الفواعل العنيفة من غير الدول: دراسة في الأطر المفاهيمية والنظرية

Violent Non-State Actors: A Conceptual and Theoretical Framework Study

شهرزاد أدمام *

الملخّص

والسياسي والقانوني والاجتماعي وحتى العسكري. أحدثت التطوّرات في البيئة الدولية تراجع محورية الدولة في تفاع تاا النظام الدولي مقابل بروز بيئة عبر قومية أسّ ست لمجتمع عالمي تصنع تفاعلاته فواعل غير دولتية إلى جانب الدولتية، بما جعل السياسة العالمية أشبه بخشبة مسرح - كما عبّر عن ذلك جوزيف ناي Joseph Nye - لم تعد الدولة الصانع الوحيد لهذه السياسة، وإن ما بات يشاركها الدورّ فواعل أخرى من غيرها، والتي تنوّعت مجالات نشاطاتها، لتشمل الجانب الاقتصادي

Abstract

Developments in the international system have led to a diminishing role of nations within international affairs.

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

المقدمة

إذا كانت المجالات الاقتصادية والسياسية والقانونية والاجتماعية هي مواطن نشاط الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية الناشطة في قضايا حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية ومسائل الهجرة والصحّة والبيئة، فإنّ المجال العسكري يتجاذبه عديد الفواعل ممّن يسمّون الفواعل العنيفة من غير الدول Non- Violent (Vnsas Actors State)؛ من قبيل أمراء الحروب، والميليشيات، والمجموعات الإرهابية، وعصابات الجريمة المنظّمة، والجماعات المتاجرة بالأسلحة، والقراصنة، والحركات الانفصالية والتحررية، والشركات الأمنيّة الخاصة التي تتلاقى جميعها في كونها تصدر عن فواعل غير دولتية لكنّها تمتلك القوّة العسكرية الكافية لتهديد الدول والتأثير في خصائصها السيادية. إنّ التنامي الملحوظ لهذا النمط من الفواعل عبر العالم عامّةً والدائرة العربية والأفريقية بأكثر حدّة، إلى جانب تزايد تأثيراته على مستوى الدول والجماعات وحتى الأفراد، بخاصة عقب ما عرفته المنطقة العربية من حراك، كلّها عوامل ولّدت لدينا حاجة أكاديمية فرضت علينا محاولة فهم هذا النوع من الفواعل عبر تقديم مقاربة معرفية بشأنه، انطلاقًا من طرح الإشكال التالي: ما مفهوم الفواعل العنيفة من غير الدول؟ وعبر أيّ المداخل النظرية يمكن تناولها بالتحليل؟ وما مدى تأثيرها في الخصائص السيادية للدول؟ محاولةً منّا للإجابة عن هذا الإشكال، ارتأينا أن تكون دراستنا وفقًا للمحاور التالية: تعريف الفواعل العنيفة من غير الدول. المداخل النظرية لدراسة الفواعل العنيفة من غير الدول. الفواعل العنيفة من غير الدول: الخصائص والفوارق ومعايير التصنيف. عوامل vnsas انتشار ودوائر نشاطها (المحلية/الإقليمية / العالمية.) طرق تأثيرها في تقليص الخصائص السيادية للدول.

تعريف الفواعل العنيفة من غير الدول

تعدّ الفواعل العنيفة من غير الدول أحد أنماط الفاعلين غير الدوليين؛ وعليه، فإنّ استيفاء دراسة هذا النمط من الفواعل يستدعي بداية الوقوف عند مفهوم الفواعل من غير الدول عامّة.ً

تعريف الفواعل من غير الدول

يعرّف بريان هوكينغHocking Brianومايكل سميث Michael Smith الفاعلين من غير الدول actors state Non بأنّهم "جماعة أو منظّمة تتمتع بالاستقلال أي بمقدار من الحرية عند السعي لتحقيق أهدافها والتمثيل، أي تمثيل أتباعها ومؤيّديها، والنفوذ أي القدرة على إحداث فرق تجاه قضية ما في سياق معيّ مقارنةً بتأثير فاعل آخر في القضية ذاتها"1. وفي المقابل، يتّخذ بيتر ويلتس Willetts Peter من تعبير "الفواعل المتخطية للحدود القوميةActors" Transnational بديلا عن تعبير "الفواعل من غير الدول"؛ متفاديًا ما رآه إشارة إلى طغيان dominant "الدولة" الظاهر في المصطلح الثاني2. ويعرّفها بأنّها "أي طرف فاعل باستثناء الحكومات"3. ويقسمها إلى شرعية وأخرى غير شرعية. ويحصي في الأولى مختلف المنظمّات غير الحكومية والأحزاب السياسية والشركات المتخطية للحدود. وأمّا في الصنف الثاني، فيحصي رجال العصابات وحركات التحرر وشبكات الإجرام. وهو ما يوضحه الشكل (١)4. وفي هذا الإطار يقدّم كلّ من جوزيف ناي وروبرت كيوهانRobert Keohane تعريفًا آخر للفاعلين العابرين للقومية يتضمّن "الجماعات الخاصة أو حتى الأفراد الذين يستدعي عملهم في مجال السياسة الدولية تسهيلات مادية داخل الدولة، إلا أنّهم ليسوا في حاجة إلى

  1. إيمان رجب، "القوة المنافسة: مداخل تحليل الفاعلين العنيفين من غير الدول في المراحل الانتقالية"، السياسة الدولية، العدد 192، نيسان/أبريل 2013، المجلد 48، ص.15
  2. Peter Willetts , ”transnational actors and international organizations in global politics” (356-383), in: John Baylis & Steve Smith , The globalization of World Politics: an introduction to international relations , 2nd ed (Oxford: Oxford university Press, 2001), p357.
  3. Ibid, p 358.
  4. التصنيف والشكل مستمدّان من الشكل الذي قدّمه ويلتس تحت عنوان: actors political global of Classification، انظر: Ibid, p 359. الشكل (1) أنماط الأطراف الفاعلة العابرة للحدود الشكل (٢) التفاعلات عبر الوطنية والسياسة الدولية

الحكومة من أجل ممارسة العلاقات الدولية؛ إذ يتّجه سلوكهم مباشرة إمّا إلى الفواعل الأخرى عبر القومية أو الحكومات الأخرى"5. إنّ مسار عمل هذه الفواعل هو ما يصنع التعقّد والترابط والاعتماد المتبادل في تفاعلات السياسة العالمية اليوم. وهو ما يختزله المخطّط الذي قدّمه ناي وكيوهان، في الشكل (٢.)

وتشير الأكاديميات المهتمة إلى وجود أنواع عديدة من الفاعلين غير الدول تتمايز وفقًا لمعايير يمكن حصرها في الآتي: أ. المعيار المدعم لنشاط الفاعل: وهو يبرز المورد الذي يستمدّ منه الفاعل قوّته ويضمن استمراريته. ويكون ماديًّا أو معنويًّا قيميًّا: المعيار المادي: يتراوح بين امتلاك الموارد الاقتصادية بخاصة المالية، والسيطرة على إقليم أو جزء منه وامتلاك وسائل العنف والقوّة العسكرية. المعيار القيمي: ينشأ بموجبه الفاعل أو يتبنّاه. ويشمل المعتقدات والدين والثقافة واللغة6. ب. المعيار المكاني: ويشمل حيّز النشاط الذي يشغله الفاعل. معيار العلاقة بالدولة: حيث يكون الفاعل إمّا فاعلً حكوميًّا أو غير حكومي، شرعيًّا أو غير شرعي. معيار الأهداف المسطّرة لنشاط الفاعل: وهي الأهداف التي رسمها الفاعل ويعمل على تحقيقها. وتكون إمّا الحفاظ على الوعي القائم أو تغييره وتصحيحه بما يخدم الفاعل. معيار نوع النشاط الم رااس من جانب الفاعل: سواء كان اقتصاديًّا أو حقوقيًّا أو سياسيًّا أو أمنيًّا7.

مفهوم الفواعل العنيفة من غير الدول

بدايةً، تجدر الإشارة إلى أنّ مصطلح "الفواعل العنيفة من غير الدول" لا يحظى باتفاق أكاديمي حوله. وهو عادةً ما يكون على تماسّ مع مصطلحات أخرى من قبيل "الجماعات المسلّحة" Groups Armed8، أو "الفواعل المسلّحة من غير الدول" Actors State Non Armed وكذا "المجموعات غير الشرعية وحركات التحرّر" Nonlegitimate Groups And Liberation Movementsبحسب تصنيف بيتر ويلتس مثل9. تعرّف مبادرة "نداء جنيفCall" Geneva الفواعل العنيفة من غير الدول بأنّها "جماعة منظّمة ذات بنية أساسية للقيادة تعمل خارج سيطرة الدولة، وتستخدم القوّة لتحقيق أهدافها. وتمثّل هذه الجهات: الجماعات المتمردة، ومختلف حكومات الكيانات التي لم يتمّ الاعتراف بها كليًّا"10. ويشمل هذا التعريف كذلك حركات التحرّر والمجموعات المصنّفة على أنّها إرهابية، وتلك التي تزعم أنّها جهادية، ومجموعات الاتّجار بالسلاح التي تتشارك في كونها تعمل خارج نطاق سيطرة الدول وتستخدم العنف. أمّا بيتر ويلتس، فيقصر مفهوم هذه الفواعل على "المجموعات المختلفة التي تمارس أعمال عنف أو سلوكًا إجراميًّا مبنيًّا على أساس العمل من خارج حدودها الوطنية". وهو بهذا الصدد يميّز "بين السلوكيات التي تعتبر إجراميّة في العالم مثل السرقة والتزوير والمتاجرة بالمخدّرات وما يصحبها من عنف عشوائي، وبعض النشاطات التي يدّعي ممارسوها

  1. للمزيد من التفاصيل، انظر:
  2. للمزيد من التفاصيل، انظر: Dcaf & Geneva Call, "Armed Non-State Actors: Current Trends & Future
  3. رجب، المرجع نفسه، ص.12 8 “ Armed non - state actors” in: Forced Migration , issue 37 (Refugee studies center, March 2011). انظر في هذا العدد بخاصة مقالة: - Olivier Bangerter, “Talking to armed groups”, in: Armed non state actors, Forced Migration , issue 37, (Refugee studies center, March 2011), pp 07-10. 9 للمزيد من التفاصيل، انظر: Willetts, “transnational actors and international...”, Ibid. 10 DCAF & Geneva Call, ”Armed Non-State Actors...”, Ibid, p07.
  4. Joseph S. Nye & Robert O.Keohen, ̈Transnational Relations and World Politics: An Introduction ̈, in: International Organization ,Vol.25 , No.3, Transnational Relations and World Politics (Summer,1971), pp 329-349.
  5. Challenges ,"(DCAF, DCAF Horizon 2015, 2011), Working Paper No. http://www.dcaf.ch/Publications/Armed-Non-State-Actors- pp10-11,
  6. Current-Trends-Future-Challenges

أنّها ذات دوافع سياسية مشروعة". وهو يقصد بها خصوصًا الحركات التحررية أو الانفصالية11. إنّ التمييز بين أنماط الفواعل العنيفة من غير الدول اعتمادًا على مثل هذه المعايير، كثيرًا ما يُحدث لبسًا بخاصة إذا ما جادل بعض المجرمين أنّ دوافعهم وأهدافهم لها تأسيسات سياسية، أو بالمقابل إذا ما قامت بعض الجماعات السياسية ذات المطالب المشروعة بانتهاكات لحقوق الإنسان أو أعمال تعذيب أو قتل للأطفال أو تصفيات عرقيّة. وفي هذا الصدد، يؤكّد ويلتس أنّ بعض الجماعات نجحت في تحويل صبغة نشاطاتها من الصبغة الإجرامية "الإرهابية" إلى الصبغة "الخيّة" التي تحوز تقدير جهات خارجية واحترامها وتعاطفها. وهذا في إطار حركات التحرّر الوطني. لكن في حال وجود شروط حدّدها ويلتس كما يلي: عندما تحوز الجماعة دعمً واسعًا من مريديها. في حالة استنفاد الطرق السياسية كافّة. إذا ما كانت الحكومة المستهدفة من النوع الاستبدادي الجائر. عندما يكون السلوك العنيف موجّهًا ضدّ الأهداف العسكرية وليس ضدّ المدنيين12. وهو ما يتطابق بحسب ويلتس مع تجربة "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" ANC و"المنظمة الشعبية لجنوب غرب أفريقيا " CWAPO. في حين بقيت جماعات مثل "الجيش الجمهوري الأيرلندي المؤقت" ومنظمة "إيتا"، خارج هذا الإطار لكونها اعتمدت أسلوب العنف العشوائي13. ومن جهته، يحصي فيل وليامز Williams Phil الجماعات التالية ضمن الفواعل العنيفة من غير الدول، وهي: أمراء الحرب: كالمنتشرين في سيراليون، وكونغو الديمقراطية، وبورما، وأفغانستان. الميليشيات: يعدّها ويليامز مثل أمراء الحروب لكن من دون القائد الكاريزمي؛ مثل ميليشيا جيش المهدي في العراق، والبشميركة الكردية، والمليشيات المنتشرة الآن في مناطق الحراك العربي والساحل الأفريقي. القوّات شبه العسكرية: وهي تشكَّل من عناصر مدنية أو قدماء العسكريين باتّفاق ضمني أو معلن مع السلطات (مثل قوّات الدفاع الذاتي في كولومبيا، وفي الجزائر). وقد يحدث أن تخرج هذه الجماعات عن سيطرة الدولة. حركات التمرّد: والتي يتراوح هدفها من استخدام العنف بين إطاحة الحكومة والاستقلال عن الحكومة القائمة. المنظمّات الإرهابية: المنظمات الإجرامية، والعصابات14. إلى جانب هذه الأنماط نجد سهام جابيSihem Djebbi في مقالتها "مركبات الصراعات الإقليمية"15 تضيف الجماعات التالية: الشبكات العسكرية العاملة في الغارات المسلّحة والحروب بالوكالة التي تلقى دعمً لوجيستيًّا من الدول المجاورة (متمرّدو سيراليون وعلاقتهم بمتمرّدي ليبيريا.) شبكات المرتزقة التي تتكوّن من قدماء المحاربين الذين تفشل دولهم في إعادة إدماجهم اجتماعيًّا بعد سياسات التهدئة والتسريح (المقاتلون السابقون في سيراليون، وليبيريا، وغينيا.) عصابات الاتّجار غير المشروع بالأسلحة: والتي تنتظم في شبكات إقليمية تتعامل مع المتمردين والمرتزقة (العصابات الأفغانية)16. هذا إضافةً إلى عصابات الجريمة المنظّمة العابرة للحدود، والتي تتمثّل في مجموعة أفراد منضوين ضمن تنظيمات دائمة يخترق نشاطها حدود الدول، وتستهدف الحصول على المنافع المالية والمكاسب التجارية بطرق غير مشروعة وعبر وسائل مختلفة؛ منها استخدام السلاح والعنف أو التهديد بذلك. وتتّخذ هياكلها أشكالً تتباين بين الهرمي والشبكي والخلوي. وهي عادةً ما تختلق الخلافات بين الدول أو تؤجّج الخلافات الموجودة؛ بغية خلق البيئة الملائمة لنشاطاتها17.

  1. Willetts, “transnational actors and international...”, Ibid., p617.
  2. Ibid, p618.
  3. Ibid, p620.
  4. Phil Williams, “Violent non - state Actors And National and international security”, (Zurich, Switzerland, International relations and security network, ISN , 2008), pp09-17.
  5. Sihem Djebbi, « Les complexes conflictuels régionaux», in: Les complexes régionaux de sécurité, (IRSEM , Fiche de l’Irsem n° 5 , Mai 2010), 9 pages.
  6. Ibid., pp 4-5.
  7. U.S. Department of Justice, Office of Justice Programs, National Institute of Justice , “Research on International Organized Crime”, OMB No. 1121- 0329, 28/02/2013, p4.

ونشير كذلك إلى التنامي الملفت لأحد أنماط الفواعل العنيفة من غير الدول والمتمثّل في شركات الأمن الخاصة العابرة للقوميات وحتى القارات، والتي شهدت تزايدًا سريعًا في أعدادها وتوسّعًا مبهرًا في وظائفها بخاصة بعد حربَ أفغانستان والعراق الأخيرتين، والتي شملت إسناد القواعد وحراسة المنشآت وحماية القوافل العسكرية والحراسة الشخصية18، وتدريب القوات المسلّحة، وتقديم المشورة لها، وصيانة أنظمة الأسلحة، واستجواب المحتجزين، بل والقتال في بعض الأحيان19. وتتعامل مع هذه الشركات للاستفادة من خدماتها، كلّ من الحكومات والمنظمات العابرة للقومية، والمنظمات غير الحكومية، والشركات العابرة للقارات، والمنظمات الإنسانية، ووسائل الإعلام، والمنظمات الدولية20.

المداخل النظرية لدراسة الفواعل العنيفة من غير الدول

بدايةً، لا بدّ من تأكيد بعض الحقائق المتعلقة بالتنظير لvnsas، وهي كما يلي: إنّ التسارع المفرط في نشوء هذه الفواعل وتنامي نشاطاتها لا يقابله تسارع مماثل في تطوير الأطر النظرية التي تسمح باستيعابها، بوصفها فواعل مؤثّرة في العلاقات الدولية. يعدّ هذا النمط من الفاعلين الأقلّ حظًّا من الاهتمام الأكاديمي النظري بخاصة إذا ما قورن بالاهتمام المخصّص للفاعلين من غير الدول في الجانب الاقتصادي21. والأمر مردّه أساسًا إلى التهافت الذي حصل تجاه فرضية تراجع محورية القوة العسكرية في توجيه تفاعلات عالم ما بعد الحرب الباردة لفائدة القوّة الاقتصادية. إنّ الاهتمام بهذا النوع من الفواعل لم يبرز جليًّا إلا بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 تحت صبغة "الجماعات الإرهابية" في شكلٍ من التسييس والانتقائية. إنّ الحركة التنظيرية في مجال العلاقات الدولية طالما اهتمّت اهتمامًا بالغًا بالموجة الأولى من الفواعل من غير الدول التي نقصد بها تلك التي تنشط في المجالات السلمية: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية؛ من قبيل الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات الحقوقية والمهنية، وهذا على حساب الموجة الثانية المتمثّلة في تلك التي تنشط في المجال العسكري سواء امتلاكًا للسلاح أو متاجرة به أو تهديدًا باستخدامه، أو هي جميعًا، بعيدًا عن سيطرة الدولة.

لطالما نظرت غالبية الأكاديميات التقليدية في هذا المجال إلى هذا النمط من الفواعل من خلال الدولة تحت ثنائية "الحكومية وغير الحكومية"، إلا أنّها تجاهلت في تحليلاتها البعد الاجتماعي لنشوء هذه التنظيمات. إنّ هذا المنظور الإقصائي لدور الفواعل من غير الدول هو ما ساد طوال فترة "هيمنة" المنظور الواقعي على مجال التنظير في العلاقات الدولية. وهو المنظور الذي تأسّست افتراضاته على "محورية الدولة ومركزيتها كفاعل وحيد في العلاقات الدولية"22. غير أنّ التأثيرات المتزايدة للجيل الأوّل من الفواعل غير الدولتية منذ السبعينيات الماضية عزّزت الافتراضات القاعدية للمنظور التعددي الليبرالي، بخاصة مقاربة "الاعتماد المتبادل" القائمة أساسًا على أهمية الفواعل من غير الدول في تحريك تفاعلات السياسة العالمية التي أصبح الاقتصاد – بحسب المنظور ذاته - بفواعله المختلفة الطبيعة، هو محورها.

  1. مولي دوناجان كريستيان سينس مونيتور، "درس من العراق حول خصخصة الحرب"، صحيفة العراق الإلكترونية، 2013/4/11، على الرابط: http://iraqnewspaper.net/news.php?action=view&id=20299/.
  2. “ Contemporary challenges to IHL – Privatization of war”, International Committee of the Red Cross , 10/2/2013, http://www.icrc.org/eng/war-and-law/ contemporary-challenges-for-ihl/privatization-war/overview-privatization.htm.
  3. José L Gómez del Prado, “Privatising security and war”, Issue 37 (Oxford: Forced Migration Review , March 2011), p 18.
  4. رجب، المرجع نفسه، ص.13
  5. خالد حنفي علي، "ما بعد الدولة: متطلبات فهم الموجة الجديدة للفاعلين من غير الدول"، في ملحق اتجاهات نظرية، السياسة الدولية، العدد 192، نيسان/أبريل 2013، المجلد 48، ص.4

وفي هذا السياق جاءت إسهامات كلّ من جوزيف ناي وروبرت كيوهن؛ لتصبّ في إطار التأكيد على ضرورة بناء فهمٍ جديد للعلاقات الدولية يفسح المجال أمام فواعل متباينة بين الفرد والمنظمة والدولة تختلف في طبيعتها، لكنّها تشترك جميعها في كونها تمتلك الموارد التي تمكّنها من إحداث التأثير23. إنّ هذا الزخم من مفرزات العولمة والتزايد المتسارع في علاقات الاعتماد المتبادل التي يشهدها العالم، استدرج الواقعية إلى الانخراط في مضامينه الجديدة ومراجعة بعض افتراضاتها، في إطار ما سُمّي بالواقعية الجديدة التي لم تلغ وجود فواعل أخرى إلى جانب الدول تتفاعل في إطار هيكل النظام الدولي. غير أنّ الواقعيين الجدد لا يزالون أوفياء لأساسيات الآباء المؤسسين بالنظر إلى تأكيدهم أن تغيّ هيكل النظام الدولي أو استمراره مرهون بنمط توزيع القوة داخله، وأنّ الأكثر قوّة هو من يؤثّر في ذلك. وبالطبع تبقى الدولة في منظورهم هي الأقوى، وهي من يمتلك قوّة التأثير.

ومقابل ذلك، حاول أصحاب النظرية البنائية اختراق "كرات البيار" الصلبة (الدول بحسب مفردات المنظور الواقعي)؛ عبر البحث في مكنوناتها الهوياتية، وامتداداتها الثقافية، ودور مصالح الجماعات في توجيه سلوكاتها؛ فنجد مثلا البنائي ألكسندر ووندت Alexander Wendtيجادل بتأثير الهويّات والأفكار والتفاعل بين الوحدات في النظام الدولي، ودور ذلك في تحويل الهويّات الأنانية إلى هويّات جماعية24. وهو بهذا يقرّ ضمنيًّا بالأدوار التي تقوم بها هذه الكيانات العابرة للدول، كما أكّدت مارثا فينيمور Martha Finnemore من جهتها على الدور الأساسي الذي تقوم به المنظمات الدولية في ديناميكية التفاعلات الدولية بوصفها ناقلً للقيم ولقواعد السلوك الدولي من المجتمع الدولي إلى الدول25. ومن الجدير بالذكر، أنّ هناك تيارًا فكريًّا يناضل من أجل "أنسنة العلاقات الدولية"؛ عبر جعل الإنسان محور تفاعلاتها وتركيز الاهتمام حوله؛ مستغلّةً في ذلك ما أحدثته العولمة من تأثيرات في بعض الخصائص السيادية للدول بما كسر احتكار هذه الأخيرة لجزء من الأدوار الأساسية لفائدة "المجتمع المدني" في بعده العالمي الذي أصبح يؤثّر في وضع أجندات تعالج قضايا من قبيل، مشاكل الهجرة واللاجئين، والفقر، والبيئة، والتنمية، وغيرها. ولقد ارتبط بهذا المنظور عديد الاقترابات من قبيل "المجتمع عبر القومي" Transnational Society و"النظام العالمي" Régime Global و"الحكم العالمي" Governance Global، والتي تعدّ أكثر استيعابًا لواقع تنامي أدوار الفاعلين من غير الدول وتأثيراتهم المتزايدة في السياسة العالمية26. وعمومًا، فإنّ متفحّص مسارات المحاولات التنظيرية التي استهدفت بناء مقاربات تستوعب هذه الفواعل وأنماط تأثيرها، يجدها قد سلكت اتّجاهين رئيسين: - الاتّجاه الأوّل: تصنّف ضمنه مختلف الجهود النظرية الرامية إلى إعادة تكييف طروحات النظريات الرئيسة التقليدية في العلاقات الدولية وموضوعاتها؛ من أجل استيعاب الفاعلين من غير الدول كما جرى توضيحه. غير أنّ مركزية الدولة ومرجعيتها، لا تزالان تطوّقان هذه الجهود. وهو ما يتّضح في أبرز مقولاتها التي تفيد بأنّ: "قدرة الفاعلين من غير الدول على التأثير في السياسات ترتبط بقدرتهم على تحويل تفضيلات وسياسات الدول الكبرى"27. - الاتّجاه الثاني: يمثّله نوعان من النماذج، وهما: النوع الأوّل: النماذج العامة التي يمكن اعتمادها لدراسة أيّ نوع من الفاعلين من غير الدول على اختلاف مجالاتهم، نذكر منها:

  1. للمزيد من التفاصيل عن آراء ناي وكيوهن بخصوص الفواعل عبر القومية، انظر: NYE & Keohen, ̈Transnational Relations and World Politics: An
  2. “ Wendt: Anarchy is what states make of it”, Wiki Summary, the Free Social Science Summary Database , viewed 06/04/2014, http://wikisum.
  3. Valentina Fietta, “Constructivist Theories of International Relations: Wendt, Finnemore and Katzenstein”, viewed 05/04/2014, http://www.academia.edu/4179790/Constructivist_Theories_of_ International_Relations_Wendt_Finnemore_and_Katzenstein#/. 26 انظر: سعاد محمود أبو ليلة، "عدم التماثل: الأطر النظرية المفسّ ة لدور الفاعلين العابرين للقومية"، في ملحق اتجاهات نظرية، السياسة الدولية، العدد 192، نيسان/أبريل 2013، المجلد 48، ص.15 27 رجب، المرجع نفسه، ص.13
  4. Introduction ̈, Ibid,.
  5. com/w/Wendt:_Anarchy_is_what_states_make_of_it/.

إضافات جوزيف ناي وروبرت كيوهين في "الاعتماد المتبادل المركّب". وهو ما أوضحناه سابقًا. إسهامات أوران يونج بشأن الفاعلين المختلطين: "الفاعل المختلط" مصطلح استخدمه أوران يونجYoung Oran (1972) في مقالة له أسهم بها في كتابٍ مشترك إلى جانب هارولدHarold ومارغريت سبراوت Sprout Margaret. وقد كانت حجّة يونج في طرحه أنّ بناء تحليل السياسة العالمية على نموذج فاعل واحد لم يعد مجديًا؛ مجادلً بأنّ مسائل السيطرة والخضوع يجب أن يجري الفصل فيها على أساس مجال قضايا مرهونة بالسياسة، بدلً من الاشتراط استباقًا أنّ بعض الفاعلين مسيطرون بصورة حتمية. وعلى هذا الأساس، فإنّ منظور الفاعل المختلط يمكّن من إجراء تمييز أساسي بطريقة تحليلية بين العلاقات التي تتضمّن فاعلين من النمط نفسه وعلاقات بين أنماط مختلفة من الفاعلين؛ مثلً بين دول ومنظمات حكومية دولية، أو بين منظمات حكومية دولية ومنظمات غير حكومية دولية. إسهامات بادي وسموتس بشأن سوسيولوجية العلاقات الدولية المعقّدة (((2: ينطلق هذا التحليل من مقاربة سوسيولوجية لحقل العلاقات الدولية المعاصرة تستهدف إعادة بناء هيكلها النظري الأخير؛ اعتمادًا على التطوّرات الجديدة في علم الاجتماع والعلوم السياسية المقارنة، أو المقاربات المهتمة بالتدفقات العابرة للقوميات. تجادل هذه المقاربة في أنّ تفاعلات النظام الدولي تتناغم ضمن ثنائية تعايشية بين عالمين؛ "عالم الدولة" وعالم "متعدّد المراكز" يتكوّن من مجموعة مشاركين لهم المقدرة على الفعل الدولي. وهو ما يخلق شكلً بالغ التعقيد للانتماءات؛ ففي حين يرتكز العالم الأوّل على تفرّد انتماءات المواطنة، نجد العالم الثاني واقعًا تحت تجاذبات شبكة انتماءات غير مضبوطة تستند طبيعتها وديناميكيتها وحيّزها على الإرادة الحرة للاعبين فيها، في سياقٍ من التدفقات العابرة للقومية، والتي تسمح بدورها بظهور نماذج متعددة، جزء منها ينتج من منظمات غير حكومية، وآخر ينشأ عن تأثير تكوّن أفعال فردية متعددة28. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى ضرورة التفحّص الذي يستوفي أطروحة "العصر الوسيط الجديد" لصاحبها هيدلي بول Bull Hedley التي يمكن أن تكون إطارًا قاعديًّا لتبصّات نظرية في الأفق تمكّن من استيعاب التسارع المفرط في إيقاعات النظام الدولي التي ستقودنا– بحسب أدبيات العصر الوسيط الجديد - إلى معايشة عصر العلاقات ما بعد الدولية؛ أي السياسة العالمية التي يخلقها مجموع فواعل عديدة لا يكون الحسم فيها للدولة29. إنّ العودة إلى المجتمع الإقطاعي بحسب هيدلي، لن تنذر بنهاية نموذج السيادة وحسب بل إنّها ستنبئ من المنطلق نفسه بانقضاء المجتمع الدولي الذي سيصبح غير متوقّع، تخضع تفاعلاته لسلوكيات عدد لانهائي من اللاعبين، كما أنّها ستعلن كذلك عن تراجع فعالية القانون الدولي بل زواله30. النوع الثاني: يشمل بعض النماذج الخاصة في مجال الدراسات الأمنيّة، والتي عادةً ما استهدفت تقديم توصيات واستشارات بخصوص مكافحة الإرهاب. لكنّها تعدّ محاولات تنظيرية ذات وزن حول الفواعل العنيفة من غير الدول بالنظر إلى ندرة الإسهامات في هذا المجال. ومثال ذلك نموذج كاسبر Casebeer وتوماسThomas وبارتولومي31Bartolomei الذي طوّروه انطلاقًا من "نظرية النظام المفتوح"، مرتكزين أساسًا على تحليل البيئة التي يعمل فيها الفاعل وخصائصه التنظيمية وتفاعلاته الداخلية. تنطلق الدراسة التي قدّمها الثلاثي كاسبر وتوماس وبارتولومي، من كون نظرية النظم المفتوحة تعدّ جميع المنظمات نظمً خاصيّتها الرئيسة هي التفاعل مع بيئتها بطريقة ديناميكية، وبوصف الفواعل العنيفة من غير الدول منظّمة، فإنّ تفاعلها وفقًا لهذا المنظور يكون في شكلٍ يشير إلى نمطين من السلوك المعمّم: الأوّل يتضمّن العلاقة بين نظام الفواعل العنيفة من غير الدول وبيئتها أو النظام الأعظم System Super. أمّا الثاني، فيشمل العلاقات بين "عناصر معقّدة"

  1. للمزيد من التفاصيل عن هذا المنظور، انظر: بتران بادي وماري – كلود سموتس، انقلاب العالم - سوسيولوجيا المسرح الدولي، ترجمة: سوزان خليل (القاهرة: دار العالم الثالث،
  2. المرجع نفسه، ص 141،.140
  3. للمزيد من التفاصيل، انظر: عادل زقاغ: "العصر الوسيط الجديد وتداعياته على النظرية والممارسة في العلاقات الدولية"، مجلة، )بسكرة: جامعة محمد خيضر)، العدد المفكر 07، ص.170-159
  4. بادي وكلود سموتس، المرجع نفسه، ص.154
  5. للاطلاع على الدراسة، انظر: Jason Bartolomei, William Casebeer and Troy Thomas , “ Modelling Violent Non-State Actors: A Summary of Concepts and Methods” (Colorado: Institute for Information Technology Applications United States Air Force Academy , IITA Research Publication 4, Information Series, November 2004).

أو أجزاء من المنظمة المعروفة باسم "النظم الفرعية"؛ إذ تمثّل هذه الأخيرة العمليات التحويلية ل Vnsas. في حين تشير الأولى إلى حقيقة أنّ المنظمات هي أنظمة مفتوحة قائمة على تبادل المعلومات والقوة باستمرار مع البيئة32. وفي هذا السياق، تعدّ هذه الدراسة الفواعل العنيفة من غير الدول ردّة فعل على الضغوط البيئية، وهي بدورها من مفرزات القيود والفرص السياقية. ومن هذا المنطلق تستهدف هذه الجهود البحثية تشخيص هذه الظاهرة عبر الاستعانة بحقولٍ علمية متعددة؛ كالبيئة، والهندسة، والعلوم الاجتماعية. في كثير من الأحيان، يجري تحليل المنظمات بمعزلٍ عن بيئتها مع التركيز أكثر على الهياكل الداخلية بما في ذلك الهياكل التنظيمية والقيادة والقواعد والاتصالات الرسمية والكفاءة العملية. في حين تهمل مقاربة النظم المغلقة حقيقة جوهرية، وهي أنّ المنظمة "يجب أن تتفاعل مع البيئة من أجل البقاء، بل إنّها تستقبل الموارد وتفرز مخرجات إلى البيئة"؛ على نحو ما قال به دانييل كاتز Katz Daniel وروبرت كان Kane Robert: "النظم الحيّة سواء الكائنات البيولوجية أو المنظمات الاجتماعية، تعتمد تمامًا على بيئتها الخارجية"33. يرى بارتولومي وزملاؤه أنّ النظم المفتوحة معقّدة للغاية، على نحو ما ذهب إليه المنظّر ريتشارد دافتRichard Daft حينما عدّ: "أيّ منظمة تهدف للحصول على الموارد اللازمة والعمل على تفسير التغيّ ات البيئية ومراقبة الأنشطة الداخلية وتنسيقها في مواجهة الاضطرابات البيئية وعدم اليقين"، وهذا في صورة تفاعلية بين المدخلات والمخرجات. وعليه، فإنّ تحليل مختلف المنظمات بما فيهاVnsas في إطار النظم المفتوحة يتطلّب منّا تفحّصها على ثلاثة مستويات: البيئة (النظام السوبر)، والمنظمة (النظام)، والعناصر الداخلية (النظم الفرعية)، والتي يجري من خلالها تبادل الطاقة والمعلومات، مع وجوب التأكيد على أهمية إجراء التحليل على العلاقات داخل المستويات وعبرها34. وهذا مع مراعاة الحقائق التالية: فعالية المنظمة ونجاحها يعتمدان بصورة كبيرة على قدرتها على التكيّف مع بيئتها وشكل هذه البيئة، أو بقدرتها على إيجاد بيئة مواتية للعمل فيها. تستخدم المنظمات هذه المنتجات والخدمات والأفكار مدخلات لحماية تنظيمها وتحقيق نموّها. تعتمد فعالية أيّ منظمة إلى حدٍّ كبير على قدرتها على تلبية حاجة النظام الداخلي، بما في ذلك تقسيم الأدوار داخل المنظمة وإجراء عمليات تحويلية وإدارة العمليات، وكذلك قدرتها على التكيّف مع البيئة. تخلق التطوّرات داخل المنظمة وخارجها، ضغوطات من أجل التغيير. لكن تقوّي كذلك قوى الجمود والاستقرار35. لقد انطلق بارتولومي وزملاؤه في تحليلاتهم للفواعل العنيفة من غير الدول من افتراضات مقاربة النظم المفتوحة. لكنّهم طوّروها اعتمادًا على مستخلصات دراسات الحالة والبيانات التجريبية التي قاموا بها؛ مستفيدين من حقولٍ معرفية مختلفة بما يفتح آفاقًا جديدة لفهم هذا النوع من الفواعل بوصفها نظامًا مفتوحًا أشبه بالكائنات الحيّة في نموّها وتكيّفها وتكاثرها وحتّى في فنائها. يجادل أصحاب الدراسة أنVnsas تسلك طريق العنف تحت وطأة مجموعة عوامل منها ندرة الموارد والضغوط الديموغرافية، والحرمان الاجتماعي والاقتصادي، والانقسامات الهوياتية. غير أنّ هذه المنظمات – بحسب رأيه - لا تظهر للوجود فجأةً، وإنّ ا هي كما الكائن الحيّ تمرّ عبر سلسلة من مراحل دورة حياة تتغي خلالها في الشكل والوظيفة؛ ففي حال توافر عامل فشل الدولة إلى جانب الانقسامات الهوياتية التي تستغلّ عبر التعبئة والتحريض تحدث مرحلة الحضانة التي تمهّد لظهور vnsas وتساعد عليه؛ لتدخل بعدها هذه الأخيرة مرحلة الحمل التي تمثّل النموذج الأولّي للمنظمة. وبتوافر عوامل ضغط أخرى، فإن Vnsas تنمو بطريقة تسمح لها بالتكيّف مع بيئتها، وتمنحها مزيدًا من التعقيد والتباين. وإذا ما سمحت لها الظروف بالتطوّر والتكيّف حتى في ظلّ بيئة مضطربة، قد تصل Vnsas إلى مرحلة النضج في النموّ، والتي قد تستمرّ في المنحى نفسه أو تغيّ اتّجاهها ربّ ا نتيجة لإستراتيجية واعية، ولكن أكثر من هذا بسبب القيود البيئية، أو أنّها تنتج منظمة

  1. Ibid, p2.
  2. Ibid, p3.
  3. Ibid, p4.
  4. Ibid, p4.

أخرى قد تسلك مسارها التطوّري نفسه أو تسلك منحى آخر في دورة حياةٍ جديدة. كما يمكن للمنظمات العودة إلى مرحلة النموّ أو حتى الحمل. وقد تصل إلى مرحلة الموت؛ وهذا بحسب قدرتها على التكيّف، واستغلال مواردها، وحشد طاقاتها، وتجديد تعبئتها36. إنّ التفحّص التحليلي لدورة حياة هذه المنظمات، وتتبّع علاقاتها ضمن نظمها الفرعية من جهة ومع بيئتها من جهة أخرى، ومعرفة أهدافها، وتصنيف وظائفها، وتحديد نقاط ضعفها، كلّها عمليات تسمح ببناء إستراتيجية متكاملة وفعّالة للتعامل معها. وهو الهدف الأساسي الذي عمل لأجله بارتولومي وزملاؤه؛ ليقدّموا استشارة نظرية بخصوص الإستراتيجية الأمثل للتعامل مثلً مع الإرهاب بوصفه أحد أنماط Vnsas (إلى جانب أمراء الحرب، والجيوش الخاصة، والمنظمات الإجرامية عبر الوطنية، والمنظمات الدينية المتشددة، والجماعات القومية العرقية ومعارضي العولمة والفوضويين التي يحصونها ضمن أنماط Vnsas)37.

وفي سياق الدراسات الأمنيّة نفسه، نجد إسهامات روبرت ماندل Mandel Robert التي قدّمها في كتابه "اضطرابات الأمن العالمي.. ‬الجماعات المسلحة من ‬غير الدول تغتصب وظائف استقرار الدولة"38؛ محاولً طرح فهمٍ أعمق لسلوك الفواعل المسلّحة‬ من غير الدول؛ مثل المرتزقة ‬والمتمرّدين والإرهابيين ‬وأمراء الحرب. وكشف علاقة هؤلاء بالاستقرار الأمني على المستوى المحلّ والوطني وحتى العالمي، في ظلّ التحولّات الأمنيّة39‬. انطلق ماندل من تفنيد الطرح الذي تناول الفواعل المسلّحة من ‬غير الدول بوصفها جهات مناهضة لتحقيق الأمن والاستقرار الدولي؛ مجادلً برؤية مناقضة تفترض إمكانية أن تعزّز هذه الفواعل الاستقرار بدل تقويضه، بل وأن تمثّل عاملً فاعلً في تعزيز الحوكمة الأمنيّة. وهذا وفقًا لما استخلصه من ‬دراسة حالات شملت ‬اثنتي عشرة حالة، وهي: ‬الشيشان في روسيا، وشركة ‬ Outcome Executive‬في سيراليون، والقوّات الثورية المسلّحة في كولومبيا، والعصابات في الصومال، وحزب الله في لبنان، والجيش الجمهوري الأيرلندي في المملكة المتحدة، والجيش الإسلامي لعدن في اليمن، وجيش الرب للمقاومة في أوغندا، ومارا سالفاتروتشا في الولايات المتحدة الأميركية، وبوسيس في جاميكا، وطالبان في أفغانستان، والياكوزا في اليابان40‬. لقد قدّم ماندل عددًا من العوامل التي رأى أنّها تضْ من فاعلية الجماعات المسلّحة من ‬غير الدول في تعزيز الاستقرار؛ منها عجز الدولة عن تحقيق الأمن والعدالة ‬ممّ يؤجّج الفوضى والعنف، وكذا فشل الحكومة في فرض القانون وتطويق الفوضى؛ إذ في ظلّ هذه الظروف تصبح هذه الجماعات المنفذ الوحيد لوقف العنف، ‬وغالبًا ما يحدث ذلك في المناطق الحدودية المنعزلة، أو تلك التي تخضع لولاءات عشائرية بدل الوطنية41‬. إلى جانب هذا، يؤكّد ماندل أنّ مدى تسامح نظام الدولة ومرونته أو تسلّطه ونفوذه تجاه الفواعل المسلّحة من ‬غير الدول، وكذا درجة التوافق الداخلي لهذه الجماعات إضافةً إلى اتفاق الرأي العام في المجتمع بخصوص أهمية أدوارها، كلّها عوامل تجعل من هذه الفواعل ضامنًا لتحقيق الاستقرار، ‬بخاصة في ظلّ تعدّد الفصائل وتنافسها على بسط النفوذ. وهو ما يجعل إحداها أو بعضها الحل الوحيد لتقليل العنف والحدّ من الفوضى42.‬

  1. Ibid, pp5-6.
  2. Ibid, pp7-8.
  3. Robert Mandel, Global Security Upheaval: Armed Non-State Groups
  4. رضوى عمار، "اضطرابات الأمن العالمي: الجماعات المسلحة من غير الدول تغتصب وظائف استقرار الدولة"، مقالات وكتاب، السياسة الدولية، 2013/10/1، على الرابط: http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=1491666&eid=5610.
  5. المرجع نفسه. 42 المرجع نفسه.
  6. Usurping State Stability Functions (California: Stanford University Press,
  7. المرجع نفسه.

الفواعل العنيفة من غير الدول: الخصائ ص والفوارق ومعايير التصنيف

الخصائص والفوارق

في كتابه "الفواعل العنيفة من غير الدول والأمن الوطني والدولي"، يؤكّد فيل وليامز أنّ الفهم الوافي لهذا النمط من الفواعل يتطلّب الوقوف عند الخصائص التي تفرده عن غيره من الفواعل، والتي حصَها في الآتي: هناك من الفواعل العنيفة من غير الدول من يمارس بحكم الأمر الواقع السيطرة على الإقليم، وصلت إلى مستوى عالٍ من التنظيم يقارب ذلك الخاص بالدول (حزب الله اللبناني). في حين تتضاءل أخرى لتكون مجموعة محدودة العناصر. فرَض البعض من الفواعل العنيفة من غير الدول السيطرة على جزءٍ من أراضي الدولة، وأنشأ هياكله الإدارية بالتوازي مع الدولة أو بدلا منها. في حين يعتمد البعض الآخر هيكلَ قيادة فضفاضًا أو عنقوديًّا تتناقص فيه السيطرة والمراقبة على الأعضاء. وهو ما يميّز تنظيم القاعدة و"استنساخاته" المختلفة (القاعدة في أفغانستان، والقاعدة في الجزيرة العربية، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والقاعدة في الشام والعراق)43. قد تتّخذ بعض الجماعات من الجبال والأرياف والصحارى معاقل لها (الجماعات الإرهابية في الجزائر). في حين تتّخذ الأخرى من المدن والحواضر مكانًا لنشاطاتها (جبهة النصرة، والجيش الحر في سورية مثل.) يركّز البعض على مهاجمة الأهداف العسكرية كنوع من الندّية للدولة (الجماعات المسلّحة في شمال سيناء المصرية). في حين تتّخذ جماعات أخرى من مهاجمة المدنيين هدفًا بل حتّى إستراتيجيا (مثل الجماعات المسلّحة في مينمار وفي نيجيريا، كنوع من التصفيات العرقية.) يضاهي تكوين بعض الجماعات أيّ جماعة اجتماعية تقليدية (رجال، ونساء، وأطفال). في حين تتشكّل جماعات أخرى من مقاتلين فقط44. تتمايز الفواعل العنيفة من غير الدول كذلك من حيث اعتماد القوّة والجبر أو الطواعية في الانضمام45.

معايير تصنيف الفواعل العنيفة من غير الدول

تتنوّع الفواعل العنيفة من غير الدول وفقًا لمعايير أهمّها أولوية السيطرة على الإقليم أو الاستمرار في الوجود، والموارد والعضوية، والموارد والهويّة.

أولوية السيطرة على الإقليم

يعدّ الاستيلاء والسيطرة على إقليمٍ ما مؤشَّ نجاح لعددٍ من الفواعل العنيفة من غير الدول؛ إذ تعدّه جزءًا رئيسًا من إستراتيجيتها و/أو أهدافها. وقد يتعدّى الأمر إلى درجة الإعلان عن نشوء دول جديدة انطلاقًا من سلطات الأمر الواقع (جمهوريتي أرض الصومال وأبخازيا)، التي غالبًا ما تقتصر تعاملاتها السلمية على بعض منظمات حقوق الإنسان وبعض الدول ذات المصالح في الإقليم المعني46.

الاستمرار في الوجود

يرى ماكس جلاسGlass Maxأنّ العديد من الفواعل العنيفة من غير الدول لا تهدف إلى قلب النظام وإنّ ا قد تكتفي بالتسبّب في انعدام الأمن والاستقرار في الدولة أو لدى العدوّ الآخر. وهذا بحسب جلاس قد يكون بسبب محدودية الهدف أو نقص في الأسلحة والإمكانات. وجدير بالذكر أنّ بعض الفواعل على الرغم من عدم تمكّنها من السيطرة على الإقليم، فإنّها تصدّر نشاطاتها عبر الحدود القومية من خلال نشر قواعدها، وجلب موارد التعبئة وتجنيد الأعضاء، وجلب الأسلحة (مثال حزب الرب للمقاومة في أوغندا يمتد نشاطه إلى الكونغو الديمقراطية وجمهورية وسط أفريقيا، وجنوب السودان)47.

  1. Williams, Ibid, p7.
  2. Ibid.
  3. للمزيد من التفاصيل عن الخصائص والفروق، انظر كلًّ من: - Ibid, p7-8. - Ivan Briscoe, ̈non conventional armed violence and non state actors ̈ (NOREF , report May 2013), pp 3-5.
  4. DCAF & Geneva Call, Ibid., p8-9.
  5. Ibid., p9.

الهويّة والموارد

هناك طريقة أخرى لفهم الفواعل العنيفة من غير الدول والتمييز بين أنماطها، وهي تفحّص مدى ربطها بين الهويّة والموارد في تنظيم أعضائها وتعبئتهم. وتتنوّع الموارد بين مادية ومعنوية وخدماتية تقدّم للأعضاء. ويعمل جانب الهويّة على تأسيس فكرة الولاء والانتماء التي تحدّد كيفية الحصول على الموارد وكميتها. في هذا الإطار، تعمل الهويّة على تنظيم العلائق داخل الجماعة وخارجها. وبموجبها تتشكّل جماعات جديدة لا يتوقّف النشاط فيها عند النشاط العسكري، بل يتعدّاه إلى السياسي وحتّى الاقتصادي والاجتماعي، بما فيه من علاقات أسريّة48.

الموارد والعضوية

صنّف جيريمي آنشتاين الفواعل العنيفة من غير الدول وفقًا للموارد والعضوية منطلقًا من أنّ كمّية الموارد المتاحة في تشكيل الجماعة ونوعيتها تحدّدان أعضاءها والمتعاطفين معها؛ فالفواعل التي توظّف الموارد الاجتماعية القيمية (المعتقدات، واللغة، والعرق، والثقافة، والأيديولوجيا) تستقطب أفرادًا أكثر التزامًا بالانتماء إلى الجماعة (حزب العمال الكردستاني، وحزب الله اللبناني). في حين أنّ الجماعات التي توظّف الموارد الاقتصادية (موارد طبيعية، ونشاط مالي إجرامي، وتجارة غير شرعية) مثل عصابات الجريمة المنظمة والقراصنة، ستستقطب أعضاء محدودي الالتزام بما يتوافق ومصالحهم المادية القصيرة المدى (الجبهة الثورية المتحدة في سيراليون، وقراصنة البحر في الصومال). وقد يجمع بعض الفواعل بين النمطين49.

عوامل انتشار Vnsas ودوائر نشاطها (المحلية/الإقليمية / العالمية)

عوامل انتشار الفواعل العنيفة من غير الدول

إنّ محاولة تأصيل الفواعل العنيفة من غير الدول تاريخيًّا تقودنا إلى تأشير حقيقة أنّ صورًا عديدة من هذه الفواعل، قديمة قِدم مختلف التنظيمات التي عرفها الإنسان؛ على نحو الدولة المدينة والإمبراطوريات وصولً إلى الدولة القومية؛ فالإمبراطورية الرومانية مثلً كانت قد عرفت انتشار عصابات الجريمة، وطالما خاضت ضدّها نزاعات. أمّا القرن العشرون، فقد عرف تصاعد شكل آخر من الفواعل العنيفة من غير الدول تمثّل في حركات التحرّر؛ بموجب ما عرفه هذا القرن من توسّع استعماري50.

ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، بدا واضحًا أنّ تزايد الفواعل العنيفة من غير الدول، وتنوّع أنماطها، وتشعّب نشاطها، كلّها عوامل تشكّل تحدّيًا صارخًا للنظام الويستفالي Westphalian، بخاصة في ظلّ موجة العولمة التي اجتاحت العالم. لقد عملت العولمة من خلال وسائل الإعلام المخترقة للحدود على إحياء ظاهرة الارتباط العرقي والديني بين الأفراد والجماعات، وسهّلت سبل التواصل والتنقّل بينهم، ممّ مكّنهم من تبنّي ولاءات جديدة بدل تلك التقليدية التي تهاوت مع تهاوي بعض الخصائص السيادية للدولة، ومنحهم القدرة على تنميتها وتأطيرها في شكل جماعات منظّمة. وفي جانبٍ آخر، ساهمت بيئة الانفلات والتسيّب الناجمة عن فشل الدول في تشكيل عديد الفواعل العنيفة من غير الدول، ومنحتها بيئة خصبة لتزايد نشاطاتها غير الشرعية في ظلّ القصور الذي أصاب مؤسسات هذه الدول ومقدراتها على الضبط والمراقبة. وهو ما شكّل البيئة المتسيّبة التي يسهل فيها تكوين جماعات بولاءات جديدة غير تلك الموجّهة للدولة، وكذا التزوّد بالسلاح سواء عبر الحدود غير المؤمّنة للدولة الفاشلة أو حتى عبر عمليات اقتسام سلاحها بعد التعدّي على مراكزها الأمنيّة أو حتى مخازن سلاحها، هذا إلى جانب سهولة القيام بالتجارة غير المشروعة التي تعدّ من أهمّ مصادر الدخول المالية لهذه الجماعات.

  1. Ibid., p10.
  2. Ibid, p11.
  3. Ibid, p5.

وفي هذا السياق، يعدّ الخذلان الذي يصيب الأفراد من دولهم التي عجزت عن تأمين احتياجاتهم سواء الأمنيّة أو الاقتصادية أو الاجتماعية والقيمية، سببًا مباشرًا لتشكّل انشقاقات في الهويّة يسهل معها إعادة توجيههم للبحث عن ولاءات جديدة يوفّق مغتنمو الفرص في تعزيزها وتقديمها إكراهًا أو طواعية للوافدين الجدد51.

دوائر نشاط Vnsas

تتراوح دوائر نشاط الفواعل العنيفة من غير الدول بين الدائرة المحلية والإقليمية والعالمية. وتخضع قدرة النفاذ العابر للقومية لهذه الجماعات لعوامل، أهمّها قدرتها العسكرية والمالية، وعدد أعضائها وعلاقاتها بالجماعات خارج حدودها، ومدى هشاشة الدول الموجودة على إقليمها.

الدائرة المحلية

تمارس الفواعل العنيفة من غير الدول نشاطها في نطاق حدود دولة واحدة؛ إذ يعدّد في هذا الإطار أولرج شريكنر شيوخ القبائل وأمراء الحرب، وقطّاع الطرق والميليشيات في ظلّ تحكّمهم في الموارد وحصولهم على الدعم الشعبي والسيطرة على بعض المناطق مقابل انحسار سيطرة الدولة وضعف سلطتها52. ونذكر على سبيل المثال "جبهة النصرة" في سورية، و"كتائب ما بعد الثورة"، و"كتائب الثوّار" في ليبيا.

الدائرة الإقليمية

حيث يتّسع النطاق الذي تنشط فيه الفواعل العنيفة من غير الدول ليشمل إقليمً بعينه، وهذا سواء على مستوى الدعم أو التحرّك والفاعلية والتأثير53. (حزب الله اللبناني في إقليم الشرق الأوسط، وتنظيم "داعش" بين العراق وسورية.)

الدائرة العالمية

حيث يتوسّع نطاق نشاط الجماعة وتأثيرها ليشمل عديد المناطق والأقاليم دعمً وفاعلية، ليصل في بعض الأحيان إلى تشكيل تحالفات إستراتيجية يعمل الفاعل العالمي من خلالها على تقديم الدعم لجماعات أخرى أصغر منه. ولنا في تنظيم القاعدة بمختلف تفرّعاته مثالٌ بارز54.

طرق تأثير Vnsas في الخصائ ص السيادية للدول

لقد أدّت العوامل المذكورة سابقًا إلى تنامي تأثير الفواعل العنيفة من غير الدول على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، بخاصة في ظلّ تراجع بعض الخصائص السيادية للدول تحت وطأة ضغوطات العولمة، وأصبح لتأثيرها ملامح بارزة. وهي كما يلي: التأثير عبر المساومة: وهو التأثير التقليدي الذي يتبع التفاوض مع الدولة بخصوص بعض القضايا التي يمكن التعامل معها بالتوافق بين الطرفين، (ما حدث مؤخرًا بين الحكومة التركية وميليشيات حزب العمّ ل الكردستاني.) الانتقال من مساومة الدولة على الشراكة في بعض وظائفها إلى "الاختراق الموازي " الذي يمكّن هذه الفواعل من القيام بأدوار موازية لأدوار الدولة تصل إلى حدّ فرض قوانينها الخاصة، بخاصة في حال الفشل الكلّ للدولة، أو انسحابها من بعض المناطق (الحركات الجهادية المسلّحة في مالي)55. التسارع المفرط في القدرة على النفاذ العابر للقومية: باستخدام وسائل الاتصال المعولمة في نقل الخبرات وتوسيع دائرة الانتماء والتعاطف والدعم والتمويل، وزيادة حيّز التأثير56. الاستثمار في البعد المحلّ والهويّاتي: وهذا على الرغم من النفاذية العابرة للقوميات؛ إذ يبقي عدد من هذه الفواعل على انتماءاته الداخلية بخاصة من حيث الشعارات (القاعدة وتلوّن شعاراتها من منطقة إلى أخرى.)

  1. Ibid., p7.
  2. رجب، المرجع نفسه، ص.12
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. حنفي علي، المرجع نفسه، ص.3
  6. المرجع نفسه.

التأثير الفوقي أو العلوي: انطلاقًا من التحرّك دون مراعاة فكرة الحدود التقليدية بين الدول واستغلال مفرزات "المجتمع العالمي" من جهة (الجماعة الإرهابية التي استهدفت تيقنتورين في الجزائر وهي هجين مشكّل من عدة جنسيات)، ومظاهر فشل بعض الدول من جهة أخرى57. إنّه من الضروري الإشارة إلى أنّه على الرغم ممّ اقترن بVnsas من صفات عدوانية سلبية من تقتيلٍ وإرهابٍ وزعزعة أمن الدول وتهجير وسلبٍ وتهريبٍ ونزاعاتٍ داخلية، فالواقع يفصح عن وجود عدد من هذه الفواعل تبنّى أساليب تقارب وتعاون مع الدولة أو مع جهات حقوقية للتقليل من مخاطر النزاعات؛ نذكر في هذا السياق مبادرة "منظمة نداء جنيف" في حظر الألغام المضادّة للأفراد عبر صيغة "صك الالتزام"58، والتي ترمي إلى توسيعها لتشمل التزامات أخرى تخص حماية الأطفال والنساء.

إنّ هذه الأنماط من طرق تأثير الفواعل العنيفة من غير الدول، مكّنتها من إحداث تحولّات بارزة نوجزها في الآتي: المساس بالطبيعة المحورية للدولة في إقليمها والانتقاص من احتكارها وسائل الإكراه؛ مثال حزب الله اللبناني ومجاراته الدولة اللبنانية عبر إشرافه على إقليم مهمّ منها إلى جانب امتلاكه السلاح وقدرته على استعماله داخليًّا وخارجيًّا باستقلالية تامّة، وامتلاكه شبكة موارد اقتصادية وشبكة علاقات خارجية59. بروز نمط جديد من الحروب تحت مسمّى "الحروب اللاتماثلية" التي يكون أحد أطرافها فاعلً من غير الدول وتختلف تقاليدها كثيرًا عن الحروب التقليدية انطلاقًا من قرار الإعلان عنها، والذي لم يبْقَ حكرًا على الدول، وصولً إلى اعتماد حرب العصابات وحرب المدن، إضافةً إلى استغلال المدنيين دروعًا. أجبر التأثيرُ المتزايد للفواعل العنيفة من غير الدول وخطورة ما خلّفه تجاهلها لزمن طويل، المجتمعَ الدولي على سلوك منحى آخر تجاهها يهدف إلى التقرّب منها أكثر، ومحاولة مدّ سبل التعاون معها عبر منظمّاته المختلفة بخاصة الحقوقية منها في خطوة "لتحويل هذه الفواعل من عامل لا استقرار أمني إلى عامل بل إلى "ضامن" للاستقرار"60 (تجربة منظمة نداء جنيف.)

الخاتمة

إنّ الفواعل العنيفة من غير الدول هي في الحقيقة نمط من أنماط الفواعل من غير الدول غفلت عنه الاهتمامات الأكاديمية سواء بسببٍ اختياري مردّه التهافت وراء دراسة الفواعل الأخرى، أو بسبب اضطراري أوجبه التغيّ المفرط في التسارع الذي يمسّ هذا المجال في الواقع بما صعّب التقاف المستجدات بخصوصه وتأطيرها في شكل تنظيري.

إنّ تأثير هذه الفواعل يتزايد وضوحًا ويتّسع نطاقًا ممّ يستوجب تكثيف الجهود السياسية والقانونية والاقتصادية والأكاديمية أيضًا؛ لأجل فهمها أكثر، والتحكّم في مساراتها وتحولّاتها، والكفّ من تأثيراتها السلبية، وبحث إمكانية إعادة توجيه نشاطاتها العنيفة ضمن سياقات تعاونية. وأخيرًا، فإنّ الفهم الحقيقي للفواعل العنيفة من غير الدول يستوجب بدايةً ضبطًا دقيقًا وتوافقيًّا للمفهوم، ثمّ تحليلً عميقًا لدوافع سلوكياتها وتفاعلاتها البينية والخارجية واستباق أفعالها العنيفة ومحاولة تبصّها مستقبلً بناءً على فهم تحرّكاتها الحاضرة ومعرفة منابع دعمها ومكامن قوّتها؛ من أجل إيجاد سبل التعامل الرشيد معها بوصفها فاعلً أثبت تأثيره الكمّي والنوعي في السياسة العالمية والمحلّية.