريخ الجنرالات كصنّاع قرارٍ عاملٌ ينبغي على المحلِّل المتيقِّظ أخذه بالاعتبار عندما يدرس ردة فعلهم تجاه الثّورة.

العوامل المتعلقة بالدّولةّ

ثمّة متغيِّ ات أقلّ عددًا، وعلى الجيش أن يأخذها بعين الاعتبار، في ما تعلّق بجانب الدولة من المعادلة. غير أنّ هذه المتغيّ ات هي ذات أهميّةٍ شديدةٍ في معظم الحالات، ونعني تحديدًا المتغيّ ين الأوّلين؛ وهما: معاملة النِّظام للجيش، وتقييم الجنرالات أداء النّظام. فكلٌّ من الطّرفين يمكن أن يقلب الميزان ويصبح عاملً حاسمً في موقف القوّات المسلّحة من الثّورة.

معاملة النظام للجيشّ

بعد استبعاد تأثير العوامل الأخرى، يلُاحظ أنّه إذا ما عامل النّظام القوّات المسلّحة معاملةً جيّدةً، فمن المرجّح أن يسانده الجنرالات في حال اندلعت ضدّه ثورةٌ. والعكس أيضًا صحيحٌ؛ فإذا كانت معاملة النّظام للجيش سيِّئةً، فيرجَّح أن ينقلب العسكر على حكّامهم المدنييّن. وتنطوي المعاملة المُتَحدَّثُ عنها - في هذا السّياق - على عدّة عناصر؛ أوّلها: هل يعتني النّظام بالقوّات المسلّحة من النّاحية الماليّة؛ وذلك بمنح الجنود المحترفين بالخصوص الذين هم في السّلك العسكري - ضبّاطًا وضبّاط صفٍّ وجنودًا متطوِّعين - رواتبَ وامتيازاتٍ لائقةٍ؟ ثانيها: هل يؤمّن النّظام للقوّات المسلّحة القواعد والأسلحة والوقود وقطع الغيار وغيرها من الأدوات الضّورية لتنفيذ مهامّها؟ ثالثها:

13 Steven R. Ward, Immortal, A Military History of Iran and Its Armed Forces (Washington: Georgetown University Press, 2009), pp. 210-218.

هل تتدخّل الدّولة في الشّؤون المهنيّة للجيش كالتّدريب والتّقيات الاعتياديّة، وتحاول التحكّم في أدقّ التّفاصيل الخاصّة بالحياة العسكريّة؟ رابعها: هل يستند النّظام إلى مبادئ الأقدميّة والجدارة في إقرار التّقيات داخل صفوف الجنرالات؟ خامسها: هل تورّط الدّولةُ الجيشَ في مهمّ تٍ متهوِّرةٍ وغير ضروريّةٍ وتفتقر إلى الشّعبية في صفوف الجيش؟ سادسها: هل يشجِّع النّظام على جعل القوّات الحكوميّة تحظى باحترامٍ شعبيٍّ واسعٍ، وتتمتّع بمنزلةٍ اجتماعيّةٍ رفيعةٍ؟ ومن المهمّ التأكيد هنا على أنّ هذا المتغيّ في حدّ ذاته متعدّد الجوانب. فإدارة النّظام للقوّات المسلّحة، تقوم في نهاية المطاف على عدّة عناصر: الرّواتب، والامتيازات، وامتلاك الأسلحة، ودرجة تدخّل الدّولة، والسمّاح للجيش بالقيام بأنشطةٍ إضافيّةٍ (كالأعمال، والإعلام... إلخ). وحتّى في حالة الاعتناء جيّدًا بالجيش، فربّ ا ينقلب ضدّ النّظام إذا لم تُلبّ مصالحه الأخرى؛ كالمنزلة الاجتماعيّة أو النّفوذ السِّياسي. وهنا نذكر مثالً على ما ذهبنا إليه، ويتمثّل في الجيش المصري إبّان الانتفاضة الأخيرة. فعلى الرّغم من أنّه كان محطّ عنايةٍ ماليّةٍ كبيرةٍ (بمنح الرّواتب الجيّدة، أو بالسمّاح له بإدارة جزءٍ كبيرٍ من الاقتصاد المصري)، فإنّه لم يكن مقتنعًا بما حصّله من الامتيازات. ويعود ذلك إلى أسبابٍ عدّةٍ، نجملها في التالي: -1 تراجع نفوذه السّياسي، ولا سيمّا في مواجهة جهاز الأمن الدّاخلي، -2 ازدراؤه الشّديد لابن مبارك القوي جمال، الذي كان يُهيَّأ لخلافة والده، -3 عجز النّظام عن إيجاد الحلول لمشاكل البطالة والتطرف الإسلامي.

نظرة الجنرالات إلى النظام القائمّ

كيف تقيِّم القيادة العسكريّة العليا النّظام؟ هل يَعُدّ الجنرالات النّخبَ السياسيّة شرعيّةً؟ هل يعتقدون أنّ النّظام يحظى بالشّعبية في المجتمع عمومًا، أم يرون أنّ غالبيّة الشّعب راغبةٌ في استبداله؟ إنّ مساندة النّخب العسكريّة نظامًا تعتقد أنّه قويٌّ وشعبيٌّ وتسعى أقليّةٌ صغيرةٌ من المتمرّدين الرّاديكاليين لإطاحته، هو موقف مرجَّحٌ أكثر من تأييد تلك النخب لنظامٍ تعدّه ضعيفًا وفاقدًا للشّعبية ومن السّهل إسقاطه. وممّ لا شكّ فيه أنّ نظرة العسكر السّلبية لشرعيّة النِّظام، كانت من الأسباب المهمة لتأييد الجيش للثّورات في رومانيا (9891) وتونس (2011) ومصر.)2011(كما يصبح موقف الجيش من شرعيّة النِّظام بعد الهزيمة العسكريّة موقفًا سلبيًّا في الغالب. وكثيرًا ما تحظى الثّورات في أعقاب الحروب

الخاسرة بدعم الجيش؛ لأنّ الجنرالات يميلون إلى إلقاء اللّوم على النّخب السّياسية نتيجة سياساتهم التي أدخلت البلاد في أتون الحرب، ولسوء إدارتهم أثناء خوض الحرب. علاوةً على ذلك، غالبًا ما تتعرّض كتلة الضبّاط والجنود للتفكّك، إثر حربٍ طويلةٍ مضنيةٍ وخاسرةٍ. ومن أكثر الأمثلة وضوحًا في هذا الصّدد، نذكر: كومونة باريس عام 8711، وعددًا كبيرًا من الثّورات التي أعقبت الحرب العالميّة الأولى في عام 9181 (كالنّمسا وألمانيا والمجر).

توجيهات النظام للجيشّ

تحتاج القوّات المسلّحة أثناء الانتفاضات الثّورية إلى أوامر لا لبس فيها من قادتها المدنييّن. ومن تلك الأوامر ما يتعلّق بطبيعة المرحلة التي يتعيّ على الجيش أن يتدخّل فيها، وبأيّ طريقةٍ؟ فهل تستخدم أسلوب الشّطة ضدّ المتظاهرين، أم عليها أن تلجأ إلى الأسلحة الثّقيلة والذّخيرة الحيّة ضدّهم؟ إنّ على القادة السياسييّن أن يتّخذوا هذه القرارات وأن ينقلوها بوضوحٍ إلى القيادة العسكريّة. فإذا تلقّت أهدافًا واضحةً من القيادة السياسيّة، فإنّ قيادة الجيش تتصرّف في التّعامل مع الثّورة بكيفيّةٍ مختلفةٍ عمّ إذا تلقّت إشاراتٍ متضاربةً أو رسائل متردّدةً أو متناقضةً أو لم تتلقّ أيّ توجيهٍ على الإطلاق. ومن السهل تقدير أهميّة الفروق بين القيادة الواضحة والقيادة المرتبكة إذا قارنّا التّوجيه الذي تلقّاه الجيش الإمبراطوري الرّوسي عشيّة انتهاء الحروب الخاسرة في ثورة عام 9051 الفاشلة، بالتّوجيه الذي تلقّاه في ثورة شباط / فبراير 9171 المنتصرة.

العوامل المجتمعيّة

يشكّل المجتمع الذي ينثر بذور الثّورة، المصدر الرّئيس الثّالث للمعلومات المتوفِّرة عن الثّورة بالنّسبة إلى الجيش. ويتأثّر سلوك الجيش تجاه الثّورة كثيرًا بالسمّات المختلفة للتظاهرات. إذ غالبًا ما يُحدّد حجم التظاهرات ردّة فعل الجيش ويقرّر تدخّله أو عدم تدخّله لقمعها. بيد أنّ تركيبة المحتجيّن وطبيعة الاحتجاجات، من شأنهما التّأثير بقوة في كيفيّة ردّ الجيش على تلك التظاهرات. وثمّة عوامل مجتمعيّةٌ أخرى تنضاف إلى ذلك؛ هي تصوّر الجنرالات لحجم الدّعم الشّعبي للثّورة، ودرجة التّهديد الذي تمثّله بالنسبة إلى النّظام.

14 Theda Skocpol, State and Social Revolutions: A Comparative Analaysis of France, Russia and China (Cambridge University Press, 1979), pp. 95-99.

حجم التظاهرات وتركيبة المشاركين فيها وطبيعتها

يضطلع حجم الاحتجاجات بدورٍ كبيرٍ في تحديد سلوك الجيش. فالتظاهرات الصّغيرة لا تستدعي التدخّل عادةً؛ لأنّ بوسع الشّطة أو الأجهزة الأمنيّة أو القوّات شبه العسكريّة أن تتعامل معها. وإذا وقع نشر وحدات الجيش لمواجهة احتجاجاتٍ صغيرةٍ نسبيًّا (وخصوصًا إذا ما وصلت إلى مكان الاحتجاجات في عرباتٍ مصفّحةٍ تُستخدم غالبًا للتّخويف لا غير)، ففي ذلك إشارة إلى أنّ النّظام مصمِّمٌ على سحق الاضطرابات بسرعةٍ. وكلمّا اتّسعت رقعة التظاهرة، ازداد احتمال تدخّل الجيش النّظامي لمواجهتها. فالتظاهرات الحاشدة التي يشارك فيها عشرات الآلاف من المحتجيّن، تؤدّي عمومًا إلى نشر وحدات الجيش. ومع ذلك، ليس ثمّة رابطٌ واضحٌ بين حجم الحشود واحتمال فتح الجيش النّار عليها. ويتوقّف قرار الجيش بإطلاق النّار على المتظاهرين على عاملين مترابطيْ: تركيبة التظاهرات، وطبيعتها. إنّ أهمّ ما يحدّد سمات التظاهرات، هو معرفة هويّة المتظاهرين؛ أي إن كانوا يمثِّلون طيفًا واسعًا من المجتمع، أم فئةً / فئاتٍ معيّنةً منه؟ كما أنّ احتمال استخدام الجيش للعنف إذا كان المتظاهرون شبابًا راديكالييّن أكبر بكثيرٍ ممّ لو كانت التظاهرة تضمّ رجالً ونساءً وأطفالً من كلّ الأعمار، يمثّلون رؤى سياسيّة مختلفة. ويوجد عاملٌ آخر مهمٌّ، هو الهويّة الدّينية - العرقيّة للمتظاهرين، ولا سيمّا إذا كانت مختلفةً عن الهويّة الدّينية-العرقيّة السّائدة في الجيش. ولقد كان السّبب الأهمّ وراء دعم الجيش البحريني نظام الملك حمد في الثّورة الأخيرة، الاختلاف بين الهويّة الدّينية للجيش والنّخب الحاكمة (مسلمين سنّة) من جهة والمتظاهرين من جهةٍ أخرى (معظمهم من الأغلبيّة الشّيعية المهمّشة). ويتّخذ بعض الاحتجاجات صورة مسيرةٍ سلميّةٍ، بينما تتحوّل احتجاجاتٌ أخرى إلى مواجهاتٍ جسديّةٍ مع قوّات الأمن أو مع متظاهرين مناوئين للسّلطة أو حتى مع المارّة في الطّريق. ومن الواضح أن طبيعة الاحتجاجات تدخل في حيِّز تحديد كيفيّة تعامل الجيش معها. وعلى العموم، كلمّا كانت الاحتجاجات أكثر عنفًا، زاد احتمال مواجهة الجنود لها بعنفٍ. ومن النّادر عمليًّا، أن ينزل الجيش لمواجهة تظاهراتٍ سلميّةٍ منظّمةٍ قانونيًّا. وإذا حدث ذلك وفعل، فمن النّادر أن يقمعها بعنفٍ. وقد يقوم الجيش بسحق المسيرات السّلمية أحيانًا، لكنّ هذا الأمر نادر الحدوث بالتّأكيد، كما قد تندُر في الغالب مهادنة

النّظام للمتظاهرين. ومن الأمثلة القريبة على ذلك: قمع الجيش السوري العنيف للاحتجاجات السلميّة في درعا (آذار/ مارس.)2011

سجِلُّ سلوك الجيش تجاه المجتمع

إنّ المؤسّسة العسكريّة ليست جزءًا من الدّولة فحسب، بل هي أيضًا من المجتمع الذي ينتمي أفرادها إليه. ويرجَّح أن يؤثِّر سلوك القوّات المسلّحة تجاه المجتمع في حساباتها بشأن أيّ جانبٍ من الثورة يجب أن تتدخّل لصالحه. فالجيش الذي يقمع التظاهرات بوحشيّةٍ، وينتهك حقوق الإنسان، ويتورّط في أعمال فسادٍ واسعة النّطاق، ويعامل النّاس عمومًا معاملةً سيّئةً؛ سيقف مع النّظام القائم على الأرجح، ولن يدعم القوى الثّورية التي ما إن ينقشع غبار الثّورة حتّى تخضعه للمحاسبة على جرائمه السّابقة. ولهذا السّبب، من غير المستغرب مثلً تخلّ الكتلة العسكريّة الحاكمة في تشيلي عن السلطة في عام 9901، بشرط أساسيًّ يتمثّل في منح النّظام السّابق حصانةً من المحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان المرتَكبة في الماضي.

شعبيّة الثورةّ

ثمّة عاملٌ آخر يدخل في حسابات الجيش، بشأن كيفيّة التّعامل مع الثّورة، وهو تصوّر الجنرالات للدّعم الشّعبي الذي تحظى به الثّورة. فإذا استثنينا تأثير العوامل الأخرى المذكورة أعلاه، فإنّ الجنرالات يدعمون الثّورة على الأرجح، عندما تحظى بدعمٍ اجتماعيٍّ واسعٍ. والعكس صحيح؛ إذ من المستبعد أن تنال مساندة الجيش إذا لم تدعمها شريحة واسعة من السكان. ومع ذلك، وكما هي الحال دومًا، من الرّوري معرفة جميع جوانب الحالة العيانيّة. فإذا كان لدى الجنرالات مثلًامتيازات كثيرة سيخسرونها إذا ما أطاحت الثّورة ذات القاعدة الشّعبية العريضة بالنّظام، فإنّهم سيقفون ضدّ الثوّار. وسيتّخذون الموقف نفسه إن تورّط الجيش مثلً في انتهاكات حقوق الإنسان، وتوقّع أن يخضع للمحاسبة أو أن يقوم النظام الجديد بتخفيضات كبيرة في موازنة الدفاع. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك الانتفاضة في سورية؛ إذ لم تمنع قاعدتها الاجتماعيّة العريضة النخبةَ العسكريّة العلويّة من القتال حتى النّهاية؛ لأنها لا تنتظر رحمةً من جانب الثّورة في حال انتصارها، نظرًا إلى تاريخ الصِّاع وتاريخ النّخبة العسكريّة العلويّة في عهد آل الأسد (حافظ الأسد 2000-1970[] وابنه بشار [منذ عام.)]2000

مساعي الثوّار للحصول على دعم الجيش

من الصّور المتكرّرة في الثّورات قيامُ المعارضين بوضع باقات الزّهور على أبراج الدبّابات التي أرسلت لتخويف المحتجين أو إطلاق النّار عليهم. فغالبًا ما يُدرك المشاركون في الثّورة أنّه لا مفرَّ لهم من الحصول على دعم الجيش؛ حتى يحقّقوا الانتصار. وتاريخ الثّورات حافلٌ بمناشدات الثوّار للجنود من خلال دعوات التآخي والحملات الإعلامية ومحاولات استغلال السّخط الشّعبي وتردّي الرّوح المعنويّة في صفوف القوّات المسلّحة، وإطلاق الوعود باتّباع سياساتٍ تصبّ في صالح المتعاطفين مع الجيش ومع الانتفاضة في حال انتصارها. وفي معظم الحالات، يكون ضبّاط الرّتب الدّنيا والمتوسّطة وضبّاط الصفّ والجنود العاديون أكثر تقبّلً لمناشدات الثوّار من الجنرالات؛ لأنّه غالبًا ما تكون رواتبهم متدنّيةً نسبيًّا، ويشكون المعاملة السيّئة، ويتوقّعون مكاسب أقلّ من الضبّاط الكبار إذا استمر النّظام القائم. ولقد استخدم الثوّار دعوات التآخي على نطاقٍ واسعٍ في كثيرٍ من الثّورات؛ مثل فرنسا (1789، 1848، 8711)، وروسيا (9171)، والمجر (9561)، وإيران (9791)، والثّورات العربيّة الحديثة كافّةً، باستثناء ثورة البحرين.

المتغيّرات الخارجيّة

إنّ جميع العوامل المؤثّرة في كيفيّة تعامل الجيش مع الثورة، هي عوامل داخليّةٌ؛ بمعنى أنّها تنبع من داخل الجيش أو من الدّولة أو من المجتمع. ومع ذلك، فربما يكون للمحيط الخارجي - الإقليمي والدّولي - تأثيرٌ ما في موقف الجيش من الثّورة؛ إذ قد يغيِّ قرار الجنرالات المتعلّق بكيفيّة التعامل مع الثّورة.

إمكانيّة التدخّل الخارجي

إنّ إمكانيّة التدخّل الخارجي في كثيرٍ من الأوضاع، هي المتغيّ الخارجي الأهمّ في الدّول التي تشهد انتفاضاتٍ ثوريّةً. وهنا يُطرح سؤالان أساسيّان: هل ثمّة إمكانيّةٌ واقعيّةٌ للتدخّل الخارجي؟ ولصالح من ستتدخّل القوى الخارجيّة: لصالح الثّورة أم لصالح النّظام القائم؟ وعلى الرّغم من أنّ خطر التدخّل الخارجي غير مطروحٍ في كثيرٍ من الثّورات، فإنّه من الصّعب إغفال أهميّته كمعطى في بعض الحالات. ففي ثورة ليبيا التي وقعت مؤخّرًا، دفعت الغارات الجويّة المتوقَّعة لحلف النّاتو الكثيرين من ضبّاط القذّافي إلى الانشقاق، بل وإلى الانضمام إلى الثوّار في حالاتٍ كثيرةٍ. ولكن في حالاتٍ أخرى - كما هي

الحال في البحرين - لم يترك تدخّل مجلس التّعاون الخليجي لدعم النّظام القائم أيّ أثرٍ في حساب النّخب العسكريّة البحرينيّة؛ نظرًا إلى ولائها الرّاسخ للملك. واقتصر دور التدخل على تسهيل عملهم في قمع المعارضة. لقد عُرف عن بعض الجيوش عدم دخولها في معارك مع القوّات الغازية في كثيرٍ من الأوضاع المختلفة. فمثلً، ظلّ الجيش التشيكوسلوفاكي المدرّب أحسن تدريبٍ والمسلَّح أفضل تسليحٍ في ثكناته أثناء احتلال القوات الألمانية للبلاد عام 938.1 وبعد ثلاثين عامًا، اجتاحت القوّات السّوفييتية مدعومةً من الدّول الأعضاء في حلف وارسو تشيكوسلوفاكيا لقمع حركة ربيع براغ الإصلاحيّة. ومرّةً أخرى تخلّف جيش الشّعب التشيكوسلوفاكي عن قتالها. إنّ من شأن الامتناع عن القتال، أن يقدِّم معلوماتٍ مفيدةً أيضًا؛ لتحليل الخبراء، وللتعامل المحتمَل للجيش مع الاضطرابات المحليّة.

المدّ الثوريّ

تشهد لحظاتٌ نادرةٌ في التّاريخ تعاقبًا سريعًا لعددٍ من الثّورات؛ إذ عادةً ما تمتدّ "العدوى" الثّورية إلى الدول المجاورة. وتُدعى هذه الظّاهرة ب "المدّ الثّوري". وقد حدثت هذه الظاهرة في أوروبّا الشّقية عام 9891، وفي جمهوريّات الاتِّحاد السوفييتي السّابق (في الفترة الممتدّة من 9901 إلى 2008)، وفي الشّق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2011. وفي حالاتٍ نادرةٍ جدًّا، تنتقل الثّورات فعليًّا من قارّةٍ إلى أخرى، كما حدث بين أوروبّا وأميركا اللّ تينيّة في الفترة الممتدّة من 8481 إلى 1849. فكيف يؤثّر هذا المدّ الثّوري في حسابات الجنرالات؟ إنّ الضبّاط الذين شاهدوا للتوّ نظامًا يسقط في دولةٍ مجاورةٍ، سيضعون ذلك في حسبانهم، وسيميلون إلى دعم الثّورة في بلدهم أكثر من الوقوف في وجه "مدّ التاريخ" والوقوف إلى جانب ما يعدّونه قضيةً خاسرةً. وعلى النّقيض من ذلك، يضاعف المصيرُ الذي لقيَه الحكّام الديكتاتوريون في أماكن أخرى من جهد الجنرالات للبقاء في السلطة وسحق الثورات. فمثلً أدرك القادة البورميون أثناء "ثورة الزعفران" عام 2007 أن مصيرهم لن يكون أفضل من مصير تشاوشيسكو. كما لا يسع أحدًا التّشكيك في أنّ مصير القذّافي والقادة الآخرين المخلوعين في المنطقة، كان حاضرًا في ذهن بشار الأسد عند اندلاع الحرب الأهليّة في سورية.

15 Kurt Weyland, “The Diffusion of Revolution: ‘1848’ in Europe and Latin America”, International Organization , vol. 63, no.3 (July 2009), pp. 391-423. 16 Christina Fink, “The Moment of the Monks: Burma, 2007”, in Adam Roberts and Timothy Garton Ash, (eds.), Civil Resistance and Power Politics (Oxford: Oxford University Press, 2009), p. 361.

انفتاح الضبّاط على الخارج

إنّ انفتاح ضبّاط الجيش - وخاصّةً ذوي الرّتب العليا - على الخارج، قد يصبح عاملً يؤثّر في سلوكهم تجاه الثّورات. ففي الغالب، لا تقتصر الأهداف المضمرَة والصريحة للدّول التي تعلّم ضبّاطًا أجانب في مؤسّساتها التّعليمية، على تقديم التّدريب المهني؛ بل تجعلهم أيضًا يتشرّبون القيم السياسيّة لهذه الدّول. برز ذلك على نحوٍ جليٍّ أثناء الحرب الباردة، عندما كان الضبّاط الأجانب يدرسون في الاتّحاد السوفييتي أو الولايات المتّحدة الأميركيّة أو المملكة المتحدة؛ إذ كان ينتظر من هؤلاء أن يصبحوا مؤيدين للدّول المضيفة. وفي عالم ما بعد الحرب الباردة بالخصوص، يتلقّى الضبّاط الأجانب الدّارسون في المؤسّسات العسكريّة للدّول الديمقراطيّة تعليمً في العلاقات الديمقراطيّة بين المدنييّن والعسكر. فإذا ترك هذا التّعليم أثرًا في رؤية الضبّاط للعالم، فربما يصبحون أكثر ميلً للتّعاطف مع الثّورات التي تهدف إلى إقامة حكمٍ ديمقراطيٍّ. ومع ذلك، فإنّ العلاقة بالخارج، تُعدُّ عاملً قليل الأثر في موقفهم من الثّورات، ومن المستبعَد أن يفوق أثرَ العوامل الأكثر أهميّةً؛ كتعامل النّظام مع القوّات المسلّحة، والانقسامات داخل النّخب العسكريّة. وفي بعض الأحيان، قد تجعل الدّراسة في الخارج الضبّاط معادين للدّولة المضيفة. ومن الأمثلة على ذلك: منغستو هيلا مريام الذي كان ضابطًا إثيوبيًّا واعدًا، درس في الولايات المتّحدة ستّة أشهرٍ في عام 967.1 فقد نمت لدى هذا الضّ ابط مشاعر معاديةٌ للأميركان، وأصبح بعد عشر سنواتٍ زعيمً للمجلس العسكري الشّيوعي الحاكم ونظامه القاتل.

الخلاصة: أربعة سيناريوهات (بعد فوات الأوان)

تقدم دراسة العوامل المذكورة أعلاه زادًا هامًّا للمحلّلين، يسمح لهم بوضع توقّعاتٍ مدروسةٍ لمواقف الجيوش من الثّورات المستقبليّة، وللمآل النّهائي لهذه الثّورات. صحيحٌ أنّنا وصلنا إلى هذه النّتائج بعد وقوع الثّورات العربيّة، لكن بوسعنا أن نبيّ أنّ موقف الجيوش في بعض الثّورات الأخيرة ليس بالمستغرب، وكذلك نتيجة الثّورات نفسها.

17 Dawit Shifaw, The Diary of Terror: Ethiopia 1974 to 1991 (Bloomington, IN: Trafford, 2012).

في كانون الأول / ديسمبر 9891، قرّر الجيش الرّوماني - وبعد فترة قصيرةٍ من التردّد - أن يدعم الشّعب ضدّ نظام تشاوشيسكو؛ لعدّة أسباب متوقَّعةٍ. فقد كان جيشًا من المجنّدين، تختلف قيادته مؤسّسيًّا مع الشّطة السريّة التي كانت تتمتّع بمعاملةٍ تفضيليّة من النِّظام. ولم يكن احترام الجنرالات كبيرًا لنظام تشاوشيسكو، في حين واجهوا تظاهراتٍ سلميّةً حاشدةً يمثِّل المشاركون فيها المجتمع الرّوماني برمته، وكانوا موقنين بزوال الأنظمة الشيوعيّة المتسارع في أوروبا الشّقية. وقد نجحت الثورة، وكانت حالة التغيير العنيف الوحيدة للأنظمة في المنطقة، بفضل الدعم الحاسم للجيش. لم يكن نظام الجنرالات في بورما عرضةً لخطرٍ جدّي في عام 2007، لعدّة أسبابٍ يمكن توقّعها؛ وأهمّها أنّ القيادة العسكريّة، قد بقيت من دون شكٍّ موحّدة الرّغبة في البقاء في السّلطة، على الرّغم من إجماعها على رفض استخدام العنف ضدّ الرّهبان العزّل. لقد كان القادة العسكريّون هم النّظام، وكان الجيش قوّةً محترفةً. ولم ينجح الثوّار في إقناع الجنود بمساندة قضيتهم، ربّ ا لأنّ المنشقيّن المحتمَلين قد أدركوا أنّهم قد يدفعون هم الثمن في النّهاية، إذا لم تتمكّن الانتفاضة من إسقاط الجنرالات. لقد كان دعم الجيش التّونسي لانتفاضة بلاده متوقَّعًا، مثلما كانت معارضة الجيش البحريني العنيفة للتظاهرات أمرًا متوقَّعًا. ذلك أنّ الجيش الأوّل كان جيشا من المجنَّدين الإلزامييّن، وكان جزءًا هامشيًّا من مؤسّسة بن علي الأمنية، الأمر الذي جعل شرعيّة النّظام ضعيفةً في نظر الجنود، بينما حظيت الانتفاضة بشعبيّةٍ واسعةٍ، وكان الجنود منفتحين على دعوات التآخي. أمّا الجيش الثّاني، فقد كان جيشًا من الموالين للنِّظام والمرتزقة ممّن لديهم مصلحةٌ وجوديّةٌ في سحق تظاهراتٍ تغلب عليها أكثريّةٌ شيعيّةٌ، لا تمتلك أيّ فرصةٍ لكسب العسكر إلى صفّها. كما كان الجيش يحظى بمعاملةٍ جيّدةٍ من جانب النّظام، ويتوقع تدخلً من حلفاء البحرين الخارجيين لدعم إجراءاته. من الواضح أن توقّع سلوك الجيوش تجاه الثّورات، لم يكن على درجةٍ واحدةٍ من السّهولة أو الصّعوبة في جميع الحالات؛ نظرًا لكثرة العوامل التي يُحتمل أن تؤثِّر فيه. ومع ذلك، فإنّ مقاربة هذا السّؤال المهمّ بالطريقة الشّاملة والمنهجيّة التي أقترحُها، تؤمِّن أداةً مفيدةً للمعنيين بالسلوك المحتمل للقادة العسكرييّن تجاه الثّورات في المستقبل.

18 Zoltan Barany, Soldiers and Politics in Eastern Europe, 1945-1990 (London: Macmillan, 1993), pp. 155-159. 19 Fink, pp. 354-370; Mary P. Callahan, “Myanmar’s Perpetual Junta”, New Left Review , vol. 60 (November-December 2009), pp. 27-63.