حالة الحرب على

The War on ISIL in Iraq One Year on from the “International Coalition”

عام على التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"

حيدر سعيد *

الملخّص

تناقش هذه الورقة أوضاع الحرب على "تنظيم الدولة" في العراق، بعد مرور سنة على قيام "التحالف الدولي"، بالمشاركة في إيقاف توسعه، وصد زحفه نحو مركز الدولة في العراق. تستعرض الورقة تعقيدات الصراع الشيعي-السني، والصراع الشيعي-الشيعي، ودور إيران في العراق، وتأثيرات كل ذلك في مجريات هذه المعركة. وترى الورقة أنّ تنظيم داعش هو الابن الشرعي لأزمة النظام السياسي الذي أنشئ في العراق بعد عامُ 2003، وأنّ السنوات الثماني من حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كرست نزعةً احتكاريةً، استئثاريةً، وجدّدت الإيمانَ التقليدي بأن تستند قاعدة الحكم إلى هوية أحادية. وتؤكد الورقة أنّ الخطوة الأساسية لمواجهة داعش تتمثل بتفكيك قبول الحاضنة الاجتماعية به. وترى من الضروري لهذه الخطوة أن ترتبط بالمسار العسكري الذي هو ضروري أيضًا. غير أنها ترى أنّ تفكيك حاضنة داعش، أكثر أهميةً وأولويةً من المسار العسكري، و أنّ الدولة المشرقية لن تستطيع الاستمرار، بناءً على نظامها وقوانينها التي عملت بها في الماضي. فالزمان الذي كانت فيه الدولةُ تؤسس قاعدةَ حكمها على هوية أحادية، بعينها، من هويات البلاد، قد انتهى. فإنْ لم تنجح الدولةُ المشرقية في بناء ترتيبات سياسية تمكّن سائرَ مكونات البلاد من بلوغ مؤسسة القرار، وتضطلع في الوقت نفسه بترسيخ فضاءٍ وطني حقيقي، فإنها ستبقى في أزمة دامية، وستظل واقفةً على حافة الانهيار دائمًا، مهدّدةً بشبح التحوّل إلى صومال، أو أفغانستان، بكلّ ما عاشه هذان البلدان من مآسٍ وخرابٍ

Abstract

ISIL is the legitimate child of the crisis of the political regime that developed in Iraq after 2003. The eight-year rule of former Prime Minister Nouri al-Maliki instituted a monopoly

الكلمات المفتاحية:
Keywords:

مقدمة

مساء 9 حزيران/ يونيو 2014، سقطت مدينةُ الموصل بيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي بات معروفًا، إعلاميًّا، باسم "داعش"، ليستيقظ العالمُ، فجر اليوم التالي، على دويّ مفاجأة مباغتة، فيها رائحة القطيعة وبداية عصر جديد: داعش يُسقِط المدينةَ الثانية في العراق، ويغنم أسلحة أربع فرقٍ عسكرية من الجيش العراقي الذي انهار وتقهقر، ولم يخُض المعركة. وإلى جانب هذا، سيطر داعش على نحو نصف مليار دولار من البنك المركزي العراقي في الموصل، وفي أيام قليلة أصبح يمتد على رقعة جغرافية واسعة، بين العراق وسورية، ليتشكل بالتدريج عالمُ داعش، أو العالم الذي أصبح داعش جزءًا منه وحقيقةً واقعةً. ولذلك، عُدّ تاريخ سقوط الموصل - على جسامته ورمزيته - بمنزلة ولادة لداعش. وأصبحنا، حين نقول: قبل داعش أو بعده، نعني - أغلب الأحيان - قبل سقوط الموصل أو بعد هذا التاريخ، على الرغم من أنّ داعش وُلِد قبل أكثر من سنة من سقوط الموصل، وأنه امتداد لجينالوجيا طويلة تبدأ من "القاعدة"، وتمرّ بخط الزرقاوي وما حمله تنظيمُ القاعدة من تسميات في العراق بعد عام 2003، وصولً إلى "دولة العراق الإسلامية" سلف داعش المباشر. إنّ الحدث لَحدثٌ مفصلي، وهو لا يقلّ أهميةً عن سائر النقاط المفصلية في تاريخ العراق الحديث، من قبيل ولادة الدولة العراقية عام 1921، أو ثورة 1958، أو غزو الكويت عام 1990، أو إسقاط نظام صدام حسين والاحتلال الأميركي عام 2003؛ بمعنى أنّ العراق بعد سقوط الموصل، لن يكون مثلما كان قبله، كما هو الشأن في سائر تلك التواريخ. بمعنى أوسع، يمثّل هذا الحدثُ التعبيرَ الأكثر صراحةً عن أزمة الدولة المشرقية أو نهايتها. فهي لن تستطيع الاستمرار على نظامها وقوانينها التي عملت بها عقودًا كثيرةً؛ ذلك أنّ الزمان الذي كانت فيه الدولةُ تؤسس قاعدةَ حكمها على هوية أحادية، هوية محددة بعينها من هويات البلاد، قد انتهى. وإنْ لم تنجح الدولةُ المشرقية في بناء ترتيبات سياسية تمكّن سائرَ مكونات البلاد من بلوغ مؤسسة القرار، وفي الوقت نفسه ترسّخ فضاءً وطنيًّا حقيقيًّا، فإنها ستبقى في أزمة دامية، وعلى حافة الانهيار دائمًا، مهدّدةً بشبح التحوّل إلى صومال، أو أفغانستان، بكلّ ما عاشه هذان البلدان من مآسٍ وخرابٍ. حين سقطت الموصل ذلك السقوط المدوّي، وبدأ داعش استعراض انتصاره، وهو يستولي على إحدى أقدم الحواضر الإسلامية وأهمّها، ليقيم دولةَ الخلافة فيها، ويعتليَ الخليفةُ الغالب منبرَ أحد أقدم جوامعها، ساد تفسير اعتمدته الإدارة الأميركية إلى حدّ كبير، وهو متمثّل بأنّ داعش هو الابن الشرعي لأزمة النظام السياسي الذي أنشئ في العراق بعد عام 2003، وقد كرّست فيه السنواتُ الثماني لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي نزعةً احتكاريةً، استئثاريةً، وجدّدت الإيمانَ التقليدي بأن تستند قاعدة الحكم إلى هوية أحادية تدور سائرُ هويات البلاد الأخرى في فلكها هوامش وشظايا1.

قال الرئيس الأميركي، باراك أوباما في أوّل خطاب له، بُعَيد سقوط الموصل بأيام قليلة، ضمن خطاب خاصّ بما جرى في هذه المدينة: "لم يستطع القادة العراقيون، للأسف، أن يتغلبوا على خلافاتهم الإثنية، وينحّوها جانبًا"، وقد أرجع أوباما انهيارَ الجيش العراقي أمام مقاتلي داعش في الموصل إلى هذه العوامل السياسية؛ إذ قال: "إذا كانت قوات الأمن العراقية غير قادرة على التصدي للمسلحين وقتالهم، فإنّ هذا يشير إلى مشكلات في الروح المعنوية والالتزام، ترجع جذورها إلى المشكلات السياسية القائمة في البلاد"2.

  1. بشأن أزمة النظام السياسي في العراق ما بعد 2003، ولا سيما في حقبة المالكي، انظر: حيدر سعيد، "الطريق إلى سقوط الموصل"، سياسات عربية، العدد 10 (أيلول/ سبتمبر 2014)، ص 86 وما بعدها.
  2. Obama Finds He Can't Put Iraq War Behind Him " New York Times, 13/ 6 / 2014, at: http://www.nytimes.com/2014/06/14/world/middleeast/obama-finds-he- cant-put-iraq-behind-him.html?_r=0; " President Obama's Statement on Iraq, The New York Times , 13/ 6/ 2014, at: http://www.nytimes.com/video/world/middleeast/100000002938443/ president-obamas-statement-on-iraq.html

ومن ثمة، بُنيت فلسفة لمواجهة داعش، تفترض أنّ الخطوة الأساسية في هذه المواجهة هي مواجهة تقاليد الدولة المشرقية نفسها. ومن حيث التفاصيل، ينبغي معالجة أزمة النظام السياسي في العراق أوَلّا، وتحديدًا المشكلة السنّية التي ترجع إليها المسؤولية الأولى بشأن ولادة داعش. تستند هذه الفلسفةُ إلى فهم سائد بين الخبراء ضِ من ما يسمّى "التنظيمات الراديكالية" إلى أنّ هذه التنظيمات ليست قويةً بذاتها، بل إنها تستمد قوّتها من قبول الحاضنة الاجتماعية، ومن اقتناع هذه الحاضنة بأنّ هذه التنظيمات ذات وظائف إيجابية بالنسبة إليها. وهي فلسفة مستمدة من تجربة "الصحوة" في الفترة 2007 - 2008، وقد قادها الجنرال ديفيد بترايوس، القائد العامّ للقوات المتعدّدة الجنسية في العراق آنذاك، وانتهت إلى هزيمة تنظيم القاعدة في العراق. يقول بترايوس: "إنّ أساس النزاع الدائر في العراق هو التنافس في السُلطة والموارد بين الفصائل الرئيسة في البلاد (...) وقد تطلّب تحقيق التقدم الدائم في العراق تحقيق اتفاقاتٍ سياسيةٍ على عددٍ من القضايا الرئيسة التي كانت تثير الانقسام بين الفصائل المختلفة". ويذكّر بترايوس، في النص الذي نشره في خريف عام 2013، بعد الإعلان عن تأسيس داعش في نيسان/ أبريل من العام نفسه، وعشية اندلاع الأزمة في الأنبار، وقد أفضت إلى سيطرته على أجزاء واسعة من المحافظة ولاحقًا على الموصل، بأنّ "عراق اليوم شبيه، على نحوٍ تراجيديٍ، بعراق 2006 (...) بل إنه أكثر تعقيدًا ممّ كان عليه آنذاك، ولا سيما مع عدم وجود القوات الأميركية القتالية. وإذا أراد القادة العراقيون الخروجَ من هذا الوضع، فإنه سيكون مفيدًا لهم كثيرًا أن يتذكروا ما كان ينبغي القيام به في المرّة الماضية (...) وأنّ الجيَشان، آنذاك، لم يكن إضافة قواتٍ جديدةٍ فحسب، وإن كان هذا مهمً جدًّا في حدّ ذاته، بل إن ما كان ذا أهمية كبرى حينئذٍ هو جيَشان الأفكار والمفاهيم التي رأت أمنَ الناس في العيش معًا، وفي المبادرات التي تدعم المصالحة مع عناصر المجتمع التي لم تكن تشعر بأنّ لديها حافزًا لدعم العراق الجديد، وكذلك في إعداد عملياتٍ دقيقةٍ تستهدف العناصر الرئيسة من "الذين لا يمكن التصالح معهم"، واعتماد مقاربةٍ شاملة مدنيةٍ عسكريةٍ مُعزّزةٍ، مع الاهتمام المتزايد بالجوانب المختلفة لعملية فرض سُلطة القانون، والتحسينات التي جرى إدخالها على البنية التحتية والخدمات الأساسية، إضافةً إلى دعم التحركات السياسية المتنوعة التي ساعدت على مدّ الجسور فوق الانقسامات الإثنية والطائفية"3. ومرَّةً أخرى، تكون الخطوة الأساسية لمواجهة داعش هي تفكيك قبول الحاضنة الاجتماعية به. وينبغي لهذه الخطوة أن ترتبط بالمسار العسكري، الضروري هو أيضًا، ولكنّ تفكيك حاضنة داعش أكثر أهميةً وأولويةً من المسار العسكري. ويحدث هذا الأمر ببناء مسار سياسي لمعالجة أزمة النظام السياسي؛ وذلك بتخليصه من المفاصل التي أسّست طابعه الاحتكاري، وجعله أكثر انفتاحًا عن قبول مشاركة ممثلي الهويات بفعالية وكفاءة.

لذلك، ومع خروج المالكي وتشكيل حكومة حيدر العبادي، تضمّن البرنامجُ الحكومي مفاصلَ أساسيةً لمعالجة أزمة النظام السياسي، بوصفها العتبةَ الضرورية لمواجهة داعش، وفي صدارة ذلك، تشكيل حكومة على مبدأ "الشراكة الحقيقية في اتخاذ القرارات (...) وترسيخ دعائم الوحدة الوطنية (...) من خلال المضيّ قُدما في مشروع المصالحة الوطنية". وقد تضمن البرنامج فقرات تخص تعديل النظام السياسي. فمنها إطلاق عملية مراجعة دستور 2005، من خلال تشكيل لجنة تُنجز توصيات بتعديلات ضرورية بشأنه "تمس الحاجة إليها في ضوء ما كشفت عنه تجربةُ الحكم في المرحلة سابقًا"، ومنها ضرورة تشريع قانون مجلس الاتحاد، وإعادة النقاش في الجهة التي تكون صاحبة حقّ الإشراف على الهيئات المستقلة وإقرار النظام الداخلي لمجلس الوزراء. ولعلّ من أهمّ ما تضمّنه البرنامجُ الحكومي، عدّة مفاصلَ لتعزيز النظام اللامركزي الذي يُنظَر إليه بوصفه أحد الحلول السياسية

  1. David Petraeus, "How We Won In Iraq: And why all the hard- won gains of the surge are in grave danger of being lost today," Foreign Policy , 29/ 10/ 2013, at: http://foreignpolicy.com/2013/10/29/how-we-won-in-iraq/

الممكنة للمجتمعات المنقسمة؛ إذ تحدّث البرنامج عن "تفعيل الإدارة اللامركزية". والأكثر أهميةً، في ما تضمنه البرنامج الحكومي، هو بناء ما يمكن تسميته "لامركزيةً أمنيةً" تتضمن "إعادة النظر في إدارة الملف الأمني على نحوٍ يتفق مع الدستور ويضمن إعادة بناء القوات المسلحة (...) لتكون ممثلة لجميع مكونات الشعب العراقي"، وعلى نحو أولّى "تحديد آليات جديدة في الإدارة الأمنية في المحافظات بما ينسجم مع الدستور ومشروع المصالحة الوطنية، ومحاربة الإرهاب، مع مراعاة الظروف الخاصة بكل محافظة"، والمفصل الأهمّ في هذه اللامركزية الأمنية هو "تشكيل منظومة الحرس الوطني من أبناء كلّ محافظة قوّةً رديفةً للجيش والشرطة لها مهمّ ت محددة، ومستوى تجهيز وتسليح محدد يهدف إلى جعلها العمود الأساس في إدارة الملف الأمني في المحافظات". وفضلً عن هذا، تضمّن البرنامجُ بعضَ المطالب الخاصة التي ينادي بها المجتمعُ السنّي؛ من قبيل "إصدار قانون العفو العامّ"، ومعالجة ملفّ "اجتثاث البعث" ب "تحويله إلى ملفّ قضائي"، و"تعديل قانون مكافحة الإرهاب"، و"حسم قضايا المعتقلين الذين أمضوا مدةً طويلةً في الحجز من دون وجود أدلّة تدينهم"4. وإذا كانت المشكلةُ السنّية هي الفضاء الذي ينبني داخله القبولُ الاجتماعي بداعش، ومن ثمة تكون هي مصدر تشكّله، فإنّ البرنامج الحكومي تضمّن سائرَ المطالب التي قدّمتها حركةُ الاحتجاج في المحافظات السنّية، في مطلع عام 2013، والتي يمكن أن تُفضي - في تصوّر المجتمع السني - إلى حلّ المشكلة السنّية5. ولكن، ماذا تحقّق، بعد سنة من سقوط الموصل؟

سقوط الرمادي

ثمَّة أكثر من ضرورة لمراجعة حصيلة سنة كاملة، أو أكثر، بعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش، بما تضمنته من نيّات وإرادات لمواجهة التنظيم، ومن خطط ورؤى وتصورات لهذه المواجهة. وهذه المراجعة لا ترتبط بالذكرى الأولى، كما أنها ليست أمرًا احتفاليًا. فلقد شهدت الأشهرُ الأخيرة منعطفًا حاسمً في مواجهة داعش عبّأ الذكرى الأولى لسقوط الموصل بالخيبة، هذا فضلً عن أنّ التنظيم، بعد سنة كاملة من بدء الحرب على داعش بمشاركة التحالف الدولي الذي يجمع أقوى جيوش العالم، يبدو آمنًا في الموصل، ولم يستطع أحد الاقتراب حتى من أطراف ضواحي هذه المدينة، ماعدا غارات التحالف. في أواسط أيّار/ مايو الماضي، سقطت مدينةُ الرمادي، مركز محافظة الأنبار، بيد تنظيم داعش، بطريقة تُشبه إلى حدّ بعيد سقوط الموصل؛ إذ تقهقرت القوات العراقية في المدينة، لتتركها مفتوحةً أمام عناصر داعش، فضلً عمّ تركته من أسلحة ومعدّات. وقد كان هذا الحدث هو الأكثر مفصليةً وخطورةً.

لقد استعاد داعش المبادرةَ العسكرية التي كان فقدَها، منذ بدء غارات التحالف الدولي عليه التي أوقفت تمدده، في مطلع آب/ أغسطس 2014. وكان داعش قد استطاع، ما بين حزيران/ يونيو ومطلع آب/ أغسطس 2014، التمدد، انطلاقًا من الموصل، والسيطرة على سائر المناطق التي يوجد بها الآن (وهي جلّ مناطق العرب السنّة: صلاح الدين، والأنبار وشمال ديالى، والحويجة وغرب كركوك، وجنوب الموصل)، فضلً عن اقترابه من العاصمة، بغداد، وتهديده إيّاها. وفي كلّ ذلك، كانت القوات العراقية في وضع دفاعي. وفي مطلع آب/ أغسطس 2014، تقدم داعش في منطقة سهل نينوى، ما بين الموصل وأربيل، واستهدف الإيزيديين والمسيحيين، واقترب إلى نحو 35 كيلومترًا من مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان، بعد أن سيطر على بلدة مخمور. واستدعى هذا الأمرُ تدخلً سريعًا من

  1. الأمانة العامة لمجلس الوزراء، برنامج حكومة جمهورية العراق للأعوام - 2014 18 20 (العراق، 16 / 9 / 2014)، على الرابط: http://cabinet.iq/ArticleShow.aspx?ID=5240
  2. حيدر سعيد "حكومة العبادي: خيط الضوء الأخير في سماء ملبّدة بالغيوم"، سياسات عربية، العدد 11 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2014)، ص.90 وللمقارنة، انظر النص الكامل لوثيقة المطالب التي اعتمدتها حركة الاحتجاج في المحافظات السنّية، "العراق: كتل شيعية تقاطع جلسة البرلمان الطارئة"، الوطن (الكويت)، /6 1 / 2013، على الرابط: http://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?Id=245801

الطيران العسكري الأميركي، بقصف مواقع داعش لمنع تمدّده نحو أربيل، ومن ثمة إيقاف محاولته إحداثَ منعطف إستراتيجي نوعي في هذه الحرب. فقَد داعش المبادرةَ العسكرية، إذن، مع بدء غارات التحالف الدولي عليه، ولم يستطع التقدمَ أكثر، كما فعل في شهري حزيران/ يونيو، وتموز/ يوليو 2014. غير أنّ هذا الأمر لم يُفضِ إلى استعادة القوات العراقية والتحالف الدولي المبادرةَ العسكرية الهجومية، بل إنّ منطق الكرّ والفرّ هو الذي حكمَ المعركةَ، منذ آب/ أغسطس 2014 إلى سقوط الرمادي. وحتى معركة تكريت التي استطاعت القواتُ العراقية فيها تحريرَ المدينة وأجزاء واسعة من محافظة صلاح الدين، لم تُفضِ إلى استعادة القوات العراقية المبادرةَ والوضع الهجومي، بل إنها كانت جزءًا من منطق الكرّ والفر، فقد استطاع داعش التقدم في شمال صلاح الدين، والسيطرة على بلدة بيجي التي تضمّ أحد أكبر مصافي النفط في العراق، والتقدم في شمال محافظة صلاح الدين، فضلً عن التقدم في الأنبار وفي اتجاه مدينة الرمادي التي مع سقوطها بيده، يكون قد استعاد المبادرةَ العسكرية.

وكما استعاد داعش المبادرةَ العسكرية، استعاد قدرتَه على تهديد أمن العاصمة بغداد التي كان قد فقدها مع بدء غارات التحالف الدولي عليه في آب/ أغسطس 2014، وقد قطعت هذه الغارات مشروعَ داعش في الوصول إلى بغداد، وانقطع، منذ ذلك التاريخ، الحديث عن تهديد أمن العاصمة. ومع سقوط الرمادي، أصبحت بغداد مستهدفةً من جديد، وبدا أمنُها مهدّدًا، وقد أجمع على هذا الأمر كلّ من داعش وخصومه. فأبو بكر البغدادي لم يتحدّث عن استهداف بغداد فحسب، بل عن كربلاء أيضًا؛ إذ قال بعد سقوط الرمادي بأيام قليلة مخاطبًا أتباعَه الذين سيطروا على المدينة: "لقد لقّنتم العالم دروسًا بأنّ العزة لله ولرسوله والمؤمنين. اُثبتوا، لله درُّكم. إنّ الموعد المقبل، إن شاء الله، بغداد وكربلاء"6. وبالقدر نفسه، حذّر هادي العامري، النائب في مجلس النواب، وأمين عامّ منظّمة بدر، والزعيم الأقوى في "الحشد الشعبي"، من أنّ سقوط الرمادي هو خطر على بغداد وكربلاء7. وعلى الرغم من أنّ كثيرين يجادلون في أنّ داعش لن يفتح معركةً في بغداد، مع أهميتها الأيديولوجية بالنسبة إليه8؛ لأنه لا يريد أن يُستنزَف في مثل هذه المعركة، يبدو موعد معركة بغداد مفتوحًا، ولا سيما أنّ إستراتيجية تنظيم داعش قامت على التقدم البطيء، وهذا الأمر فعله مع بلدات أعالي الفرات، شمال محافظة الأنبار التي أسقطها بلدةً بلدةً، على مدى زمني طويل نسبيًا، ما بين آب/ أغسطس، وتشرين الأول/ أكتوبر.2014 لقد تجدد هاجس تهديد أمن بغداد، لدى القادة العراقيين، بعد أن انقطع كلّ هذه الأشهر. ولذلك، فبعد مرور أقل من 10 أيام على سقوط الرمادي، بدأ الحشد الشعبي معركةً واسعةً شمال مدينة تكريت وجنوب غرب سامراء، في اتجاه مدينة الرمادي، عبر ذراع دجلة. وعلى الرغم من أنّ بعض فصائل الحشد أعلنت أنّ هذه المعركة هي معركة تحرير الرمادي، فقد كان الهدف الأساسي لهذه المعركة "تأمين بغداد"، على نحو ما أعلن العامري الذي قال: "إنّ أمن العاصمة بغداد هو الأبرز والمحور الأساس من [هذه] العمليات الأمنية (...) إنّ ما يجري حاليًّا من عمليات هي لتأمين أسوار العاصمة بغداد وخلق أجواء آمنة للعاصمة (...) كون أمن بغداد أهمّ من تحرير مدينة الرمادي"9.

  1. البغدادي يتوعد بغداد وكربلاء ومقاتلوه يتقدمون نحو شرق الرمادي"، مقطع فيديو، المستقبل، 18 / 5 / 2015، على الرابط: http://www.futuretvnetwork.com/node/158557#sthash.A6Ac1rNW.dpuf
  2. العامري يحذر من خطر سقوط الرمادي على بغداد وكربلاء ويؤكد: معركة بيجي ستحسم خلال أيام"، المدى برس، /23 /5 2015، على الرابط: http://bit.ly/1FRbjNz
  3. يقول أبو بكر البغدادي، في أول تسجيل صوتي بُثّ له، عام 2012: "إنّ بغداد هي قلب معركة أهل السنّة مع الصفويين"، انظر: "ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره"، شبكة الدفاع عن السنة، على الرابط: http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=153320
  4. العامري، "تأمين العاصمة بغداد أهم من تحرير مدينة الرمادي من 'داعش'"، قناة الغدير الفضائية، /3 /6 2015، على الرابط: http://www.alghadeer.tv/news/detail/27718/

الإيقاعات المختلفة للحرب

فتح سقوط الرمادي جدالً واسعًا داخل الولايات المتحدة الأميركية بشأن ما بات يسمى "إخفاق إستراتيجية أوباما في الحرب على داعش". وعلى الرغم من أنّ الشكوى داخل الأوساط السياسية الأميركية من عدم وضوح إستراتيجية مواجهة داعش قديمة، فإنّ سقوط الرمادي، بمفصليته وخطورته، هو الذي أطلق هذا الجدال. وفي الحقيقة، يبدو أنه لا توجد إستراتيجية أميركية واضحة لهذه الحرب. فأوباما الذي وصف الهزيمةَ في الرمادي بأنها "انسحاب تكتيكي"، وقال: "سننتصر في الحرب"، عاد ليعترف بعدم وجود إستراتيجية للحرب على داعش. إلى جانب ذلك، كان ردُّ الفعل الأميركي على احتلال داعش للرمادي ضعيفًا. فلم يكن ثمَّة شيء أكثر من رفع عدد الغارات الجوية على مواقعه بنسبة قليلة، والإعلان عن تزويد القوات العراقية بقذائف متطورة. وفي ما نرى، يرجع هذا الأمر إلى الخلاف داخل الإدارة الأميركية في طريقة التعامل مع داعش؛ إذ يوجد خلاف عميق ورؤى متناقضة في تصور هذه الحرب. فموقف الرئيس أوباما يبدو أنه لا يزال مع ما يمكن تسميته "تدخل الحد الأدنى"، وأنه يطمح إلى مغادرة البيت الأبيض بأقلّ ما يمكن من التدخلات العسكرية، بغضّ النظر عن النتائج السياسية والإستراتيجية لهذا الموقف، في حين كانت حقبة جورج بوش الأب حافلةً بالتدخلات العسكرية وإسقاط الأنظمة، وكانت للجمهوريين وبعض أوساط الديمقراطيين، وحتى المؤسسة العسكرية الأميركية ووزارة الدفاع، تدخلات وضغوطات على الحكومة العراقية. وفي جميع الأحوال، كان هذا الخلاف داخل الإدارة الأميركية، والإخفاق في بناء إستراتيجية موحّدة لمواجهة داعش، من عوامل الإخفاق في هذه المواجهة أيضًا، بعد مرور سنة كاملة على سقوط الموصل وتشكيل التحالف الدولي. علاوةً على ذلك، يبدو أنّه ثمَّة إيقاعان مختلفان في فهم هذه الحرب؛ إيقاع التحالف الدولي، أو الولايات المتحدة تحديدًا (بغضّ النظر عن الانقسام داخل الولايات المتحدة في رؤية هذه الحرب)، وهو إيقاع بطيء يتحدث عن معركة طويلة الأمد تمتدّ من ثلاثة أعوام إلى خمسة أعوام، وعن وجوب استكمال عناصرها كلّها، وهي: بناء قوات من المجتمع المحلّ في المناطق التي سيطر عليها داعش تتولى مقاتلته، وتتكفل بالسيطرة على الأرض بعد تحريرها والقيام بمهمات الشرطة. تأهيل هذه القوات وبناء قدراتها من خلال التدريب، والتسليح، والدعم اللوجستي والاستخباري. إضعاف داعش، من خلال استهداف مصادر قوّته، وقطع مصادر تمويله، ومحاولة منْع تدفّق المتطوعين إليه، وتقطيع أوصال الرقعة الجغرافية التي يسيطر عليها. وينبغي أن يوازيَ ذلك كله مسار للإصلاح السياسي؛ بمعنى أنّ داعش هو نتاج أزمة نظام الحكم في العراق، ولن يكون ثمَّة إمكان لمواجهته من دون تفكيك قاعدة القبول الاجتماعي به، وإعادة دمج المجتمع السنّي في العملية السياسية. أمّا الإيقاع الآخر، فهو الإيقاع العراقي، وهو إيقاع سريع، يريد أن يُنجز المعركةَ في أشهر معدودة حتى من دون أن تستكمل عناصرها، بحسب الفهم الأميركي. فلم يجرِ بناء القوات المحلية، ولم يجرِ دعم مقاتلي العشائر الموجودين، من بقايا تنظيمات الصحوة، وقد أثبت هؤلاء كفاءةً عاليةً في الصمود أمام داعش، في أكثر من جزء من محافظة الأنبار، حتى قبل سقوط الموصل، حين بدأت المعركة في وادي حوران، أواخر عام 2013، وبدأ داعش التمدد في المحافظة منذ ذلك الوقت، ولم تُستكمَل كذلك خطط التحالف الدولي باستهداف مصادر قوَّة التنظيم، العسكرية والمالية واللوجستية. والأهم من هذا كلّه، أنّ ملف الإصلاح السياسي لم يُنجَز فيه أيُّ شيء. لقد كشفت معركة تحرير تكريت ومحافظة صلاح الدين، بوضوح، عن هذين الإيقاعين المختلفين. ولا شكّ في أنّ هذا التناقض في إيقاع الحرب على داعش كان أحد أهمّ العوامل التي أربكت المعركة. فكثير من الأطراف العراقية، بما فيها النافذة منها وصاحبة القرار، لا تتفق مع الرؤية الأميركية المرتكزة على معركة طويلة الأمد.

دولنة الميليشيات

شهدت الأطرافُ العراقية، والشيعية تحديدًا (الحكومة، والقوات العراقية الرسمية، ومكونات "الحشد الشعبي) جدلً بشأن الاستعانة بالتحالف الدولي. وقد كانت أطراف مهمّة داخل الحشد ترفض أيَّ تدخّل للتحالف الدولي. غير أنّ الطريقة التي انتهت بها معركةُ تكريت غيّ ت رؤية الأطراف العراقية لدور التحالف.

لقد استعصى على مقاتلي الحشد الشعبي دخولُ تكريت، فطلبت الجهات العراقية الرسمية تدخّل التحالف الذي اشترط انسحاب مقاتلي الحشد والمستشارين الإيرانيين، بعد أن كان هؤلاء، نحو شهر كامل من بدء المعركة في مطلع آذار/ مارس 2015، رأسَ الحربة والطرف الأساسي في الجبهة المقاتلة لداعش. ثمّ نفّذت طائرات التحالف الدولي غارات على مواقع داعش داخل مدينة تكريت، فمكّنت القوات العراقية من دخول المدينة واستردادها، وإنهاء المعركة.

هذه الأطراف هي نفسها التي تقهقرت من أرض المعركة في تكريت مع بدء غارات التحالف، وهي مقرّبة من إيران وحليفةٌ لها، وقد أرادت للنصر في تكريت أن يبقى نصرًا محضًا للحشد الشعبي، ومن ثمة للرؤية الإيرانية؛ ذلك أنّ قرار بدء الحرب على داعش من صلاح الدين، بدلً من أيّ منطقة أخرى، هو قرار إيراني. فقد أبدى الأميركيون اعتراضات على معركة تكريت، من جهة أنها ليست مهمّةً من الناحي الإستراتيجية؛ إذ هي محاصرة، وقريبة من نقاط التماس مع المناطق الشيعية، فضلً عن أنّ القوات العراقية لم تُكمل استعداداتها لخوض المعركة، ولا سيما بناء القوات التي ستسيطر على الأرض في مرحلة ما بعد تحريرها. ولذلك، لم يشارك الأميركيون في تكريت، وهو ما أفسح مجالً لمشاركة إيرانية واسعة ونوعية، فإيران تعتقد أنّ النصر المعنوي في تكريت مهمّ جدًا، حتى إن لم يكن ذا أهمية إستراتيجية كبيرة. غير أنّ الطريقة التي انتهت بها معركة تكريت، أتاحت للأميركيين أن يعلنوا، إعلانًا صريحًا أنّ أحد الشروط الأساسية لأيّ معركة مقبلة ضدّ داعش في الأنبار، أو الموصل، أو سواهما من المناطق التي يسيطر عليها في العراق، هو ألّ يعود الحشد الشعبي والمستشارون الإيرانيون إلى الواجهة، كما كان عليه الأمر في معركة صلاح الدين في بداياتها على الأقل. وليس ذلك لأنّ هؤلاء لم ينجحوا في إكمال المعركة من دون تدخل التحالف الدولي، بعد أن حاولوا أن يقدّموا إستراتيجيةً نقيضةً وبديلةً من إستراتيجية التحالف لمواجهة داعش لا تستند إلى قوات مقاتِلة من داخل المجتمع المحلّ، على نحو ما يخطّط التحالفُ، وتستند إلى ميليشيات مدرّبة، من مناطق أخرى وطائفة أخرى، وليس ذلك أيضًا لأنّ هؤلاء مارسوا انتهاكات بعد تحرير تكريت، وهي في الحقيقة انتهاكات معتادة مع أيّ جيش أو مليشيا في حالة اجتياح تجمعات مدنية ولا سيما في سياق وجود احتقان طائفي، بل لأنّ تعاظم دور الحشد الشعبي الذي هو في الحقيقة تعاظمٌ للدور الإيراني سيؤدِّي إلى مزيد من الأضرار السياسية والنتائج السياسية السلبية. أسِّست هيئة الحشد الشعبي في العراق، في تشرين الأول/ أكتوبرُ 2014؛ أي بعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش بأربعة أشهر، لتكون الإطارَ الرسمي للمليشيات الشيعية، وهو إطار يعني شكلً من أشكال ما يمكن تسميته "دولنة المليشيات". فهذه المليشيات أصبحت جسمً تابعًا للدولة، يرأسه أحد المسؤولين الحكوميين الكبار ويشرف عليه، وهي تُ وّل من المال العامّ، ويتقاضى كلّ عنصر من عناصرها راتبًا رسميًا. غير أنّ هذا الإطار لم يَعْنِ أنّ قرار كلّ مليشيا من هذه المليشيات أصبح بيد الحكومة، أو مرتبطًا بالقادة العسكريين الرسميين، بل إنه ظلّ بيد قادتها. الجزء الأهمّ من هذه المليشيات قديم ("منظمة بدر"، و"عصائب أهل الحق"، و"كتائب حزب الله في العراق".. إلخ)، وقد تكوّن قبل عام 003، أو في السنوات القليلة التي أعقبته، وبعضها أنشئ بعد سقوط الموصل، حين تسارع تكوين مليشيات، جلُّها مرتبط بالتنظيمات السياسية الشيعية القائمة، استجابةً لفتوى "الجهاد الكفائي"، لتضم عشرات الآلاف من الشباب الشيعة الذين تطوعوا لقتال داعش، ومن ثمة تكاثرت أعداد فصائل الحشد الشعبي، لتبلغ نحو 50 فصيلةً. إنّ سياق تكوّن الحشد الشعبي، وارتباط فصائله بالتنظيمات السياسية الشيعية - على ما بينها من خلافات عميقة - يعني أنّ الحشد ليس كتلةً واحدةً منسجمةً. ففي الحقيقة، ثمَّة تناقضات عميقة بين فصائله، وهي تبدأ من تحديد مهمته وفهمها، من خلال السؤال عن هذه المهمّة نفسها: أهي مقاتلة داعش في أيّ مكان وتحرير الأراضي التي سيطر عليها أم هي حماية المناطق الشيعية أم هي حماية المراقد المقدسة التي هدّدها داعش؟

يعتقد بعضُ المسؤولين عن الحشد الشعبي أنّه يكفي أن يجريَ تمويل المليشيات من المال العامّ حتى تُقطع بالتدريج أيّ صلة لها ب "الجهات الأجنبية"؛ ويُقصد بهذا التعبير إيران تحديدًا، غير أنّ معركة تكريت كشفت أنّ إيران هي التي أدّت دور الموحِّد لهذه المليشيات وضابط إيقاعها، وأنها هي التي قرّبت فهمَها لمهمتها ودورها. على أنّ هذا الأمر ينبغي ألّ يُفهم منه أنّ أحدًا من الزعماء الشيعة (بمن فيهم المعتدلون) يستطيع التخلي عن فكرة الحشد الشعبي، بوصفها استجابةً شيعيةً عامَّةً، مجتمعيةً ودينيةً وسياسيةً، لتحدي داعش الذي هدّد صراحةً بضرب المراقد الشيعية المقدسة، فضلً عن تهديده الحكم الشيعي في بغداد، وسائر المناطق الشيعية. ثمّ إنّ هؤلاء الزعماء لا يثقون بأنّ المؤسسة العسكرية والأمنية قادرة وحدها على الصمود في وجه هذا التحدي. ولذلك، ليس من الغريب أن يرفض أحد كبار الزعماء الشيعة، ممن لا يُحسبون على التنظيمات السياسية المشكّلة للحشد "الشروط الأميركية بإبعاد قوات الحشد الشعبي عن المشاركة مقابل تدخلها [الولايات المتحدة] الجوي في المعركة"10. وفي الوقت نفسه، يدرك هؤلاء الزعماء وجود إشكاليات جادّة وعميقة في الحشد الشعبي، من جهة التناقضات والاختلافات بين مكوناته، وقدراته الفنية على إنهاء الحرب ضدّ التنظيم، وقبول الشركاء في الجبهة المقاتلة لداعش ضمنه، ولا سيما الولايات المتحدة والتحالف الدولي.

الحرب من دون شراكة سنيةّ

لقد كان تشكيل منظومة الحرس الوطني أحد أكثر النقاط مفصليةً في البرنامج الذي تشكّلت وفقه حكومةُ العبادي، سواء في إطار فلسفة مواجهة داعش، أو في الاستعداد الفعلي لهذه المواجهة، أو في تفكيك قبول الحاضنة الاجتماعية به. وقد حُدّدت ثلاثة أشهر، بعد نيل الحكومة الثقة من مجلس النواب، في مطلع أيلول/ سبتمبر 2014، سقفًا أعلى لتشكيل هذه المنظومة11. وهذه الفكرة هي في الحقيقة فكرة أميركية، مستنسخة من أنموذج الحرس الوطني في الولايات المتحدة، وقد عرضتها الولايات المتحدة نفسها حلًّ لمشكلة فقدان الثقة بين المكونات العراقية، ولا سيما في المسألة الأمنية، ثمّ اعتمدها بعض الزعماء السنّة. وعلى الرغم من أنّ الحكومة قدّمت أكثر من مسوّدة لقانون الحرس الوطني، تدرجت من لامركزية أمنية مفرطة يشكّل فيها قوَّة ثالثةً إلى جانب الجيش والشرطة، ويخضع ما كان منه خاصًّا بكل محافظة للإشراف الكامل من جهة الإدارة المحلية للمحافظة، ويكون فيها جزءًا من وزارة الدفاع، ويتبع القائد العامّ للقوات المسلحة، فضلً عن مسوّدات أخرى واءمت بين الحرس الوطني والحشد الشعبي، فإنّ الحكومة قد أخفقت في تشكيل هذه المنظومة. لا شكّ في أنّ التعثر في تشكيل الحرس الوطني لا يرجع إلى الخلاف في تصور شكل هذه المنظومة الأمنية وبنيتها على نحو رئيس، بل إلى سياق فقدان الثقة الذي نوقشت فيه هذه الفكرة. يُضاف إلى ذلك أنه ثمَّة تخوفات شيعية عامّة من هذه الفكرة، وتحديدًا من إمكان تغوّل الحرس الوطني وتحوّله إلى ميليشيا سنّية، تهدّد الحكم المركزي في بغداد، ويمكن أن تُستعمَل من القوى الإقليمية. وإذا كان تيار المالكي الذي كان قد أدار ملفّ الصحوة، حين نُقِل من إشراف الجيش الأميركي إلى الحكومة العراقية، يُعبّ عن مثل هذه التخوفات بالقلق والشكوك نفسها التي يغلب عليها عامل الانقسام المجتمعي والتنافس الطائفي، بدلً من الحاجة الوطنية العامّة، فإنّ العبادي يراعي كذلك هذه التخوفات العامّة. وفي ما نرى، تتداخل الحرب على داعش مع الصراع الطائفي، وهذه المسألة جوهرية لفهم رؤية الحكومة العراقية والنُخبة الشيعية الحاكمة بوجه عامّ لهذه الحرب؛ بمعنى أنه ينبغي للحرب على داعش ألّ تفضي إلى إرباك وتغيير في توازنات القوى القائمة. وإنّ جوهر المقاربة الحكومية للحرب على داعش، في إيجاز، هو أنها مقاربة عسكرية، لا تؤمن بالإصلاح السياسي الموازي والضروري، ولا تتضمن تمكينًا عسكريًّا للسنّة. وهكذا، وبسبب تعثر فكرة بناء حرس وطني، ومن ثمة عدم الاتفاق على النواة التي ستشكل هذه القوات، تُطرح أسئلة عديدة من بينها: أيُفتَح باب التطوع أم يتمّ الاعتماد على بقايا تنظيمات الصحوة، أو بعض عناصر العشائر، أو عناصر من الجيش السابق؟

  1. الحكيم يرفض'الشروط الأميركية' بالتدخل الجوي في المعارك مقابل 'إبعاد الحشد "'، المدى برس، 4/14 / 2015، على الرابط: http://bit.ly/1Qm05X5
  2. الأمانة العامة لمجلس الوزراء، برنامج حكومة جمهورية العراق 2014: وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية (جمهورية العراق)، 9/16 / 2014، على الرابط: http://cabinet.iq/uploads/pdf/Window5/4.pdf

لقد بُنيت لدى الأميركيين فكرة الاعتماد على مقاتلي العشائر الصامدين في مواجهة داعش منذ اندلاع الأزمة في الأنبار أواخر عام 2013، سواء تحت تسمية "الحرس الوطني"، أو من دونها؛ لأنّ هؤلاء يمثّلون مصالح متعارضة مع داعش، فجلّهم انتمى إلى تنظيمات الصحوة التي قاتلت القاعدة وهزمتها. وتنتمي هذه الرؤية إلى التيار الواقعي داخل الإدارة الأميركية الذي يرى أنه من الصعب إعادة إنتاج سياق الصحوة لمواجهة القاعدة. فقد كان الأميركيون الطرفَ الرئيس في وجودها على الأرض، وكانوا هم أصحاب القرار والتمويل. أمّا حاليًّا فينبغي الاعتماد على القوات الموجودة فعليًّا على الأرض. تطورت هذه الرؤية، في وقت لاحق، حتى إلى إمكان الاعتماد على الحشد الشعبي، بوصفه القوة الأساسية وحجر الزاوية في مواجهة داعش، بما أنه القوة الوحيدة المنظّمة، مقارنةً بالجيش الضعيف الذي يحتاج، بحسب العبادي، إلى ثلاث سنوات لإعادة تأهيله، وبالحرس الوطني الذي يبدو أنّ مخاضه العسير لن ينتهيَ إلى شيء ملموس. وقد أطلقت هذه الرؤية مشروعًا لتسليح مقاتلي العشائر وبقايا تنظيمات الصحوة الموجودين على الأرض ودعمهم، بديلً من منظومة الحرس الوطني. كان يفترض أن تتولى الحكومةُ العراقية هذه العمليةَ، إلّ أنها تعثرت مرةً أخرى، ولم تفعل ذلك إلّ في وقت متأخر على نحوٍ يكاد يكون رمزيًّا ومحدودًا، على الرغم من الضغوط الأميركية الكبيرة التي كادت تفضي بالولايات المتحدة إلى تسليح العشائر على نحوٍ منفرد، من دون التنسيق مع الحكومة العراقية، قبل أن تعدل عن هذه الخطة. ومع ذلك، لا يزال رأيٌ ناشط داخل التفكير السياسي الأميركي، يدفع بالذهاب إلى مواجهة داعش بالاعتماد على المقاتلين السنّة والأكراد، اعتمادًا مباشرًا، من دون التنسيق مع الحكومة العراقية. وإنّ العامل الذي تحكّم في موقف الحكومة العراقية هو فقدان الثقة بنفسه، وقد تمثّل ذلك بالخشية من أن يفضيَ تسليح العشائر إلى تحوّلهم إلى قوَّة منظّمة، يمكن أن تكون نواةً للحرس الوطني، أو لأيّ شكل من أشكال اللامركزية الأمنية.

الإصلاح المؤجّل إلى إشعار آخر

ما من شكّ في أنّ التأخر في تنفيذ المسار الإصلاحي المتمثّل على الأقل بالبرنامج الحكومي، لن يفيد داعش فحسب، بل إنه سيعقّد المعركة أكثر فأكثر؛ ذلك أنه سيقلَّص مساحةَ مَن يمكن أن يندمج في مشروع الحرب على داعش من المجتمع السني، وسيحمل كثيرًا من هؤلاء إلى ضفّة داعش، من جهة أنّ تعثّ تنفيذ البرنامج الحكومي وتجاوز المُدد المحدّدة فيه لتنفيذ بنوده، سيعزّزان قناعةً كبيرةً لدى المجتمع السنّي بأنّ الحكومة التي يقودها الشيعة لا تملك إرادةً وغير جادّة في تسوية المشكلة السنّية، وسيعيد دمْج كثير من الأطراف الشيعية التي تعتقد أنه من الضروريّ حلّ المشكلة السنّية توافقيًّا لمصلحة الطرف الذي يعتمد مقاربةً عسكريةً لهذه المشكلة، ويُؤسس على التداخل بين داعش والمشكلة السنّية، وعلى أنّ داعش هو أحد تمظهرات الفضاء السنّي.

الأكثر خطورةً في هذه الحال، أنّ داعش، ولا سيما بعد معركة تكريت، بدأ يعود إلى مصدر قوته الأساسي، وهو الحاضنة الاجتماعية، وبدأ يعيد بناء علاقته بهذه الحاضنة، فأصبح يشدّد على هويته السنّية، وعلى أنه حامي السنّة؛ إذ دعا أبو بكر البغدادي، في الخطبة التي ألقاها بُعيد سقوط الموصل، النازحين من المناطق السنّية إلى العودة إلى ديارهم في المناطق التي يسيطر عليها داعش، بل إنه دعا المسلمين في كلّ العالم إلى "الهجرة إلى الدولة الإسلامية"؛ وذلك من خلال قوله: "يا أهل السنة في العراق، ونخصّ أهلنا في الأنبار، قلوبنا تتفطر لترككم منازلكم ودياركم ولجوئكم نحو الروافض وملحدي الأكراد وتشردكم في البلاد (...) عودوا إلى دياركم والزموا بيوتكم والتجئوا بعد الله إلى أهلكم في الدولة الإسلامية، فستجدون فيها بإذن الله الحضن الدافئ والملاذ الآمن، فأنتم أهلنا ندافع عنكم وعن أعراضكم وأموالكم، ونريد عزتكم وكرامتكم، ونريد أمنكم وسلامتكم ونجاتكم من النار". وأضاف البغدادي: "إنّا نستنفر كلّ مسلم في كلّ مكان للهجرة إلى الدولة الإسلامية أو القتال في مكانه حيث كان"12.

  1. تسجيل صوتي للبغدادي يدعو أهل الأنبار للعودة"، الجزيرة. نت، 15 / 5 / 2015، على الرابط: http://bit.ly/1gwAXQZ

يبدو أنّ البغداديُّ يسعى، على نحوٍ منهجي، لتقديم داعش بوصفه منافسًا في تمثيل السنّة في كلّ العالم تجاه التنظيمات السنّية المطروحة (الإخوان المسلمون، والسلفيون، والمملكة العربية السعودية.. إلخ). ففي خطبته التي بُثّت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، هاجم مَن سمّ هم "حكام المسلمين" من "المنافقين والمرتدين" و"أتباعهم من العلماء"، بسبب تحالفهم مع الولايات المتحدة، وذكر أنّ هذا الأمر لن يمنع داعش من أن يتمدد؛ إذ يقول: "اطمئنوا أيها المسلمون، فإنّ دولتكم بخير وبأحسن حال. لن يتوقف زحفها وستظل تمتد بإذن الله، ولو كره الكافرون". وأضاف: "إننا نبشركم بإعلان تمدّد الدولة الإسلامية إلى بلدان جديدة، إلى بلاد الحرمين واليمن، وإلى مصر وليبيا والجزائر، ونعلن قبول بيعة من بايعنا من إخواننا في تلك البلدان، وإلغاء أسماء الجماعات فيها، وإعلانها ولايات جديدةً للدولة الإسلامية، وتعيين ولاة عليها (...) لا مكان للمشركين في جزيرة النبي محمد (...) وعليكم أوَّلً بالرافضة حيثما وجدتموهم، ثمّ عليكم بآل سلول وجنودهم قبل الصليبيين وقواعدهم"13. وفي الحقيقة، يمارس داعش مع المجتمع السنّي عملً مزدوجًا: كسب الودّ، والإخضاع في الوقت نفسه. فإلى جانب محاولات كسب الودّ السالفة الذِّكر، شهدت المرحلة الماضية تصاعدًا في العنف الذي مارسه هذا التنظيم ضدّ المجتمع السنّي، وقصدًا إلى وضع هذا العنف في سياق بنية مشهدية يتعاطاها الجمهور العامّ. ويريد داعش من هذا العنف المفرط، أن يُخضع المجتمعَ السُنّي، ويتملكه بالرعب والخوف. ولعله يريد حاليًّا، أكثر من أيّ وقت مضى، أن يخضع الجمهور السُنّي بالرعب. وهذا يعني أنه يؤمن بعمق بأنّ مصدر قوته الأول هو المجتمع المحلّ والبيئة الحاضنة له، وبأنّ هذا المصدر نفسه هو التهديد الأول له أيضًا.

إصلاحات العبادي والحرب على داعش

في أكثر من مرّة، أدلى رئيس الوزراء العبادي بتصريحات تبدو غير منسجمة مع خطة مواجهة داعش، فقال إنه لا توجد حاضنة لداعش في المناطق السنّية، وإنّ مُعظم عناصر هذا التنظيم هم من الأجانب. ويمكن لهذه التصريحات التي لا تؤيّدها الوقائع أن تكون جزءًا من التعبئة العامّة ضدّ داعش بقدر ما توحي بأنّ الحكومة العراقية لا تعتمد مقاربةً لمواجهة داعش سوى المواجهة العسكرية، مادام هذا التنظيم مشكلةً أجنبيةً، ولا أساسَ سياسيًّا لها. ولذلك، فعلى الرغم من أنّ البرنامج الحكومي تضمّن ما يمكن عدُّه عناصرَ لمقاربة سياسية في مواجهة داعش، يبدو أنّ الحكومة - أو على الأقل الطبقة الشيعية الحاكمة - لا تعتمد، في واقع الحال، مقاربةً سياسيةً، وأنها غير جادة في تطبيق هذا البرنامج، على غرار ما تقدّم شرحه. وعلى الرغم من أنّ جزءًا واسعًا من الطبقة الشيعية الحاكمة يعتقد أنّ الإصلاحات داخل النظام السياسي ستؤدِّي إلى إعادة هيكلة مؤسسة السُلطة لغير مصلحتها، في سياق ثقافة سياسية تمرّنت على بناء قاعدة الحكم في هوية أحادية، فإنّ هذا الموقفُ يعبّ عن تيار شيعي محدّد، أصبحت كلمتُه هي النافذة. وفي الحقيقة، شهدت السنواتُ الأخ ةرر انقسامًا حادًّا داخل المشهد السياسي الشيعي، لعلّ أولى تمظهراته وضوحًا ترجع إلى أواخر عام 2009، في إثر الإعداد للانتخابات النيابية التي جرت في آذار/ مارس 2010، حين لم تستطع التنظيمات السياسية الشيعية دخول هذه الانتخابات بائتلاف انتخابي واحد، مثلما كان الأمر في انتخابات 2005، ودخلت بائتلافين متنافسين. وبعد الانتخابات، رفض جزء مهمّ من التنظيمات السياسية الشيعية تولِّ مرشّح ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، رئاسة الوزراء ولايةً ثانيةً، ليذهب جزء آخر من هذه التنظيمات، عام 2012، بالائتلاف مع القوى السنّية والكردية، إلى مشروع واسع لسحب الثقة عن رئيس الوزراء المالكي في ذلك الوقت. وبعد انتخابات مجالس المحافظات سنة 2013، كان ثمَّة خلاف واضح في مبدأ المحاصصة والحدود التي يمكن للتنظيمات الشيعية أن تأتلف خلالها مع القوى السنّية. وفي عام 2014، عملت هذه التنظيمات، مدعومةً بالمرجعية الدينية الشيعية في النجف، على إخراج المالكي من رئاسة الوزراء، وترشيح العبادي بديلً منه. قد يكون مصدر هذا الصراع هو الصراع على تمثيل الهوية الشيعية، على نحو ما يحدث في البلدان التي تعتمد أنظمةً توافقيةً تبدأ بكتلة موحدة لتمثيل الهوية الإثنية، ثمّ تشهد هذه الكتلةُ انقسامات وصراعات على تمثيل الهوية، غير أنّ ذلك الصراع تطور شيئًا فشيئًا، وآل إلى صراع على طريقة إدارة الدولة.

  1. أول خطاب لزعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي منذ انطلاق حملة "التحالف الدولي"، مقطع فيديو، /13 11 / 2014، على الرابط: https://m.youtube.com/watch?v=Ac0ofGHxJRs

لعله ليس من اليسير توصيف التيارين المذكورين إلا بلغة فيها شيء من التعسف والقسر. فسواء وصفنا هذا الانقسام بأنه انقسام بين "تيار عراقوي" وتيار إيراني، أو بأنه انقسام بين "تيار معتدل" و"تيار متشدد"، أو بغير ذلك من الوصف، فمن المؤكّد أنّ جوهر هذا الانقسام يدور حول الإشكالية العقدية الكامنة في السؤال: ما معنى "السُلطة الشيعية" في بلد متعدّد الهويات؟ لا شكّ في أنّ كلّ المسائل الأخرى، على أهميتها القصوى، هي فروع من هذه الإشكالية الجوهرية (العلاقة بإيران، أو تصور العلاقة بالسنّة وكيفيّة التعامل مع المشكلة السنّية، أو تصور الحرب على داعش.. إلخ). يتمحور أحد هذين التيارين حول المالكي الذي شكّل ائتلاف دولة القانون، ليضم قوى أصبح لها نفوذ أكبر بعد الحرب على داعش وتشكيل الحشد الشعبي؛ من قبيل منظّمة بدر بزعامة النائب هادي العامري، وعصائب أهل الحق بزعامة الشيخ قيس الخزعلي. أمّا التيار الآخر، فهو يضم اثنين من أكبر ثلاثة تنظيمات شيعية؛ هما المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتيار الصدري مدعومًا بمرجعية النجف. بعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش وتشكيل الحشد الشعبي، تزعّم التيارُ الأول قيادةَ الحشد، وأصبحت زعاماته هي الزعامات الأساسية فيه. وهكذا، قدّم نفسه بوصفه الطرف الشيعي الأول في التصدي لداعش، مستفيدًا من المخاوف الشيعية العامّة من تمكّن داعش من تهديد المراقد الشيعية المقدسة، أو العاصمة بغداد، ومن شعور شيعي عامّ بأنّ الحشد الشعبي هو تعبير عن استجابة شيعية عامّة لهذا التحدي. ومن ثمّة، تمكّن هذا التيار من تعبئة الجمهور الشيعي على أساس فكرة مفادها أنّ داعش ليس تعبيرًا عن أزمة سياسية، وأنّ الحرب عليه هو الخيار الوحيد، وقد كانت هذه التعبئةُ جزءًا من التنافس السياسي، ولا سيما أنّ هذا التيار يشعر بأنه أقصيَ من السُ لطة، بعد انتخابات فاز فيها. أمّا الطرف الآخر، فعلى الرغم من أنه وجد نفسه تجاه لعبة تنافس ديماغوجي، وخصوصًا أنّ داعش بدا تهديدًا وجوديًّا للشيعة؛ إذ حاول أن يقيم توازنًا صعبًا بين الانقسام الحادّ في المنطقة وتنافس المحاور فيها من جهة، وتناقضات المشهد السياسي الشيعي الداخلي من جهة أخرى. وحين انتقلت حركة الاحتجاج التي انطلقت أواسط تموز/ يوليو 2015، إلى بغداد، دخل التيار الأول، في ما بدا أنه محاولة لإسقاط حكومة العبادي، في السنة الأولى لتوليها الحكم، بتحميلها مسؤولية الانهيار المؤسسي الذي يعصف بالدولة العراقية. وكان واضحًا من بعض وسائل إعلام هذا التيار أنه دخل موجة الاحتجاجات بقوَّة. ففضلً عن أنه زجَّ بمؤيّديه في ساحات التظاهر، أطلق على هذه الحركة اسم "الحشد المدني"؛ أي إنها الذراع المدنية للحشد العسكري الذي يتزعمه هو. وعلى مستوى الشعارات السياسية، رفع هذا التيار شعار العودة إلى النظام الرئاسي، وهي دعوة ارتبطت بالمالكي الذي ما انفك يقترحها منذ عام 2008؛ وذلك في سياق تصور لنزعة شديدة المركزية يتزعمها هو. وهكذا، فإنّ مبادرة الإصلاح التي أعلن عنها رئيس الوزراء العبادي، يوم 9 آب/ أغسطس ٥١٠٢، قد أتت لمواجهة هذا التيار. وبعد أنّ ظلّ التيار الشيعي الآخر صامتًا نحو سنة كاملة وانتهاء حكومة العبادي إلى تكريس انقسام شيعي حادّ داخل مؤسسة السُلطة، بدلً من أن تكون بديلً كاملً من الحكومة السابقة، وما تمثّله من رؤى وقناعات وإستراتيجيات، يبدو أنّ هذا التيار قرّر أن يتخذ الخطوة الأقوى في هذه المواجهة. أتى الضوء الأخضر من المرجع الشيعي الأعلى، آية الله علي السيستاني، وهو الداعم الأقوى للعبادي، إذ وجّه ممثّله، في خطبة الجمعة يوم 7 آب/ أغسطس 2015، دعوةً إلى العبادي كي يواجه الفساد بأنْ "يضرب بيد من حديد". وقد قاد هذا إلى أن يُعِدّ العبادي وثيقة إصلاحات هيكلية جذرية، نوقشت مع زعامات المجلس الأعلى، والتيار الصدري، وبعض قادة حزب الدعوة الداعمين للعبادي، ثمّ أعلنها العبادي يوم 9 آب/ أغسطس 2015، ليصدقها مجلس الوزراء في اليوم نفسه، ويمررها إلى مجلس النواب، بوصفها مشروعًا، ولتحظى هذه الوثيقةُ بالتصديق البرلماني يوم 11 آب/ أغسطس.2015 أتت إصلاحات العبادي في لحظة حاسمة، إذ بدأ المجتمع الدولي والأطراف الفاعلة في التحالف الدولي تتململ ممّ يُوصَف بأنه "ضعف العبادي"، ومن عدم قدرته على مواجهة التيار الشيعي الآخر، وتفضيله أن يمسك العصا من الوسط. وقد كان من نتائج هذا التلكؤ استمرار سيطرة داعش على الرقعة الكبيرة التي سيطر عليها في صيف 2014، بل قد يكون الآن أشدّ قوّةً، في حين تتسم رؤية الحكومة العراقية للحرب على التنظيم بالاضطراب وعدم الوضوح. وعلى الرغم من ذلك، وجّهت إصلاحات العبادي الحركةَ نحو شعار واحد، من الناحية السياسية والمطلبية، هو "محاربة الفساد"؛ وهذا

يعني ترويج تأويل محدّد للانهيار المؤسسي في العراق متمثّل بأنه ناتج من الفساد.

صحيح أنّ العراق يحتلّ مراتب متقدّمةً، بحسب تقارير منظّمة الشفافية الدولية المتعلّقة بأكثر دول العالم فسادًا، وأنّ الفساد، بكل تأكيد، هو أحد أسباب عجز الدولة عن توافر الكهرباء، إلّ أنّ التركيز في شعار "محاربة الفساد" قد أدّى إلى تراجع المطلب الرئيس الذي نهضت من أجله الحركة (توافر الكهرباء). ولعل هذا التراجع ملائم للحكومة التي يبدو أنها غير قادرة على معالجة مشكلة الكهرباء. فهي ورثت اضطرابًا من الحكومات السابقة في خطط إعادة تأهيل المنظومة الكهربائية، علاوةً على أنّ الأزمة المالية الحادة التي تمرّ بها البلاد، لا تتيح لها إرصاد مبالغ كافية أو ميزانية ملائمة لمعالجة المشكلة. الأكثر من ذلك أنّ التركيز في شعار "محاربة الفساد" أدَّى إلى تراجع الشعارات الجوهرية الأخرى ذات المضمون السياسي؛ ومنها شعار "إنهاء المحاصصة"، فضلً عن حزمة المشكلات الكبيرة الأخرى التي تعترض البلاد، وفي صدارتها الانقسام الطائفي، والمشكلة السنّية، والمصالحة الوطنية التي تكاد تكون روح كلّ ما يعانيه العراق. بدا أنّ العبادي لم يبادر، خلال سنة كاملة من تشكيل حكومته في هذا الملفّ، على الرغم من أنّ البرنامج الذي تشكّلت وفقه الحكومة يضمن خريطة طريق تفصيلية في هذا المجال، وأنّه ظلّ في أكثر من مناسبة ينفي وجود أزمة شراكة سياسية، ويفسّ داعش بأنه مؤامرة أجنبية، وهذا كلّه هو الذي أفسح المجال للتيار الشيعي الآخر لكي يفرض تصوره بشأن الحرب على داعش، وإدارة أزمة السنّة، والسجال الطائفي في المنطقة، ومن ثمّة يعبِّئ الشارع الشيعي في هذا الإطار، وبقدر ما كان الأمر كذلك، فإنه يُنتظر أن تُستكمَل مبادرة الإصلاح بمبادرات مفصلية في هذا المجال، تساهم في إطلاق مبادرة تجاه المشكلة السنّية، وأبعد من ذلك، إعادة تصور مؤسسة الحكم، في بلد لم يعُد يتحمل مزيدًا من الانتظار. وجد العبادي نفسه أمام مبادرة إصلاح، إلا أنه - في ما يبدو - غير قادر على المضيّ فيها. وفي هذا السياق، تبدو خطواته، منذ تلك اللحظة، محاولةً للالتفاف على جوهر مطالب الحركة، وقد وصَف هذه الحركةَ بأنها ثورة على الفساد، استتبعت ما يشبه "انتفاضةً إداريةً"، عمل من خلالها على إلغاء حلقات غير قليلة في الجهاز البيروقراطي للدولة، وأفضت إلى قيام بعض مجالس المحافظات بإلغاء المجالس البلدية ومجالس الأقضية والنواحي، فضلً عن حركة استقالات لمجموعة من المحافظين، طوعًا، أو تحت إكراه الجمهور. لا شكّ في أنّ هذا البعدُ الإداري يشكّل جزءًا من الحركة الاحتجاجية، ولكن يبدو أيضًا أنّ اختزال الحركة في أنها ثورة على الفساد وانتفاضة إدارية التفافٌ على الحركة. فمن جهة، لا يستطيع العبادي إصلاح المنظومة الكهربائية المعطّلة؛ بسبب إخفاق التخطيط الإستراتيجي، وليس بسبب الفساد وحده، ثمّ إنّ الدولة التي لا تكاد تسدّد رواتبَ موظفيها لا تملك الأموال الكافية لإصلاح تلك المنظومة. ومن جهة أخرى، يبدو أنّ العبادي ليس بصدد تطوير وثيقة الإصلاح التي أعلن عنها، وهي إصلاحات مالية وإدارية واقتصادية أساسًا، إلى إصلاح سياسي جذري. وحتى الآن، يبدو العبادي غير قادر على فهم الأزمة بوصفها أزمة نظام سياسي. فتردي الخدمات، وغياب التخطيط، وفراغ الخزينة العامّة، ما هي إلّ مظاهر لنظام سياسي مأزوم، والدولة الفاشلة ودولة الفساد كلاهما نتاجٌ للنظام السياسي. ما لم يتجه العبادي إلى جوهر المشكلة، ستبقى "إصلاحاته" ضربًا من "الترقيع الفوقيّ "، ولن تستطيع أن تنزع فتيل الاضطراب. والنتيجة الأكثر أهميةً، في هذا السياق، هي أنه من دون مبادرة إصلاح سياسي جادّة وحقيقية، يبعُد أن تكون مواجهة الحكومة العراقية لداعش ممكنةً. تبدو الخلاصة المكثفة للحصيلة المرّة طوال سنة كاملة من الحرب على داعش وسنة كاملة من بناء رؤى وتصورات وخطط لهذه الحرب اضطرابًا في الرؤى، وتناقضات في الخطط، وافتقادًا لإرادة لفلسفة متماسكة في مواجهة التنظيم. وبإزاء ذلك كلّه، يبدو داعش الآن أقوى ممّ كان عليه في أيّ وقت آخر.